← Фикх общий

Фикх общий · id 133371

الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

موافقي الأمين

Полный текст (722 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» (١). وجه الاستدلال: أن هذه الأحاديث دليل على أن من أصبح جنبا فصومه صحيح ولا قضاء عليه، من غير فرق أن تكون الجنابة عن جِماع أو غيره (٢). الدليل الخامس: ولأن الغسل شيء وجب بالإنزال، وليس في فِعله شيء يَحْرُم على الصائم، فإن الصائم قد يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل ولا يَفسُد صومه، بل يُتمّه إجماعا؛ فكذلك إذا احتلم ليلا، بل هو من باب أولى. وإنما يُمنَع الصائم من تَعمُّد الجِماع نهارا (٣). الدليل السادس: ولأن حَدثَه إذا انقطع لم يبق أكثر من وجوب الطهارة، وذلك لا يمنع الصوم كالمُحْدِث (٤). أدلة القول الثاني: القائلين بأن صيامه غير صحيح وعليه القضاء. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: أنه ﷺ قال: «من أدركه الفجر جُنُبا فلا يصم» (٥). الدليل الثاني: وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نودي للصلاة، صلاة الصبح، وأحدكم جُنُب فلا يصم يومئذ» (٦). وجه الاستدلال: في الحديث نهي النبي ﷺ مَن أجنب ليلا واستمر جنبا -فلم يغتسل حتى طلع الفجر- عن الصوم، وظاهره يقتضي أنه لا فرق بين أن يكون ذلك باختياره كالجِماع أو بغير اختياره كالاحتلام (٧).

стр. 352

الدليل الثالث: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر (١) أنه احتلم ليلا في رمضان فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر, ثم نام قبل أن يغتسل, فلم يستيقظ حتى أصبح, قال: فلقيت أبا هريرة ﵁ حين أصبحت فاستفتيته في ذلك, فقال: «أفطر, فإن رسول الله ﷺ كان يأمر بالفطر إذا أصبح الرجل جنبا» (٢). الترجيح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الأول: أن صيامه صحيح, وإن اغتسل بعد الفجر؛ لصحة ما استدلوا به, ولثبوته عن النبي، ولأن أمر الأمة استقر على صحة صيام من لم يغتسل من الجنابة إلا بعد طلوع الفجر. قال النووي: "ثم ارتفع هذا الخلاف، وأجمع العلماء بعد هؤلاء على صحته" (٣). وأما أدلة القول الثاني فيجاب عنها بما يلي: أولا: أن أبا هريرة ﵁ قد تراجع عن هذه الفتوى كما ثبت عنه, وهذه النصوص توضح ذلك: الأول: عن عامر بن أبي أُمَيَّة (٤) ¢، أخي أم سَلَمة ﵂: "أن أم سلمة حدثته «أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنبا ثم يصوم» , قال: «فَرَدَّ أبو هريرة فُتياه» (٥). الثاني: ذُكِر لأبي هريرة ﵁ أن أم سلمة وعائشة ﵄ تقولان: «كان النبي ﵁ يصبح جُنُبا من غير حلم، ثم يصوم»، قال: «هما أعلم»، ثم رد أبو هريرة ﵁ ما كان يقول في ذلك إلى

стр. 353

الفَضْل بن العَبَاس (١) , فقال أبو هريرة: «سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي ﷺ »، قال: «فرجعَ أبو هريرة عما كان يقول في ذلك الحديث» (٢). الثالث: عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: «من احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم، قال: ثم سمعته نزع عن ذلك» (٣). الرابع: عن سعيد بن المسيب، «أن أبا هريرة ﵁ رجع عن فتياه: من أصبح جنبا فلا صوم له» (٤). وبثبوت رجوع أبي هريرة ﵁ عن فتياه لا تبقى أية حجة، بل ولا أية شبهة، لمن خالف قول الجمهور. ثانيا: وأما حديث أبي هريرة ﵁ فيجاب عنه: أن حديث أبي هريرة ﵁ منسوخ, وأنه كان في أول الأمر حين كان الجماع محرما في الليل بعد النوم كما كان الطعام والشراب محرما, ثم نسخ ذلك ولم يعلمه أبو هريرة ﵁ , فكان يفتي بما علمه حتى بلغه الناسخ, فرجع إليه (٥). والله أعلم.

стр. 354

المطلب الثالث عشر: حكم صيام الحائض والنُفَساء إذا طهرت قبل الفجر، ولم تغتسل إلا بعد الفجر . اختيار الشيخ: اختار أن الحائض والنُفَساء إذا طهرت قبل الفجر وأخرت الاغتسال إلى ما بعد الفجر فصيامها صحيح، فقال: "فائدة: في معنى الجنب الحائض والنفساء إذا انقطع دمها ليلا ثم طلع الفجر قبل اغتسالها" (١). تحرير محل الخلاف: أجمع أهل العلم على أن الحائض والنُفَساء لا يحل لهما الصوم، وأنهما يفطران رمضان، ويقضيان، وأنهما إذا صامتا لم يجزئهما الصوم (٢)، لقول عائشة: «كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٣). واختلفوا في المرأة تَطهُر من دم الحيض أو النِفاس قبل طلوع الفجر فتؤخر اغتسالها حتى تصبح، هل صيامها صحيح؟ على قولين: القول الأول: صيامها صحيح. وبه قال: الحنفية (٤) , والمالكية في المذهب (٥) , والشافعية (٦) , والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨)، وهو اختيار الشيخ ﵀. القول الثاني: أن صيامها غير صحيح وعليها قضاء ذلك اليوم. وهو قول عند: المالكية (٩). وبه قال: الأوزاعي (١٠).

стр. 355

سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم: اختلافهم في الحائض إذا ارتفع الدم عنها، ورأت علامة الطهر، هل حكمها حكم الحائض في العبادات والعادات حتى تغتسل بالماء، أو حكمها حكم الطاهر في الجميع، وإن لم تغتسل؟ (١). أدلة القول الأول: القائلين بأن صيامها صحيح. الدليل الأول: لأنها محدِثة زال حَدَثُها قبل الفجر، ولم يبق عليها سوى فعل التطهير؛ فوجب أن يصح صومها كالجُنُب والمُحْدِث (٢). الدليل الثاني: ولأن الطُهْرَ من الحيض هو: رؤية المرأة للنَقاء، ولا يُشترط غُسْلها بالماء، فمن طلع عليها الفجر طاهرا، لزمها صوم ذلك اليوم؛ لأن الصوم ليس من شرطه الاغتسال (٣). الدليل الثالث: ولأن حَدَثها هذا زال موجِبه قبل الفجر، فلا يمنع بقاء حكمه صحة الصوم، كحَدَث الجنابة (٤). الدليل الرابع: ولأنها أهلٌ لأداء الصوم من أول النهار، فجاز صومها (٥). أدلة القول الثاني: القائلين بأن صيامها غير صحيح وعليها قضاء ذلك اليوم. الدليل الأول: لأنها في بعض اليوم غير طاهرة، وليست كالتي تصبح جُنُبا فتصوم؛ لأن الاحتلام إذا وقع في النهار لا ينقض الصيام، والحيض ينقضه (٦). الدليل الثاني: وقياسا على الحائض إذا طهرت -ولم تُفِرِّط في غُسْلِها- فإننا نسقِط عنها الصلاة، إذا لم تُدْرِك بعد غُسْلها مقدار ركعة في الوقت، فكذا من طهرت ولم تغتسل إلا بعد الفجر أسقطنا عنها الصيام (٧). الترجيح: الذي يترجح -إن شاء الله- هو القول الأول: أن من طهرت قبل الفجر وأخرت اغتسالها إلى ما بعد الفجر فصيامها صحيح؛ لأنها أهل لأداء الصوم من أول النهار، فجاز

стр. 356

صومها. وأما حدثها هذا فقد زال موجبه قبل الفجر فلا يمنع بقاء حكمه صحة الصوم؛ كحدث الجنابة. وأما قول أصحاب القول الثاني: إنها في بعض اليوم غير طاهرة وليست كالتي تصبح جنبا فتصوم؛ لأن الاحتلام إذا وقع في النهار لا ينقض الصيام والحيض ينقضه, فيجاب عنه: كيف تكون في بعضه حائضا، وقد كَمُلَ طُهْرُها قبل الفجر! ؛ ولذلك أُمرت بالغُسْل، ولو لم تكن طاهرا لَما أُمرت بالغُسْل. فهي طاهر وإن فَرَّطَت في غُسْلها إلى ما بعد الفجر. فيكون حكمها وحكم الجُنُب سواء (١). وأما قولهم: قياسا على الحائض إذا طهرت -ولم تفرط في غسلها- فإننا نسقط عنها الصلاة إذا لم تدرك بعد غسلها مقدار ركعة في الوقت، فيجاب عنه: أن هذا القياس غير مُسَلَّم به أصلا، لأن المسألة المَقيس عليها ليست مُسَلَّم بها، بل الحق -إن شاء الله- بخلاف ما رأوه (٢)؛ وذلك: لأننا خُوطِبنا بالوقوف على الدليل الشرعي، ومن أين لهم أن المرأة إذا طهرت قبل خروج وقت الصلاة بركعة ولم تفرط في الغسل ثم خرج وقت الصلاة بعد غُسْلها أسقطنا عنها الصلاة؟ ، وقد قال ﷺ : «من أدرك ركعة من الصلاة, فقد أدرك الصلاة» (٣) و (مَن) مِن أدوات العموم (٤) , فانظر هل حد لها النبي ﷺ حدا من الاغتسال ومقدار الاغتسال، أو أشار إليه؟ ، وليس في الأخبار شيء يدل على ذلك (٥). والله تعالى أعلم.

стр. 357

المطلب الرابع عشر: هل الغِيبة (١) وقول الزُور (٢) يفسدان الصيام؟ . اختيار الشيخ: اختار أنها لا تفسد الصيام كقول الجمهور فقال: "واعلم أن الجمهور على أن الكذب والغِيبة والنميمة لا تفسد الصوم، وعن الثوري والأوزاعي إن الغيبة تفسده والراجح الأول" (٣). تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء أن الصائم مأمور بتنزيه صومه عن الكذب والغِيبة وقول الزور (٤). واختلفوا هل يَفسد صيام من وقع منه ذلك على قولين: القول الأول: لا يَفسد صيامه. وهو قول: الحنفية (٥) , والمالكية (٦) , والشافعية (٧) , والحنابلة (٨)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يَفسد صيامه. وبه قال: الأوزاعي (٩)، والثوري (١٠)، وابن حزم الظاهري (١١). سبب الخلاف: وسبب اختلافهم -والله أعلم-: هو اختلاف فهمهم لبعض الأحاديث التي نهت الصائم عن الغِيبة وقول الزور ونحوهما من المعاصي.

стр. 358

أدلة القول الأول: القائلين لا يفسد صيامه. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن ظاهر القرآن يقضي بفساد صيام من لم يمسك عن الأكل والشرب والجماع، وظاهره يقضي بصحة ما عدا ذلك إلا ما خصه الدليل، وليست الغيبة وقول الزور ونحوهما مما خصه الدليل (٢). الدليل الثاني: ولأن الإجماع استقر على أن الغيبة وقول الزور وما شابهها من الأقوال المحرمة لا تُفطِّر الصائم (٣). الدليل الثالث: ولأن المُحرَّم إذا كان مُحرَّما في ذات العبادة أفسدها، وإن كان تَحريمه عاما لم يفسدها، فالأكل والشرب يفسدان الصوم؛ لأنهما مُحرَّمان في ذات العبادة، بخلاف الغيبة فإن تحريمَها عامٌ في الصيام وفي غير الصيام (٤). الدليل الرابع: ولأنه نوع كلام، فلا يفطر به؛ كسائر أنواع الكلام (٥). الدليل الخامس: ولأن كل شيء كان المباح منه لا يُفَطِّر، فإن المحظور منه لا يُفَطِّر، أصله القُبْلَة وعكسه الأكل والجِماع (٦). أدلة القول الثاني: القائلين يفسد صيامه. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من لم يدع قولَ الزور، والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامَه وشرابه» (٧).

стр. 359

الدليل الثاني: وعنه أيضا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والصيام جُنَّة (١)، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يَرْفث (٢)، ولا يَصْخَب (٣)، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتَلَه، فليقُل إني امرؤ صائم» (٤). الدليل الثالث: وعنه أيضا قال ¢: قال رسول الله ﷺ : «رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع, ورُبَّ قائم ليس له من قيامه إلا السهر» (٥). الدليل الرابع: وعنه أيضا قال ¢: قال رسول الله ﷺ : «ليس الصيام من الأكل والشرب فقط الصيام من اللَّغْو (٦)، والرَّفَث» (٧). وجه الاستدلال من الأحاديث: أن النبي ﷺ نهى عن الرَفَث والجهل في الصوم، فكان من فعل شيئا من ذلك - عامدا ذاكرا لصومه - لم يصم كما أُمر، ومن لم يصم كما أُمر، فإنه لم يصم؛ لأنه لم يأت بالصيام الذي أمره الله تعالى به، وهو السالم من الرَفَث والجهل، وهما اسمان يعمان كل معصية.

стр. 360

وأخبر ﷺ أن من لم يدع القول بالباطل -وهو الزور- ولم يدع العمل به, فلا حاجة لله تعالى في ترك طعامه وشرابه. فصح أن الله تعالى لا يرضى صومه ذلك ولا يتقبله، وإذا لم يَرْضَه ولا قَبِله فهو باطل ساقط (١). الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: وهو ما استقر عليه إجماع المسلمين من أن الغيبة وقول الزور ونحوهما من الأقوال المحرمة لا تُفَطِّر الصائم. وأما الأحاديث الصحيحة التي فهم منها بعض أهل العلم -كابن حزم- إفطار الصائم بسبب ارتكاب المعاصي كالغيبة وقول الزور, فقد أجاب عنها أهل العلم بما يشفي ويكفي: قال العَمْراني (٢): "وأما الخبر فالمراد به أنه يسقط ثوابه، حتى يصير في معنى المفطر، كقوله ﷺ : «من قال لأخيه والإمام يخطب: أَنْصِت, فلا جمعة له» (٣). ولم يُرِد أن صلاته تبطل، وإنما أراد أن ثوابه يسقط، حتى يصير في معنى من لم يصل" (٤). وقال ابن المُلَقِّن (٥): "أما فقه الباب فهو أن حكم الصائم الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذلك فقد نَقَص صيامه، وتعرض لسخط ربه تعالى وترك قبوله منه، وليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع قول الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور، وهذا كقوله ﷺ : «من باع الخمر

стр. 361

فليُشَقِّص (١) الخنازير» (٢)، يريد: أي: يَذْبَحها. ولم يأمره بشَقْصِها ولكنه على التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر، فكذلك حَذَّر الصائم من قول الزور والعمل به، ليَتِمَّ أجرُ صيامه" (٣). والله أعلم.

стр. 362

المبحث الثاني: في الكفارة، وخصالها وفيه تسعة مطالب: المطلب الأول: هل الإعسار يسقط كفارة الجماع في رمضان؟ . المطلب الثاني: هل على المرأة المجامعة في رمضان كفارة؟ . المطلب الثالث: هل على من جامع ناسيا في رمضان كفارة؟ . المطلب الرابع: هل الأكل والشرب في رمضان عمدا يوجبان الكفارة كالجماع؟ . المطلب الخامس: هل تجري الخصال الثلاثة في كفارة الجماع في رمضان أو هو الإطعام فقط؟ . المطلب السادس: هل الخصال الثلاثة في كفارة الجماع في رمضان على الترتيب أو على التخيير؟ . المطلب السابع: حكم اشتراط التتابع في صيام كفارة الجماع في رمضان. المطلب الثامن: ما هو الحد الواجب في الإطعام في كفارة الجماع في رمضان. المطلب التاسع: هل يشترط في الرقبة المعتقة في كفارة الجماع في رمضان أن تكون مؤمنة؟ .

стр. 363

المطلب الأول: هل الإِعْسار (١) يُسقِط كفارة الجماع في رمضان؟ . اختيار الشيخ: اختار أن الإعسار لا يسقط كفارة الجماع في رمضان، فقال: "وفيه دليل لما ذهب إليه الجمهور من أن الإعسار لا يسقط الكفارة" (٢). وقال أيضا: "الطريق الثاني، وهو الأقرب الأقوى أن يجعل إعطاءه إياها لا على جهة الكفارة عليه وعلى أهله بتلك الصدقة؛ لما ظهر من حاجتهم. وأما الكفارة فلم تسقط بذلك، ولكن ليس استقرارها في ذمته مأخوذا من هذا الحديث" (٣). تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أن الرجل إذا جامع بعد الفجر في رمضان أنه عاص إذا كان عالما بالنهي عن ذلك، وأن صيامه فاسد وعليه الكفارة (٤). واختلفوا إذا عجز عن الكفارة وقت وجوبها هل تثبت في ذمته على قولين: القول الأول: تسقط الكفارة عن المجامع في رمضان وإن استطاع بعد ذلك فلا شيء عليه. وهو: قول عند الشافعية (٥)، والمذهب عند الحنابلة (٦)، وبه قال الأوزاعي (٧). القول الثاني: تبقى الكفارة في ذمته إلى أن يجدها. وهو: الظاهر من مذهب الحنفية (٨) , وقول المالكية (٩) , والصحيح عند الشافعية (١٠). ورواية عند: الحنابلة (١١)، وهو اختيار الشيخ ﵀.

стр. 364

سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم في ذلك: أنه حكم مسكوت عنه، فيحتمل أن يُشبَّه بالديون، فيعود الوجوب عليه في وقت الإثراء (أي غناه). ويحتمل أن يقال: لو كان ذلك واجبا عليه لَبَيَّنه له ﷺ " (١). أدلة القول الأول: القائلين بسقوط الكفارة عن المعسر. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: «بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت! قال: «ما لك؟ ». قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : «هل تجد رقبة تعتقها؟ ». قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ». قال: لا. قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ ». قال: لا. قال: فمكث النبي ﷺ ». فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبي ﷺ بعَرَق (٢) فيها تمر، قال: «أين السائل؟ ». فقال: أنا. قال: «خذ هذا فتصدق به». فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ ! فوالله ما بين لَابَتَيْهَا (٣) أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» (٤). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ أنها قالت: «إن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إنه احترق (٥)! » , قال: «ما لك؟ ». قال: أصبت أهلي في رمضان. فأُتِي النبي ﷺ

стр. 365

بمِكْتل (١) يدعى العَرَق، فقال: «أين المحترق؟ ». قال: أنا. قال: «تصدق بهذا» (٢). وجه الاستدلال: أن قوله ﷺ : «أطعمه أهلك» دل على سقوط الكفارة بالإعسار المقارن لوجوبها؛ لأن الكفارة لا تصرف إلى النفس ولا إلى العيال، ولم يبين النبي ﷺ استقرارها في ذمته إلى حين يساره (٣). ولو كانت واجبة لم يسكت عنه حتى يبين ذلك له (٤). الدليل الثالث: وقياسا على زكاة الفطر إذا عدمها وقت الوجوب ثم وجدها فيما بعد؛ فإنها تسقط عنه؛ لتعلقها بطُهرة الصوم (٥). أدلة القول الثاني: القائلين تبقى الكفارة في ذمته إلى أن يجدها. الدليل الأول: استدلوا بحديث المجامع الذي استدل به أصحاب القول الأول. وجه الاستدلال: أن الأعرابي لما أخبر رسول الله ﷺ بعجزه عن أجناس الكفارة لم يبين له سقوطها عنه، بل أمر له بما يكفر به من التمر، فدل على ثبوتها في ذمته وإن عجز عنها (٦). قال الخطابي: "هذا رجل وجبت عليه الرقبة فلم يكن عنده ما يشتري به رقبة، فقيل له: صم، فلم يطق الصوم، فقيل له: أطعم ستين مسكينا، فلم يجد ما يطعم، فأمر له النبي ﷺ بطعام ليتصدق به، فأخبر أنه ليس بالمدينة أحوج منه, فلم ير له أن يتصدق على غيره ويترك نفسه وعياله، فلما نقص من ذلك بقدر ما أطعم أهله لقوت يومه صار طعاما لا يكفي ستين مسكينا، فسقطت عنه الكفارة الوقت فكانت في ذمته إلى أن يجدها، وصار كالمُفلِس (٧) يُمهَل ويؤجَل، وليس في الحديث أنه قال: لا كفارة عليك" (٨).

стр. 366

الدليل الثاني: وقياسا على سائر الديون والحقوق والمؤاخذات، كجَزاء الصَيْد (١) وغيره؛ فإنها لا تسقط بالعجز عنها (٢). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه تبقى الكفارة في ذمته إلى أن يجدها؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ولأن كل ما وجب أداؤه في حال اليسر، لزِم في الذِمَّة إلى المَيسَرة على وجهه، وليس في حديث الأعرابي أنه ﷺ قال له: إنها ساقطة عنك لعسرتك، بل في الحديث أن الأعرابي لما أخبر عن حاجته أباح النبي ﷺ له الانتفاع بما أعطاه، وأما ما في ذمته من الكفارة فلم يتعرض لحكمه ﷺ ، فبقي ذلك كما وجب عليه (٣). وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بحديث الأعرابي على إسقاط الكفارة، فيجاب عنه: أنه ليس في الحديث إسقاط الكفارة عن الأعرابي، وإنما هذا رجل ازدحمت عليه جهة الحاجة وجهة الكفارة، فقُدِّم الأهم، وهو الاقتيات، وبقيت الكفارة في ذمته إلى حين القدرة حسب ما أوجبها عليه الرسول ﷺ (٤). ثانيا: وأما قولهم قياسا على زكاة الفطر إذا عدمها وقت الوجوب ثم وجدها فيما بعد؛ فإنها تسقط عنه، فيجاب عنه: أن بينهما فرقا, فصدقة الفطر لها أمد تنتهي إليه، وكفارة الجماع لا أمد لها؛ فتستقر في الذمة (٥). والله أعلم.

стр. 367

المطلب الثاني: هل على المرأة المجامعة في رمضان كفارة ؟ . اختيار الشيخ: اختار أن على المجامع الكفارة وحده دون المرأة، فقال: "واستُدِل بأفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون المَوطوءة" (١). ثم حَكَم ببطلان زيادة: «أَهْلَكْت» والتي استُدِلّ بها على لزوم الكفارة على المرأة (٢). تحرير محل الخلاف: اتفق عامة أهل العلم أن الرجل إذا جامع بعد الفجر في رمضان عامدا أن عليه الكفارة (٣). واختلفوا في وجوب الكفارة على المرأة الصائمة إذا طاوعت (٤) في الجماع في نهار رمضان على قولين: القول الأول: لا تجب عليها الكفارة وعليها القضاء. وهو: أصح القولين عند الشافعية (٥)، ورواية عند الحنابلة (٦)، وقول الظاهرية (٧) , وهو اختيار الشيخ ﵀. القول الثاني: تجب عليها الكفارة وعليها القضاء. وبه قال: الحنفية (٨)، والمالكية (٩)، وقول عند الشافعية (١٠)، والمذهب عند الحنابلة (١١).

стр. 368

سبب الخلاف: قال ابن رشد: "وسبب اختلافهم: معارضة ظاهر الأثر للقياس؛ وذلك: أنه ﷺ لم يأمر المرأة في الحديث بكفارة، والقياس أنها مثل الرجل؛ إذ كان كلاهما مكلفا" (١). أدلة القول الأول: القائلين بأن المرأة لا تلزمها كفارة. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت! قال: «ما لك؟ ». قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : «هل تجد رقبة تعتقها؟ ». قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ». قال: لا. قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ ». قال: لا. قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أُتِي النبي ﷺ بعَرَق فيها تمر، قال: «أين السائل؟ ». فقال: أنا. قال: «خذ هذا فتصدق به». فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» (٢). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: إن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إنه احترق! قال: «ما لك؟ ». قال: أصبت أهلي في رمضان، فأتي النبي ﷺ بمِكْتل يدعى العَرَق، فقال: «أين المحترق؟ ». قال: أنا. قال: «تصدق بهذا» (٣). وجه الاستدلال: أن النص ورد في الرجل دون المرأة؛ وبيان ذلك من وجهين: الأول: أن النبي ﷺ أمر الواطئ في رمضان بالكفارة ولم يأمر في المرأة بشيء، مع علمه ﷺ بوجود ذلك منها (٤). والأعرابي إنما سأله عن فعل شارك فيه زوجته مع جهلها بحكمه، فاقتضى أن يكون جوابه ﷺ حكما لجميع الحادثة (٥). الثاني: أنه لمّا كان تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولم ينقل عنه ﷺ أنه أمر المرأة بالكفارة ولا راسلها بإخراجها مع جهلها بالحكم فيها دل على أن الكفارة لا تلزمها (٦).

стр. 369

ولهذا لما قال له ﷺ رجل: إن ابني كان عَسِيفا (١) على هذا، وإنه زَنى بامرأته، فقال النبي ﷺ : «على ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أُنَيْس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» (٢)، لم يهمل حكمها لغيبتها عن حضرته, فدل هذا على أنه لو رأى عليها كفارة لألزمها ذلك ولم يسكت عنها (٣). الدليل الثالث: لأن الكفارة هنا إنما وجبت لأجل الإصابة والوقوع على المرأة وجماعها. والجِماعُ إنما يفعله الرجل وحده، وإنما المرأة مُمَكِّنةٌ من الفعل ومَحلٌ له؛ والكفارة لم تُجَب لذلك (٤). الدليل الرابع: ولأنه حق في مال يتعلق بالوطء فوجب أن يختص الزوج بتَحمُّله، كالمهر (٥). الدليل الخامس: ولأن الجِماع فعلٌ واحد لا يتم إلا بهما، فأجزأت فيه كفارة واحدة (٦). أدلة القول الثاني: القائلين بأن المرأة تلزمها الكفارة. الدليل الأول: حديث الأعرابي السابق ذكره في أدلة القول الأول من رواية أبي هريرة وعائشة ﵄. وجه الاستدلال: أن أمر النبي ﷺ الرجلَ بالكفارة -بسبب ما كان منه من إفساد الصيام بالمواقعة- دليلٌ على أن على المرأة كفارة مثل الرجل؛ لأن الشريعة قد سَوَّتْ بين الناس في الأحكام إلا في مواضع قام عليها دليل التفريق. وإذا لزم المرأة القضاء؛ لأنها أفطرت بجماع متعمد - كما وجب على الرجل -، لزِمَها الكفارة لهذه العلة كالرجل سواء (٧). الدليل الثاني: حديث: «من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر (٨)» (٩).

стр. 370

وجه الاستدلال: أن الحديث جاء عاما، ولم يفرق بين مفطر أو مفطرة، وهذه مفطرة فيتناولها الحديث؛ لأن «مَن» تُطلَق على المذكر والمؤنث (١). الدليل الثالث: قياسا على قضاء ذلك اليوم، فلما وجب عليها قضاء ذلك اليوم وجبت عليها الكفارة عنه (٢). الدليل الرابع: ولأنها هتكت صوم رمضان بالجماع، فوجبت عليها الكفارة؛ كالرجل (٣)؛ وذلك لأنها إذا طاوعته على الجماع كان كل منهما فاعلا له ومشاركا فيه, فما وجب عليه لله من الكفارة والعقوبة وغير ذلك وجب عليها مثله (٤). الدليل الخامس: ولأن الكفارة عقوبة تتعلق بالجماع، فاستوى فيها الرجل والمرأة؛ كحد الزنا (٥). الدليل السادس: ولأنهما اشتركا في سبب تجب به الكفارة، فوجب أن يلزم كل واحد منهما كفارة؛ كالقتل (٦). الدليل السابع: ولأنها كفارة, فوجبت على كل واحد منهما؛ كالحدّ (٧) , فإن الحدود كفارات لأهلها؛ لأن الكفارة ماحية من وجه وزاجرة من وجه وجابرة من وجه, والمرأة محتاجة إلى هذه المعاني حسب احتياج الرجل (٨). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أن المرأة الصائمة إذا طاوعت في الجماع في نهار رمضان تجب عليها الكفارة؛ وذلك لقوة أدلة هذا القول، ولأن الشريعة قد سوت بين الناس في الأحكام إلا في مواضع قام عليها دليل التخصيص، ولا دليل على إسقاط الكفارة عن المرأة.

стр. 371

وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بحديث الأعرابي؛ فيجاب عنه من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: إن ما ذكر من المشابهة بين قصة الأعرابي وقصة العسيف لا يستقيم، وبيانه من وجهين: الأول: أن الرجل في حديث العسيف أخبر بما يوجب الحد، والحدود حق الله, يلزم الإمام استيفاؤها، أما الكفارة فهي معاملة بين العبد وبين ربه لا نظر للإمام فيها. الثاني: أن الحد في قصة العسيف مختلف: فإن المرأة كانت مُحصَنة، وحَدُّها الرجم، وكان الرجل غير مُحْصَن، وحَدُّه الجلد، فلم يكن بيان أحدهما بيانا للآخر، فلما اختلف البيان احتاج إلى شرحه، بخلاف مسألتنا: فإن الحكم لا يختلف، فكان البيان للرجل بيانا للمرأة (١). الوجه الثاني: أنه لا يُسلَّم أن هناك حاجة إلى إعلام المرأة؛ فإنها لم تعترف بسبب الكفارة. وإقرار الرجل عليها لا يوجب عليها حُكما. فيكون النبي ﷺ قد قَبِل قول الأعرابي على نفسه بإقراره، ولم يقبل قوله عليها. وقد يمكن أن تكون المرأة مفطرة بعذر، من مرض، أو سفر، أو تكون مكرهة، أو ناسية لصومها، أو نحو ذلك من الأمور. وإذا كان كذلك، فإن الحاجة تمس إلى إعلامها إذا ثبت الوجوب في حقها، ولم يثبت (٢). الوجه الثالث: لا يُسلَّم قولهم إن النبي ﷺ لم يبين حكم المرأة؛ فإن بيانه في حق الرجل بيان له في حق المرأة؛ لاستوائهما في تحريم الفطر، وانتهاك حرمة الصوم، مع العلم بأن سبب إيجاب الكفارة هو ذاك. والتنصيص على الحكم في بعض المكلفين كاف عن ذكره في حق الباقين. وهذا كما أنه ﵇ لم يذكر إيجاب الكفارة على سائر الناس غير الأعرابي لعلمهم بالاستواء في الحكم (٣).

стр. 372

وقد يقال أيضا: إن النبي ﷺ لم يأمرها بالقضاء، وقد أمر الأعرابي بالقضاء؛ لعلمه بأن حكمها حكمه, فما حمل عليه ترك ذكر القضاء؛ حمل عليه ترك ذكر الكفارة (١). ثانيا: وأما قولهم: إن الجماع فعل واحد لا يتم إلا بهما فأجزأت فيه كفارة واحدة، فيجاب عنه: أنه لا يخلو إيجابكم الكفارة الواحدة من أحد أمرين: إما أن تجب على الزوج وحده، أو تجب عليهما معا. فيبطل أن تجب على الزوج وحده؛ لاشتراكهما في موجب الكفارة وهو الوطء، ويبطل أن تجب عليهما معا؛ لأنه يقتضي أن يلزم كل واحد منهما نصف كفارة، وهذا خلاف الأصول (٢). ثالثا: وأما قولهم: إنه حق في مال يتعلق بالوطء فوجب أن يختص الزوج بتحمله كالمهر، فيجاب عنه: أن قياس الكفارة على المهر قياس مردود، للفرق بينهما، لأن التحمل في النكاح إنما يجري في مؤن الزوجية، ولا يجري في العبادات والعقوبات (٣). رابعا: وأما قولهم: إن الكفارة هنا إنما وجبت لأجل الإصابة والوقوع على المرأة وجماعها، والجماع إنما يفعله الرجل وحده، وإنما المرأة ممكنة من الفعل ومحل له، والكفارة لم تُوجَب لذلك، فيجاب عنه: بأن السبب جناية الإفساد لا نفس الوقاع، وقد شاركته فيها (٤). والله أعلم.

стр. 373

المطلب الثالث: هل على من جامع ناسيا في رمضان كفارة . اختيار الشيخ: اختار أن الناسي ليس عليه كفارة فقال: "وإذا تقرر ذلك فليس فيه حجة على وجوب الكفارة على الناسي" (١). وأما إسقاط القضاء فلاستدلاله بحديث: «من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة» (٢) (٣). تحرير محل الخلاف: قد مر معنا مسألة: حكم من أكل أو شرب ناسيا وهو صائم، وعرفنا أن العلماء قد اختلفوا في ذلك على قولين. ومما اختلفوا فيه أيضا حكم من جامع وهو ناسي لصومه، على ثلاثة أقوال: القول الأول: من جامع ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة. وبه قال: الحنفية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة في رواية (٦) , والحسن البصري, والثوري, وإسحاق ابن راهويه (٧) , والظاهرية (٨)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: عليه القضاء دون الكفارة. وبه قال: المالكية في المشهور (٩)، والحنابلة في رواية (١٠) , ورَبِيعة (١١) (١٢).

стр. 374

وهو قول: الأوزاعي، والليث، وعطاء في رواية (١). القول الثالث: عليه القضاء والكفارة. وبه قال: الحنابلة في المذهب (٢) , وابن الماجشون من المالكية (٣) , وعطاء في رواية (٤). سبب الخلاف: قال ابن رشد: "وسبب اختلافهم: معارضة ظاهر الأثر في ذلك للقياس، أما القياس: فهو تشبيه ناسي الصوم بناسي الصلاة، وأما الأثر المعارض بظاهره لهذا القياس: فهو ما جاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» (٥) " (٦). أدلة القول الأول: القائلين بأن من جامع ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه, فإنما أطعمه الله وسقاه» (٧). وجه الاستدلال: أن الحديث ورد في من أكل أو شرب ناسيا، لكنه معلول بعلة موجودة في الجماع ناسيا، وهي: أن هذا الفعل مضاف إلى الله تعالى على طريق التمحيص، بقوله ﷺ : «فإنما أطعمه الله وسقاه»، فقطع إضافته عن العبد؛ لوقوعه فيه من غير قصده واختياره، وهذا المعنى يوجد في الكل، والعلة إذا كانت منصوصا عليها كان الحكم منصوصا عليه (٨)، ويتعمم الحكم بمعموم العلة، وكذا معنى الحرج يوجد في الكل (٩).

стр. 375

وإنما ورد الحديث في الأكل والشرب؛ لأن الشارع علق الحكم بالغالب، وذلك لأن نسيان الجماع نادر بالنسبة إلى الأكل والشرب، والقاعدة: (أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة) (١) (٢). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: «من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة» (٣). وجه الاستدلال: أن في الحديث دليل على عدم وجوب القضاء عن المجامع؛ وذلك لعموم قوله ﷺ : «من أفطر في شهر رمضان»؛ لأن الفطر أعم من أن يكون بأكل أو شرب أو جماع، وإنما خص الأكل والشرب بالذكر في الطريق الأخرى لكونهما أغلب وقوعا، ولعدم الاستغناء عنهما غالبا (٤). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂، قالت: إن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إنه احترق، قال: «ما لك؟ »، قال: أصبت أهلي في رمضان، فأتي النبي ﷺ بمكتل يدعى العرق، فقال: «أين المحترق» قال: أنا، قال: «تصدق بهذا» (٥). وجه الاستدلال: في الحديث أن المجامع كان عامدا؛ لأنه ﷺ قال: «أين المحترق»، فأثبت له حكم العمد، فلا يلحق به الناسي (٦). الدليل الرابع: ولأن النسيان في باب الصوم مما يغلب وجوده ولا يمكن دفعه إلا بحرج, فجُعِل عذرا؛ دفعا للحرج (٧). أدلة القول الثاني: القائلين بأن عليه القضاء دون الكفارة. الدليل الأول: استدلوا على وجوب القضاء بأمرين:

стр. 376

الأول: القياس على ناسي الصلاة: فإن من نسي صلاته قضاها؛ فكذلك من أفسد صومه ناسيا يقضيه (١). الثاني: أنه جامع ناسيا، فيفطر؛ كمن أكل أو شرب ناسيا (٢). الثالث: ولأن القياس يقتضي الفساد في الكل؛ لفوات ركن الصوم في الكل، إلا أننا تركنا القياس بالخبر الوارد عن النبي ﷺ (٣)، وأنه ورد في الأكل والشرب فقط، فبقي الجماع على أصل القياس (٤). الدليل الثاني: واستدلوا لعدم إيجاب الكفارة بحديث ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٥). وجه الاستدلال: أن الحديث نص على أن الإثم موضوع عن الناسي، والكفارة في الفطر تتبع الإثم، وهو موضوع في الناسي، فلا إثم، وبالتالي فلا كفارة (٦). أدلة القول الثالث: القائلين بأن عليه القضاء والكفارة. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت! قال: «ما لك؟ ». قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : «هل تجد رقبة تعتقها؟ ». قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ». قال: لا. قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ ». قال: لا ... (٧).

стр. 377

وأما وجوب القضاء: فحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «أنه أمر الذي واقع أهله في رمضان أن يقضي يوما مكانه» (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يستفسر من الرجل هل كان جماعه عن عمد أو نسيان، ولو افترق الحال لسأل واستفصل (٢)، والحكم من الرسول ﷺ إذا ورد عَقِب ذكر واقعة محتملة لأحوال مختلفة الحكم من غير استفصال, يتنزل منزلة العموم (٣)، وهي القاعدة التي يعبر عنها بعض أهل العلم بقولهم: "ترك الاستفصال في حكايات الأحوال مع الاحتمال، يتنزل منزلة العموم في المَقال" (٤). الدليل الثاني: ولأن الصوم عبادة تُحرِّم الجِماع، فاستوى فيها عَمده وسَهوه كالحج (٥). الدليل الثالث: ولأنه جِماعٌ تامٌ صادفَ صوما، فوجب أن يفطر به كالعامد (٦). الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول: أن الصائم إذا جامع ناسيا لصومه فصومه صحيح ولا قضاء عليه ولا كفارة؛ لعموم حديث أبي هريرة المستدل به. وأما ما استدل به أصحاب القولين الآخرين فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما قياسهم ناسي الصيام على ناسي الصلاة, فيجاب عنه: أن هذا قياس مع الفارق؛ لأن القياس كان قد يصح لو أنه كان عليه صيام فنسي ولم يصمه، فهنا يقال له: صم يوما بدلا عن اليوم الذي نسيته، كالصلاة، ولكن النسيان هنا وقع داخل العبادة التي هي الصيام، فيقاس على النسيان داخل الصلاة.

стр. 378

ثانيا: وأما قولهم: إنه جامع ناسيا فيفطر كمن أكل أو شرب ناسيا، فيجاب عنه: أن هذا القياس مبني على أن الأكل والشرب ناسيا مفسد للصيام، وهذا غير صحيح، كما مر معنا في مسألة: حكم من أكل أو شرب ناسيا (١). ثالثا: وأما قولهم: إن القياس يقتضي الفساد في الكل؛ لفوات ركن الصوم في الكل، إلا أننا تركنا القياس بالخبر الوارد عن النبي ﷺ ، فبقي الجماع على أصل القياس, فيجاب عنه: أن الحديث وإن كان قد ورد في الأكل والشرب، لكنه معلول بمعنى يوجد في الكل، وهو: أنه فعل مضاف إلى الله تعالى على طريق التمحيص، بقوله: «فإنما أطعمه الله وسقاه» فقطع إضافته عن العبد لوقوعه فيه من غير قصده واختياره، وهذا المعنى يوجد في الكل، والعلة إذا كانت منصوصا عليها كان الحكم منصوصا عليه ويتعمم الحكم بعموم العلة (٢). رابعا: وأما استدلالهم بحديث المجامع في يوم رمضان وأنه لم يستفصل هل هو متعمد أو ناسي، فيجاب عنه: أنه قد تبين حاله بقوله: «هلكتُ»، و «احترقتُ»؛ فدل على أنه كان عامدا عارفا بالتحريم (٣). خامسا: وأما قياسهم الصيام على الحج، فيجاب عنه من وجهين: الأول: أنه قد لا يُسلَّم لكم أن من جامع ناسيا يفسد حجّه (٤). الثاني: وعلى التسليم بأن حج الناسي يفسد: فإنه لا يستقيم قياس الصيام على الحج؛ لأن النواهي في الحج نوعان: نوع استوى الحكم في عَمْده وسهوه كالحلق وقتل الصيد. ونوع فُرِّق بين عمده وسهوه كاللباس والطيب. فأُلحِق الجماع بالنوع الأول؛ لأنه إتلاف. أما الصيام فإن النواهي فيه نوع واحد، وقد وقع التفريق فيه بين العمد والنسيان، وذلك في القيء، فوجب إلحاق الجماع به (٥). قال ابن رشد: "وأما من أوجب القضاء والكفارة على المجامع ناسيا، فضعيف؛ فإن تأثير النسيان في إسقاط العقوبات بَيِّنٌ في الشرع، والكفارة من أنواع العقوبات" (٦). والله أعلم.

стр. 379

-

стр. 380

المطلب الرابع: هل الأكل والشرب في رمضان عمدا يوجبان الكفارة كالجماع ؟ . اختيار الشيخ: اختار أن الإفطار بالجماع هو الذي تجب فيه الكفارة فقط فقال رادّا على من سَوّى بين الجماع والأكل والشرب في لزوم الكفارة: "فمعظم الروايات فيها وطئت امرأتي ونحو ذلك" ثم قال بعد أن ذكر روايات الحديث: "فيحمل على أنه أراد أفطرت في رمضان بجماع" (١). تحرير محل الخلاف: أجمع أهل العلم أن من أكل أو شرب متعمدا أنه يفطر (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣). واختلفوا في من أكل أو شرب متعمدا هل تلزمه الكفارة كالجماع أو لا؟ على قولين: القول الأول: أن الأكل والشرب عمدا في رمضان يوجبان الكفارة كالجماع. وبه قال: الحنفية (٤) , والمالكية (٥)، والحنابلة في رواية (٦). القول الثاني: أن الأكل والشرب عمدا في رمضان لا يوجبان الكفارة. وبه قال: الشافعية (٧) , والحنابلة في المذهب (٨)، والظاهرية (٩)، وهو اختيار الشيخ. سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم: اختلافهم في جواز قياس المفطر بالأكل والشرب على المفطر بالجماع" (١٠). أدلة القول الأول: القائلين بأن الأكل والشرب عمدا في رمضان يوجبان الكفارة كالجماع.

стр. 381

الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : «أمر رجلا أفطر في رمضان، أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينا» (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ علَّق الكفارة بالإفطار (٢)؛ ولو كان الحكم يختلف لاستفصل وسأل عما أفطر به (٣)؛ فيكون عاما في كل فطر (٤). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر» (٥). وجه الاستدلال: أن على المظاهر الكفارة بنص القرآن (٦)، فكذا على المفطر متعمدا (٧). الدليل الثالث: ولأن هذا قَصَد إلى الفطر وهتك حرمة الصوم بما يقع به الفطر، فوجبت عليه الكفارة كالمجامع (٨). الدليل الرابع: ولأن دُعاء الطبع في وقت الصوم إلى الأكل أكثر منه إلى الجماع، والصبر عن الأكل أشد، فإيجاب الكفارة فيه أولى؛ كما أن حرمة التأفيف يقتضي حرمة الشتم بطريق الأولى (٩). الدليل الخامس: ولأن الكفارة إنما وجبت لكونها زاجرة عن المعاودة، وماحية للسيئة، وجابرة لما دخل من النقص على العبادة, وهذا يستوي فيه الأكل والوطء (١٠).

стр. 382

الدليل السادس: ولأن الأكل مما تدعو إليه الطباع، وتشتهيه النفوس كالجماع, وما كان من المحرمات تشتهيه الطباع كالزنا وشرب الخمر، فلا بد من زاجر شرعي. والزواجر إما حدود وإما كفارات، فلما لم يكن في الأكل حد؛ فلا بد فيه من كَفّارة (١). الدليل السابع: ولأنه إفطار بأعلى ما يقع به هتك حرمة الصوم من جنسه؛ فوجب أن تتعلق به الكفارة كالجماع (٢). الدليل الثامن: ولأن الصوم هو الإمساك عن الأكل والجماع، فكان الإفساد بأحدهما نظير الإفساد بالآخر، وإذا استويا في الإفساد واستويا في الإثم، فيجب أن يستويا في وجوب الرافع للإثم (٣). أدلة القول الثاني: القائلين بأن الأكل والشرب عمدا في رمضان لا يوجبان الكفارة. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض» (٤). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يأمر المستقيء عامدا بالكفارة، ومن أكل أو شرب متعمدا كان كالمستقيء عامدا (٥)؛ لأن فطرهم كلهم من حُلوقهم لا من فروجهم، بخلاف الواطئ (٦). الدليل الثاني: وعن عمر بن الخطاب ﵁: «أنه أُتِيَ برجل شَرِب الخمر في رمضان, فلما دنا منه جعل يقول: للمِنْخَرَيْن للمِنْخَرَيْن (٧)، وإن صبياننا صيام؟ ، ثم أمر به فضربه ثمانين سوطا، ثم سَيَّره إلى الشام» (٨).

стр. 383

الدليل الثالث: وعن علي ﵁ أنه أُتِي بالنجاشي (١) سكران من الخمر في رمضان، فتركه حتى صحا، ثم ضربه ثمانين، ثم أمر به إلى السجن، ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين، فقال: «ثمانين للخمر، وعشرين لجُرأتك على الله في رمضان» (٢). وجه الاستدلال: أن عمر ﵁ قد جلده, ولم يخبره أن عليه كفارة, وكذلك علي ﵁ جلده عشرين لأجل الفطر, ولم يخبره أن عليه كفارة, ولو كان ذلك عليه؛ لبيناه له؛ كما قد أقاما عليه الحد (٣). الدليل الرابع: ولأن وجوب الكفارة ثبت في المُجامِع معدولا به عن القياس؛ لأن وجوبها على المجامع لرفع الذنب عنه، والتوبة كافية لرفع الذنب في غير الجماع؛ بقاءً على الأصل (٤). الدليل الخامس: ولأن الكفارة من باب المقادير، والقياس لا يهتدي إلى تعيين المقادير، وإنما عُرف وجوبُها بالنص، والنص ورد في الجماع، والأكل والشرب ليسا في معناه؛ لأن الجماع أشد حرمة منهما، حتى يتعلق به وجوب الحد دونهما. فالنص الوارد في الجماع لا يكون واردا في الأكل والشرب، فيُقتصر على مَوْرِد النص (٥). الدليل السادس: ولأن كل عبادة مَنعت من الجِماع وغيره، كان حكم الجِماع فيها أعلى، كالحج: لَمّا استوى فيه حكم الجِماع وغيره في إيجاب الكفارة، اختص الجِماع بإفساد الحج دون غيره؛ تغليظا. فكذلك في الصوم: لَمّا ساوى الجِماعُ الأكلَ والشربَ في إفساد الصوم، اقتضى أن يختص الجِماع بالكفارة دون الأكل والشرب؛ تغليظا (٦).

стр. 384

الدليل السابع: ولأن الجِماع في الغالب يفسد صوم اثنين، بخلاف غيره (١). الترجيح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثاني: أن الأكل والشرب عمدا في رمضان لا يوجبان الكفارة؛ لقوة أدلتهم، ولأن الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة, وحديث الأعرابي إنما يوجبها في الجماع، فإلحاق الأكل والشرب به يحتاج إلى دليل, والقياس على الجماع غير واضح؛ لجواز أن يكون الجماع قد تضمن وصفا فارق به الأكل والشرب، فما لم يقم دليل على أن المُوجِب للكفارة هو مجرد الفطر، لم يجز إيجابها بمجرد الظن (٢). وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بحديث الأعرابي فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: إن استدلالهم بالإجمال الذي في قول الراوي: «أن النبي ﷺ أمر رجلا أفطر في رمضان» بالكفارة المذكورة، ليس بحجة; لأن قول الراوي: «فأَفطر» هو (مجمل) (٣)، والمجمل ليس له عموم فيؤخذ به، فيجب كون ذلك الفطر قد وقع بأمر خاص، وقد قام الدليل على أن المقصود فِطرُه بالجِماع؛ لمجيئه مبيّنا كذلك برواية من نحو عشرين رجلا عن أبي هريرة ﵁ (٤). الوجه الثاني: أنه يلزمهم القول بأن الكفارة تلزم من استقاء عمدا؛ لأنه متعمد للفطر، ولا يقولون به (٥). ثانيا: وأما استدلالهم بحديث: «من أفطر في رمضان فعليه ما على المظاهر» فيجاب عنه من ثلاثة أوجه: الأول: أن الحديث ضعيف لا تقوم به الحجة (٦).

стр. 385

والثاني: وعلى فرض صحته، فإن هذا الحديث هو نفسه حديث المجامع في رمضان، وإنما هذا اختصار من بعض الروات (١). الوجه الثالث: أن هذا الحديث أصلا لا دليل فيه على وجوب الكفارة؛ لأن على المظاهر الاستغفار فقط، وإنما تلزمه الكفارة إذا أراد العَود لا بالظهار. فكان دليل هذا الخبر يوجب على من أكل أو شرب متعمدا الاستغفار وسقوط الكفارة (٢). ثالثا: وأما قياس الأكل والشرب على الجماع فيجاب عنه من وجهين: الأول: أن الأصل براءة الذمة من هذه الكفارة, والحديث إنما يوجبها في الجِماع فإلحاق غيره به يحتاج إلى دليل, والقياس فيها ليس بالبين؛ لجواز أن يكون الجماع قد تضمن وصفا فارق به غيره, فما لم يقم دليل على أن المُوجِب للكفارة مجرد الفطر؛ لم يجز الإيجاب بمجرد الظن (٣). الثاني: أنه لو وَجَبت الكفارة لأجل الإفطار؛ لاستوى فيه جميع المفطرات، وأما تخصيص بعضها دون بعض فهو نوع تشريع يحتاج إلى دلالة الشرع (٤). والله أعلم.

стр. 386

المطلب الخامس: هل تجري الخِصال (١) الثلاثة في كفارة الجماع في رمضان أو هو الإطعام فقط؟ . اختيار الشيخ: اختار جريان الخصال الثلاثة في كفارة الجِماع في رمضان، فقال: "وفي الحديث دليل على جريان الخصال الثلاث المذكورة في الكفارة" (٢). تحرير محل الخلاف: مرّ معنا (٣) في المسائل السابقة حديث الأعرابي الذي جامع في يوم رمضان، وأن النبي أمره بالكفارة, وهي خصال ثلاث: عتق، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا. وقد ظنَّ بعض أهل العلم أن الإمام مالك لا يرى جريان الخصال الثلاثة في كفارة الجماع، ولا يرى إلا الإطعام فقط، وذلك لما ذكره ابن القاسم عن مالك في المدونة. حيث قال -جوابا عن سؤال سحنون (٤) -: "قلت: وكيف الكفارة في قول مالك؟ فقال: الطعام، لا يعرف غير الطعام، ولا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام" (٥). والحق أن الإمام مالك يرى جواز الخصال الثلاثة، كغيره من العلماء. قال أبو الحسن الرَّجْراجي (٦): "فتغالى بعض المتأخرين في تأويل هذه المسألة على ظاهر لفظه (٧) حتى قال: إن مالكا لا يرى غير الطعام. وهذا لا يحل تأويله عليه؛ لأنه خرق الإجماع؛ إذ لم يقل بذلك أحد" (٨).

стр. 387

وقال القاضي عياض: "وذهب مالك وأصحابه إلى التخيير في ذلك، إلا أنه استحب الإطعام، وعلى هذا نتأول قوله في المدونة، خلاف من ذهب إلى غير هذا في تأويله، وهو المنصوص له في غيرها" (١). ولكن مبنى هذه المسألة على مسألة جواز التخيير أو وجوب الترتيب في الخصال الثلاثة، التي ستأتي معنا (٢) بعد هذه المسألة إن شاء الله. فلما كان الإمام مالك ﵀ يقول بجواز التخيير في الخصال الثلاثة، وترجح عنده الإطعام لاعتبارات رآها، قَدَّمه على غيره. وقد جاء ذلك صريحا عنه؛ فقد قال في المدونة: "قلت (أي سحنون): أرأيتَ ما كان من كفّارة في الإفطار في رمضان، لِم لا يحمله مالك مَحمَل كفارة الظهار، وإنما هو مثله عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا؟ . قال (أي ابن القاسم): وقال مالك: إنما مَحْمَل ذلك مَحْمَل كفّارة الأَيْمان، ولا يُحمَل مَحْمَل كفارة الظهار، ولم يكن يرى مالك أن يُكَفِّر من أَكَل في رمضان إلا بإطعامٍ، ويقول هو أَحَبُّ إلي من العتق والصيام" (٣). فهذا النص صريح في أن الإمام مالك ﵀ كان يرى جواز التخيير في الخصال الثلاثة، وأنه كان يحملها محمل كفارة الأيمان التي هي على التخيير، لا محمل كفارة الظهار التي هي على الترتيب، وأن الإطعام هو الأحب إليه، مع جواز العتق والصيام عنده (٤). وبهذا تتحرر المسألة فيكون الخلاف فيها: هل يقدم الإطعام على غيره في كفارة الجماع في شهر رمضان؟ ، والخلاف فيها على قولين: القول الأول: يقدم الإطعام على غيره في كفارة الجماع في شهر رمضان. وهو قول: الإمام مالك (٥).

стр. 388

القول الثاني: لا يقدم الإطعام على غيره من الخصال في كفارة الجماع في شهر رمضان (١). وبه قال: الحنفية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥)، وهو اختيار الشيخ. سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم-: هو معارضة القياس للأثر؛ وذلك أن الأثر ثبت عن رسول الله ﷺ بتقديم العتق وتأخير الإطعام، والمقصود بالقياس الذي خالف الأثر؛ هو أن الإطعام قد وقع بدلا من الصيام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره (٦). أدلة القول الأول: القائلين بتقديم الإطعام على غيره في كفارة الجماع في شهر رمضان. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ أمر رجلا أفطر في رمضان، أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينا» (٧). وجه الاستدلال: أن الحديث جاء على التخيير؛ إذ موضوعية (أو) في كلام العرب للتخيير في غالب الاستعمال (٨). وإذا جاز تقديم الإطعام على غيره بهذا الحديث, فإن الدليل الثاني يبين أفضلية الإطعام على غيره. الدليل الثاني: عن عائشة ﵂، أنها قالت: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: احترقت، قال رسول الله ﷺ : «لم» قال: وطئت امرأتي في رمضان نهارا، قال: «تصدق، تصدق» قال:

стр. 389

ما عندي شيء، فأمره أن يجلس، فجاءه عَرَقان فيهما طعام، فأمره رسول الله ﷺ أن يتصدق به» (١). وجه الاستدلال: أن في هذا الحديث بيان اختيار الإطعام وتقديمه على غيره (٢). الدليل الثالث: ولأن الإطعام أعم نفعا من العتق والصيام: لأن العتق يَخُصُّ المُعَيَّن، والصيام لا منفعة فيه لغير الصائم، أما الإطعام فإنه يُسقِط الفرض، ويَعُمّ نفعه جماعة المساكين (٣). الدليل الرابع: تقديم القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لم تشهد له الأصول؛ وذلك أن الإطعام قد وقع بدلا من الصيام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره (٤). وبيان ذلك في ما يلي: أولا: أن الله تعالى قد ذكر الإطعام في القرآن رخصة للقادر في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٥)، ونَسخُ هذا الحكم لا يلزم منه نسخ الفضيلة بالذِكْر والتَعيين للإطعام؛ وذلك لاختيار الله تعالى له في حق المُفطر (٦). ثانيا: بقاء حكمه في حق المفطر للعذر: كالكِبَر والحمل والإرضاع (٧). ثالثا: جريان حكمه في حق من أَخَّر قضاء رمضان حتى دخل رمضان ثان (٨). رابعا: مناسبة إيجاب الإطعام لجبر فوات الصوم الذي هو: إمساك عن الطعام والشراب (٩). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يقدم الإطعام على غيره من الخصال في كفارة الجماع في شهر رمضان.

стр. 390

الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت! قال: «ما لك؟ ». قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : «هل تجد رقبة تعتقها؟ ». قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ». قال: لا. قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ ». قال: لا. قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أُتِي النبي ﷺ بعَرَق فيها تمر، قال: «أين السائل؟ ». فقال: أنا. قال: «خذ هذا فتصدق به». فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» (١). وجه الاستدلال: أن نص الحديث ظاهر في وجوب الكفارة مرتبة (٢)؛ لأن النبي أمر الأعرابي بالعتق، ثم رتب الصيام بالفاء على فقد العتق, ثم رتب الإطعام على العجز عن الصيام (٣). وعليه فلا وجه لتقديم الطعام على العتق. الدليل الثاني: وعلى رواية التخيير التي اعتمدها المالكية، فإن الأصل يقتضي متابعة ما تابعه النبي ﷺ وإن كان ذلك تخييرا, ولكن تبدئة النبي ﷺ بالعتق وختمه بالطعام لا يخلو من فائدة (٤). الراجح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثاني: أنه لا يقدم الإطعام على غيره من الخصال في كفارة الجماع في شهر رمضان؛ على ما سيتبين -إن شاء الله- من ترجيح في المسألة التالية: من وجوب ترتيب خصال الكفارة فلا وجه لتقديم الإطعام على العتق والصيام. وأما استدلال أصحاب القول الأول بحديث عائشة ﵂ فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن حديث أبي هريرة ﵁ الذي مر معنى في أدلة القول الثاني زاد فيه: «العتق والصيام»، والأخذ به أولى؛ لأن أبا هريرة ﵁ حَفِظَ ذلك ولم تَحفظْه عائشة ﵂ (٥). الوجه الثاني: أن عائشة ﵂ حكت ما استقر عليه الحال, وهو أمره بالصدقة؛ فإنه كان عند العجز عن العتق والصيام (٦).
следующие страницы →