← Фикх общий

Фикх общий · id 133371

الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

موافقي الأمين

Полный текст (722 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المطلب الخامس: هل تجري الخِصال (١) الثلاثة في كفارة الجماع في رمضان أو هو الإطعام فقط؟ . اختيار الشيخ: اختار جريان الخصال الثلاثة في كفارة الجِماع في رمضان، فقال: "وفي الحديث دليل على جريان الخصال الثلاث المذكورة في الكفارة" (٢). تحرير محل الخلاف: مرّ معنا (٣) في المسائل السابقة حديث الأعرابي الذي جامع في يوم رمضان، وأن النبي أمره بالكفارة, وهي خصال ثلاث: عتق، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا. وقد ظنَّ بعض أهل العلم أن الإمام مالك لا يرى جريان الخصال الثلاثة في كفارة الجماع، ولا يرى إلا الإطعام فقط، وذلك لما ذكره ابن القاسم عن مالك في المدونة. حيث قال -جوابا عن سؤال سحنون (٤) -: "قلت: وكيف الكفارة في قول مالك؟ فقال: الطعام، لا يعرف غير الطعام، ولا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام" (٥). والحق أن الإمام مالك يرى جواز الخصال الثلاثة، كغيره من العلماء. قال أبو الحسن الرَّجْراجي (٦): "فتغالى بعض المتأخرين في تأويل هذه المسألة على ظاهر لفظه (٧) حتى قال: إن مالكا لا يرى غير الطعام. وهذا لا يحل تأويله عليه؛ لأنه خرق الإجماع؛ إذ لم يقل بذلك أحد" (٨).

стр. 387

وقال القاضي عياض: "وذهب مالك وأصحابه إلى التخيير في ذلك، إلا أنه استحب الإطعام، وعلى هذا نتأول قوله في المدونة، خلاف من ذهب إلى غير هذا في تأويله، وهو المنصوص له في غيرها" (١). ولكن مبنى هذه المسألة على مسألة جواز التخيير أو وجوب الترتيب في الخصال الثلاثة، التي ستأتي معنا (٢) بعد هذه المسألة إن شاء الله. فلما كان الإمام مالك ﵀ يقول بجواز التخيير في الخصال الثلاثة، وترجح عنده الإطعام لاعتبارات رآها، قَدَّمه على غيره. وقد جاء ذلك صريحا عنه؛ فقد قال في المدونة: "قلت (أي سحنون): أرأيتَ ما كان من كفّارة في الإفطار في رمضان، لِم لا يحمله مالك مَحمَل كفارة الظهار، وإنما هو مثله عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا؟ . قال (أي ابن القاسم): وقال مالك: إنما مَحْمَل ذلك مَحْمَل كفّارة الأَيْمان، ولا يُحمَل مَحْمَل كفارة الظهار، ولم يكن يرى مالك أن يُكَفِّر من أَكَل في رمضان إلا بإطعامٍ، ويقول هو أَحَبُّ إلي من العتق والصيام" (٣). فهذا النص صريح في أن الإمام مالك ﵀ كان يرى جواز التخيير في الخصال الثلاثة، وأنه كان يحملها محمل كفارة الأيمان التي هي على التخيير، لا محمل كفارة الظهار التي هي على الترتيب، وأن الإطعام هو الأحب إليه، مع جواز العتق والصيام عنده (٤). وبهذا تتحرر المسألة فيكون الخلاف فيها: هل يقدم الإطعام على غيره في كفارة الجماع في شهر رمضان؟ ، والخلاف فيها على قولين: القول الأول: يقدم الإطعام على غيره في كفارة الجماع في شهر رمضان. وهو قول: الإمام مالك (٥).

стр. 388

القول الثاني: لا يقدم الإطعام على غيره من الخصال في كفارة الجماع في شهر رمضان (١). وبه قال: الحنفية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥)، وهو اختيار الشيخ. سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم-: هو معارضة القياس للأثر؛ وذلك أن الأثر ثبت عن رسول الله ﷺ بتقديم العتق وتأخير الإطعام، والمقصود بالقياس الذي خالف الأثر؛ هو أن الإطعام قد وقع بدلا من الصيام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره (٦). أدلة القول الأول: القائلين بتقديم الإطعام على غيره في كفارة الجماع في شهر رمضان. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ «أن النبي ﷺ أمر رجلا أفطر في رمضان، أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينا» (٧). وجه الاستدلال: أن الحديث جاء على التخيير؛ إذ موضوعية (أو) في كلام العرب للتخيير في غالب الاستعمال (٨). وإذا جاز تقديم الإطعام على غيره بهذا الحديث, فإن الدليل الثاني يبين أفضلية الإطعام على غيره. الدليل الثاني: عن عائشة ﵂، أنها قالت: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: احترقت، قال رسول الله ﷺ : «لم» قال: وطئت امرأتي في رمضان نهارا، قال: «تصدق، تصدق» قال:

стр. 389

ما عندي شيء، فأمره أن يجلس، فجاءه عَرَقان فيهما طعام، فأمره رسول الله ﷺ أن يتصدق به» (١). وجه الاستدلال: أن في هذا الحديث بيان اختيار الإطعام وتقديمه على غيره (٢). الدليل الثالث: ولأن الإطعام أعم نفعا من العتق والصيام: لأن العتق يَخُصُّ المُعَيَّن، والصيام لا منفعة فيه لغير الصائم، أما الإطعام فإنه يُسقِط الفرض، ويَعُمّ نفعه جماعة المساكين (٣). الدليل الرابع: تقديم القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لم تشهد له الأصول؛ وذلك أن الإطعام قد وقع بدلا من الصيام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره (٤). وبيان ذلك في ما يلي: أولا: أن الله تعالى قد ذكر الإطعام في القرآن رخصة للقادر في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٥)، ونَسخُ هذا الحكم لا يلزم منه نسخ الفضيلة بالذِكْر والتَعيين للإطعام؛ وذلك لاختيار الله تعالى له في حق المُفطر (٦). ثانيا: بقاء حكمه في حق المفطر للعذر: كالكِبَر والحمل والإرضاع (٧). ثالثا: جريان حكمه في حق من أَخَّر قضاء رمضان حتى دخل رمضان ثان (٨). رابعا: مناسبة إيجاب الإطعام لجبر فوات الصوم الذي هو: إمساك عن الطعام والشراب (٩). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يقدم الإطعام على غيره من الخصال في كفارة الجماع في شهر رمضان.

стр. 390

الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت! قال: «ما لك؟ ». قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : «هل تجد رقبة تعتقها؟ ». قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ». قال: لا. قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ ». قال: لا. قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أُتِي النبي ﷺ بعَرَق فيها تمر، قال: «أين السائل؟ ». فقال: أنا. قال: «خذ هذا فتصدق به». فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» (١). وجه الاستدلال: أن نص الحديث ظاهر في وجوب الكفارة مرتبة (٢)؛ لأن النبي أمر الأعرابي بالعتق، ثم رتب الصيام بالفاء على فقد العتق, ثم رتب الإطعام على العجز عن الصيام (٣). وعليه فلا وجه لتقديم الطعام على العتق. الدليل الثاني: وعلى رواية التخيير التي اعتمدها المالكية، فإن الأصل يقتضي متابعة ما تابعه النبي ﷺ وإن كان ذلك تخييرا, ولكن تبدئة النبي ﷺ بالعتق وختمه بالطعام لا يخلو من فائدة (٤). الراجح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثاني: أنه لا يقدم الإطعام على غيره من الخصال في كفارة الجماع في شهر رمضان؛ على ما سيتبين -إن شاء الله- من ترجيح في المسألة التالية: من وجوب ترتيب خصال الكفارة فلا وجه لتقديم الإطعام على العتق والصيام. وأما استدلال أصحاب القول الأول بحديث عائشة ﵂ فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن حديث أبي هريرة ﵁ الذي مر معنى في أدلة القول الثاني زاد فيه: «العتق والصيام»، والأخذ به أولى؛ لأن أبا هريرة ﵁ حَفِظَ ذلك ولم تَحفظْه عائشة ﵂ (٥). الوجه الثاني: أن عائشة ﵂ حكت ما استقر عليه الحال, وهو أمره بالصدقة؛ فإنه كان عند العجز عن العتق والصيام (٦).

стр. 391

وعلى القول بجواز التخيير بين الخصال الثلاثة فلا وجه أيضا لتقديم الإطعام. قال ابن دقيق العيد (١) -بعد أن ذكر وجوه تقديم المالكية الإطعام على غيره من خصال الكفارة-: "وهذه الوجوه لا تقاوم ما دل عليه الحديث من البداءة بالعتق، ثم بالصوم، ثم بالإطعام. فإن هذه البداءة إن لم تقتض وجوب الترتيب فلا أقل من أن تقتضي استحبابه" (٢). والله أعلم.

стр. 392

المطلب السادس: هل الخصال الثلاثة في كفارة الجماع في رمضان على الترتيب أو على التخيير ؟ (١). اختيار الشيخ: اختار الترتيب، فقال: "ويترجح الترتيب أيضا بأنه أحوط" (٢). اختلف الفقهاء في من وجبت عليه كفارة الإفطار في رمضان هل تكون خصالها على الترتيب أو على التخيير, على قولين: القول الأول: أنها على التخيير. وبه قال: المالكية في المشهور (٣)، والحنابلة في رواية (٤). القول الثاني: أنها على الترتيب. وبه قال: الحنفية (٥) , والمالكية في قول (٦)، والشافعية (٧) , والحنابلة في المذهب (٨) , والظاهرية (٩)، وهو اختيار الشيخ. سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم تعارض الآثار وتجاذب الاعتبار؛ والمقصود بتعارض الآثار: حديث الأعرابي الذي جامع في رمضان، فقد روي بما يفيد الترتيب، وروي بما يفيد التخيير. والمقصود بتجاذب الاعتبار: هل تقاس كفارة الإطعام في رمضان على كفارة الظهار، أو تقاس على كفارة الأيمان؟ (١٠). أدلة القول الأول: القائلين بأنها على التخيير.

стр. 393

الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أمر رجلا أفطر في رمضان، أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يطعم ستين مسكينا (١). وجه الاستدلال: أن الحديث جاء على التخيير؛ إذ موضوعية (أو) في كلام العرب للتخيير في غالب الاستعمال (٢). الدليل الثاني: ولأنها كفارة وجبت من غير عمد ولا إتلاف، فكانت على التخيير؛ أصله كفارة اليمين (٣). الدليل الثالث: ولأنها تجب بالمخالفة، فكانت على التخيير؛ ككفارة اليمين (٤). أدلة القول الثاني: القائلين بأنها على الترتيب. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت. قال: «وما شأنك؟ » قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: «تستطيع تعتق رقبة» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا» قال: لا. قال: «اجلس» فجلس، فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر -والعرق المكتل الضخم- قال: «خذ هذا فتصدق به» قال: أعلى أفقر منا؟ فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، قال: «أطعمه عيالك» (٥). وجه الاستدلال: أن استفهام النبي ﷺ على هذا الترتيب يوجب ترتيب الإيجاب في الكفارة على حسب ما وقع في السؤال ويكون ذلك كالكفارة في الظهار (٦). قال ابن دقيق العيد: "واستُدِلّ على الترتيب في الوجوب بالترتيب في السؤال، وقوله أولا: «هل تجد رقبة تعتقها»؟ ثم رتب الصوم بعد العتق، ثم الإطعام بعد الصوم" (٧).

стр. 394

الدليل الثاني: ولأن الترتيب زيادة، والأخذ بالزيادة متعين (١). الدليل الثالث: ولأنها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين، فكانت على الترتيب؛ ككفارة الظهار والقتل (٢). الدليل الرابع: ولأنها إذا وجبت على المظاهر على وجه الترتيب، فعلى المجامع في رمضان أولى؛ لأن ذنب المُجامِع أعظم؛ وذلك أن التحريم في الظهار ثبت بقول المكلف, وهنا ثبت بتحريم الله ابتداءً (٣). الدليل الخامس: ولأن الكفارات في الشرع نوعان: نوع بدئ فيه بالأغلظ فكان الترتيب فيه واجبا، مثل كفارة الظهار والقتل، فقد بدئ فيها بالعتق. ونوع بدئ فيه بالأخف، فكان التخيير فيه مستحقا مثل كفارة اليمين بدئ فيها بالإطعام. ثم وجدنا كفارة الجماع بدئ فيها بالأغلظ، وهو العتق؛ فوجب أن يكون الترتيب فيها مستحقا (٤). الدليل السادس: ولأنه إمساكٌ عن محظوراتٍ تجب بالوطء، وجَب فيه الكفارة؛ فكانت على الترتيب؛ ككفارة المجامع في إحرامه (٥). الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أن الكفارة على الترتيب؛ وذلك لوجوه: الوجه الأول: أن رواية الترتيب في حديث الأعرابي مُرجَحة على رواية التخيير؛ وذلك لما يلي: أولا: لأن الذين رووا الترتيب أكثر ممن روى التخيير، فإن الذين رووا الترتيب هم تمام ثلاثين نفسا أو أزيد (٦). ثانيا: ولأن راوي الترتيب حكى لفظ القصة على وجهها، فمعه زيادة علم من صورة الواقعة، وراوي التخيير حكى لفظ راوي الحديث، فدل على أنه من تَصرُّف بعض الرواة، إما لقصد الاختصار أو لغير ذلك (٧).

стр. 395

ثالثا: أن الأخذ بحديث الترتيب متضمن العمل بالحديث الآخر؛ لأنه يفسره ويبين المراد منه، والعمل بحديث التخيير لا يتضمن العمل بحديث الترتيب، ولا ريب أن العمل بالنصين أولى (١). رابعا: ولأن الترتيب أحوط؛ لأن الأخذ به مجزء، وإن قيل بجواز التخيير، بخلاف العكس (٢). خامسا: أن حرف (أو) وإن كان ظاهرا في التخيير فليس بنص فيه، وقوله ﷺ : «هل تستطيع» صريح في الترتيب؛ فإنه ﷺ لم يُجِز له الانتقال إلى الثاني إلا بعد إخباره بعجزه عما قبله، مع أنه صريح لفظ صاحب الشرع (٣). الوجه الثاني: أن كفارة الجماع في رمضان أشبه بكفارة الظهار والقتل منها بكفارة اليمين (٤)؛ لاشتراط تتابع الصيام في كفارة الجماع في رمضان وفي كفارة الظِهار والقتل، بخلاف كفارة اليمين فإنه لا يشترط تتابع الصيام فيها. قال ابن القيم: "قد رأينا صاحب الشرع جعل نظير هذه الكفارة سواء على الترتيب، وهي كفارة الظهار، وحكم النظير حكم نظيره. ولا ريب أن إلحاق كفارة الجماع في رمضان بكفارة الظهار وكفارة القتل، أولى وأشبه من إلحاقها بكفارة اليمين" (٥). والله أعلم.

стр. 396

المطلب السابع: حكم اشتراط التتابع في صيام كفارة الجماع في رمضان . اختيار الشيخ: اختار اشتراط التتابع، فقال: "وفيه اشتراط التتابع، وعلى هذا جمهور الفقهاء. وقال ابن أبي ليلى: ليس التتابع بلازم في ذلك، والحديث حجة عليه" (١). تحرير محل الخلاف: عرفنا في المسائل السابقة أن من خصال الكفارة التي تجب على المجامع في صيام رمضان: صيام شهرين؛ وذلك لوروده في حديث الأعرابي الذي جامع في رمضان. وقد اختلف الفقهاء هل يشترط أن تكون متتابعة أو يجوز أن تكون متفرقة؟ على قولين: القول الأول: يشترط في صوم هذه الكفارة التتابع. وهو قول: الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦)، وهو اختيار الشيخ ﵀. القول الثاني: يجوز أن تكون متفرقة. وبه قال: عبد الرحمن بن أبي لَيلى (٧). أدلة القول الأول: القائلين بأنه يشترط في صوم هذه الكفارة التتابع. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: هلكت. قال: «وما شأنك؟ » قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: «تستطيع تعتق رقبة» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا» قال: لا. قال: «اجلس» فجلس، فأتي النبي ﷺ بعرق فيه تمر -والعرق المكتل الضخم- قال: «خذ هذا فتصدق به» قال: أعلى أفقر منا؟ فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، قال: «أطعمه عيالك» (٨).

стр. 397

وجه الاستدلال: في الحديث حجة لما عليه الجمهور، وأجمع عليه بعد ذلك أئمة الفتوى من اشتراط صيام الشهرين متتابعين (١). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يجوز أن تكون متفرقة. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، «أن رجلا وقع بامرأته في رمضان فاستفتى رسول الله ﷺ »، فقال: «هل تجد رقبة»؟ قال: لا. قال: «هل تستطيع صيام شهرين»؟ قال: لا. قال: «فأطعم ستين مسكينا» (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث جاء مطلقا، ولم ينص على اشتراط التتابع، فدل على أنه غير لازم. الدليل الثاني: قياسا على قضاء رمضان: فكما أن قضاء رمضان لا يشترط فيه التتابع، فكذا صيام كفارة الجماع لا يشترط فيها التتابع (٣). الراجح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو قول الجمهور أصحاب القول الأول: المشترطين التتابع لورود ذلك صريحا في حديث أبي هريرة ﵁ حيث جاء مقيدا بالتتابع، ولأن الإجماع استقر عليه. قال النووي -بعد قوله: «هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين» -: "فيه حجة لمذهبنا ومذهب الجمهور، وأُجمِع عليه في الأعصار المتأخرة, وهو: اشتراط التتابع في صيام هذين الشهرين" (٤). وأما استدلال أصحاب القول الثاني بالإطلاق الذي في حديث أبي هريرة ﵁ في الرواية الأخرى حيث ذكر الشهرين ولم يذكر التتابع، فيجاب عنه: أن أغلب الروايات جاءت مقيدة بالتتابع، فيحمل المطلق عليه (٥). والله أعلم.

стр. 398

المطلب الثامن: ما هو الحد الواجب في الإطعام في كفارة الجماع في رمضان ؟ . اختيار الشيخ: اختار أن الكفارة إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مُدّ (١) , موافقة للمالكية والشافعية، فقال -في معرض رده توجيه الحنفية بأن قصة الأعرابي المجامع متعددة، واستدلالهم بحديث المُظاهر (٢) على أن الكفارة الواردة فيه هي كفارة الجماع، وأن أدلة المالكية والشافعية فيها اضطراب-: "قلت: دعوى التعدد مخدوشة لكونها خلاف الظاهر والأصل. وأما رواية أبي داود في قصة المظاهر ففي إسنادها محمد بن إسحاق وقد عنعن ... ودعوى الاضطراب في حديث أبي هريرة مدفوعة كما رأيت" (٣). ولم يذكر مذهب الحنابلة. تحرير المسألة: قد مر معنا أن النبي ﷺ قد أمر الأعرابي بإطعام ستين مسكينا في كفارة الجماع في رمضان (٤). وقد اختلف الفقهاء في مقدار هذه الكفارة على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنها ٣٠ صاعا (٦٠ مُدّا) من البُرّ لكل مسكين نصف صاع أي: مُدان، أو ٦٠ صاعا (١٢٠ مُدّا) من غير البُرّ لكل مسكين صاع أي: أربعة أمداد. وبه قال: الحنفية (٥). القول الثاني: أنها ١٥ صاعا (٦٠ مدا) لكل مسكين ربع صاع أي: مُدّ. وبه قال: المالكية (٦) , والشافعية (٧)، والظاهرية (٨)، وهو اختيار الشيخ. القول الثالث: أنها ١٥ صاعا (٦٠ مُدّا) لكل مسكين ربع صاع أي: مُدّ من البُرّ، أو ٣٠ صاعا (٦٠ مدا) من غير البُرّ لكل مسكين نصف صاع أي: مُدان.

стр. 399

وبه قال: الحنابلة (١). سبب الخلاف: وسبب اختلافهم في هذه المسألة: هو اختلاف الأحاديث الواردة في تقدير الكفارات الأخرى، وأخذ كل واحد منهم ما ثبت عنده منها، واطمأنت إليه نفسه (٢). أدلة القول الأول: القائلين بأنها ٣٠ صاعا (٦٠ مدا) من البر لكل مسكين نصف صاع أي مدان، أو ٦٠ صاعا (١٢٠ مدا) من غير البر لكل مسكين صاع أي أربعة أمداد. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٣). وجه الاستدلال: أن المُدّ ليس من الأوسط، بل أوسط طعام الأهل يزيد على المُدّ في الغالب (٤). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂، أنها قالت: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: احترقت، قال رسول الله ﷺ : «لم؟ » قال: وطئت امرأتي في رمضان نهارا، قال: «تصدق، تصدق» قال: ما عندي شيء، فأمره أن يجلس، فجاءه عرقان فيهما طعام، فأمره رسول الله ﷺ أن يتصدق به (٥). وجه الاستدلال: إذا كان العرق خمسة عشر صاعا، فالعرقان ثلاثون صاعا، على ستين مسكينا، لكل مسكين نصف صاع (٦). وحملوا الطعام هنا على أنه البُرّ (٧). الدليل الثالث: عن أَوْس بن الصامت (٨) ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «أعتق رقبة، فقال: ليس عندي، فقال: «صم شهرين متتابعين»، قال: لا أقدر، قال: «فأطعم ستين مسكينا ثلاثين صاعا»، قال: لا أملك ذلك إلا أن تعينني, فأعانه النبي ﷺ بخمسة عشر صاعا, وأعانه

стр. 400

الناس حتى بلغ, فقال: والله ما أحد أفقر إليه مني ومن أهل بيتي، فقال: «خذها أنت وأهل بيتك» (١). الدليل الرابع: عن سلَمة بن صخْر البَيَاضي (٢) ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «فأطعم وَسَقا (٣) من تمر بين ستين مسكينا» قال: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين (٤) ما أملك لنا طعاما، قال: «فانطلق إلى صاحب صدقة بني زُرَيْق (٥) فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها» (٦). وجه الاستدلال: من هذين الحديثين الثالث والرابع أخذ الحنفية مذهبهم المتقدم؛ لأن الإطعام في كفارة اليمين مقدر بالإطعام في غيره من الكفارات الأخرى، وقد ثبت في حديث أوس ¢ أن النبي ﷺ أمره بأن يطعم الستين مسكينا ثلاثين صاعا، وثبت عندهم أن الطعام كان من البُرّ، فاقتضى ذلك أن كل مسكين له نصف صاع، وذلك مقدر بمُدَيْن. وثبت في حديث سلمة ¢ أن النبي ﷺ أمره بأن يطعم ستين مسكينا وسقا من التمر والوسق مقداره: ستون صاعا، فيكون للمسكين الواحد صاع أعني أربعة أمداد، وبذلك تم

стр. 401

لهم أن الواجب في الكفارة من الطعام نصف صاع من البر لكل مسكين، وصاع من غيره كالتمر ونحوه؛ لأنها أقل منزلة من البُرّ، ولا تفاوت بينها عندهم (١). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵁، قال: «كَفَّر رسول الله ﷺ بصاع من تمر وأمر الناس بذلك، فمن لم يجد فنصف صاع من بُرّ» (٢). الدليل السادس: ولأنه قول عمر، وعلي، وعائشة ﵃ (٣). الدليل السابع: ولأن هذه صدقة مُقَدَّرة بقوت يومٍ لمسكين، فلا تنقص عن نصف صاع، كصدقة الفطر والأذى (٤). أدلة القول الثاني: القائلين بأنها ١٥ صاعا (٦٠ مدا) لكل مسكين ربع صاع أي مُدّ. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، قال: «بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاء رجل يَنتِف شعره، ويدعو ويله فقال له رسول الله ﷺ : «ما لك»؟ قال: وقع على امرأته في رمضان، قال: «أعتق رقبة»، قال: لا أجدها، قال: «صم شهرين متتابعين»، قال: لا أستطيع، قال: «أطعم ستين مسكينا»، قال: لا أجد، قال: فأُتِيَ رسول الله ﷺ بعَرْق فيه خمسة عشر صاعا من تمر، قال: «خذ هذا فأطعمه عنك ستين مسكينا» ... » (٥). وجه الاستدلال: ظاهر هذا الحديث يدل على أن قدر خمسة عشر صاعا كافٍ لكفارة الجماع في رمضان، لكل مسكين مُدٌّ؛ لأن العَرَق الذي أُتي به كان فيه هذا المقدار، وقد دفعه النبي ﷺ إلى الأعرابي ليُكَفِّر به (٦).

стр. 402

الدليل الثاني: عن سلمة بن صخر ﵁: «أن رسول الله ﷺ أعطاه مِكْتَلا فيه خمسة عشر صاعا , فقال: «أطعمه ستين مسكينا, وذلك لكل مسكينا مُد» (١). الدليل الثالث: عن أوس بن الصامت ﵁: «أن النبي ﷺ أعطاه خمسة عشر صاعا من شعير إطعام ستين مسكينا» (٢). وجه الاستدلال: فهذه الرواية تثبت أن الطعام كان من الشعير، وأن المقدار الذي أعطي للمساكين خمسة عشر صاعا، فيكون للمسكين الواحد مد من الشعير. ومن هذا أخذ الشافعي ومالك? مذهبيهما؛ لأنه لا فرق عندهما بين الشعير وغيره من باقي الأصناف، والإطعام عندهم هو نفسه في جميع الكفارات (٣). الدليل الرابع: أن هذا هو قول ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت ﵃ (٤). أدلة القول الثالث: القائلين بأن عليه لكل مسكين مدا من بر، أو مدين من غيره. الدليل الأول: عن امرأة من بني بَيَاضَة (٥) أنها جاءت بنصف وسق من شعير، فقال النبي ﷺ للمظاهر: «أطعم هذا فإن مُدَيْ شعير مكان مُدّ بُرّ» (٦).

стр. 403

الدليل الثاني: في حديث أوس بن الصامت أن النبي ﷺ قال: «إني سأعينه بعَرق من تمر»، فقالت امرأته: يا رسول الله إني سأعينه بعَرْق آخر قال: «أحسنت اذهبي، فأطعمي بها عنه ستين مسكينا، وارجعي إلى ابن عمك» قال: والعَرْق: ستون صاعا (١). وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: «يعني بالعَرْق: زِنْبيلا يأخذ خمسة عشر صاعا» (٢). وجه الاستدلال: من هذين الحديثين أخذ الإمام أحمد بن حنبل مذهبه وهو ظاهر، فإن الحديث الأول أمر فيه النبي ﷺ المظاهر بأن يطعم نصف الوسق من الشعير أعني ثلاثين صاعا منه ستين مسكينا فيكون لكل مسكين نصف صاع من الشعير، أعني: مُدَّين، وغير الشعير -ما عدا البُرّ- كالشعير، وقال النبي ﷺ في الحديث نفسه: «فإن مُدَّيْ شعير مكان مُدّ بُرّ»، وهذا يقضي بأن الواجب من البُرّ مُدٌّ واحد. والحديث الثاني يفيد أن النبي ﷺ أمر امرأة أوس ﵄ بأن تتصدق بمجموع ما أعطته، وما أعطاه ﷺ وهما العرقان، ومقدارهما ثلاثون صاعا من التمر على الستين مسكينا، ثم ترجع إلى زوجها، وذلك يقضي بأن المسكين الواحد له نصف صاع من هذا المقدار (٣). الدليل الثالث: ولأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام، فكان منها لكل فقير من التمر نصف صاع، كفدية الأذى (٤). الدليل الرابع: ولأن الإجزاء بمد من البر هو قول: ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وزيد ﵃ , ولا مخالف لهم في الصحابة (٥).

стр. 404

الترجيح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثاني: إجزاء المد من جميع الأنواع؛ وذلك لصحة ما استدلوا به, ولأن حديث المجامع في رمضان والذي فيه إجزاء خمسة عشر صاعا عن الكفارة كالنص في المسألة (١). وأما الجواب عما أستدل به أصحاب القولين الآخرين فيكون بما يلي: أولا: أما استدلالهم بالآية؛ فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أنهم اختلفوا في معنى الأوسط على قولين: القول الأول: من أوسط أجناس الطعام , والقول الثاني: من أوسطه في القدر (٢). الوجه الثاني: وعلى التسليم بأن الأوسط في القدر، فقد اختلفوا أيضا في مقداره على أقوال وليس أحدها بأولى من الآخر إلا بما يوضحه دليل آخر (٣). ثانيا: وأما الجواب عن حديث عائشة ﵂ فمن وجوه: الوجه الأول: أن رواية عَرَق واحد أشهر من رواية العَرَقين فترجح عليها (٤). الوجه الثاني: الجمع بين الروايتين، فيقال: إن التمر كان قدر عرق، لكنه كان في عرقين في حال التحميل على الدابة ليكون أسهل في الحمل، وأن الآتي به لما وصل أفرغ أحدهما في الآخر. فمن قال عرقان أراد ابتداء الحال، ومن قال عرق أراد ما آل إليه (٥). الوجه الثالث: أن الحنفية لا يستقيم لهم الاستدلال بهذا الحديث حتى مع رواية العرقين؛ لأنهم لا يرون إجزاء أقل من ستين صاع في التمر، والرواية هنا تقول: عرقين وهما مقدار ثلاثين صاعا إذا كانا ممتلئين. ولا يصح أن يقولوا: إن ما في العرقين كان بُرّا؛ لأن أكثر الروايات نصت على أنه تمر، وما جاء في بعضها مطلقا بلفظ الطعام، فقد جاء مقيدا في الروايات الكثيرة بأنه التمر.

стр. 405

ولا يصح أيضا أن يقولوا بتعدد القصة؛ لاتحاد مخرج الحديث، والأصل عدم التعدد (١). ثالثا: وأما استدلالهم بآثار الصحابة: عمر, وعلي, وعائشةرضي الله عنهم: فعلى التسليم بصحتها، فقد ورد عن غيرهم من الصحابة ما يخالف ذلك، فليس بعضهم أولى من بعض. ثم إن آثارهم أيضا كلها في كفارة اليمين. رابعا: وأما قياس كفارة الجماع على كفارة الظهار: فمع أن الحديث قد أتى نصا في مسألة كفارة الجماع بإجزاء المُدّ من التمر وغيره كما سبق، فإنه قد أتى أيضا في كفارة الظهار بإجزاء ذلك, ونص على أنه من شعير، فلم يبق للحنابلة متمسك للتفريق بين البُرّ وغيره. والله أعلم.

стр. 406

المطلب التاسع: هل يشترط في الرقبة المعتقة في كفارة الجماع في رمضان أن تكون مؤمنة ؟ . اختيار الشيخ: اختار قول الجمهور باشتراط كون الرقبة المعتقة في كفارة الإفطار في رمضان مؤمنة فقال: "وهو ينبني على أن السبب إذا اختلف واتحد الحكم، هل يقيد المطلق أم لا؟ وإذا قيد فهل هو بالقياس أم لا؟ . والمسألة مشهورة في أصول الفقه. والأقرب أنه إن قيد فبالقياس، ويؤيده التقييد في مواضع أخرى" (١). تحرير محل الخلاف: أجمع العلماء أن الواجب في كفارة القتل إعتاق رقبة مؤمنة (٢)، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (٣). واختلفوا في إعتاق الرقاب في باقي الكفارات هل يشترط كونها مؤمنة أو تجزئ الكافرة ومن تلك الكفارات كفارة الجماع في شهر رمضان فاختلفوا فيها على قولين: القول الأول: يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة. وبه قال: المالكية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة في المذهب (٦)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: لا يشترط كون الرقبة مؤمنة بل تجوز الكافرة. وبه قال: الحنفية (٧) , والحنابلة في رواية (٨) , والظاهرية (٩). سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم:

стр. 407

هل تقيد الرقاب -التي جاءت مطلقة- بصفة الإيمان، أو تبقى على إطلاقها؟ (١). أدلة القول الأول: القائلين بأنه يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة. الدليل الأول: عن معاوية بن الحَكَم (٢) ﵁ قال: كانت لي جارية فأتيت النبي ﷺ فقلت: علي رقبة أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله ﷺ : «من أنا؟ » فقالت: أنت رسول الله ﷺ . فقال ﷺ : «اعتقها فإنها مؤمنة» (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ علل جواز إعتاقها عن الرقبة التي عليه بأنها مؤمنة، فدل على أنه لا يجزئ عن الرقبة التي عليه إلا مؤمنة (٤). قال الماوردي: "فكان الدليل في هذا الخبر من وجهين: أحدهما: اعتبار الإيمان، ولو لم يكن شرطا لَما اعتبره. والثاني: تعليقُه بالإجزاء" (٥). الدليل الثاني: ولأنه إعتاقٌ على وجه القُربة، فوجب أن تكون مسلمة؛ أصله الإعتاق في كفارة القتل (٦). الدليل الثالث: ولأن المقصود من إعتاق المسلم: تفريغُه لعبادة ربه، وتخليصُه من عبودية المخلوق إلى عبودية الخالق. ولا ريب أن هذا أمر مقصود للشارع، محبوب له، فلا يجوز إلغاؤه. وكيف يستوي عند الله ورسوله تفريغ العبد لعبادته وحده، وتفريغه لعبادة الصليب، أو الشمس والقمر والنار! (٧). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يشترط كون الرقبة مؤمنة بل تجوز الكافرة.

стр. 408

الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١). الدليل الثاني: قوله ﷺ للمجامع في رمضان: «هل تجد رقبة تعتقها» (٢). وجه الاستدلال من الآية والحديث: أن الله تعالى أطلق الرقبة في هذه الكفارة، فوجب أن يجزئ ما تناوله الإطلاق (٣). وجاءت مطلقة أيضا في الحديث، فلو كان شيء من الرقاب التي تُعتق لا يُجزئ في ذلك لبَيَّنه ﵇ (٤). قال ابن رشد: "وأما حجة أبي حنيفة فهو ظاهر العموم، ولا معارضة عنده بين المطلق والمقيد، فوجب عنده أن يُحمَل كلٌّ على لفظه" (٥). فتُحمَل في كفارة القتل على المؤمنة؛ لأنها جاءت مقيدة بصفة الإيمان، وتبقى في بقية الكفارات على إطلاقها، فتشمل المؤمنة والكافرة. الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يشترط كون الرقبة المُعتقة في كفارة الجماع في رمضان مؤمنة؛ والذي يظهر والعلم عند الله أن هذا التقييد بكونها مؤمنة ليس من باب القياس، وإنما هو من باب حمل المطلق على المقيد؛ وذلك أنه قيد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل وأطلقها في باقي الكفارات، فيجب صرف المطلق إلى المقيد (٦). أما استدلال أصحاب القول الثاني: بآية الظهار، وحديث المجامع في رمضان، وأن الرقبة جاءت مطلقة فيهما فتبقى على إطلاقها، فيجاب عنه: أن لسان العرب يقتضي حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه، فيُحمَل عُرْف الشرع على مقتضى لسانهم (٧).

стр. 409

قال الإمام الشافعي: "شَرَطَ الله في رقبة القتل مؤمنةً، كما شَرَطَ العَدْلَ في الشهادة، وأطلق الشهودَ في مواضع. فاستدللنا على أن ما أَطْلَق على معنى ما شَرَطَ. وإنما رَدّ الله تعالى أموال المسلمين على المسلمين لا على المشركين. وفَرَضَ الله تعالى الصدقات، فلم تَجُز إلا للمؤمنين، فكذلك ما فَرَضَ الله مِن الرقاب، فلا يجوز إلا مِن المؤمنين" (١). فاستدل الإمام الشافعي بأن لسان العرب وعُرْفَ خطابهم يقتضي حَمْلَ المطلق على المقيد إذا كان مِن جنسه، فيُحمَلُ عُرْفُ الشرع على مقتضى لسانهم. وقد قَيَّد الله تعالى كَفّارة القتل بالإيمان، والمطلق هنا كفارة الجِماع، فوجب أن يُحمَل مطلقُها على ما قُيِّد من كَفّارة القتل، كما أنَّ الله قَيَّد الشهادة بالعدالة في قوله : ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، وأطلقها في قوله : ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣)، فحُمِل المطلق على المقيد في اشتراط العدالة، كذلك الكَفَّارة (٤). والله أعلم.

стр. 410

الفصل الرابع: في صوم التطوع، والأيام التي نهي عن الصوم فيها، وفي النذر، وصوم عاشوراء وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في صوم التطوع والأيام التي نهي عن الصوم فيها. المبحث الثاني: في النذر، وفي أعذار الفطر. المبحث الثالث: في صوم عاشوراء.

стр. 411

المبحث الأول: في صوم التطوع والأيام التي نهي عن الصوم فيها وفيه اثنا عشر مطلبا: المطلب الأول: حكم إفراد يوم الجمعة بصيام. المطلب الثاني: حكم صيام يوم السبت. المطلب الثالث: حكم صيام يوم عرفة للحاج. المطلب الرابع: حكم صيام أيام التشريق للمتمتع وغيره. المطلب الخامس: حكم صيام عشر ذي الحجة. المطلب السادس: حكم صيام الدهر. المطلب السابع: حكم صيام الست من شوال. المطلب الثامن: ما هو أفضل الصيام بعد رمضان صيام شعبان أو المحرم؟ . المطلب التاسع: حكم الإفطار في صوم النافلة. المطلب العاشر: تعيين الأفضل في صيام ثلاثة أيام من كل شهر. المطلب الحادي عشر: ما هي أيام البيض؟ . المطلب الثاني عشر: معنى صيام يوم في سبيل الله.

стр. 412

المطلب الأول: حكم إفراد يوم الجمعة بصيام . اختيار الشيخ: اختار تحريم إفراد يوم الجمعة بصيام، فقال: "قلت وأرجح الأقوال عندي: قول من ذهب إلى تحريم إفراد يوم الجمعة بالصيام؛ لما قد صح النهي عنه، والأصل في النهي التحريم والله تعالى أعلم" (١). تحرير المسألة: المقصود بإفراد يوم الجمعة: أن يُعيِّنَه ويخُصَّه بصيام ولم يكن قد وافق عادة له، كصيام يوم وإفطار يوم، أو صيام الاثنين والخميس، ولا ضم إليه يوم قبله أو بعده. تحرير محل الخلاف: أجمع أهل العلم على أن صوم يومي العيدين منهي عنه، محرم في التطوع والنذر المطلق والقضاء والكفارة (٢). واختلفوا في إفراد يوم الجمعة بصيام النفل إذا لم يوافق عادة له أو ضمَّ إليه يوم قبله أو بعده، على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يباح إفراد يوم الجمعة بصيام بلا كراهة. وبه قال: الحنفية (٣)، والمالكية (٤). القول الثاني: أنه يكره إفراد يوم الجمعة بصيام. وبه قال: الشافعية (٥)، والحنابلة (٦). القول الثالث: أنه يحرم إفراد يوم الجمعة بصيام. وبه قال: الظاهرية (٧)، وهو اختيار الشيخ. سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم: اختلاف الآثار في ذلك" (٨). أدلة القول الأول: القائلين بأنه يباح إفراد يوم الجمعة بصيام بلا كراهة.

стр. 413

الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام يوم الجمعة، كَتَب الله له عشرة أيام عددهن من أيام الآخرة لا يُشَاكِلُهُنَّ (١) أيام الدنيا» (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ رتب هذا الأجر العظيم على من صام يوم الجمعة، ولا يكون هذا إلا تخصيصا منه لهذا اليوم. الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «خمسٌ مَن عَمَلَهُن في يومٍ كتبه الله من أهل الجنة: من صام يوم الجمعة، وراح إلى الجمعة، وشهد جنازة، وأعتق رقبة» (٣). وجه الاستدلال: الحديث ينص على تخصيص يوم الجمعة بأعمال تدخل صاحبها الجنة إذا اجتمعت في هذا اليوم، ومن هذه الأعمال: صيام يوم الجمعة، فدل على جواز تخصيصه بذلك. الدليل الثالث: عن ابن مسعود ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من غُرَّة (٤) كل شهر، وقلما يفطر يوم الجمعة» (٥). الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵁ قال: «ما رأيت رسول الله ﷺ يفطر يوم جمعة قط» (٦). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵁ قال: «ما رأيته مفطرا يوم جمعة قط» (٧).

стр. 414

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ كان يتحرى صيام يوم الجمعة، وقلما كان يفطر فيه؛ فدل على أنه كان يخصه بذلك دون سائر الأيام. الدليل السادس: قال الإمام مالك: "لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يُقتَدى به, ينهى عن صيام يوم الجمعة, وصيامه حسن, وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه, وأراه كان يتحراه" (١). الدليل السابع: ولأن الأصل في صوم يوم الجمعة أنه عمل بِرّ، لا يُمنَع منه إلا بدليل لا معارض له (٢). الدليل الثامن: ولأنه يوم لا يُكرَه صومه مع غيره، فلا يُكرَه وحده (٣). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصيام. الدليل الأول: عن جابر ﵁ أنه سئل: «أَنَهَى النبي ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: «نعم»، يعني: أن ينفرد بصومه» (٤). وجه الاستدلال: نص الحديث أن النهي عن صوم يوم الجمعة محمول على صومه مفردا (٥). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» (٦). وجه الاستدلال: بَيَّن الحديث أن النهي مُنْصَبّ على من خَصّ يوم الجمعة بالصيام، أما من وافق عادة له كصيام داوود ﵇ فلا حرج في ذلك (٧).

стр. 415

الدليل الثالث: عن جُوَيْرِيَة بنت الحارث (١) ﵂: «أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: «أصمت أمس»؟ قالت: لا، قال: «تريدين أن تصومي غدا»؟ قالت: لا، قال: «فأفطري» (٢). وجه الاستدلال: دَلّ الحديث على كراهة إفراد يوم الجمعة بصيام؛ لأن نهيه ﷺ معلل بكونها ﵂ لم تَصُم يوم أمس ولا تريد صوم يوم غد، (٣). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يصم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده» (٤). الدليل الخامس: عن بَشِير بن الخَصَاصِيّة (٥) ﵁ أنه سأل النبي ﷺ : أصوم يوم الجمعة، ولا أكلم ذلك اليوم أحدا؟ فقال النبي ﷺ : «لا تَصُم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها، أو في شهر» (٦). الدليل السادس: عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم، إلا أن تصوموا قبله أو بعده» (٧).

стр. 416

وجه الاستدلال: بينت هذه الأحاديث أن النهي قد وقع على إفراد يوم الجمعة بالصوم، وتخصيصه بذلك، أما إن وافق عادة له كمن كان يصوم يوما ويفطر يوما، أو من أراد صوم هذا اليوم ويوما قبله أو يوما بعده، فلا حرج في ذلك؛ لما سبق من الأدلة. قال النووي: "وفي هذه الأحاديث الدلالة الظاهرة لقول جمهور أصحاب الشافعي وموافقيهم: أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم، إلا أن يوافق عادة له، فإن وصله بيوم قبله أو بعده أو وافق عادة له بأن نذر أن يصوم يوم شفاء مريضه أبدا فوافق يوم الجمعة لم يكره لهذه الأحاديث" (١). أدلة القول الثالث: القائلين بأنه يحرم إفراد يوم الجمعة بصيام. استدل أصحاب هذا القول بكل ما استدل به أصحاب القول الثاني إلا أنهم حملوا ذلك كله على نهي التحريم لا نهي الكراهة؛ لأنه الأصل في النهي ولا صارف له إلى الكراهة (٢). الراجح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الثالث: أنه يحرم إفراد يوم الجمعة بصيام، إلا إذا صام يوم معه أو وافق عادة له كصيام يوم وفطر يوم؛ وذلك لصحة أدلة النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام، والأصل في النهي التحريم، ولا صارف له إلى الكراهة (٣). وأما ما استدل به أصحاب القولين الآخرين فيجاب عنه بما يلي: أما المجيزون فيجاب عن أدلتهم بالآتي: أولا: أما استدلالهم بحديث: «من صام يوم الجمعة كتب الله له عشرة أيام ... » الحديث فيجاب عنه: أنه حديث لا يصح. ثانيا: وأما استدلالهم بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ فيجاب عنه: أن المقصود من الحديث أن يوافق صيامه يوم الجمعة، لا أن يخصص يوم الجمعة بصيام, وتبينه الرواية الأخرى بلفظ: «من وافق صيامه يوم الجمعة وعاد مريضا ... » الحديث (٤). ثالثا: وأما استدلالهم بحديث ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس ﵃، فيجاب عنه:

стр. 417

أن مرادهم كان لا يتعمد ﷺ فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها, ولا يضاد ذلك النهي عن إفراده بالصوم؛ جمعا بين الأدلة (١). رابعا: وأما ما جاء عن الإمام مالك؛ فقد أجيب عنه: أن ما قاله الإمام مالك هو رأيه، وقد رأى غيره من العلماء خلاف ما رأى هو, والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره, وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة فيتعين القول به. وأجيب أيضا أن الإمام مالك معذور، فلعله لم يبلغه حديث النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصيام، ولو بلغه لم يخالفه (٢). وهذا الكلام الذي أجيب به يكون له وجه قوي لو صح أن الإمام مالك كان يرى جواز تخصيص يوم الجمعة بالصيام، والذي ظهر لي -والله أعلم-: أن قول الإمام مالك ¢ يوافق قول الجمهور: أنه يكره تخصيصه بالصيام، لو تؤمل كلامه؛ فقد قال: "لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة, وصيامه حسن". فإلى الآن ليس في كلامه ما يدل على أنه يرى جواز تخصيص يوم الجمعة بصيام بل ذكر أن صيامه حسن، وإذا علمت أن الإمام مالك قد نص في المدونة على كراهة تخصيص يوم أو شهر بعينه بصيام، وضحت لك الصورة أنه يعني صيامه إذا وافق عادة له أو إذا انضم معه يوم آخر، ويبين ذلك كله قوله: "وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه, وأراه كان يتحراه". فذكر أن بعض أهل العلم كان يتحراه ولم يقل إني أحب ذلك ولا نسبه إلى نفسه, ولو كان يستحب ذلك لصدر به الكلام في أول عبارته، والله أعلم (٣). خامسا: وأما قولهم: إن الأصل في صوم يوم الجمعة أنه عمل بر لا يمنع منه إلا بدليل لا معارض له، فيجاب عنه: أنه قد صح المعارض صحة لا مطعن فيها, وهي الأحاديث التي أورِدَت في أدلة المانعين. سادسا: وأما قولهم: إنه يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده، فيجاب عنه: أن هذا: (قياس فاسد الاعتبار) (٤)؛ لأنه منصوب في مقابلة النصوص الصحيحة (٥).

стр. 418

وأما أصحاب القول الثاني: الذين حملوا النهي على الكراهة فيجاب عن حملهم من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن الأصل في النهي التحريم، فوجب حمله على ذلك، ولا يصرف إلى الكراهة إلا بدليل. الوجه الثاني: أن ما ورد في آخر حديث جويرية ﵂: «فأمرها ﷺ فأفطرت» (١)، لا يُشعِر بأن صيامه مكروه بل محظور، لأنه لو كان مكروها لاكتفى بتوجيهها كما فعل ﷺ في من صامت يوم السبت ولم تصم يوما قبله, فقال لها رسول الله ﷺ : «فكلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك» (٢). الوجه الثالث: أن النبي ﷺ نص على أن يوم الجمعة يوم عيد؛ والعيد لا يصام: لقوله ﷺ : «إن هذا يوم جعله الله عيدا» (٣). وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا صوم يوم عيد» (٤). ثم استثنى ﷺ صورتين: الأولى: صيامه مع غيره ودليلها حديث أبي هريرة ﵁ المرفوع المتقدم: «يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده».

стр. 419

والثانية: إذا صامه مع صوم كان يصومه كصيام داوود ﵇ ودليله الحديث المتقدم: «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم». إذا وافق عادة له فأذن في صيامه. ويبقى ما عدا ذلك على الأصل وهو التحريم. والله أعلم.

стр. 420

المطلب الثاني: حكم صيام يوم السبت . اختيار الشيخ: اختار كراهة إفراد يوم السبت بالصيام موافقة للجمهور، فقال: "فالمنهي عنه إفراد السبت وفي معناه إفراد الأحد، والمستحب صومهما جميعا" (١). اختلف الفقهاء في حكم صيام يوم السبت على ثلاثة أقوال: القول الأول: كراهة صوم السبت في غير الفريضة مفردا ويجوز مع غيره (٢). وبه قال: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة في المذهب (٦)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: جواز صيام يوم السبت مطلقا. وهي رواية عند: الحنابلة (٧) , ورجحه الطحاوي (٨). القول الثالث: كراهة صيام يوم السبت في غير فريضة مطلقا. وبه قال: قوم ذكرهم الطحاوي ولم يسمهم (٩). سبب الخلاف: ويرجع سبب اختلافهم في هذه المسألة إلى اختلافهم في حديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»، فمن قائل بضعفه، وقائل بنسخه، وقائل بالجمع بينه وبين الأحاديث التي أجازت صيام يوم السبت كحديث جويرية (١٠) ﵂ وغيره (١١). أدلة القول الأول: القائلين بكراهة صوم السبت في غير الفريضة مفردا ويجوز مع غيره.

стр. 421

الدليل الأول: عن جُوَيْرية بنت الحارث ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: «أصمت أمس». قالت لا. قال: «تريدين أن تصومي غدا». قالت لا. قال «فأفطري» (١). وجه الاستدلال: فالمعنى: إذا أردتِ صيام الجمعة مع السبت فلا بأس به، وإلا فلا (٢). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ ، يقول: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده» (٣). وجه الاستدلال: واليوم الذي بعده هو يوم السبت أي فيجوز صيام الجمعة مع السبت (٤). الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: أُخبِر رسول الله ﷺ أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت, فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأُمّي ... قال: «فصم يوما وأفطر يوما فذلك صيام داود ﵇ وهو أفضل الصيام» (٥). وجه الاستدلال: أن من صام يوما وأفطر يوما فلا بد أن يكون في عادته صيام يوم السبت، وهذا غير من يقصد إفراده بصيام. الدليل الرابع: عن كريب مولى ابن عباس قال: أرسلني ابن عباس ﵁، وناس من أصحاب النبي ﷺ إلى أم سلمة ﵂ أسألها: أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثرها صياما؟ قالت: «كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: «إنهما يوما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم» (٦).

стр. 422

الدليل الخامس: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس» (١). وجه الاستدلال: أن حديث أم سلمة نص على أن النبي ﷺ كان يكثر من صيام السبت والأحد فيحمل على صومهما جميعا متواليين حتى لا يخالف ما سيأتي من النهي عن صوم يوم السبت مفردا. وقد وضحه حديث عائشة بأنه ﷺ كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، أي متتاليين. قال القَسْطلاني (٢) -في الحكمة من جمعه ﷺ بين صيام السبت والأحد-: "لأن اليهود تعظم يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، ولا يكره جمع السبت مع الأحد؛ لأن المجموع لم يعظمه أحد" (٣). الدليل السادس: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان, وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان» (٤). الدليل السابع: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله» (٥).

стр. 423

وجه الاستدلال من الأحاديث: فمن المؤكد دخول يوم السبت في تلك الأيام التي يسردها ﵇ في شعبان وغيره. كما أن النبي ﷺ قد حَثَّ على صيام يوم عاشورا ويوم عرفة، وقد يوافقان يوم السبت، وهذا كله مستثنى من صورة الكراهة. الدليل الثامن: حديث أن امرأة دخلت على رسول الله ﷺ وهو يتغدى وذلك يوم السبت, فقال: «تعالي فكلي» فقالت: إني صائمة, فقال لها: «صمت أمس»؟ فقالت: لا, قال: «فكلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك» (١). وجه الاستدلال: فتوجيه النبي ﷺ لها بالفطر، بعد أن أخبرته أنها لم تصم قبله يوما دليل على كراهة إفراده، أما لو كانت صامت يوما قبله لما كره. الدليل التاسع: عن الصَمّاء بنت بُصْر (٢) ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم, فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لِحَاء (٣) شجرة فليمضغه» (٤). وجه الاستدلال: أن معنى قوله ﷺ «لا تصوموا يوم السبت»، أي: لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض, فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت؛ كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت، فإنه يصومه وحده. وأيضا فقَصدُه بعينه في الفرض لا يُكره، بخلاف قصده بعينه في النفل فإنه يُكره، ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه، أو موافقته عادة. فالمُزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضا لا المقارنة بينه وبين غيره،

стр. 424

وأما في النفل فالمُزيل للكراهة ضم غيره إليه، أو موافقته عادة ونحو ذلك. ويؤيد هذا ما تقدم من إذنه ﷺ لمن صام الجمعة أن يصوم السبت بعدها، وصيامه ﷺ السبت والأحد كما سبق، والجمع مهما أمكن أولى من النسخ (١). أدلة القول الثاني: القائلين بجواز صيام يوم السبت مطلقا. الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس» (٢). الدليل الثاني: عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد وكان يقول: «إنهما يوما عيد للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم» (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ «كان يحب موافقة أهل الكتاب في ما لم يؤمر فيه» (٤)، في أول الأمر, ثم خالفهم في آخر الأمر, والنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى, وصيامه إياه يوافق الحالة الثانية, فيكون حديث النهي عن صيام السبت منسوخ (٥). كما أن حديث أم سلمة دال على استحباب صوم السبت والأحد؛ مخالفة لأهل الكتاب، وظاهره صوم كل على الانفراد والاجتماع (٦). أدلة القول الثالث: القائلين بكراهة صيام يوم السبت في غير فريضة مطلقا. استدل أصحاب هذا القول بقوله ﷺ : «لا تصوموا يوم السبت إلا في ما افترض عليكم, فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحى شجرة فليمضغه» (٧). وجه الاستدلال: فقوله: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» دليل على المنع من صومه في غير الفرض مفردا أو مضافا؛ لأن الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أن

стр. 425

النهي عنه يتناول كل صور صومه إلا صورة الفرض, ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد لقال: لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده, كما قال في الجمعة. فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية علم تناول النهي لما قابلها (١). الترجيح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الأول: أنه يكره صوم السبت في غير الفريضة مفردا؛ جمعا بين الأدلة، والجمع مهما أمكن أولى من النسخ (٢). أما ما استدل به أصحاب القول الثاني والثالث فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما قول أصحاب القول الثاني بأن أحاديث صيام يوم السبت ناسخة لحديث النهي: فهذه دعوى تحتاج إلى برهان (٣). ثانيا: وأما استدلالهم بحديث عائشة وأم سلمة -الذَين دلا على جواز صيام يوم السبت-، على جواز تخصيصه بذلك: فغير ظاهر، بل الظاهر صومه مع ما بعده (٤). وأما ما قاله: أصحاب القول الثالث في حديث النهي عن صيام يوم السبت: من أن الاستثناء دليل التناول ... إلى آخره، فيجاب عنه: أنه لا ريب أن الاستثناء أخرج صورة الفرض من عموم النهي، وأما صورة الاقتران بما قبله أو بما بعده، أو موافقته لعادة صيام، فقد أُخرِجت بدليل آخر، وهو ما تقدم من حديث جويرية وأبي هريرة وغيرهما، فكِلا الصورتين مُخرَج، أما الفرض فبالمُخرِج المتصل، وأما صومه مضافا، أو موافقا لصوم، فبالمُخرِج المنفصل، فبقيت صورة التخصيص بالإفراد واللفظ متناول لها، ولا مُخرِج لها من عمومه، فيتعين حَمله عليها (٥). والله أعلم.
следующие страницы →