← Фикх общий

Фикх общий · id 133371

الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

موافقي الأمين

Полный текст (722 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الدليل الأول: عن جُوَيْرية بنت الحارث ﵂ أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: «أصمت أمس». قالت لا. قال: «تريدين أن تصومي غدا». قالت لا. قال «فأفطري» (١). وجه الاستدلال: فالمعنى: إذا أردتِ صيام الجمعة مع السبت فلا بأس به، وإلا فلا (٢). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ ، يقول: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يوما قبله أو بعده» (٣). وجه الاستدلال: واليوم الذي بعده هو يوم السبت أي فيجوز صيام الجمعة مع السبت (٤). الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: أُخبِر رسول الله ﷺ أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت, فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأُمّي ... قال: «فصم يوما وأفطر يوما فذلك صيام داود ﵇ وهو أفضل الصيام» (٥). وجه الاستدلال: أن من صام يوما وأفطر يوما فلا بد أن يكون في عادته صيام يوم السبت، وهذا غير من يقصد إفراده بصيام. الدليل الرابع: عن كريب مولى ابن عباس قال: أرسلني ابن عباس ﵁، وناس من أصحاب النبي ﷺ إلى أم سلمة ﵂ أسألها: أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثرها صياما؟ قالت: «كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: «إنهما يوما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم» (٦).

стр. 422

الدليل الخامس: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس» (١). وجه الاستدلال: أن حديث أم سلمة نص على أن النبي ﷺ كان يكثر من صيام السبت والأحد فيحمل على صومهما جميعا متواليين حتى لا يخالف ما سيأتي من النهي عن صوم يوم السبت مفردا. وقد وضحه حديث عائشة بأنه ﷺ كان يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، أي متتاليين. قال القَسْطلاني (٢) -في الحكمة من جمعه ﷺ بين صيام السبت والأحد-: "لأن اليهود تعظم يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، ولا يكره جمع السبت مع الأحد؛ لأن المجموع لم يعظمه أحد" (٣). الدليل السادس: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان, وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان» (٤). الدليل السابع: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله» (٥).

стр. 423

وجه الاستدلال من الأحاديث: فمن المؤكد دخول يوم السبت في تلك الأيام التي يسردها ﵇ في شعبان وغيره. كما أن النبي ﷺ قد حَثَّ على صيام يوم عاشورا ويوم عرفة، وقد يوافقان يوم السبت، وهذا كله مستثنى من صورة الكراهة. الدليل الثامن: حديث أن امرأة دخلت على رسول الله ﷺ وهو يتغدى وذلك يوم السبت, فقال: «تعالي فكلي» فقالت: إني صائمة, فقال لها: «صمت أمس»؟ فقالت: لا, قال: «فكلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك» (١). وجه الاستدلال: فتوجيه النبي ﷺ لها بالفطر، بعد أن أخبرته أنها لم تصم قبله يوما دليل على كراهة إفراده، أما لو كانت صامت يوما قبله لما كره. الدليل التاسع: عن الصَمّاء بنت بُصْر (٢) ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم, فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لِحَاء (٣) شجرة فليمضغه» (٤). وجه الاستدلال: أن معنى قوله ﷺ «لا تصوموا يوم السبت»، أي: لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض, فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت؛ كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت، فإنه يصومه وحده. وأيضا فقَصدُه بعينه في الفرض لا يُكره، بخلاف قصده بعينه في النفل فإنه يُكره، ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه، أو موافقته عادة. فالمُزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضا لا المقارنة بينه وبين غيره،

стр. 424

وأما في النفل فالمُزيل للكراهة ضم غيره إليه، أو موافقته عادة ونحو ذلك. ويؤيد هذا ما تقدم من إذنه ﷺ لمن صام الجمعة أن يصوم السبت بعدها، وصيامه ﷺ السبت والأحد كما سبق، والجمع مهما أمكن أولى من النسخ (١). أدلة القول الثاني: القائلين بجواز صيام يوم السبت مطلقا. الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس» (٢). الدليل الثاني: عن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد وكان يقول: «إنهما يوما عيد للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم» (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ «كان يحب موافقة أهل الكتاب في ما لم يؤمر فيه» (٤)، في أول الأمر, ثم خالفهم في آخر الأمر, والنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى, وصيامه إياه يوافق الحالة الثانية, فيكون حديث النهي عن صيام السبت منسوخ (٥). كما أن حديث أم سلمة دال على استحباب صوم السبت والأحد؛ مخالفة لأهل الكتاب، وظاهره صوم كل على الانفراد والاجتماع (٦). أدلة القول الثالث: القائلين بكراهة صيام يوم السبت في غير فريضة مطلقا. استدل أصحاب هذا القول بقوله ﷺ : «لا تصوموا يوم السبت إلا في ما افترض عليكم, فإن لم يجد أحدكم إلا عود عنب أو لحى شجرة فليمضغه» (٧). وجه الاستدلال: فقوله: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» دليل على المنع من صومه في غير الفرض مفردا أو مضافا؛ لأن الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أن

стр. 425

النهي عنه يتناول كل صور صومه إلا صورة الفرض, ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد لقال: لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يوما قبله أو يوما بعده, كما قال في الجمعة. فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية علم تناول النهي لما قابلها (١). الترجيح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الأول: أنه يكره صوم السبت في غير الفريضة مفردا؛ جمعا بين الأدلة، والجمع مهما أمكن أولى من النسخ (٢). أما ما استدل به أصحاب القول الثاني والثالث فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما قول أصحاب القول الثاني بأن أحاديث صيام يوم السبت ناسخة لحديث النهي: فهذه دعوى تحتاج إلى برهان (٣). ثانيا: وأما استدلالهم بحديث عائشة وأم سلمة -الذَين دلا على جواز صيام يوم السبت-، على جواز تخصيصه بذلك: فغير ظاهر، بل الظاهر صومه مع ما بعده (٤). وأما ما قاله: أصحاب القول الثالث في حديث النهي عن صيام يوم السبت: من أن الاستثناء دليل التناول ... إلى آخره، فيجاب عنه: أنه لا ريب أن الاستثناء أخرج صورة الفرض من عموم النهي، وأما صورة الاقتران بما قبله أو بما بعده، أو موافقته لعادة صيام، فقد أُخرِجت بدليل آخر، وهو ما تقدم من حديث جويرية وأبي هريرة وغيرهما، فكِلا الصورتين مُخرَج، أما الفرض فبالمُخرِج المتصل، وأما صومه مضافا، أو موافقا لصوم، فبالمُخرِج المنفصل، فبقيت صورة التخصيص بالإفراد واللفظ متناول لها، ولا مُخرِج لها من عمومه، فيتعين حَمله عليها (٥). والله أعلم.

стр. 426

المطلب الثالث: حكم صيام يوم عرفة للحاج . اختيار الشيخ: اختار كراهة صيام يوم عرفة للحاج فقال: "وظاهر الحديث أنه يستحب صوم يوم عرفة مطلقا، وظاهر حديث أبي هريرة الآتي في الفصل الثاني أنه لا يجوز صومه بعرفات، فيجمع بينهما بأن صوم هذا اليوم مستحب لكل أحد مكروه لمن كان بعرفات حاجا" (١). تحرير محل الخلاف: اتفق العلماء على جواز صيام يوم عرفة لغير الحاج (٢). واختلفوا في حكم صيامه للحاج على خمسة أقوال: القول الأول: يستحب إفطار يوم عرفة للحاج. وبه قال: المالكية (٣) , والشافعية في المعتمد من المذهب (٤) , والحنابلة في المذهب (٥) , وهو قول أكثر العلماء (٦). القول الثاني: يستحب للحاج أن يصوم يوم عرفة, إلا أن يضعفه عن الدعاء، فإن أضعفه عن الدعاء كره في حقه. وهو مذهب: الحنفية (٧) , والشافعي في القديم (٨) , وبه قال: قتادة (٩) , وعطاء (١٠). القول الثالث: يكره صوم يوم عرفة للحاج. وهو قول عند: الحنفية (١١)، وقول عند الشافعية (١٢) , ورواية عند الحنابلة (١٣) , وهو اختيار الشيخ.

стр. 427

القول الرابع: يستحب صيام يوم عرفة للحاج. وهو قول: الظاهرية (١). وروي عن: عائشة، وعبد الله بن الزبير ﵃ , وإسحاق (٢). القول الخامس: يجب فطر يوم عرفة للحاج. وهو قول: يحيى بن سعيد الأنصاري (٣) (٤). سبب الخلاف: قال ابن رشد: "وأما اختلافهم في يوم عرفة؛ فلأن النبي ﷺ أفطر يوم عرفة، وقال فيه: «صيام يوم عرفة يكفر السنة الماضية والآتية» (٥)، ولذلك اختلف الناس في ذلك" (٦). أدلة القول الأول: القائلين بأنه يستحب إفطار يوم عرفة للحاج. الدليل الأول: عن ميمونة ﵂ قالت: «إن الناس شكوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلت إليه بحِلاب (٧) وهو واقف في الموقف فشرب منه والناس ينظرون» (٨). وجه الاستدلال: في هذا الحديث دليل على استحباب إفطار يوم عرفة للحاج؛ تأسيا برسول الله ﷺ ، والخير كلّ الخير في ما صنع رسول الله ﷺ ؛ وللتقوي على الدعاء (٩).

стр. 428

الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵁ أنه سئل عن صوم يوم عرفة بعرفة فقال: «حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه، وحججت مع أبي بكر فلم يصمه، وحججت مع عمر فلم يصمه، وحججت مع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به ولا أنهى عنه» (١). وجه الاستدلال: في الحديث بيان هدي النبي ﷺ والخلفاء الراشدين في تركهم صيام يوم عرفة بعرفة، ولو كان الأفضل في حق الحجيج صيامه لما ترك النبي ﷺ وخلفاؤه الراشدين صيامه مع ما جاء في صيامه من عظيم الأجر، فدل على أن ذلك الأجر لغير الحاج، وأن المستحب للحاج الفطر تأسيا برسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين ﵃. الدليل الثالث: عن عُقْبة بن عامر (٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل الإسلام» (٣). وجه الاستدلال: أن هذه الأيام سوى يوم عرفة مخصوصات بمعنى يتقرب به إلى الله تعالى فيها من صلاة ونحر وتكبير عقيب المكتوبات، فصارت بذلك أعيادا في جميع المواضع، ووجدنا يوم عرفة مخصوصا بمعنى يتقرب به وهو الوقوف بعرفة لأهل الحج دون غيرهم من الناس، فصار لهم بذلك عيدا، فلم يصلح لهم صومه، بخلاف غيرهم ممن ليس له بعيد (٤).

стр. 429

الدليل الرابع: ولأن الصوم يضعف الحاج، ويمنعه الدعاء في هذا اليوم المُعَظَّم، الذي يستجاب فيه الدعاء في ذلك الموقف الشريف، الذي يقصد من كل فج عميق، رجاء فضل الله فيه، وإجابة دعائه به. وقد قال رسول الله ﷺ : «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة» (١)، فلهذا المعنى كان ترك الصوم فيه أفضل (٢). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يستحب للحاج صوم يوم عرفة، إلا أن يضعفه عن الدعاء، فإن أضعفه عن الدعاء كره في حقه. استدل أصحاب هذا القول بما ورد عن النبي ﷺ أن صيامه يكفر سنتين، وحملوا ما ورد من النهي عن صيامه على من كان يضعفه الصوم. الدليل الأول: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» (٣). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة» (٤). وجه الاستدلال من الحديثين: إذا كان صوم يوم عرفة له هذا الفضل العظيم، فهو كذلك في حق الحاج إن كان لا يضعفه عن الوقوف، والدعاء لما فيه من الجمع بين القربتين. وأما إن كان يضعفه عن الوقوف والدعاء والابتهال فيكره؛ لأن فضيلة صوم هذا اليوم مما يمكن استدراكها في غير هذه السنة، وأما فضيلة الوقوف والدعاء فيه فلا يستدرك في حق عامة الناس عادة إلا في العمر مرة واحدة؛ فكان إحرازها أولى (٥). أدلة القول الثالث: القائلين بأنه يكره صوم يوم عرفة للحاج.

стр. 430

الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة بعرفة» (١). وجه الاستدلال: في الحديث كراهة صيام يوم عرفة للحاج؛ لأنه يوم عيد لأهل عرفة، وليقوى الحاج على الاجتهاد في العبادة (٢). الدليل الثاني: سئل ابن عمر ﵁ عن صوم يوم عرفة فقال: «حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه، وحججت مع أبي بكر فلم يصمه، وحججت مع عمر فلم يصمه، وحججت مع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به ولا أنهى عنه» (٣). وجه الاستدلال: أنه يكره صيامه للحاج بعرفة؛ وذلك لترك النبي ﷺ وخلفائه من بعده صيامه، وترك ابن عمر يؤكد هذا المعنى. الدليل الثالث: ولأن الدعاء في عرفة من أهم أعمال الحاج، والصيام قد يُخِلّ به، فكُرِه لذلك (٤). أدلة القول الرابع: القائلين بأنه يستحب صيام يوم عرفة للحاج. استدلوا بحديث أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده» (٥). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد حضَّ على صيام يوم عرفة أعظم حضَّ، وأخبر أنه يكفر ذنوب سنتين، ولم يحضّ النبي ﷺ الحاج على ترك صيامه، فيبقى الحكم عاما للحاج وغيره (٦). أدلة القول الخامس: القائلين بأنه يجب فطر يوم عرفة للحاج. استدل أصحاب هذا القول بحديث أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة بعرفة» (٧).

стр. 431

وجه الاستدلال: أخذا بظاهر الحديث؛ لأن الأصل في النهي أن يقتضي التحريم، فيجب الفطر يوم عرفة للحاج (١). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يستحب للحاج الفطر يوم عرفة بعرفة؛ وذلك لما يلي: أولا: أنه هو الثابت من فعل رسول الله ﷺ ومن فعل خلفائه الراشدين من بعده. ثانيا: أنه يوم عيد لأهل عرفة، كما صح بذلك الخبر عن رسول الله ﷺ . ثالثا: أن فيه جمعا بين الأدلة الواردة في الباب، فيحمل حديث صيام يوم عرفة يكفر سنتين، على أهل الآفاق، وتحمَل الأحاديث التي فيها استحباب فطر يوم عرفة، على من بعرفة. وأما ما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما ما استدل به أصحاب القول الثاني، فيجاب عنه: أن الذي اختاره النبي ﷺ لنفسه في يوم عرفة هو الإفطار، وكذلك هو فعل خلفائه الراشدين من بعده، ولأن هذا اليوم هو يوم عيد لأهل عرفة؛ لاجتماعهم فيه، كما سبق معنا في أدلة القول الأول. ثانيا: وأما استدلال أصحاب القول الثالث بحديث: «نهى رسول الله ﷺ عن صيام يوم عرفة بعرفة» على إثبات حكم الكراهة لمن صامه، فيجاب عنه: أنه حديث ضعيف لا تقوم به الحجة (٢). وبنفس الجواب يجاب عن أصحاب القول الخامس القائلين بوجوب فطر يوم عرفة للحاج؛ لأنهم استدلوا بنفس الحديث. ثالثا: وأما الاستدلال بأثر ابن عمر ﵄ على إثبات حكم الكراهة، فيجاب عنه: أنه ليس فيه نهي، وإنما هو خلاف الأفضل (٣). وجواب ابن عمر ﵁ يدل على ذلك، حيث قال: «وأنا لا أصومه، ولا آمر به ولا أنهى عنه».

стр. 432

ثم إن مجرد الترك لا يدل على الكراهة، ولو كان عند ابن عمر ﵁ نص من النبي ﷺ بالكراهة لما تأخر في التحديث به. نعم فطره ﷺ وخلفائه الراشدين من بعده دليل على أن هذا الفعل هو الأفضل، والله أعلم. رابعا: وأما قولهم: "إن الدعاء في عرفة من أهم أعمال الحاج والصيام قد يخل به، فكره لذلك"، فيجاب عنه: أن الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولم يقم دليل على كراهة صيام الحاج في عرفة، وإنما يتوجه القول بأن الفطر أفضل لفعله ﷺ كما سبق. خامسا: وأما ما استدل به أصحاب القول الرابع، فيجاب عنه: أن النبي ﷺ حض على صيام يوم عرفة لغير الحاج، بدليل أن النبي ﷺ لمّا حج وقف مفطرا؛ بَيانا منه للأفضل، خاصة والمَقام مَقام تعليم وأَخذٍ عنه. قال الزّرْقاني (١): "ففِطرُ يوم عرفة للحاج أفضل من صومه؛ لأنه الذي اختاره ﷺ لنفسه" (٢). والله أعلم.

стр. 433

المطلب الرابع: حكم صيام أيام (التشريق) (١) (للمتمتع) (٢) وغيره. اختيار الشيخ: اختار تحريم صيام أيام التشريق مطلقا فقال: "والراجح عندي هو المنع مطلقا؛ لأحاديث النهي وهي مخصصة للآية، ولم يثبت عن النبي ﷺ الرخصة للمتمتع صريحا بسند صحيح" (٣). اختلف أهل العلم في حكم صيام أيام التشريق للمتمتع وغيره على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يجوز صيام أيام التشريق مطلقا. وبه قال: الحنفية (٤) , والحنابلة في أصح الروايتين (٥) , والأصح عند الشافعية (٦). وهو قول: الظاهرية (٧) , وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يجوز صيام أيام التشريق للمتمتع الذي لم يجد الهدي ولم يصم قبل يوم العيد. وهو قول: المالكية (٨)، والشافعي في القديم (٩)، ورواية عند الحنابلة (١٠). القول الثالث: يجوز صيام أيام التشريق مطلقا. وروي ذلك عن: الزبير بن العوام، وأبو طلحة؛ ﵄ , والأسود بن يزيد، وابن سيرين (١١).

стр. 434

سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم: تردد قوله ﷺ : «في أنها أيام أكل وشرب»، بين أن يحمل على الوجوب، أو على الندب" (١). أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا يجوز صيام أيام التشريق مطلقا. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٢). وجه الاستدلال من الآية من وجهين: الوجه الأول: أن الصحابة ﵃ فسروا الأيام الثلاثة بأن آخرها يوم عرفة لمن لم يجد الهدي. فعن ابن عباس ﵁ في تفسيرها: «وهذا على المتمتع بالعمرة إذا لم يجد هديا، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإن كان يوم عرفةَ الثالثَ فقد تم صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله» (٣). وعن علي ﵁ في صيام الأيام الثلاثة قال: «قبل التروية بيوم، (ويوم الترْوية) (٤)، ويوم عرفة» (٥). الوجه الثاني: أن الآية نفسها دلت على أن آخر الأيام الثلاثة التي أوجب الله صومهن في الحج على من لم يجد الهدي من المتمتعين هو يوم عرفة، وبيان ذلك: أن الله جل ثناؤه أوجب صومهن في الحج بقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، وإذا انقضى يوم عرفة، فقد انقضى الحج؛ لأن يوم النحر يوم إحلال من الإحرام، وقد أجمع الجميع أنه غير جائز له صوم يوم النحر: إما لأنه ليس من أيام الحج؛ فأيام التشريق بعده أحرى أن لا تكون

стр. 435

من أيام الحج، وإما لأنه يوم عيد، فأيام التشريق التي بعده في معناه؛ لأنها أيام عيد. وإذا كان يفوت صومهن بمضي يوم عرفة، لم يكن إلى صيامهن في الحج سبيل؛ لأن الله شرط صومهن في الحج، فلم يجز عنه إلا الهدي (١). الدليل الثاني: عن نُبَيْشة الهُذلي (٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب» (٣). الدليل الثالث: عن كَعْب بن مالك (٤) ﵁ أن رسول الله ﷺ بعثه وأوس بن الحَدَثان (٥) أيام التشريق، فنادى: «أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام مِنى أيام أكل وشرب» (٦). الدليل الرابع: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: أمر النبي ﷺ عبد الله بن حُذَافة (٧) أن يركب راحلته (أيام منى) (٨) فيصيح في الناس: «ألا لا يصومن أحد فإنها أيام أكل وشرب». قال: فلقد رأيته على راحلته ينادي بذلك (٩).

стр. 436

الدليل الخامس: عن عُقْبَة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» (١). وجه الاستدلال من هذه الأحاديث: قد ثبت بهذه الآثار عن رسول الله ﷺ النهي عن صيام أيام التشريق، وكان نهيه عن ذلك بمنى والحجاج مقيمون بها وفيهم المتمتعون وغيرهم، ولم يستثن منهم متمتعا ولا غير متمتع، فدخل المتمتعون وغيرهم في ذلك النهي (٢). قال الخطابي -عند إيراده حديث عقبة بن عامر ﵁: "وهذا كالتعليل في وجوب الإفطار فيها، وأنها مستحقة لهذا المعنى، فلا يجوز صيامها ابتداء تطوعا ولا نذرا، ولا عن صوم التمتع إذا لم يكن المتمتع صام الثلاثة الأيام في العشر" (٣). وقال أيضا -عند حديث نبيشة الهذلي ﵁: "فيه دليل على أن صوم أيام التشريق غير جائز؛ لأنه قد وَسَمَها بالأكل والشرب كما وَسَمَ يوم العيد بالفطر، ثم لم يجز صيامه؛ فكذلك أيام التشريق. وسواء كان تطوعا من الصائم، أو نذرا، أو صامها الحاج عن التمتع" (٤). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يجوز صيام أيام التشريق للمتمتع الذي لم يجد الهدي ولم يصم قبل يوم العيد. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٥). وجه الاستدلال من الآية من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: لأن ابن عمر ﵄ فسرها بذلك فقال ﵁: «يومٌ قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، وإذا فاته صامها أيام مِنى» (٦).

стр. 437

وقال أيضا: «الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هديا ولم يصم، صام أيام مِنى» (١). الوجه الثاني: أنه لا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية نزلت في يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحِجَّة، فعُلِم أنه أراد بها أيام التشريق؛ إذ لا يمكن الصيام قبلها (٢). الوجه الثالث: أن الله أوجب على المتمتع ما استيسر من الهدي، وأنه لا يلزمه نحره إلا يوم النحر وأيام التشريق، فإن لم يجد وجب عليه الصوم، ولا يكون ذلك إلا أيام التشريق؛ لأننا لا نستطيع إلزامه بالصوم وهو لا يدري أيجد الهدي أم لا؟ ، والواجب عليه صيام ثلاثة أيام في الحج ولم يبق معه إلا إيام التشريق، فكان صيامها واجبا عليه (٣). الدليل الثاني: عن عائشة وابن عمر ﵄ قالا: «لم يُرخَص في أيام التشريق أن يُصَمْن إلا لمن لم يجد الهدي» (٤). وجه الاستدلال: فهذا الحديث نص في المسألة، حيث إنه قد رُخِّص للمتمتع -الذي لم يجد الهدي- في صيام أيام التشريق، والمُرَخِّص هو رسول الله ﷺ ؛ لأن قول الصحابي: أُمِرنا بكذا ونُهينا عن كذا ورُخِّص لنا في كذا وأمثالها من العبارات، لها حُكم الرفع إلى رسول الله ﷺ بمنزلة قول الراوي: قال ﷺ كذا (٥). الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: «الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج (لمن لم يجد هديا)، ما بين أن يُهِلّ بالحج إلى يوم عرفة، فإن لم يصم صام أيام مِنى» (٦). الدليل الرابع: عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق» (٧).

стр. 438

الدليل الخامس: عن ابن عمر ﵄: «أنه كان يقول في ذلك مثل قول عائشة ﵂» (١). وجه الاستدلال: أن الصحابة الكرام ﵃ قد رخصوا للمتمتع بصيام أيام التشريق، مع أنهم ممن رووا أحاديث النهي عن صيامها، فكان دليلا على أن المتمتع مستثنى من عموم النهي والله أعلم. أدلة القول الثالث: القائلين بأنه يجوز صيام أيام التشريق مطلقا. الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁: «أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين، يوم الفطر، ويوم النحر» (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث دل بمنطوقه على تحريم صيام يوم الفطر ويوم الأضحى، ودل بمفهومه على جواز صيام ما عدا ذلك، ويدخل فيه أيام التشريق، وإلا كان تخصيصهما عبثا لا فائدة فيه (٣). الدليل الثاني: ولأن هذا يوم يصح صومه عن الهدي، فصح صومه عن غيره؛ كسائر الأيام (٤). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه يجوز صيام أيام التشريق للمتمتع الذي لم يجد الهدي ولم يصم قبل يوم العيد، وذلك لقوة أدلة هذا القول؛ فهي صحيحة وصريحة، ولأن الأدلة التي عارضت هذا القول عامة, والقاعدة أن العام يبنى على الخاص (٥). وأما ما استدل به أصحاب القولين الآخرين فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلال أصحاب القول الأول بالآية, فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أما قولهم إن الصحابة ﵃ قد فسروا الآية بأنها الأيام التي قبل يوم العيد، فغير مُسَلَّم: فهذا عبد الله بن عمر ﵄ قد فسرها بغير ما فسرها به علي وابن عباس ﵃ وجعل ابن عمر ﵄ أيام منى من أيام الحج كما مر, ثم إن عليا ¢ قد جاء عنه الإذن للمتمتع الذي لم يجد الهدي بصيام أيام منى كما سلف في أدلة القول الثاني (٦).

стр. 439

الوجه الثاني: وأما قولهم إن أيام منى ليست من أيام الحج، فلا معنى له؛ لأنهن يُنْسَك فيهن بالرمي والعكوف على أعمال الحج، كما يُنْسَك غير ذلك من أعمال الحج في الأيام قبلها (١). فلم يبق لهم تعلق بالآية. ثانيا: وأما استدلالهم بالنهي الوارد في أحاديث النهي عن صوم أيام التشريق، فيجاب عنه: أن أحاديث النهي عن صوم أيام التشريق جاءت عامة، يُستثنى منها المتمتع بما ثبت في حديث ابن عمر وعائشة ﵄ في أدلة القول الثاني: «أنه لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي». وحمل المطلق على المقيد واجب، وكذلك بناء العام على الخاص (٢). ثالثا: وأما استدلال أصحاب القول الثالث: «أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين، يوم الفطر، ويوم النحر» على جواز صيام أيام التشريق, فيجاب عنه: أن الأحاديث الكثيرة قد دلت على تحريم صيام أيام التشريق، فلا وجه للقول بالجواز مطلقا. وقد اعتذر ابن قدامة لأصحاب هذا القول بقوله: "والظاهر أن هؤلاء لم يبلغهم نهي رسول الله ﷺ عن صيامها، ولو بلغهم لم يَعْدوه إلى غيره" (٣). كما أن ابن عبد البر شكك في نسبة هذا القول إلى قائليه, فقال: "وفي الأسانيد عنهم ضعف" (٤). والله أعلم.

стр. 440

المطلب الخامس: حكم صيام عشر ذي الحِجَّة . اختيار الشيخ: اختار أنه يستحب صيام العشر: فقال جوابا على حديث عائشة: "والجواب عنه إن المراد من قولها لم يصم العشر أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائما فيها. ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، وإذا تعارض النفي والإثبات فالإثبات أولى بالقبول (١) " (٢). تحرير محل الخلاف: المقصود من هذه المسألة حكم صيام الأيام الثمانية الأولى من ذي الحِجَّة. وقد اختلفوا في صيام هذه الأيام على قولين: القول الأول: يستحب صيام الأيام الثمانية الأولى من ذي الحجة. وبه قال جمهور أهل العلم من: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة (٦) , والظاهرية (٧)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: لا يشرع صيام الأيام الثمانية الأولى من ذي الحجة. ونسب ذلك إلى: عائشة ﵂ (٨).

стр. 441

سبب الخلاف: لعل سبب الخلاف -والله أعلم- يكمن في فهم وتوجيه حديث عائشة ﵂ الذي سيأتي -إن شاء الله- في أدلة القول الثاني. أدلة القول الأول: القائلين بأنه يستحب صيامها. الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء» (١). الدليل الثاني: وعنه أيضا ﵄ عن النبي ﷺ قال: «ما من عمل أزكى عند الله , ولا أعظم أجرا من خير تعمله في عشر الأضحى». قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله , إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» (٢). وجه الاستدلال من الحديثين: أن الحديثين دلا على فضيلة العمل في عشر ذي الحجة على العموم، والصوم مندرج تحتها (٣)، لذا ينبغي أن يكون الصيام فيها مستحبا، كسائر العمل الصالح.

стр. 442

قال ابن حجر: "واستُدِلّ به -يعني حديث ابن عباس- على فضل صيام عشر ذي الحجة؛ لاندراج الصوم في العمل" (١). الدليل الثالث: عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحِجَّة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر» (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث صريح في إثبات صيام النبي ﷺ لتسع ذي الحجة، وهذا دليل على استحبابها، وينبغي الاقتداء به ﷺ بالمحافظة على صيامها (٣). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما مِن أيام أَحبّ إلى الله أن يُتعَبَّد له فيها من عشر ذي الحجة، يَعدِل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر» (٤). وجه الاستدلال: أن الحديث نص على أن صيام كل يوم من أيام عشر ذي الحجة يَعْدِل صيام سنة، فهو بيان لفضيلة الصيام في تلك الأيام، وإلا فالفضل عام لأنواع العبادات، فهو حثّ على صيامها (٥). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يشرع صيامها. عن عائشة ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائما العشر قط» (٦). وفي رواية: «أن النبي ﷺ لم يصم العشر قط» (٧).

стр. 443

وجه الاستدلال: أن ظاهر الحديث يفيد نفي صيام النبي ﷺ لهذه الأيام، فيكون الصوم فيها غير مشروع. الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يستحب صيام الأيام الثمانية الأولى من ذي الحجة؛ لصحة ما استدلوا به, ولحث النبي ﷺ على العمل الصالح في هذه الأيام، ومن ذلك الصيام، ولثبوت صيامه ﷺ فيها. وأما استدلال أصحاب القول الثاني بحديث عائشة ﵂ فقد أجاب أهل العلم عنه بأجوبة منها: قال النووي: "هو متأول على أنها لم تره، ولا يلزم منه تركه في نفس الأمر؛ لأنه ﷺ كان يكون عندها في يوم من تسعة أيام, والباقي عند باقي أمهات المؤمنين ﵅ , أو لعله ﷺ كان يصوم بعضه في بعض الأوقات وكله في بعضها, ويتركه في بعضها لعارض سفر أو مرض أو غيرهما, وبهذا يُجمَع بين الأحاديث" (١). وقال الشوكاني: "المراد: أنه لم يَصُمْها لعارض مرض، أو سفر، أو غيرهما. أو أن عدم رؤيتها له صائما لا يستلزم العدم. على أنه قد ثبت من قوله ما يدل على مشروعية صومها، كما في حديث الباب، فلا يَقْدَح في ذلك عدم الفعل" (٢). وقال الطِّيبي (٣): "قولها: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائما في العشر قط» لا ينفي كونها سُنَّة؛ لأنه ﷺ ربما صامها ولم تعرف عائشة، وإذا تعارض النفي والإثبات، فالإثبات أولى بالقبول" (٤). وعلى التسليم بأن النبي ﷺ قد ترك صيام هذه العشر، فإنه لا يفيد أبدا عدم المشروعية؛ وذلك لأنه ﷺ إن قال شيئا ولم يفعله فقد ثبت فضلُ ذلك الشيء بقوله (٥).

стр. 444

أو يكون النبي ﷺ قد تَرَكَه لعارض، ومما يُبَيِّن ذلك ما جاء في فضل صيام المحرم قوله ﷺ : «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» (١)، ومع هذا فإن النبي ﷺ لم يكن مكثرا الصيام فيه (٢). فهل يقال بعدم مشروعية صيام شهر الله المحرم؟ . ومن تلك العوارض التي يمكن أن يكون النبي ﷺ قد ترك بسببها صيام العشر -إن صح هذا الفهم لحديث عائشة ﵂: أولا: خشية أن يفرض على أمته، فيتركه وهو يحب أن يعمله (٣). ثانيا: وقد يكون العارض سفرا، أو مرضا، أو نحوهما، فيتركه لذلك (٤). ثالثا: وقد يكون العارض هو الضعف عن أن يعمل فيها ما هو أعظم منزلة من الصوم, وأفضل منه من الصلاة, ومن ذكر الله , وقراءة القرآن كما قد روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ في ذلك مما كان يختاره لنفسه (٥)، حيث قال ¢: «إني أخاف أن يمنعني من قراءة القرآن، فإن قراءة القرآن أحب إلي من الصوم» (٦). والله أعلم.

стр. 445

المطلب السادس: حكم صيام الدهر . اختيار الشيخ: اختار كراهة صيام الدهر، فقال: "فالصواب أجراء الحديث على ظاهره والقول بكراهة صيام الدهر مطلقا أو منعه" (١). تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء أن من سرد الصوم ولم يفطر الأيام المنهي عنها، أو خاف على نفسه الضرر، أو تفويت حق -وإن أفطر الأيام المنهي عنها-، فإن الصوم لا يشرع في حقه (٢). واختلفوا في من سرد الصوم، وأفطر الأيام المنهي عنها، ولم يخف ضررا، أو تفويت حق بصومه ذلك، على قولين: القول الأول: يجوز له صوم الدهر -بلا كراهة- بالشروط المذكورة. وبه قال: المالكية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة في المذهب (٥). القول الثاني: يكره له صوم الدهر، وإن أفطر الأيام المنهي عنها، وإن لم يخف على نفسه ضررا. وبه قال: الحنفية (٦) , والحنابلة في رواية (٧) , والظاهرية (٨) , وهو اختيار الشيخ. سبب الخلاف: يمكن إرجاع الخلاف في هذه المسألة -والله أعلم- إلى فهم الفقهاء للأحاديث الواردة في هذه المسألة: كاختلافهم في معنى سرد الصوم، واختلافهم في كون صيام داود ﵇ أفضل الصوم في من كان حاله كحال عبد الله بن عمرو ﵄ أو هو

стр. 446

عام، واختلافهم في معنى: «ضُيِّقت عليه جهنم» (١)، في حق من صام الدهر، وسيأتي بيان كل ذلك في الأدلة إن شاء الله. أدلة القول الأول: القائلين بأنه يجوز له صوم الدهر بلا كراهة بالشروط المذكورة. الدليل الأول: النصوص التي حثت على الإكثار من الحسنات، كقوله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٢). وقوله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (٣). وجه الاستدلال: يُفهَم من هذه النصوص أن صيام الدهر أفضل لمن قوي عليه؛ تكثيرا للحسنات (٤). الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمرو ﵁، قال: أُخبِر رسول الله ﷺ ، أني أقول: والله لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت، فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأمي قال: «فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر» (٥). الدليل الثالث: عن أبي أيوب (٦) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر كله» (٧). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد رَغَّب في صيام هذه الأيام، وشَبَّهها بصيام الدهر، ولا شكّ أن المُشبَّه به أفضل من المُشبَّه, فكان صيام الدهر أفضل من صيام هذه الأيام المذكورة في الحديثين (٨).

стр. 447

الدليل الرابع: عن عائشة ﵂: أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: «يا رسول الله إني أسرد الصوم» (١). وفي رواية: أن حمزة بن عمرو الأسلمي، سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رجل أسرد الصوم، أفأصوم في السفر؟ قال: «صم إن شئت، وأفطر إن شئت» (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم ينهَ حمزة بن عمرو عن السرد؛ وذلك لأنه الأفضل في حقّه؛ لأنه ليس ممن يُدخِل فيه على نفسه مشقّة، أو يُفوِّت به حقا. فلو كان السرد ممتنعا لبَيَّنه له؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وأما قوله ﷺ لعبد الله بن عمرو ﵄: «لا أفضل من ذلك» (٣) , أي: في حقك, فيَلتحِق به من في معناه، ممن يُدخِل فيه على نفسه مشقة، أو يُفوِّت به حقا (٤). قال النووي: "فنهى النبي ﷺ ابن عمرو بن العاص لعلمه بأنه يَضعُف عن ذلك، وأقر حمزة بن عمرو لعلمه بقُدرته على ذلك بلا ضرر" (٥). الدليل الخامس: وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنم هكذا» وقَبَضَ كَفَّه (٦). وجه الاستدلال: أن معنى الحديث: أي: ضُيِّقت عنه جهنم فلا يدخلها، ولم يكن له فيها موضع؛ لأن من ازداد لله عملا وطاعة، ازداد عند الله رِفعَة، وازداد عليه كرامةً، وإليه قربةً (٧).

стр. 448

الدليل السادس: عن أبي مالك الأشعري (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن في الجنة غرفة يُرى ظاهرُها من باطنها وباطنُها من ظاهرها, أعدها الله لمن ألان الكلام, وأَطعَمَ الطعام, وتابع الصيام, وصلى بالليل والناس نيام» (٢). أدلة القول الثاني: يُكره له صوم الدهر، وإن أفطر الأيام المنهي عنها، وإن لم يخف على نفسه ضررا. الدليل الأول: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: أُخبِر رسول الله ﷺ أني أقول: والله لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت. فقال رسول الله ﷺ : «أنت الذي قلت ذلك»؟ فقلت له: قد قلته، بأبي أنت وأمي. فقال: «فإنك لا تستطيع ذلك. فصم وأفطر، وقم ونم. وصم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها. وذلك مثل صيام الدهر». قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوما وأفطر يومين». قلت: أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوما وأفطر يوما, فذلك مثل صيام داود, وهو أفضل الصيام». فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «لا أفضل من ذلك» (٣). وفي رواية: «لا صوم فوق صوم داود ﵇ شطر الدهر، صم يوما، وأفطر يوما» (٤). وجه الاستدلال: أن الحديث ظاهر بَيِّن في أن صيام داود ﵇ هو أفضل الصيامات، ويقتضي أن الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة (٥).

стр. 449

الدليل الثاني: عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صام من صام الأبد» (١). وجه الاستدلال: أن الحديث واضح الدلالة في كراهة صيام الدهر، وبيانه: أن قوله ﷺ : «لا صام»: يحتمل مَعنيَين: إما الدُعاء عليه، فيا بؤس من دعا عليه النبي ﷺ ، وإما أن يكون بمعنى الإخبار، فيا بؤس من أخبر عنه النبي ﷺ أنه لم يصم. فقد عُلِم أنه لم يُكتب له ثواب الصيام؛ تصديقا بخبره ﷺ ، وقد نفى ﷺ الفضل عنه، فكيف يُطلَب ما نفاه النبي ﷺ ؟ (٢). الدليل الثالث: وعن أبي قتادة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله كيف بمن صام الدهر؟ قال: «لا صام ولا أفطر، أو لم يصم ولم يفطر» (٣). وجه الاستدلال: أن معنى الحديث: أن من صام الدهر، لمّا خالف الهدي النبوي الذي رَغَّب فيه ﷺ كان بمنزلة مَن لم يصم صوما مشروعا يؤجَر عليه، ولا أفطر فطرا يَنْتَفِع به (٤). وفيه دليل واضح على أنه ليس المقصود من صام الدهر مع الأيام المنهي عنها, وبيان ذلك: أنه ﷺ قد قال جوابا لمن سأله عن صوم الدهر: «لا صام ولا أفطر»، أي: مَن فَعَل ذلك لم يؤجَر ولم يَأثم، ومَن صام الأيام المنهي عنها لا يقال في حقه ذلك؛ لأنه عند من أجاز صوم الدهر إلا الأيام المنهي عنها، يكون قد فَعَل مستحبا وحراما. وأيضا فإن الأيام المنهي عنها مستثناة بالشرع، غير قابلة للصوم شرعا، فهي بمنزلة الليل وأيام الحيض، فلم تَدخل في السؤال عند من عَلِم تحريمها، ولا يصلح الجواب بقوله: «لا صام ولا أفطر» لمن لم يعلم بتحريمها (٥).

стр. 450

الدليل الرابع: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: قيل للنبي ﷺ : رجل يصوم الدهر، قال: «وَدِدتُ أنه لم يَطْعَم الدهر» (١). وجه الاستدلال: فقوله ﷺ : «وددت أنه لم يطعم الدهر» أي: وددت أنه ما أكل ليلا ولا نهارا حتى مات جوعا. والمقصود: بيان كراهة عمله, وأنه مذموم العمل، حتى يتمنى له ﷺ الموت جوعا (٢). الدليل الخامس: وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنم هكذا وقبض كفه» (٣). وجه الاستدلال: ظاهر هذا الحديث يقتضي المنع من صوم الدهر؛ لأن جهنم تُضَيَّق على من فعل ذلك، حصرا له فيها؛ لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن سُنَّة نبيه ﷺ ، واعتقاده أن غير سُنَّته أفضل منها (٤). الدليل السادس: ما ثبت أنه ﷺ قال للثلاثة الذين قال أحدهم: إنه يصوم ولا يفطر, وقال الثاني إنه يقوم الليل ولا ينام, وقال الثالث إنه لا يأتي النساء, فقال ﷺ : «أما أنا فأصوم وأُفطِر, وأقوم وأنام, وآتي النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني» (٥). وجه الاستدلال: أن هذا الحديث يدل على أن صيام الدهر مِن الرُغوب عن سُنَّة رسول الله ﷺ ، فاستحق فاعله ما رتبه عليه من الوعيد، فمن رغِب عن سُنَّته فليس على هَديِه وطريقته (٦).

стр. 451

الراجح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الثاني: كراهة صيام الدهر؛ وذلك لصحة أدلتهم، ولصراحتها في كراهة صيام الدهر ولوضوح وجوه الاستدلال من النصوص. وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بالآيتين على أن صيام الدهر أفضل لمن قوي عليه تكثيرا للحسنات, فيجاب عنه: أن هذا الاستدلال قد يكون وجيها لو لم ترد نصوص تنهى عن صيام الدهر، وإلا لقيل باستحباب الإكثار من النوافل في أوقات النهي؛ تكثيرا للحسنات والباب واحد. ثانيا: وأما قولهم: إن المشبه به أفضل من المشبه، فكان صيام الدهر أفضل من هذه المشبهات فيجاب عنه: أن التشبيه لا يقتضي جواز المشبه به فضلا عن استحبابه, وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوما. ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام كل السنة، فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه (١). ثالثا: وأما استدلالهم بحديث حمزة ¢ على صيام الدهر, وأنه الأفضل في حقه, وأن الأفضل في حق ابن عمرو ﵄ صيام داود ﵇, فيجاب عنه: أن حديث حمزة ¢ لا دلالة فيه على صيام الدهر؛ وذلك لأن سؤال حمزة ¢ إنما كان عن الصوم في السفر لا عن صوم الدهر، ولا يلزم من سرد الصيام صوم الدهر (٢)، بل المراد أنه كان كثير الصوم، كما وقع في رواية عنه. ويؤيد عدم الاستلزام ما جاء عن النبي ﷺ : «أنه كان يسرد الصوم» (٣). مع ما ثبت: «أنه ﷺ لم يصم شهرا كاملا إلا رمضان» (٤) (٥).

стр. 452

وأما جعلهم: صيام داود أفضل في حق من كان حاله مثل حال عبد الله ابن عمرو ﵁ , فيجاب عنه: أن الذي ينبغي: "أن يجرى على ظاهر الحديث في تفضيل صيام داود ﵇، والسبب فيه: أن الأفعال متعارضة المصالح والمفاسد، وليس كل ذلك معلوما لنا ولا مُستحضَرا، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد، فمقدار تأثير كل واحد منها في الحث والمنع غير مُحَقَق لنا. فالطريق حينئذ أن نُفَوِّض الأمر إلى صاحب الشرع، ونُجري على ما دل عليه ظاهر اللفظ، مع قوة الظاهر ههنا" (١). رابعا: وأما استدلالهم بحديث «ضُيِّقت عليه جهنم» على أن المعنى ضُيِّقت عنه فلا يدخلها؛ لأن من ازداد لله عملا وطاعة، ازداد عند الله رفعة وعليه كرامة، فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن رواة الحديث إنما أوردوه لبيان التشديد على فاعل ذلك لا لبيان فضله (٢). قال الأَثْرَم (٣): "قيل لأبي عبد الله: فَسَّر مُسَدَّد (٤) قول أبي موسى: «من صام الدهر ضُيِّقت عليه جهنم» فلا يدخلها, فضحك وقال: من قال هذا؟ ! فأين حديث عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ كَرِه ذلك" (٥).

стр. 453

الوجه الثاني: ولأنه ليس كل عمل صالح إذا ازداد العبد منه، ازداد مِن الله تَقَرّبا، بل رُبَّ عمل صالح إذا ازداد منه العبد، ازداد بُعدا عن ربه؛ كالصلاة في الأوقات المكروهة. فيكون الواجب إجراء الحديث على ظاهره (١). والله أعلم.

стр. 454

المطلب السابع: حكم صيام الست من شوال . اختيار الشيخ: اختار استحباب صيام الست من شوال، فقال "وفي الحديث دليل بَيِّن على استحباب صوم ستة أيام من شوال" (١). اختلف الفقهاء في حكم صيام الست من شوال على قولين: القول الأول: يستحب صيام الست من شوال. وهو قول: المتأخرين من الحنفية (٢) , وقول الشافعية (٣) , والحنابلة (٤) , وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يكره صيام الست من شوال. وهو قول: الإمام أبي حنيفة (٥) , والإمام مالك (٦)? . سبب الخلاف: قد يرجع الخلاف -والله أعلم- إلى سببين: الأول: معارضة (عمل أهل المدينة) (٧) لحديث صيام الست من شوال. الثاني: ترك العمل بحديث صيام الست من شوال سدا للذريعة؛ حتى لا يعتقد الجُهّال فرضيتها.

стр. 455

أدلة القول الأول: القائلين بأنه يستحب صيام الست من شوال. الدليل الأول: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر» (١). وجه الاستدلال: أن الحديث صريح في استحباب صيام الست من شوال؛ لأن النبي إنما شبَّه صيامها بصيام الدهر، للمبالغة، وللحث على صيامها (٢). الدليل الثاني: عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «صيام شهر رمضان بعشرة أشهر, وصيام ستة أيام من شوال بشهرين, فذلك صيام سنة» (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يذكر صيام الست من شوال بعد صيام رمضان، وأن الحسنة بعشر أمثالها إلا ترغيبا منه ﷺ في صيامها؛ لتحصيل أجر صيام السنة كاملة. أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يكره صيام الست من شوال. الدليل الأول: أن حديث صيام الست من شوال غير معمول به عند أهل العلم من أهل المدينة. قال الإمام مالك -في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان-: "إنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها, ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف, وإن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته, وأن يُلحِقَ برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء (٤)؛ لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم, ورأوهم يعملون ذلك" (٥). وجه الاستدلال من كلام الإمام مالك من وجهين: الأول: أن أهل العلم من أهل المدينة لم ينقل عنهم صيام الأيام الست من شوال، فيكون صيامها ليس مما يستحب فعله.

стр. 456

قال الباجي: "وهذا كما قال: إن صوم هذه الستة الأيام بعد الفطر لم تكن من الأيام التي كان السلف يتعمدون صومها" (١). الثاني: أنه قد يفضي إلى اعتقاد لزومها من العوام لكثرة المداومة، ولذا سُمِع من يقول يوم الفطر: نحن إلى الآن لم يأت عيدنا أو نحوه (٢). قال ابن القيم: "قال الحافظ أبو محمد المُنْذِري (٣): والذي خشي منه مالك قد وقع بالعجم، فصاروا يتركون المُسَحّرين على عادتهم، والنواقيس، وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام. فحينئذ يُظهِرون شعائر العيد" (٤). الدليل الثاني: أن حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ في صيام الست من شوال- لا يَثبُت عن النبي ﷺ ، لعلتين: الأولى: ضعف أحد الرواة. الثانية: الاختلاف في رفعه إلى النبي ﷺ ، أو وقفه على أبي أيوب الأنصاري ¢ (٥). الترجيح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الأول: أنه يستحب صيام الست من شوال مطلقا.؛ وحديث أبي أيوب وثوبان ﵄ واضحا الدلالة على استحباب صيامها. والظاهر -والله أعلم- أن الإمام مالكا والإمام أبا حنيفة ﵄ لم يتركا صيام الست من شوال, وإنما خشيا من أن يعتقد الجهال وعوام الناس فرضيتها.

стр. 457

والدليل على ذلك: ما رواه مُطَرِّف (١) عن الإمام مالك أنه كان يصومها في خاصة نفسه (٢). قال ابن عبد البر: "والذي كرهه له مالك أمر قد بَيَّنه وأوضحه؛ وذلك: خشية أن يضاف إلى فرض رمضان، وأن يَسْتَبين ذلك إلى العامة. وكان مُتَحَفّظا كثير الاحتياط للدين. وأما صيام الستة الأيام من شوال -على طلب الفضل, وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان ﵁ , فإن مالكا لا يكره ذلك إن شاء الله" (٣). وقال الكمال ابن الهُمام (٤): "وجه الكراهة: أنه قد يفضي إلى اعتقاد لزومها من العوام؛ لكثرة المداومة، ... فأما عند الأمن من ذلك فلا بأس؛ لورود الحديث به" (٥). ولكن هذا القول قد يفضي إلى ترك سنن كثيرة، بحجة أن العوام قد يعتقدون فرضيتها؛ كصيام عاشورا، وعرفاة، وغيرها. قال النووي: "وأما قول مالك: "لم أر أحدا يصومها" فليس بحجة في الكراهة؛ لأن السُنَّة ثبتت في ذلك بلا معارض، فكونه لم ير لا يضر، وقولهم: "لأنه قد يخفى ذلك فيُعتقَد وجوبه"، ضعيف؛ لأنه لا يخفى ذلك على أحد، ويلزم على قوله إنه يكره صوم عرفة وعاشوراء وسائر الصوم المندوب إليه، وهذا لا يقوله أحد" (٦).

стр. 458

والواجب على أهل العلم تفقيه العوام وتعليمهم أمور دينهم، وتبيين ما يشكل عليهم من الأحكام كلما سنحت الفرصة، حتى تُحفظ سنة رسول الله ﷺ ويُعمل بها. وأما من قال: إن ترك العمل بهذا الحديث بسبب ضعف أحد رواته، واختلاف الرواة في رفعه إلى النبي ﷺ ووقفه على أبي أيوب الأنصاري ¢، فيجاب عنه: أن الحديث قد صححه الإمام مُسْلم (١) وغيره، وقد رواه الثقات مرفوعا إلى النبي ﷺ . وقد تكلم ابن القيم عن هذا الحديث في حاشيته على سنن أبي داوود في أكثر من ثمان صفحات (٢)، ورد كل ما أثير حول هذا الحديث من كلام، فليراجعه من شاء، فإن فيه الكفاية إن شاء الله. والله أعلم.

стр. 459

المطلب الثامن: ما هو أفضل الصيام بعد رمضان صيام شعبان أو المحرم ؟ . اختيار الشيخ: اختار أن أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم (١)، فقال: "وحديث الباب صريح إن شهر المحرم أفضل الشهور للصوم" (٢). اختلف أهل العلم في أي الشهور أفضل بعد رمضان, شعبان أو المحرم؟ على قولين: القول الأول: أفضل الشهور صوما بعد رمضان شهر الله المحرم. وبه قال: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة (٦)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: أفضل الشهور صوما بعد رمضان شهر شعبان. وهو اختيار: ابن رشد الجدّ (٧) من المالكية (٨) , وابن رجب (٩) من الحنابلة (١٠).

стр. 460

سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم والله أعلم يرجع إلى اختلاف الآثار المروية في هذه المسألة، وفهم كل فريق لها. أدلة القول الأول: القائلين بأن أفضل الشهور صوما بعد رمضان شهر الله المحرم. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (١). وجه الاستدلال: في الحديث التصريح بأن شهر الله المحرم هو أفضل الشهور للصوم (٢). قال ابن هُبَيْرَة (٣): "في هذا الحديث ما يدل على فضيلة شهر المحرم، من حيث إنه أول العام فيستقبله بالعبادة، فيرجى بذلك أن يكون مكفرا لباقي العام" (٤). الدليل الثاني: عن علي ﵁ قال: سأل رجل النبي ﷺ : أي الشهر تأمرني أن أصوم بعد رمضان قال: «صم المحرم؛ فإنه شهر الله، وفيه يوم تاب فيه على قوم, ويتوب فيه على آخرين» (٥). وجه الاستدلال: أن الحديث ظاهر في أن المقصود صيام شهر المحرم كله، وتوجيه النبي ﷺ لهذا السائل بصيام المحرم دون غيره من الشهور دليل على أفضليته (٦). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام يوما من المحرم, فله بكل يوم ثلاثون حسنة» (٧).
следующие страницы →