← Фикх общий

Фикх общий · id 133371

الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

موافقي الأمين

Полный текст (722 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قال الباجي: "وهذا كما قال: إن صوم هذه الستة الأيام بعد الفطر لم تكن من الأيام التي كان السلف يتعمدون صومها" (١). الثاني: أنه قد يفضي إلى اعتقاد لزومها من العوام لكثرة المداومة، ولذا سُمِع من يقول يوم الفطر: نحن إلى الآن لم يأت عيدنا أو نحوه (٢). قال ابن القيم: "قال الحافظ أبو محمد المُنْذِري (٣): والذي خشي منه مالك قد وقع بالعجم، فصاروا يتركون المُسَحّرين على عادتهم، والنواقيس، وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام. فحينئذ يُظهِرون شعائر العيد" (٤). الدليل الثاني: أن حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ في صيام الست من شوال- لا يَثبُت عن النبي ﷺ ، لعلتين: الأولى: ضعف أحد الرواة. الثانية: الاختلاف في رفعه إلى النبي ﷺ ، أو وقفه على أبي أيوب الأنصاري ¢ (٥). الترجيح: الذي يترجح والله أعلم هو القول الأول: أنه يستحب صيام الست من شوال مطلقا.؛ وحديث أبي أيوب وثوبان ﵄ واضحا الدلالة على استحباب صيامها. والظاهر -والله أعلم- أن الإمام مالكا والإمام أبا حنيفة ﵄ لم يتركا صيام الست من شوال, وإنما خشيا من أن يعتقد الجهال وعوام الناس فرضيتها.

стр. 457

والدليل على ذلك: ما رواه مُطَرِّف (١) عن الإمام مالك أنه كان يصومها في خاصة نفسه (٢). قال ابن عبد البر: "والذي كرهه له مالك أمر قد بَيَّنه وأوضحه؛ وذلك: خشية أن يضاف إلى فرض رمضان، وأن يَسْتَبين ذلك إلى العامة. وكان مُتَحَفّظا كثير الاحتياط للدين. وأما صيام الستة الأيام من شوال -على طلب الفضل, وعلى التأويل الذي جاء به ثوبان ﵁ , فإن مالكا لا يكره ذلك إن شاء الله" (٣). وقال الكمال ابن الهُمام (٤): "وجه الكراهة: أنه قد يفضي إلى اعتقاد لزومها من العوام؛ لكثرة المداومة، ... فأما عند الأمن من ذلك فلا بأس؛ لورود الحديث به" (٥). ولكن هذا القول قد يفضي إلى ترك سنن كثيرة، بحجة أن العوام قد يعتقدون فرضيتها؛ كصيام عاشورا، وعرفاة، وغيرها. قال النووي: "وأما قول مالك: "لم أر أحدا يصومها" فليس بحجة في الكراهة؛ لأن السُنَّة ثبتت في ذلك بلا معارض، فكونه لم ير لا يضر، وقولهم: "لأنه قد يخفى ذلك فيُعتقَد وجوبه"، ضعيف؛ لأنه لا يخفى ذلك على أحد، ويلزم على قوله إنه يكره صوم عرفة وعاشوراء وسائر الصوم المندوب إليه، وهذا لا يقوله أحد" (٦).

стр. 458

والواجب على أهل العلم تفقيه العوام وتعليمهم أمور دينهم، وتبيين ما يشكل عليهم من الأحكام كلما سنحت الفرصة، حتى تُحفظ سنة رسول الله ﷺ ويُعمل بها. وأما من قال: إن ترك العمل بهذا الحديث بسبب ضعف أحد رواته، واختلاف الرواة في رفعه إلى النبي ﷺ ووقفه على أبي أيوب الأنصاري ¢، فيجاب عنه: أن الحديث قد صححه الإمام مُسْلم (١) وغيره، وقد رواه الثقات مرفوعا إلى النبي ﷺ . وقد تكلم ابن القيم عن هذا الحديث في حاشيته على سنن أبي داوود في أكثر من ثمان صفحات (٢)، ورد كل ما أثير حول هذا الحديث من كلام، فليراجعه من شاء، فإن فيه الكفاية إن شاء الله. والله أعلم.

стр. 459

المطلب الثامن: ما هو أفضل الصيام بعد رمضان صيام شعبان أو المحرم ؟ . اختيار الشيخ: اختار أن أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم (١)، فقال: "وحديث الباب صريح إن شهر المحرم أفضل الشهور للصوم" (٢). اختلف أهل العلم في أي الشهور أفضل بعد رمضان, شعبان أو المحرم؟ على قولين: القول الأول: أفضل الشهور صوما بعد رمضان شهر الله المحرم. وبه قال: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة (٦)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: أفضل الشهور صوما بعد رمضان شهر شعبان. وهو اختيار: ابن رشد الجدّ (٧) من المالكية (٨) , وابن رجب (٩) من الحنابلة (١٠).

стр. 460

سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم والله أعلم يرجع إلى اختلاف الآثار المروية في هذه المسألة، وفهم كل فريق لها. أدلة القول الأول: القائلين بأن أفضل الشهور صوما بعد رمضان شهر الله المحرم. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» (١). وجه الاستدلال: في الحديث التصريح بأن شهر الله المحرم هو أفضل الشهور للصوم (٢). قال ابن هُبَيْرَة (٣): "في هذا الحديث ما يدل على فضيلة شهر المحرم، من حيث إنه أول العام فيستقبله بالعبادة، فيرجى بذلك أن يكون مكفرا لباقي العام" (٤). الدليل الثاني: عن علي ﵁ قال: سأل رجل النبي ﷺ : أي الشهر تأمرني أن أصوم بعد رمضان قال: «صم المحرم؛ فإنه شهر الله، وفيه يوم تاب فيه على قوم, ويتوب فيه على آخرين» (٥). وجه الاستدلال: أن الحديث ظاهر في أن المقصود صيام شهر المحرم كله، وتوجيه النبي ﷺ لهذا السائل بصيام المحرم دون غيره من الشهور دليل على أفضليته (٦). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام يوما من المحرم, فله بكل يوم ثلاثون حسنة» (٧).

стр. 461

وجه الاستدلال: أن هذا الفضل العظيم في تضعيف الحسنات دليل على أفضلية الصوم في شهر الله المحرم (١). الدليل الرابع: عن عائشة ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة، فيصوم شعبان» (٢). وجه الاستدلال: أن صيام النبي ﷺ لشهر شعبان لم يكن لأنه أفضل الشهور بعد رمضان؛ وإنما كان يقضي فيه ما اجتمع عليه من أيام لم يصمهن (٣). وأما صيام شهر الله المحرم فلأفضليته على غيره. أدلة القول الثاني: القائلين بأن أفضل الشهور صوما بعد رمضان شهر شعبان. الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: «كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان» (٤). الدليل الثاني: عن أم سلمة ﵂ قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين، إلا أنه كان يصل شعبان برمضان» (٥). الدليل الثالث: عن أبي سلمة قال: سألت عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ ؟ فقالت: «كان يصوم حتى نقول قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر، ولم أره صائما من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلا» (٦). وجه الاستدلال: أن هذه النصوص تدل على أن أفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شعبان؛ وذلك لمحافظته ﷺ على صومه أو صوم أكثره، ولتصريح أم المؤمنين عائشة ﵂ بأنه أَحبّ الشهور صياما عند رسول الله ﷺ .

стр. 462

قال ابن رشد الجد: "ففي هذا دليل على فضل صيام شعبان، وأنه أفضل من صيام سواه" (١). الدليل الرابع: عن أنس ﵁ قال: «سئل النبي ﷺ : أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ فقال: «شعبان لتعظيم رمضان»، قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: «صدقة في رمضان» (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث نص على أن شهر شعبان هو أفضل الشهور صياما بعد شهر رمضان؛ وذلك لأنه لمّا كان شعبان مُقدِّمة بين يدي رمضان، كان صومه فيه تعظيمًا له؛ فيُحتَرَم لاحترامه، ويأتي شهر رمضان وقد آنَست النفس بالعبادة، وأَلِفتْها (٣). الدليل الخامس: وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: قلت: ولم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (٤). وجه الاستدلال: يستدل بهذا الحديث على أفضلية شهر شعبان من وجوه: الأول: أن النبي ﷺ أقر أُسامة ﵁ عندما قال له: «ولم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان». الثاني: تعليله ﷺ بأنه وقت فاضل يغفل عنه الناس وينشغلون بغيره. الثالث: ذِكْر ما فيه من فضل رفع الأعمال إلى رب العزة والجلال. وهذا كله يدل على أنه أفضل الشهور للصيام بعد رمضان. الدليل السادس: عن عائشة ﵂ قالت: ذُكِر لرسول الله ﷺ ناس يصومون رجبا؟ فقال: «فأين هم عن شعبان» (٥).

стр. 463

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد أشار على من كان يصوم رجب بصيام شعبان لا غيره من الشهور فدل على أفضليته. الدليل السابع: أن أسامة ﵁ كان يصوم الأشهر الحرم, فقال له رسول الله ﷺ : «صم شوالا». فتَرَكَ الأشهر الحرم. فكان يصوم شوالا حتى مات (١). وجه الاستدلال: قال ابن رجب: "فهذا نص في تفضيل صيام شوال على صيام الأشهر الحُرُم؛ وإنما كان كذلك: لأنه يلي رمضان من بعده، كما أن شعبان يليه من قبله. وشعبان أفضل؛ لصيام النبي ﷺ له دون شوال. فإذا كان صيام شوال أفضل من الأشهر الحُرُم؛ فلأن يكون صوم شعبان أفضل بطريق الأولى" (٢). الترجيح: بعد عرض الأدلة ووجوه الاستدلال منها يتبين -والله أعلم- أن أصحاب القول الأول أسعد بالدليل من جهة القول، وأن أصحاب القول الثاني أسعد بالدليل من جهة الفعل؛ وبيان ذلك: أن ما استدل به أصحاب القول الأول وهو حديث: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم» حديث صحيح, وصريح في كون المحرم أفضل الشهور صياما بعد رمضان، من قوله ﷺ . وقد عارضه حديث أنس ﵁ في تفضيل شعبان، لكنه حديث ضعيف لا يقاوم حديث أبي هريرة في تفضيل المحرم، فيقدم حديث أبي هريرة ﵁ (٣). وقد يمكن الجمع بين الحديثين على فرض صحة حديث أنس ﵁ , فيقال: إن أفضل الصيام بعد رمضان عند الإطلاق صيام المحرم, وعند تعظيم رمضان صيام شعبان, ولعل المراد بتعظيم رمضان: تعظيم صيامه بأن تَتَعوَّد النفس عليه؛ لئلا يثقل صيام رمضان على النفس فتكرهه طبعا, ولئلا تُخِلّ بآدابه فَجأَةُ الصيام (٤).

стр. 464

فسبب الفضل مختلف كما ترى، فالمحرم فُضِّل لكونه فاضلا في ذاته، وأما شعبان فقد فُضِّل لتعظيم غيره، فيكون المحرم أفضل من شعبان (١). وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فهو من جهة الفعل؛ فإن إكثار النبي ﷺ من الصيام في شعبان يُشعِر بأفضليته على شهر المحرم؛ فما كان النبي ﷺ ليترك شهر المحرم مع ما ذُكِر فيه من الفضل، ويُكثِر الصيام في شعبان إلا لما فيه من فضل على غيره من الشهور. اللهم إلا أن يجاب عن إقلاله ﷺ من الصيام في شهر المحرم بما ذكره بعض أهل العلم فيقال: إن النبي ﷺ لم يكثر من الصيام في شهر الله المحرم لأسباب: الأول: أنه لم يَعلم بفضل المحرم إلا في آخر حياته قبل التَمكُّن من صومه (٢). الثاني: أنه كان يعرض له من الأعذار ما يُشغِله عن الصوم من سفر، أو غزو، أو مرض، فيقضي ذلك كله في شعبان (٣). وعلى كل حال فإن فضل شهر الله المحرم وفضل شهر شعبان، ثابت عنه ﷺ قولا وفِعلا، فيكون الإكثار من الصوم فيهما مطلب لكل مسلم حريص على الأجر, والله أعلم.

стр. 465

المطلب التاسع: حكم الإفطار في صوم النافلة . اختيار الشيخ: اختار جواز الإفطار لمن كان قد شرع في صيام النافلة، فقال: "ويدل على ما ذهب إليه الجمهور من جواز الإفطار، وعدم وجوب القضاء، حديث أبي جُحَيفة (١) ... " (٢). تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء أن من دخل في صيام واجب كقضاء رمضان، أو صيام النذر، أو الكفارة، لم يجز له الخروج منه (٣). واختلفوا في من شرع في صيام التطوع، هل له أن يفطر؟ على قولين: القول الأول: يجوز له فطر ذلك اليوم، والمستحب له إتمام صومه. وبه قال: الشافعية (٤) , والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يَحرُم عليه فطر ذلك اليوم. وبه قال: الحنفية (٧)، والمالكية (٨). سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم: اختلاف الآثار في ذلك" (٩). أدلة القول الأول: القائلين بأنه يجوز له فطر ذلك اليوم، والمستحب له إتمام صومه. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١٠). وجه الاستدلال: أن المتطوع بالصيام محسن، فإن ألزمناه بالاستمرار وأوقعنا عليه الإثم جعلنا عليه سبيلا، وهو منتفي عنه (١١).

стр. 466

الدليل الثاني: عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: دخل علي النبي ﷺ ذات يوم، فقال: «هل عندكم شيء؟ » , فقلنا: لا، قال: «فإني إذن صائم»، ثم أتانا يوما آخر فقلنا: يا رسول الله أُهدِي لنا حيس، فقال: «أَرينيه فلقد أصبحت صائما فأكل» (١). وجه الاستدلال: أن إفطار النبي ﷺ في صيام النفل بعد أن كان قد شرع فيه، دليل على أن إتمامه غير لازم (٢). قال ابن تيمية: "فهذا نص في جواز الإفطار بعد إجماع الصيام" (٣). الدليل الثالث: عن أبي جُحَيْفة (٤) ﵁ قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان (٥) وأبي الدرداء ﵄، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذِّلَة (٦)، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما، فقال: كل فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم, فنام ثم ذهب يقوم، فقال: نم؛ فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن, فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه, فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال النبي ﷺ : «صدق سلمان» (٧).

стр. 467

وجه الاستدلال: الحديث صريح في جواز الإفطار للصائم المتنفل؛ لأن النبي ﷺ قد صوب قول سلمان ¢ في إفطار الصائم المتطوع ولم ينكره، ولم يبين لأبي الدرداء ¢ وجوب القضاء عليه؛ وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١). الدليل الرابع: عن أمّ هَانِئ (٢) ﵂ أن رسول الله ﷺ شرب شرابا، فناولها لتشرب، فقالت: إني صائمة، ولكن كرهت أن أرد سُؤْرَكَ (٣)، فقال, يعني: «إن كان قضاء من رمضان فاقضي يوما مكانه، وإن كان تطوعا فإن شئت فاقضي، وإن شئت فلا تقضي» (٤). وفي رواية: قال رسول الله ﷺ : «الصائم المتطوع أمين نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (٥). وجه الاستدلال: الحديث يدل على جواز الفطر لمن أصبح صائما (٦). الدليل الخامس: عن أبي سعيد ﵁ قال: صنعت لرسول الله ﷺ طعاما، فأتاني هو وأصحابه، فلما وُضِع الطعام قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : «دعاكم أخوكم وتكلف لكم»، ثم قال له: «أفطر، وصم مكانه يوما إن شئت» (٧).

стр. 468

وجه الاستدلال: لو كان إتمام صيام النفل واجبا على من شرع فيه، لما أمر النبي ﷺ هذا الصحابي بالفطر. قال الشوكاني -بعد أن ذكر حديث أبي جُحَيْفة، وأم هانئ، وعائشة، وأبي سعيد ﵃: "والأحاديث المذكورة في الباب تدل على أنه يجوز لمن صام تطوعا أن يفطر؛ لا سيما إذا كان في دعوة إلى طعام أحد من المسلمين. ويدل على أنه يستحب للمتطوع القضاء لذلك اليوم" (١). الدليل السادس: ولأن المتنفل متبرع بما ليس عليه، فلا يلزمه ما لم يتبرع به، ولكنه مخير في آخره كما كان مخيرا في أوله (٢). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يحرم عليه فطر ذلك اليوم. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٣). وجه الاستدلال: أن من أفطر متعمدا بعد دخوله في الصوم، فقد أبطل عمله (٤). والنهي عن الإبطال يوجب الإتمام، فلزمه إتمام ذلك اليوم (٥). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه, فجاء النبي ﷺ ، فبدرتني إليه حفصة، وكانت ابنة أبيها، قالت: يا رسول الله إنا كنا صائمتين اليوم، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فقال: «اقضيا يوما آخر» (٦). وجه الاستدلال: لو كان الفطر مباحا لم يلزمهما القضاء (٧).

стр. 469

قال العيْني: "أَمَرَ بالقضاء, والأمر للوجوب؛ فدل على أن الشروع ملزم، وأن القضاء بالإفساد واجب (١). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» (٢). وجه الاستدلال: في الحديث دليل على عدم جواز إفطار الصائم المتطوع؛ وذلك: لأن نهي النبي ﷺ المرأة عن الصيام بغير إذن زوجها بسبب أنها غير مأذون لها في الفطر لو أرادها زوجها لحاجته, كما أنه منهي عن تفطيرها (٣). قال ابن بَطّال (٤): "لأنه لو كان للرجل أن يفسد عليها صومها بجماع، ما احتاجت إلى إذنه، ولو كان مباحا كان إذنه لا معنى له" (٥). الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دُعِيَ أحدكم فليُجِب، فإن كان صائما فليُصَلّ (٦)، وإن كان مفطِرا فليَطْعَم» (٧). وجه الاستدلال: الحديث دليل على أن الفطر للصائم المتطوع غير جائز؛ لأنه لو كان جائزا لبينه ﷺ , ولاستحبه في الدعوة (٨). الدليل الخامس: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فإذا هو يسأله عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «خمس صلوات في اليوم والليلة»، فقال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» فقال رسول الله ﷺ : «وصيام شهر رمضان»، قال: هل علي غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»، قال:

стр. 470

وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص، قال رسول الله ﷺ : «أفلح إن صدق» (١). وجه الاستدلال: الحديث دل على أن الشروع في التطوع يوجب إتمامه؛ لأن الاستثناء فيه متصل، ويكون المعنى: ليس عليك غير ما ذُكِر، إلا أن تَشرَع في التطوع وتَبتَدئه فيجب عليك إتمامه (٢). الدليل السادس: ولأنه باشرَ فِعلَ قربةٍ مقصودة، فيجب عليه إتمامها؛ قياسا على الحج إذا شرع فيه متطوعا، فإنه يجب عليه الإتمام اتفاقا (٣). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يجوز الفطر لمن كان قد شرع في صيام النفل؛ وذلك لصحة ما استدلوا به؛ وحديث سلمان مع أبي الدرداء ﵄ صريح في جواز إفطار الصائم المتنفل؛ لأن النبي ﷺ قد صَوَّب قول سلمان ¢ في إفطار الصائم المتطوع، ولم يُنكِره، ولأن الشريعة كلها إما فرض، وإما تطوع، وليس هناك قسم ثالث. فالفرض هو الذي يعصي من تَرَكَه، والتطوع هو الذي لا يعصي من تَرَكه, ولو عصى لكان فرضا. والمُفَرِّط في التطوع تارك ما لا يجب عليه؛ فلا حَرَج عليه في ذلك (٤). وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بالآية فيجاب عنه من وجهين: الأول: أن الآية عامةٌ, والأدلة التي ثبت بها جواز الفطر للصائم المتطوع خاصةٌ، كحديث سلمان مع أبي الدرداء ﵄ ونحوه؛ والخاصُ يُقدَّم على العام (٥). الثاني: أن المراد في الآية بالإبطال هو إبطالُها في الآخرة بالرياء والسمعة، أو بارتكاب الكبائر، وليس الإبطال المُراد عند الفقهاء عند ذِكرهم المسائل الفقهية (٦).

стр. 471

ثانيا: وأما استدلالهم بحديث إفطار عائشة وحفصة ﵄ في صيام النفل، وأن النبي ﷺ أمرهما بالقضاء، فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن الثقات قد اتفقوا على إرسال هذا الحديث, وشَذَّ من وصله, وتَوارَد الحُفّاظ على الحكم بضعفه (١)، فلا حجة فيه. الوجه الثاني: وعلى فرض صحته: يُحمَل أَمرُه ﷺ لهما بالقضاء على الندب؛ وذلك لأمرين: الأول: لأن بدل الشيء في أكثر أحكام الأصول يَحلّ مَحَلّ أصله، وهو في الأصل -الذي هو في مسألتنا صيام النفل-، مُخيَّر، فيكون كذلك في البدل الذي هو قضاء ذلك اليوم (٢). الثاني: أن في بعض روايات هذا الحديث قوله ﷺ : «لا عليكما, صوما مكانه يوما» (٣). فقوله ﷺ : «لا عليكما»، أي: لا بأس عليكما؛ ولو كان الفطر حراما والقضاء واجبا، لكان عليهما بأس (٤). ثالثا: وأما استدلالهم بحديث «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» , فيجاب عنه: أنه قد جاء في سبب ورود الحديث: «أن امرأة أتت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن زوجي صَفْوان بن المُعَطَّل (٥)، يضربني إذا صليت، ويُفطِّرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس ... وفيه: وأما قولها: يُفَطِّرني، فإنها تنطلق فتصوم، وأنا رجل شاب، فلا أصبِر، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: «لا تصوم امرأة إلا بإذن زوجها» ... » (٦). فلم يأمرها رسول الله ﷺ بقضاء تلك الأيام التي أفطرتها، ولم يأمر زوجها بأن لا يُفَطِّرها.

стр. 472

وإنما أمر النبي ﷺ المرأة ألا تصوم إلا بإذن زوجها؛ لأن الزوج يَهاب انتهاك الصوم بالإفساد وإن كان مستحبا, فيكون صومها مانعا له من الاستمتاع (١)؛ وحق الزوج في الاستمتاع واجب عليها. رابعا: وأما استدلالهم بحديث: «إذا دُعِيَ أحدكم فليُجِب ... » الحديث، فيجاب عنه من وجهين: الأول: ليس في الحديث أن الصيام صيام نفل أو صيام فرض؛ لأنه لو كان فرضا لم يجز له الأكل؛ لأن الفرض لا يجوز الخروج منه (٢)، وإنما دل الحديث على لزوم إجابة الدعوة وإن كان المدعو إليها صائما. الثاني: وعلى التسليم بأن المقصود صيام النفل, فليس في الحديث إلزام الصائم بالبقاء على صومه, وإنما جعل له ذلك إن أراده، وإما إن أراد أن يفطر فلا حرج عليه, وحديث أبي سعيد ¢ السابق يدل عليه. بل جاء ذلك صريحا في بعض روايات الحديث: عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من دُعِي إلى طعام وهو صائم فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك» (٣). خامسا: وأما استدلالهم بحديث الأعرابي الذي جاء يسأل عن شرائع الإسلام، فيجاب عنه: أن القول بأن الاستثناء في الحديث متصل غير صحيح؛ وذلك لأن المستثنى من غير جنس المستثنى منه؛ لأن التطوع لا يقال فيه عليك، فكأنه قال: لا يجب عليك شيء إلا إن أردت أن تطوع فذلك لك. وقد عُلِم أن التطوع ليس بواجب، فلا يجب شيء آخر أصلا (٤). سادسا: وأما قياسهم الصيام على الحج فيجاب عنه: أن الحج امتاز عن غيره بلزوم المضي في فاسده، فكيف في صحيحه. وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله كفَرضه (٥). والله أعلم.

стр. 473

المطلب العاشر: تعيين الأفضل في صيام ثلاثة أيام من كل شهر . اختيار الشيخ: اختار استحباب صيام أيام البِيض (١) من كل شهر، فقال: "وفيه دليل على استحباب صوم أيام البيض" (٢). تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء على استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر (٣). واختلفوا في تعيينها على عدة أقوال (٤) أشهرها قولان: القول الأول: أنها أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة من الشهر. وبه قال: الحنفية (٥) , والشافعية (٦) , والحنابلة (٧)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: أنها ثلاثة أيام غير معينة، ويكره تعيينها. وبه قال الإمام مالك، وهو المشهور في المذهب (٨). سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم- سببان: السبب الأول: اختلافهم في تصحيح الأحاديث المُقَيِّدة لصيام الثلاث بأنها أيام البيض. السبب الثاني: مخالفة عمل أهل المدينة للأحاديث المُقَيِّدة. أدلة القول الأول: القائلين بأنها أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة من الشهر. الدليل الأول: عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر! إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام, فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» (٩).

стр. 474

الدليل الثاني: عن جَرِير بن عبد الله (١) ﵁، عن النبي ﷺ قال: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، وأيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» (٢). الدليل الثالث: عن قَتادَة بن مِلْحان القَيْسي (٣) ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة»، قال: وقال: «هن كهيئة الدهر» (٤). الدليل الرابع: عن أبي ذر ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» (٥). الدليل الخامس: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ بأرنب قد شواها فوضعها بين يديه، فأمسك رسول الله ﷺ فلم يأكل، وأمر القوم أن يأكلوا، وأمسك

стр. 475

الأعرابي، فقال له النبي ﷺ : «ما يمنعك أن تأكل»؟ قال: إني صائم ثلاثة أيام من الشهر، قال: «إن كنتَ صائما فصم الغُرّ» (١). وفي لفظ: فقال النبي ﷺ : «مالك»؟ قال: إني صائم، فقال له النبي ﷺ : «فهلا ثلاث البيض ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة» (٢). الدليل السادس: وعن ابن عباس ﵁، قال: «كان رسول الله ﷺ لا يفطر أيام البيض في حضر ولا في سفر» (٣). وجه الاستدلال من الأحاديث: دلت هذه الأحاديث على استحباب صيام أيام البيض؛ لأن الذي أمر به النبي ﷺ وحث عليه ووصى به أولى من غيره (٤). الدليل السابع: وتترجح أيضا أيام البيض لكونها وسط الشهر، ووسط الشهر أعدله، ولأن الكُسُوف (٥) غالبا يقع فيها، فإذا اتفق الكسوف صادف الذي يعتاده صيام البيض صائما فيتهيأ أن يجمع بين أنواع العبادات من الصيام والصلاة والصدقة، بخلاف من لم يصمها فإنه لا يتهيأ له استدراك صيامها (٦). أدلة القول الثاني: القائلين بأنها ثلاثة أيام غير معينة، ويكره تعيينها.

стр. 476

الدليل الأول: عن معاذة العَدَوِيَّة (١) أنها سألت عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ : أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: «نعم»، فقلت لها: من أيّ أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: «لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم» (٢). وجه الاستدلال: حديث عائشة ﵂ يقتضي نفي تعيين صيام أيام بعينها، لأنه ﷺ أراد التوسعة بعدم تعينها, فكان لا يبالي من أي أيام الشهر صامها (٣). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁ قال: «أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضُحى، ونوم على وِتر» (٤). الدليل الثالث: وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شهر الصبر (٥) وثلاثة أيام من كل شهر, صوم الدهر» (٦). الدليل الرابع: عن عبد الله بن عمرو ﵁، قال: أُخبِر رسول الله ﷺ أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت، فقلت له: قد قلته بأبي أنت وأمي، قال: «فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها, وذلك مثل صيام الدهر» (٧).

стр. 477

الدليل الخامس: عن عثمان بن أبي العاص (١) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صيامٌ حَسَنٌ: ثلاثة أيام من الشهر» (٢). الدليل السادس: عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صوم الدهر» فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، فاليوم بعشرة أيام (٣). الدليل السابع: عن قُرَّة بن إِياس (٤) ﵁ عن النبي ﷺ قال «في صيام ثلاثة أيام من الشهر: صوم الدهر وإفطاره (٥)» (٦). الدليل الثامن: عن أعرابي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «صوم شهر الصبر, وثلاثة أيام من كل شهر, يُذهِبن وَحَرَ الصدر (٧)» (٨).

стр. 478

وجه الاستدلال: أن هذه الأحاديث كلها جاءت مطلقة؛ والإطلاق يقتضي نفي التعيين (١). والأحاديث التي جاءت بتعيين أيام البيض لا تَثبُت (٢). الدليل التاسع: ولأن أهل المدينة لم يكونوا يحددونها بأيام البيض. قال ابن القاسم: "سئل مالك عن صيام الأيام الغر: يوم ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر، قال: "ما هذا ببلدنا". وكَرِهَ تَعمُّد صومها، وقال: "الأيام كلها لله ", وكَرِهَ أن يَجعلَ على نفسه صومَ يومٍ يؤقتُه أو شَهْرٍ" (٣). الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يستحب صيام أيام البيض؛ وذلك لأن السُنَّة ثبتت في تعيينها، ولأن النبي ﷺ أمر بها وحث عليها بقوله وفعله، ووصى بها فتكون أولى من غيرها، وإن صام ثلاثة أيام من الشهر غير مقيدة فلا مانع منه أيضا، لكن الكلام هنا عن الأفضل. وأما الجواب عن ما استدل به أصحاب القول الثاني فيكون بما يلي: أولا: أما استدلالهم بحديث عائشة والأحاديث التي جاءت مطلقة في صيام ثلاثة أيام من كل شهر- على كراهة تقييدها بأيام البيض، فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن الذي أمر به ﷺ ، وحث عليه ووصى به: وهو صيام أيام البيض أولى من غيره؛ كما مر معنا في أدلة القول الأول: أما هو ﷺ فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو لئلا يظن تعينها، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز وكل ذلك في حقه أفضل، ولكن لمّا صح عنه ﷺ ، أنه اختار لمن أراد صوم ثلاثة أيام من كل شهر صيام أيام البيض، كان المستحب اختيار ما اختاره ﷺ (٤).

стр. 479

الوجه الثاني: أن في حديث ابن عباس ﵁: «كان رسول الله ﷺ لا يفطر أيام البيض في حضر ولا في سفر»، دليل بَيِّن أن النبي ﷺ لم يكن يترك صيام هذه الأيام، وقد أكدها بكان التي تفيد الاستمرار (١)، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والله أعلم. ثانيا: وأما استدلالهم بعمل أهل المدينة، وما نقل عن الإمام مالك فيجاب عنه من وجهين: الأول: أن الحديث إذا صح عن النبي ﷺ فلا قول لأحد مع رسول الله ﷺ , وقد صح في ذلك أحاديث ولله الحمد والمنة. الثاني: أن الإمام مالك نفسه كان يصوم أيام البيض, وإنما كره القول بها خشية أن يتتابع الناس على الأخذ بقوله فيظنها الجهال من الواجبات. قال ابن رشد الجدّ: "وقد روي عن مالك: أنه كان يصوم الأيام البيض. وقد كتب إلى هارون الرشيد (٢) في رسالته، يحضه على صيام الأيام الغر, ويذكر الحديث فيها (٣)؛ فإنما كره في هذه الرواية صيامها، ولم يحض عليها مخافة أن يكثر العمل بذلك؛ لكثرة إسراع الناس إلى الأخذ بقوله، فيحسب ذلك من لا علم له من الواجبات" (٤). والله أعلم.

стр. 480

المطلب الحادي عشر: ما هي أيام البيض ؟ . اختيار الشيخ: اختار قول جمهور أهل العلم بأنها الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فقال: "أيام الليالي البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر" (١). وقال أيضا: "واختلفوا في تعيينها، فذهب الجمهور إلى أنها: ثالث عشر، ورابع عشر، وخامس عشر. وقيل هي: الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر. وحديث أبي ذر ﵁ هذا وما في معناه يرُدّ ذلك" (٢). تحرير المسألة: قد عرفنا في المسألة السابقة أن جمهور أهل العلم قد استحبوا صيام أيام البيض, وقد جرى بينهم خلاف -وإن كان ضعيفا- في تعيينها، ولأن الشيخ عبيد الله المبارك فوري قد ذكر خلافهم ورجح ما ذُكِر، كان من المناسب أن تذكر أقوالهم هنا باختصار. وقد اختلفوا في تعيين أيام البيض على قولين: القول الأول: هي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. وبه قال: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والشافعية في الصحيح المشهور (٥) , والحنابلة (٦)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: هي الثاني عشر، والثالث عشر, والرابع عشر. وهو وجه ضعيف عند الشافعية (٧). أدلة القول الأول: القائلين أنها هي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. استدلوا بالأحاديث التي عينت أيام البيض, وقد ذكرت في المسألة السابقة (٨) , وأذكر هنا بعضها.

стр. 481

الدليل الأول: عن جرير بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر، وأيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» (١). الدليل الثاني: عن قتادة بن ملحان القيسي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، قال: وقال: «هن كهيئة الدهر» (٢). الدليل الثالث: عن أبي ذر ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة (٣). وجه الاستدلال: أن هذه الأحاديث قد عينت أيام البيض بأنها: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر من الشهر. أدلة القول الثاني: القائلين إنها هي الثاني عشر، والثالث عشر, والرابع عشر. لم أجد في كتب السنة التي وقفتُ عليها ما ذكر من تعيين أيام البيض بأنها هي الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر. ولكن ذكر الكِرْماني (٤) أن ذلك موجود في كتاب الترمذي. فقال -عند قول البخاري في صحيحه: باب صيام أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة-: "وهي الثلاثة المذكورة ليلة البدر وما بعدها وما قبلها وفي كتاب الترمذي أنها هي الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر" (٥). ولم أجده عند الترمذي، وقد ذكر الإمام النووي، والحافظ ابن حجر، وابن الملقن وغيرهم من العلماء † هذا القول, ولم يذكروا فيه حديثا، بل وصفوه بأنه قول ضعيف غريب (٦). ولم يُنبِّه أحد منهم على هذه الرواية التي ذَكرها الكرماني.

стр. 482

والذي أخشاه أن الكرماني قد فَهم هذا من شرح الإمام النووي على مسلم، فظن أن هناك رواية عند الترمذي، ونص الإمام النووي في شرحه على مسلم: "وهذا متفق على استحبابه، وهو استحباب كون الثلاثة هي أيام البيض (١) , وهي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر؛ وقد جاء فيها حديث في كتاب الترمذي وغيره. وقيل هي: الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر" (٢). فإن كان ما ذكر هنا صحيحا من كون الكرماني فهِم كلام الإمام النووي على غير مراده، فيكون القسطلاني قد تبنى كلام الكرماني دون تمحيص. فقد قال: "والاحتياط صوم الثاني عشر مع أيام البيض لأن في الترمذي أنها الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر" (٣). والله أعلم بالصواب. الراجح: والذي يترجح في هذه المسألة -إن شاء الله- هو القول الأول: أن أيام البيض هي: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر؛ وذلك لصحة أدلتهم ولصراحتها؛ ولعدم وجود دليل يستدل به أصحاب القول الثاني كما مر معنا. وقد قال الإمام النووي -عند ذكر هذا القول-: "وفيه وجه لبعض أصحابنا ... أنها: الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر, وهذا شاذ ضعيف؛ يَردُّه الحديثُ السابق (٤) في تفسيرها, وقَولُ أهل اللغة أيضا وغيرهم" (٥). والله أعلم.

стр. 483

المطلب الثاني عشر: معنى صيام يوم في سبيل الله . اختيار الشيخ: اختار أن المقصود الصيام في الجهاد، فقال نقلا عن المنذري: "وقد ذهب طوائف من العلماء إلى أن هذه الأحاديث جاءت في فضل الصوم في الجهاد، وبوب على هذه الترمذي وغيره. وذهبت طائفة إلى أن كل الصوم في سبيل الله إذا كان خالصا لوجه الله تعالى". ثم قال الشيخ بعدها: "قلت: والراجح عندنا هو القول الأول" (١). تحرير المسألة: قد وردت نصوص كثيرة تُبيِّن عِظَم أجر الصائمين عند الله , فمن ذلك: أن جعل لهم بابا من أبواب الجنة خاصا بهم لا يدخل منه غيرهم, فقال ﷺ : «إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم» (٢). وقد جاءت أحاديث كثيرة -كما سيأتي معنا إن شاء الله-، في عِظَم أجر من صام في سبيل الله، فاختلف العلماء في من يستحق هذا الأجر، على قولين: القول الأول: أن معناه الصيام في الجهاد. وبه قال: البخاري (٣) , والترمذي (٤) (٥) , وابن الجوزي (٦) (٧) , وابن دقيق العيد (٨). وهو: اختيار الشيخ ﵀.

стр. 484

القول الثاني: معناه كل صيام إذا كان خالصا لوجه الله. وهو قول: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤). سبب الخلاف: اختلافهم في معنى: «في سبيل الله»، الواردة في الأحاديث. أدلة القول الأول: القائلين أن معناه الصيام في الجهاد. الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله؛ إلا باعد الله بذلك اليوم عن وجهه النار سبعين خريفا (٥)» (٦). الدليل الثاني: عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض» (٧). الدليل الثالث: عن أبي أُمامة (٨) ﵁ أن النبي ﵁ قال: «من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض» (٩).

стр. 485

الدليل الرابع: عن معاذ بن أنس (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام يوما في سبيل الله في غير رمضان, بعد من النار مائة عام سير المُضَمِّر (٢) الجواد» (٣). الدليل الخامس: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من صام يوما في سبيل الله, زَحزَح (٤) الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفا» (٥). الدليل السادس: عن عمرو بن عَبَسَة (٦) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام يوما في سبيل الله, بعدت منه النار مسيرة مائة عام» (٧).

стр. 486

وجه الاستدلال: فهذه الأحاديث نصت على أن هذا الأجر العظيم، يناله من تَلبَّس بالصيام حال كونه مجاهدا في سبيل الله (١) , ولا يشاركه غيره في نيل هذا الأجر. قال ابن الجوزي: "إذا أُطلِق ذِكْرُ سبيل الله، كان المشار به إلى الجهاد" (٢). وقال ابن دقيق العيد: "قوله: «في سبيل الله» العُرْفُ الأكثر فيه: استعماله في الجهاد، فإذا حُمِل عليه كانت الفضيلة لاجتماع العبادتين، أعني: عبادة الصوم، والجهاد. ويحتمل أن يراد بسبيل الله: طاعته كيف كانت. ويُعبَّر بذلك عن صحة القصد والنية فيه. والأول أقرب إلى العُرْف" (٣). وقال البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسِيَر: باب فضل الصوم في سبيل الله. وساق ﵀ حديث أبي سعيد الخدري ﵁. قال العيني -في شرحه على البخاري بعد ذِكْر الترجمة-: "أي: هذا بابٌ في بيان فضل الصوم في سبيل الله، أي: الجهاد" (٤). الدليل السابع: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من رابط (٥) يوما في سبيل الله , فيصوم يوما في سبيل الله, إلا زُحزِح عن النار سبعين خريفا» (٦). وجه الاستدلال: أن الحديث نصَّ على أن هذا الأجر العظيم خاص بمن صام يوما في سبيل الله، حال كونه مرابطا، وهذا لا يكون إلا في الجهاد. أدلة القول الثاني: القائلين إن معناه كل صيام إذا كان خالصا لوجه الله.

стр. 487

الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم عن وجهه النار سبعين خريفا» (١). الدليل الثاني: عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض» (٢). الدليل الثالث: عن عمرو بن عبسة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام يوما في سبيل الله بعدت منه النار مسيرة مائة عام» (٣). الدليل الرابع: عن معاذ بن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام يوما في سبيل الله في غير رمضان بعد من النار مائة عام سير المضمر الجواد» (٤). الدليل الخامس: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من صام يوما في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفا» (٥). الدليل السادس: عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من صام يوما في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقا كما بين السماء والأرض» (٦). وجه الاستدلال: أن هذه الأحاديث عامة في كل صيام كان خالصا لوجه الله، وهو المُعبَّر عنه بسبيل الله، ولا تختص بحال الجهاد. وقال أبو العباس القرطبي (٧): "قوله: «من صام يوما في سبيل الله»؛ أي: في طاعة الله؛ يعني بذلك: قاصدا به وجه الله تعالى" (٨).

стр. 488

قال ابن بطال: "وسبيل الله: جميع طاعاته" (١). الدليل السابع: عن عَبَاية بن رفاعة (٢)، قال: أدركني أبو عَبْس (٣) ﵁ وأنا أذهب إلى الجمعة، فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرَّمه الله على النار» (٤). وجه الاستدلال: أن معنى في سبيل الله تشمل الجهاد وغيره، فهذا أبو عبس ﵁ قد فهم أن المعنى أعم من مجرد الجهاد والغزو. قال ابن رجب: "فيه فضل المشي في سبيل الله؛ فأدخل الراوي المشي إلى الجمعة في عموم السبيل، وجعله شاملا له وللجهاد" (٥). وقال ابن حجر: "وأورده هنا لعموم قوله: «في سبيل الله»؛ فدخلت فيه الجمعة؛ ولكون راوي الحديث استدل به على ذلك" (٦). الدليل الثامن: عن كعب بن عُجْرَة (٧) ﵁ قال: مر علي النبي ﷺ فرأى أصحاب النبي ﷺ فِيَّ جَلَدَةً (٨) ونشاطة فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ :

стр. 489

«إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يُعِفّها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان» (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يَقصُر معنى في سبيل الله على الجهاد فقط، بل عَدّاه إلى خصال أخرى من أعمال الخير: كالسعي على العيال، والسعي على الوالدين، والسعي على عِفَّة النفس. الدليل التاسع: عن أم مَعْقِل (٢) ﵂ قالت: كان أبو مَعْقِل (٣) ﵁ حاجّا مع رسول الله ﷺ , فلما قَدِم قالت أم معقل: قد عَلِمت أن عليَّ حَجَّة, فانطلقا يمشيان حتى دخلا عليه, فقالت: يا رسول الله إن عليَّ حَجّة, وإن لأبي معقل بَكْرا (٤) , قال أبو معقل: صدقت, جعلتُه في سبيل الله, فقال رسول الله ﷺ : «أعطها فلتَحُجّ عليه؛ فإنه في سبيل الله» فأعطاها البَكْر (٥). وجه الاستدلال: فهذا الحديث نصَّ على أن الحج داخلٌ في معنى في سبيل الله، فيكون معنى في سبيل الله أعم من مجرد الجهاد (٦).

стр. 490

الترجيح: بعد عرض الأدلة ووجوه الاستدلال منها, الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه كل صيام إذا كان خالصا لوجه الله؛ لصحة ما استدلوا به على إثبات عموم معنى «في سبيل الله»، فيترك على عمومه، ويكون الجهاد فردا منه. فالصوم في سبيل الله مطلقا يوجب الوعد والأجر، وإن تفاوت أجرا وأجر، بحسب المشاق؛ فإن العطايا على قدر البلايا (١). والله أعلم.

стр. 491

المبحث الثاني: في النذر، وفي أعذار الفطر وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حكم من نذر صوم العيدين متعمدا لعينيهما. المطلب الثاني: حكم من نذر صوم يوم قدوم فلان مثلا فوافق يوم عيد. المطلب الثالث: هل الضيافة عذر للإفطار من صوم النفل؟ . المطلب الرابع: هل يستحب لمن كان صائما صيام نفل أن يفطر إذا دعي؟

стр. 492

المطلب الأول: حكم من نذر صوم العيدين متعمدا لعينيهما . اختيار الشيخ: اختار عدم انعقاد النذر وعدم صحته، فقال: "والراجح عندي في المسألة الأولى هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد من عدم انعقاد النذر وعدم صحته" (١). تحرير محل الخلاف: أجمع العلماء على تحريم صيام عيد الفطر، وعيد الأضحى، سواء صيما عن نذر، أو تطوع، أو كفارة، أو غير ذلك (٢). واختلفوا في من نذر صيامهما لعينيهما أي: يقصدهما بالصيام، هل ينعقد نذره وعليه قضاؤه أم لا؟ على قولين: القول الأول: لا يصح نذر صيام العيدين، ولا ينعقد، ويجب فطرهما، ولا يقضي. وبه قال: أبو حنيفة في رواية محمد عنه (٣) , والمالكية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة في رواية (٦)، والظاهرية (٧)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يصح نذر صوم العيدين ويجب فطرهما وقضاؤهما. وبه قال: الحنفية في ظاهر الرواية (٨) , ورواية عند الحنابلة عليها أكثر الحنابلة (٩).

стр. 493

سبب الخلاف: قال الحافظ ابن حجر: "وأصل الخلاف في هذه المسألة: أن النهي هل يقتضي صحة المنهي عنه" (١). أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا يصح نذر صيام العيدين ولا ينعقد ويجب فطرهما ولا يقضي. الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الفطر والنحر» (٢). الدليل الثاني: عن أبي عبيد مولى ابن أَزْهَر (٣) قال: شَهِدتُ العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: «هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر: تأكلون فيه من نسككم» (٤). وجه الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: حديث أبي سعيد يدل على المنع من صيام يومي العيد, ويقتضي ذلك عدم صحة صومهما بوجه من الوجوه، لا عن نذر ولا عن غيره (٥). الوجه الثاني: قوله في حديث عمر ﵁: «يوم فطركم من صيامكم»، يدل على أنه من نذر صوم ذلك اليوم لم يلزمه صيامه، ولا قضاؤه؛ لأن هذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيه، وقد وُسِم هذا اليوم بيوم الفطر، والفطر مضاد للصوم؛ ففي إجازة صومه إبطال لمعنى اسمه (٦).

стр. 494

الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا نذر في معصية, وكفارته كفارة يمين» (١). الدليل الرابع: عن عمران بن حصين ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «النذر نذران: فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله فذلك للشيطان ولا وفاء فيه، ويُكَفِّره ما يُكفِّر اليمين» (٢). وجه الاستدلال: أن النذر الذي يجب الوفاء به هو نذر الطاعة دون المعصية، وصيام هذين اليومين معصية؛ لنهي النبي ﷺ عنه. فالنذر لا ينعقد فيه، ولا يصح؛ كما لا يصح من الحائض لو نذرت أن تصوم أيام حيضها (٣)، وتعويض يوم آخر ليس من مقتضى لفظ نذره، فلا معنى لإلزامه إياه (٤). الدليل الخامس: ولأنه تعمد نذر المعصية، فلم ينعقد نذره، ولم يوجب قضاء كسائر المعاصي (٥). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يصح نذر صوم العيدين ويجب فطرهما وقضاؤهما. الدليل الأول: جاء رجل إلى ابن عمر ﵄، فقال: إني نذرت أن أصوم يوما، فوافق يوم أضحى أو فطر، فقال ابن عمر ﵄: «أمر الله تعالى بوفاء النذر، ونهى رسول الله ﷺ عن صوم هذا اليوم» (٦).

стр. 495

وجه الاستدلال: أن النهي لا ينفي مشروعية الأصل؛ وبيانه: أنه لو كان صوم يوم العيد ممنوعا منه لعينه ما توقف ابن عمر في الفتيا (١). الدليل الثاني: أن من نذر صيام يوم العيد قد نذر صوما مشروعا في ذاته، وبيانه: أن صيامه ذلك هو كَفّ للنفس -التي هي عدو الله- عن شهواتها، ولا فرق في ذلك بين يوم ويوم، فكان من حيث حقيقته حسنا مشروعا، والنذر بما هو مشروع جائز. وما روي من النهي فإنما هو لغيره، وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى؛ لأن الناس أضياف الله تعالى في هذه الأيام. وإذا كان النهي لغيره لا يمنع صحته من حيث ذاته، فيجب الفطر؛ لئلا يصير معرضا عن ضيافة الكريم. ويجب القضاء باعتبار ذاته، ويجزئه إن صام فيها؛ لأنه أداه كما التزمه؛ فإن ما وجب ناقصا يجوز أن يؤدى ناقصا مع ارتكاب الحرمة الحاصلة من الإعراض (٢). الدليل الثالث: وقياسا على الصلاة في البيت المَغْصُوب (٣): فكما أن الصلاة في البيت المَغْصوب تَصحّ، فكذا الصيام في يوم العيد يصح، وإن كان محرما (٤). الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: أنه لا يصح نذر صيام العيدين, ولا ينعقد, ويجب فطرهما, ولا يقضي؛ لأنه نذر معصية، والنذر إنما يكون في الطاعة دون المعصية، فلا ينعقد هذا النذر، ولا يصح؛ كما لا يصح من الحائض لو نذرت أن تصوم أيام حيضها. ولم يأمر الله تعالى قط بالوفاء بنذر المعصية، وعليه فلا يشرع قضاؤه (٥). والذي يقوم بهذا الفعل، أعني: نذر صيام العيد بعينه، هو أحد رجُلين: إما جاهل فيُعلَّم، وإما مستهتر فيُؤدَّب، وعليه مع هذا كفارة يمين كما جاء مُبَيَّنا في حديث عائشة وعمران بن حصين ﵄، كما مر معنا. وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بأثر ابن عمر فيجاب عنه:
следующие страницы →