← Фикх общий

Фикх общий · id 133371

الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

موافقي الأمين

Полный текст (722 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

المبحث الثاني: في النذر، وفي أعذار الفطر وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: حكم من نذر صوم العيدين متعمدا لعينيهما. المطلب الثاني: حكم من نذر صوم يوم قدوم فلان مثلا فوافق يوم عيد. المطلب الثالث: هل الضيافة عذر للإفطار من صوم النفل؟ . المطلب الرابع: هل يستحب لمن كان صائما صيام نفل أن يفطر إذا دعي؟

стр. 492

المطلب الأول: حكم من نذر صوم العيدين متعمدا لعينيهما . اختيار الشيخ: اختار عدم انعقاد النذر وعدم صحته، فقال: "والراجح عندي في المسألة الأولى هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد من عدم انعقاد النذر وعدم صحته" (١). تحرير محل الخلاف: أجمع العلماء على تحريم صيام عيد الفطر، وعيد الأضحى، سواء صيما عن نذر، أو تطوع، أو كفارة، أو غير ذلك (٢). واختلفوا في من نذر صيامهما لعينيهما أي: يقصدهما بالصيام، هل ينعقد نذره وعليه قضاؤه أم لا؟ على قولين: القول الأول: لا يصح نذر صيام العيدين، ولا ينعقد، ويجب فطرهما، ولا يقضي. وبه قال: أبو حنيفة في رواية محمد عنه (٣) , والمالكية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة في رواية (٦)، والظاهرية (٧)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يصح نذر صوم العيدين ويجب فطرهما وقضاؤهما. وبه قال: الحنفية في ظاهر الرواية (٨) , ورواية عند الحنابلة عليها أكثر الحنابلة (٩).

стр. 493

سبب الخلاف: قال الحافظ ابن حجر: "وأصل الخلاف في هذه المسألة: أن النهي هل يقتضي صحة المنهي عنه" (١). أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا يصح نذر صيام العيدين ولا ينعقد ويجب فطرهما ولا يقضي. الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الفطر والنحر» (٢). الدليل الثاني: عن أبي عبيد مولى ابن أَزْهَر (٣) قال: شَهِدتُ العيد مع عمر بن الخطاب ﵁ فقال: «هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر: تأكلون فيه من نسككم» (٤). وجه الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: حديث أبي سعيد يدل على المنع من صيام يومي العيد, ويقتضي ذلك عدم صحة صومهما بوجه من الوجوه، لا عن نذر ولا عن غيره (٥). الوجه الثاني: قوله في حديث عمر ﵁: «يوم فطركم من صيامكم»، يدل على أنه من نذر صوم ذلك اليوم لم يلزمه صيامه، ولا قضاؤه؛ لأن هذا كالتعليل لوجوب الإفطار فيه، وقد وُسِم هذا اليوم بيوم الفطر، والفطر مضاد للصوم؛ ففي إجازة صومه إبطال لمعنى اسمه (٦).

стр. 494

الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لا نذر في معصية, وكفارته كفارة يمين» (١). الدليل الرابع: عن عمران بن حصين ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «النذر نذران: فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله فذلك للشيطان ولا وفاء فيه، ويُكَفِّره ما يُكفِّر اليمين» (٢). وجه الاستدلال: أن النذر الذي يجب الوفاء به هو نذر الطاعة دون المعصية، وصيام هذين اليومين معصية؛ لنهي النبي ﷺ عنه. فالنذر لا ينعقد فيه، ولا يصح؛ كما لا يصح من الحائض لو نذرت أن تصوم أيام حيضها (٣)، وتعويض يوم آخر ليس من مقتضى لفظ نذره، فلا معنى لإلزامه إياه (٤). الدليل الخامس: ولأنه تعمد نذر المعصية، فلم ينعقد نذره، ولم يوجب قضاء كسائر المعاصي (٥). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يصح نذر صوم العيدين ويجب فطرهما وقضاؤهما. الدليل الأول: جاء رجل إلى ابن عمر ﵄، فقال: إني نذرت أن أصوم يوما، فوافق يوم أضحى أو فطر، فقال ابن عمر ﵄: «أمر الله تعالى بوفاء النذر، ونهى رسول الله ﷺ عن صوم هذا اليوم» (٦).

стр. 495

وجه الاستدلال: أن النهي لا ينفي مشروعية الأصل؛ وبيانه: أنه لو كان صوم يوم العيد ممنوعا منه لعينه ما توقف ابن عمر في الفتيا (١). الدليل الثاني: أن من نذر صيام يوم العيد قد نذر صوما مشروعا في ذاته، وبيانه: أن صيامه ذلك هو كَفّ للنفس -التي هي عدو الله- عن شهواتها، ولا فرق في ذلك بين يوم ويوم، فكان من حيث حقيقته حسنا مشروعا، والنذر بما هو مشروع جائز. وما روي من النهي فإنما هو لغيره، وهو ترك إجابة دعوة الله تعالى؛ لأن الناس أضياف الله تعالى في هذه الأيام. وإذا كان النهي لغيره لا يمنع صحته من حيث ذاته، فيجب الفطر؛ لئلا يصير معرضا عن ضيافة الكريم. ويجب القضاء باعتبار ذاته، ويجزئه إن صام فيها؛ لأنه أداه كما التزمه؛ فإن ما وجب ناقصا يجوز أن يؤدى ناقصا مع ارتكاب الحرمة الحاصلة من الإعراض (٢). الدليل الثالث: وقياسا على الصلاة في البيت المَغْصُوب (٣): فكما أن الصلاة في البيت المَغْصوب تَصحّ، فكذا الصيام في يوم العيد يصح، وإن كان محرما (٤). الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: أنه لا يصح نذر صيام العيدين, ولا ينعقد, ويجب فطرهما, ولا يقضي؛ لأنه نذر معصية، والنذر إنما يكون في الطاعة دون المعصية، فلا ينعقد هذا النذر، ولا يصح؛ كما لا يصح من الحائض لو نذرت أن تصوم أيام حيضها. ولم يأمر الله تعالى قط بالوفاء بنذر المعصية، وعليه فلا يشرع قضاؤه (٥). والذي يقوم بهذا الفعل، أعني: نذر صيام العيد بعينه، هو أحد رجُلين: إما جاهل فيُعلَّم، وإما مستهتر فيُؤدَّب، وعليه مع هذا كفارة يمين كما جاء مُبَيَّنا في حديث عائشة وعمران بن حصين ﵄، كما مر معنا. وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بأثر ابن عمر فيجاب عنه:

стр. 496

أنه استدلال غير وجيه؛ لأن ابن عمر ﵁ لم يُسأل عن صوم يوم العيد بعينه, وإنما سئل عن من وافق نذره يوم العيد من غير قصد منه، وكان استدلالهم قد يكون وجيها لو سئل ابن عمر عن من تعمد صيام يوم العيد بعينه, ثم أجاب بما أجاب، أما والحال ما قد ذُكِرَ فلا وجه للاستدلال بأثر ابن عمر ﵃. والفرق بين الصورتين واضح: فالأول قصد بنذره صيام يوم محرم، فكان نذره غير منعقد. والثاني: قصد بنذره القربى بصوم يوم مباح، فوافق ذلك صيام يوم العيد, فأصل نذره صحيح، فافترقا، وهذه المسألة ستأتي معنا إن شاء الله (١). ثانيا: وأما قولهم: إن هذا نذر بصوم مشروع، وما روي من النهي فإنما هو لغيره، فيجاب عنه: أن أصل النذر في يوم العيد غير مشروع أصلا ولا ينعقد, ويبين ذلك ما جاء عنه ﷺ أنه قال: «لا يصلح الصيام في يومين: يوم الأضحى ويوم الفطر من رمضان» (٢). "وهذا كالنص على بطلان صوم العيدين، وإن يومي العيد ليسا بمحل للصوم شرعا؛ لأن حقيقة ذلك الخَبَرُ. فهو يُحمَل على حقيقته ما لم يَصرِف عنها صارف. فاقتضى ذلك إخبارا مِن النبي ﷺ بأن هذين اليومين لا يصلح فيهما الصيام، فلو بقي صائما مع إيقاعه الإمساك فيهما، لكان قد صلح الصيام فيهما من وجه. فثبت بذلك ما وقع من الإمساك ولو بنية الصوم من العبد في اليومين المذكورين، فليس بصيام عند الشرع؛ ليكون مخبره خبرا موجودا في سائر ما أخبر به. وهذا كله يُبطل القول بصحة نذر صوم العيد وإجزائه لو صام" (٣). ثالثا: وأما قياسهم صحة نذر صيام يوم العيد، على صحة الصلاة في البيت المغصوب، فيجاب عنه: أن هذا قياس مع الفارق وبيانه: أن النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة ليس لذات الصلاة بل للإقامة وطلب الفعل لذات العبادة, بخلاف صوم يوم العيدين فإن النهي فيه لذات الصوم فافترقا (٤).

стр. 497

علما أن الإمام أحمد في أشهر القولين عنه يرى أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تصح (١). وقد بَيَّن الإمام ابن دقيق العيد الفرق بينهما بأحسن بيان. فقال: "بيانه: أن النهي ورد عن صوم يوم العيد، والناذر له معلق لنذره بما تعلق به النهي، وهذا بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة، -عند من يقول بصحتها-: فإنه لم يحصل التلازم بين جهة العموم، أعني: كونها صلاة، وبين جهة الخصوص، أعني: كونها حصولا في مكان مغصوب، وأعني بعدم التلازم ههنا: عدمه في الشريعة؛ فإن الشرع وَجَّه الأمر إلى مطلق الصلاة، والنهي إلى مطلق الغَصْب. وتلازُمهما واجتماعهما إنما هو في فعل المكلف، لا في الشريعة. فلم يتعلق النهي شرعا بهذا الخصوص. بخلاف صوم يوم العيد، فإن النهي ورد عن خصوصه، فتلازمت جهة العموم وجهة الخصوص في الشريعة، وتعلق النهي بعين ما وقع في النذر، فلا يكون قربة" (٢). وللإمام القرافي كلاما نفيسا في الفرق بينهما (٣)، لم أورده خشية الإطالة. والله أعلم.

стр. 498

المطلب الثاني: حكم من نذر صوم يوم قدوم فلان مثلا فوافق يوم عيد . اختيار الشيخ: اختار أن نذره ينعقد ويصح ويجب عليه قضاء يوم آخر، فقال: "وأما المسألة الثانية فالأشبه فيهما أن ينعقد نذره ويصح ويجب قضاؤه" (١). تحرير المسألة: ذُكر في المسألة السابقة حكم من نذر صوم العيدين لعينيهما, وذُكر اختلاف الفقهاء فيها. ومما اختلفوا فيه أيضا: حكم من نذر صوم يوم قدوم فلان مثلا، فوافق يوم عيد، فاختلفوا فيها على قولين: القول الأول: أن نذره لا يصح ولا ينعقد. وبه قال: المالكية (٢) , والشافعية في الأصح (٣). القول الثاني: أن نذره ينعقد ويصح, ويجب عليه قضاء يوم آخر. وبه قال: الحنفية (٤) , وقول عند الشافعية (٥) , وهو قول الحنابلة (٦)، وهو اختيار الشيخ. أدلة القول الأول: القائلين بأن نذره لا يصح ولا ينعقد. الدليل الأول: جاء رجل إلى ابن عمر ﵄، فقال: إني نذرت أن أصوم يوما، فوافق يوم أضحى أو فطر، فقال ابن عمر ﵄: «أَمَر الله تعالى بوفاء النذر، ونهى رسول الله ﷺ عن صوم هذا اليوم» (٧). وجه الاستدلال: أن ابن عمر ﵁ نبَّه على أن الوفاء بالنذر عام، والمنع من صوم يوم العيد خاص، فكأنه أفهمه أنه يقضي بالخاص على العام، فلا يصومه ولا يقضيه (٨).

стр. 499

الدليل الثاني: ولأنه إذا التقى الأمر والنهي في محل قدم النهي (١). الدليل الثالث: ولأنه قَدِمَ في زمن لا يصح صومه فيه، فلم يلزمه شيء، كما لو قَدِم ليلا (٢). الدليل الرابع: ولأن لفظه لم يتناول القضاء, وإنما يجب قضاء الفرائض بأمر جديد على المختار عند الأصوليين (٣). أدلة القول الثاني: القائلين بأن نذره ينعقد ويصح, ويجب عليه قضاء يوم آخر. الدليل الأول: جاء رجل إلى ابن عمر ﵄، فقال: إني نذرت أن أصوم يوما، فوافق يوم أضحى أو فطر، فقال ابن عمر ﵄: «أمر الله تعالى بوفاء النذر، ونهى رسول الله ﷺ عن صوم هذا اليوم» (٤). وجه الاستدلال: أن ابن عمر ﵄ عَرَّضَ (٥) للسائل بأن الاحتياط لك هو القضاء، فتَجْمَع بين أمر الله وهو قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ (٦). وبين أمر رسول الله ﷺ وهو أمره بترك صوم يومي العيد (٧). الدليل الثاني: ولأنه لم يقصد بنذره المعصية، وإنما وقع اتفاقا (٨). الدليل الثالث: ولأنه نذر نذرا يمكن الوفاء به غالبا، فكان منعقدا؛ كما لو وافق غير يوم العيد، ولا يجوز أن يصوم يوم العيد؛ لأن الشرع حرَّم صومه، فأشبه زمن الحيض، ولزمه القضاء؛ لأنه نذرٌ منعقد، وقد فاته الصيام بالعذر (٩). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه ينعقد نذره ويصح ويجب قضاؤه؛ لأنه نذر نذرا يمكن الوفاء به غالبا، ولم يقصد بنذره المعصية، وإنما وقع اتفاقا فينعقد؛ كما لو

стр. 500

وافق غير يوم العيد. ولا يجوز أن يصوم يوم العيد؛ لأن الشرع حرَّم صومه فأشبه زمن الحيض، ولزمه القضاء؛ لأنه نذر منعقد وقد فاته الصيام بالعذر (١). وأما جواب ابن عمر ﵄ فلا أظنه حجة لأحد القولين, بل أظن أن ابن عمر ﵄ قد تَوَرَّع (٢) عن الجواب؛ لتعارض الأدلة عنده. قال النووي: "معناه أن ابن عمر توقف عن الجزم بجوابه لتعارض الأدلة عنده" (٣). والله أعلم.

стр. 501

المطلب الثالث: هل الضيافة عذر للإفطار من صوم النفل ؟ . اختيار الشيخ: اختار أن الصائم المتنفل إذا كان ضيفا وقرب إليه الطعام جاز له الفطر، فقال: "فيه دليل على أن من صام تطوعا لا يجب عليه الإفطار إذا قُرِّب إليه الطعام، وإن أفطر يجوز؛ للحديث السابق" (١). تحرير محل الخلاف: من المسائل التي مرت مسألة حكم الإفطار في صوم النافلة, وعلمنا أن الجمهور جوزوا للصائم فطر ذلك اليوم واستحبوا له إتمامه, وقال الحنفية والمالكية بحرمة فطر ذلك اليوم، لمن أفطره بلا عذر, واختلفوا في الضيافة هل تكون عذرا للصائم فيفطر من صيام النفل أو لا؟ ، على ثلاثة أقوال: القول الأول: الضيافة عذر، فيجوز للضيف أن يفطر من صيام النفل, وعليه قضاء ذلك اليوم. وبه قال الحنفية في الأظهر (٢). القول الثاني: الضيافة عذر، فيجوز للضيف أن يفطر من صيام النفل من غير إيجاب، وليس عليه قضاء ذلك اليوم. وهو قول: الشافعية (٣) , والحنابلة (٤) , وهو اختيار الشيخ. القول الثالث: يحرم على الضيف أن يفطر من صيام النفل. وهو قول: المالكية (٥) , ورواية عند الحنفية (٦).

стр. 502

أدلة القول الأول: القائلين بأن الضيافة عذر ويجوز للضيف أن يفطر من صيام النفل, وعليه قضاء ذلك اليوم. استدل أصحاب هذا القول بحديث جابر بن عبد الله ﵁ , قال: صنع رجل من أصحاب رسول الله ﷺ طعاما, فدعا النبي ﷺ وأصحابا له, فلما أتى بالطعام تنحى أحدهم, فقال له النبي ﷺ : «ما لك؟ » , قال: إني صائم , فقال له النبي ﷺ : «تكلف لك أخوك وصنع ثم تقول: إني صائم, كل وصم يوما مكانه» (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل الضيافة عذرا مبيحا للفطر، وألزم المفطر بقضاء يوم آخر (٢). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يجوز للضيف أن يفطر من صيام النفل من غير إيجاب، وليس عليه قضاء ذلك اليوم. الدليل الأول: عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من دُعِي إلى طعام وهو صائم، فليُجِب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك» (٣). وجه الاستدلال: في الحديث دليل على جواز قطع صيام التنفل بعذر إجابة الدعوة لمن شاء, ومثله الضيف إذ هو مدعو إلى الطعام (٤). الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه صنع لرسول الله ﷺ وأصحابه طعاما، فدعاهم، فلما دخلوا وضع الطعام، فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : «دعاكم أخوكم وتكلف لكم, ثم تقول: إني صائم؟ , أفطر، ثم صم يوما مكانه إن شئت» (٥).

стр. 503

وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل الضيافة غرضا صحيحا يقطع المتنفل من أجله صيامه، وخيره في القضاء ولم يجعله حتما عليه. قال الشوكاني: "والأحاديث المذكورة في الباب تدل على أنه يجوز لمن صام تطوعا أن يفطر، لا سيما إذا كان في دعوة إلى طعام أحد من المسلمين, ويدل على أنه يستحب للمتطوع القضاء لذلك اليوم" (١). أدلة القول الثالث: القائلين بأنه يحرم على الضيف أن يفطر من صيام النفل. الدليل الأول: عن أنس ﵁، قال: دخل النبي ﷺ على أمّ سُلَيْم (٢) فأتته بتمر وسمن، فقال: «أعيدوا سمنكم في سِقائه، وتمركم في وِعائه، فإني صائم». ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة فدعا لأم سليم وأهل بيتها (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يفطر, ولو كانت الضيافة عذرا لما تردد ﷺ في الفطر؛ جبرا لخاطر أم سُلَيْم ﵂. الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم, فليقل: إني صائم» (٤). وفي رواية قال: «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائما فليصل، وإن كان مفطرا فليطعم» (٥). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ لم يجعل للصائم إلا البقاء على صومه؛ وذلك بإخبارهم بذلك كما في الرواية الأولى؛ أو الدعاء لهم كما في الرواية الثانية, ولو كان الفطر مباحا له لخيَّره بين البقاء على فِطره أو المضي في صيامه.

стр. 504

الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم» (١). وجه الاستدلال: أن أهل البيت يتكلفون لهذا الضيف بإعداد الطعام, فإذا أعلمهم بأنه صائم أفسد عليهم ما أعدوه له، ولو كان قطع صيامه جائزا لأرشده النبي ﷺ إلى فعله؛ منعا للحرج, ولذلك كان ينبغي على الضيف إعلامهم بصيامه حتى لا يخسروا (٢). الراجح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه يجوز للضيف أن يفطر من صيام النفل من غير إيجاب، وليس عليه قضاء ذلك اليوم؛ وذلك لصحة ما استدلوا به؛ ولدلالته على المطلوب من جواز قطع الضيف صيام نفله لغرض الضيافة, إذ هو غرض صحيح, وهو مخير في قضاء ذلك اليوم كما نص عليه حديث أبي سعيد ﵁. وأما ما استدل به أصحاب القولين الآخرين, فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلال أصحاب القول الأول بحديث أبي سعيد الخدري ¢ على لزوم قضاء ذلك اليوم، فيجاب عنه: أنه قد بينت الرواية الأخرى لحديث أبي سعيد ¢ عدم إيجاب القضاء عليه، وأنه مخير في ذلك (٣). ثانيا: وأما استدلال أصحاب القول الثالث بحديث أم سُلَيم ﵂ على عدم جواز إفطار الضيف المتنفل بالصيام, فيجاب عنه: أن الحديث لا يفيد ذلك, بل يفيد: أن من صام تطوعا لا يجب عليه الإفطار إذا قُرِّب إليه الطعام حال كونه ضيفا. وأما إن أفطر، فيجوز له ذلك؛ لحديث أبي سعيد الخدري وجابر ﵄ السابقين. وإنما لم يفطر النبي ﷺ عند أم سليم؛ لأنها كانت عنده بمنزلة أهل بيته (٤). ثالثا: وأما استدلالهم بحديث أبي هريرة ﵁ فيجاب عنه: أنه قد ورد في حديث جابر ﵁ تخييره بين الفطر والإمساك, فكان دليلا على جواز الأمرين.

стр. 505

رابعا: وأما استدلالهم بحديث عائشة ﵂ فيجاب عنه: أنه حديث ضعيف جدا لا تقوم به الحجة (١). وعلى التسليم بصحته فلا يفيد أبدا أن الضيف لا يجوز له الفطر من صيام النفل, وإنما يفيد عِظَم حق أصحاب الدعوة؛ لأن لهم حق ضيافته، فلا يَحزنهم بالصوم؛ إذ جبر خاطرهم أفضل من الصوم تطوعا (٢). ولأن صوم التطوع حينئذ قد يورث حقدا في النفس، وأما جبر خاطر المضيف بالفِطر عنده يورث المودة والمحبة في الله، وهو أعم نفعا (٣). ولأنه من آداب الضيف أن يطيع المضيف, فإذا خالف فقد ترك الأدب (٤). والله أعلم.

стр. 506

المطلب الرابع: هل يستحب لمن كان صائما صيام نفل أن يفطر إذا دُعي ؟ . اختيار الشيخ: اختار أنه إن كان يشق على صاحب الدعوة صومه فالمستحب الفطر وإلا فالصوم أفضل، فقال: "وليس الصوم عذرا في التخلف، لكن إذا حضر لا يلزمه الأكل ويكون الصوم عذرا في ترك الأكل إلا أن يشق على صاحب الطعام ترك إفطاره، فيستحب له حينئذ الفطر وإلا فلا" (١). تحرير محل الخلاف: مر معنا في المسألة السابقة اختلاف الفقهاء في كون الضيافة عذر للإفطار من صوم النفل أم لا. وعلمنا أن المالكية والحنفية في رواية قد منعوا إفطار الصائم المتنفل، بينما أجاز الحنفية في الأظهر إفطاره إذا كان يعلم أن صاحب الدعوة يتأذى بتركه الفطر وإلا فلا. وأما مسألتنا هذه فقد جرى الخلاف فيها بين الشافعية والحنابلة الذين أجازوا فطر الصائم المتنفل دون أن يوجبوا عليه قضاء. فاختلفوا في من دعي إلى طعام هل يستحب له الفطر، أو يستحب له إتمام صومه على قولين: القول الأول: إن كان يشق على صاحب الدعوة صومه فالمستحب الفطر وإلا فالصوم أفضل. وبه قال: أكثر الشافعية (٢) , وبعض الحنابلة (٣)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يستحب له الفطر مطلقا. وبه قال: أكثر الحنابلة (٤) , وبعض الشافعية (٥). أدلة القول الأول: القائلين إن كان يشق على صاحب الدعوة صومه فالمستحب الفطر وإلا فالصوم أفضل. الدليل الأول: عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من دعي إلى طعام وهو صائم، فليُجِب، فإن شاء طَعِم، وإن شاء ترك» (٦).

стр. 507

الدليل الثاني: عن أنس ﵁، قال: دخل النبي ﷺ على أم سليم فأتته بتمر وسمن، فقال: «أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم». ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة فدعا لأم سليم وأهل بيتها (١). الدليل الثالث: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه صنع لرسول الله ﷺ وأصحابه طعاما، فدعاهم، فلما دخلوا وضع الطعام، فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : «دعاكم أخوكم وتكلف لكم ثم تقول: إني صائم؟ , أفطر، ثم صم يوما مكانه إن شئت» (٢). وجه الاستدلال من الأحاديث: إذا جمعنا بين هذه الأحاديث نجد أن حديث جابر ﵁ جاء فيه إباحة الفطر وإباحة البقاء على الصيام، دون تفضيل أحدهما على الآخر (٣). ثم يأتي حديث أم سليم ﵂ وفيه أن النبي ﷺ لم يقطع صيامه؛ لعلمه أن أم سليم ترضى بمجرد حضوره ودعائه لها ولأهل بيتها؛ لأن أم سليم كانت عنده بمنزلة أهل بيته (٤)؛ وذلك لأنها خالته من الرضاعة (٥). ثم يأتي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ والذي فيه أن صاحب الطعام قد تَكلَّف في إعداده، فلم يكن ليرضى بمجرد الحضور، لذلك أمر النبي ﷺ من كان صائما من المدعوين بأن يفطر، ويقضي يوما آخر إن شاء؛ حتى لا يكسر قلب صاحب الدعوة، والله أعلم. قال النووي: "وأما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل, لكن إن كان صومه فرضا لم يجز له الأكل؛ لأن الفرض لا يجوز الخروج منه, وإن كان نفلا جاز الفطر وتركه, فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطرُ, وإلا فإتمامُ الصوم, والله أعلم" (٦). أدلة القول الثاني: القائلين يستحب له الفطر مطلقا.

стр. 508

الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه صنع لرسول الله ﷺ وأصحابه طعاما، فدعاهم، فلما دخلوا وضع الطعام، فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : «دعاكم أخوكم وتكلف لكم ثم تقول: إني صائم؟ , أفطر، ثم صم يوما مكانه إن شئت» (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أمر من كان صائما -وأبا الفطر- بقطع صيامه، وإجابة دعوة أخيه، ولم يفرق ﷺ بين من ينكسر قلبه بترك طعامه: فيؤكل عنده، وبين من يرضى بمجرد الحضور: فلا يؤكل عنده؛ بل جعل ﷺ مجرد صُنعِ الطعام من أجل الضيف سببا في استحباب قطع صيام النفل؛ لإدخال السرور على أخيه المضيف. قال ابن حجر: "فيه حجة لمن استحب له أن يخرج من صيامه لذلك" (٢)، أي لمجرد الدعوة. الدليل الثاني: ولأن إتمام الصوم جائز فقط، أما الخروج منه وفطره عند صاحب الدعوة ففيه إدخال السرور على أخيه المسلم، وجبر قلبه بأكل طعامه فيكون مستحبا (٣). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه إن كان يشق على صاحب الدعوة صومه فالمستحب الفطر وإلا فالصوم أفضل, خاصة إذا كانت الدعوة عامة والحضور فيها كثير؛ فالغالب أن صاحب الدعوة يرضى بمجرد الحضور، ويبينه أثر ابن عمر ﵁ حيث: «كان إذا دعي إلى طعام وهو صائم أجاب، فإذا جاءوا بالمائدة وعليها الطعام مد يده ثم قال: «خذوا بسم الله»، فإذا أهوى القوم كف يده» (٤). أو يكون الضيف ليس بينه وبين أصحاب الطعام كُلْفَة، كما مر معنا في حديث أم سُلَيْم ﵂، أو يكون وقت الإفطار قد قَرُب، فهذا كله يرجح البقاء على الصيام. قال ابن حجر: "ويَبعُد إطلاق استحباب الفطر مع وجود الخلاف، ولا سيما إن كان وقت الإفطار قد قَرُب" (٥).

стр. 509

أما إن كان صاحب الدعوة قد أقامها من أجله، وتَكَلَّف في إعداد الطعام، وقد يدعو الناس إكراما له، فالغالب أنه يجد في نفسه شيئا إن تَرَك الأكل عنده وإن لم يصرح بذلك، فلا شك أن المستحب هنا فِطْره وإدخال السرور على قلب أخيه المسلم. والله أعلم.

стр. 510

المبحث الثالث: في صوم عاشوراء وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: نسخ وجوب صيام يوم عاشوراء. المطلب الثاني: هل عاشورا هو اليوم التاسع أو اليوم العاشر؟ . المطلب الثالث: ما الأفضل في صيام عاشوراء؟ . المطلب الرابع: هل صيام يوم مع عاشوراء لاحتمال الشك أو لمخالفة أهل الكتاب؟ . المطلب الخامس: هل الأفضل صيام يوم عاشوراء أو يوم عرفة؟ .

стр. 511

المطلب الأول: نسخ وجوب صيام يوم عاشوراء . اختيار الشيخ: اختار أن صوم عاشوراء كان واجبا ثم نسخ, فقال: "واستدل من قال بوجوب صوم عاشوراء في أول الإسلام بأحاديث كثيرة". ثم قال: "وهذا القول هو الراجح عندنا" (١). تحرير محل الخلاف: لا يختلف أهل العلم أن عاشوراء يوم من أيام شهر الله المحرم (٢)، وأن صيامه مرغب فيه؛ لقوله ﷺ : «وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله» (٣). واتفقوا أيضا على أن صوم يوم عاشوراء الآن سنة وليس بواجب (٤). واختلفوا في حكمه أول الإسلام، على قولين: القول الأول: أن صيامه كان واجبا ثم نسخ وجوبه وصار سنة مؤكدة بعد فرض صيام رمضان. وهو قول: الحنفية (٥) , والمالكية (٦) , وقول عند الشافعية (٧) , ورواية عند الحنابلة (٨)، وهو اختيار الشيخ ﵀. القول الثاني: أن صيامه كان سنة مؤكدة، ثم صار دون ذلك بعد فرض رمضان. وهو الأصح عند الشافعية (٩) , والمذهب عند الحنابلة (١٠). سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم-: ما المقصود بترك صيام عاشوراء بعد فرض صيام رمضان الوارد في الحديث: أهو ترك فرضيته، أو ترك تأكد سُنِّيته؟ . أدلة القول الأول: القائلين بأن صيامه كان واجبا، ثم نسخ وجوبه.

стр. 512

الدليل الأول: عن عائشة ﵂، قالت: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي ﷺ يصومه, فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان كان رمضان الفريضة، وتُرِك عاشوراء، فكان من شاء صامه ومن شاء لم يصمه» (١). وجه الاستدلال من أربعة وجوه: الوجه الأول: في قولها ﵂: «صامه وأمر بصيامه»، دليل على أنه كان واجبا؛ وذلك لأن النبي ﷺ أمر بصيامه، والأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب (٢). الوجه الثاني: في قولها ﵂: «كان رمضان الفريضة»، وهذا اللفظ مشير إلى فرضية عاشوراء قبل رمضان, فمعنى كلامها: صار رمضان هو الفريضة، بعد أن كان عاشوراء هو الفريضة (٣)؛ فيكون معنى (كان) هنا بمعنى: (صار) (٤). الوجه الثالث: في قولها ﵂: «وتُرِك عاشوراء»، فهذا لا يمكن التخلص منه إلا بأن صيامه كان فرضا قبل رمضان، وحينئذ فيكون المتروك وجوب صومه لا استحبابه، ويتعين هذا ولا بد؛ لأنه ﵇ قال قبل وفاته بعام كما في حديث ابن عباس ﵄: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» (٥)، أي: معه، فعُلِم أن استحبابه لم يترك (٦). الوجه الرابع: في قولها ﵂: «فكان من شاء صامه ومن شاء لم يصمه»: دليل على التخيير في صيامه، مع أنه سنة اليوم؛ فلو لم يكن قبل ذلك واجبا لم يصح التخيير (٧).

стр. 513

الدليل الثاني: عن الرُبَيِّع بنت مُعَوّذ ابن عَفْراء (١) ﵂، قالت: أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار، التي حول المدينة: «من كان أصبح صائما، فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطرا، فليتم بقية يومه». فكنا بعد ذلك نصومه، ونصوم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد، فنجعل لهم اللعبة من العِهْن (٢)، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه عند الإفطار (٣). وجه الاستدلال من الحديث على أن صوم يوم عاشوراء كان فرضا من وجهين: الأول: لأنه ﵇ أمرهم بإتمام بقية يومهم ذلك بعد أن تَغَدَّوا في أول يومهم، وهذا لا يكون إلا في الواجب؛ وذلك كرمضان إذا أفطروا في أول يوم منه عند عدم ثبوت الرؤية، ثم ثبت في أثناء النهار، فإن الواجب عليهم إمساك بقية يومهم (٤). الثاني: في قولها: «ونصوم صبياننا الصغار» وهذا غاية تأكيد من كون صوم يوم عاشوراء كان فرضا (٥)؛ إذ لم يرد عن الصحابة الكرام ﵃ حَثَّ صبيانهم على صيام يوم عرفة الذي هو أعظم أجرا من صيام عاشورا. الدليل الثالث: أن أسْلم أتت النبي ﷺ فقال: «صمتم يومكم هذا»؟ قالوا: لا، قال: «فأتموا بقية يومكم, واقضوه» (٦).

стр. 514

وجه الاستدلال: في قوله: «فأتموا بقية يومكم, واقضوه» صريح في دلالته على الفرضية؛ لأن القضاء لا يكون إلا في الواجبات، فصار كرمضان إذا أفطروا في أول يوم منه عند عدم ثبوت الرؤية، ثم ثبت في أثناء النهار، فإن الواجب عليهم إمساك بقية يومهم ثم قضاء يوم آخر (١). الدليل الرابع: حديث الأشْعَث بن قَيْس (٢) ¢ أنه دخل على ابن مسعود ﵁ وهو يأكل يوم عاشوراء, فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن اليوم يوم عاشوراء، فقال: «قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ترك، فإن كنت مفطرا فاطْعَم» (٣). وجه الاستدلال: في هذا الحديث دليل على أن صيام يوم عاشوراء كان فرضا ثم ترك؛ وذلك أن ابن مسعود ﵁ أخبرَ مَن أنكر عليه الأكل في يوم عاشوراء، بأن لزوم صيامه قد تُرك لمّا فُرض صيام شهر رمضان (٤). أدلة القول الثاني: القائلين بأن صيامه كان سنة مؤكدة، ثم صار دون ذلك بعد فرض رمضان. الدليل الأول: عن معاوية ابن أبي سفيان ﵁ قال: يا أهل المدينة أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر» (٥). وجه الاستدلال: "قوله: «لم يكتب عليكم صيامه» يدل على أنه لم يكن واجبا قط؛ لأن (لم) لنفي الماضي" (٦).

стр. 515

الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁، أنه قال: قَدِم رسول الله ﷺ المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء, فسئلوا عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى، وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيما له، فقال النبي ﷺ : «نحن أولى بموسى منكم، فأَمَر بصومه» (١). وجه الاستدلال: في الحديث دليل على أن المسلمين كانوا يصومون يوم عاشوراء للشكر؛ وما كان صيامه للشكر يكون اختيارا لا فرضا (٢). قال ابن بطال: "وذلك أنه أخبر بالعلة التي من أجلها صامه النبي ﵇ , وأنه إنما صامه شكرا لله في إظهاره موسى على فرعون؛ فدل ذلك على الاختيار لا على الفرض" (٣). الترجيح: بعد عرض الأدلة ووجوه الاستدلال منها، الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن صيام يوم عاشوراء كان واجبا ثم نسخ وجوبه وصار سنة مؤكدة بعد فرض صيام رمضان؛ لقوة أدلتهم، وحديث عائشة ﵂ واضح الدلالة في أن عاشوراء كان فرضا قبل فرض صيام رمضان ثم خُيِّر في صيامه بعد ذلك. وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بقول معاوية ﵁: «لم يكتب عليكم صيامه»؛ وأنه يدل على أنه لم يكن واجبا قط لأن (لم) لنفي الماضي, فيجاب عنه: أن المراد من قوله: «ولم يكتب عليكم صيامه» أي: صيام ذلك اليوم في ذلك العام، وليس في هذا نفي أن يكون قد كان كتب ذلك عليهم فيما تقدم ذلك العام من الأعوام ثم نسخ بعد ذلك، على ما تقدم من الأحاديث (٤). والظاهر أن معاوية ﵁ إنما قال هذا الكلام لأنه سمع من يوجب صيام يوم عاشوراء، أو يحرمه، أو يكرهه؛ فأراد إعلامهم بحكم صيامه, وأنه ليس بواجب، ولا محرم، ولا مكروه (٥).

стр. 516

فيكون المعنى: لم يفرض الله عليكم صيام عاشوراء بعد فرض رمضان (١). ولم يكن القصد من كلامه ﵁ والله أعلم- الحديث عن كونه كان فرضا في أول الإسلام أو لم يكن, فيجمع بهذا بين قوله هذا، وبين الأدلة الصريحة التي دلت على وجوبه قبل فرض رمضان. ثانيا: وأما استدلالهم بحديث ابن عباس ﵁ وأن المسلمين كانوا يصومون يوم عاشوراء للشكر لا لفرض. فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: "يحتمل أن يكون رسول الله ﷺ أوجب صيامه بعد أن لم يكن واجبا" (٢). الوجه الثاني -وهو الأولى-: أن يتأول قوله ﷺ : «فصوموه» على أنه أراد: فصوموه واجبا كما كنتم تصومونه (٣). وليس في هذا الحديث أن النبي ﷺ ابتدأ الأمر بصيامه بقول اليهود، حتى يقال إنه ﷺ صامه شكرا فيكون مستحبا، بل في حديث عائشة ﵂ السابق التصريح بأنه كان يصومه قبل ذلك, فغاية ما في القصة أنه لم يحدث له بقول اليهود تجديد حكم (٤). ولا مخالفة بينه وبين حديث عائشة ﵂: أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه كما تقدم؛ إذ لا مانع من تَوارُد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك (٥). وقال ابن القيم -رادا على من أنكر وجوب صيام عاشوراء في أول الإسلام قبل فرض صيام رمضان-: "ويلزم من قال: إن صومه لم يكن واجبا، أحد الأمرين: إما أن يقول بترك استحبابه، فلم يبق مستحبا، أو يقول: هذا قاله عبد الله بن مسعود ﵁ برأيه وخفي عليه استحباب صومه، وهذا بعيد؛ فإن النبي ﷺ حثهم على صيامه، وأخبر أن صومه يكفر السنة الماضية، واستمر الصحابة على صيامه إلى حين وفاته، ولم يُروَ عنه حرف واحد بالنهي عنه وكراهة صومه، فعُلِم أن الذي تُرِك وجوبه لا استحبابه" (٦). والله أعلم.

стр. 517

المطلب الثاني: هل عاشوراء هو اليوم التاسع أو اليوم العاشر ؟ . اختيار الشيخ: اختار أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، فقال: "يوم عاشوراء, أي: اليوم العاشر من المحرم" (١). اختلف أهل العلم في تعيين يوم عاشوراء على قولين: القول الأول: هو اليوم العاشر. وبه قال: الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة (٥)، وهو اختيار الشيخ. وهو الصحيح عن ابن عباس ﵁ (٦). القول الثاني: هو اليوم التاسع. وهو قول: الظاهرية (٧)، وروي ذلك عن: ابن عباس ﵁ (٨). سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في ذلك اختلاف الآثار" (٩). أدلة القول الأول: القائلين بأن عاشوراء هو اليوم العاشر. الدليل الأول: عن ابن عباس ﵁ قال: «أمر رسول الله ﷺ بصوم عاشوراء يوم عاشر» (١٠). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ أمر بصيام عاشوراء, يوم العاشر» (١١).

стр. 518

وجه الاستدلال: في الحديثين دليل على أن العاشوراء هو اليوم العاشر (١). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ صام يوم عاشوراء, فقالوا: يا رسول الله إنه يوم تُعظِّمه اليهود والنصارى, فقال رسول الله ﷺ : «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا اليوم التاسع» , قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ (٢). وجه الاستدلال: أن هذا الحديث يدل دلالة صريحة على أن عاشوراء هو اليوم العاشر وليس التاسع، وأنه ﷺ هَمَّ بصوم التاسع، فمات قبل ذلك، ثم ما هَمّ به من صوم التاسع معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر (٣). قال ابن عبد البر: "وفي هذا دليل على أنه كان يصوم العاشر إلى أن مات، ولم يزل يصومه حتى قَدِم المدينة، وذلك محفوظ من حديث ابن عباس ﵁ " (٤). الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵁، قال: «صوموا التاسع والعاشر, وخالفوا اليهود» (٥). وجه الاستدلال: في هذا الأثر رد على من قال إن مذهب ابن عباس ﵁ أن عاشوراء هو اليوم التاسع, بل إنه كان يرى صوم اليوم التاسع مع العاشر كما هو صريح في هذا الأثر. الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵁ قال: «يوم عاشوراء العاشر» (٦). وجه الاستدلال: وهذا تصريح من ابن عباس ﵁ أن عاشوراء هو اليوم العاشر. أدلة القول الثاني: القائلين بأن عاشوراء هو اليوم التاسع.

стр. 519

الدليل الأول: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ صام يوم عاشوراء, فقالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى, فقال رسول الله ﷺ : «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا اليوم التاسع» , قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ (١). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ كان قد عزم على أن ينقل صيام يوم عاشوراء إلى اليوم التاسع؛ مخالفة لليهود، فكان هو المرغب في صيامه دون اليوم العاشر. الدليل الثاني: عن الحَكَم بن الأعرج (٢)، قال: انتهيت إلى ابن عباس ﵁، وهو متوسد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء، فقال: «إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائما»، قلت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ قال: «نعم» (٣). وجه الاستدلال: في هذا الأثر تصريح من ابن عباس ﵁ بأن مذهبه أن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم (٤)، وقد نسب ذلك إلى رسول الله ﷺ . الدليل الثالث: ولأنه مأخوذ من إظْماء الإبل (٥)؛ فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيام الوِرْد (٦) رِبْعا بكسر الراء, وكذا تُسَمّي باقي الأيام على هذه النسبة, فيكون التاسع على هذا عِشْرا بكسر العين (٧). الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة والله أعلم هو القول الأول: أن عاشوراء هو اليوم العاشر؛ وذلك: لقوة أدلتهم، ولصراحة النصوص النبوية في أن المقصود من عاشوراء هو اليوم العاشر. وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:

стр. 520

أولا: أما استدلالهم بحديث: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا اليوم التاسع»، فيجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن الحديث يدل على أنه كان يصوم العاشر، وأما التاسع فإنه لم يصمه (١). قال النووي: "وهذا تصريح بأن الذي كان يصومه ﷺ ليس هو التاسع، فتعين كونه العاشر" (٢). الوجه الثاني: أن المقصود هو صيام اليوم التاسع مع العاشر، فيحصل بذلك مخالفة اليهود، لا إفراد التاسع وحده. قال ابن رشد الجد: "لأنه يحتمل: «لأصومن التاسع مع العاشر» كيلا أقصد إلى صيامه بعينه دون أن أخلطه بغيره، كما يفعله اليهود" (٣). ثانيا: وأما استدلالهم بقول ابن عباس ﵁: «فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائما»، على أن ابن عباس ﵁ يرى أن عاشوراء هو اليوم التاسع، فغير مُسَلَّم؛ لأن ابن عباس ﵁ لم يجعل عاشوراء هو يوم التاسع، بل قال للسائل: صم اليوم التاسع, واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو العاشر (٤). قال الشوكاني: "إن ابن عباس ﵁ أرشد السائل له إلى اليوم الذي يصام فيه وهو التاسع, ولم يُجِب عليه بتعيين يوم عاشوراء أنه اليوم العاشر؛ لأن ذلك مما لا يُسْأَل عنه ولا يَتَعلّق بالسؤال عنه فائدة، فابن عباس لَمّا فهم من السائل أن مقصوده تعيين اليوم الذي يصام فيه أجاب عليه بأنه التاسع. وقوله: «نعم» بعد قول السائل: «أهكذا كان النبي ﷺ يصوم»؟ ، بمعنى: نعم هكذا كان يصوم لو بقي؛ لأنه قد أَخبرَنا بذلك. ولا بد من هذا؛ لأنه ﷺ مات قبل صوم التاسع" (٥). ثالثا: وأما قولهم: إنه مأخوذ من إظماء الإبل، فيجاب عنه: أنه معارض بأن الأصل في الاشتقاق الموافقة في المعنى، والعاشوراء من العشر، وهو المعروف عند أهل اللغة, وأما تقدير أخذه من إظماء الإبل فبعيد (٦). والله أعلم.

стр. 521

المطلب الثالث: ما الأفضل في صيام عاشوراء ؟ . اختيار الشيخ: اختار ﵀ استحباب صيام التاسع مع العاشر، وأن إفراد العاشر لا يكره، فقال: "وفيه (١) تنبيه على أن من أراد صوم عاشوراء ابتدأ من يوم التاسع" (٢). ثم قال: "وعندي مراتب صوم عاشوراء الثلاث هكذا أدناها أن يصوم العاشر فقط، وفوقه أن يصوم الحادي عشر معه, وفوقه أن يصوم التاسع والعاشر. وإنما جعلت هذه فوق المرتبتين الأوليين؛ لكثرة الأحاديث فيها" (٣). تحرير محل الخلاف: اتفق العلماء على استحباب صيام تاسوعاء مع عاشوراء (٤). واختلفوا في إفراد عاشوراء على قولين: القول الأول: يستحب التاسع والعاشر ولا يكره إفراد العاشر. وبه قال: المالكية (٥)، والشافعية (٦) , والحنابلة في المذهب (٧) ,وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يستحب أن يصوم التاسع والعاشر ويكره إفراد العاشر. وبه قال: الحنفية (٨) , ورواية عند: الحنابلة (٩). أدلة القول الأول: القائلين يستحب التاسع والعاشر ولا يكره إفراد العاشر.

стр. 522

الدليل الأول: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ صام يوم عاشوراء, فقالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى, فقال رسول الله ﷺ : «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا اليوم التاسع» , قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ (١). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يوما، أو بعده يوما» (٢). وجه الاستدلال: فهذه النصوص تبين أن المستحب مخالفة اليهود بصيام يوم مع عاشوراء؛ لأنه ﷺ تمنى أن لو بقي إلى المستقبل صام يوما معه، وأنه ﵊ صام مدة عمره يوم عاشوراء منفردا، فيكون إفراد صيام يوم عاشوراء جائزا بلا كراهة؛ لفعله ﵊، ويكون صيام التاسع مع العاشر سنة لأتباعه ﷺ ؛ لعزمه على ذلك. قال الطِيبي: "فصار اليوم التاسع من المحرم صومه سنة وإن لم يصمه رسول الله ﷺ ؛ لأنه عزم علي صومه" (٣). أدلة القول الثاني: القائلين يستحب أن يصوم التاسع والعاشر ويكره إفراد العاشر. استدلوا على استحباب يوم معه بما استدل به أصحاب القول الأول. أما كراهة إفراده فاستدلوا بما يلي: الدليل الأول: أن ابن عباس ﵁ كان يكره إفراده ويأمر بصوم اليومين مخالفة لليهود (٤). فقد قال ﵁ في يوم عاشوراء: «خالفوا اليهود, وصوموا التاسع والعاشر» (٥).

стр. 523

الدليل الثاني: ولأنه إفراد يوم يعظمه غير أهل الإسلام, فكره؛ كإفراد النَيْرُوز (١) والمِهْرَجان (٢) (٣). الدليل الثالث: ولأن التشبُّه بأهل الكتاب مكروه, وقطع التشبه بهم مشروع ما وُجِد إلى ذلك سبيل؛ فإذا صيمَ وحده؛ كان فيه تشبُّه بأهل الكتاب (٤). الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يستحب صيام التاسع والعاشر, ولا يُكرَه إفراد العاشر؛ لأن الكراهة حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل من الكتاب والسنة؛ ولأنه ﵊ صام مدة عمره يوم عاشوراء منفردا، وتمنى أن لو بقي إلى المستقبل صام يوما معه (٥). فيقال والله أعلم: إن صيام التاسع والعاشر مستحب؛ لعزم النبي ﷺ على فعله، فإن فاته التاسع صام الحادي عشر معه؛ تحقيقا لمخالفة اليهود، وإن اقتصر على العاشر فلا بأس به، والله أعلم.

стр. 524

المطلب الرابع: هل صيام يوم مع عاشوراء لاحتمال الشك أو لمخالفة أهل الكتاب ؟ . اختيار الشيخ: اختار أن صيام التاسع مع العاشر لمخالفة أهل الكتاب, فقال: "والمعنى: لأصومن التاسع مع العاشر لأجل مخالفة أهل الكتاب" (١). اختلف أهل العلم: هل صيام يوم مع عاشوراء لاحتمال الشك أو لمخالفة أهل الكتاب؟ ، على قولين: القول الأول: أن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر. وبه قال: الحنفية (٢) , وهو قول عند الشافعية (٣)، والقول المقدم عند المالكية (٤) , وهو منصوص الإمام أحمد (٥). وهو مروي عن: ابن عباس ﵁ (٦)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: لاحتمال الشك، فيصام احتياطا, فإنه ربما يقع في الهلال غلط، فيُظنّ العاشر التاسع، وخروجا من خلاف من قال إن عاشوراء هو التاسع. وهو قول عند: الشافعية (٧) , وقول عند المالكية (٨) , ورواية عند الحنابلة (٩). وهو مروي أيضا عن: ابن عباس ﵁ (١٠). أدلة القول الأول: القائلين بأن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر.

стр. 525

الدليل الأول: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ صام يوم عاشوراء, فقالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى, فقال رسول الله ﷺ : «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا اليوم التاسع» , قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ (١). وجه الاستدلال: يُستدلّ بهذا الحديث في قوله: «صمنا اليوم التاسع»، وذلك بأن يصومه مع العاشر؛ مخالفة لليهود بتعيينهم اليوم العاشر بالصيام (٢). قال الطِيبي: "أُريدَ بذلك: أن يَضُمَّ إليه يوما آخر؛ ليكون هَدْيه مخالفا لهدي أهل الكتاب. وهذا هو الوجه؛ لأنه وقع جوابا لقولهم: «إنه يوم يعظمه اليهود» " (٣). وقال ابن رجب: "إن النبي ﷺ عَزَم في آخر عمره على أن لا يصومه مفردا، بل يَضُمّ إليه يوما آخر؛ مخالفة لأهل الكتاب في صيامه" (٤). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يوما، أو بعده يوما» (٥). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵁، قال: «صوموا التاسع والعاشر, وخالفوا اليهود» (٦). وجه الاستدلال: قد جاء في هذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه يصام التاسع مع العاشر، أو يوما مع العاشر، إما قبله أو بعده؛ قصدا لمخالفة اليهود، فعلمنا أن قول ابن عباس ﵁: «صوموا يوم التاسع والعاشر» ليس مما رآه هو، بل هو مما أخذه عن النبي ﷺ (٧). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لاحتمال الشك فيصام احتياطا, فإنه ربما يقع في الهلال غلط، فيُظنّ العاشر التاسع، وخروجا من خلاف من قال إن عاشوراء هو التاسع.

стр. 526

الدليل الأول: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ صام يوم عاشوراء, فقالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى, فقال رسول الله ﷺ : «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا اليوم التاسع» , قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ (١). وجه الاستدلال: في قوله: «إذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا اليوم التاسع»، يحتمل أنه ﷺ قصد نقل صيام عاشوراء إلى اليوم التاسع, ويحتمل صيامه مع اليوم العاشر، مخالفة لليهود، فلما توفي ﷺ قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين معا (٢). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن عشت إن شاء الله إلى قابل صمت التاسع؛ مخافة أن يفوتني يوم عاشوراء» (٣). الدليل الثالث: عن شُعْبَة مولى ابن عباس (٤)، عن ابن عباس ﵁: «أنه كان يصوم يوم عاشوراء في السفر، ويُوالي بين اليومين مخافة أن يفوته» (٥). وجه الاستدلال: أن هذين الأثرين بينا أن المقصود من ضم التاسع إلى العاشر هو الخشية من فوات صيام يوم عاشوراء، وذلك يحتمل معنيين:

стр. 527

الأول: أن يكون عاشوراء هو اليوم التاسع كما مر معنا في مسألة سبقت (١). فإذا صام التاسع مع العاشر تأكد من صيام يوم عاشوراء. قال الحطاب: "لأنه قد تقدم أن العلماء اختلفوا في يوم عاشوراء، هل هو التاسع أو العاشر" (٢). وقال ابن رشد الجد: "وقد اختلف فيه فقيل: هو العاشر، وقيل: هو التاسع. فمن أراد أن يتحراه صام التاسع والعاشر" (٣). الثاني: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع غلط فيكون التاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر (٤). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر. وذلك واضح في قوله ﷺ : «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا اليوم التاسع»، فإنه قد وقع جوابا لقولهم: «إنه يوم يعظمه اليهود». فأراد ﷺ أن يضم إلى العاشر يوما آخر ليكون هديه مخالفا لهدي أهل الكتاب. والله أعلم.

стр. 528

المطلب الخامس: هل الأفضل صيام يوم عاشوراء أو يوم عرفة ؟ . اختيار الشيخ: اختار أن صيام عرفة أفضل من صيام عاشورا, فقال: "وسيأتي أن صوم عرفة يكفر سنتين وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة, وظاهره إن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء" (١). اختلف أهل العلم في أيهما أفضل صيام يوم عرفة أو صيام يوم عاشوراء على قولين: القول الأول: صيام يوم عرفة أفضل. وقال به: الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة (٥)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: صيام يوم عاشوراء أفضل. وبه قال: ابن عباس ﵁ (٦) , واختاره ابن رشد الجد من المالكية (٧). أدلة القول الأول: القائلين بأن صيام يوم عرفة أفضل. الدليل الأول: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله» (٨). وجه الاستدلال: أن التكفير منوط بالأفضلية (٩). والحديث نص على أن صيام عرفة تكفير سنتين، وصيام عاشوراء تكفير سنة، فكان صيام عرفة أفضل.

стр. 529

الدليل الثاني: عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: «صيام يوم عرفة كصيام ألف يوم» (١). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: «ما من السنة يوم أصومه أحب إلي من أن أصوم يوم عرفة» (٢). وجه الاستدلال: أن هذا تصريح من عائشة ﵂ أن يوم عرفة هو أفضل يوم يصام. الدليل الرابع: ولأن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ﵇ , ويوم عرفة منسوب إلى النبي ﷺ فلذلك كان أفضل (٣). ونبينا ﷺ أفضل الأنبياء فكان يومه بسنتين (٤). الدليل الخامس: ولأن صيام عرفة من خصائص هذه الأمة، بخلاف عاشوراء؛ لمشاركة موسى ﵇ وقومه لنا فيه (٥)؛ فكان ما خُصت به هذه الأمة أفضل. أدلة القول الثاني: القائلين بأن صيام يوم عاشوراء أفضل. الدليل الأول: عن ابن عباس ﵁ قال: «ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان» (٦). وجه الاستدلال: وهذا يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصائم بعد رمضان (٧).

стр. 530

الدليل الثاني: عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صام من كل شهر ثلاثة أيام, وهي البيض، حُسِب له بصومه ثلاثة آلاف سنة, ومن صام يوم عاشوراء فكأنما صام الدهر وقامه» (١). وجه الاستدلال: أن هذا الحديث قد جعل صيام يوم عاشوراء كصيام الدهر وقيامه، وهذا فضل لم يُخصّ به يوم غير عاشوراء. الدليل الثالث: عن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام, وهي أيام أكل وشرب» (٢). وجه الاستدلال: أن الحديث يقتضي المنع من صيام يوم عرفة مثله مثل يوم العيد، سواء كان ذلك للحاج أو لغيره (٣). فكيف يكون صيامه أفضل الصيام؟ . الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵄ قال: يوم عرفة «لا يصحبنا أحد يريد الصيام، فإنه يوم تكبير, وأكل وشرب» (٤). وجه الاستدلال: فهذا ابن عباس ﵄ كان يرى أن يوم عرفة لا يصام، سواء كان الصائم حاجا أو غير حاج. قال ابن عبد البر: "وقد ذهبت طائفة إلى ترك صومه بعرفة وغير عرفة؛ للدعاء" (٥).
следующие страницы →