الدليل الأول: عن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ صام يوم عاشوراء, فقالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى, فقال رسول الله ﷺ : «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا اليوم التاسع» , قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ (١).
وجه الاستدلال: في قوله: «إذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا اليوم التاسع»، يحتمل أنه ﷺ قصد نقل صيام عاشوراء إلى اليوم التاسع, ويحتمل صيامه مع اليوم العاشر، مخالفة لليهود، فلما توفي ﷺ قبل بيان ذلك كان الاحتياط صوم اليومين معا (٢).
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن عشت إن شاء الله إلى قابل صمت التاسع؛ مخافة أن يفوتني يوم عاشوراء» (٣).
الدليل الثالث: عن شُعْبَة مولى ابن عباس (٤)، عن ابن عباس ﵁: «أنه كان يصوم يوم عاشوراء في السفر، ويُوالي بين اليومين مخافة أن يفوته» (٥).
وجه الاستدلال: أن هذين الأثرين بينا أن المقصود من ضم التاسع إلى العاشر هو الخشية من فوات صيام يوم عاشوراء، وذلك يحتمل معنيين:
стр. 527
الأول: أن يكون عاشوراء هو اليوم التاسع كما مر معنا في مسألة سبقت (١). فإذا صام التاسع مع العاشر تأكد من صيام يوم عاشوراء.
قال الحطاب: "لأنه قد تقدم أن العلماء اختلفوا في يوم عاشوراء، هل هو التاسع أو العاشر" (٢).
وقال ابن رشد الجد: "وقد اختلف فيه فقيل: هو العاشر، وقيل: هو التاسع. فمن أراد أن يتحراه صام التاسع والعاشر" (٣).
الثاني: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع غلط فيكون التاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر (٤).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر.
وذلك واضح في قوله ﷺ : «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله تعالى صمنا اليوم التاسع»، فإنه قد وقع جوابا لقولهم: «إنه يوم يعظمه اليهود». فأراد ﷺ أن يضم إلى العاشر يوما آخر ليكون هديه مخالفا لهدي أهل الكتاب.
والله أعلم.
стр. 528
المطلب الخامس: هل الأفضل صيام يوم عاشوراء أو يوم عرفة ؟ .
اختيار الشيخ: اختار أن صيام عرفة أفضل من صيام عاشورا, فقال: "وسيأتي أن صوم عرفة يكفر سنتين وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة, وظاهره إن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء" (١).
اختلف أهل العلم في أيهما أفضل صيام يوم عرفة أو صيام يوم عاشوراء على قولين:
القول الأول: صيام يوم عرفة أفضل.
وقال به: الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة (٥)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: صيام يوم عاشوراء أفضل.
وبه قال: ابن عباس ﵁ (٦) , واختاره ابن رشد الجد من المالكية (٧).
أدلة القول الأول: القائلين بأن صيام يوم عرفة أفضل.
الدليل الأول: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله» (٨).
وجه الاستدلال: أن التكفير منوط بالأفضلية (٩).
والحديث نص على أن صيام عرفة تكفير سنتين، وصيام عاشوراء تكفير سنة، فكان صيام عرفة أفضل.
стр. 529
الدليل الثاني: عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: «صيام يوم عرفة كصيام ألف يوم» (١).
الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ قالت: «ما من السنة يوم أصومه أحب إلي من أن أصوم يوم عرفة» (٢).
وجه الاستدلال: أن هذا تصريح من عائشة ﵂ أن يوم عرفة هو أفضل يوم يصام.
الدليل الرابع: ولأن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ﵇ , ويوم عرفة منسوب إلى النبي ﷺ فلذلك كان أفضل (٣).
ونبينا ﷺ أفضل الأنبياء فكان يومه بسنتين (٤).
الدليل الخامس: ولأن صيام عرفة من خصائص هذه الأمة، بخلاف عاشوراء؛ لمشاركة موسى ﵇ وقومه لنا فيه (٥)؛ فكان ما خُصت به هذه الأمة أفضل.
أدلة القول الثاني: القائلين بأن صيام يوم عاشوراء أفضل.
الدليل الأول: عن ابن عباس ﵁ قال: «ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان» (٦).
وجه الاستدلال: وهذا يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصائم بعد رمضان (٧).
стр. 530
الدليل الثاني: عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من صام من كل شهر ثلاثة أيام, وهي البيض، حُسِب له بصومه ثلاثة آلاف سنة, ومن صام يوم عاشوراء فكأنما صام الدهر وقامه» (١).
وجه الاستدلال: أن هذا الحديث قد جعل صيام يوم عاشوراء كصيام الدهر وقيامه، وهذا فضل لم يُخصّ به يوم غير عاشوراء.
الدليل الثالث: عن عقبة بن عامر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام, وهي أيام أكل وشرب» (٢).
وجه الاستدلال: أن الحديث يقتضي المنع من صيام يوم عرفة مثله مثل يوم العيد، سواء كان ذلك للحاج أو لغيره (٣). فكيف يكون صيامه أفضل الصيام؟ .
الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵄ قال: يوم عرفة «لا يصحبنا أحد يريد الصيام، فإنه يوم تكبير, وأكل وشرب» (٤).
وجه الاستدلال: فهذا ابن عباس ﵄ كان يرى أن يوم عرفة لا يصام، سواء كان الصائم حاجا أو غير حاج.
قال ابن عبد البر: "وقد ذهبت طائفة إلى ترك صومه بعرفة وغير عرفة؛ للدعاء" (٥).
стр. 531
الدليل الخامس: ولأن يوم عاشوراء كان هو الفرض قبل أن يُفرَض صيام رمضان، وقد خَصَّه الشرع -لفضله- بما لم يَخُصّ به غيره، وذلك بأن يصومه من لم يُبَيّت صيامه، ومن لم يعلم به حتى أكل أو شرب (١).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن صيام عرفة أفضل؛ لصحة حديث: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله»؛ والتكفير منوط بالأفضلية. وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بحديث ابن مسعود ﵁: «ومن صام يوم عاشوراء فكأنما صام الدهر وقامه» , فيجاب عنه:
أنه حديث باطل، لا يصح الاحتجاج به.
ثانيا: وأما استدلالهم بحديث عقبة بن عامر ﵁ , فيجاب عنه:
أن ذكر يوم عرفة في هذا الحديث غير محفوظ، وإنما المحفوظ عن النبي ﷺ من وجوه، من غير ذِكرِ يوم عرفة (٢).
ثالثا: وأما استدلالهم بحديث ابن عباس ﵁: «ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء ... » , فيجاب عنه:
أن ابن عباس ﵁ أسند ذلك إلى عِلمِه؛ فليس فيه ما يَرُدّ عِلم غيره, وقد ثبت عن النبي ﷺ كما سبق في أدلة القول الأول- أن صوم عاشوراء يُكَفّر سنة, وأن صيام يوم عرفة يُكَفّر سنتين, فيكون صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء (٣)؛ لأن التكفير منوط بالأفضلية (٤).
رابعا: وأما استدلالهم بأن ابن عباس ﵁ كان ينهى عن صيام يوم عرفة للحاج ولغيره، فيجاب عنه من وجهين:
стр. 532
الوجه الأول: أن مقصود ابن عباس ﵁ ترك الصيام بعرفة لا مطلق الترك، ويؤيده ما جاء عن سعيد بن جبير: «أنه رأى ابن عباس ﵁ مفطرا بعرفة يَأكل رُمانا» (١).
الوجه الثاني: وعلى التسليم بأن ابن عباس ﵁ كان لا يرى صيام عرفة للحاج وغيره، فقد يكون ذلك بسبب أنه رأى النبي ﷺ قد أفطر يوم عرفة بعرفة, ولم يبلغه حديث فضل عرفة لغير الحاج من تكفير سنتين. وثبت عنده أن يوم عاشوراء قد رغب النبي ﷺ في صيامه, وكان يتعهد الصحابة عنده, وأنه صامه وأمر بصيامه. من أجل ذلك كله, ترجح عنده أفضلية صيام يوم عاشوراء على غيره. ومما قد يبين أن ابن عباس ﵁ لم يبلغه حديث فضل عرفة, ما جاء عن عطاء بن أبي رباح ومجاهد? أنهما قالا: «لم نكن نصوم يوم عرفة حتى أخبرنا عبد الكريم أبو أُمَيّة (٢) أن صيام يوم عرفة كفارة سنتين: السنة المستقبلة، والسنة الماضية» (٣).
وعطاء ومجاهد? من أخص تلاميذ ابن عباس ﵁ (٤)، فلو كان عند ابن عباس ﵁ علم بفضل صيام عرفة لما خفي عليهما ذلك. والله أعلم.
стр. 533
الباب الثاني: اختيارات الشيخ عبيد الله المباركفوري رحمه الله تعالى في قضاء الصوم، وفي ليلة القدر، وفي الاعتكاف
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في قضاء الصوم، وفي ليلة القدر.
الفصل الثاني: في الاعتكاف.
стр. 534
الفصل الأول: في قضاء الصوم، وفي ليلة القدر
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في قضاء الصوم.
المبحث الثاني: في القضاء عن الميت.
المبحث الثالث: في ليلة القدر.
стр. 535
المبحث الأول: في قضاء الصوم
وفيه عشرة مطالب:
المطلب الأول: هل يجب قضاء رمضان على الفور؟ ، وهل يجب التتابع؟ .
المطلب الثاني: هل يجوز التطوع قبل القضاء؟ .
المطلب الثالث: هل يقضي من أفطر في صيام النفل؟ .
المطلب الرابع: حكم صيام المرأة النفل وقضاء الواجب بغير إذن زوجها.
المطلب الخامس: هل يقضي المجامع في رمضان اليوم الذي جامع فيه؟ .
المطلب السادس: حكم القضاء على من ذرعه القيء.
المطلب السابع: هل يقضي من أفطر متعمدا في رمضان؟ .
المطلب الثامن: هل يقضي الصوم من تمضمض أو استنشق فغلبه الماء؟ .
المطلب التاسع: حكم من أخَّر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر؟ .
стр. 536
المطلب العاشر: ما الواجب على المرضع والحامل إذا خافتا على ولدهما فقط؟ .
стр. 537
المطلب الأول: هل يجب قضاء رمضان على الفور؟ ، وهل يجب التتابع ؟ .
اختيار الشيخ: اختار أن قضاء صيام رمضان لا يجب على الفور، فقال: "وفي الحديث (١) حجة للجمهور أن القضاء لا يجب على الفور؛ إذ لو مُنِع التأخير لم يقرها ﷺ . نعم يندب التعجيل؛ لأن المبادرة إلى الطاعة والمسارعة إلى الخير أولى. وأوجب داود القضاء من ثاني شوال فإن أَخَّره أثِم, وحديث عائشة يَرُدُّ عليه" (٢).
ويرى الشيخ أيضا أنه لا يجب التتابع في القضاء؛ حيث قال عند قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣): "فإنه أَمَر بالقضاء مطلقا عن وقت معين، فلا يجوز تقييده ببعض الأوقات إلا بدليل" (٤).
تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أن من قضى رمضان في أول أوقات إمكان الصيام أياما متتابعات أجزأه ذلك، وكان على يقين من أنه قد أتى بما وجب عليه (٥).
واختلفوا في من أخر قضاء رمضان ولم يتابع بين قضائه بلا عذر على قولين:
القول الأول: جواز تأخير قضاء رمضان وتفريقه بعذر وبغير عذر.
وبه قال: الحنفية (٦) , والمالكية (٧) , والشافعية (٨) , والحنابلة (٩) , وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: لا يجوز تأخير قضاء رمضان ولا تفريقه بغير عذر.
وهو قول: الظاهرية (١٠).
стр. 538
سبب الخلاف: لهذه المسألة شقان, لكل شق سبب خلاف خاص:
الشق الأول: القضاء على الفور, وسبب الخلاف فيه: المفهوم من قول عائشة ﵂: «كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل من رسول الله ﷺ » (١)، هل يفهم منه جواز التأخير، أو يفهم منه البدار مع التمكن؛ لأن عائشة ﵂ بينت العذر الذي منعها من البدار، وأوجب عليها التراخي؛ وهو الشغل بحق رسول الله ﷺ (٢).
الشق الثاني: التتابع في القضاء, وسبب اختلافهم فيه: تعارض ظواهر النصوص والقياس؛ وذلك أن القياس يقتضي أن يكون الأداء على صفة القضاء، أما ظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) فإنما يقتضي إيجاب العدد فقط لا إيجاب التتابع (٤).
أدلة القول الأول: القائلين بجواز تأخير قضاء رمضان وتفريقه بعذر وبغير عذر.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٥).
وجه الاستدلال: أن الآية نصت على أن الله يريد اليسر بعباده، وقد يكون تفريق القضاء، وتأخيره هو الأيسر (٦).
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٧).
وجه الاستدلال: أن قوله تعالى: ﴿أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، نكرة في سياق الإثبات (٨)، فيكون ذلك أمرا بصوم أيام على عدد تلك الأيام مطلقا، فلا يجوز تقييده ببعض الأوقات إلا بدليل, فيكون وجوب القضاء موسعا على التراخي لا على الفور, وكذا التقييد بالتتابع يكون
стр. 539
مخالفا لهذا التعميم، ونظيره الإطلاق في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١)(٢).
قال القرطبي: "والدليل على صحة هذا قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يخص متفرقة من متتابعة، وإذا أتى بها متفرقة فقد صام عدة من أيام أخر، فوجب أن يجزيه" (٣).
الدليل الثالث: عن عائشة ﵂، قالت: «كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل من رسول الله ﷺ ، أو برسول الله ﷺ » (٤).
وجه الاستدلال: أن في تأخير عائشة ﵂ قضاء رمضان إلى شعبان دلالة على جواز تأخير قضاءه مطلقا، سواء كان لعذر أو لغير عذر؛ لأن الظاهر اطلاع النبي ﷺ على ذلك، لا سيما مع توفر دواعي أزواجه إلى سؤاله عن الأحكام الشرعية؛ فلولا أن ذلك كان جائزا لم تواظب عائشة ﵂ عليه (٥).
قال ابن عبد البر: "وقد يُستدَل من قول عائشة هذا على جواز تأخير قضاء رمضان؛ لأن الأغلب أن تركها لقضاء ما كان عليها من رمضان لم يكن إلا بعلم رسول الله ﷺ , وإذا كان ذلك كذلك كان فيه بيان لمراد الله من قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ لأن الأمر يقتضي الفور حتى تقوم الدلالة على التراخي, كما يقتضي الانقياد إليه ووجوب العمل به حتى تقوم الدلالة على غير ذلك. وفي تأخير عائشة قضاء ما عليها من صيام رمضان دليل على التوسعة والرخصة في تأخير ذلك, وذلك دليل على أن شعبان أقصى الغاية في ذلك" (٦).
стр. 540
الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال في قضاء رمضان: «إن شاء فرق وإن شاء تابَع» (١).
الدليل الخامس: عن محمد بن المُنْكَدِر (٢) , قال: بلغني أن رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء صيام شهر رمضان, فقال: «ذلك إليك, أرأيت لو كان على أحدكم دَين فقضى الدِرهم والدرهمين, ألم يكن قضاءً؟ ، فالله أحق أن يعفو ويغفر» (٣).
الدليل السادس: ولأنه جاء عن جمع من الصحابة: كأبي هريرة، وابن عباس, وأبي عبيدة عامر بن الجراح (٤) , وأنس بن مالك, ومعاذ بن جبل, ورافع بن خديج ﵃، كلهم يقول: «إحصِ العدة، وصُم كيف شئتَ» (٥).
الدليل السابع: ولأن الصوم وإن وجب جملة، فهو دين في الذِمَّة؛ وقضاء الدين يُجزئ متتابعا ومتفرقا؛ ولأنه إذا جاز تأخيره كله إلى شعبان، فتأخير بعضه أولى (٦).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يجوز تأخير قضاء رمضان ولا تفريقه بغير عذر.
стр. 541
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١).
وجه الاستدلال: أن المسارعة إلى عبادة الله المفترضة واجبة (٢)؛ وبالتالي فيجب المسارعة إلى قضاء ما عليه من صيام رمضان.
الدليل الثاني: عن عائشة ﵂، قالت: «كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل من رسول الله ﷺ ، أو برسول الله ﷺ » (٣).
وجه الاستدلال: أن قول عائشة ﵂ يفهم منه البدار مع التمكن؛ لأنها بَيَّنت العذر الذي منعها من البدار، وأوجب عليها التراخي؛ وهو الشغل بحق رسول الله ﷺ , ولولا ذلك لبادرت إلى القضاء، فيكون قضاء الصوم على هذا التأويل على الفور، ويكون المكلف مُفَرِّطا متى لم يفعل (٤).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان عليه صوم رمضان فليَسْرُده ولا يَقطَعه» (٥).
الدليل الرابع: عن عائشة ﵂ قالت: «نزلت: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ متتابعات، فسقطت متتابعات» (٦).
стр. 542
وجه الاستدلال: أن هذه اللفظة وإن سقطت تلاوتها لكن بقي حكمها؛ كآية الرجم (١) , والقراءة الشاذة تجري مجرى الخبر الواحد (٢).
الدليل الخامس: عن علي ﵁ «في قضاء رمضان, قال: متتابعا» (٣).
وجه الاستدلال: فهذا علي ¢ كان لا يرى قضاء رمضان إلا متتابعا.
الدليل السادس: ولأن القياس يقتضي التتابع؛ إلحاقا لصفة القضاء بصفة الأداء، أصل ذلك الصلاة والحج (٤).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يجوز تأخير قضاء رمضان وتفريقه بعذر وبغير عذر؛ لقوة أدلتهم, وفي حديث عائشة ﵂ دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقا سواء كان لعذر أو لغير عذر؛ لأن الظاهر اطلاع النبي ﷺ على ذلك مع توفر دواعي أزواجه على السؤال منه عن أمر الشرع, فلولا أن ذلك كان جائزا لم تواظب عائشة عليه (٥).
وقد جاء عنها ﵂ أنها قالت: «ما قضيت شيئا مما يكون علي من رمضان إلا في شعبان، حتى قُبِض رسول الله ﷺ » (٦).
стр. 543
فهذا تصريح منها أن قضاءها كله كان في شعبان إلى أن قُبِض النبي ﷺ , وبعيد جدا أن يحصل منها ذلك وهي في بيت النبوة، دون اطلاع الرسول ﷺ وإقراره.
كما أن اتفاق من ذُكِر من الصحابة على جواز ذلك يقوي هذا القول.
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فيجاب عنه:
أنه لا شك أن معنى الآية بادروا وسابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة، من أداء الواجبات والأعمال الصالحة والتوبة من الذنوب، وغير ذلك (١).
لكن السؤال: هل يصلح الاستدلال بها على إيجاب شيء لم يوجبه الله ولا رسوله، أو الواجب الرجوع إلى النصوص التي بينت الأحكام وفصلتها؟ .
الجواب: لا شك أن الواجب الرجوع إلى النصوص التي بينت الأحكام وفصَّلتها، وقد جاءت النصوص صريحة في الإذن بتأخير القضاء وتفريقه، فلا معنى إذن للاستدلال بهذه الآية على إيجاب قضاء رمضان على الفور أو لزوم تتابعه.
ثانيا: وأما استدلالهم بحديث عائشة ﵂ الذي استدل به أصحاب القول الأول:
فقد عرفنا وجه الاستدلال الصحيح منه في أدلة القول الأول.
ثالثا: وأما استدلالهم بحديث: «من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يقطعه»، فيجاب عنه: أنه حديث لا يصح عن النبي ﷺ .
رابعا: وأما استدلالهم بأثر علي ﵁ أنه قال في قضاء رمضان: «متتابعا» , فيجاب عنه:
أنه إن صح هذا الأثر فمعناه استحباب التتابع لا إيجابه, والدليل أنه قد جاء عنه أنه: «كان لا يرى به متفرقا بأسا» (٢).
خامسا: وأما استدلالهم بأثر عائشة ﵂ والذي فيه: «نزلت ﴿فعدة من أيام أخر﴾ متتابعات، فسقطت متتابعات» , فيجاب عنه:
стр. 544
أن المقصود أن هذه اللفظة نُسِخت ورُفِع حكمها وتلاوتها.
قال الطحاوي: "فإنما أرادت به: نُسِخت، وسقط حكمها، ورُفِعت تلاوتها" (١).
سادسا: وأما قولهم: إن القياس يقتضي التتابع؛ إلحاقا لصفة القضاء بصفة الأداء، فيجاب عنه: أن التتابع في الأداء ما وجب لمكان الصوم، ليقال: أينما كان الصوم كان التتابع شرطا، وإنما وجب لأجل الوقت؛ لأنه وجب عليهم صوم شهر معين، ولا يُتمَكن من أداء الصوم في الشهر كله إلا بصفة التتابع، فكان لزوم التتابع لضرورة تحصيل الصوم في هذا الوقت. وهذا هو الأصل: أن كل صوم يؤمر فيه بالتتابع لأجل الفعل وهو الصوم، ويكون التتابع شرطا فيه حيث دار الفعل، وكل صوم يؤمر فيه بالتتابع لأجل الوقت، فَفوات ذلك الوقت يُسقِط التتابع، وإن بقي الفعل واجب القضاء (٢). والله أعلم.
стр. 545
المطلب الثاني: هل يجوز التطوع قبل القضاء ؟ .
اختيار الشيخ: اختار جواز التطوع بالصيام قبل قضاء رمضان، فقال بعد حديث عائشة ﵂: "وهو مبني على أنها كانت لا ترى جواز صيام التطوع لمن عليه دَين من رمضان. ولكن مِن أين ذلك لمن يقول به، والحديث ساكت عن ذلك؟ " (١).
اختلف العلماء في حكم التطوع بالصيام قبل قضاء رمضان على قولين:
القول الأول: يجوز التطوع قبل قضاء رمضان.
وبه قال: الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة في رواية (٥)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: لا يجوز التطوع قبل قضاء رمضان.
وبه قال: الحنابلة في المذهب (٦)، والظاهرية (٧).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يجوز التطوع قبل قضاء رمضان.
الدليل الأول: عن عائشة ﵂، أنها قالت: «إن كانت إحدانا لَتُفطِر في زمان رسول الله ﷺ ، فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ ، حتى يأتي شعبان» (٨).
وجه الاستدلال: أن عائشة أخبرت عنها وعن أمهات المؤمنين ﵅ أنهن كن يقضين رمضان في شعبان, ويَبعُد جدا أن لا يَكُنّ قد تَطوعْنَ بصيام يوم واحد خلال هذه المدة الطويلة، مع أن النبي ﷺ «كان يصوم حتى يقال: لا يفطر, ويفطر حتى يقال: لا يَصوم» (٩).
стр. 546
وكان يصوم يوم عرفة وعاشوراء, ورغَّب في صيامهن أشد الترغيب (١)، وكان يُكثِر من صوم الاثنين والخميس (٢) , وكان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر (٣).
الدليل الثاني: ولأن قضاء رمضان عبادة وقتها موسع، فجاز التطوع في وقتها قبل فعلها؛ كالصلاة يتطوع في أول وقتها (٤).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يجوز التطوع قبل قضاء رمضان.
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: «من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء -لم يقضه-، لم يُتَقَبَّل منه، ومن صام تطوعا وعليه من رمضان شيء -لم يقضه-، فإنه لا يُتقبَّل منه حتى يصومه» (٥).
الدليل الثاني: في وصية أبي بكر الصديق (٦) لعمر ﵄: «وإنه لا يَقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة» (٧).
الدليل الثالث: ولأنه إنما جاز له تأخير القضاء رِفْقا به وتخفيفا عنه؛ فلم يجز له أن يشتغل عنه بغيره كالأداء (٨).
стр. 547
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: جواز التطوع قبل قضاء رمضان؛ لقوة ما استدلوا به؛ ولعدم وجود دليل يمنع ذلك.
ومع هذا فالأفضل تقديم قضاء رمضان على صيام النفل, وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك في قوله: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر كله» (١). فهذا تلطف من الشارع الحكيم لكي يبادر العبد في قضاء رمضان في شوال, ثم يصوم الست من شوال وينال هذا الأجر العظيم.
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بحديث أبي هريرة ﵁ فيجاب عنه:
أنه حديث لا يصح عن النبي ﷺ . كما أن فيه نكارة؛ وذلك في قوله: «من أدرك رمضان وعليه من رمضان شيء -لم يقضه-، لم يتقبل منه» (٢).
ثانيا: وأما استدلالهم بوصية أبي بكر لعمر ﵄ , والتي فيها: «وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة» , فيجاب عنه:
أنه يلزمهم على هذا الفهم القول بتحريم صلاة النوافل والرَواتب قبل أداء صلاة الفريضة, فإن قالوا: هذه وقتها موسع، قيل لهم: وتلك وقتها موسع (٣).
وإنما معنى الأثر -والله أعلم- أن الله لا يتقبل من عباده النوافل وهم قد ضيعوا الفرائض.
قال أبو الوليد ابن رشد الجدّ: "وما جاء من أنه لا تقبل من أحد نافلة وعليه فريضة معناه -والله أعلم-: في الرجل يصلي النافلة في آخر وقت الفريضة، قبل أن يصلي الفريضة، فتفوته بذلك صلاة الفريضة. مثال ذلك: أن يترك صلاة الصبح إلى قرب طلوع الشمس، بمقدار ركعتين فيصلي ركعتي الفجر، أو غيرهما من النوافل، ويترك صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، أو يترك صلاة العصر إلى قرب مغيب الشمس، بمقدار أربع ركعات، فيتنفل، ويترك صلاة العصر حتى تغيب الشمس" (٤). والله أعلم.
стр. 548
المطلب الثالث: هل يقضي من أفطر في صيام النفل ؟ .
اختيار الشيخ: اختار عدم وجوب القضاء على من أفطر في صيام النفل، فقال: "ويدل على ما ذهب إليه الجمهور من جواز الإفطار، وعدم وجوب القضاء ... ". ثم ذكر الأدلة (١).
تحرير المسألة: من المسائل التي مرت معنا حكم الإفطار في صوم النافلة، وكان المقصود من تلك المسألة: هل يجوز قطع الصيام لمن كان شرع في صيام النفل؟ .
أما مسألتنا هذه فهي متعلقة بإيجاب القضاء على من أفطر متعمدا في صيام النفل من عدمه؛ والسبب في جعلها مسألة مستقلة: أن بعض أهل العلم وهم الظاهرية, أجازوا للمتنفل أن يفطر ولو لغير عذر، ومع هذا ألزموه بالقضاء. بينما الحنفية والمالكية، منعوا الصائم المتنفل من الفطر بغير عذر وألزموه بالقضاء, كما سبق في المسألة سالفة الذكر (٢)، وكما سيتبين في هذه المسألة إن شاء الله.
تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أنه ليس على من دخل في صيام تطوع ثم قطعه لعذر قضاء (٣). واختلفوا في حكم من دخل في صوم نفل ثم قطعه متعمدا بلا عذر على قولين:
القول الأول: يجب عليه القضاء.
وبه قال: الحنفية (٤) , والمالكية (٥) , والظاهرية (٦).
القول الثاني: لا يجب عليه القضاء.
وبه قال: الشافعية (٧)، والحنابلة (٨)، وهو اختيار الشيخ.
стр. 549
سبب الخلاف: ذكر ابن رشد أن لهذه المسألة سببي خلاف, فقال: "والسبب في اختلافهم: اختلاف الآثار في ذلك" (١).
ثم قال: "ولاختلافهم أيضا في هذه المسألة سبب آخر: وهو تردد الصوم للتطوع بين قياسه على صلاة التطوع أو على حج التطوع" (٢).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يجب عليه القضاء.
الدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: كنت أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه, فجاء النبي ﷺ ، فبدرتني إليه حفصة، وكانت ابنة أبيها، قالت: يا رسول الله إنا كنا صائمتين اليوم، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه، فقال ﷺ : «اقضيا يوما آخر» (٣).
وفي لفظ: أصبحت أنا وحفصة ﵄ صائمتين متطوعتين، فأُهدِي لنا طعام فأفطرنا، فقال رسول الله ﷺ : «صوما مكانه يوما آخر» (٤).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث دليل على أن من أفطر في التطوع يلزمه قضاء اليوم الذي أفطره (٥).
قال محمد بن الحسن الشيباني: "وبهذا نأخذ: من صام تطوعا، ثم أفطر فعليه القضاء" (٦).
الدليل الثاني: عن عائشة أم المؤمنين ﵂ , قالت: دخل علي رسول الله ﷺ , فقال: «إني أريد الصوم» , وأهدي له حيس, فقال: «إني آكل وأصوم يوما مكانه» (٧).
стр. 550
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ في هذا الحديث ذكر وجوب القضاء (١)، مع أن صيامه الذي قطعه كان نفلا.
الدليل الثالث: ولأنها عبادة, فلزمت بالشروع فيها ووجب القضاء بالخروج منها لغير عذر؛ كالحج, وقد اتفقوا على أن المفسد لحجة التطوع أن عليه القضاء, فالقياس على هذا الإجماع إيجاب القضاء على مفسد صومه عامدا، ويحقق التماثل بينها وبين الحج أن الله تعالى قال في آية الصوم: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢)، كما قال في آية الحج: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣)(٤).
الدليل الرابع: ولأن من شرع في صيام النفل ثم قطعه صار جانيا، فلزمه القضاء على جنايته (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يجب عليه القضاء.
الدليل الأول: عن أبي جحيفة ﵁ قال: آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما، فقال: كل فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم فنام ثم ذهب يقوم، فقال نم؛ فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فقال النبي ﷺ : «صدق سلمان» (٦).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أقر سلمان على تفطير أبي الدرداء ﵄ , ولم يأمره بالقضاء، ولو كان القضاء واجبا لأمره؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٧).
стр. 551
الدليل الثاني: عن أم هانئ ﵂ أن رسول الله ﷺ شرب شرابا، فناولها لتشرب، فقالت: إني صائمة، ولكن كرهت أن أرد سؤرك، فقال: «يعني إن كان قضاء من رمضان فاقضي يوما مكانه، وإن كان تطوعا فإن شئت فاقضي، وإن شئت فلا تقضي» (١).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ فرق في هذا الحديث بين من أفطر في قضاء رمضان، فجعل القضاء عليه واجبا, وبين من أفطر في صيام النفل، فخيره بين القضاء وعدمه.
قال الخطابي: "قلت في هذا بيان أن القضاء غير واجب عليه إذا أفطر في تطوع" (٢).
الدليل الثالث: عن أبي سعيد ﵁ قال: صنعت لرسول الله ﷺ طعاما، فأتاني هو وأصحابه، فلما وضع الطعام قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : «دعاكم أخوكم وتكلف لكم»، ثم قال له: «أفطر، وصم مكانه يوما إن شئت» (٣).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ خير هذا الصحابي ¢ بين أن يقضي يومه ذلك وبين أن لا يقضي، فدل على أن القضاء لا يجب.
الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵁ قال: «من أصبح صائما تطوعا، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وليس عليه قضاء» (٤).
الدليل الخامس: ولأنها عبادة يخرج منها بالإفساد, فلم يجب قضاؤها إذا أفسدها؛ كالوضوء (٥).
الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه لا يجب القضاء على من قطع صيام التطوع عمدا بلا عذر؛ وذلك لقوة ما استدلوا به, ولكن يستحب القضاء كما جاء في الأدلة.
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بحديث إفطار عائشة وحفصة ﵄ في صيام النفل؛ وأن النبي ﷺ أمرهما بالقضاء، فيجاب عنه من وجهين:
стр. 552
الأول: أنه لا حجة فيه, لأن الثقات قد اتفقوا على إرسال هذا الحديث, وشذ من وصله, وتوارد الحفاظ على الحكم بضعفه (١).
الثاني: وعلى فرض صحته: يُحمَل أمره ﷺ لهما بالقضاء على الندب، وذلك لأمرين:
الأول: لأن بدل الشيء في أكثر أحكام الأصول يحل محل أصله (٢) , وهو في الأصل الذي هو في مسألتنا صيام النفل مخير, فيكون كذلك في البدل الذي هو قضاء ذلك اليوم (٣).
الثاني: أن في بعض روايات هذا الحديث قوله ﷺ : «لا عليكما، صوما مكانه يوما» (٤).
فقوله ﷺ : «لا عليكما»؛ أي: لا بأس عليكما, ولو كان الفطر حراما والقضاء واجبا؛ لكان عليهما بأس (٥).
ثانيا: وأما استدلالهم بحديث إفطار النبي ﷺ في صيام النفل وأنه قال: «إني آكل وأصوم يوما مكانه»، فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن جملة: «وأصوم يوما مكانه» الواردة في الحديث لا تصح عن النبي ﷺ كما بينه أهل هذا الشأن (٦).
الثاني: أن هذا الحديث مشكل على أصل الحنفية والمالكية؛ لأنهم لا يجيزون الفطر في صيام النفل بلا عذر، والحديث صريح أن النبي ﷺ قد أفطر بلا عذر؟ . فإما أن يقولوا بضعف تلك الزيادة، ومن ثم يسقط استدلالهم بهذا الحديث، أو يقولوا بجواز الفطر من صيام النفل بغير عذر، مع وجوب القضاء، فيكون مذهبهم كمذهب الظاهرية (٧).
ثالثا: وأما إيجابهم القضاء على من أفسد صيام التطوع قياسا على من أفسد حج التطوع، فيجاب عنه:
стр. 553
أن هذا القياس غير صحيح للفرق بينهما من وجهين:
الأول: أن من أفسد صيامه حال كونه متنفلا، لو تمادى في ذلك الصيام الفاسد، لكان عاصيا، بينما هو في الحج مأمور بالتمادي فيه فاسدا، ولا يجوز له الخروج منه حتى يتمه على فساده، ثم يقضيه (١).
الثاني: أن الكفارة تجب في إفساد فرض الحج ونفله، بخلاف الصوم (٢).
رابعا: وأما قولهم إن من شرع في صيام النفل ثم قطعه صار جانيا، فلزمه القضاء على جنايته، فيجاب عنه: أن من شرع في صوم النفل كان محسنا, والله يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٣)، فإن ألزمناه بالقضاء جعلنا عليه سبيلا، وهو منتفي عنه.
والله أعلم.
стр. 554
المطلب الرابع: حكم صيام المرأة النفل وقضاء الواجب بغير إذن زوجها .
اختيار الشيخ: اختار أن المرأة لا يجوز لها صيام النفل ولا قضاء رمضان إذا اتسع الوقت إلا بإذن زوجها، فقال: "قلت: عدم حِلّ الصوم ظاهر في حُرمته، وهو يشمل ابتداء الصوم وقضاؤه، فلا يجوز لها صوم النفل ولا قضاء الواجب إذا كان الوقت متسعا إلا بإذن زوجها" (١).
تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء أن المرأة تصوم رمضان وما عليها من قضاء إذا ضاق الوقت, ولم يتسع إلا لتلك الأيام، بغير إذن زوجها (٢).
واختلفوا في حكم صيام المرأة النفل وقضاء رمضان إذا كان الوقت موسعا بغير إذن زوجها، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجوز للمرأة أن تصوم النفل بغير إذن زوجها, ويجوز لها أن تصوم قضاء رمضان بغير إذنه, وإن كان الوقت موسعا.
وبه قال: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والحنابلة (٥) , والظاهرية (٦).
القول الثاني: يَحرُم عليها صيام النفل وقضاء الواجب الموسع إلا بإذن زوجها.
وهو الصحيح عند: الشافعية (٧)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثالث: يُكرَه للمرأة أن تصوم النفل بغير إذن زوجها ولا يحرم عليها.
وهو وجه عند: الشافعية (٨).
стр. 555
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم-: اختلافهم في نهي النبي ﷺ المرأة عن الصيام بغير إذن زوجها، على ماذا يُحمَل؟ .
أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا يجوز للمرأة أن تصوم النفل بغير إذن زوجها, ويجوز لها أن تصوم قضاء رمضان بغير إذنه, وإن كان الوقت موسعا.
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : «لا تَصومُ المرأة وبَعْلها (١) شاهد إلا بإذنه» (٢).
وعنه ﵁ في رواية أن رسول الله ﷺ قال: «لا تَصُمْ المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه» (٣).
الدليل الثاني: وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يَحِلُّ للمرأة أن تَصومَ وزوجها شاهد إلا بإذنه» (٤).
وجه الاستدلال: أن النهي المذكور في هذه الأحاديث للتحريم، والمقصود النهي عن صيام النفل؛ كيلا يفوت على الزوج استمتاعه بها؛ لأن حق الزوج عليها واجب، فلا يُترك الواجب للنفل. أما قضاء الفرائض فهو غير داخل تحت النهي؛ لأن الزوج ليس له أن يمنعها من أداء ما عليها من فرائض (٥).
الدليل الثالث: وعنه ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تصوم المرأة يوما واحدا، وزوجها شاهد إلا بإذنه، إلا رمضان» (٦).
стр. 556
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أباح للمرأة صوم شهر رمضان بغير إذن زوجها؛ لأن صوم رمضان واجب عليها، فكان كل صوم واجب عليها مثله، يجوز لها أن تصومه بغير إذن زوجها؛ لأن العلة الموجودة في صيام رمضان هي نفسها الموجودة في قضائه (١).
الدليل الرابع: عن ابن عمر ﵁، قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا نبي الله، ما حق الزوج على زوجته؟ قال: «لا تصوم إلا بإذنه إلا الفريضة، فإن فعلت أثمت ولم يقبل منها» (٢).
وفي رواية: «ولا تصوم تطوعا إلا بإذنه، فإن فعلت أثمت، ولم تؤجر» (٣).
وجه الاستدلال: أن قوله ﷺ : «إلا الفريضة»، يشمل صيام رمضان وقضاءه، وبينت الرواية الثانية أن الذي يجب عليها أن تستأذن فيه هو صيام النفل.
الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵁، قال: «لا تصوم تطوعا وهو شاهد، إلا بإذنه»، يعني زوجها (٤).
الدليل السادس: عن زيد بن وَهْب (٥)، قال: كَتَب إلينا عمر ﵁: «أن المرأة لا تصوم تطوعا إلا بإذن زوجها» (٦).
وجه الاستدلال: أن في هذين الأثرين تصريح من عمر وابن عباس ﵄ أن المرأة ممنوعة من صيام النفل بغير إذن زوجها، ولو كانت ممنوعة من صيام قضاء رمضان لبيناه.
الدليل السابع: ولأن للمرأة الحق في إبراء ذمتها من الفرض الذي لزمها، بخلاف النفل فإن للزوج منعها لحاجته إليها, وحاجته مقدمة على صيام النفل (٧).
стр. 557
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يحرم عليها صيام النفل وقضاء الواجب الموسع إلا بإذن زوجها.
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه» (١).
وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه» (٢).
الدليل الثاني: وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» (٣).
وجه الاستدلال: أن معنى هذه الأحاديث لا يجوز لامرأة أن تصوم ولو فرضا موسعا؛ لأن حق الزوج ناجز ووقت الفرض متسع (٤)؛ ولأن منافع المتعة والعشرة من الزوجة مملوكة للزوج في عامة الأحوال, وأما حقها في نفسها فهو محصور في وقت دون وقت (٥).
أدلة القول الثالث: القائلين بأنه يكره للمرأة أن تصوم النفل بغير إذن زوجها ولا يحرم عليها.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» (٦).
وجه الاستدلال: أن قوله ﷺ في الحديث: «لا يحل» ليس على ظاهره, بل هو مؤول بمعنى ليس حلالا مستوي الطرفين, بل هو راجح الترك مكروه (٧).
الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة والله أعلم هو القول الأول: أنه لا يجوز للمرأة أن تصوم النفل بغير إذن زوجها, ويجوز لها أن تصوم قضاء رمضان بغير إذنه, وإن كان الوقت موسعا؛ وذلك لقوة أدلتهم، ولأن من ما استدلوا به ما هو نص على أن الممنوع عليها هو صيام النفل بغير إذن زوجها دون الفرض، والفرض يشمل رمضان وقضاءه.
وأما ما استدل به أصحاب القولين الآخرين فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما حمل أصحاب القول الثاني الأحاديث على صيام النفل وقضاء رمضان:
стр. 558
فقد عرفنا أن الممنوع على المرأة فعله هو صيام النفل دون الفرض، كما جاء صريحا في بعض الأحاديث الواردة في أدلة القول الأول؛ ولأنه قول عمر وابن عباس ﵄، ولو كان قضاء رمضان مثله لنصا عليه.
ومما يضعف قول الشافعية أيضا أنهم يجيزون للمرأة صيام عاشوراء وعرفة -الذي هو نفل- دون إذن زوجها (١)، ويمنعونها من قضاء رمضان (الذي هو فرض) بغير إذنه، فخالفوا الأحاديث من وجهين:
الأول: تجويزهم لها صيام النفل دون إذن الزوج.
والثاني: اشتراطهم إذن الزوج للمرأة في ما لم يجعل الشارع له فيه إذنا.
ثانيا: وأما حمل أصحاب القول الثالث النهي على الكراهة، فيجاب عنه:
أن هذا تأويل بعيد مُسْتَنْكَر ولو لم يرد إلا هذا اللفظ. كيف وقد ورد النهي في صحيح مسلم: «لا تَصُمْ المرأة»، وهو ظاهر في التحريم، وكذا لفظ «لا تَصومُ المرأة»؛ لأن استعمال لفظ الخبر يدل على تأكيد النهي, وتَأَكُّدُه يكون بحَملِه على التحريم (٢).
والله أعلم.
стр. 559
المطلب الخامس: هل يقضي المجامع في رمضان اليوم الذي جامع فيه ؟ .
اختيار الشيخ: اختار أن المجامع في يوم رمضان يقضي ذلك اليوم، فقال: "واعلم أنه ﷺ لم يأمره في هذه الرواية بقضاء اليوم الذي جامع فيه إلا أنه ورد الأمر بالقضاء في حديث أبي هريرة ﵁ " (١).
تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء أن المرأة إذا طاوعت على الجماع في يوم من رمضان أن عليها قضاء ذلك اليوم (٢). واختلفوا في الرجل المجامع في يوم رمضان هل عليه قضاء ذلك اليوم مع الكفارة أم تكفيه الكفارة، على قولين:
القول الأول: عليه قضاء ذلك اليوم مع الكفارة.
وبه قال: الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , والشافعية في الصحيح (٥) , والحنابلة (٦)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: لا يقضي ذلك اليوم وتكفيه الكفارة.
وهو: قول عند الشافعية (٧) , وبه قال: الظاهرية (٨).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم-والله أعلم-: هل أَمَرَ النبي ﷺ الأعرابيَّ المجامع في رمضان بقضاء ذلك اليوم، أو اكتفى بالكفارة؟ .
أدلة القول الأول: القائلين بأن عليه قضاء ذلك اليوم مع الكفارة.
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «أنه أمر الذي واقع أهله في رمضان أن يقضي يوما مكانه» (٩).
стр. 560
وجه الاستدلال: أن هذه الرواية لحديث الأعرابي قد جاء فيها التصريح بوجوب القضاء على من جامع في يوم رمضان، زيادة على الكفارة.
الدليل الثاني: ولأن المجامع أفسد يوما من رمضان، فلزمه قضاؤه، كما لو أفسده بالأكل. وكما لو أفسد صومه الواجب في غير رمضان (كالكفارة، والنذر) بالجماع، فلزمه قضاؤه، فكذا هنا (١).
الدليل الثالث: ولأن الكفارة إنما وجبت تكفيرا وزجرا عن جناية الإفساد، أو رفعا لذنب الإفساد، أما صوم القضاء فإنما وجب جبرا للفائت. فكل واحد منهما شُرِع لغير ما شُرِع له الآخر (٢).
الدليل الرابع: وقياسا على من أفسد حجه بالجماع، فإننا نُلزِمه بالكفارة, ومع هذا لا يسقط عنه قضاء ما أفسده من حج، فكذا هنا (٣).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يقضي ذلك اليوم وتكفيه الكفارة.
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت! قال: «ما لك؟ ». قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : «هل تجد رقبة تعتقها؟ ». قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ ». قال: لا. قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ ». قال: لا. قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيها تمر، قال: «أين السائل؟ ». فقال: أنا. قال: «خذ هذا فتصدق به». فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» (٤).
الدليل الثاني: عن عائشة ﵂، قالت: إن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إنه احترق، قال: «ما لك؟ »، قال: أصبت أهلي في رمضان، فأتي النبي ﷺ بمكتل يدعى العرق، فقال: «أين المحترق» قال: أنا، قال: «تصدق بهذا» (٥).
стр. 561
وجه الاستدلال: أن هذه الأحاديث في الصحيحين ولم يقع فيها التصريح بالقضاء, فدل ذلك على سقوط قضاء اليوم الذي أفسده المجامع اكتفاء بالكفارة، ولو كان القضاء واجبا عليه لبينه له ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١).
الراجح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: أن على المجامع في رمضان قضاء ذلك اليوم مع الكفارة؛ وذلك لأن معهم نص في محل الخلاف يوجب القضاء عليه (٢).
وأما قول أصحاب القول الثاني: بأن الأحاديث التي في الصحيحين ليس فيها ذكر القضاء، فيجاب عنه: أنه ليس في هذا دليل على إسقاط القضاء؛ لأن الرواية جاءت صحيحة صريحة في إيجابه، ولو اقتصرنا على روايات الصحيحين دون غيرهما من كتب السنن والمسانيد ودواوين السنة لضاعت أحكام فقهية كثيرة.
ومن اللازم لفهم السنة فهما صحيحا أن تجمع الأحاديث الصحيحة في الموضوع الواحد, بحيث يُحمَل مطلقها على مقيدها, ويُفسَر عامها بخاصها. وبذلك يتضح المعنى المراد منها, ولا يُضرَب بعضها ببعض (٣).
وعلى فرض أن الروايات لم تنُصَّ على إيجاب القضاء على الأعرابي المُجامِع, فقد ذكرَ أهل العلم أن السائل كان عالما بإيجاب قضاء ذلك اليوم الذي أفسده (٤).
وإنما جاء الأعرابي ليسأل عن ما يُكَفِّر عنه جناية إفساده، أو يرفع عنه ذنب ما أفسده (٥). والله أعلم.
стр. 562
المطلب السادس: حكم القضاء على من ذرعه القيء .
اختيار الشيخ: اختار أن من ذرعه القيء فصيامه صحيح، ولا قضاء عليه، فقال: "والحديث دليل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء؛ لقوله: «فلا قضاء عليه» (١)؛ إذ عدم القضاء فرع الصحة (٢) " (٣).
تحرير محل الخلاف: من المسائل التي سبقت (٤): حكم من استقاء عمدا وهو صائم، وقد ذُكر فيها خلاف أهل العلم.
ومما اختلفوا فيه أيضا: حكم القضاء على من ذرعه القيء، على قولين:
القول الأول: أن من ذرعه القيء فصيامه صحيح، ولا قضاء عليه.
وبه قال: الحنفية (٥)، والمالكية (٦) , والشافعية (٧) , والحنابلة (٨) , والظاهرية (٩).
والصحيح من قولي: الحسن البصري (١٠)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: أن من ذرعه القيء يفطر، وعليه القضاء.
ونسب ذلك إلى: الحسن البصري (١١).
سبب الخلاف: قال ابن رشد: "وسبب اختلافهم: ما يُتوَهَّم من التعارض بين الأحاديث الواردة في هذه المسألة، واختلافهم أيضا في تصحيحها" (١٢).
أدلة القول الأول: القائلين بأن من ذرعه القيء فصيامه صحيح، ولا قضاء عليه.
стр. 563
الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض» (١).
وجه الاستدلال: الحديث دليل على أن من ذرعه القيء لا يفطر؛ لأن النبي ﷺ لم يوجِب عليه القضاء؛ إذ عدم القضاء فرع الصحة (٢).
الدليل الثاني: عن أبي الدرداء ﵁، قال: «استقاء رسول الله ﷺ ، فأفطر فأُتِي بماء فتوضأ» (٣).
وجه الاستدلال: أن إفطار النبي ﷺ كان بسبب الاستقاء، لا بسبب ذرع القيء، كما جاء صريحا في هذه الرواية (٤).
الدليل الثالث: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ لا يُفطِرن الصائم: الحجامة، والقيء، والاحتلام» (٥).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث أن القيء لا يفطر الصائم، واستثنى الشارع من ذلك الاستقاءة فجعلها مفطرة، فبقي ذرع القيء على ما جاء في هذا النص.
الدليل الرابع: ولأنه إجماع أهل العلم.
قال ابن المنذر: "وأجمعوا أنه لا شيء على الصائم إذا ذرعه القيء، إلا الحسن البصري فإنه قال: عليه. ووافق في أخرى" (٦).
وقال ابن بطال: "وأجمع الفقهاء أن من ذرعه القيء فلا قضاء عليه" (٧).
الدليل الخامس: ولأن الأصل أن لا يَفسُد الصوم بالقيء، سواء ذرعه، أو تقيأ عمدا؛ لأن كل ما يخرج من البدن لا يفسد الصوم، كالبول والغائط ونحوهما. إلا أننا عرفنا الفساد
стр. 564
بالاستقاء وذلك بنص آخر وهو قول النبي ﷺ : «ومن استقاء فعليه القضاء» (١)، فبقي الحكم في الذرع على الأصل (٢).
الدليل السادس: ولأن ذرع القيء مما لا يمكن التحرز عنه، بل يأتيه على وجه لا يمكنه دفعه، ولا صنع له فيه، والإنسان لا يؤاخذ بما لا صنع له فيه؛ فأشبه الناسي (٣).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن من ذرعه القيء يفطر وعليه القضاء.
عن معدان بن طلحة، أن أبا الدرداء ﵁، حدثه «أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر» فلقيت ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ في مسجد دمشق، فقلت: إن أبا الدرداء، حدثني أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، قال: صدق، وأنا صببت له وضوءه ﷺ (٤).
وجه الاستدلال: في قوله: «قاء فأفطر»، دليل على أن القيء يفطر مطلقا، سواء كان غالبا أو مستخرجا. ووجه الاستدلال: أن (الفاء) تدل على أن الإفطار كان مُرتَّبا على القيء، وبسببه، وهو المطلوب (٥).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن من ذرعه القيء فصيامه صحيح، ولا قضاء عليه؛ وذلك لصحة ما استدلوا به، ولأنه إجماع أهل العلم. ولا أدري هل صح ما نقلوه عن الحسن البصري أم لا؟ ، فإن الرواية التي وافق فيها الجمهور قد صحت عنه (٦).
أما ما نقل عنه في الرواية الثانية فلم أجد من أسندها إليه، والله أعلم.
وأما الجواب عن حديث أن النبي ﷺ «قاء فأفطر»، فمعناه استقاء فأفطر (٧).
ويؤيد حمل قوله قاء على القيء عامدا على الرواية التي استدل بها أصحاب القول الأول, والتي فيها: «استقاء رسول الله ﷺ ، فأفطر». والله أعلم.
стр. 565
المطلب السابع: هل يقضي من أفطر متعمدا في رمضان ؟ .
اختيار الشيخ: اختار أن من أفطر متعمدا يقضي، فقال رادا على من استدل بحديث: «من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه» (١): "ومثل هذا الحديث لا يكفى مع انفراده للاحتجاج به، ويُحمَل -إن ثبت- على التشديد والتغليظ كما سبق (٢).
تحرير المسألة: مر معنا فيما سبق (٣) مسألة: هل يقضي المجامع في رمضان اليوم الذي جامع فيه؟ .
ولا شك أن من جامع في يوم رمضان متعمدا، أنه تعمد الفطر، ولكن الشيخ المباركفوري قد نص على أن قوله ﷺ : «من أفطر يوما من رمضان» , المراد منه: الإفطار بالأكل أو الشرب عامدا، فقال: "أطلق الإفطار، وهو لا يخلو: إما أن يكون بجماع، أو غيره، ناسيا أو عامدا. لكن المراد منه: الإفطار بالأكل أو الشرب عامدا، وأما ناسيا أو بالجماع فقد تقدم ذِكرهما" (٤).
وقد اختلف أهل العلم في من أفطر في يوم رمضان متعمدا بأكل أو بشرب، هل يقضي ذلك اليوم؟ ، على قولين:
القول الأول: يجب عليه قضاء ذلك اليوم.
وبه قال: الحنفية (٥) , والمالكية (٦) , والشافعية (٧) , والحنابلة (٨)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: أنه لا يقضيه ولا يمكنه قضاؤه.
وبه قال: الظاهرية (٩)، وروي عن: علي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود ﵄ (١٠).