← Фикх общий

Фикх общий · id 133371

الاختيارات الفقهية للشيخ عبيد الله المباركفوري كتاب الصيام والاعتكاف

موافقي الأمين

Полный текст (722 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وجه الاستدلال: أن هذه الأحاديث في الصحيحين ولم يقع فيها التصريح بالقضاء, فدل ذلك على سقوط قضاء اليوم الذي أفسده المجامع اكتفاء بالكفارة، ولو كان القضاء واجبا عليه لبينه له ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (١). الراجح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: أن على المجامع في رمضان قضاء ذلك اليوم مع الكفارة؛ وذلك لأن معهم نص في محل الخلاف يوجب القضاء عليه (٢). وأما قول أصحاب القول الثاني: بأن الأحاديث التي في الصحيحين ليس فيها ذكر القضاء، فيجاب عنه: أنه ليس في هذا دليل على إسقاط القضاء؛ لأن الرواية جاءت صحيحة صريحة في إيجابه، ولو اقتصرنا على روايات الصحيحين دون غيرهما من كتب السنن والمسانيد ودواوين السنة لضاعت أحكام فقهية كثيرة. ومن اللازم لفهم السنة فهما صحيحا أن تجمع الأحاديث الصحيحة في الموضوع الواحد, بحيث يُحمَل مطلقها على مقيدها, ويُفسَر عامها بخاصها. وبذلك يتضح المعنى المراد منها, ولا يُضرَب بعضها ببعض (٣). وعلى فرض أن الروايات لم تنُصَّ على إيجاب القضاء على الأعرابي المُجامِع, فقد ذكرَ أهل العلم أن السائل كان عالما بإيجاب قضاء ذلك اليوم الذي أفسده (٤). وإنما جاء الأعرابي ليسأل عن ما يُكَفِّر عنه جناية إفساده، أو يرفع عنه ذنب ما أفسده (٥). والله أعلم.

стр. 562

المطلب السادس: حكم القضاء على من ذرعه القيء . اختيار الشيخ: اختار أن من ذرعه القيء فصيامه صحيح، ولا قضاء عليه، فقال: "والحديث دليل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء؛ لقوله: «فلا قضاء عليه» (١)؛ إذ عدم القضاء فرع الصحة (٢) " (٣). تحرير محل الخلاف: من المسائل التي سبقت (٤): حكم من استقاء عمدا وهو صائم، وقد ذُكر فيها خلاف أهل العلم. ومما اختلفوا فيه أيضا: حكم القضاء على من ذرعه القيء، على قولين: القول الأول: أن من ذرعه القيء فصيامه صحيح، ولا قضاء عليه. وبه قال: الحنفية (٥)، والمالكية (٦) , والشافعية (٧) , والحنابلة (٨) , والظاهرية (٩). والصحيح من قولي: الحسن البصري (١٠)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: أن من ذرعه القيء يفطر، وعليه القضاء. ونسب ذلك إلى: الحسن البصري (١١). سبب الخلاف: قال ابن رشد: "وسبب اختلافهم: ما يُتوَهَّم من التعارض بين الأحاديث الواردة في هذه المسألة، واختلافهم أيضا في تصحيحها" (١٢). أدلة القول الأول: القائلين بأن من ذرعه القيء فصيامه صحيح، ولا قضاء عليه.

стр. 563

الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض» (١). وجه الاستدلال: الحديث دليل على أن من ذرعه القيء لا يفطر؛ لأن النبي ﷺ لم يوجِب عليه القضاء؛ إذ عدم القضاء فرع الصحة (٢). الدليل الثاني: عن أبي الدرداء ﵁، قال: «استقاء رسول الله ﷺ ، فأفطر فأُتِي بماء فتوضأ» (٣). وجه الاستدلال: أن إفطار النبي ﷺ كان بسبب الاستقاء، لا بسبب ذرع القيء، كما جاء صريحا في هذه الرواية (٤). الدليل الثالث: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثٌ لا يُفطِرن الصائم: الحجامة، والقيء، والاحتلام» (٥). وجه الاستدلال: في هذا الحديث أن القيء لا يفطر الصائم، واستثنى الشارع من ذلك الاستقاءة فجعلها مفطرة، فبقي ذرع القيء على ما جاء في هذا النص. الدليل الرابع: ولأنه إجماع أهل العلم. قال ابن المنذر: "وأجمعوا أنه لا شيء على الصائم إذا ذرعه القيء، إلا الحسن البصري فإنه قال: عليه. ووافق في أخرى" (٦). وقال ابن بطال: "وأجمع الفقهاء أن من ذرعه القيء فلا قضاء عليه" (٧). الدليل الخامس: ولأن الأصل أن لا يَفسُد الصوم بالقيء، سواء ذرعه، أو تقيأ عمدا؛ لأن كل ما يخرج من البدن لا يفسد الصوم، كالبول والغائط ونحوهما. إلا أننا عرفنا الفساد

стр. 564

بالاستقاء وذلك بنص آخر وهو قول النبي ﷺ : «ومن استقاء فعليه القضاء» (١)، فبقي الحكم في الذرع على الأصل (٢). الدليل السادس: ولأن ذرع القيء مما لا يمكن التحرز عنه، بل يأتيه على وجه لا يمكنه دفعه، ولا صنع له فيه، والإنسان لا يؤاخذ بما لا صنع له فيه؛ فأشبه الناسي (٣). أدلة القول الثاني: القائلين بأن من ذرعه القيء يفطر وعليه القضاء. عن معدان بن طلحة، أن أبا الدرداء ﵁، حدثه «أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر» فلقيت ثوبان ﵁ مولى رسول الله ﷺ في مسجد دمشق، فقلت: إن أبا الدرداء، حدثني أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، قال: صدق، وأنا صببت له وضوءه ﷺ (٤). وجه الاستدلال: في قوله: «قاء فأفطر»، دليل على أن القيء يفطر مطلقا، سواء كان غالبا أو مستخرجا. ووجه الاستدلال: أن (الفاء) تدل على أن الإفطار كان مُرتَّبا على القيء، وبسببه، وهو المطلوب (٥). الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن من ذرعه القيء فصيامه صحيح، ولا قضاء عليه؛ وذلك لصحة ما استدلوا به، ولأنه إجماع أهل العلم. ولا أدري هل صح ما نقلوه عن الحسن البصري أم لا؟ ، فإن الرواية التي وافق فيها الجمهور قد صحت عنه (٦). أما ما نقل عنه في الرواية الثانية فلم أجد من أسندها إليه، والله أعلم. وأما الجواب عن حديث أن النبي ﷺ «قاء فأفطر»، فمعناه استقاء فأفطر (٧). ويؤيد حمل قوله قاء على القيء عامدا على الرواية التي استدل بها أصحاب القول الأول, والتي فيها: «استقاء رسول الله ﷺ ، فأفطر». والله أعلم.

стр. 565

المطلب السابع: هل يقضي من أفطر متعمدا في رمضان ؟ . اختيار الشيخ: اختار أن من أفطر متعمدا يقضي، فقال رادا على من استدل بحديث: «من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقض عنه صوم الدهر كله وإن صامه» (١): "ومثل هذا الحديث لا يكفى مع انفراده للاحتجاج به، ويُحمَل -إن ثبت- على التشديد والتغليظ كما سبق (٢). تحرير المسألة: مر معنا فيما سبق (٣) مسألة: هل يقضي المجامع في رمضان اليوم الذي جامع فيه؟ . ولا شك أن من جامع في يوم رمضان متعمدا، أنه تعمد الفطر، ولكن الشيخ المباركفوري قد نص على أن قوله ﷺ : «من أفطر يوما من رمضان» , المراد منه: الإفطار بالأكل أو الشرب عامدا، فقال: "أطلق الإفطار، وهو لا يخلو: إما أن يكون بجماع، أو غيره، ناسيا أو عامدا. لكن المراد منه: الإفطار بالأكل أو الشرب عامدا، وأما ناسيا أو بالجماع فقد تقدم ذِكرهما" (٤). وقد اختلف أهل العلم في من أفطر في يوم رمضان متعمدا بأكل أو بشرب، هل يقضي ذلك اليوم؟ ، على قولين: القول الأول: يجب عليه قضاء ذلك اليوم. وبه قال: الحنفية (٥) , والمالكية (٦) , والشافعية (٧) , والحنابلة (٨)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: أنه لا يقضيه ولا يمكنه قضاؤه. وبه قال: الظاهرية (٩)، وروي عن: علي ابن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود ﵄ (١٠).

стр. 566

أدلة القول الأول: القائلين بأنه يجب عليه قضاء ذلك اليوم. الدليل الأول: قوله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). وجه الاستدلال: معنى الآية: فمن كان منكم مريضا أو على سفر، فأفطر بعذر المرض والسفر، فعدة من أيام أخر؛ فيكون في الآية دلالة على وجوب القضاء على من أفطر بغير عذر؛ لأنه لما وجب القضاء على المريض والمسافر، مع أنهما أفطرا بسبب العذر المبيح للإفطار، فلأن يجب على غير ذي العذر أولى (٢). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من ذرعه القيء، فليس عليه قضاء، ومن استقاء فليقض» (٣). وجه الاستدلال: نص الحديث على وجوب القضاء على من أفطر بالاستقاءة عمدا، فيقاس عليه من أكل أو شرب متعمدا في وجوب القضاء؛ بجامع تعمد الفطر في كل (٤). الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : «أنه أمر الذي واقع أهله في رمضان أن يقضي يوما مكانه» (٥). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد أمر في هذا الحديث من أفطر بجِماعٍ أن يقضي اليوم الذي أفسده، فدل على وجوبه على من أفطر بأكل أو شرب أو غيرهما؛ بجامع جَبْر ما فاته من صيام في كل. الدليل الرابع: عن سعيد بن المسيب، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني أفطرت يوما من رمضان، فقال له النبي ﷺ : «تصدق، واستغفر الله، وصم يوما مكانه» (٦).

стр. 567

وجه الاستدلال: فهذا الحديث نص على أن النبي ﷺ أمر من أفطر متعمدا في رمضان بالقضاء, فيدخل تحته من أفطر بأكل أو شرب أو غير ذلك, والدليل على أنه متعمد قوله: «واستغفر الله»؛ إذ غير المتعمد غير مؤاخذ. الدليل الخامس: حديث ابن عباس ﵁، والذي ذكر فيه عن النبي ﷺ أنه قال: «اقضوا الله الذي له, فإن الله أحق بالوفاء» (١). وجه الاستدلال: أن الحديث جاء عاما في وجوب قضاء حقوق الله, والصيام من أعظم تلك الحقوق لتعلقه بركن من أركان الإسلام. الدليل السادس: ولأن القضاء إنما وجب جبرا لما فات من صيام، والفوات يحصل بمطلق الإفساد، سواء كان بجماع أو بأكل أو بشرب، فتقع الحاجة إلى الجبر بالقضاء؛ ليقوم مقام الفائت فينجبر الفوات (٢). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يقضيه ولا يمكنه قضاؤه. الدليل الأول: عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من أفطر يوما من رمضان من غير رُخصَة، ولا مرض؛ لم يقضه صوم الدهر كله، وإن صامه» (٣). وجه الاستدلال: دل الحديث على أن من انتهك حرمة رمضان بالفطر، لم يَقدِر على قضاء ذلك اليوم الذي أفسده. وعليه فلا يشرع له القضاء؛ لأن إيجاب صيام غيره بدلا عنه إيجاب شرع لم يأذن الله تعالى به، فهو باطل (٤).

стр. 568

الدليل الثاني: عن أبي بكر الصديق أنه قال لعمر بن الخطاب ﵄ فيما أوصاه به: «مَن صام شهر رمضان في غيره لم يُقبَل منه, ولو صام الدهر أجمع» (١). وجه الاستدلال: أفاد الأثر: أن من انتهك حرمة رمضان بإفطار يوم منه، كان كمن أخر صيامه إلى غير رمضان، فلا يُقبَل منه. الدليل الثالث: عن علي ﵁، قال: «من أفطر يوما من رمضان متعمدا، لم يقضه أبدا طول الدهر» (٢). الدليل الرابع: عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: «من أفطر يوما من رمضان متعمدا من غير عِلَّة ثم قضى طول الدهر لم يُقبَل منه» (٣). الراجح: الذي يترجح -إن شاء الله- هو القول الأول: أنه يجب قضاء ذلك اليوم؛ وذلك لصحة ما استدلوا به؛ ولدلالته على المطلوب؛ ولأن الذمة لا تبرأ إلا بيَقين الأداء، وهو قضاء ذلك اليوم (٤). وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه: أن في أدلتهم ما هو ضعيف ولا يحتج به كحديث أبي هريرة وأثر أبي بكر وعبد الله بن مسعود ﵃ , وعلى فرض صحة كل ما استدلوا به, فقد أجاب أهل العلم عن معنى: «لم يقض عنه صوم الدهر» بما يلي: قال ابن تيمية: "إنما كان كذلك: لأن الله سبحانه أوجب عليه صوم ذلك اليوم المُعيَّن, وذلك اليوم لا يكون مثله إلا في شهر رمضان. لكن صوم ذلك المِثل واجبٌ بنفسه أداءً, فلا

стр. 569

يمكن أن يُصامَ قضاءً عن غيره, فلو صام الدهر كله؛ لم يقض عنه حق ذلك المُعيَّن. لكن وجب عليه صوم يوم؛ لأنه أحد الواجبَين، والتعيين هو الواجب الآخر، فَفَوات أحدهما لا يوجِب سقوط الآخر. وهذا معنى كلام أحمد, وسواء أفطر بجماع أو أكل أو غيره" (١). وقال ابن المُنَيِّر: "يعني أن القضاء لا يقوم مقام الأداء، ولو صام عِوَض اليوم دَهْرا، ويقال بموجبه؛ فإن الإثم لا يسقط بالقضاء, ولا سبيل إلى اشتراك القضاء والأداء في كمال الفضيلة. فقوله: «لم يقضه صيام الدهر» أي: في وصفِه الخاص به وهو الكمال, وإن كان يقضي عنه في وصفِه العام المنحط عن كمال الأداء. هذا هو اللائق بمعنى الحديث, ولا يُحمَل على نفي القضاء بالكلّيَّة, ولا تُعهَد عبادة واجبة مؤقتة لا تَقبل القضاء إلا الجُمعة؛ لأنها لا تجتمع بشروطها إلا في يومها، وقد فات, أو في مثله، وقد اشتغلت الذِمّة بالحاضرة، فلا تَسَع الماضية" (٢). والله أعلم.

стр. 570

المطلب الثامن: هل يقضي الصوم من تمضمض أو استنشق فغلبه الماء ؟ . اختيار الشيخ: اختار وجوب القضاء فقال: "الراجح عندي هو الوجه الأول فيجب عليه القضاء, والله تعالى أعلم" (١). تحرير محل الخلاف: أجمع أهل العلم على أن لا شيء على الصائم فيما يبتلعه مما يجري مع الريق مما بين أسنانه مما لا يقدر على الامتناع منه (٢). تحرير المسألة: تأتي هذه المسألة عند الفقهاء ولها شقان: الشق الأول: من توضأ وهو صائم، فغلبه الماء في المضمضة والاستنشاق دون أن يبالغ فيهما, وهذه المسألة ليست معنا؛ لأن الشيخ لم يرجح فيها شيئا. الشق الثاني: من توضأ وهو صائم، فغلبه الماء عند المضمضة والاستنشاق بسبب أنه بالغ فيهما، أو زاد على الثلاث، وهذه المسألة هي التي رجح فيها الشيخ ما ذُكِر في اختياره (٣). وقد اختلفوا فيها على قولين: القول الأول: يفسد صومه، ويمسك وعليه قضاء ذلك اليوم. وبه قال: الحنفية (٤)، والمالكية (٥) , والشافعية في الصحيح (٦)، والحنابلة في رواية (٧) , وهو اختيار الشيخ ﵀.

стр. 571

القول الثاني: لا يفطر وهو باقي على صيامه. وبه قال: الشافعية في قول (١)، والحنابلة في المذهب (٢) , والظاهرية (٣). سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم-: هل من تعمد المبالغة في الاستنشاق والاستنثار أو من زاد عن الثلاث في الوضوء، يضمنُ ما ترتب عن فعله أو لا يضمن؟ . أدلة القول الأول: القائلين يفسد صومه، ويمسك وعليه قضاء ذلك اليوم. الدليل الأول: عن لَقِيط بْن صَبِرَة (٤) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ««بالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائما» (٥). وجه الاستدلال: أن النهي عن المبالغة التي فيها كمال السنة عند الصوم دليل على أن دخول الماء في حلقه مفسد لصومه (٦). قال الكاساني: "ومعلوم أن استثناءه حالة الصوم للاحتراز عن فساد الصوم؛ وإلا لم يكن للاستثناء معنى" (٧). الدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: هششت فقَبَّلت وأنا صائم, فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما، قَبَّلت وأنا صائم, فقال رسول الله ﷺ : «أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم»، قلت: لا بأس به، قال: «ففيم؟ » (٨).

стр. 572

وجه الاستدلال: أنه ﷺ شَبَّه القُبلة بالمضمضة، ووجه الشبه: أنه إذا قَبَّل فأنزل، بطل صومه؛ فكذلك إذا تَمَضْمَض فوصل إلى جوفه، بطل صومه، ويقاس الاستنشاق عليها (١). قال ابن تيمية: "فشَبَّه القُبلة بالمضمضة في أن كُلّا منهما مقدمة لغيره، فإذا لم يحصل ذلك الغير لم يؤثر, فيجب إذا حصل ذلك الغير أن يؤثر. والمضمضة مقدمة الأكل, والقُبلة مقدمة الإنزال, ولولا أنهما مُستوِيان في الموضعين لَما حسُن قياس أحدهما بالآخر" (٢). الدليل الثالث: أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثا ثلاثا، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظَلَم» (٣). وجه الاستدلال: أن من توضأ، فزاد على الثلاث في المضمضة والاستنشاق، فاعل لما نُهِي عنه بنص هذا الحديث، فإذا غلبه الماء في الرابعة، لم يُضمَن ما ترتَّب عن فِعله؛ لأنه ارتكب ما لم يؤذَن له فيه، فكان ضامنا لما أفسده (٤). الدليل الرابع: ولأن المُبالَغة منهي عنها في الصوم، وما نَتَج عن سبب منهي عنه فهو كالمباشر لذلك السبب، والدليل عليه: أنه إذا جرح إنسانا فمات، جُعِل كأنه باشرَ قَتْلَه (٥). الدليل الخامس: ولأن وصول الماء إلى الجوف وهو ذاكرٌ لصومه -وإن أَخطأَ في الفِعل-، ليس إلا لتقصير في الاحتراز، فيُناسِب الفساد؛ إذ فيه نوع إضافة إليه، بخلاف النسيان (٦). الدليل السادس: ولأن الماء وصل بفعل منهي عنه، فأشبه التعمد (٧). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يفطر وهو باقي على صيامه.

стр. 573

الدليل الأول: لأن فعله ذلك كان بغير اختياره؛ فكان مغلوبا عليه. ولأن الماء وصل إلى حلقه من غير قصد؛ فأشْبَه غبار الطريق إذا وصل إلى حلقه (١). قال الماوردي: "أنه مغلوب على هذا الفعل؛ فصار بمثابة من أُكرِه على الأكل. ولأنه واصل إلى جوفه من غير قَصدِه، فوجب أن لا يفطر؛ أصله الذباب إذا طار إلى حَلقه" (٢). الدليل الثاني: ولأن الشرع أَذِن له في السبب -الذي هو المضمضة والاستنشاق في الوضوء- فلم يؤاخذه بما نَتَج عنه، (كالسِراية) (٣) عند إقامة الحدود؛ فإنها غير مضمونة (٤). الدليل الثالث: ولأن الفطر يقع تارة بما يصل إلى الجوف، وتارة بما ينفصل عنه. ثم تقرر أن ما ينفصل عنه بلا اختيار كالقيء والإنزال لا يفطر؛ فكذلك ما وصل إليه من المضمضة والاستنشاق بالاختيار لا يفطر (٥). الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يفطر وعليه قضاء ذلك اليوم؛ لصحة أدلتهم، ولدلالتها على المطلوب, وحديث لقيط بن صبرة ﵁ واضح الدلالة على ذلك؛ لأن استثناءه ﷺ المبالغة حال الصوم من أجل الاحتراز عن فساد الصوم، وإلا لم يكن للاستثناء معنى كما قرَّره الكاساني (٦). وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما قولهم: إن فعله ذلك كان بغير اختياره، فكان مغلوبا عليه. ولأن الماء وصل إلى حلقه، من غير قصد، فيجاب عنه:

стр. 574

أن الماء لا يسبق الحلق في المضمضة والاستنشاق عادةً إلا عند المبالغة فيهما، والمبالغةُ منهي عنها في حق الصائم، فكان في مبالغته متعديا فلم يُعذر (١). ثانيا: وأما قولهم: إن الشرع أذن له في السبب -الذي هو المضمضة والاستنشاق في الوضوء- فلم يؤاخذه بما نتج عنه، كالسراية عند إقامة الحدود، فإنها غير مضمونة, فيجاب عنه: أن فِعله هذا نَتَج عن فعل منهي عنه، فكان كالمباشِر للفِعل؛ بدليل: أنه لو جَرَح إنسانا فمات، لم يُعذر، وكان فِعله ذلك كمباشرَة قَتْله (٢). ثالثا: وأما قولهم: إن الفطر يقع تارة بما يصل إلى الجوف، وتارة بما ينفصل عنه. ثم تقرر أن ما ينفصل عنه بلا اختيار كالقيء والإنزال، لا يفطر، فكذلك ما وصل إليه من المضمضة والاستنشاق بالاختيار لا يفطر, فيجاب عنه: أن هذا الدليل قد يكون لصالح أصحاب القول الأول، فيقال: إن الفطر يقع تارة بما يصل إلى الجوف، وتارة بما ينفصل عنه. ثم تقرر أن ما ينفصل عنه باختيار كالاستقاء والاستمناء يُفَطِّر، فكذلك ما وصل إليه من المضمضة والاستنشاق بالاختيار يُفَطِّر؛ وذلك أن المستقيء والمستمني قد باشرا السبب المنهي عنه الذي بسببه كان الفطر، والمُبالِغ في المضمضة والاستنشاق أيضا قد باشر السبب المنهي عنه الذي بسببه كان الفطر. والله أعلم.

стр. 575

المطلب التاسع: حكم من أخر قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر . اختيار الشيخ: اختار عدم جواز تأخير صيام قضاء رمضان إلى رمضان القادم كقول الجمهور، لكن لم يتضح رأيه في مسألة الإطعام، فقال: "ويؤخذ من حرص عائشة على القضاء في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر, فإن دخل فالقضاء واجب أيضا فلا يسقط، وأما الإطعام فليس له في الحديث ذكر لا بالنفي ولا بالإثبات" (١). فلذلك ستنصَبّ الدراسة -إن شاء الله- على حكم التأخير، دون التعرض لمسألة حكم الإطعام. تحرير محل الخلاف: قد ذُكِر في مسألة سابقة أن العلماء اتفقوا على أن من قضى رمضان في أول أوقات إمكان الصيام أياما متتابعات، أجزأه ذلك، وكان على يقين من أنه قد أتى بما وجب عليه (٢). واختلفوا في من تمكن من القضاء فأخره إلى ما بعد رمضان الآخر على قولين: القول الأول: يَحرُم تأخير قضاء رمضان إلى ما بعد رمضان الذي يليه بلا عذر. وبه قال: المالكية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة (٥) , والظاهرية (٦)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: لا يحرم تأخير القضاء إلى ما بعد رمضان أو أكثر. وبه قال: الحنفية (٧). سبب الخلاف: الذي يظهر -والله أعلم- أن لهذه المسألة سببي خلاف: السبب الأول: هل وجوب القضاء في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٨) مؤقت، أو مطلق عن الوقت؟ .

стр. 576

السبب الثاني: هل كلام عائشة ﵂ في تأخيرها قضاء رمضان إلى شعبان يدل على أنه آخر وقت للقضاء؟ . أدلة القول الأول: القائلين بأنه يحرم تأخير قضاء رمضان إلى ما بعد رمضان الذي يليه بلا عذر. الدليل الأول: قوله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١). وجه الاستدلال: أن الأصل أن يُحمَل القضاء على الفور، فلما جاء حديث عائشة ﵂ -الذي سيأتي معنا إن شاء الله في الأدلة-، دلَّ على جواز التأخير إلى شعبان, وما زاد على ذلك لم يأت في الحديث بيان جوازه من منعه. ومطلق الأمر الوارد في الآية يقتضي منع ذلك (٢). الدليل الثاني: عن عائشة ﵂، قالت: «كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل من رسول الله ﷺ ، أو برسول الله ﷺ » (٣). وجه الاستدلال: في هذا الحديث ذكرت أم المؤمنين عائشة ﵂ أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان؛ لبيان تضييق وقته في شعبان, وأنها كانت تؤخره إلى آخر وقته, والدليل على أنها قصدت أن هذا هو آخر وقته تعليلها سبب التأخير بأنه الشغل برسول الله ﷺ , وشعبان وما بعده في الشغل سواء, فلولا تضيق الوقت؛ لأخرته إلى ما بعد شعبان. فعُلِم أن وقت القضاء كان محصورا بين الرمضانين (٤). الدليل الثالث: عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أَما إنه ليس في النوم تَفْريط (٥)، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى» (٦). وجه الاستدلال: فإذا كان من أَخَّر الصلاة بلا عذر إلى دخول وقت الأخرى مُفَرِّطا، فهو في حق الصائم أولى؛ وبيانه: أن وقت الصلاة الثانية يتسع للصلاتين, أما وقت الصوم الثاني فلا يتسع لهما (٧).

стр. 577

الدليل الرابع: عن أبي هريرة ﵁ فيمن فَرَّط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر, قال: «يصوم هذا مع الناس ويصوم الذي فَرَّط فيه, ويطعم لكل يوم مسكينا» (١). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵁ , قال: «من فَرَّط في صيام شهر رمضان حتى يُدركه رمضان آخر فليصم هذا الذي أَدركَه, ثم ليصم ما فاته، ويطعم مع كل يوم مسكينا» (٢). وجه الاستدلال: أن الصحابة ﵃ سَمَّوا من أخر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر مُفَرِّطا، والتفريط إنما يكون فيمن أَخَّر العبادة عن وقتها (٣). الدليل السادس: عن إبراهيم النخعي قال: «إذا تتابع عليه رمضانان صامهما. فإن صَحّ بينهما فلم يقض الأول، فبئس ما صنع، فليستغفر الله وليصم» (٤). وجه الاستدلال: هذا الأثر واضح الدلالة على أن إبراهيم النخعي -التابعي الجليل- يرى أن من أخر قضاء رمضان إلى ما بعد رمضان الآخر مسيء، وعليه الاستغفار من هذا الذنب. الدليل السابع: ولأن العبادات إما أن تَجِب مؤقتة، أو على الفور، ولا تكون على التراخي في الصحيح من قولي أهل العلم. فلما لم يجب قضاء رمضان على الفور؛ عُلِم أنه مؤقت (٥). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يحرم تأخير القضاء إلى ما بعد رمضان أو أكثر. الدليل الأول: قوله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦).

стр. 578

وجه الاستدلال: أن الله قد أمر بالقضاء مطلقا عن وقت معين، فلا يجوز تقييده ببعض الأوقات إلا بدليل، والتعيين بما بين الرمضانين تَحَكُم لا دليل عليه (١). الدليل الثاني: عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ «أنه أمر الذي واقع أهله في رمضان أن يقضي يوما مكانه» (٢). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد أمر الواطئ في هذا الحديث بوجوب القضاء عليه، ولم يذكر له حدا معينا، ولو كان مُحددا بما بين الرمضانين لبينه له؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٣). الدليل الثالث: ولأن وجوب القضاء لا يتوقت؛ لأن الأمر بالقضاء مطلق عن تعيين بعض الأوقات دون بعض، فيجري على إطلاقه. وخيار التعيين يعود إلى المكلف، ففي أي وقت شرع فيه تعين ذلك الوقت للوجوب، وإن لم يشرع يتضيق الوجوب عليه في آخر عمره في زمان يتمكن فيه من الأداء قبل موته (٤). الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: أنه يحرم تأخير قضاء رمضان إلى ما بعد رمضان الذي يليه بلا عذر؛ وذلك لقوة ما استدلوا به، ويؤخذ من حرص عائشة ﵂ على القضاء في شعبان عدم جواز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر؛ لأن العلة التي من أجلها أخرت صيام ما عليها من قضاء إلى شعبان -أي: الشغل برسول الله ﷺ موجودة حتى في شعبان، فلو جاز لها التأخير إلى ما بعد رمضان لما قضته في شعبان. وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي: أولا: أما استدلالهم بالآية فيجاب عنه: أن الأمر الوارد في الآية قد بين حده ما جاء في حديث عائشة ﵂، من كون شعبان هو أقصى وقت يؤخر القضاء إليه.

стр. 579

ثانيا: وأما استدلالهم بحديث المجامع في رمضان، وأن النبي ﷺ قد بين له وجوب القضاء ولم يذكر له حدا معينا، فالجواب: أن عائشة ﵂ قد حدته إلى شعبان، فعلم أنه الوقت المضيق الذي لا يجوز تعديه (١). ثالثا: وأما قولهم: إن وجوب القضاء لا يتوقت؛ لأن الأمر بالقضاء مطلق عن تعيين بعض الأوقات دون بعض، فيجري على إطلاقه. فيجاب عنه: أن الأصل أن يُحمَل القضاء على الفور؛ لأن دلالة الأمر المطلق تقتضي الفور، كما هو قول جمهور الأصوليين (٢). فلما جاء حديث عائشة ﵂ -الذي سبق ذكره في الأدلة- وأفاد جواز التأخير إلى شعبان, عُلِم أن وقت القضاء مؤقت بين الرمضانين. ثم إن إطلاق لفظ التفريط عند الحنفية يعني المؤاخذة (٣)، وقد جعل الإمام أبو حنيفة من أَخَّر قضاء رمضان إلى ما بعد رمضان الآخر مُفَرِّطا، فقال: "من كان عليه صيام شهر رمضان ففَرَّط فيه، وهو قَويّ على الصيام حتى يدخل عليه شهر رمضان آخر، صام هذا الداخل عليه وقضى ما عليه" (٤). والله أعلم.

стр. 580

المطلب العاشر: ما الواجب على المُرضع والحامل إذا خافتا على ولدهما فقط ؟ . اختيار الشيخ: اختار إفرادهما بالقضاء دون الإطعام، فقال: "أولى الأقوال عندي في ذلك هو قول من أفردهما بالقضاء دون الإطعام؛ فهما في حكم المريض فليزمهما القضاء فقط والله تعالى أعلم" (١). تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أن لهما الفطر، وعليهما القضاء، ولا فدية عليهما؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه (٢). أما إذا خافتا على ولديهما فقط، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: تُفطِران وتُطعِمان ولا قضاء عليهما. وبه قال: ابن عمر، وابن عباس ﵄ , وسعيد بن جبير (٣). القول الثاني: تفطران وتقضيان ولا فدية عليهما. وبه قال: الحنفية (٤) , والمزني من الشافعية (٥) ,والأوزاعي، والثوري، وأبو ثور (٦)، وهو اختيار الشيخ ﵀. القول الثالث: تفطران وتقضيان وتفديان. وبه قال: الحنابلة (٧) , والشافعية في الأصح (٨) , ومجاهد (٩). القول الرابع: الحامل تفطر وتقضي ولا فدية عليها، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي.

стр. 581

وبه قال: المالكية (١) , والشافعية في قول (٢). سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم هو اختلاف الأحاديث والآثار الواردة في هذه المسألة، فمنها ما صرح بالفداء دون القضاء كالذي سيأتي عن ابن عباس ﵁ , ومنها ما هو مطلق لا يفهم منه أكثر من الترخيص لهما بالفطر، كما سيأتي في حديث أنس بن مالك الكعبي ﵁ , فاختلفت الأقوال باختلاف الأحاديث وفهمها والأخذ بها (٣). ويرى ابن رشد أن سبب اختلافهم هو: تردد شَبَههما بين الذي يجهده الصوم، وبين المريض (٤). أدلة القول الأول: القائلين بأنهما تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما. الدليل الأول: قوله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٥). وجه الاستدلال: أن معنى يطيقونه: يُكلَّفونه، ولا يطيقونه إلا بجهد ومشقة مُضرَّة, فهؤلاء جُعلَت عليهم (الفِدْية) (٦)، فتكون الآية (مُحْكَمة) (٧) في الشيخ والعجوز والحامل والمرضع؛ لأنهم يكلَّفون الصيام ولا يطيقونه إلا بمشقة (٨). وهذا المعنى في تفسيرها، قد جاء عن ابن عباس ﵄ حيث قال: «كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا, والحبلى والمرضع إذا خافتا» (٩).

стр. 582

وجاء عنه أيضا في أنها مُحكمة غير منسوخة قوله: «أُثبِتت للحُبْلى والمُرضِع» (١). فإذا تقرر هذا فلا يمكن إيجاب القضاء مع الفدية؛ لأن الله تعالى سمى هذا الطعام فدية والفدية: ما قام مقام الشيء وأجزأ عنه، فغير جائز على هذا الوضع اجتماع القضاء والفدية؛ لأن القضاء إذا وجب فقد قام مقام المتروك، فلا يكون الإطعام فدية، وإن كان فدية صحيحة فلا قضاء؛ لأن الفدية قد أجزأت عنه وقامت مقامه (٢). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵁ أنه سئل عن المرأة الحامل، إذا خافت على ولدها، قال: «تُفطِر، وتُطعِم مكان كل يوم مسكينا مُدّا من حنطة بمُدّ النبي ﷺ » (٣). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: «إذا خافت الحامل على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان، قال: يفطران ويطعمان مكان كل يوم مسكينا، ولا يقضيان صوما» (٤). الدليل الرابع: وعنه أنه قال (لأمّ ولد) (٥) له حبلى أو ترضع: «أنت من الذين لا يطيقون الصيام، عليكِ الجزاء وليس عليكِ القضاء» (٦). وجه الاستدلال: أن هذين الصحابيين الجليلين لم يريا على الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما غير الفدية, ولم يريا عليهما القضاء ولا مخالف لهما من الصحابة (٧). أدلة القول الثاني: القائلين بأنهما تفطران وتقضيان ولا فدية عليهما. الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٨).

стр. 583

وجه الاستدلال: معنى الآية أن المسافر والمريض إذا أفطرا يلزمهما الصوم بقدر ما فاتهما, ولا ذِكْر للفدية في هذه الآية، والحامل والمرضع أُعطيا حكم المريض؛ فيلزمهما القضاء فقط (١). الدليل الثاني: حديث أنس بن مالك الكعبي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام» (٢). وجه الاستدلال: أن إخباره ﷺ بأن وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر؛ لأنه عطفهما عليه من غير استئناف، فثبت بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو في حكم وضعه عن المسافر لا فرق بينهما. ومعلوم أن وضع الصوم عن المسافر إنما هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من غير فدية، فوجب أن يكون ذلك حكم الحامل والمرضع. كما أن في الحديث دليلا على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع؛ إذ لم يفرق النبي ﷺ بينهما في الحكم (٣). الدليل الثالث: ولأن الحامل والمرضع يرجى لهما القضاء، وإنما أبيح لهما الإفطار لعذر موجود بهما مع إمكان القضاء؛ فوجب أن تكونا كالمريض والمسافر (٤). أدلة القول الثالث: القائلين بأنهما تفطران وتقضيان وتفديان. أدلة إيجابهم الفدية: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٥). وجه الاستدلال: أن الحامل والمرضع ممن يطيق الصيام، فوجب بظاهر هذه الآية أن تلزمهما الفدية (٦). الدليل الثاني: الأثر الوارد عن ابن عباس ﵁ في هذه الآية: «كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا والحبلى والمرضع إذا خافتا» (٧).

стр. 584

الدليل الثالث: عن الإمام مالك أنه بلغه، أن عبد الله بن عمر ﵄ سئل عن المرأة الحامل، إذا خافت على ولدها واشتد عليها الصيام؟ قال: «تفطر، وتطعم، مكان كل يوم مسكينا, مُدَّا من حِنْطة بمُدّ النبي ﷺ » (١). الدليل الرابع: ولأنه فطرٌ بسبب نفس عاجزة عن طريق الخِلْقَة، فوجبت به الكفارة كالشيخ الكبير (٢). أدلة إيجابهم القضاء: الدليل الأول: حديث أنس بن مالك الكعبي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام» (٣). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ ذكر: «أن الله وضع الصوم عن المسافر والحامل والمرضع» , ولم يَرِد إلا وضع الأداء دون القضاء؛ لأنه ﷺ ذكر المسافر, وعطف عليه الحامل والمرضع، والذي وُضِع عن المسافر هو الأداء دون القضاء (٤). الدليل الثاني: ولأنه فطر انتفع به شخصان (الحامل وحملها، والمرضع ورضيعها)، فشابه الجماع في إيجاب القضاء مع الكفارة، وخالف المسافر والمريض (٥). أدلة القول الرابع: القائلين بأن الحامل تفطر وتقضي ولا فدية عليها، والمرضع تفطر وتقضي وتفدي. أدلتهم على أن الحامل إذا خافت على حملها فلها أن تفطر وتقضي ولا إطعام عليها: الدليل الأول: حديث أنس بن مالك الكعبي ﵁: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام» (٦). وجه الاستدلال: أن الحامل لم ترتكب شيئا يوجب عليها الفدية, ولذلك كان حكمها كحكم المريض والمسافر في وجوب القضاء دون الفدية.

стр. 585

الدليل الثاني: ولأن الحامل مريضة فلم يجب عليها إلا القضاء. قال الإمام مالك -في الحامل-: "وأهل العلم يرون عليها القضاء كما قال الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ويرون ذلك مرضا من الأمراض مع الخوف على ولدها" (١). الدليل الثالث: ولأنها مفطرة بعذر؛ كالحائض. ولأن إيجاب الفدية إنما يجب على وجه الهَتْك (٢)، فإذا لم يكن هتك لم يجب (٣). وأما دليلهم على أن المرضع إذا خافت على ولدها فلها أن تفطر وتقضي وتفدي: أن العذر ليس لمصلحتها، وإنما هو لأجل غيرها، فضعف أمرها عن الحامل والمريض (٤). الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه يجب عليهما القضاء فقط دون الإطعام؛ لأنهما في حكم المريض، ولم يوجِب الله الإطعام عليه، فكذلك هما. وأيضا فقد سَوّى النبي ﷺ بينهما وبين المسافر في وضع الصوم عنهم، ومعلوم أن المسافر يقضي ولا إطعام عليه، كما تقدم بيانه في وجه الاستدلال من حديث أنس بن مالك الكعبي ¢ في أدلة القول الثاني. وأما الجواب عن أدلة الآخرين فيكون بما يلي: أولا: أما الاستدلال بالآية على إيجاب الفدية على المرضع والحامل, فيجاب عنه: أن الآية منسوخة؛ وأنها ليست في من لا يطيق الصوم, والدليل على ذلك قوله في آخر الآية: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٥)؛ لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام والمرضع والحامل، لم يناسب أن يقال لهم: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، مع أنهم لا يطيقون الصيام (٦).

стр. 586

وقال ابن أبي ليلى: حَدَّثَنا أصحاب محمد ﷺ : «نزل رمضان فشقّ عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينا تَرَك الصوم ممن يطيقه، ورُخِّص لهم في ذلك، فنَسختها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فأُمِروا بالصوم» (١). وعن ابن عمر ﵄، قرأ: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ , قال: «هي منسوخة» (٢). قال الجَصَّاص (٣): "ومن أبى ذلك من الفقهاء ذهب إلى أن ابن عباس وغيره ذكروا أن ذلك كان حكم سائر المُطيقين للصوم في إيجاب التخيير بين الصوم والفدية، وهو لا مَحالة قد يتناول الرجل الصحيح المُطيق للصوم، فغير جائز أن يتناول الحامل والمرضع؛ لأنهما غير مخيرتين؛ لأنهما: إما أن تَخافا، فعليهما الإفطار بلا تخيير، أو لا تَخافا، فعليهما الصيام بلا تخيير. وغير جائز أن تتناول الآية فريقين بحكم يقتضي ظاهرها إيجاب الفدية، ويكون المراد في أحد الفريقين التخيير بين الإطعام والصيام، وفي الفريق الآخر: إما الصيام على وجه الإيجاب بلا تخيير، أو الفدية بلا تخيير وقد تناولهما لفظ الآية على وجه واحد. فثبت بذلك أن الآية لم تتناول الحامل والمرضع. ويدل عليه أيضا في نسق التلاوة: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وليس ذلك بحكم الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما؛ لأن الصيام لا يكون خيرا لهما" (٤). ثانيا: وأما من فرق بين الحامل والمرضع فأوجب الفدية على المرضع دون الحامل فيجاب عنه: أن حديث أنس بن مالك الكعبي ﵁ والذي فيه: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع الصوم أو الصيام»، لم يفرق بينهما, بل جعل لهما نفس الحكم ألا وهو القضاء دون الفدية. والله أعلم.

стр. 587

المبحث الثاني: في القضاء عن الميت وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: حكم قضاء الصوم عن الميت الذي أمكنه التدارك. المطلب الثاني: ما الصوم الذي يصام عن الميت؟ . المطلب الثالث: حكم قضاء الصوم عن الميت الذي لم يمكنه التدارك.

стр. 588

المطلب الأول: حكم قضاء الصوم عن الميت الذي أمكنه التدارك . اختيار الشيخ: اختار وجوب قضاء الصوم عن الميت الذي أمكنه التدارك لكنه فَرَّط، والوجوب يكون على أوليائه، فقال: "والراجح عندي هو الوجوب, والله تعالى أعلم" (١). تحرير المسألة: المقصود بهذه المسألة: هل يشرع (لأولياء الميت) (٢) -المُفَرِّط في قضاء ما عليه من صيام- أن يصوموا عنه؟ ، بغض النظر عن نوع الصيام، فهي مسألة أخرى. تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أنه لا يصوم أحد عن أحد حال حياته (٣). واختلفوا هل يشرع لأولياء الميت المفرّط في قضاء ما عليه من صيام أن يصوموا عنه؟ على قولين: القول الأول: لا يشرع لأولياء الميت قضاء ما عليه من صوم واجب، بل يطعمون عنه. وبه قال: الحنفية (٤) , والمالكية (٥)، والمشهور عند الشافعية (٦). القول الثاني: يشرع لأولياء الميت قضاء الصوم عن ميتهم. وبه قال: الشافعي في القديم (٧)، والحنابلة (٨) , والظاهرية (٩).

стр. 589

وقال به: أبو ثور (١) , وهو اختيار الشيخ ﵀ (٢). سبب الخلاف: يرجع سبب خلاف الفقهاء في هذه المسألة -والله أعلم- إلى ثلاثة أسباب: السبب الأول: تعارض ظواهر النصوص، أي: النصوص الدالة على جواز الصيام عن الميت، مع النصوص الدالة على عدم الجواز على ما سيأتي في الأدلة إن شاء الله. السبب الثاني: أن الصحابة الذين رووا الأحاديث التي تدل على جواز الصيام عن الميت، قد روي عنهم الإفتاء بخلاف ذلك؛ كابن عباس ﵄، وأم المؤمنين عائشة ﵂، كما سيتبين إن شاء الله. السبب الثالث: معارضة القياس للأثر؛ فالقياس يقتضي ألا يصوم أحد عن أحد كالصلاة، وجاءت أحاديث تدل على جواز الصيام عن الميت، فمن أخذ بالقياس منع، ومن أخذ بالنصوص أجاز ذلك (٣). أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا يشرع لأولياء الميت قضاء ما عليه من صوم واجب، بل يطعمون عنه. الدليل الأول: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٤). وجه الاستدلال: معنى الحديث أن يفعل عنه وليه ما يقوم مقام الصيام وهو الإطعام، وقد جاء مثل ذلك في قوله ﷺ : «الصَّعِيد الطَّيِّب (٥) وَضُوء المسلم» (٦)؛ فسمي التراب وهو بدل باسم

стр. 590

مبدله وهو الوضوء (١)، ولأن الصيام والإطعام يتناوبان، كما في قوله تعالى في جزاء الصيد: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٢). فإذا أطعم عن وليه فكأنه قد صام عنه (٣). الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات وعليه صيام شهر، فليُطعَم عنه مكان كل يوم مسكين» (٤). وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ أسقط القضاء وأمر بالإطعام عن الميت (٥). الدليل الثالث: عن الإمام مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر ﵁ كان يسأل: هل يصوم أحد عن أحد، أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: «لا يصوم أحد عن أحد, ولا يصلي أحد عن أحد» (٦). وجه الاستدلال: دَلَّ الأثر على أن الميت لا يصام عنه. الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵄ قال: «لا يصوم أحد عن أحد، ويُطعَم عنه» (٧).

стр. 591

الدليل الخامس: عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سألت عائشة ﵂، فقلت لها: إن أمي توفيت وعليها رمضان، أيصلح أن أقضي عنها؟ فقالت: «لا, ولكن تصدقي عنها مكان كل يوم على مسكين, خير من صيامك عنها» (١). وجه الاستدلال من الأثرين: أن ابن عباس وعائشة ﵄ هما اللذين رويا أحاديث الصيام عن الميت، ومع هذا أفتيا بالإطعام عن الميت دون الصوم عنه؛ ولم يكونا ليخالفا ما روياه إلا لنسخ علماه (٢). قال الطحاوي: "فكان قول ابن عباس وعائشة هذا دليلا على أنهما قالا ما قالا فيما رويناه عنهما في هذه الآثار، والحكم عندهما فيما قالاه في ذلك ما قالاه فيه؛ ولا يجوز أن يكون ذلك منهما إلا بعد ثبوت نسخ ما سمعاه من النبي ﷺ فيه" (٣). الدليل السادس: ولأن الصوم عبادة بدنية لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذلك بعد الموت؛ كالصلاة (٤). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يشرع لأولياء الميت قضاء الصوم عن ميتهم. الدليل الأول: عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام, صام عنه وليه» (٥). وجه الاستدلال: الحديث دليل بعمومه على أن الولي يصوم عن الميت، وأن النيابة تدخل في الصوم (٦).

стр. 592

الدليل الثاني: عن ابن عباس ¢ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أُمّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: «نعم، فدين الله أحق أن يقضى» (١). الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين قال: «أرأيت لو كان على أختك دين أكنت تقضينه»؟ قالت نعم، قال: «فحق الله أحق» (٢). الدليل الرابع: عن بُرَيْدَة (٣) ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: «يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم أفأصوم عنها؟ » , قال: «نعم» (٤). الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵄ أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهرا، فنجاها الله فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله ﷺ ، «فأمرها أن تصوم عنها» (٥).

стр. 593

وجه الاستدلال: أن في هذه الأحاديث جواز صوم الولي عن الميت (١). قال البيهقي: "فهذا الحديث قد صح، وهو صريح في جواز الصوم عن الميت، بعيد من التأويل، ومذهب إمامنا الشافعي اتباع السنة بعد ثبوتها، وترك ما يخالفها بعد صحتها. وهذه الأخبار ثابتة، ولا أعلم خلافا بين أهل الحديث في صحتها. فوجب على من سمعها اتباعها، ولا يسعه خلافها" (٢). الدليل السادس: ولأنها عبادة يدخل في جبرانها المال، فصحت فيها النيابة كالحج. ودخول المال في جُبرانها يكون في إلزام المجامِع بالكفارة، وإطعام العاجز عن الصيام (٣). الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه يشرع لأولياء الميت قضاء الصوم عن ميتهم، لكن الصوم لا يجِب على الولي؛ لأن النبي ﷺ شَبَّهه بالدَيْن، ولا يجب على الولي قضاء دين الميت، وإنما يستحب أن يقضى عنه (٤)، خلاف ما رآه الظاهرية, ووافقهم عليه الشيخ المباركفوري من وجوب الصيام على أولياء الميت. وإنما ترجح هذا القول لأمور: الأول: قوة أدلته، حيث جاءت أدلته نصية صريحة في الدلالة على صحة النيابة عن الميت في الصوم وبألفاظ لا تحتمل غير ذلك؛ كقوله ﷺ في حديث عائشة: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه». وفي حديث بريدة ﵁ قوله للمرأة التي سألت عن صوم شهر كان على أمها، وقد ماتت؛ فقال ﷺ : «صومي عنها». الثاني: ضعف ما استدل به أصحاب القول الأول وبيان ذلك كالتالي: أولا: أما استدلالهم بحديث عائشة ﵂ وأنه مصروف عن ظاهره, فيجاب عنه: بأنه صرف لللفظ عن ظاهره بغير دليل (٥).

стр. 594

قال النووي: "وهذا تأويل ضعيف، بل باطل، وأي ضرورة إليه، وأي مانع يمنع من العمل بظاهره، مع تظاهر الأحاديث، مع عدم المعارض لها؟ " (١). ثانيا: وأما استدلالهم بحديث ابن عمر ﵁ والذي فيه: «من مات وعليه صيام شهر، فليطعم عنه مكان كل يوم مسكين» , فيجاب عنه: أنه حديث ضعيف لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ (٢). والمحفوظ أنه مَوْقُوف (٣) على ابن عمر ﵁ فلا يصح الاستدلال به ولو صح، لا يقاوم حديث عائشة ﵂ المتفق عليه (٤). ثالثا: وأما استدلالهم بأثر ابن عمر ﵁ وأنه قال: «لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد»، فيجاب عنه: أنه قد جاء عن ابن عمر ﵁ خلاف ذلك, قال البخاري: وأَمَر ابن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقُبَاء (٥)، فقال: «صلي عنها» (٦). فاختلف قوله، على أنه موقوف أيضا، والحديث الصحيح أولى بالاتباع (٧). رابعا: وأما استدلالهم بأثري عائشة وابن عباس ﵄، فيجاب عنه من وجهين: الأول: أن هذه الآثار فيها مقال، ولا تسلم من الضعف (٨).

стр. 595

الثاني: وعلى فرض صحة هذه الآثار: فالعبرة بما روى الراوي لا بما رآه (١)، وقد روي عن عائشة وابن عباس ﵄ صحة الصوم عن الميت، كما مر معنا في أدلة القول الثاني (٢)، وهو صريح في الرد على المانعين. وأما سبب مخالفة الراوي لما رواه فقد يكون قد نسي ما رواه، أو غير ذلك من الاحتمالات، وإذا تحققت صحة الحديث، لم يُترك المُحقَّق للمظنون (٣). والله أعلم.

стр. 596

المطلب الثاني: ما الصوم الذي يصام عن الميت ؟ . اختيار الشيخ: اختار أنه يقضى عن الميت جميع ما وجب عليه من صيام، فقال عن حديث ابن عباس -الذي فيه صيام النذر-، وحديث عائشة -الذي فيه مطلق الصيام-: "وفيه أنه ليس بين الحديثين تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له. وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة" (١). تحرير المسألة: جاء في المسألة السابقة أن العلماء اختلفوا: هل يقضى الصوم عن الميت أو لا يقضى؟ على قولين، والذين أجازوا قضاء الصوم عن الميت اختلفوا في نوع الصوم الذي يقضى عنه على قولين: القول الأول: يقضى عن الميت جميع ما وجب عليه من صيام، سواء كان قضاء رمضان أو نذر، أو كفارات. وبه قال: الشافعي في القديم (٢) , والظاهرية (٣) , وأبو ثور (٤)، وهو اختيار الشيخ. القول الثاني: يقضى عنه النذر فقط ويطعم عنه في ما سواه. وبه قال: الحنابلة (٥). سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم والله أعلم هو اختلافهم في المقصود من الصوم الذي يقضى عن الميت الوارد في الأحاديث التي ستأتي معنى في الأدلة إن شاء الله. أدلة القول الأول: القائلين بأنه يقضى عن الميت جميع ما وجب عليه من صيام، سواء كان قضاء رمضان أو نذر أو كفارات. الدليل الأول: عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٦).

стр. 597

وجه الاستدلال: في قوله: «وعليه صيام» نكرة في سياق الشرط، فيعُمّ كلّ صيام (١)، من صوم رمضان، أو صوم نذر، أو صوم كفارة، أو غير ذلك (٢). الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها»؟ قال: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى» (٣). وجه الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن النبي ﷺ ذكر هذا الحكم غير مقيد، بعد سؤال السائل مطلقا عن واقعة يحتمل أن يكون وجوب الصوم فيها عن نذر, ويحتمل أن يكون عن غيره؛ لأن النبي ﷺ إذا أجاب بلفظ غير مقيد عن سؤال وقع عن صورة محتملة أن يكون الحكم فيها مختلفا, فيتعين أن يكون الحكم شاملا للصور كلها, وهو ما يعبر عنه في أصول الفقه بقولهم: ترك الاستفصال عن قضايا الأحوال، مع قيام الاحتمال منزل منزلة العموم في المقال. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ علّل قضاء الصوم بعلة عامة للنذر وغيره، وهو كونه عليها, وقاسه على الدين, وهذه العلة -كونها حقا واجبا- لا تختص بالنذر، والحكم يعم بعموم علته (٤). الدليل الثالث: عن بُرَيْدة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم أفأصوم عنها؟ , قال: «نعم» (٥). وجه الاستدلال: أن قول المرأة في الحديث: (وعليها صوم) مطلق يشمل جميع ما وجب عليها من صيام: كرمضان، والنذر، وغير ذلك (٦). أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يقضى عنه النذر فقط ويطعم عنه في ما سواه. يستدل أصحاب هذا القول على مذهبهم من جهتين:

стр. 598

الجهة الأولى: أدلتهم على أن أولياء الميت لا يُشرَع لهم صيام القضاء والكفارات عن ميتهم، وإنما يُطعِمون عنه. وهي نفسها أدلة القائلين بأنه لا يشرع صيام الأولياء عن ميتهم مطلقا وإنما يُطعم عنه وقد تقدّمَت في المسألة السابقة. الجهة الثانية: أدلتهم على جواز صيام النذر عن الميت وهي كالتالي: الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدي ذلك عنها» قالت: نعم؛ قال: «فصومي عن أمك» (١). وجه الاستدلال: أن الحديث جاء نصا صريحا في قضاء صوم النذر عن الميت، فيجب المصير إليه. ويحمل ما جاء مطلقا في الروايات الأخرى على ما جاء مفسرا في هذه الرواية. الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: «إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم أُطعِم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه» (٢). وجه الاستدلال: أن تفصيل ابن عباس ﵄ بأن الإطعام عن الميت يكون في قضاء رمضان، والصيام عنه يكون في النذر، دليل على أن المقصود من الحديث المرفوع صيام النذر عن الميت دون غيره من الواجبات؛ لأن ابن عباس ﵄ هو راوي الحديث وهو أعلم بتأويله (٣). الدليل الثالث: ولأن حديث عائشة ﵂ مطلق وحديث ابن عباس ﵄ مقيد فيحمل عليه، ويكون المراد بالصيام صيام النذر (٤). الدليل الرابع: ولأن النيابة تدخل في العبادة بحسب خفتها، والنذر أخف حكما؛ لكونه لم يجب بأصل الشرع، وإنما أوجبه الناذر على نفسه، ولهذا جازت النيابة في النذر دون غيره (٥).

стр. 599

الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: القاضي بصحة الصيام عن الميت فيما وجب في ذمته، من صوم واجب؛ سواء أكان قضاء من رمضان، أو كفارة، أو نذر؛ وذلك لما يلي: الأول: قوة أدلته، حيث جاءت أدلته نصية صريحة في الدلالة على صحة النيابة عن الميت في الصوم مطلقا، وبألفاظ لا تحتمل غير ذلك؛ نحو قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، وفي حديث ابن عباس ﵄ قوله للرجل الذي سأل عن صوم شهر كان على أمه، وقد ماتت؛ فقال ﷺ : «فدين الله أحق أن يقضى». الثاني: ضعف ما استدل به أصحاب القول الثاني وبيانه كما يلي: أولا: أما قولهم في حديث ابن عباس: إنه جاء نصا صريحا في قضاء صوم النذر عن الميت، فيجب المصير إليه، ويحمل ما جاء مجملا في الروايات الأخرى على ما جاء مفسرا في هذه الرواية، فيجاب عنه: أنهما واقعتان لرجل وامرأة، فهما حديثان مختلفان، لا روايتان لحديث واحد حتى يحمل المجمل على المفسر، فتبقى كل منهما على مدلولها، ولا تقيد الأولى بالثانية، بل تبقى على عمومها (١). ثانيا: وأما قولهم: إن حديث عائشة ﵂ مطلق وحديث ابن عباس ﵄ مقيد، فيحمل عليه، ويكون المراد بالصيام صيام النذر, فيجاب عنه: أنه ليس بين الحديثين تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس ﵄ صورة مستقلة، سأل عنها من وقعت له وهي صيام النذر عن الميت، وهذا من التنصيص على بعض أفراد العام فلا يصلح لتخصيصه ولا لتقييده كما تقرر في الأصول (٢). وأما حديث عائشة ﵂ فهو تقرير لقاعدة عامة، وهي قضاء جميع ما وجب عليه من الصيام (٣). ثالثا: وأما استدلالهم بأثر ابن عباس ﵄، فيجاب عنه:

стр. 600

أن النقل عن ابن عباس ﵄ مضطرب جدا، فقد جاء عنه قوله: «لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد» (١). وجاء أن امرأة جعلت على نفسها مشيا إلى مسجد قباء فماتت ولم تقضه، «فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها أن تمشي عنها» (٢). وجاء في هذا الأثر الذي معنا قوله: «إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات، ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه». قال العَيْني -بعد ذكر هذه الآثار عن ابن عباس ﵄: "قلت: النقل عنه في هذا مضطرب فلا يقوم به حجة لأحد" (٣). والله أعلم.
следующие страницы →