المطلب الثاني: ما الصوم الذي يصام عن الميت ؟ .
اختيار الشيخ: اختار أنه يقضى عن الميت جميع ما وجب عليه من صيام، فقال عن حديث ابن عباس -الذي فيه صيام النذر-، وحديث عائشة -الذي فيه مطلق الصيام-: "وفيه أنه ليس بين الحديثين تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له. وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة" (١).
تحرير المسألة: جاء في المسألة السابقة أن العلماء اختلفوا: هل يقضى الصوم عن الميت أو لا يقضى؟ على قولين، والذين أجازوا قضاء الصوم عن الميت اختلفوا في نوع الصوم الذي يقضى عنه على قولين:
القول الأول: يقضى عن الميت جميع ما وجب عليه من صيام، سواء كان قضاء رمضان أو نذر، أو كفارات.
وبه قال: الشافعي في القديم (٢) , والظاهرية (٣) , وأبو ثور (٤)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: يقضى عنه النذر فقط ويطعم عنه في ما سواه.
وبه قال: الحنابلة (٥).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم والله أعلم هو اختلافهم في المقصود من الصوم الذي يقضى عن الميت الوارد في الأحاديث التي ستأتي معنى في الأدلة إن شاء الله.
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يقضى عن الميت جميع ما وجب عليه من صيام، سواء كان قضاء رمضان أو نذر أو كفارات.
الدليل الأول: عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٦).
стр. 597
وجه الاستدلال: في قوله: «وعليه صيام» نكرة في سياق الشرط، فيعُمّ كلّ صيام (١)، من صوم رمضان، أو صوم نذر، أو صوم كفارة، أو غير ذلك (٢).
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها»؟ قال: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى» (٣).
وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن النبي ﷺ ذكر هذا الحكم غير مقيد، بعد سؤال السائل مطلقا عن واقعة يحتمل أن يكون وجوب الصوم فيها عن نذر, ويحتمل أن يكون عن غيره؛ لأن النبي ﷺ إذا أجاب بلفظ غير مقيد عن سؤال وقع عن صورة محتملة أن يكون الحكم فيها مختلفا, فيتعين أن يكون الحكم شاملا للصور كلها, وهو ما يعبر عنه في أصول الفقه بقولهم: ترك الاستفصال عن قضايا الأحوال، مع قيام الاحتمال منزل منزلة العموم في المقال.
الوجه الثاني: أن النبي ﷺ علّل قضاء الصوم بعلة عامة للنذر وغيره، وهو كونه عليها, وقاسه على الدين, وهذه العلة -كونها حقا واجبا- لا تختص بالنذر، والحكم يعم بعموم علته (٤).
الدليل الثالث: عن بُرَيْدة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم أفأصوم عنها؟ , قال: «نعم» (٥).
وجه الاستدلال: أن قول المرأة في الحديث: (وعليها صوم) مطلق يشمل جميع ما وجب عليها من صيام: كرمضان، والنذر، وغير ذلك (٦).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يقضى عنه النذر فقط ويطعم عنه في ما سواه.
يستدل أصحاب هذا القول على مذهبهم من جهتين:
стр. 598
الجهة الأولى: أدلتهم على أن أولياء الميت لا يُشرَع لهم صيام القضاء والكفارات عن ميتهم، وإنما يُطعِمون عنه. وهي نفسها أدلة القائلين بأنه لا يشرع صيام الأولياء عن ميتهم مطلقا وإنما يُطعم عنه وقد تقدّمَت في المسألة السابقة.
الجهة الثانية: أدلتهم على جواز صيام النذر عن الميت وهي كالتالي:
الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدي ذلك عنها» قالت: نعم؛ قال: «فصومي عن أمك» (١).
وجه الاستدلال: أن الحديث جاء نصا صريحا في قضاء صوم النذر عن الميت، فيجب المصير إليه. ويحمل ما جاء مطلقا في الروايات الأخرى على ما جاء مفسرا في هذه الرواية.
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: «إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصم أُطعِم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه» (٢).
وجه الاستدلال: أن تفصيل ابن عباس ﵄ بأن الإطعام عن الميت يكون في قضاء رمضان، والصيام عنه يكون في النذر، دليل على أن المقصود من الحديث المرفوع صيام النذر عن الميت دون غيره من الواجبات؛ لأن ابن عباس ﵄ هو راوي الحديث وهو أعلم بتأويله (٣).
الدليل الثالث: ولأن حديث عائشة ﵂ مطلق وحديث ابن عباس ﵄ مقيد فيحمل عليه، ويكون المراد بالصيام صيام النذر (٤).
الدليل الرابع: ولأن النيابة تدخل في العبادة بحسب خفتها، والنذر أخف حكما؛ لكونه لم يجب بأصل الشرع، وإنما أوجبه الناذر على نفسه، ولهذا جازت النيابة في النذر دون غيره (٥).
стр. 599
الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: القاضي بصحة الصيام عن الميت فيما وجب في ذمته، من صوم واجب؛ سواء أكان قضاء من رمضان، أو كفارة، أو نذر؛ وذلك لما يلي:
الأول: قوة أدلته، حيث جاءت أدلته نصية صريحة في الدلالة على صحة النيابة عن الميت في الصوم مطلقا، وبألفاظ لا تحتمل غير ذلك؛ نحو قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: «من مات وعليه صوم صام عنه وليه»، وفي حديث ابن عباس ﵄ قوله للرجل الذي سأل عن صوم شهر كان على أمه، وقد ماتت؛ فقال ﷺ : «فدين الله أحق أن يقضى».
الثاني: ضعف ما استدل به أصحاب القول الثاني وبيانه كما يلي:
أولا: أما قولهم في حديث ابن عباس: إنه جاء نصا صريحا في قضاء صوم النذر عن الميت، فيجب المصير إليه، ويحمل ما جاء مجملا في الروايات الأخرى على ما جاء مفسرا في هذه الرواية، فيجاب عنه:
أنهما واقعتان لرجل وامرأة، فهما حديثان مختلفان، لا روايتان لحديث واحد حتى يحمل المجمل على المفسر، فتبقى كل منهما على مدلولها، ولا تقيد الأولى بالثانية، بل تبقى على عمومها (١).
ثانيا: وأما قولهم: إن حديث عائشة ﵂ مطلق وحديث ابن عباس ﵄ مقيد، فيحمل عليه، ويكون المراد بالصيام صيام النذر, فيجاب عنه:
أنه ليس بين الحديثين تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس ﵄ صورة مستقلة، سأل عنها من وقعت له وهي صيام النذر عن الميت، وهذا من التنصيص على بعض أفراد العام فلا يصلح لتخصيصه ولا لتقييده كما تقرر في الأصول (٢).
وأما حديث عائشة ﵂ فهو تقرير لقاعدة عامة، وهي قضاء جميع ما وجب عليه من الصيام (٣).
ثالثا: وأما استدلالهم بأثر ابن عباس ﵄، فيجاب عنه:
стр. 600
أن النقل عن ابن عباس ﵄ مضطرب جدا، فقد جاء عنه قوله: «لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد» (١). وجاء أن امرأة جعلت على نفسها مشيا إلى مسجد قباء فماتت ولم تقضه، «فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها أن تمشي عنها» (٢).
وجاء في هذا الأثر الذي معنا قوله: «إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات، ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه».
قال العَيْني -بعد ذكر هذه الآثار عن ابن عباس ﵄: "قلت: النقل عنه في هذا مضطرب فلا يقوم به حجة لأحد" (٣).
والله أعلم.
стр. 601
المطلب الثالث: حكم قضاء الصوم عن الميت الذي لم يمكنه التدارك .
اختيار الشيخ: اختار قول الجمهور القائلين بأنه لا شيء على الميت الذي لم يمكنه التدارك، فقال: "تنبيه: هذا الاختلاف والتفصيل الذي سبق في الصوم عن الميت إذا فاته شيء بعد إمكان قضائه, وأما من فاته شيء من رمضان قبل إمكان القضاء فلا تدارك ولا إثم" (١).
تحرير المسألة: قد مرّ في المسألتين السابقتين حكم من كان عليه صيام وأمكنه التدارك ثم قَصَّر في ذلك إلى أن مات.
وأما هذه المسألة فهي عن الذي مات قبل أن يمكنه التدارك، كمن اتصل مرضه بموته أو مات في سفره، فماذا على أوليائه؟ . فاختلف فيها العلماء على قولين:
القول الأول: أن من مات قبل إمكان التدارك فليس عليه ولا على أوليائه شيء.
وبه قال: الحنفية (٢) , والشافعية (٣) , والمالكية (٤) , والحنابلة في المذهب (٥)، والظاهرية (٦)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: من مات قبل إمكان التدارك أطعم عنه أولياؤه.
وبه قال: طاوس، وقتادة (٧) , ورواية عن أحمد (٨).
أدلة القول الأول: القائلين بأن من مات قبل إمكان التدارك فليس عليه ولا على أوليائه شيء.
الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ , قال -في الرجل المريض في رمضان فلا يزال مريضا حتى يموت-: «ليس عليه شيء فإن صح فلم يصم حتى مات أطعم عنه كل يوم نصف صاع من حنطة» (٩).
стр. 602
وجه الاستدلال: دل هذا الأثر عن ابن عباس ﵁ أن من مات قبل أن يمكنه التدارك لم يجب على أوليائه شيء.
الدليل الثاني: ولأنه فرض لم يتمكن منه إلى الموت، فسقط حكمه كالحج (١).
قال ابن قدامة: "ولنا: أنه حق لله تعالى، وجب بالشرع، مات من يجب عليه قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل كالحج" (٢).
الدليل الثالث: ولأن وقت أداء الصوم في حقه عدة من أيام أخر بالنص، ولم يدركه؛ فلا يجب عليه شيء (٣).
الدليل الرابع: ولأن المرض لما كان عذرا في إسقاط أداء الصوم في وقته لدفع الحرج، فلأن يكون عذرا في إسقاط القضاء أولى (٤).
الدليل الخامس: ولأنه لم يجب عليه الصوم لا قضاءً ولا أداءً, فلم تجب عليه الكفارة؛ كالمجنون والصبي (٥).
الدليل السادس: وقياسا على من وجبت عليه الزكاة، فتَلِف المال بعد أن حال الحول وقبل التَمَكُّن من الأداء، فلا زكاة عليه (٦).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن من مات قبل إمكان التدارك أطعم عنه أولياؤه.
الدليل الأول: لأنه صوم واجب سقط بالعجز عنه، فوجب الإطعام عنه؛ كالشيخ الكبير إذا ترك الصيام لعجزه عنه (٧).
الدليل الثاني: وقياسا على المريض الذي لا يرجى برؤه، فإنه يُطعِم؛ والميت الذي لم يمكنه التدارك في معناه (٨).
стр. 603
الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: أن من مات قبل إمكان التدارك فليس عليه ولا على أوليائه شيء؛ لصحة أدلته ولوضوحها ولدلالتها على المطلوب.
ولأن تكليف ما لا يطيقه العبد الطاقة المعروفة غير واقع في الشرائع, فالتكليف في العبادة لا بد فيه من القدرة في الحال والمآل, وأما مع انتفائهما فمحال (١).
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنهبما يلي:
أولا: أما قولهم: إنه صوم واجب سقط بالعجز عنه، فوجب الإطعام عنه؛ كالشيخ الكبير إذا ترك الصيام لعجزه عنه، فيجاب عنه:
بأنه قياس مع الفارق؛ فإن الشيخ الكبير حيٌّ مِن أهل التكليف، وقد تَوجَّه إليه الإطعام ابتداءً عوضا عن الصوم؛ لمّا لم يَقدِر عليه، فذِمَّتُه مشغولة به، بخلاف الميت، فإنه لا يصح ابتداء الوجوب عليه (٢).
ثانيا: وأما قولهم: قياسا على المريض الذي لا يرجى برؤه، فإنه يطعم والميت الذي لم يمكنه التدارك في معناه، فيجاب عنه:
أن المريض الميئوس منه قد عزم على الفطر في الحال والمآل, ولهذا لم يجب الصوم في ذمته, ولا يجب عليه القضاء البتة, ولا بد من البدل, وهو الفدية. وأما المريض المَرجوّ برؤه، والمسافر، والحائض، -ممن فَجَأَهم الموت قبل التدارك- فقد كانوا قد عزموا على القضاء بشرط القدرة, فلا يُجمَع عليهم واجبان على سبيل البدل (٣). والله أعلم.
стр. 604
المبحث الثالث: في ليلة القدر
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في تعيين ليلة القدر.
المطلب الثاني: هل ليلة القدر خاصة بهذه الأمة؟ .
стр. 605
المطلب الأول: في تعيين ليلة القَدْر (١).
اختيار الشيخ: اختار أن ليلة القدر تكون في أوتار العشر الأخير من رمضان، وأنها تنتقل، فقال: "إنها في أوتار العشر الأخير وإنها تنتقل، وعليه يدل حديث عائشة الآتي وغيرها, وهو أرجح الأقوال" (٢).
وقال أيضا: "وقد تقرر أنها تنتقل وتتقدم، وتتأخر في أوتار ليالي العشر في السنين المختلفة" (٣).
تحرير محل الخلاف: جاء في التنزيل أن القرآن الكريم أُزل في ليلة القدر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٤). وأجمع أهل العلم أن ليلة القدر باقية إلى يوم القيامة (٥).
واختلفوا في تعيينها اختلافا كثيرا فقد ذكر الحافظ ابن حجر في ذلك أكثر من أربعين قولا (٦). وقد حاولت أن أجمع شتات شملها، وأذكر ما اشتهر من الأقوال في تعيينها، فكانت ستة أقوال على النحو التالي:
القول الأول: أن ليلة القدر مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه.
وهو قول: أبي حنيفة (٧) , ورواية عند المالكية (٨). وحُكِي عن ابن عمر (٩) ﵁, والحسن البصري (١٠).
стр. 606
القول الثاني: أنها ليلة الحادي والعشرين من رمضان.
وهو: قول للشافعي مال إليه (١). جاء عن: علي بن أبي طالب (٢) ﵁.
القول الثالث: أنها ليلة الثالث والعشرين من رمضان.
وهو قول آخر: للشافعي (٣). وقال به جمع من الصحابة: كعائشة, وابن عباس, وعبد الله بن أُنَيس (٤)، ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ (٥).
القول الرابع: أنها ليلة أربع وعشرين من رمضان.
وهو مَحكيّ عن: ابن عباس (٦) ﵁, والحسن البصري (٧).
القول الخامس: أنها ليلة سبع وعشرين من رمضان.
وهي رواية عند: الحنفية عليها قول العامة (٨).
وقال به من الصحابة: عمر بن الخطاب، وحذيفة (٩) , وأُبَيّ بن كَعْب (١٠) ﵃ (١١).
стр. 607
القول السادس: أنها في أوتار العشر الأخير من رمضان تنتقل.
وبه قال: المالكية في المشهور (١) , والشافعية في وجه (٢) , والحنابلة (٣)، والظاهرية (٤)، وهو اختيار الشيخ.
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم في هذه المسألة -والله أعلم-: اختلاف الأحاديث والآثار الواردة فيها، واختلافهم في المراد منها.
أدلة القول الأول: القائلين بأن ليلة القدر مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه.
الدليل الأول: قوله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٥)، وقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٦).
وجه الاستدلال من الآيتين: أن الله جعل أيام وليالي شهر رمضان محلا عاما لنزول القرآن، ثم ذكر أن وقت إنزاله كان في ليلة القدر منه، فعلمنا أنها ليلة من شهر رمضان غير معينة (٧).
الدليل الثاني: عن ابن عمر ﵄، قال: سئل رسول الله ﷺ وأنا أسمع عن ليلة القدر، فقال: «هي في كل رمضان» (٨).
стр. 608
وجه الاستدلال: جاء في هذا الحديث أن ليلة القدر في كل رمضان، وهو دليل على أنها قد تكون في أوله, وفي وسطه, كما قد تكون في آخره (١).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنها ليلة الحادي والعشرين من رمضان.
عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: إن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، في قُبَّة تُرْكِيَّةٍ (٢) على سُدَّتِهَا حَصِيرٌ (٣)، قال: فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة، ثم أطلع رأسه فكلم الناس، فدنوا منه، فقال: «إني اعتكفت العشر الأول، ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العشر الأوسط، ثم أتيت، فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف» فاعتكف الناس معه، قال: «وإني أريتها ليلة وتر، وإني أسجد صبيحتها في طين وماء» فأصبح من ليلة إحدى وعشرين، وقد قام إلى الصبح، فمطرت السماء، فَوَكَفَ المسجد (٤)، فأبصرتُ الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح، وجبينه ورَوْثَةُ أَنْفِهِ (٥) فيهما الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر (٦).
وجه الاستدلال: هذا الحديث صريح في أن ليلة القدر كانت ليلة الحادي والعشرين من رمضان.
أدلة القول الثالث: القائلين بأنها ليلة الثالث والعشرين من رمضان.
الدليل الأول: عن عبد الله بن أُنَيْس ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «أُريتُ ليلة القدر، ثم أُنْسيتُها، وأراني صبحها أسجد في ماء وطين» , قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا
стр. 609
رسول الله ﷺ ، فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه, قال: وكان عبد الله بن أُنَيس يقول: ثلاث وعشرين (١).
الدليل الثاني: عن عبد الله بن أُنَيس ﵁، أن النبي ﷺ قال لهم، وسألوه عن ليلة يتراءونها في رمضان؟ قال: «ليلة ثلاث وعشرين» (٢).
وجه الاستدلال: أن هذه الأحاديث صريحة في كون ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين.
الدليل الثالث: قال ابن عباس ﵄: «أتيت، وأنا نائم في رمضان، فقيل لي: إن الليلة ليلة القدر، قال: فقمت، وأنا ناعس، فتعلقت ببعض أَطْنَابَ (٣) فُسْطَاط رسول الله ﷺ ، فأتيت رسول الله ﷺ ، فإذا هو يصلي, قال: فنظرت في تلك الليلة، فإذا هي ليلة ثلاث وعشرين» (٤).
أدلة القول الرابع: القائلين بأنها ليلة أربع وعشرين من رمضان.
الدليل الأول: عن بلال ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليلة القدر ليلة أربع وعشرين» (٥).
وجه الاستدلال: أن هذا الحديث صريح في كون ليلة القد هي لية أربع وعشرين.
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄: «"التمسوا في أربع وعشرين» (٦).
وجه الاستدلال: أن كلام ابن عباس ﵁ هذا أتى بعد أن ذكر قوله ﷺ : «هي في العشر الأواخر، هي في تسع يمضين، أو في سبع يبقين» يعني ليلة القدر (٧).
فيكون كلامه هذا تفسيرا لقوله ﷺ : «في سبع يبقين». أي: التمسوها ليلة أربع وعشرين (٨).
стр. 610
أدلة القول الخامس: القائلين بأنها ليلة سبع وعشرين من رمضان.
الدليل الأول: عن زِرّ بن حُبَيْش، قال: سألت أُبَيّ بن كعب ﵁، فقلت: إن أخاك ابن مسعود ﵁ يقول: «من يقم الحول يُصِبْ ليلة القدر»؟ . فقال: أراد أن لا يتكل الناس، أَمَا إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حَلَف لا يستثني، أنها ليلة سبع وعشرين، فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ ، قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ : «أنها تطلع يومئذ، لا شعاع لها» (١).
الدليل الثاني: عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين»، وقال: «تحروها ليلة سبع وعشرين» يعني ليلة القدر (٢).
الدليل الثالث: عن معاوية بن أبي سفيان ﵁، عن النبي ﷺ في ليلة القدر, قال: «ليلة القدر ليلة سبع وعشرين» (٣).
الدليل الرابع: عن جابر بن سَمُرة (٤) ﵁ مرفوعا: «التمسوا ليلة القدر ليلة سبع وعشرين» (٥).
أدلة القول السادس: القائلين بأنها في أوتار العشر الأخير من رمضان تنتقل.
стр. 611
الدليل الأول: عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ ، قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» (١).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ جعل التماس ليلة القدر في الأوتار من العشر الأواخر؛ ولم يُعَيِّن ليلة بعينها؛ فدل على أنها متنقلة بينها (٢).
الدليل الثاني: عن عُبادة بن الصَّامِت (٣) ﵁ أنه: سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر, فقال رسول الله ﷺ : «في رمضان فالتمسوها في العشر الأواخر، فإنها في وتر: في إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين، أو في آخر ليلة. فمن قامها ابتغاءها إيمانا واحتسابا، ثم وُفِّقت له غُفِر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» (٤).
وجه الاستدلال: دل هذا الحديث على أن ليلة القدر تكون في الأوتار من ليالي العشر، وأن عد ليالي الأوتار يكون من أول العشر لا من آخرها.
الدليل الثالث: عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ ، قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى» (٥).
الدليل الرابع: عن أبي بَكْرَة (٦) ﵁، وذُكِرت ليلة القدر عنده، فقال: ما أنا بطالبها إلا في العشر الأواخر بعد شيء سمعته من رسول الله ﷺ ، سمعته يقول: «التمسوها في العشر
стр. 612
الأواخر من تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث يبقين، أو آخر ليلة» (١).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث رد على من قال إن ليلة القدر كانت في العشر الأواخر في عهده ﷺ فقط, أما بعد موته فتُلتمس في جميع الشهر؛ لأن أبا بَكْرَة ﵁ فهم أنها لا تُلتَمَس إلا في العشر الأواخر في حياته وبعد وفاته ﷺ .
الدليل الخامس: عن ابن عمر ﵄ أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ ، أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ : «أرى رؤياكم قد تَوَاطَأَتْ (٢) في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» (٣).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث رَدّ على من قيَّدها بليلة الحادي والعشرين دون غيرها من ليالي العشر الأخيرة؛ لأن ليلة الحادي والعشرين ليست من السبع الأواخر يقينا.
وتَقييدُه ﷺ في هذا الحديث- بالسبع الأواخر مع أنه قد جاء الحَثّ على تحريها في العشر الأواخر، وفي الأوتار منها، المقصود منه: تَحرّيها في ذلك العام بخصوصه، والدليل قوله: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر»، فعَيَّن لهم تَحرّيها في السبع الأواخر؛ لمّا اجتمعت رؤاهم تلك السَنة عليها.
قال ابن عبد البر: "والأغلب من قوله: «في السبع الأواخر» أنه في ذلك العام والله أعلم؛ لئلا يتضاد مع قوله: «في العشر الأواخر» ويكون قَوْلُه (٤)، وقد مضى مِن الشهر ما يوجِب قَولَ ذلك" (٥).
стр. 613
الدليل السابع: وجمعا بين الأحاديث الواردة في الباب.
قال ابن العربي: "وفي الحديث دليل على أنها متنقلة غير مخصوصة بليلة؛ لأن رؤيا النبي ﷺ خرجت في صبيحة ليلة إحدى وعشرين من رمضان، وعلى جسمه وأنفه أثر الماء والطين. واستفتاه رجل ليختار له عند عجزه عن عموم الجميع، فاختار له ليلة ثلاث وعشرين. فدل ذلك أنها تنتقل؛ وما كان رسول الله ﷺ ليبخس السائل حظَّه منها" (١).
وقال النووي: "ولا طريق إلى الجمع بين الأحاديث إلا بانتقالها" (٢).
الراجح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول السادس: أن ليلة القدر منحصرة في رمضان, ثم في العشر الأخير منه, ثم في أوتاره تنتقل، لا في ليلة منه بعينها.
وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار الواردة فيها (٣).
وأما ما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلال أصحاب القول الأول بالآيتين على أن ليلة القدر تكون في جميع شهر رمضان غير مُسَلَّم؛ خاصة مع وجود هذا الكم الكبير من الأحاديث التي نصت على تعيين ليلة القدر, وأنها منحصرة في العشر الأواخر، فالآيات جاءت عامة، والأحاديث جاءت خاصة، والخاص مقدم على العام.
ثانيا: وأما استدلالهم بحديث ابن عمر ¢، فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن هذا الحديث ضعيف لا يقاوم الأحاديث الكثيرة الصحيحة التي نصت على أن ليلة القدر تُلتمس في العشر الأواخر.
الثاني: وعلى فرض صحته: فليس المعنى فيه التماس ليلة القدر في جميع رمضان, بل المعنى والله أعلم أن ليلة القدر تكون في كل رمضان إلى يوم القيامة، وأنها باقية لم تُرفَع (٤).
قال العراقي: "قلت: والحديث محتمل للتأويل بأن يكون معناه أنها تتكرر وتوجد في كل سنة في رمضان، لا أنها وجدت مرة في الدهر، فلا يكون فيه دليل لهذا القول" (٥).
стр. 614
ثالثا: وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني من أن ليلة القدر لا تكون إلا في ليلة الحادي والعشرين من رمضان، فيجاب عنه:
أن ليلة القدر كانت في تلك السنة ليلة الحادي والعشرين، لكن لا يعني أنها لا تنتقل, والدليل قوله ﷺ : «فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر»، وليلة الحادي والعشرين ليست من السبع الأواخر يقينا.
وأيضا: الأحاديث التي سيقت في بيان كونها ليلة الثالث والعشرين, والسابع والعشرين, كلها تدل على عدم لزوم كونها في ليلة الحادي والعشرين دون غيرها (١).
وبهذا الجواب الأخير نفسه يجاب عن أصحاب القول الثالث القائلين بأنها ليلة الثالث والعشرين دون غيرها، وأصحاب القول الخامس القائلين بأنها ليلة السابع والعشرين دون غيرها.
قال ابن عبد البر: "في ليلة إحدى وعشرين حديث أبي سعيد الخدري من رواية مالك وغيره, وفي ليلة ثلاث وعشرين حديث عبد الله بن أنيس الجهني وقد تقدم ذكره, وفي ليلة سبع وعشرين حديث أبي بن كعب وحديث معاوية, وهي كلها صحاح تدل على انتقال ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر" (٢).
رابعا: وأما ما استدل به أصحاب القول الثالث بأنها ليلة الرابع والعشرين, فيجاب عنه:
أما حديث بلال ﵁ فهو ضعيف ولا يصح الاستدلال به. وقد جاء ما يخالفه وهو ما صح عن بلال ﵁ أنه سئل عن ليلة القدر فقال: «أنها في السبع، في العشر الأواخر» (٣).
كما أنه قد جاء عنه أيضا: «أنها ليلة ثلاث وعشرين» (٤).
وأما قول ابن عباس: «التمسوا في أربع وعشرين»، فيجاب عنه من ثلاثة أوجه:
الأول: لا يُسَلَّم أن كلام ابن عباس ¢ هذا تفسير منه للحديث، بل هو أثر مستقل أتى به البخاري (معلَقا) (٥)، وليس هو من الأحاديث المُسنَدة في صحيحه (٦).
стр. 615
الثاني: أن يكون تقدير كلامه ¢: التمسوها في تمام أربعة وعشرين يوما, وهي ليلة الخامس والعشرين (١).
وبهذا يتوافق مع القول بأنها تكون في أوتار العشر الأواخر.
الثالث: قد جاءت الروايات الصحيحة عن ابن عباس ﵄ أنها ليلة الثالث والعشرين والسابع والعشرين، وإعمال ما جاء عنه من روايات كلها أولى من إعمال إحداها وإهمال الباقي, خاصة وأن مجموع ما جاء عنه يتوافق مع ما ثبت عن الرسول ﷺ من قوله: «تحروا ليلة القدر في الوتر، من العشر الأواخر من رمضان».
والله تعالى أعلم.
стр. 616
المطلب الثاني: هل ليلة القدر خاصة بهذه الأمة ؟ .
اختيار الشيخ: اختار قول الجمهور القائلين بأن ليلة القدر اختص الله بها هذه الأمة دون باقي الأمم، فقال: "قلت: وأثر الموطأ المذكور (١) يدل على أن إعطاء ليلة القدر كان تسلية لهذه الأمة القصيرة الأعمار، ويشهد لذلك روايات أخرى مرسلة" (٢).
اختلف أهل العلم هل ليلة القدر ليلة اختص الله بها أمة محمد ﷺ أو كانت في الأمم السابقة، على قولين:
القول الأول: هي مختصة بأمة محمد ﷺ .
وبه قال جمهور أهل العلم من: الحنفية (٣)، والمالكية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة (٦)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: أن ليلة القدر ليست مختصة بأمة محمد ﷺ بل كانت في الأمم قبلنا.
وبه قال: بعض أهل العلم (٧)، وبدر الدين العيني من الحنفية (٨) ,والحافظ ابن كثير (٩) , وابن حجر العسقلاني (١٠) , وأحمد القسطلاني (١١) من الشافعية.
أدلة القول الأول: القائلين هي مختصة بأمة محمد ﷺ .
الدليل الأول: عن الإمام مالك، أنه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: «إن رسول الله ﷺ أُري أعمار الناس قبله, أو ما شاء الله من ذلك. فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا
стр. 617
يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، خير من ألف شهر» (١).
وجه الاستدلال: أن الحديث صريح في أن ليلة القدر قد أُعطيَها النبي ﷺ لأمته.
قال ابن عبد البر: "وفيه من وجوه العلم: أن ليلة القدر لم يُعْطَها إلا محمد وأمته ﷺ " (٢).
وقال الباجي: "فتفضل الله ﵎ على هذه الأمة بليلة القدر، وهي تقتضي اختصاص هذه الأمة بهذه الليلة" (٣).
الدليل الثاني: عن مجاهد، «أن النبي ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر, قال: فعجب المسلمون من ذلك, قال: فأنزل الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ التي لبس فيها ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر» (٤).
وجه الاستدلال: في هذا الأثر دلالة على أن ليلة القدر خاصة بهذه الأمة ولم تكن لمن كان قبلهم؛ ويؤيده سبب نزول سورة ليلة القدر حيث كانت تسلية لهذه الأمة القصيرة العمر (٥).
الدليل الثالث: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى وهب لأمتي ليلة القدر، ولم يعطها من كان قبلهم» (٦).
стр. 618
وجه الاستدلال: أن الله قد وهب لأمة محمد ﷺ ليلة القدر المذكورة في القرآن, ولم يعطها من كان قبلهم من الأمم المتقدمة, فهذا صريح في أنها من خصوصياتها (١).
أدلة القول الثاني: القائلين أن ليلة القدر ليست مختصة بأمة محمد ﷺ بل كانت في الأمم قبلنا.
عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر, أفي رمضان هي، أو في غيره؟ قال: «بل هي في رمضان» قال: قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت، أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: «بل هي إلى يوم القيامة» (٢).
وفي لفظ: قلت: يا رسول الله ليلة القدر أنزلت على الأنبياء بوحي إليهم فيها، ثم ترجع؟ فقال: «بل هي إلى يوم القيامة» (٣).
وجه الاستدلال: أن وجود ليلة القدر مع الأنبياء -كما جاء في الحديث- صريح في أنها غير مختصة بهذه الأمة، وأنها كانت في الأمم الماضين كما هي في أمتنا (٤).
الترجيح: بعد عرض أدلة القولين يظهر جليا أنه ليس في أدلة القولين دليل صحيح من جهة الإسناد، لكن ما استدل به أصحاب القول الأول أن ليلة القدر خاصة بأمة محمد ﷺ وهو بَلَاغ (٥) الإمام مالك الذي رواه عن الثقات من أهل العلم, مع مُرْسَل (٦) مجاهد, يجعل لهذا القول قوة.
стр. 619
أضف إلى ذلك ضعف ما استدل به أصحاب القول الثاني. وعلى التسليم بصحة ما استدلوا به فهو لا يدل على أن ليلة القدر كانت في الأمم السابقة, بل كان مراد أبي ذر ﵁ والله أعلم- السؤال: هل تختص ليلة القدر بزمن النبي ﷺ ثم ترفع بعد موته، أم هي باقية؟ . لقرينة مقابلته ذلك بقوله: «أم هي إلى يوم القيامة» (١).
ولعل ذلك لأن بعض الناس زعم أن ليلة القدر سترفع بعد النبي ﷺ ، وقد قيل لأبي هريرة ﵁: زعموا أن ليلة القدر قد رُفِعت, قال ﵁: «كَذَبَ من قال كذلك؟ »، فقيل له: فهي في كل شهر رمضان أستقبِله؟ قال ¢: «نعم» (٢).
وبهذا فلا معارضة بين حديث أبي ذر ¢ وبين حديث الموطأ. والله أعلم.
стр. 620
الفصل الثاني: في الاعتكاف
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في حكمه، واشتراط الصوم له، وغير ذلك.
المبحث الثاني: في مكان الاعتكاف.
стр. 621
المبحث الأول: في حكمه، واشتراط الصوم له، وغير ذلك
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: حكم الاعتكاف.
المطلب الثاني: هل يشترط الصوم لصحة الاعتكاف؟ .
المطلب الثالث: هل لأقل الاعتكاف حد؟ .
المطلب الرابع: هل ينقطع اعتكاف من عاد مريضا أو صلى جنازة؟ .
المطلب الخامس: هل يجوز الاشتراط في الاعتكاف؟ .
المطلب السادس: حكم من نذر الاعتكاف قبل إسلامه.
المطلب السابع: متى يدخل المعتكف معتكفه؟ .
المطلب الثامن: حكم قضاء الاعتكاف.
стр. 622
المطلب الأول: حكم (الاعتكاف) (١).
اختيار الشيخ: اختار أن الاعتكاف سنة, ويكون سنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان، فقال: "وفي الحديث دليل على أن الاعتكاف لم ينسخ, وأنه من السنن المؤكدة في العشر الأواخر من رمضان" (٢).
وقال في موطن آخر: "وفيه دليل على أن الاعتكاف لا يختص بالعشر الأخير وإن كان هو فيه أفضل" (٣).
تحرير محل الخلاف: أجمع أهل العلم أن الاعتكاف لا يجب على المكلف إلا إذا أوجبه على نفسه بالنذر (٤).
واختلفوا في من أراد أن يتطوع باعتكاف العشر الأواخر من رمضان أو غيرها على قولين:
القول الأول: يسن الاعتكاف, وهو آكد في العشر الأواخر من رمضان.
وبه قال: الحنفية (٥) , والمالكية في المذهب (٦) , والشافعية (٧) , والحنابلة (٨)، والظاهرية (٩)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: يُكره الدخول في الاعتكاف مخافة أن لا يوفي شرطه.
стр. 623
ونقل ذلك عن: الإمام مالك (١).
سبب الخلاف: اختلافهم في اعتكافه ﷺ : هل يدُلّ على أنه سنة مستحبة لمن بعده، أو يَدلّ على مطلق الجواز؟ .
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يسن الاعتكاف, وهو آكد في العشر الأواخر من رمضان.
الدليل الأول: قوله : ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٢). وقوله : ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣).
وجه الاستدلال: أن إضافة الاعتكاف إلى المساجد التي هي الأماكن المختصة بالقُرَب، وترك ما يباح للمرء مِن الجِماع من أجل القيام به؛ دليل على أن هذا الفعل قُرْبة مستحبة (٤).
الدليل الثاني: عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ ، كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده» (٥).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث دليل على أن الاعتكاف سنة، ويتأكد في العشر الأواخر من رمضان؛ لمواظبة النبي ﷺ عليه، وأزواجه من بعده (٦).
الدليل الثالث: عن أبي هريرة ﵁، قال: «كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يوما» (٧).
وجه الاستدلال: في الحديث دليل على أن الاعتكاف في رمضان من السنن المؤكدة؛ لأنه مما واظب عليه النبي ﷺ , وقد أُكِّد فعله ﷺ بلفظة (كان) التي تفيد الاستمرار. فينبغي للمؤمنين الاقتداء بسنة نبيهم في ذلك، وقد قال ابن شهاب الزهري: «عجبا للمسلمين تركوا
стр. 624
الاعتكاف، وإن النبي ﷺ لم يتركه منذ دخل المدينة كل عام في العشر الأواخر حتى قبضه الله» (١).
الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال في المعتكف: «هو يُكَفِّر الذنوب، ويُجرى له من الحسنات كعامل الحسنات كلها» (٢).
وجه الاستدلال: في الحديث أن للمعتكف -الذي يفرغ نفسه للاعتكاف, ويبتعد عن الذنوب- من الأجر كعامل الحسنات كلها، وهذا أجر عظيم وفضل جسيم، يدل على فضل الاعتكاف (٣).
قال ابن تيمية: "وهو كما قال رسول الله ﷺ ؛ فإن المعتكِف قد حَبَس الذنوب ووقفها, وامتنع منها؛ فلا تَخْلُص إليه، وقد تهيأ لجميع العبادات" (٤).
الدليل الخامس: ولأن في الاعتكاف من القُرَب، والمُكْث في بيت الله, وحبس النفس على عبادة الله, وإخلاء القلب من الشواغل عن ذكر الله, والتَخَلّي لأنواع العبادات المحضة من: التفكر، وذكر الله، وقراءة القرآن، والصلاة، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، إلى غير ذلك من أنواع القُرَب (٥).
قال عطاء: «إن مَثَل المعتكف مَثَل المجرم ألقى نفسه بين يدي الرحمن، فقال: والله لا أبرح حتى ترحمني» (٦).
والمعتكف يجلس في بيت الله تعالى، ويقول: لا أبرح حتى يغفر لي فهو أشرف الأعمال إذا كان عن إخلاص (٧).
стр. 625
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يكره الدخول في الاعتكاف مخافة أن لا يوفي شرطه.
الدليل الأول: ترك السلف الاعتكاف دليل على أنه ليس من القرب المرغب فيها.
قال الإمام مالك: "ولم يبلغني أن أحدا من السلف اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (١)، وليس بحرام، ولا أراهم تركوه إلا لشدته عليهم؛ لأن ليله ونهاره سواء" (٢).
الدليل الثاني: أنه من خصائص النبي ﷺ , أي: كونه قربة, أما في حق غيره فمكروه مثل الوصال.
قال الإمام مالك: "ما زلت أفكر في ترك الصحابة الاعتكاف، وقد اعتكف النبي ﷺ حتى قبضه الله سبحانه، وهم أتبع الناس لأموره وآثاره، حتى أخذ بنفسي أنه كالوصال الذي نهى عنه النبي ﷺ ، فقيل له: إنك تواصل، فقال: «إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» (٣). وليس الاعتكاف بحرام" (٤).
الدليل الثالث: أن الإمام مالك منع الاعتكاف لأنه يرى أن قراءة العلم وتعليمه قربة لا تعدلها قربة، والمعتكف عنده ممنوع من قراءة العلم وتعليمه (٥).
قال ابن عبد البر: "قال مالك لا يشتمل المعتكف في مجالس أهل العلم ولا يكتب العلم" (٦)؛ لأنه من أسباب الدنيا، ولا يجوز له عند الإمام مالك أن يعمل من الدنيا إلا ضرورة الآدمية، وهي: الطعام، والشراب، ومآله. وقصر الاعتكاف على الذكر المجرد: كالصلاة، وقراءة القرآن، وذكر الله تعالى (٧).
стр. 626
قال ابن العربي: "ومَنَعَه مالك (يعني الاعتكاف) تَفَطُّنا لهذه الدقيقة من قراءة العلم؛ لأنه من أسباب الدنيا، وقَصَرَه على الذكر المجرد" (١).
الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: أن الاعتكاف سُنَّة، وهو آكد في العشر الأواخر من رمضان؛ لأن النبي ﷺ كان يواظب على الاعتكاف كما مر معنا في الأدلة، وما واظب عليه ﷺ فهو سنة ولا شك، واعتكاف أزواجه ﵅ من بعده دليل على أنه من السنن المؤكدة.
وأما ما استُدلّ به لأصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما قول الإمام مالك: "ولم يبلغني أن أحدا من السلف اعتكف إلا أبا بكر بن عبد الرحمن"، فالظاهر أن الإمام مالك يقصد اعتكافا معينا بصفات وشروط معينة، لا نفي مُطلق الاعتكاف.
قال الحافظ ابن حجر: "وكأنه أراد صفة مخصوصة، وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة" (٢).
والذي يظهر أن ما فهمه الحافظ هو مقصود الإمام مالك؛ لأنه كان يرى أن للاعتكاف شروطا لا يستطيعها كل أحد، من وجوب قضائه إذا قطعه وإن كان نفلا، وترك المعتكف طلب العلم وإقرائه، وشهود الجنائز، وعيادة المرضى، وغير ذلك مما سيأتي معنا إن شاء الله في المسائل التالية (٣).
قال ابن العربي: "والاعتكاف شرط شديد، لا يَقدِر عليه إلا من له عزم من الناس" (٤).
وعليه فإن الإمام مالك لا يرى الاعتكاف لمن رأى من نفسه عدم القدرة على الإتيان بشروطه, لا أنه كرهه مطلقا، بل جاء عنه ما يدُلّ على أنه يرى أن الاعتكاف قربة مستحبة.
стр. 627
قال ابن القاسم -في من منزله على أميال من الفسطاط-: أَيَعْتَكِفُ في مسجد قريته، وهو لا يُجمَع فيه وهو يأتي الفسطاط لصلاة الجمعة؟ . قال الإمام مالك: "اعتِكافُه في قريته أَحَبُّ إلي من صلاة الجمعة بالفسطاط" (١).
فيكون أصل الاعتكاف عند الإمام مالك قُربَة مستحبة، إلا أنه -لشدة ورعه- لا يرى للإنسان أن يدخل في قُربة من القُرب ثم يخل بها، وهذا ما رآه.
ثانيا: وأما قياس الاعتكاف على الوصال, فيجاب عنه:
أنه بعيد جدا؛ لأن النصوص جاءت صريحة في نهي الصحابة عن الوصال، وكونه قربة مستحبة في حقه، كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم» فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله، قال: «وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقين» (٢). وغيرها من النصوص التي مرت في مسألة الوصال.
أما في الاعتكاف فقد رغب النبي ﷺ صحابته فيه كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري
﵁، حيث قال: اعتكف رسول الله ﷺ عشر الأول من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل، فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط، فاعتكفنا معه, فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، فقام النبي ﷺ خطيبا صبيحة عشرين من رمضان فقال: «مَن كان اعتكف مع النبي ﷺ ، فليرجع، فإني أُريت ليلة القدر، وإني نسيتها، وإنها في العشر الأواخر، في وتر» (٣).
وفي رواية: «فمن كان اعتكف معي فليثبت في معتكفه» (٤).
ثالثا: وأما مَنعُ الإمام مالك الاعتكاف من أجل أن المُعتكِف سيترك -بسبب اعتكافه- قراءة العلم وإقرائه؛ لأنه من أسباب الدنيا، فيجاب عنه:
أن الصحيح أن المُعتكِف لا يترك قراءة العلم ولا إقرائه.
стр. 628
قال ابن العربي: "وقال غيره (١) من العلماء: يقرأ العلم إذا أخلصت له النية لله تعالى، وبه أقول" (٢).
والله أعلم.
стр. 629
المطلب الثاني: هل يشترط الصوم لصحة الاعتكاف ؟ .
اختيار الشيخ: اختار أن الصيام ليس شرطا في الاعتكاف، فقال: "فعدم اشتراط الصوم هو الحق" (١).
اختلف أهل العلم في صحة الاعتكاف بغير صوم على قولين:
القول الأول: لا يصح الاعتكاف بغير صوم.
وهو قول: الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية في قول (٤)، والحنابلة في رواية (٥).
القول الثاني: يصح الاعتكاف بغير صوم.
وبه قال: الشافعية في المذهب (٦) , والحنابلة في المذهب (٧)، والظاهرية (٨)، وهو اختيار الشيخ.
سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم: أن اعتكاف رسول الله ﷺ إنما وقع في رمضان، فمن رأى أن الصوم المقترن باعتكافه هو شرط في الاعتكاف -وإن لم يكن الصوم للاعتكاف نفسه- قال: لا بد من الصوم مع الاعتكاف، ومن رأى أنه إنما اتفق ذلك اتفاقا لا على أن ذلك كان مقصودا له ﷺ في الاعتكاف, قال: ليس الصوم من شرطه. ولذلك سبب آخر وهو اقترانه مع الصوم في آية واحدة" (٩).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا يصح الاعتكاف بغير صوم.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١٠).
стр. 630
وجه الاستدلال: أن الله تعالى إنما ذكر الاعتكاف مع الصيام، فدل على أنه مقصور على الصائمين دون غيرهم، فيفيد أنه لا اعتكاف إلا به، وأنه شرط لصحته (١).
الدليل الثاني: عن عائشة ﵂؛ أن نبي الله ﷺ قال: «لا اعتكاف إلا بصيام» (٢).
وجه الاستدلال: في الحديث نفي لوجود اعتكاف شرعي دون صيام، فيكون الصيام شرطا لصحة الاعتكاف (٣).
الدليل الثالث: عن عائشة ﵂؛ أنها قالت: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع» (٤).
وفي رواية: «والسنة في المعتكف أن لا يخرج إلا للحاجة التي لا بد منها، ولا يعود مريضا، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، والسنة فيمن اعتكف أن يصوم» (٥).
وجه الاستدلال: دل الحديث على اشتراط الصوم للاعتكاف (٦)؛ وذلك في قولها: «السنة على المعتكف»، أن معناه: الدين والشرع والطريقة اللازمة للمعتكف (٧) هو ما ذُكر في الحديث،
стр. 631
فأرادت عائشة ﵂ بذلك إضافة هذه الأمور إلى النبي ﷺ قولا أو فعلا، فهي نصوص لا يجوز خلافها (١).
ومما ذُكِر في الحديث: «ولا اعتكاف إلا بصوم».
الدليل الرابع: أنه ﷺ لم يعتكف إلا وهو صائم، فدل هذا من فعله على أن الاعتكاف لا يصح إلا بصوم (٢).
قال ابن القيم: "ولم يُنقَل عن النبي ﷺ أنه اعتكف مفطرا قط، ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسول الله ﷺ إلا مع الصوم" (٣).
الدليل الخامس: عن عائشة ﵂ قالت: «من اعتكف فعليه الصوم» (٤).
الدليل السادس: عن ابن عباس ﵄ قال: «من اعتكف فعليه الصوم» (٥).
وفي رواية: «لا اعتكاف إلا بصوم» (٦).
الدليل السابع: عن علي ﵁ قال: «لا اعتكاف إلا بصوم» (٧).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يصح الاعتكاف بغير صوم.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٨).
стр. 632
وجه الاستدلال: دلت الآية على أن المُقام في بيت الله، هو العُكوف فيه، من غير شرط, وأن العُكوف عبادة بنفسه؛ كما أنَّ الطواف والركوع والسجود عبادات بنفسها (١).
الدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي ﷺ : «أوف نَذرَك» , فاعتكَفَ ليلة (٢).
وجه الاستدلال: في الحديث جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأن النبي ﷺ أمر عمر ¢ بأن يفيَ بنذره وهو اعتكاف ليلةٍ؛ والليل ليس ظرفا للصوم، فدل على أن الصوم ليس شرطا لصحته. ولو كان الصوم شرطا فيه لأمر النبي ﷺ عمر ¢ به (٣).
الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خِباء (٤) فيصلي الصبح ثم يدخله، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنت لها، فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جَحْش (٥) ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي ﷺ رأى الأخبية فقال: «ما هذا؟ »، فأُخبِر, فقال النبي ﷺ : «آلْبِرَّ (٦) تُرَوْنَ (٧) بهن؟ »، فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرا من شوال» (٨).
стр. 633
وفي رواية: «فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال» (١).
وجه الاستدلال: أن في اعتكافه في أول شوال دليل على أن الصوم ليس شرطا لصحة الاعتكاف؛ لأن يوم العيد داخل في جملة العشر، وليس محلا للصوم (٢).
قال ابن تيمية: "فقد بينت عائشة أنه اعتكف العشر الأول من شوال؛ وهذا إنما يكون إذا اعتكف يوم العيد, لا سيما ومقصوده عشر مكان عشر" (٣).
الدليل الرابع: عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى» (٤).
وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن النبي ﷺ اعتكف ليلا أيضا مع كونه فيه غير صائم (٥)؛ ولو كان الاعتكاف لا يجوز إلا مقارنا للصوم لخرج منه الصائم بالليل؛ لخروجه فيه من الصوم، فلما لم يخرج منه من الاعتكاف بالليل وخرج فيه من الصوم ثبت منفردا بغير الصوم (٦).
الوجه الثاني: أن اعتكافه ﷺ في رمضان دليل على أنه لم يصم للاعتكاف؛ لأن صومه في شهر رمضان إنما كان للشهر؛ لأن الوقت مستحق له ولم يكن للاعتكاف (٧).
قال الخطابي: "وفيه مستدل لمن أجاز الاعتكاف بغير صوم يُنشؤه له: وذلك أن صومه في شهر رمضان إنما كان للشهر؛ لأن الوقت مستحق له" (٨).
стр. 634
الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵄؛ أن النبي ﷺ قال: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» (١).
الدليل السادس: قال علي وابن مسعود ﵄: «المعتكف ليس عليه صوم إلا أن يشترط ذلك على نفسه» (٢).
الراجح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه يصح الاعتكاف بغير صوم؛ لحديث: «أن النبي ﷺ اعتكف عشرا من شوال»؛ ولحديث عمر ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: «أوف بنذرك»؛ ولأنه ليس في اشتراط الصوم كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح, والحكم إنما يثبت بواحدة من هذه الجهات؛ بخلاف نفي الاشتراط؛ فإنه ثابت بالنفي الأصلي وعدم الدليل الدال على الإيجاب (٣).
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ , فيجاب عنه بما قاله ابن العربي:
فقال: "وهذا لا حجة فيه؛ لأنه خطاب خرج عن حالٍ، فلا يلزم أن يكون شرطا في جميع الأحوال" (٤).
وقال أيضا: "أما اشتراط الصوم فيه -بخطابه تعالى لمن صام-، فلا يلزم بظاهره ولا باطنه؛ لأنها حال واقِعة لا مشترِطة" (٥).
ثانيا: وأما استدلالهم بحديث: «لا اعتكاف إلا بصيام»، فيجاب عنه من وجهين:
стр. 635
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف بالاتفاق (١).
الوجه الثاني: وعلى التسليم بصحته فيكون معناه: لا اعتكاف كاملا أو فاضلا إلا بصوم (٢).
قال ابن قدامة: "ولو صح فالمراد به الاستحباب، فإن الصوم فيه أفضل" (٣).
ثالثا: وأما استدلالهم بحديث: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة» الحديث، فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أن قوله: «السنة في المعتكف ... » مُدْرَج في الحديث، ليس هو من كلام عائشة ﵂، والصواب أنه ممن دونها (٤).
قال ابن عبد البر: "لم يقُل أحد في حديث عائشة هذا «السُنَّة» إلا عبد الرحمن بن إسحاق (٥)، ولا يصح الكلام عندهم إلا من قول الزُهري، وبعضه من كلام عُروة" (٦).
فإذا تقرر هذا فيكون معنى كلام الزُهري: «السُنَّة» أي: السُنَّة في اعتقادِهِ؛ كما يقول الفقيه: حكم الله في هذه المسألة كذا وكذا, والسُنَّة أن يفعل كذا, وحكم الشريعة كذا؛ يعني به: فيما عَلِمتُه وأَدرَكتُه (٧).
الوجه الثاني: أن غاية هذا الأثر الدلالة على استحباب الصوم في الاعتكاف؛ فإن قولها ﵂: «السُنَّة» إنما يفيد الاستحباب. وقولها: «لا اعتكاف إلا بصوم»: نفي للكمال (٨).