فأرادت عائشة ﵂ بذلك إضافة هذه الأمور إلى النبي ﷺ قولا أو فعلا، فهي نصوص لا يجوز خلافها (١).
ومما ذُكِر في الحديث: «ولا اعتكاف إلا بصوم».
الدليل الرابع: أنه ﷺ لم يعتكف إلا وهو صائم، فدل هذا من فعله على أن الاعتكاف لا يصح إلا بصوم (٢).
قال ابن القيم: "ولم يُنقَل عن النبي ﷺ أنه اعتكف مفطرا قط، ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسول الله ﷺ إلا مع الصوم" (٣).
الدليل الخامس: عن عائشة ﵂ قالت: «من اعتكف فعليه الصوم» (٤).
الدليل السادس: عن ابن عباس ﵄ قال: «من اعتكف فعليه الصوم» (٥).
وفي رواية: «لا اعتكاف إلا بصوم» (٦).
الدليل السابع: عن علي ﵁ قال: «لا اعتكاف إلا بصوم» (٧).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يصح الاعتكاف بغير صوم.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (٨).
стр. 632
وجه الاستدلال: دلت الآية على أن المُقام في بيت الله، هو العُكوف فيه، من غير شرط, وأن العُكوف عبادة بنفسه؛ كما أنَّ الطواف والركوع والسجود عبادات بنفسها (١).
الدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي ﷺ : «أوف نَذرَك» , فاعتكَفَ ليلة (٢).
وجه الاستدلال: في الحديث جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأن النبي ﷺ أمر عمر ¢ بأن يفيَ بنذره وهو اعتكاف ليلةٍ؛ والليل ليس ظرفا للصوم، فدل على أن الصوم ليس شرطا لصحته. ولو كان الصوم شرطا فيه لأمر النبي ﷺ عمر ¢ به (٣).
الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خِباء (٤) فيصلي الصبح ثم يدخله، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنت لها، فضربت خباء، فلما رأته زينب بنت جَحْش (٥) ضربت خباء آخر، فلما أصبح النبي ﷺ رأى الأخبية فقال: «ما هذا؟ »، فأُخبِر, فقال النبي ﷺ : «آلْبِرَّ (٦) تُرَوْنَ (٧) بهن؟ »، فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشرا من شوال» (٨).
стр. 633
وفي رواية: «فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في العشر الأول من شوال» (١).
وجه الاستدلال: أن في اعتكافه في أول شوال دليل على أن الصوم ليس شرطا لصحة الاعتكاف؛ لأن يوم العيد داخل في جملة العشر، وليس محلا للصوم (٢).
قال ابن تيمية: "فقد بينت عائشة أنه اعتكف العشر الأول من شوال؛ وهذا إنما يكون إذا اعتكف يوم العيد, لا سيما ومقصوده عشر مكان عشر" (٣).
الدليل الرابع: عن عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى» (٤).
وجه الاستدلال من وجهين:
الوجه الأول: أن النبي ﷺ اعتكف ليلا أيضا مع كونه فيه غير صائم (٥)؛ ولو كان الاعتكاف لا يجوز إلا مقارنا للصوم لخرج منه الصائم بالليل؛ لخروجه فيه من الصوم، فلما لم يخرج منه من الاعتكاف بالليل وخرج فيه من الصوم ثبت منفردا بغير الصوم (٦).
الوجه الثاني: أن اعتكافه ﷺ في رمضان دليل على أنه لم يصم للاعتكاف؛ لأن صومه في شهر رمضان إنما كان للشهر؛ لأن الوقت مستحق له ولم يكن للاعتكاف (٧).
قال الخطابي: "وفيه مستدل لمن أجاز الاعتكاف بغير صوم يُنشؤه له: وذلك أن صومه في شهر رمضان إنما كان للشهر؛ لأن الوقت مستحق له" (٨).
стр. 634
الدليل الخامس: عن ابن عباس ﵄؛ أن النبي ﷺ قال: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» (١).
الدليل السادس: قال علي وابن مسعود ﵄: «المعتكف ليس عليه صوم إلا أن يشترط ذلك على نفسه» (٢).
الراجح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه يصح الاعتكاف بغير صوم؛ لحديث: «أن النبي ﷺ اعتكف عشرا من شوال»؛ ولحديث عمر ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: «أوف بنذرك»؛ ولأنه ليس في اشتراط الصوم كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح, والحكم إنما يثبت بواحدة من هذه الجهات؛ بخلاف نفي الاشتراط؛ فإنه ثابت بالنفي الأصلي وعدم الدليل الدال على الإيجاب (٣).
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ , فيجاب عنه بما قاله ابن العربي:
فقال: "وهذا لا حجة فيه؛ لأنه خطاب خرج عن حالٍ، فلا يلزم أن يكون شرطا في جميع الأحوال" (٤).
وقال أيضا: "أما اشتراط الصوم فيه -بخطابه تعالى لمن صام-، فلا يلزم بظاهره ولا باطنه؛ لأنها حال واقِعة لا مشترِطة" (٥).
ثانيا: وأما استدلالهم بحديث: «لا اعتكاف إلا بصيام»، فيجاب عنه من وجهين:
стр. 635
الوجه الأول: أن الحديث ضعيف بالاتفاق (١).
الوجه الثاني: وعلى التسليم بصحته فيكون معناه: لا اعتكاف كاملا أو فاضلا إلا بصوم (٢).
قال ابن قدامة: "ولو صح فالمراد به الاستحباب، فإن الصوم فيه أفضل" (٣).
ثالثا: وأما استدلالهم بحديث: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة» الحديث، فيجاب عنه من وجهين:
الوجه الأول: أن قوله: «السنة في المعتكف ... » مُدْرَج في الحديث، ليس هو من كلام عائشة ﵂، والصواب أنه ممن دونها (٤).
قال ابن عبد البر: "لم يقُل أحد في حديث عائشة هذا «السُنَّة» إلا عبد الرحمن بن إسحاق (٥)، ولا يصح الكلام عندهم إلا من قول الزُهري، وبعضه من كلام عُروة" (٦).
فإذا تقرر هذا فيكون معنى كلام الزُهري: «السُنَّة» أي: السُنَّة في اعتقادِهِ؛ كما يقول الفقيه: حكم الله في هذه المسألة كذا وكذا, والسُنَّة أن يفعل كذا, وحكم الشريعة كذا؛ يعني به: فيما عَلِمتُه وأَدرَكتُه (٧).
الوجه الثاني: أن غاية هذا الأثر الدلالة على استحباب الصوم في الاعتكاف؛ فإن قولها ﵂: «السُنَّة» إنما يفيد الاستحباب. وقولها: «لا اعتكاف إلا بصوم»: نفي للكمال (٨).
стр. 636
رابعا: وأما قولهم: إنه ﷺ لم يعتكف إلا وهو صائم، فيجاب عنه:
بأن فعله ﷺ محمول على الاستحباب لا على الاشتراط، ولهذا ثبت أن النبي ﷺ اعتكف في شوال، فوجب حمل اعتكافه ﷺ وهو صائم على الاستحباب؛ جمعا بين الأحاديث. مع أنه لا يلزم من مجرد الاعتكاف في رمضان اشتراط الصوم (١).
قال صِدِّيق حسن خان (٢): "وأما اعتكافه ﷺ في صومه، فلا يستلزم أن يكون الاعتكاف كذلك؛ لأنه أَمرٌ اتفاقيٌ، ولو كان ذلك مُعتَبَرا لكان اعتكافُه في مسجده مُعتبَرا؛ فلا يصح من أحد الاعتكاف في غيره وأنه باطل" (٣). والله أعلم.
стр. 637
المطلب الثالث: هل لأقل الاعتكاف حدّ ؟ .
اختيار الشيخ: اختار أنه ليس لأقل الاعتكاف حد، فقال: "وفي الحديث (١) رد على من قال أقل الاعتكاف عشرة أيام أو أكثر من يوم" (٢).
تحرير محل الخلاف: اتفق الفقهاء أن اللُبْث والمُكوث في المسجد هو ركن الاعتكاف (٣).
واختلفوا في مقدار اللبث والمكوث المُجزئ في الاعتكاف على قولين:
القول الأول: ليس لأقل الاعتكاف زمان معين.
وبه قال: أبو حنيفة في رواية وهو المفتى به (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة في المذهب (٦) , والظاهرية (٧)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: أقله يوم وليلة.
وبه قال: أبو حنيفة في رواية (٨) , والمالكية (٩) , والحنابلة في رواية (١٠).
سبب الخلاف: قال ابن رشد: "والسبب في اختلافهم: معارضة القياس للأثر:
стр. 638
أما القياس: فإنه من اعتقد أن من شرطه الصوم قال: لا يجوز اعتكاف ليلة، وإذا لم يجز اعتكافه ليلة فلا أقل من يوم وليلة؛ إذ انعقاد صوم النهار إنما يكون بالليل.
وأما الأثر المعارض: فما خرجه البخاري من أن عمر ﵁ نذر أن يعتكف ليلة، «فأمره رسول الله ﷺ أن يفي بنذره» (١) " (٢).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه ليس لأقل الاعتكاف زمان معين.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣).
وجه الاستدلال: أن القرآن خاطب العرب بما يعرفونه من لغتهم، والاعتكاف في لغة العرب الإقامة. فكل إقامة في مسجد لله تعالى بنية التقرب إليه اعتكاف مما قل من الأزمان أو كثر، ولم يخص القرآن عددا من عدد، ولا وقتا من وقت (٤).
ولم يأتنا في الشرع في تقدير مدة الاعتكاف شيء يصلح للتمسك به، واللبث في المسجد والبقاء فيه يصدق على اليوم وبعضه، بل وعلى الساعة إذا صحب ذلك نية الاعتكاف (٥).
الدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب ﵁، أنه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي ﷺ : «أوف نذرك» , فاعتكف ليلة (٦).
وجه الاستدلال: أن في اعتكاف عمر ﵁ ليلة رد على من حدد أقل الاعتكاف بيوم أو أكثر (٧).
الدليل الثالث: عن يَعلى بن أُمَيَّة (٨) ﵁ قال: «إني لَأَمْكُث في المسجد الساعة، وما
стр. 639
أَمكُث إلا لأعتكف» (١).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن أقله يوم وليلة.
الدليل الأول: عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ وهو بالجِعِرَّانة (٢)، بعد أن رجع من الطائف، فقال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ قال: «اذهب فاعتكف يوما» (٣).
وفي رواية: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال له النبي ﷺ : «أوف نذرك» , فاعتَكَفَ ليلة (٤).
وجه الاستدلال: أن أصل هذا الحديث أن عمر ﵁ قال: "إني نذرت أن أعتكف يوما وليلة في الجاهلية"، فنَقَل بعض الرُواة ذِكر الليلة وحدها، ونَقَل بعضهم ذِكر اليوم وحده، ويجوز للراوي أن ينقل بعض ما سمِع (٥).
ولما كان الاعتكاف اسما لغويا شرعيا، وجاء الشرع في حديث عمر ﵁ بتقدير يوم وليلة؛ كان ذلك هو أقلّه (٦).
الدليل الثاني: ولأن الصوم يُشتَرَط مع الاعتكاف، والصوم لا يكون إلا في يوم كامل؛ فكذلك الاعتكاف لا يكون إلا في يوم كامل.
قال الباجي: "والدليل على ما نقوله: أن هذه عبادة مِن شرطها الصوم، وقد أجمعنا على أن الصوم لا يَتبعَّض ولا يكون أقل من يوم كامل؛ فوجب أن يكون أقل مدتها ما يصح فيه الصوم، وذلك يوم" (٧).
стр. 640
الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: أنه ليس لأقل الاعتكاف زمان معين؛ لعدم ورود نص يقدِّر أقله، فتقديره بيوم أو أكثر تَحَكُّم لا دليل عليه.
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما قولهم لمّا كان الاعتكاف اسما لغويا شرعيا، وجاء الشرع في حديث عمر ﵁ بتقدير يوم وليلة؛ كان ذلك هو أقله. فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن الحديث لم يأت بلفظ: "إني نذرت أن أعتكف يوما وليلة في الجاهلية"، وإنما هو اجتهاد من بعض العلماء في الجمع بين الروايتين، كابن بطال وغيره، † (١).
والصحيح أن من روى الحديث بلفظ (يوم)، فروايته شاذّة، كما رجحه الحافظ ابن حجر, والدليل رواية: «فاعتَكَفَ ليلةً»، فدل على أن عمر ﵁ لم يزد على نذره شيئا (٢).
الثاني: وعلى التسليم بأن عمر ﵁ كان قد نذر صيام يوم وليلة: فليس في الحديث ما يفيد تحديد أقل مدة الاعتكاف، بل ما في الحديث أن عمر ﵁ كان قد نذر اعتكاف مدة معينة, فأمره النبي ﷺ بالوفاء بها.
وبما أنه لم يأت عن غير عمر ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن أقل من ذلك، -حتى يقال: إن رسول الله ﷺ رفض ذلك أو أجازه-، فيبقى على الأصل في الاعتكاف أنه: المُكث في المسجد بنية اللبث فيه، وبنية العبادة.
ثانيا: وأما قولهم: إن الصوم يشترط مع الاعتكاف، والصوم لا يكون إلا في يوم كامل؛ فكذلك الاعتكاف لا يكون إلا في يوم كامل، فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن الراجح أن الصيام ليس شرطا في صحة الاعتكاف كما مر معنا في المسألة السابقة (٣).
الثاني: وعلى التسليم بأن الصوم من شرطه فَضَعيف أيضا؛ لأن العبادة لا تكون مُقَدَّرَة بشرطها؛ ألا ترى أن الطهارة شَرطٌ في الصلاة، وتنقضي الصلاة وتبقى الطهارة (٤). والله أعلم.
стр. 641
المطلب الرابع: هل ينقطع اعتكاف من عاد مريضا أو صلى على جنازة ؟ .
اختيار الشيخ: اختار أن الخروج من المسجد لعيادة المريض أو للصلاة على الجنازة يقطع الاعتكاف، فقال: "والراجح عندنا: إنه لا يجوز الخروج لعيادة المريض وصلاة الجنازة" (١).
تحرير محل الخلاف: أجمع العلماء أنه يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لما لا بد منه، كحاجة الإنسان (البول والغائط) (٢).
واختلفوا في خروج المعتكف لعيادة المريض أو لصلاة الجنازة على قولين:
القول الأول: ليس للمعتكف أن يخرج لعيادة المريض أو لشهود الجنازة فإن فعل انقطع اعتكافه.
وبه قال: الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، والشافعية (٥)، والحنابلة في المذهب (٦)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: للمعتكف أن يخرج لعيادة المريض أو لشهود الجنازة.
وهو رواية عند: الحنابلة (٧)، وبه قال الظاهرية (٨).
أدلة القول الأول: القائلين بأنه ليس للمعتكف أن يخرج لعيادة المريض أو لشهود الجنازة فإن فعل انقطع اعتكافه.
الدليل الأول: عن عائشة ﵂، قالت: «كان النبي ﷺ ، إذا اعتكف، يُدني إلي رأسه فأُرَجِّله (٩)، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان (١٠).
стр. 642
وجه الاستدلال من الحديث: في الحديث أن النبي ﷺ لم يكن يخرج من معتكفه إلا لحاجة الإنسان؛ والخروج لعيادة المريض وشهود الجنائز ليس من ذلك.
قال ابن دقيق العيد: "كل ما ذكره الفقهاء - أنه لا يخرج إليه، أو اختلفوا في جواز الخروج إليه - فهذا الحديث يدل على عدم الخروج إليه؛ لعُمومه. فإذا ضُمَّ إلى ذلك قرينة الحاجة إلى الخروج لكثير منه، أو قيام الداعي الشرعي في بعضه، كعيادة المريض، وصلاة الجنازة، وشبهه، قويت الدلالة على المنع" (١).
الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: إن كنت لَأدخل البيت للحاجة، والمريضُ فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارّة، «وإن كان رسول الله ﷺ ليُدخِل عليَّ رأسه وهو في المسجد فأُرَجِّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة، إذا كان معتكفا» (٢).
الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو ولا يُعَرِّج (٣) يسأل عنه» (٤).
وجه الاستدلال: في الحديثين جواز عيادة المريض على وجه المرور، من غير تعريج، فيفهم منه عدم عيادته على غير هذا الوجه (٥).
قال القاضي عياض: "المعتكِف لا يدخل البيت إلا لضرورة حاجة الإنسان، وأنه لا يعود مريضا ولا يشتغل بغير ما هو فيه، وأن سؤاله عن المريض، والتسليم على الناس، ومُكالمتِهم، وشبه هذا -في مسيره إلى حاجته- لا يضره" (٦).
стр. 643
الدليل الرابع: وعنها أيضا قالت: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع» (١).
وجه الاستدلال: في الحديث دليل على أنه لا يجوز للمعتكف أن يخرج من معتكفه لعيادة المريض، ولا لما يماثلها من القُرَب؛ كتشييع الجنازة، ونحو ذلك (٢).
أدلة القول الثاني: القائلين بأن للمعتكف أن يخرج لعيادة المريض أو لشهود الجنازة.
الدليل الأول: عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «المعتكف يَتبع الجنازة، ويعود المريض» (٣).
وجه الاستدلال: في الحديث جواز اتباع الجنازة، وعيادة المريض للمعتكف، وأن فِعل ذلك لا يقطع الاعتكاف (٤).
فيكون حديث أنس ﵁ هذا لبيان جواز اتباع الجنازة وعيادة المريض للمعتكف، ويكون حديث عائشة ﵂: «السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة ... »، لبيان الأفضل والأولى (٥).
الدليل الثاني: عن علي ﵁ , قال: «المعتكف يشهد الجمعة, ويتبع الجنازة, ويعود المريض» (٦).
стр. 644
الدليل الثالث: عن صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ (١) ﵂ قالت: «كان رسول الله ﷺ معتكِفا، فأتيته أزوره ليلا، فحدّثتُه ثم قمت لأنقلب، فقام معي لِيَقْلِبَنِي (٢)، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد» (٣).
وفي رواية: «فذهب معها حتى أدخلها بيتها، وهو معتكف» (٤).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث دليل على جواز خروج المعتكِف من مسجد اعتكافه لتشييع الزائر؛ فيكون جواز الخروج من مسجد اعتكافه لعيادة المريض وتشيع الجنازة من باب أولى (٥).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أنه ليس للمعتكف أن يخرج لعيادة المريض أو لشهود الجنازة, فإن فعل انقطع اعتكافه؛ وذلك لصحة ما استدلوا به، ولأن المعتكِف ليس له الخروج من المسجد إلا للحاجة، وعيادة المريض وشهود الجنازة ليس فعلهما من ما لا بد منه.
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني، فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بحديث أنس ﵁، فلا يصح؛ لأنه حديث شديد الضعف.
ثانيا: وأما استدلالهم بأثر علي ﵁، فقد قال فيه ابن المنذر: "وليس بثابت عنه" (٦).
ثالثا: وأما استدلالهم بحديث صفية بنت حُيَي ﵂ فيجاب عنه:
أنه لا دلالة فيه؛ لأن خروج النبي ﷺ مع أم المؤمنين ﵂ ليقلبها هو مما يُحتاج إلى الخروج له, والدليل قوله ﷺ لصفية بنت حيي ﵂: «لا تعجلي حتى أنصرف معك» (٧).
стр. 645
وقيامه ﷺ معها ليقلبها دليل على أن مكانها كان بينه وبين المسجد مسافة يخاف فيها من سير المرأة وحدها ليلا, وذلك قبل أن يتخذ حجرتها قريبا من المسجد, ولهذا قال: «كان مسكنها في دار أسامة». فهذا خروج للخوف على أهله, فيلحق به كل حاجة (١).
وليس عيادة المريض واتباع الجنائز من ذلك. والله أعلم.
стр. 646
المطلب الخامس: هل يجوز (الاشتراط في الاعتكاف) ؟ (١).
اختيار الشيخ: اختار أنه لا اشتراط في الاعتكاف فقال: "قلت: الظاهر عندنا هو قول من لم يقل بالاشتراط في الاعتكاف؛ لأنه لا دليل عليه من سُنَّة صحيحة أو ضعيفة، ولا من أثر صحابي، ولا من قياس صحيح" (٢).
تحرير محل الخلاف: مر في المسألة السابقة أن العلماء أجمعوا على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول (٣)، ومر أيضا أنهم اختلفوا في خروج المعتكف لعيادة المريض أو لصلاة الجنازة، وكان المقصود هناك: أن يخرج المعتكف من غير شرط يشترطه عند اعتكافه.
وأما مسألتنا هذه فهي في حكم اشتراط المعتكِف -عند عقد نية اعتكافه- فعل بعض الطاعات أو المباحات مما ينافي الاعتكاف: كالخروج لشهود الجنازة، أو الخروج لعيادة المريض، أو غير ذلك، فاختلفوا فيها على قولين:
القول الأول: يجوز للمعتكف أن يشترط.
وهو قول: الحنفية (٤) , والشافعية (٥) , والحنابلة (٦) , والظاهرية (٧).
القول الثاني: لا يجوز للمعتكف أن يشترط.
وبه قال: المالكية (٨)، وهو اختيار الشيخ.
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم-: هل يُشَبَّه الاعتكاف بالحج في جواز الاشتراط، أو يُشَبَّه بالصلاة والصيام في عدم جوازه؟ (٩).
стр. 647
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يجوز للمعتكف أن يشترط.
الدليل الأول: عن عائشة ﵂، قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضُباعَة بنت الزبير (١)، فقال لها: «لعلك أردت الحج؟ » قالت: والله لا أَجدُني إلا وَجِعة، فقال لها: «حُجّي واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني» (٢).
وجه الاستدلال: إذا جاز الاشتراط في الحج وهو الفرض الواجب، والاحرام به يلزم بالشروع، فمن باب أولى أن يجوز الاشتراط في الاعتكاف.
قال ابن تيمية: "فإذا كان الإحرام الذي هو ألزم العبادات بالشروع يجوز مخالفة موجبه بالشرط؛ فالاعتكاف أولى" (٣).
الدليل الثاني: عن إبراهيم النخعي، قال: «كانوا يحبون للمعتكف أن يشرط هذه الخصال وهي له: -وإن لم يشرط- عيادة المريض، وأن يتبع الجنازة، وأن يشهد الجمعة، -فلا يحبون الخروج لها» (٤).
الدليل الثالث: ولأن الاعتكاف لا يختص بقدر معين, فإذا شرط الخروج؛ فكأنه التزم اعتكاف القدر الذي أقامه دون الذي استثناه بالشرط (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه لا يجوز للمعتكف أن يشترط.
стр. 648
الدليل الأول: لأن النبي ﷺ قد اعتكف وعرف الناس سنته في الاعتكاف، فليس لأحد أن يشترط في الاعتكاف أمرا يغير سنته ﷺ (١).
الدليل الثاني: ولأن المعتكِف شَرَط ما ينافي موجِب الاعتكاف؛ كما لو شَرَط الاعتكاف في غير المسجد إجماعا، أو شَرَط تَرْك الصيام؛ لمن يراه لازما (٢).
الدليل الثالث: "ولأنها عبادة اشتُرِط فيها خلاف موجِب عقدها المطلق ونقيضه؛ فلم يصح كالصلاة والصيام" (٣).
الراجح: بعد ذكر ما استدل به أصحاب القولين يظهر أنه ليس هناك في المسألة دليل واضح يجيز للمعتكِف الاشتراط أو يمنعه من ذلك، والذي يظهر لي -والله أعلم- الأخذ بالاحتياط: بأن لا يشترِط المعتكِف، وهذا خاص بمن نذر اعتكافا معينا, أما من اعتكف اعتكاف تطوع، فهو في سعة من أمره، يخرج متى شاء ويعود متى شاء، على ما ترجح: أنه ليس هناك مدة محددة لأقل الاعتكاف, فإذا خرج ثم عاد إلى المعتكَف، نوى استئناف الاعتكاف. والله أعلم.
стр. 649
المطلب السادس: حكم من نذر الاعتكاف قبل إسلامه .
اختيار الشيخ: اختار أن من نذر الاعتكاف قبل إسلامه فإن نذره ينعقد ويجب الوفاء به بعد إسلامه، فقال بعد حديث: أن عمر ﵁ سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: «فأوف بنذرك» (١): "وفيه رد على من زعم أن المراد بالجاهلية ما قبل فتح مكة, وأنه إنما نذر في الإسلام، وأصرح من ذلك ... «نذر عمر في الشرك أن يعتكف» (٢) " (٣).
اختلف العلماء في من نذر قبل إسلامه عبادة كالاعتكاف هل يجب عليه الوفاء بها بعد إسلامه على قولين:
القول الأول: لا يجب عليه الوفاء بما نذره حال كفره.
وبه قال: الحنفية (٤)، والمالكية (٥)، والشافعية في الصحيح (٦)، والحنابلة في رواية (٧).
القول الثاني: يجب عليه الوفاء بما نذره حال كفره.
وهو: وجه عند الشافعية (٨)، ورواية عند الحنابلة هي منصوص الإمام أحمد (٩)، وقول الظاهرية (١٠)، وهو اختيار الشيخ.
أدلة القول الأول: القائلين بأنه لا يجب عليه الوفاء بما نذره حال كفره.
الدليل الأول: قوله : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١١).
стр. 650
وقوله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (١).
وقوله : ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (٢).
وجه الاستدلال من الآيات: في هذه الآيات دليل على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان بالله؛ لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة (٣).
والنَذر من الأعمال الصالحة التي يُبتَغى بها وجه الله والدار الآخرة، والكافر ليس من الذين يبتغون بعملهم ذلك، فكان وجودُه منه كعدمه.
الدليل الثاني: عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (٤).
الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا نَذرَ إلا فيما ابتُغِي به وجه الله » (٥).
وفي رواية: «إنما النذر ما ابتُغِيَ به وجه الله » (٦).
وجه الاستدلال من الحديثين: من المعلوم أن النذور إنما تجب إذا كانت مما يُتقَرَّب به إلى الله , ولا تجب إذا كانت معاصي لله . والكافر إذا قال: لله علي اعتكاف, ثم أوفى بنذره بعد إسلامه، لم يكن به متقربا إلى الله؛ لأنه في الوقت الذي أوجبه فيه على نفسه إنما قَصَد به أن يَنذُر لربه الذي يَعبده من دون الله. ولا شكّ أن ذلك معصية. فدخل ذلك في قول رسول الله ﷺ : «إنما النذر ما ابتُغِي به وجه الله » (٧).
стр. 651
الدليل الرابع: ولأن حديث عمر ﵁ والذي فيه قوله: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: «أوف بنذرك» (١)، لا يدل على وجوب وفاء نذر الكافر إذا أسلم؛ وذلك من وجهين:
الأول: في قول عمر ﵁: «نذرت في الجاهلية» أن مراده أيام الجاهلية بعد الإسلام؛ لأنه لم يقُل: وأنا كافر، أو وأنا على دين الجاهلية (٢).
قال القسطلاني: "المراد أنه نذر بعد إسلامه في زمن لا يَقْدِر أن يفي بنذره فيه؛ لمَنع الجاهلية للمسلمين من دخول مكة، ومِن الوصول إلى الحرم" (٣).
الثاني: أن قوله ﷺ لعمر ﵁: «أوف بنذرك» محمول على الاستحباب لا على الوجوب؛ بدلالة أن الإسلام يهدم ما قبله (٤).
الدليل الخامس: ولأنه لَمّا كان النذر مما يتقرب به إلى الله، وكون المنذور به قربة شرط صحةِ النَذر، لم يُقبَل من الكافر؛ لأن الكافر ليس من أهل القرب، ولا يوصف فِعلُه بكونه قربة (٥).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يجب عليه الوفاء بما نذره حال كفره.
الدليل الأول: عن عمر ﵁ قال: يا رسول الله، إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: «أوف بنذرك» (٦).
وجه الاستدلال: دَلّ الحديث على أن نذر الكافر صحيح، فإذا أسلم لزمه الوفاء به (٧)؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر عمر ﵁ بالوفاء بنذره إلا لتعلق ذِمّته به (٨).
стр. 652
الدليل الثاني: في حديث أبي هريرة ﵁ أن ثُمَامة بن أَثَال (١) ﵁، قال للنبي ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليّ، وإن خَيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ . «فَبَشَّرَه رسول الله ﷺ وأَمَره أن يعتمر» (٢).
وجه الاستدلال: في الحديث أن القُرَب التي التزمها الإنسان حال كفره يصح له فعلها إذا أسلم، فهذا ثمامة ¢ كان حال كفره مريدا للعمرة، وبعد أن أسلم أمره النبي بإتمام نيته، ولم يخبره بأن ما كان التزمه حال كفره باطل (٣).
الدليل الثالث: عن حَكيم بن حِزام (٤) ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، أرأيتَ أشياء كنت أَتَحَنَّث (٥) بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقة، وصِلَة رحم، فهل فيها من أجر؟ فقال النبي ﷺ : «أسلمتَ على ما سَلَف من خير» (٦).
стр. 653
وجه الاستدلال: في الحديث أن الكافر إذا أسلم كَتَب الله له في الإسلام كل حسنة عملها في الشِرك (١). ولا شك أن النذر من أحسن الأعمال.
الدليل الرابع: عن طاوس، في رجل نذر في الجاهلية، ثم أسلم؟ قال: «يوفي نذره» (٢).
الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الثاني: أن من نذر حال كفره ثم أسلم أن نذره ينعقد ويجب عليه الوفاء بما نذره؛ وذلك لصحة ما استدلوا به، ولأمر النبي ﷺ عمر ﵁ بالوفاء بنذره؛ ولضعف ما استدل به أصحاب القول الأول, وبيان ذلك كما يلي:
أولا: أما استدلالهم بالآيات فيجاب عنه أنه لا حجة لهم فها؛ لأن ما ذُكِر في الآيات إنما نزل فيمن مات كافرا بنص الآيات، وقد قال الله : ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ (٣)(٤)، ونحن كلامنا عن من نذر في الجاهلية ثم أسلم.
ثانيا: وأما تأويلهم لحديث عمر ﵁ على ما ذكروه, فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أما قولهم في قوله: «نذرت في الجاهلية»: أن مراده أيام الجاهلية بعد الإسلام؛ لأنه لم يقُل وأنا كافر, فيجاب عنه: أن الرواية قد جاءت صريحة في كون نذر عمر ﵁ كان قبل إسلامه, وهو ما جاء عن ابن عمر ﵄: «أن عمر نذر أن يعتكف في الشِرْك ويَصوم, فسأل النبي ﷺ بعد إسلامه, فقال: أوف بنذرك» (٥).
قال القسطلاني: "فهذا صريح في أن نذره كان قبل إسلامه في الجاهلية" (٦).
الثاني: وأما قولهم -في قوله ﷺ لعمر ﵁: «أوف بنذرك» -: محمول على الاستحباب لا على الوجوب, فيجاب عنه: أن أوامر الرسول ﷺ تحمل على الوجوب حتى يأتي ما يصرف هذا الوجوب إلى الندب، ولا صارف له (٧).
стр. 654
ثم إن القول بالاستحباب مشكل على من يرى عدم انعقاد نذر الكافر (١).
وأما تعليلهم بأن النذر قربة، والكافر ليس من أهل القرب، فحديث حكيم بن حزام ﵁ يَرُدّ ذلك.
قال ابن هبيرة: "والذي أراه أن النذر بالإسلام يتأكد؛ لأنه نذر لله في الجاهلية وهو لا يعرفه؛ فلأن يفي له إذا عرفه وأمر به، أولى وآكد" (٢).
والله أعلم.
стр. 655
المطلب السابع: متى يدخل المعتكِف معتكَفه ؟ .
اختيار الشيخ: اختار قول الجمهور أن المعتكِف يدخل معتكفَه قبل غروب شمس يوم العشرين ليلة الحادي والعشرين من رمضان، فقال - مفسرا لقول عائشة ﵂: «دخل في معتكفه» -: "أي: انقطع فيه، وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء اعتكافه, بل كان يعتكف من الغروب ليلة الحادي والعشرين، وإلا لما كان معتكفا العشر بتمامه، الذي ورد في عدة أخبار أنه كان يعتكف العشر بتمامه" (١).
اختلف أهل العلم في وقت دخول المعتكِف إلى معتكَفه إذا أراد اعتكاف العشر الأواخر من شهر رمضان على قولين:
القول الأول: يدخل إلى معتكَفه قبل غروب الشمس من يوم العشرين (ليلة إحدى وعشرين).
وهو قول: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤) , والحنابلة في المذهب (٥)، والظاهرية (٦)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: يدخل إلى معتكَفه بعد صلاة الصبح من يوم الحادي والعشرين.
وهو رواية عن: أحمد (٧)، وقول الأوزاعي (٨) , واختاره ابن المنذر (٩).
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم سببان -والله أعلم-:
الأول: هل المقصود اعتكاف اليوم مع ليلته، أو المقصود اعتكاف اليوم فقط؟ (١٠).
стр. 656
والثاني: اختلاف ظواهر النصوص: فحديث أبي سعيد ﵁ أفاد أنه ﷺ دخل معتكفه ليلة الحادي والعشرين، وحديث عائشة ﵂ يُفهم منه أنه ﷺ دخل معتكفه بعد صلاة الفجر.
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يدخل إلى معتكَفه قبل غروب شمس يوم العشرين (ليلة الحادي والعشرين).
الدليل الأول: عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: اعتكف رسول الله ﷺ عشر الأول من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل، فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط، فاعتكفنا معه, فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، فقام النبي ﷺ خطيبا صبيحة عشرين من رمضان فقال: «من كان اعتكف مع النبي ﷺ ، فليرجع، فإني أريت ليلة القدر، وإني نسيتها، وإنها في العشر الأواخر، في وتر» (١).
وفي رواية: اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الأوسط، فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا, فأتانا رسول الله ﷺ فقال: «من كان اعتكف معي فليرجع إلى معتكفه، فإني رأيت هذه الليلة، ورأيتني أسجد في ماء وطين». فلما رجع إلى معتكفه، قال: وهاجت السماء فمطرنا، فو الذي بعثه بالحق لقد هاجت السماء من آخر ذلك اليوم، وكان المسجد عريشا، فلقد رأيت على أنفه وأرنبته أثر الماء والطين (٢).
وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال: «من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر» (٣).
وفي رواية: «وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر» (٤).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ قد بين في هذا الحديث أن من اعتكف العشر الأواخر؛ فإنه يعتكف ليلة إحدى وعشرين (٥)؛ لأن العشر اسم لليالي مع الأيام، ولا يكون معتكفا جميع العشر إلا باعتكاف أول ليلة منه وهي ليلة الحادي والعشرين.
стр. 657
قال ابن قدامة -بعد أن ذكر الحديث الذي فيه: «فليعتكف العشر الأواخر» -: "لأن العشر بغير هاء عدد الليالي، فإنها عدد المؤنث، قال الله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (١).
وأول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين" (٢).
وقال ابن تيمية: "لأنه لا يكون معتكفا جميع العشر إلا باعتكاف أول ليلة منه؛ لا سيما وهي إحدى الليالي التي يلتمس فيها ليلة القدر" (٣).
الدليل الثاني: "ولأن كل ليلة تتبع اليوم الذي بعدها؛ ألا ترى أن شهر رمضان يدخل بغروب الشمس في آخر يوم من شعبان" (٤).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يدخل إلى معتكفه بعد صلاة الصبح من يوم العشرين.
استدلوا بحديث عائشة ﵂ أنها قالت: «كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله» (٥).
وفي رواية: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه (٦).
وفي رواية: كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان، وإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه» (٧).
وفي رواية: «وكان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح أتى معتكفه» (٨).
وجه الاستدلال: في الحديث أن المعتكف يبتدئ اعتكافه من أول النهار، ويدخل في معتكفه بعد أن يصلي الفجر (٩).
стр. 658
قال الصنعاني (١): "فيه دليل على أن أول وقت الاعتكاف بعد صلاة الفجر، وهو ظاهر في ذلك" (٢).
الترجيح: الذي يترجح في هذه المسألة -والله أعلم- هو القول الأول: أن المعتكف يدخل إلى معتكفه قبل غروب الشمس؛ لأن بذلك تكتمل عدة العشر الليالي، وبغيره تكون عدتها ناقصة، وهو ما أفاده حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وإن دخل معتكفه صبح عشرين، فهو الأفضل والأولى؛ لأنه أَوْلى ما حُمِل عليه حديث عائشة ﵂، فكان بالاعتماد أحرى (٣)، كما سيتبين -إن شاء الله- عند المناقشة في الصفحة الآتية.
وأما استدلال أصحاب القول الثاني بحديث عائشة ﵂ على أن المعتكف يدخل معتكفه بعد صبح يوم الحادي والعشرين فيجاب عنه من وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث محمول على أنه ﷺ دخل المعتكف وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاته الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان من قبل المغرب معتكفا لابثا في المسجد، فلما صلى الصبح انفرد (٤).
قال ابن دقيق العيد: "ولكنه أُوِّل على أن الاعتكاف كان موجودا، وأن دخوله في هذا الوقت لمعتكَفه للانفراد عن الناس بعد الاجتماع بهم في الصلاة، لا أنه كان ابتداء دخول المعتكَف، فيكون المراد بالمعتكَف هنا: الموضع الذي خصَّه بهذا، وأعدَّه له. ويُشعِر بذلك ما في هذه الرواية: «دخل مكانه الذي اعتكَف فيه» بلفظ الماضي" (٥).
стр. 659
الوجه الثاني: أن من أعظم ما يطلب بالاعتكاف إدراك ليلة القدر، وهي قد تكون ليلة الحادي والعشرين كما جاء في حديث أبي سعيد ﵁، فينبغي له أن يكون معتكفا فيها لا أن يعتكف بعدها (١).
الوجه الثالث -وهو المختار إن شاء الله-: أن حديث عائشة ﵂ محمول على أنه ﷺ دخل صبح يوم العشرين.
قال ابن تيمية: "ويشبه -والله أعلم- أن يكون دخوله معتكفه صبيحة العشرين قبل الليلة الحادية والعشرين؛ فإنه ليس في حديث عائشة أنه كان يدخل معتكفه صبيحة إحدى وعشرين، وإنما ذكرت أنه كان يدخل المعتكف بعد صلاة الفجر, مع قولها: «إنه أمر بخِبائه فضُرِب، ثم أراد الاعتكاف في العشر الأواخر»، والعشر صفة لليالي لا للأيام، فمحال أن يريد الاعتكاف في الليالي العشر وقد مضت ليلة منها، وإنما يكون ذلك إذا استقبلها بالاعتكاف. وقد ذكرت أنه اعتكف عشْرا قضاءً للعشر التي تَرَكها، وإنما يقضي عشْرا من كان يريد أن يعتكف عشْرا. ويؤيد ذلك أنه لم يكن يدخل معتكَفه إلا بعد صلاة الفجر, وقد مضى من النهار جزء، مع أنه لم يكن يخرج من منزله إلى المسجد حتى يُصلّي ركعتي الفجر في بيته، وهذا لا يكون مستوعبا للنهار أيضا" (٢).
قال السِّنْدي (٣): "وهذا الجواب هو الذي يفيده النظر في أحاديث الباب، فهو أولى, وبالاعتماد أحرى" (٤). والله أعلم.
стр. 660
المطلب الثامن: حكم قضاء الاعتكاف .
اختيار الشيخ: اختار استحباب قضاء اعتكاف النفل لمن اعتاده، فقال: "قلت في الحديث (١) دليل على أن من اعتاد اعتكاف أيام ثم لم يمكنه أن يعتكفها أنه يستحب له قضاؤها, فكان قضاؤه ﷺ له على طريق الاستحباب" (٢).
تحرير محل الخلاف: لا خلاف بين الفقهاء في قضاء الاعتكاف الواجب بالنذر إذا قطعه (٣).
واختلفوا في قضاء الاعتكاف المندوب, على قولين:
القول الأول: يجب قضاء الاعتكاف المندوب إذا شرع فيه ثم قطعه.
وبه قال: الحنفية في رواية الحسن اللؤْلُؤِي (٤) عن أبي حنيفة (٥) , والمالكية (٦).
القول الثاني: يستحب قضاء الاعتكاف المندوب إذا شرع فيه ثم قطعه.
وبه قال: الحنفية في رواية الأصل (٧) , والشافعية (٨) , والحنابلة (٩)، وهو اختيار الشيخ.
أدلة القول الأول: القائلين بأنه يجب قضاء الاعتكاف المندوب إذا شرع فيه ثم قطعه.
الدليل الأول: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية, فقال: «ما هذا»؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال
стр. 661
رسول الله ﷺ : «آلبر أردن بهذا؟ ! ما أنا بمعتكف». فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال (١).
وجه الاستدلال: في هذا الحديث أن الاعتكاف يلزم إذا نوى المكلف الدخول فيه، فإذا دخل الإنسان ثم قطعه لزمه قضاؤه (٢).
قال الإمام مالك: "والمتطوع في الاعتكاف، والذي عليه الاعتكاف، أمرهما واحد. فيما يحل لهما ويحرم عليهما. ولم يبلغني أن رسول الله ﷺ كان اعتكافه إلا تطوعا" (٣).
قال الزرقاني -مُعلِّقا على كلام الإمام مالك-: "وقد قضاه لمّا قطعه للعذر؛ فَيُفيد وجوب قضاء الاعتكاف التطوع لمن قطعه بعد الدخول فيه" (٤).
الدليل الثاني: ولأن المعتكِف التزم أداء عبادة، فوجب إتمامها؛ صيانةً للمؤدى عن البُطلان. ومَسَّت الحاجة إلى صيانة المؤدى ههنا؛ لأن القَدْر المؤدى انعقد قُربةً، فيحتاج إلى صيانةٍ، وذلك بالمضي فيه إلى آخر اليوم (٥).
الدليل الثالث: وقياسا على من قطع حج النفل عمدا أو مُكرَها، فإنه يجب عليه قضاؤه؛ فكذا هنا (٦).
الدليل الرابع: ولأنها عبادة لها تعلق بالمسجد، يَحرُم فيها الجِماع ويُبطِلها, فلزِمت بالدخول فيها كالحج (٧).
أدلة القول الثاني: القائلين بأنه يستحب قضاء الاعتكاف المندوب إذا شرع فيه ثم قطعه.
الدليل الأول: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك
стр. 662
زينب ابنة جحش أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية, فقال: «ما هذا»؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب. فقال رسول الله ﷺ : «آلبر أردن بهذا؟ ! ما أنا بمعتكف». فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال (١).
وجه الاستدلال: في الحديث جواز الخروج من نفل الاعتكاف، وأنه لا يجب قضاؤه إن تَرَكه، وأما قضاؤه ﷺ فعلى طريق الاستحباب.
قال ابن قدامة: "إن النبي ﷺ ترك اعتكافه، ولو كان واجبا لما تركه، وأزواجه تركن الاعتكاف بعد نيته وضرب أبنيتهن له، ولم يوجد عذر يمنع فعل الواجب، ولا أُمِرْن بالقضاء. وقضاء النبي ﷺ له لم يكن واجبا عليه، وإنما فعله تطوعا؛ لأنه كان إذا عمل عملا أثبته، وكان فعله لقضائه كفعله لأدائه، على سبيل التطوع به، لا على سبيل الإيجاب، كما قضى السنة التي فاتته بعد الظهر وقبل الفجر. فتَرْكُه له دليل على عدم الوجوب؛ لتحريم ترك الواجب، وفعله للقضاء لا يدل على الوجوب؛ لأن قضاء السنن مشروع" (٢).
الدليل الثاني: ولأن الاعتكاف غير مقدر بالشرع، فأشبه الصدقة، وقد انعقد الإجماع على أن الإنسان لو نوى الصدقة بمال مقدر، وشرع في الصدقة به، فأخرج بعضه، لم تلزمه الصدقة بباقيه، فكذا الاعتكاف (٣).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الثاني: أنه يستحب قضاء الاعتكاف المندوب لمن شرع فيه ثم قطعه ولا يجب؛ لصحة أدلة هذا القول، ولأن زوجات النبي ﷺ لم يُنقَل عنهن أنهن قَضَيْن اعتكافهن, ولا أَمَرَهن النبي ﷺ بالقضاء، ولو كان القضاء واجبا لأمرهن ﷺ به (٤)، ولأن القول بوجوب قضاء النفل مبني على القول بوجوب إتمام النفل بعد الشروع فيه، والراجح خلافه (٥)، ولأن النبي ﷺ لم يكن ليخرج من اعتكافه بعد أن شرع فيه لو كان واجبا بالشروع.
стр. 663
وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بقضاء النبي ﷺ في شوال ما تركه من اعتكاف في رمضان، -على وجوب قضاء اعتكاف النفل فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن قضاء النبي ﷺ لما تركه من الاعتكاف في رمضان كان على سبيل الاستحباب؛ لأنه كان ﷺ إذا عمل عملا أثبته, ولو كان القضاء واجبا لاعتكف معه نساؤه أيضا في شوال, ولم ينقل عنهنّ ذلك، ولا أَمَرَهنّ ﷺ به (١).
الثاني: أن ترك النبي ﷺ للاعتكاف بعد شروعه فيه دليل على عدم وجوبه بالشروع, وبالتالي عدم وجوب قضائه، وذلك لتحريم ترك الواجب؟ ! (٢).
ثانيا: وأما قياسهم الاعتكاف على الحج والعمرة فيجاب عنه من وجهين:
الأول: أن الوصول إلى الحج والعمرة لا يحصل في الغالب إلا بعد كُلْفَة عظيمة، ومشقة شديدة، وإنفاق مال كثير، ففي إبطالهما تضييع لماله، وإبطال لأعماله الكثيرة. وقد نُهينا عن إضاعة المال، وإبطال الأعمال (٣). وليس في ترك الاعتكاف بعد الشروع فيه مال يضيع، ولا عمل يبطل، فإن ما مضى من اعتكافه، لا يبطل بترك اعتكاف المستقبل (٤).
الثاني: أن نُسُك الحج والعمرة يتعلق بالمسجد الحرام على الخصوص، والاعتكاف ليس مخصوصا به (٥). والله أعلم.
стр. 664
المبحث الثاني: في مكان الاعتكاف
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أين تعتكف المرأة؟ .
المطلب الثاني: هل يجوز الاعتكاف في غير المساجد الثلاثة؟ .
المطلب الثالث: هل يجوز الاعتكاف في غير المسجد الجامع؟ .
стр. 665
المطلب الأول: أين تعتكف المرأة ؟ .
اختيار الشيخ: اختار أن المرأة كالرجل تعتكف في المسجد, فقال: "فيه (١) دليل على أن الاعتكاف ليس من الخصائص, وإن النساء كالرجال في الاعتكاف, وقد كان ﵇ أذن لبعضهن كما تقدم. وأما إنكاره عليهن الاعتكاف بعد الإذن فلمعنى آخر" (٢).
تحرير محل الخلاف: اتفق أهل العلم أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد (٣) , لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٤).
واختلفوا هل يصحّ للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها على قولين:
القول الأول: لا يصحّ لها أن تعتكف في مسجد بيتها, واعتكافها لا يصح إلا في المسجد كالرجل.
وهو قول: المالكية (٥) , والشافعي في الجديد وهو المذهب (٦)، والحنابلة (٧)، والظاهرية (٨)، وهو اختيار الشيخ.
القول الثاني: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الأفضل, ويكره في المساجد.
وبه قال: الحنفية (٩) , والشافعي في القديم (١٠).
سبب الخلاف: قال ابن رشد: "وأما سبب اختلافهم في اعتكاف المرأة:
стр. 666
فمعارضة القياس أيضا للأثر، وذلك أنه ثبت: أن حَفصَة وعائشة وزينب أزواج النبي ﷺ استأذنّ رسول الله ﷺ في الاعتكاف في المسجد، فأذن لهن حين ضربْن أخبيتهن فيه. فكان هذا الأثر دليلا على جواز اعتكاف المرأة في المسجد. وأما القياس المعارض لهذا: فهو قياس الاعتكاف على الصلاة، وذلك: أنه لما كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل منها في المسجد، -على ما جاء في الخبر-، وجب أن يكون الاعتكاف في بيتها أفضل" (١).
أدلة القول الأول: القائلين أنه لا يصحّ اعتكفها في مسجد بيتها, وأنه لا يصح إلا في المسجد كالرجل.
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢).
وجه الاستدلال: أن المراد بالمساجد: المواضع التي بُنيت للصلاة فيها. وموضع صلاة المرأة في بيتها ليس بمسجد؛ لأنه لم يبن للصلاة فيه، فلا يَثبُت له أحكام المساجد الحقيقية.
قال ابن رجب: "وهذه المساجد لا يثبت لها شيء من أحكام المساجد المُسَبَّلة، فلا يجب صيانتها عن: نجاسة، ولا جنابة، ولا حيض" (٣).
الدليل الثاني: عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ اعتكف معه بعض نسائه وهي (مُسْتَحاضَة) (٤) ترى الدم، فربما وضعت الطَسْت (٥) تحتها من الدم» (٦).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ مَكَّن امرأته مِن أن تعتكف في المسجد وهي مستحاضة؛ إذ لا تفعل ذلك إلا بأمره، ولو كان الاعتكاف في البيت جائزا لما أمرها بالمسجد، ولَأَمرها بالبيت؛ فإنه أسهل وأيسر وأبعد عن تلويث المسجد بالنجاسة، وعن مشقة حمل الطست
стр. 667
ونقله، وهو ﷺ لم يخير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فعُلم أن الجلوس في غير المسجد ليس باعتكاف (١).
الدليل الثالث: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية فقال: «ما هذا»؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ : «آلبر أردن بهذا؟ ! ما أنا بمعتكف». فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال (٢).
وجه الاستدلال: أنه لو كان اعتكافهن ﵅ في غير المسجد العام ممكنا؛ لاستغنين بذلك عن ضرب الأخبية في المسجد, كما استغنين بالصلاة في بيوتهن عن الجماعة في المسجد، ولأمرهن النبي ﷺ بذلك.
قال ابن حجر: "وفيه أن المسجد شرط للاعتكاف؛ لأن النساء شرع لهن الاحتجاب في البيوت, فلو لم يكن المسجد شرطا ما وقع ما ذُكِر من الإذن والمنع, ولاكتُفِي لهن بالاعتكاف في مساجد بيوتهن" (٣).
الدليل الرابع: عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن امرأة جعلت عليها (أي نذرت) أن تعتكف في مسجد بيتها، فقال: «بدعة، وأبغض الأعمال إلى الله البدع» (٤).
وجه الاستدلال: أن الصحابي إذا قال عن فعل ما أنه بدعة؛ عُلِم أنه غير مشروع؛ كما أنه إذا قال: إنه سُنَّة؛ عُلِم أنه مشروع (٥).
أدلة القول الثاني: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو الأفضل, ويكره في المساجد.
стр. 668
الدليل الأول: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة، فأذن لها، وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت، فلما رأت ذلك زينب ابنة جحش أمرت ببناء، فبني لها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه، فبصر بالأبنية فقال: «ما هذا»؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ : «آلبر أردن بهذا؟ ! ما أنا بمعتكف». فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرا من شوال (١).
وجه الاستدلال: أن النبي ﷺ إنما ترك الاعتكاف إنكارا على زوجاته اعتكافهن في المسجد؛ ويدل على ذلك قوله ﷺ : «آلبر أردن» , أي: ليس اعتكافهن في المساجد ببر (٢).
قال الجصاص: "وهذا الخبر يدل على كراهية الاعتكاف للنساء في المسجد؛ بقوله: «آلبر تردن» , يعني: أن هذا ليس من البر. ويدل على كراهية ذلك منهن أنه لم يعتكف في ذلك الشهر, ونَقَضَ بناءه حتى نَقَضْن أبنيتهن, ولو ساغ لهن الاعتكاف عنده لَما ترك الاعتكاف بعد العزيمة, ولما جَوَّز لهن تركَه وهو قُربة إلى الله تعالى. وفي هذا دلالة على أنه قد كِرِه اعتكاف النساء في المساجد" (٣).
الدليل الثاني: عن عبد الله بن مسعود ¢، عن النبي ﷺ ، قال: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حُجرتها، وصلاتها في مَخْدَعِهَا (٤) أفضل من صلاتها في بيتها» (٥).
وجه الاستدلال: فإذا مُنعَت المرأة من المكتوبة في المسجد مع وجوبها، فلأن تكون ممنوعة من اعتكاف هو نفل أولى، ولَمّا كانت صلاة الرجل في المسجد أفضل، كان اعتكافه فيه أفضل (٦).
стр. 669
قال الكاساني: "هذه قُربة خُصت بالمسجد, لكن مسجد بيتها له حكم المسجد في حقها في حق الاعتكاف؛ لأن له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة؛ لحاجتها إلى إحراز فضيلة الجماعة, فأُعطي له حكم مسجد الجماعة في حقها ... وإذا كان له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة، فكذلك في حق الاعتكاف؛ لأن كل واحد منهما في اختصاصه بالمسجد سواء" (١).
الترجيح: الذي يترجح -والله أعلم- هو القول الأول: أن المرأة لا يصِحُّ أن تعتكِف في مسجد بيتها, واعتكافها لا يصح إلا في المسجد كالرجل؛ لصحة ما استدلوا به، ولأن مساجد البيوت لا يثبت لها شيء من أحكام المساجد العامّة، فلا يجب صيانتها عن نجاسة ولا جنابة ولا حيض. ولأن الاعتكاف في البيوت لو كان مشروعا لَنُقِل عن أمهات المؤمين وغيرهن من الصحابيات ﵅ , ولَفَعَلْنَه لبيان الجواز، فلما لم يُنقَل عنهن فِعلُه، مع ما جاء عن ابن عباس ﵁ كونه بدعة عُلِم أن فعله غير مشروع.
وأما ما استدل به أصحاب القول الثاني فيجاب عنه بما يلي:
أولا: أما استدلالهم بحديث الأخبية على أن اعتكاف المرأة غير مشروع في المسجد، فيجاب عنه:
أن وجه الاستدلال الذي ذكروه ليس واضحا (٢)؛ وذلك: لأنه ﷺ أذن لعائشة وحفصة ﵄ فيه، فلو لم يكن بِرّا لَما أَذِن لهما. وإنما جاء عدم كونه بِرّا؛ من كون زوجاته ﷺ تَنافَسْن فيه (٣).
ثانيا: وأما استدلالهم بأن صلاة المرأة في مسجد بيتها أفضل, فيكون اعتكافها في مسجد بيتها أفضل، وأن مسجد بيتها له حكم المسجد في حقها في حق الاعتكاف؛ لأن له حكم المسجد في حقها في حق الصلاة، فيجاب عنه من وجهين:
الأول: لا يسلم كون صلاة المرأة في بيتها أفضل دليلا على أن اعتكافها في بيتها أفضل, وإلا لجاز القول إن اعتكاف النفل في حق الرجل أفضل؛ لأن صلاة النفل في حقه أفضل (٤)،
стр. 670
لقوله ﷺ في حديث زيد بن ثابت ﵁: «فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» (١).
الثاني: قولهم إن مسجد بيت المرأة له حكم المسجد، غير صحيح لأن مساجد البيوت لا يثبت لها شيء من أحكام المساجد العامّة، فلا يجب صيانتها عن نجاسة ولا جنابة ولا حيض (٢).
كما أنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «جُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا» (٣).
قال ابن حزم: "بمعنى أنه تجوز الصلاة فيه، وإلا فقد جاء النص والإجماع بأن البول والغائط جائز فيما عدا المسجد. فَصَحَّ أنه ليس لما عدا المسجد حكم المسجد, فَصَحَّ أن لا طاعة في إقامة في غير المسجد, فَصَحَّ أن لا اعتكاف إلا في مسجد" (٤). والله أعلم.