تمهيد
المراد بأركان الاستدراك الأصولي
الأركان: جمع ركن، وأرجع ابن فارس (الراء والكاف والنون) إلى أصل واحد يدلُّ على القوة. (١)
فالركن في اللغة: الجانب الأقوى من الشيء، فركن الرجل: قومه وعَدَدُه ومادته، وفي التنزيل: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]. (٢)
وفي الاصطلاح: ركن الشيء: هو جزؤه الداخل في حقيقته. (٣)
فمثلاً: السجود ركن في الصلاة، فهو جزء من الصلاة، داخل في حقيقتها.
وسبق تعريف الاستدراك الأصولي بأنه: تعقيب ما يذكره الأصوليون في مصنفاتهم الأصولية بمخالف له في نفسه.
• وعلى هذا فالمراد بأركان الاستدراك الأصولي: ما لا يقوم تعقيب اللفظ أو المعنى الأصولي إلا به.
والاستدراك له ركن واحد؛ وهو: المستدرك به؛ إلا أن هذا الركن له متعلقات تسبقه ناسب الحديث عنها قبل الولوج في الركن، وهذه المتعلقات:
١ - المُستدرَك عليه. ٢ - المستدرك فيه. ٣ - المُستدِرك.
وتفصيلها في المطالب التالية:
стр. 110
• المطلب الأول
المُستدرَك عليه
وهو الأصولي صاحب القول، أو المعنى الأول في عملية الاستدراك.
ويمكن حده بأنه: المُتعقَّب عليه في لفظه أو معناه الأصولي.
والمُستدرَك عليه له ثلاث حالات:
١ - مُستدرَك عليه معلومًا في العملية الاستدراكية، فيسميه المستدرِك؛ ومن أمثلة ذلك:
أولاً: استدراك الشُّراح على أصحاب المتون؛ كاستدراك القرافي على الرازي في النفائس (١)، واستدراك الإسنوي على البيضاوي في نهاية السول (٢)، واستدراك البَابَرْتِي (٣)
على ابن الحاجب في الردود والنقود (٤).
стр. 111
ومثال ذلك: استدراك الأصفهاني والقرافي على الرازي في أن دلالة الإجماع قطعية، فقال الأصفهاني: واعلم أن المشهور أن الإجماع حجة قاطعة، وأنه يقدم على الأدلة كلها، ولا يعارضه دليل أصلاً. والمصنف خالف في هذه المسألة؛ فإنه يرى أن الإجماع لا يفيد إلا الظن، ومن المعلوم أن ذلك يظهر بالأدلة الدالة على كون الإجماع حجة، فإن كان فيها قاطع حصل المقصود؛ وهو القطع، وإن لم يكن فيها قاطع استحال القطع) (١).
وقال القرافي: ( ... فإن المصنف قد أكثر التشنيع في هذا المقام، وأداه صعوبة هذا الموضع إلى أن قال: الإجماع ظني، وهو خلاف إجماع من تقدمه كما حكاه هو هاهنا، ... ) (٢).
ثانيًا: استدراك أصحاب الحواشي على الشراح؛ مثل: استدراك التفتازاني (٣) على العضد، واستدراك المُطِيْعِي (٤) على الإسنوي.
стр. 112
مثال ذلك: ما ذكره الإسنوي من اعتراض الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] على حجية القياس بقوله: "إنه لا يلزم من الأمر بالاعتبار الذي هو القدر المشترك الأمر بالقياس؛ فإن القدر المشترك معنى كلي، والقياس جزئي من جزئياته، والدال على الكلي لا يدل على الجزئي" (١).
وذكر جواب البيضاوي على هذا الاعتراض، ثم أضاف جوابه فقال: "وقد يجاب بجواب آخر؛ وهو: أن الأمر بالماهية المطلقة وإن لم يدل على وجوب الجزئيات؛ لكنه يقتضي التخيير بينهما عند عدم القرينة، والتخيير يقتضي جواز العمل بالقياس، وجواز العمل به يستلزم وجوب العمل به؛ لأن كل من قال بالجواز قال بالوجوب" (٢).
فاستدرك المطيعي على جواب الإسنوي فقال: "قال الإسنوي: (وقد يجاب بجواب آخر؛ وهو: أن الأمر بالماهية المطلقة وإن لم يدل على وجوب الجزئيات إلى آخره). أقول: يرد على هذا أن للخصم أن يقول: إن كونه يقتضي التخيير بينها عند عدم القرينة إنما يتم إذا لم نحمل الآية على الاتعاظ دون القياس الشرعي، وأما إذا حملناه على ذلك بقرينة صدر الآية فلا يقتضي التخيير؛ بل يتعين حمله على الاتعاظ، فيضطر أن يقول: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ويلغو هذا الجواب.
وأما قول الإسنوي: (وجواز العمل به يستلزم وجوب العمل به إلى آخره)،
стр. 113
فهو مسلم؛ لكنه لا يقطع عرق الإشكال إلا بالنظر لهؤلاء القائلين بذلك؛ لا بالنظر لمن لا يسلم هذا الاستلزام؛ لأنه ليس استلزاما عقليًا؛ بل هو اتفاقي فقط" (١).
ثالثًا: استدراك المختصرين على أصحاب المتون؛ كاستدراك سراج الدين الإرموي (٢) والتبريزي (٣) على الرازي في محصوله، وابن رشيق (٤)
على الغزالي،
стр. 114
والطوفي (١) على ابن قدامة (٢).
ومثال ذلك: استدراك ابن رشيق على الغزالي في مسألة (إذا دار اللفظ بين المعنى اللغوي والشرعي)، وكان حال المخاطَب يقتضي تعذر وقوع الفعل على الوضع الشرعي هل يكون ذلك قَرِينة تَصرِفَهُ إلى الوضع اللغوي؟ قال ابن رشيق: "اختار أبو حامد (٣) حمله على موجب الوضع اللغوي؛ كقوله: «دعِي الصّلَاةَ أيَّامَ إقرائك» (٤)، و «من باعَ حرًّا وأَكَلَ ثمَنَهُ» (٥)، فإن الصلاة، وبيع الحر لا ينعقد شرعًا.
وهذا ليس بصحيح؛ فإن النهي لا يستدعي إلا إمكان وقوع الفعل المنهي عنه؛ ليتصور الانتهاء عنه بموجب النهي.
стр. 115
فأما الحكم بانعقاده وشرعيته فمحال؛ لأنه يلزم منه الجمع بين المشروعية ونفيها" (١).
رابعًا: استدراك على أصولي مسمى؛ ومن أمثلة ذلك:
• المثال الأول:
قال ابن قدامة في مسألة (حكم انعقاد الإجماع (٢) بقول الأكثر): "ولا ينعقد الإجماع بقول الأكثرين من أهل العصر في قول الجمهور.
وقال محمد بن جرير (٣) وأبو بكر الرازي (٤):
ينعقد. وقد أومأ إليه
стр. 116
أحمد ﵀.
ووجهه: أن مخالفة الواحد شذوذ، وقد نهي عن الشذوذ، قال ﵇: «عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأَعْظَمِ» (١). وقال: «الشَّيْطَانُ مَعَ الوَاحِدِ وهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ» (٢) " (٣).
فاستدرك عليهما ابن قدامة بقوله: "والشذوذ يتحقق بالمخالفة بعد الوفاق. ولعله أراد به: الشاذ من الجماعة، الخارج على الإمام، على وجه يثير الفتنة؛ كفعل الخوارج (٤) " (٥).
стр. 117
• المثال الثاني:
قول الإسنوي في مسألة المطلق (١) والمقيد (٢): "واعلم أن مقتضى إطلاق المصنف (٣) أنه لا فرق في حمل المطلق على المقيد بين الأمر والنهي؛ فإذا قال: لا تعتق مُكَاتَبًا، وقال أيضًا: لا تعتق مُكَاتَبًا كافرًا؛ فإنا نحمل الأول على الثاني، ويكون المنهي عنه هو: إعتاق المكاتب الكافر.
وصرح به الإمام في المنتخب، وذكر في المحصول (٤) والحاصل (٥) نحوه أيضًا.
لكن ذكر الآمدي في الإحكام (٦) أنه (لا خلاف في العمل بمدلولهما، والجمع بينهما في النفي؛ إذ لا تعذر فيه) هذا لفظه، وهو يريد أنه يلزم من نفي المطلق نفي المقيد فيمكن العمل بهما، ولا يلزم من ثبوت المطلق ثبوت المقيد.
стр. 118
وتابعه ابن الحاجب وأوضحه فقال: (فإن اتحد موجبهما مثبتين فيحمل المطلق على المقيد)، ثم قال: (فإن كانا منفيين عمل بهما (١) .... وقد غلط الأصفهاني (٢) المذكور في فهم كلام الآمدي وابن الحاجب، فادعى أن المراد منه: حمل المطلق على المقيد" (٣).
٢ - مُستدرَك عليه مجهول في العملية الاستدراكية، فلا يسميه المستدرِك ويعبر عنه بـ: قيل، قال قوم، قال بعضهم، قال بعض أصحابنا، قال بعض الشافعية، قال بعض أصحاب الشافعي ... وأذكر أمثلة فيما يلي:
أولاً: التعبير بـ (قيل):
قال الإسنوي في مسألة (تقسيم المأمور به إلى مُعَيَّن ومُخيَّر): "المذهب الثالث: أن الواجب مُعيَّن عند الله تعالى غير مُعيَّن عندنا، وهذا القول يسمى قول التراجم؛ لأن الأشاعرة ترويه عن المعتزلة (٤)، والمعتزلة ترويه عن الأشاعرة (٥)، كما قال في المحصول (٦)، ولما لم يعرف قائله عبَّر المصنف عنه بقوله: (وقيل).
وهذا المذهب باطل؛ لأن التكليف بمعين عند الله تعالى غير معين للعبد، ولا طريق له إلى معرفته بعينه؛ من التكليف بالمحال" (٧).
стр. 119
ثانيًا: التعبير بـ (قال قوم):
ومن ذلك ما ذكره الآمدي في تعريف المباح: "وأما في الشرع فقد قال قوم: هو ما خُيِّر المرء فيه بين فعله وتركه شرعًا، وهو منقوض (١) بخصال الكفارة المخيرة؛ فإنه ما من خصلة منها إلا والمكفر مخير بين فعلها وتركها، وبتقدير فعلها لا تكون مباحة؛ بل واجبة. وكذلك الصلاة في أول وقتها الموسع مخير بين فعلها وتركها مع العزم، وليست مباحة؛ بل واجبة.
قال قوم: هو ما استوى جانباه في عدم الثواب والعقاب. وهو منتقض بأفعال الله تعالى؛ فإنها كذلك وليست متصفة بكونها مباحة" (٢).
ثالثًا: التعبير بـ (قال بعضهم):
مثاله: ما قاله الآمدي عند حديثه عن المنطوق: "أما المنطوق فقد قال بعضهم: هو ما فهم من اللفظ في محل النطق. وليس بصحيح؛ فإن الأحكام المضمرة في دلالة الاقتضاء (٣) مفهومة من اللفظ في محل النطق، ولا يقال لشيء من ذلك: منطوق اللفظ؛ فالواجب أن يقال: المنطوق: ما فهم من دلالة اللفظ قطعًا في محل النطق ... " (٤).
رابعًا: التعبير بـ (بعض أصحابنا):
مثاله: ما ذكره السمعاني في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو
стр. 120
المرة؟ ): "وقد قال بعض أصحابنا في الفرق بين الأمر والنهي: إن في حمل الأمر على التكرار ضيقًا وحرجًا يلحق الناس؛ لأنه إذا كان الأمر يقتضي الدوام عليه لم يتفرغ لسائر أموره، وتتعطَّل عليه جميع مصالحه. وأما النهي لا يقتضي إلا الكف والامتناع، ولا ضيق ولا حرج في الكف والامتناع؛ وهذا لأن الوقت لا يضيق عن أنواع الكف، ويضيق عن أنواع الفعل.
وهذا الفصل يضعف؛ لأن الكلام في مقتضى اللفظ في نفسه، وأما التضايق وعدم التضايق معنى يوجد من بعد، وربما يوجد وربما لا يوجد، فلا يجوز أن يعرف مقتضى اللفظ منه ... " (١).
خامسًا: التعبير بـ (قال بعض الشافعية):
كما قال المحبوبي (٢): "مسألة: قال بعض الشافعية: لا عموم للمجاز (٣)؛ لأنه ضروري يصار إليه توسعة، فيقدر بقدر الضرورة.
قلنا: لا ضرورة في استعماله؛ لأنه إنما يستعمل لأجل الداعي الذي يأتي من بعد، وإذا لم تكن الضرورة الترديد في استعماله؛ بل يكون معنى الضرورة أنه إذا استعمل
стр. 121
اللفظ يجب أن يحمل على المعنى الحقيقي (١)، فإذا لم يمكن فعلى المجازي، فهذه الضرورة لا تنافي العموم، بل العموم إنما يثبت إن استعمله المتكلم وأراد به المعنى العام، ولا مانع لهذا؛ لأنه ما وجد في الاستعمال ضرورة، وهو أحد نوعي الكلام؛ بل فيه من البلاغة ما ليس في الحقيقة" (٢).
سادسًا: التعبير بـ (قال بعض أصحاب الشافعي):
مثاله: قال الغزالي: "لا يجوز نسخ (٣) النص القاطع المتواتر (٤)
بالقياس (٥)
стр. 122
المعلوم بالظن (١) والاجتهاد (٢) ... وقال بعض أصحاب الشافعي: يجوز النسخ بالقياس الجلي (٣) " (٤).
• تنبيه: قد يكون المُستدرَك عليه معلومًا لدى المستدرِك؛ ولكنه لا يصرح باسمه في العملية الاستدراكية؛ كالإمام الغزالي مثلاً في كتابه المستصفى في أصول الفقه تجده في كثير من المواقع لا ينسب الأقوال إلى أصحابها بل يستعمل كلمة "قال قوم" أو "قيل"، وصنيعه هذا لا يدل على عدم معرفته بأصحابها؛ ولا يدل أيضًا على عدم اهتمامه بهم؛ بل الأظهر أنه يتبع في ذلك منهجه العام الذي يُنادي به دائماً
стр. 123
في كتبه؛ وهو "لا تعرف الحق بالرجال، واعرف الحق تعرف أهله" (١). (٢)
ومن أمثلة ذلك قوله: "ولا يُنسخ حكم بقول الصحابي (٣): (نُسخ حكم كذا) ما لم يقل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (نسخت حكم كذا) ... وقال قوم: إن ذكر لنا ما هو الناسخ عنده لم نقلده (٤)؛ لكن نظرنا فيه، وإن أطلق فنحمله على أنه لم يطلق إلا عن معرفة قطعية" (٥).
فهذا القول ينسب إلى أبي الحسن الكَرْخِي (٦)، ولم يصرح به الغزالي.
كما أن من أسباب عدم التصريح بالمستدرَك عليه: اشتهار القول عنه؛ مثل: قول الغزالي في مسألة الزيادة على النص قال: "الزيادة على النص (٧) نسخ
стр. 124
عند قوم ... " (١). ومعلوم أن أصحاب هذا القول هم الحنفية (٢).
وكذلك ابن الحاجب في مختصره يذكر قول الإمام الرازي بلفظ "قيل" فلا يسميه تبعًا للآمدي. (٣)
٣ - مُستدرَك عليه مقدرٌ عند المُستدرِك، ويعبر عنه في العملية الاستدراكية بصيغة الجملة الشرطية؛ مثل: "فإن قيل"، أو "فإن قال قائل"، أو "لقائل أن يقول"، وهذا النوع من المُستدرَك عليه يكثر وجوده في المصنفات الأصولية؛ لأن الغرض منه زيادة تقرير المذهب وتأكيده برفع ما يمكن أن يرد عليه من اعتراضات.
• ومن أمثلة "فإن قيل":
стр. 125
• المثال الأول:
ما ذكره السرخسي في (فصل: في بيان الكتاب وكونه حجة) بعد أن ذكر أن "الكتاب هو: القرآن المنزل على رسول الله ﷺ ، المكتوب في دفات المصاحف، المنقول إلينا على الأحرف السبعة (١)
المشهورة نقلاً متواترًا؛ لأن ما دون المتواتر لا يبلغ درجة العيان ولا يثبت بمثله القرآن مطلقًا" (٢). ثم أورد تقدير استدراك عليه فقال:
"فإن قيل: فقد أثبتم بقراءة ابن مسعود (٣) ﵁ ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ (٤) كونه قرآنًا في حق العمل به، ولم يوجد فيه النقل المتواتر، ولم تثبتوا في التسمية مع النقل المتواتر كونها آية من القرآن في حكم العمل؛ وهو وجوب الجهر بها في الصلاة، وتأدي القراءة بها.
стр. 126
قلنا: نحن ما أثبتنا بقراءة ابن مسعود كون تلك الزيادة قرآنًا؛ وإنما جعلنا ذلك بمنزلة خبر رواه عن رسول الله ﷺ ؛ لعلمنا أنه ما قرأ بها إلا سماعًا من رسول الله ﷺ ، وخبره مقبول في وجوب العمل به، وبمثل هذا الطريق لا يمكن إثبات هذا الحكم في التسمية؛ لأن برواية الخبر وإن علم صحته لا يثبت حكم جواز الصلاة، ولأنه ليس من ضرورة كونها آية من القرآن وجوب الجهر بها على ما بينا أن الفاتحة لا يجهر بها في الأخريين، وما كان ثبوته بطريق الاقتضاء يتقدر الحكم فيه بقدر الضرورة؛ لأنه لا عموم للمقتضى (١) " (٢).
стр. 127
• المثال الثاني:
ما ذكره ابن العربي (١) في مسألة (تكليف الكفار بفروع الشريعة): " ... فأما الجواز فظاهر؛ لأنه لا يمتنع أن يقال للكافر: صَلِّ، ويتضمن الأمر بالصلاة الأمر بشرطها في الإيمان؛ إذ لا يتوصل إلى فعلها إلا به، ... فالدليل على وجود ذلك في الشرع ظواهر الكتاب، وأمثلها في التعليق قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٤].
فإن قيل: أراد تعالى: لم تك على اعتقاد المصلين.
قلنا: إنما يعدل عن الظاهر لضرورة داعية، ولا ضرورة ها هنا؛ لما تقدم من الجواز" (٢).
• المثال الثالث:
ما ذكره الشاطبي (٣)
في فصل العموم والخصوص عند حديثه عن المسألة الأولى: "إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة؛ فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان (٤)
стр. 128
ولا حكايات الأحوال (١).
والدليل على ذلك أمور:
أحدها: أن القاعدة مقطوع بها بالفرض؛ لأنا إنما نتكلم فى الأصول الكلية القطعية وقضايا الأعيان مظنونة أو متوهمة، والمظنون لا يقف للقطعي ولا يعارضه .... الرابع: أنها لو عارضتها؛ فإما أن يُعملا معًا، أو يهملا، أو يعمل بأحدهما دون الآخر-أعني في محل المعارضة-؛ فإعمالهما معًا باطل (٢)، وكذلك إهمالهما؛ لأنه إعمال للمعارضة فيما بين الظني والقطعي (٣)، وإعمال الجزئي دون الكلي ترجيح له على الكلي، وهو خلاف القاعدة، فلم يبق إلا الوجه الرابع؛ وهو إعمال الكلي
стр. 129
دون الجزئي، وهو المطلوب" (١).
ثم أورد تقدير استدراك عليه فقال:
" فإن قيل: هذا مُشْكِل على بابي التخصيص (٢) والتقييد؛ فإن تخصيص العموم (٣) وتقييد المطلق صحيح عند الأصوليين بأخبار الآحاد وغيرها من الأمور المظنونة (٤)، وما ذكرت جار فيها؛ فيلزم إما بطلان ما قالوه، وإما بطلان هذه القاعدة؛ لكن ما قالوه صحيح؛ فلزم إبطال هذه القاعدة.
فالجواب من وجهين:
أحدهما (٥): أن ما فرض في السؤال ليس من مسألتنا بحال (٦)؛ فإن ما نحن فيه
стр. 130
من قبيل ما يتوهم فيه الجزئي معارضًا وفي الحقيقة ليس بمعارض؛ فإن القاعدة إذا كانت كلية ثم ورد في شيء مخصوص وقضية عينية ما يقتضي بظاهره المعارضة في تلك القضية المخصوصة وحدها مع إمكان أن يكون معناها موافقًا لا مخالفًا؛ فلا إشكال في أن لا معارضة هنا، وهو هنا محل التأويل (١) لمن تأول، أو محل عدم الاعتبار إن لاق بالموضع الاطراح والإهمال ... وأما تخصيص العموم فشيء آخر؛ لأنه إنما يعمل بناء على أن المراد بالمخصِّص ظاهره من غير تأويل ولا احتمال، فحينئذ يعمل ويعتبر كما قاله الأصوليون، وليس ذلك مما نحن فيه" (٢).
• ومن أمثلة "فإن قال قائل":
• المثال الأول:
ما ذكره الإمام الشافعي في (ابتداء الناسخ والمنسوخ) بعد أن قرر أن السنة لا تنسخ الكتاب؛ وإنما هي تبع للكتاب، ومفسرة معنى ما أنزل الله منه جُملاً (٣). ثم أورد تقدير استدراك عليه فقال: "فإن قال قائل: فقد وجدنا الدلالة على أن القرآن يَنسخُ القرآن، لأنه لا مِثْلَ للقرآن، فأوجدنا ذلك في السنة.
قال الشافعي: فيما وصفت من فرض الله على الناس اتباع أمر رسول الله دليل على أن سنة رسول الله إنما قبلت عن الله، فمن اتبعها فبكتاب الله تبعها، ولا نجد خبرًا ألزمه الله خلقه نصًّا بيِّنًا إلا كتابه ثم سنة نبيه، فإذا كانت السنة كما وصفتُ لا شبه
стр. 131
لها من قول خلق من خلق الله؛ لم يجز أن ينسخها إلا مثلها، ولا مثل لها غير سنة رسول الله؛ لأن الله لم يجعل لآدمي بعده ما جعل له؛ بل فرض على خلقه اتباعه، فألزمهم أمره، فالخلق كلهم له تبع، ولا يكون للتابع أن يخالف ما فرض عليه اتباعه، ومن وجب عليه اتباع سنة رسول الله لم يكن له خلافها، ولم يقم مقام أن ينسخ شيئًا منها". ثم قال بعد ذلك: "فإن قال قائل: هل تنسخ السنة بالقرآن؟
قيل: لو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي فيه سنة تبيِّن أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة، حتى تقوم الحجة على الناس، بأن الشيء ينسخ بمثله" (١).
• المثال الثاني:
ما ذكره الجَصَّاص في فصل جواز نسخ السنة بالقرآن: "والدليل على جواز نسخ السنة بالقرآن قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فإذا كان النسخ بيانًا لمدة الحكم على ما بينا؛ اقتضى عموم الكتاب جواز نسخ السنة به (٢) ...
فإن قال قائل: إن هذا القول الذي عارضت به ما حكيت يرده ظاهر الكتاب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١]، فقد أفصح الكتاب بأن بعضه ينسخ بعضًا.
قيل له: نقول لك: إنما أفصح الكتاب بوجود النسخ في القرآن ولا دلالة فيه على أنه نسخه بقرآن مثله أو بغيره؛ لأنه لا يمتنع أن يكون مراده: ما ننسخ من آية بسنة نوحي بها إليك نأت بخير منها" (٣).
стр. 132
• المثال الثالث:
ما ذكره ابن حزم (١) في فصل إبطال القول بالعلل: "قال أبو محمد (٢): فإن قال قائل: أنتم تنكرون القول بالعلل وتقولون بالأسباب فما الفرق بين الأمرين؟
فالجواب - وبالله تعالى التوفيق -: أن الفرق بين العلة وبين السبب وبين العلامة وبين الغرض فروق ظاهرة لائحة واضحة وكلها صحيح في بابه، وكلها لا يوجب تعليلاً في الشريعة، ولا حكمًا بالقياس أصلاً، فنقول- وبالله تعالى التوفيق -:
إن العلة هي: اسم لكل صفة توجب أمرًا ما إيجابًا ضروريًّا، والعلة لا تفارق المعلول ألبتة؛ ككون النار علة الإحراق، والثلج علة التبريد، الذي لا يوجد أحدهما دون الثاني أصلاً، وليس أحدهما قبل الثاني أصلاً ولا بعده.
وأما السبب فهو: كل أمر فعل المختار فعلاً من أجله لو شاء لم يفعله؛ كغضب أدى إلى انتصار، فالغضب سبب الانتصار، ولو شاء المنتصر ألا ينتصر لم ينتصر، وليس السبب موجبًا للشيء المسبب منه ضرورة، وهو قبل الفعل المتسبب منه ولا بد" (٣).
• ومن أمثلة "لقائل أن يقول":
• المثال الأول:
ذكر الآمدي في مسألة (الغاية التي يقع التخصيص إليها) قول أبي الحسين: "ومنهم من جعل نهاية التخصيص في جميع الألفاظ العامة جمعًا كثيرًا يعرف
стр. 133
من مدلول اللفظ وإن لم يكن محدودًا، وهو مذهب أبي الحسين البصري (١) ".
ثم ذكر حجته فقال: "وأما حجة أبي الحسين البصري فإنه قال: لو قال القائل: قتلت كل من في البلد، وأكلت كل رمانة في الدار. وكان فيها تقدير ألف رمانة، وكان قد قتل شخصًا واحدًا أو ثلاثة، وأكل رمانة واحدة أو ثلاث رمانات؛ فإن كلامه يعد مستقبحًا مستهجنًا عند أهل اللغة. وكذلك إذا قال لعبده: من دخل داري فأكرمه، أو قال لغيره: من عندك، وقال: أردت به زيدًا وحده، أو ثلاثة أشخاص معينة أو غير معينة؛ كان قبيحًا مستهجنًا. ولا كذلك فيما إذا حمل على الكثرة القريبة من مدلول اللفظ فإنه يعد موافقًا مطابقًا لوضع أهل اللغة.
وهذه الحجة وإن كانت قريبة من السداد، وقد قلده فيها جماعة كثيرة؛ إلا أن لقائل أن يقول: متى يكون ذلك مستهجنًا منه، إذا كان مريدًا للواحد من جنس ذلك العدد الذي هو مدلول اللفظ وقد اقترن به قرينة، أو إذا لم يكن الأول ممنوع والثاني مسلم.
وبيان ذلك النص وصحة الإطلاق:
أما النص فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وأراد بالناس القائلين: نعيم بن مسعود الأشجعي (٢)
стр. 134
بعينه، ولم يعد ذلك مستهجنًا؛ لاقترانه بالدليل.
وأما الإطلاق فصحة قول القائل: أكلت الخبز واللحم وشربت الماء والمراد به واحد من جنس مدلولات اللفظ العام، ولم يكن ذلك مستقبحًا؛ لاقترانه بالدليل.
نعم إذا أطلق اللفظ العام وكان الظاهر منه إرادة الكل وما يقاربه في الكثرة، وهو مريد للواحد البعيد من ظاهر اللفظ من غير اقتران دليل به يدل عليه؛ فإنه يكون مستهجنًا" (١).
• المثال الثاني:
قال السراج الأرموي في مسألة (وقوع النسخ) في أدلة القائلين المثبتين للنسخ: "والمعتمد قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
وجه الاستدلال: أن صحة التمسك بالقرآن إن توقفت على صحة النسخ وقد صح لصحة نبوته ﵇؛ فيصح النسخ وإن لم يتوقف تمسكنا بالآية المذكورة.
ولقائلٍ أن يقول: ملزومية الشيء لغيره لا تقتضي وقوعه ولا صحة وقوعه" (٢).
• بيان الاستدراك:
احتج المثبتون للنسخ بأن الاستدلال بالقرآن متوقف على ثبوت نبوة محمد ﷺ وكونها ناسخة لما قبلها، وحينئذ يقال: نبوته ﷺ إن توقفت على نسخ الشرائع السابقة فقد حصل المطلوب، وإن لم تتوقف عليه فالآية تدل على جواز النسخ.
فاستدرك السراج الأرموي على هذا الاستدلال: بأن قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ جملة شرطية معناها: إن ننسخ نأت، وصدق الملازمة بين الشيئين لا يقتضي
стр. 135
وقوع أحدهما، ولا صحة وقوعه؛ لجواز اللزوم بين المحالين (١)، وذلك بأن يكون الشرط والجزاء محالين.
• المثال الثالث:
قال ابن السبكي في شروط المجتهد: "وشرط الإمام (٢): أن يكون عارفًا بالدليل العقلي، وعارفًا بأننا مكلفون به.
وقد اتبع في ذلك الغزالي؛ فإنه ذكر ذلك ولم يذكر القياس (٣)، وكأنهما (٤) تركاه لكونه متفرعًا عن الكتاب والسنة.
ولكن لقائل أن يقول: الإجماع والعقل أيضا كذلك، فَلِمَ ذكرا قوله" (٥).
- فائدتان:
١ - كان السراج الأرموي إذا بدا له تدوين استدراك على المحصول ابتدأها بقوله: "ولقائل أن يقول" تمييزًا لها عما ورد في الكتاب، وعبارته هذه تدل على ذوق سليم وأدب رفيع كان يتحلى بها السراج الأرموي؛ حيث نسب الاستدراك لمجهول تواضعًا منه. (٦)
٢ - ذكر القرافي فرقًا في دلالة "لقائل أن يقول" و"فإن قيل" أو "فإن قلت" عند الإمام الفخر الرازي:
стр. 136
فمتى قال: (ولقائل أن يقول) فهو عنده قوي؛ لأنه ابتدأه بلام الاختصاص التي هي للثبوت، فهو متمكن القدم في الثبوت.
ومتى قال: (فإن قيل، أو فإن قلت) فهو عنده متقارب في البعد من ظهور الفساد وللصحة؛ لأن (إِن) في لسان العرب للشك، فلا تدخل ولا يعلق عليها إلا المشكوك فيه، فلا تقول: إن زالت الشمس أكرمتك. (١)
стр. 137
• المطلب الثاني
المستدرك فيه
وهو اللفظ أو المعنى الأصولي الأول الصادر من المُستدرَك عليه.
والمراد تصويبه، أو تكميله، أو دفع اللَّبْس عنه، أو نقده، أو تخطئته، أو توجيهه لأولى.
ويمكن حده بأنه: المُتعقب فيه من اللفظ أو المعنى الأصولي الواقع أو المقدر.
والمستدرك فيه على قسمين:
الأول: مستدرك فيه واقع: وهذا يصدر من المُستدرَك عليه المعلوم أو المجهول في العملية الاستدراكية، والاستدراك عليه يكون بدفعه. وأمثلة ذلك ما سبق ذكره في المستدرَك عليه المعلوم والمجهول (١).
الثاني: مستدرك فيه مقدر: وهذا يصدر من المُستدرَك عليه المقدر - الذي يُقدره المُستدرِك -، والاستدراك عليه يكون برفعه. وأمثلة ذلك ما سبق ذكره في المستدرَك عليه المقدر. (٢)
стр. 138
• المطلب الثالث
المستدرِك
وهو فاعل الاستدراك، ويمكن حده: بالْمُعقِب للفظ أو المعنى الأصولي الواقع أو المقدر بما يخالفه في نفسه.
وشروط المستدرِك هي ذاتها شروط المجتهد إذا اعتبرنا الاستدراك نوعًا من الاجتهاد أو الخلاف، فيشترط له ما يشترط لهما؛ إذ لا يستحق المخالف أن يعتد بخلافه إلا إذا حاز أهلية الاعتداد بالخلاف، ومن لم يبلغ رتبة الاجتهاد مقلد، وليس للمقلد أن يستدرك على المجتهد؛ بيد أن الشروط التي يذكرها الأصوليون في باب الاجتهاد (١) لا تلزم في كل استدراك، والذي يضبط ذلك موضوع الاستدراك وطبيعته، ونستدل على ذلك بقول الإمام الغزالي بعد عرضه العلوم التي لا بد للمجتهد منها: (اجتماع هذه العلوم الثمانية إنما يشترط في حق المجتهد المطلق (٢)
الذي يفتي في جميع الشرع.
стр. 139
وليس الاجتهاد -عندي- منصبًا لا يتجزأ؛ بل يجوز أن ينال العالم منصب الاجتهاد في بعض الأحكام دون بعض، فمن عرف طريق النظر القياسي؛ فله أن يفتي في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهرًا في علم الحديث ... وقس عليه ما في معناه) (١).
وذهب الإمام الشاطبي في تقريره القدر الذي يجب على المجتهد تحصيله من هذه العلوم والمعارف: أنه ليس واجبًا على العالم أن يتعمق في كل علم من العلوم المذكورة في شروط الاجتهاد حتى يصل لدرجة الاجتهاد فيها؛ بل يكفيه أن يمتلك القدرة العلمية على الاستفادة من كل فن ما يساعده في بناء الفتوى بناء صحيحًا؛ سواء كان في الحديث أو اللغة أو غيرهما من العلوم ... ولو كان مشترطًا في المجتهد الاجتهاد في كل ما يفتقر إليه الحكم؛ لم يصح لحاكم أن ينتصب للفصل بين الخصوم حتى يكون مجتهدًا في كل ما يفتقر إليه الحكم الذي يوجهه على المطلوب لطالب، وليس الأمر كذلك بالإجماع. (٢)
ويمكن تقسيم الشروط التي يجب توفرها في المستدرِك إلى قسمين؛ الأول منهما: شروط قبول الاستدراك. والثاني: شروط صحة الاستدراك.
أولاً: شروط قبول الاستدراك .
ويراد بها: الشروط التي يجب أن تتوفر في المستدرِك، وبدونها لا يقبل استدراكه وإن كان قادرًا على الفهم والاستنباط.
١ - الإسلام: يشترط في المستدرِك أن يكون مسلمًا؛ لأن الاستدراك الأصولي من فروض الكفاية - كما تقدم -، فهو إذًا عبادة، والإسلام شرط لصحة العبادة،
стр. 140
فهو شرط لقبول استدراكه، وليس شرطًا في قدرة المرء على الاستدراك؛ فقد يستطيع الكافر أن يستدرك، ولكن لا عبرة لاستدراكه؛ لأن الاستدراك الأصولي من علوم الشريعة، فمن لم يكن متشبعًا بالشريعة لا يسوغ له الاستدراك على علومها.
٢ - التكليف: فيشترط في المستدرِك أن يكون بالغًا عاقلاً؛ حتى يتمكن من فهم نصوص وعبارات الأصوليين على الوجه الصحيح، وهذا لا يتم للصغير والمجنون؛ لعدم اكتمال ملكاتهم العقلية التي يتم بها الإدراك والتمييز.
٣ - العدالة (١): فمن كان عدلاً اطمأن القلب إلى استدراكه؛ لأن غرضه في ذلك مرضاة الله، ونشر العلم، ومن لم يكن كذلك لم يطمئن القلب إلى استدراكه كأن يكون غرضه الخصومة مع المستدرَك عليه.
ثانيًا: شروط صحة الاستدراك .
المراد بها الشروط التي تُكَوِّن الملكة (٢) التي يقتدر بها المستدرِك على الاستدراك. وإن شئت أن تطلق عليها الآلات التي يشترط أن تتوفر في المستدرِك، وأقرر ذلك
стр. 141
بكلام الإمام الشافعي عندما قال: (ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها ... ) (١).
وعلى غِرارِه أقول: لا يستدرك إلا من جمع الآلة التي له الاستدراك بها، وهذه الآلات يمكن تقسيمها إلى قسمين: الآلات العامة، والآلات الخاصة.
أما الآلات العامة فهي التي تشترط في جميع الاستدراكات، وهي:
١ - العلم بأصول الفقه: وهذا من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر في المستدرِك؛ إذ كيف يستدرك على علم لا يفقهه؟ !
وقد نص على هذا الشرط ابن عاصم (٢) في منظومته مرتقى الوصول إلى علم الأصول (٣) فقال:
وما بِها من خطأٍ ومن خَلَلْ ... أَذِنْتُ في إصلاحه لمن فَعَلْ
لكن بشرط العلم والإنصافِ ... فذا وذا من أَجمَلِ الأوصَاف
فالاستدراك الأصولي ينطلق من مقدمات علمية أساسية، وينتهي إلى نتائج قيمة تسهم في بناء المعرفة الأصولية وتطورها؛ فلذلك يتطلب الإحاطة بكل ما يتعلق بالجوانب العلمية للموضوع المستدرك فيه.
стр. 142
فيجب على المستدرك أن يكون واسع الاطلاع في المسألة المستدرك فيها، واقفًا على أقوال الأصوليين فيها، فاهمًا لدلالات عباراتهم.
ومن العلم بأصول الفقه: العلم بالمسائل المجمع عليها حتى لا يخالفها؛ كتقديم المنطوق على المفهوم، والنص على الظاهر، ونحو ذلك.
٢ - العلم باللغة العربية: بالقدر الذي يمكن صاحبه من فهم كلام الأصوليين، ومعرفة دلالات ألفاظهم، وسياق كلامهم؛ حتى يسلم له الاستدراك.
الآلات الخاصة: وهي التي تشترط في بعض الاستدراكات لا جميعها؛ ومنها:
١ - العلم بالمنطق: بأن يعرف شرائط الحدود (١) والبراهين (٢)، وكيفية تركيب المقدمات، وغير ذلك.
وهذا يحتاج إليه في الاستدراك على البراهين والحدود والتعريفات، ولا يحتاج إليه في الاستدراك على إكمال الأقوال أو دفع توهم.
مثاله: (قال الرازي: أما النظر: فهو ترتيب تصديقات في الذهن؛ ليتوصل بها إلى تصديقات أخرى) (٣).
فاستدرك عليه القرافي بقوله: (قوله: "ترتيب تصديقات" هو صيغة جمع، مع أن البرهان القاطع قد قام على أن الدليل يستحيل أن يتركب من أكثر من مقدمتين تامتين، وحيث احتاج الدليل أو المطلوب إلى مقدمات كثيرة فإنما ذلك لعدم تمام
стр. 143
المقدمتين أو إحداهما، والمقدمات الزائدة لتمامها أو تمام إحداهما. وبيانه: أن المحكوم به إذا كان مجهول الثبوت للمحكوم عليه فلا بد من واسطة بينهما، يكون ثبوتها لأحدهما معلومًا، وثبوت الآخر لها معلومًا، فيلزم ثبوت المجهول للمعلوم، كما إذا جهلنا ثبوت الحدوث للعالم فيتوسط بينهما التغير. فنقول: التغير ثابت للعالم، والحدوث ثابت للمتغير، فالحدوث ثابت للعالم؛ لأن لازم اللازم لازم، فمن المحال أن تعلم هاتين الملازمتين ولا يحصل العلم، نعم قد لا تعلمان فنحتاج في كل مقدمة إلى دليل مركب من مقدمتين، وقد يحتاج الدليل الثاني لذلك أيضًا، فتكثر المقدمات، فظهر أنه يستحيل الزيادة في الدليل على مقدمتين تامتين" (١).
فيلحظ أن استدراك القرافي على الرازي في حده للنظر كان مستمدًّا من علم المنطق، وما يذكر فيه من مقدمات القياس المنطقي، وقواعد المنطق؛ كقوله: (لازم اللازم لازم).
٢ - العلم بالمسائل الكلامية المبحوثة في أصول الفقه: وهذا يحتاج إليه في الاستدراك على تلك المسائل؛ كاستدراك النقد، أو تصويب الخطأ، ولا يحتاج إليه في الاستدراك على الحدود.
مثال: مسألة تكليف المعدوم، وأصل هذه المسألة من مسائل علم الكلام (٢)؛ هل يصح أن يخاطب الله المعدوم بطلب فعل شيء أو تركه بشرط وجوده، أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده؟
قال إمام الحرمين: "وهذه المسألة إنما رسمت لسؤال المعتزلة؛ إذ قالوا: لو كان الكلام أزليًا لكان أمرًا، ولو كان أمرًا لتعلق بالمخاطب في عدمه" (٣).
стр. 144
وقال ابن برهان: "وهذه المسألة رسمت لإثبات كلام الله تعالى؛ فإن الله تعالى متكلم بكلام قديم أزلي، آمر بأمر قديم، وليس هناك مأمور، والمعتزلة تنكر ذلك (١) " (٢).
وكل مذهب كان يستدل بأدلة، ويستدرك عليه الخصم ما استدل به؛ فمن ذلك مثلاً: ما استدل به المانعون لتكليف المعدوم حيث قالوا: إن الأمر: هو استدعاء الفعل بالقول من الدون، والمعدم غير موجود، فالفعل منه لا يقع؛ فلا يتعلق الأمر به. (٣)
استدرك عليهم: بأن المحال خطابه بإيجاد الفعل حال عدمه، ولا يستحيل منه الفعل إذا وجد مستجمعًا شرائط التكليف. (٤)
стр. 145
• المطلب الرابع
المستدرك به
وهو اللفظ أو المعنى الأصولي الصادر من المُستدرِك، والذي حصل به التصويب، أو التكميل، أو دفع اللَّبْس، أو النقد، أو التخطئة، أو التوجيه للأولى.
ويمكن حده بأنه: المُعقَّب به على اللفظ أو المعنى الأصولي الواقع أو المقدر.
مثاله: قال الغزالي في حد النسخ: "الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا به مع تراخيه عنه" (١).
فاستدرك عليه ابن رشيق بقوله: "والتحقيق في ذلك: أن هذا ليس حدًّا للنسخ؛ بل للناسخ، والنسخ غير الناسخ على ما سيأتي تحقيقه في أركان النسخ وشروطه.
وأما حد النسخ: فهو قطع استمرار مؤاخذة المكلف بموجب الخطاب الأول بسبب دليل شرعي مستقل نقلي" (٢).
فالمستدرك به هو قول ابن رشيق: "والتحقيق في ذلك ... " إلى قوله: "مستقل نقلي".