بكلام الإمام الشافعي عندما قال: (ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها ... ) (١).
وعلى غِرارِه أقول: لا يستدرك إلا من جمع الآلة التي له الاستدراك بها، وهذه الآلات يمكن تقسيمها إلى قسمين: الآلات العامة، والآلات الخاصة.
أما الآلات العامة فهي التي تشترط في جميع الاستدراكات، وهي:
١ - العلم بأصول الفقه: وهذا من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر في المستدرِك؛ إذ كيف يستدرك على علم لا يفقهه؟ !
وقد نص على هذا الشرط ابن عاصم (٢) في منظومته مرتقى الوصول إلى علم الأصول (٣) فقال:
وما بِها من خطأٍ ومن خَلَلْ ... أَذِنْتُ في إصلاحه لمن فَعَلْ
لكن بشرط العلم والإنصافِ ... فذا وذا من أَجمَلِ الأوصَاف
فالاستدراك الأصولي ينطلق من مقدمات علمية أساسية، وينتهي إلى نتائج قيمة تسهم في بناء المعرفة الأصولية وتطورها؛ فلذلك يتطلب الإحاطة بكل ما يتعلق بالجوانب العلمية للموضوع المستدرك فيه.
стр. 142
فيجب على المستدرك أن يكون واسع الاطلاع في المسألة المستدرك فيها، واقفًا على أقوال الأصوليين فيها، فاهمًا لدلالات عباراتهم.
ومن العلم بأصول الفقه: العلم بالمسائل المجمع عليها حتى لا يخالفها؛ كتقديم المنطوق على المفهوم، والنص على الظاهر، ونحو ذلك.
٢ - العلم باللغة العربية: بالقدر الذي يمكن صاحبه من فهم كلام الأصوليين، ومعرفة دلالات ألفاظهم، وسياق كلامهم؛ حتى يسلم له الاستدراك.
الآلات الخاصة: وهي التي تشترط في بعض الاستدراكات لا جميعها؛ ومنها:
١ - العلم بالمنطق: بأن يعرف شرائط الحدود (١) والبراهين (٢)، وكيفية تركيب المقدمات، وغير ذلك.
وهذا يحتاج إليه في الاستدراك على البراهين والحدود والتعريفات، ولا يحتاج إليه في الاستدراك على إكمال الأقوال أو دفع توهم.
مثاله: (قال الرازي: أما النظر: فهو ترتيب تصديقات في الذهن؛ ليتوصل بها إلى تصديقات أخرى) (٣).
فاستدرك عليه القرافي بقوله: (قوله: "ترتيب تصديقات" هو صيغة جمع، مع أن البرهان القاطع قد قام على أن الدليل يستحيل أن يتركب من أكثر من مقدمتين تامتين، وحيث احتاج الدليل أو المطلوب إلى مقدمات كثيرة فإنما ذلك لعدم تمام
стр. 143
المقدمتين أو إحداهما، والمقدمات الزائدة لتمامها أو تمام إحداهما. وبيانه: أن المحكوم به إذا كان مجهول الثبوت للمحكوم عليه فلا بد من واسطة بينهما، يكون ثبوتها لأحدهما معلومًا، وثبوت الآخر لها معلومًا، فيلزم ثبوت المجهول للمعلوم، كما إذا جهلنا ثبوت الحدوث للعالم فيتوسط بينهما التغير. فنقول: التغير ثابت للعالم، والحدوث ثابت للمتغير، فالحدوث ثابت للعالم؛ لأن لازم اللازم لازم، فمن المحال أن تعلم هاتين الملازمتين ولا يحصل العلم، نعم قد لا تعلمان فنحتاج في كل مقدمة إلى دليل مركب من مقدمتين، وقد يحتاج الدليل الثاني لذلك أيضًا، فتكثر المقدمات، فظهر أنه يستحيل الزيادة في الدليل على مقدمتين تامتين" (١).
فيلحظ أن استدراك القرافي على الرازي في حده للنظر كان مستمدًّا من علم المنطق، وما يذكر فيه من مقدمات القياس المنطقي، وقواعد المنطق؛ كقوله: (لازم اللازم لازم).
٢ - العلم بالمسائل الكلامية المبحوثة في أصول الفقه: وهذا يحتاج إليه في الاستدراك على تلك المسائل؛ كاستدراك النقد، أو تصويب الخطأ، ولا يحتاج إليه في الاستدراك على الحدود.
مثال: مسألة تكليف المعدوم، وأصل هذه المسألة من مسائل علم الكلام (٢)؛ هل يصح أن يخاطب الله المعدوم بطلب فعل شيء أو تركه بشرط وجوده، أم لا يصح أن يخاطب به إلا بعد وجوده؟
قال إمام الحرمين: "وهذه المسألة إنما رسمت لسؤال المعتزلة؛ إذ قالوا: لو كان الكلام أزليًا لكان أمرًا، ولو كان أمرًا لتعلق بالمخاطب في عدمه" (٣).
стр. 144
وقال ابن برهان: "وهذه المسألة رسمت لإثبات كلام الله تعالى؛ فإن الله تعالى متكلم بكلام قديم أزلي، آمر بأمر قديم، وليس هناك مأمور، والمعتزلة تنكر ذلك (١) " (٢).
وكل مذهب كان يستدل بأدلة، ويستدرك عليه الخصم ما استدل به؛ فمن ذلك مثلاً: ما استدل به المانعون لتكليف المعدوم حيث قالوا: إن الأمر: هو استدعاء الفعل بالقول من الدون، والمعدم غير موجود، فالفعل منه لا يقع؛ فلا يتعلق الأمر به. (٣)
استدرك عليهم: بأن المحال خطابه بإيجاد الفعل حال عدمه، ولا يستحيل منه الفعل إذا وجد مستجمعًا شرائط التكليف. (٤)
стр. 145
• المطلب الرابع
المستدرك به
وهو اللفظ أو المعنى الأصولي الصادر من المُستدرِك، والذي حصل به التصويب، أو التكميل، أو دفع اللَّبْس، أو النقد، أو التخطئة، أو التوجيه للأولى.
ويمكن حده بأنه: المُعقَّب به على اللفظ أو المعنى الأصولي الواقع أو المقدر.
مثاله: قال الغزالي في حد النسخ: "الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا به مع تراخيه عنه" (١).
فاستدرك عليه ابن رشيق بقوله: "والتحقيق في ذلك: أن هذا ليس حدًّا للنسخ؛ بل للناسخ، والنسخ غير الناسخ على ما سيأتي تحقيقه في أركان النسخ وشروطه.
وأما حد النسخ: فهو قطع استمرار مؤاخذة المكلف بموجب الخطاب الأول بسبب دليل شرعي مستقل نقلي" (٢).
فالمستدرك به هو قول ابن رشيق: "والتحقيق في ذلك ... " إلى قوله: "مستقل نقلي".
стр. 146
• المبحث الثاني
أسباب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته .
وفيه تمهيد، ومطلبان:
- تمهيد: المراد بأسباب الاستدراك الأصولي.
- المطلب الأول: أسباب ناشئة من المستدرَك عليه.
- المطلب الثاني: أسباب ناشئة من المستدرِك.
* * ... * ** * ... * *
стр. 147
تمهيد
المراد بأسباب الاستدراك الأصولي
الأسباب في اللغة: جمع سبب، وذكر ابن فارس أنه ممكن أن يكون شاذًّا عن أصل الباب القطع، وممكن أن يُقال: إنه أصلٌ آخر يدلُّ على الطول وامتداد. (١)
ويطلق (السبب) في اللغة على عدة معان؛ منها:
المعنى الأول: الطريق (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] أي: أخذ طريقًا فسار. (٣)
المعنى الثاني: الحبل، وسمي سببًا لكونه يتوصل به إلى المقصود؛ كنزح الماء من البئر. (٤)
المعنى الثالث: الباب، ومنه قوله تعالى: ﴿لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] أي: أبوابها (٥).
وكلها ترجع إلى معنى واحد، فيطلق السبب على كل ما يتوصل به إلى مقصود ما. (٦)
стр. 148
وفي الاصطلاح الأصولي: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته. (١)
وعلى هذا يمكن حد أسباب الاستدراك الأصولي بأنها: ما يلزم من وجودها وجود الاستدراك، ومن عدمها عدم الاستدراك.
فالمراد بالأسباب في هذا البحث: دراسة الدوافع التي أدت ببعض الأصوليين للاستدراك.
إن منشأ الاستدراك متعدد ومتنوع، ومن خلال ما سبق وما تبين لي أثناء البحث يمكن تقسيم أسباب الاستدراك إلى مطلبين:
المطلب الأول: أسباب ناشئة من المستدرَك عليه.
والمطلب الثاني: أسباب ناشئة من المستدرِك.
стр. 149
• المطلب الأول
أسباب الاستدراك الناشئة من المستدرَك عليه
وهي ثلاثة أسباب: الوهم، والخطأ، والنسيان، وأقرر ذلك بقول أم المؤمنين عائشة ﵂ في استدراكها على ابن عمر (١)
﵄ في الميت يُعذب ببكاء أهله (٢)؛ حيثُ جمعت أسباب الاستدراك الناشئة من المستدرَك عليه في مقولتها: "وَهِم أبو عبدالرحمن، أو أخطأ، أو نسي" (٣).
وسأبدأ في تقريرها بالنسيان؛ وذلك لأنه من العوارض الفطرية، والفطري مقدم على المكتسب، أما الوهم والخطأ فمن العوارض المكتسبة.
وأخرت الخطأ عن الوهم؛ لأن الوهم من أسباب الوقوع في الخطأ، فناسب تقديم السبب.
стр. 150
• السبب الأول: نسيان المستدرَك عليه:
أصل مادة النسيان: النون والسين والياء أصلان صحيحان يدل أحدهما على إغفال الشيء، والثاني على ترك الشيء. (١)
وهو في اللغة: ضد الذُّكر والحفظ. والنِّسيانُ أيضًا: الترك، قال الله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ (٢)﴾ [التوبة: ٦٧]، وقال: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة، ٢٣٧]. (٣)
وأما في الاصطلاح فعرف بعدة تعريفات؛ منها: غيبة الشيء عن القلب؛ بحيث يحتاج إلى تنبيه جديد (٤).
وذكر علماء الأصول للنسيان عدة تعريفات؛ منها:
جهل الإنسان بما كان يعلمه ضرورة مع علمه بأمور كثيرة لا بآفة. (٥)
ومن علماء الأصول من يجعل النسيان والسهو معنى واحدًا كالتفتازاني (٦)، ومنهم من يفرق بينهما كالعطار (٧)؛ حيثُ قال: "السهو: الذهول؛ أي الغفلة
стр. 151
عن المعلوم الحاصل، فيتنبه له بأدنى تنبيه. بخلاف النسيان؛ فهو زوال المعلوم فيستأنف تحصيله" (١).
وجمعت بينهما لحصر الأسباب في النقاط الثلاثة التي ذكرتها أم المؤمنين عائشة ﵂، ولأن اللغة لا تفرق بين النسيان والسهو (٢)، ولم يظهر لي فرق في استعمال الأصوليين للكلمتين.
ودونك أمثلة توضح هذا السبب:
• المثال الأول:
ما ذكره ابن حزم في فصل (تمام الكلام في تعارض النصوص): "وقالوا: ونرجح أحد الخبرين بأن يكون راوي أحدهما باشر الأمر الذي حَدَّث به بنفسه، وراوي الآخر لم يباشره، فتكون رواية من باشر أولى. ومثلوا ذلك بالرواية عن ميمونة: «نكحني رسول الله ﷺ ونحن حلالان» (٣). وبالرواية عن ابن عباس «نكح رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم» (٤).
قال علي (٥): وهذا ترجيح صحيح؛ لأنا قد تيقنا أن من لم يحضر الخبر إنما نقله غيره، ولا ندري عمن نقله، ولا تقوم الحجة بمجهول، ولا شك في أن كل أحد أعلم بما شاهد من أمر نفسه.
стр. 152
قال علي: إلا أن قائل هذا قد نسي نفسه، فتناقض وهدم ما بنى في قوله: نرجح الخبر بأن يكون راويه أضبط وأتقن، وتركوا ذلك في هذا المكان، وقد قال الأكابر من أصحاب ابن عباس -رحمة الله عليه- إذا حدثوا بحديث ميمونة المذكور: وإنما رواه عنها يزيد بن الأصم (١)، فقالوا: كلا، لا نترك حديثًا حدثناه البحر عبدالله بن العباس لحديث رواه أعرابي بوال على عقبيه!
قال علي: فإن كان كون أحد الرواة أعدل وجب أن نترك له رواية من دونه في العدالة؛ فليتركوا ها هنا رواية يزيد بن الأصم لرواية ابن عباس، فلا خلاف عند من له أدنى مسكة عقل أن البون بين ابن عباس وبين يزيد بن الأصم كما بين السماء والأرض، وإن كان لا معنى لذلك فلا ترجحوا بكون أحد الراويين أعدل.
قال أبو محمد (٢): ونسوا أنفسهم أيضًا، فتركوا ما رجحوا به ها هنا من تغليب رواية من باشر على رواية من لم يباشر في قول أنس (٣): «أنا سمعت رسول الله ﷺ وركبتي تمس ركبته، وأنا إلى جنبه رديف لأبي طلحة (٤) وهو ﵇ يقول: لبيك عمرة
стр. 153
وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا» (١). وفي قول البراء بن عازب (٢) إذ يقول: «سألت رسول الله ﷺ عن كيفية حجه، فقال له رسول الله ﷺ : إني سقت الهدي وقرنت» (٣).
وفي قول حفصة أم المؤمنين له: «لم تحِلَّ من عُمرَتِكَ؟ فصدقها النبي ﷺ في ذلك، وبين لها لِمَ فعل ذلك (٤)» (٥). فتركوا ما سمع أنس بن مالك من لفظ رسول الله ﷺ ، وما أخبر به رسول الله ﷺ عن نفسه، لكلام عن عائشة لم تدع أنها سمعته، وقد اضطرب عنها أيضا فيه، فروي عنها مثل ما قال أنس والبراء وحفصة -رضي الله عن جميعهم- (٦)، ولكلام عن جابر (٧)
لم يدع أنه سمعه، وهو مع ذلك أيضًا يحتمل التأويل،
стр. 154
وقد اضطرب عنه أيضًا في ذلك (١)، ولا شك عند ذي عقل أنه ﵇ أعلم بأمر نفسه من جابر وعائشة، وأن أنسًا والبراء وحفصة الذين ذكروا أنهم سمعوا من لفظه ﷺ ذلك وباشروه يقول ذلك أيقن من جابر فيما لم يدع أنه سمعه؛ ولكن هكذا يكون من اعتقد قولًا قبل أن يعتقد برهانه" (٢).
• بيان الاستدراك
استدرك ابن حزم على القائلين بتعارض النصوص، والتخلص من هذا التعارض بعدة طرق؛ منها:
الترجيح: بأن يكون راوي أحد الخبرين باشر الأمر الذي حدث به بنفسه، والآخر لم يباشره، فتكون رواية من باشر أولى. ومثّل ذلك بالرواية عن ميمونة «نكحني رسول الله ﷺ ونحن حلالان». وبالرواية عن ابن عباس: «نكح رسول الله ﷺ ميمونة وهو محرم»، بأن قولهم هذا نسيانٌ؛ لترجيحهم الخبر الذي راويه أضبط وأتقن؛ حيثُ رجحوا في هذا الخبر حديث ميمونة الذي يرويه يزيد بن الأصم، وتركوا رواية ابن عباس، وابن عباس أحفظ وأتقن من ابن الأصم.
стр. 155
واستدرك عليهم أيضًا نسيانهم ما رحجوا به هنا من تغليب رواية من باشر على رواية من لم يباشر في قول أنس: «أنا سمعت رسول الله ﷺ وركبتي تمس ركبته وأنا إلى جنبه رديف لأبي طلحة وهو ﵇ يقول: لبيك عمرة وحجًّا، لبيك عمرة وحجًّا». وفي قول البراء بن عازب إذ يقول: «سألت رسول الله ﷺ عن كيفية حجه فقال له: رسول الله ﷺ إني سقت الهدي وقرنت».
وفي قول حفصة أم المؤمنين له: «لم تحل من عمرتك؟ فصدقها النبي ﷺ في ذلك وبين لها لم فعل ذلك».
فتركوا ما سمع أنس بن مالك من لفظ رسول الله ﷺ ، وما أخبر به البراء وحفصة، لخبر عن عائشة التي لم تباشر الرواية ولم تدع أنها سمعته.
• المثال الثاني:
ما ذكره ابن حزم في عدم حجية عمل أهل المدينة حيث قال: " ... وبالسند المذكور ... حدثنا عمرو بن مُسْلِمِ بن عَمَّار اللَّيْثِيِّ (١) قال: كنا في الحمام (٢) قُبيل الأضحى، فأطلى (٣) فيه ناس، فقال بعض أهل الحمام: إن سَعِيدَ بن الْمُسَيَّبِ (٤)
يكره
стр. 156
هذا (١) وينهى عنه. فلقيت سَعِيدَ بن الْمُسَيَّبِ فذكرت ذلك له. فقال: يا ابن أخي، هذا حديث قد نسي وترك، حدثتني أُمُّ سَلَمَةَ زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ : -فذكرت- «من كان له ذبح يذبحه فإذا أهل هلال ذي الحجة فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي» (٢)، أو كلاما هذا معناه.
قال علي: عمرو بن مُسْلِمٍ هذا هو ابن أُكَيْمَة الذي يروي عنه مَالِك وغيره.
قال عَلي: فإن كان عمل أهل المدينة الذين يحتجون به ويتركون له كلام رسول الله ﷺ من هذا الباب الذي ذكرنا؛ فنحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا العمل، ونحن متقربون إلى الله تعالى بعصيان هذا العمل ومضادته، ولا شك أنهم يريدون عمل الجمهور الذي وصفنا من نحو إنكار عامة أهل المدينة على أزواج النبي ﷺ المرور في المسجد (٣)، وبيع أهل سوق المدينة الوَرْق (٤) بالوَرْقِ أو بالذهب نسيئة، ولا ينكر ذلك
стр. 157
أحد منهم (١).
ومثل تركهم ونسيانهم أمر النبي ﷺ في ألا يمس الشعر والظفر من أراد أن يضحي إذا أَهلَّ ذو الحجة بشهادة سَعِيد بن الْمُسَيَّبِ -فقيه أهل المدينة- عليهم بذلك. (٢)
• بيان الاستدراك:
استدرك ابن حزم على المالكية احتجاجهم بعمل أهل المدينة وأن لا دليل لهم فيه، وأوجب أن لا حجة إلا بما ثبت عن النبي ﷺ ؛ وذلك لأن أهل المدينة قد نسوا بعض الأحاديث؛ ومن ذلك: ما استشهد به من نسيانهم أمر النبي ﷺ لمن أراد أن يضحي بأن لا يمس شيئًا من شعره وظفره، ونسيانهم هذا الأمر بشهادة شاهد من أهلها؛ وهو سَعِيد بن الْمُسَيَّبِ، وإنكارهم على أزواج النبي ﷺ مرور الجنازة بالمسجد؛ وذلك بسبب نسيانهم صلاة النبي على سهيل بن بيضاء (٣) في المسجد. وعدم إنكارهم على من باع الوَرْقَ بالوَرْقِ أو بالذهب نسيئة بسبب نسيانهم الحكم.
стр. 158
• المثال الثالث:
ما ذكره ابن حزم في إبطال القياس: "واحتج بعضهم بقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] قالوا: وإنما قال ذلك تعالى في الطلاق والرجعة - يعني اشتراط العدالة-، واشترط تعالى الرضا في الرجل والمرأتين في الديون فقط، فكان ذلك في سائر الأحكام قياسًا على الطلاق والرجعة.
قال أبو محمد: وهذا الاحتجاج من غريب نوادرهم؛ فأول ذلك: أن المحتج بهذا إن كان مالكيًّا فقد نسي نفسه في إباحتهم شهادة الطبيب الفاسق (١)، وفي شهادة الصبيان في الدماء والجراحات خاصة (٢)، وهم غير موصوفين بعدالة، ولم يقس على ذلك الصبايا ولا تحريق الثياب.
وإن كان حنفيًّا فقد نسي نفسه في قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض (٣)، ونقضهم كلهم هذا الأصل في رد شهادة العبيد العدول (٤)، والأقارب العدول (٥) " (٦).
стр. 159
• بيان الاستدراك:
استدرك ابن حزم على الجمهور القائلين بحجية القياس قياسهم سائر الأحكام على الطلاق والرجعة في اشتراط العدالة فقال: إن كان المحتج بالقياس مالكيًّا فقد نسي اشتراط العدالة في شهادة الطبيب الفاسق، وشهادة الصبيان في الدماء والجراحات خاصة؛ حيث قبلوا شهادتهم وهم ليسوا عدول.
وإن كان المحتج بالقياس حنفيًّا فقد نسي اشتراط العدالة في شهادة الكفار بعضهم على بعض.
• المثال الرابع:
ما ذكره البيضاوي في مسألة (التعليل بالوصف المركب): "قيل: لو عُلِّلَ بالمُرَكَّبِ فإذا انتفى جزء تنتفي العِلِّيَّة، ثم إذا انتفى جزء آخر يلزم التخلف، أو تحصيل الحاصل. قلنا: العلة عَدَمِيَّة فلا يلزم ذلك" (١).
فاستدرك عليه الإسنوي: "وأجاب المصنف (٢) بأن العِليَّة صفة عدمية ... ولم يجب الإمام (٣) به عن هذه الشبهة؛ وإنما أجاب به عن شبهة أخرى ... فترك صاحب الحاصل (٤) ذكر هذه الشبهة، ونقل جوابها إلى الشبهة الأولى، وتبعه المصنف، والظاهر أنه إنما حصل عن سهو" (٥).
• بيان الاستدراك:
تعليل الحكم بالوصف المركب؛ كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد
стр. 160
العدوان، وهو جائز عند الأكثرين من علماء الأصول، وقال قوم: لا يجوز التعليل بالوصف المركب؛ بحجة أنه لو صح التعليل به لكان عدم أي جزء من المركب عدمًا لتلك العلية، فانعدام الجزء الآخر بعد ذلك لا يترتب عليه انعدام العلية؛ لأن العدم حصل عند انعدام الجزء الأول، فلا يحصل مرة أخرى عند انعدام الجزء الثاني؛ وذلك لامتناع تحصيل الحاصل.
فأجاب البيضاوي على دليلهم هذا بناء على أن كون العِلِّيَّة صفة وجودية، في حين أنها صفة عدمية لا وجود لها في الخارج؛ وإنما يعتبرها العقل، وإذا كانت العِلَّيَّة عدمية كان انتفاؤها وجوديًّا؛ لأن أحد النقيضين لابد أن يكون وجوديًّا.
فاستدرك الإسنوي على البيضاوي هذا الجواب، بأن الرازي لم يذكره جوابًا لهذه الشبهة وإنما أجاب به عن شبهة أخرى.
والذي أوقع البيضاوي في هذا الخلل متابعته للتاج الأرموي عند اختصاره للمحصول؛ حيث ذكر هذه الشبهة للمانعين، ونقل جواب الرازي لشبهة أخرى، والظاهر أنه كان سهوًا منه.
• المثال الخامس:
ما ذكره الإمام البيضاوي في شروط الأصل المختلف فيها: "وزعم عثمان البَتّي (١) قيام ما يدل على جواز القياس عليه" (٢).
стр. 161
فاستدرك عليه الإسنوي بقوله: "وعبر صاحب الحاصل (١) عن هذا بقوله: (وزعم عثمان البَتّي اشتراط قيام ما يدل على جواز القياس)، فتبعه المصنف على عبارته؛ ولكنه نسي لفظة (اشتراط) ولا بد منها" (٢).
• بيان الاستدراك:
بعد أن ذكر البيضاوي شروط الأصل المتفق عليها أردفها بالشروط المختلف فيها، وذكر زعم عثمان البتي أنه لا يقاس على أصل حتى يقوم دليل على جواز القياس على ذلك الأصل.
فاستدرك عليه الإسنوي إسقاط كلمة (اشتراط) الواردة في الحاصل بسبب النسيان وأنه لابد منها.
• المثال السادس:
ذكر محب الله بن عبدالشكور (٣) في مسألة (الزيادة على النص): "وأما رفع مفهوم مخالفة كـ (في المعلوفة زكاة) بعد (في السائمة) فنسبته إلى الحنفية سهو من ابن الحاجب (٤) إلا تقديرًا" (٥).
• بيان الاستدراك:
استدرك محب الله على ابن الحاجب ما نسبه إلى الحنفية من أن رفع مفهوم
стр. 162
المخالفة يُعد نسخًا عندهم؛ وذلك لأن الحنفية لا يقولون بمفهوم المخالفة (١) حتى يكون رفعه نسخًا؛ إلا إن كان من باب التقدير؛ بأن يقال: لو كان المفهوم عند الحنفية ثابتًا كان رفعه نسخًا.
• السبب الثاني: وَهَمُ المستدرَك عليه:
الوهم: قال ابن فارس: "الواو والهاء والميم كلمات لا تنقاس؛ بل أفراد؛ منها: .... الوهم: وَهْمُ القلب، ... ووهمت: غلطت" (٢).
وتوهم الشيء: تخيله وتمثله. ويجمع على أوهام (٣).
وفي الاصطلاح: الحكم بالشيء مع احتمال نقيضه احتمالاً راحجاً. (٤)
والوهم عند الأصوليين: تردد بين الاحتمالين مع تجويز مرجوح. (٥)
ويتضح من السابق أن مراد أم المؤمنين عائشة ﵂ بالوهم في استدراكها على ابن عمر ﵄ في الميت يُعذب ببكاء أهله: "وَهِم أبو عبدالرحمن، أو أخطأ، أو نسي"، المعنى اللُّغوي للوهم؛ وليس المعنى الاصطلاحي، وهو ما يطلق عليه علماء الأصول "الجهل المركب"؛ وهو: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو به. (٦) وعُرف أيضًا:
стр. 163
بالاعتقاد الجازم غير المطابق. (١)
فالمراد بالوهم في الأمثلة التالية: الجهل المركب.
أمثلة دفع وهم المستدرَك عليه:
• المثال الأول:
ما ذكره القرافي في تعريف الفقه اصطلاحًا: "وافق الإمام في دعوى أن الأحكام الشرعية معلومة شيخ الأصوليين القاضي أبا بكر الباقلاني (٢) ... وخالفه التبريزي، فقال: من الأحكام ما يعلم، ومنها ما يظن (٣)، ووقع في الوهم الذي وقع فيه غيره" (٤).
• بيان الاستدراك:
استدرك القرافي على التبريزي مخالفته للرازي في حد الفقه اصطلاحًا؛ حيث عرف الإمام الفقه بأنه: "العلم بالأحكام الشرعية العملية المستدل على أعيانها؛ بحيث لا يعلم كونها من الدين بالضرورة" (٥)، فغير التبريزي كلمة "العلم" إلى "الفهم"؛ وذلك لأن الفقه منه ما هو مستفاد من الأدلة القطعية فيفيد العلم، ومنه ما يستفاد من الأدلة الظنية فيفيد الظن، فلا يصح أن يقال في تعريف الفقه: العلم بالأحكام.
стр. 164
وما قاله التبريزي وهم وقع فيه؛ فإن مراد الإمام أن كل حكم شرعي ثابت بمقدمتين قطعيتين:
الأولى: وجدانية - أي يقطع المجتهد بالظن في نفسه -.
الثانية: إجماعية، وهي: كل مظنون يجب العمل به.
وكل حكم شرعي ثابت بمقدمتين قطعيتين، وكل ما هو ثابت بمقدمتين قطعيتين فهو معلوم، وبالتالي كل حكم شرعي فهو معلوم. (١)
• المثال الثاني:
ما ذكره القرافي عن السيف الآمدي: "قال سيف الدين: المحرم: هو ما ينتهض فعله سببًا للذم شرعًا بوجه ما من حيث هو فعل له. قال: فالقيد الأول (٢) لخروج الواجب والمندوب، والثاني (٣) لإخراج المخير كما تقدم في الواجب، والثالث (٤) لإخراج المباح إذا استلزم تركه واجبًا؛ فإنه يذم عليه؛ لكن من جهة أنه ترك واجبًا (٥)، وقد تقدم أن المخير لا يدخل في هذا الباب، ووافقه على دخول المخير أبو عمرو بن الحاجب
стр. 165
في مختصره (١)، وهو وهم لما تقدم (٢) " (٣).
• بيان الاستدراك:
استدرك القرافي على السيف الآمدي وابن الحاجب إيراد القيد الثاني؛ وهو: (بوجه ما) للاحتراز عن ترك المحرم المخير؛ فإنه سبب للذم بتقدير فعل البدل؛ وليس سببًا له بتقدير ترك البدل.
فالتخيير لا يدخل في هذا الباب، فما فيه التخيير لا تحريم فيه، فحيث وجد المحرم ذم فاعله على كل الوجوه، فلا معنى للاحتراز عن هذا القيد.
• المثال الثالث:
ما ذكره الإسنوي عند حديثه في الأدلة المختلف فيها، فذكر قول الصحابي، وما حكاه البيضاوي من أربعة أقوال في حجية قوله على غيره؛ وهي: الأول: أنه حجة مطلقًا. والثاني: أنه إن خالف القياس كان حجة؛ وإلا فلا. والثالث: أنه يكون حجة بشرط أن ينتشر ولم يخالفه أحد. والرابع وهو المشهور عن الشافعي وأصحابه: أنه لا يكون حجة مطلقًا، واختاره الإمام والآمدي وأتباعهما؛ كابن الحاجب والبيضاوي.
ثم قال: "واعلم أن حكاية الأقوال على الوجه الذي ذكره الإمام غلط، ولم ينتبه
стр. 166
له أحد من الشارحين؛ وسببه: اشتباه مسألة بمسألة؛ وذلك أن الكلام هنا في أمرين:
أحدهما: أن قول الصحابي هل هو حجة أم لا؟ وفيه ثلاثة مذاهب:
ثالثها: إن خالف القياس كان حجة؛ وإلا فلا. (١)
الأمر الثاني: إذا قلنا: إن قول الصحابي ليس بحجة فهل يجوز للمجتهد تقليده؟
فيه ثلاثة أقول للشافعي: الجديد (٢): أنه لا يجوز مطلقًا.
والثالث - وهو قول قديم (٣) -: أنه إن انتشر جاز؛ وإلا فلا (٤). هكذا صرح به الغزالي في المستصفى (٥)، والآمدي في الإحكام (٦)، وغيرهما، وأفردوا لكل حكم مسألة، وذكر الإمام في المحصول (٧) نحو ذلك أيضًا.
стр. 167
فتوهم صاحب الحاصل (١) أن المسألة الثانية أيضًا في كونه حجة؛ لكون المحصول في الصراحة ليس كالإحكام، فصرح بما توهمه.
فرأى المصنف (٢) حالة اختصاره أن تفريق أقوال الحكم الواحد لا معنى له، فأخذ حاصل المسألتين من الأقوال وجمعه في هذا الموضع؛ فلزم منه أن القول المفصل بين الانتشار وعدمه: تفصيل في الاحتجاج به، وليس كذلك؛ بل إنما هو تفصيل في جواز التقليد، مع تسليم عدم الاحتجاج به، فافهمه.
والعجب إنما هو من فهم صاحب الحاصل؛ فإنه كيف يترجم مُصنف مسألة واحدة مرتين متواليتين بترجمتين مستقلتين؟ " (٣).
• بيان الاستدراك
استدرك الإسنوي على التاج الإرموي توهمه أن الأقوال في مسألة: تقليد الصحابي تابعة للأقوال في مسألة: حجية قول الصحابي، وبين سبب التوهم؛ وهو عدم صراحة لفظ المحصول.
وبين أن هذا التوهم كان سببًا للخطأ الذي وقع فيه البيضاوي عند اختصاره للحاصل؛ حيثُ رأى أن تفريق أقوال المسألة الواحدة لا داعي له، فجمع حاصل المسألتين من الأقوال في موضع واحد؛ وهو القول في حجية قول الصحابي؛ فلزم منه أن القول المفصل بين انتشار قول الصحابي وعدمه: تفصيل في الاحتجاج به، والأمر ليس كذلك؛ بل هو تفصيل في جواز تقليد الصحابي في حالة التسليم بعدم حجية قوله.
стр. 168
• السبب الثالث: خطأ المستدرَك عليه:
أصل مادة الخطأ: الخاء والطاء والحرف المعتل والمهموز يدل على تعدي الشيء، والذهاب عنه، يقال: خطوت أخطو خطوة، والخُطوة ما بين الرجلين (١). والخطأ من هذا؛ لأنه مجاوزة حد الصواب، يقال: أخطأ إذا تعدى الصواب.
وفرق أهل اللغة بين الخَطَأ، والخِطْء، فالأول: ما لم يُتَعمَّد، والثاني: ما تُعُمِّد. (٢)
وذكر علماء الأصول في حد الخطأ: فعل أو قول يصدر عن الإنسان بغير قصده؛ بسبب ترك التثبت عند مباشرة أمر مقصود سواه. (٣)
والوقوع في الخطأ له عدة أسباب (٤) منها:
الأول: النقل من مصادر غير أصيلة.
الثاني: أن ينقل عن العالم قولٌ قاله بعض أصحابه عنه وغلط فيه.
الثالث: أن يفهم من كلام العالم ما لم يرده، أو ينقل عنه ما لم يقله.
الرابع: أن يجعل كلام العالم عامًّا أو مطلقاً وهو خلاف ذلك.
الخامس: أن يجعل كلام العالم خاصًّا أو مقيدًا وليس كذلك.
السادس: أن يكون عن العالم في المسألة اختلاف فيتمسك بالقول المرجوح.
السابع: الاختصار المخل للمصنفات.
الثامن: التصحيف في النسخ.
стр. 169
إذا تقرر هذا فسأذكر ما يسره الله لي من نماذج استدراك تصحيح خطأ المستدرَك عليه مع بيان سبب الخطأ فيما يلي:
• السبب الأول: النقل من مصادر غير أصيلة .
من خصائص المنهج العلمي: أن من نقل عن أحد قولاً أو مذهبًا وثق ذلك من كتبه إن كان له مصنف، وإن لم يوجد فمن كتب مذهبه أو من أحد المعروفين من أصحابه بالعلم.
أما نقل قول لم يقله الإمام ولا أحد من المعروفين من أصحابه بالعلم، والنقل عن كتب المخالفين لهم؛ فهذا قصور في البحث العلمي، وسبب للوقوع في الخطأ.
وأذكر لهذا السبب الأمثلة التالية:
• المثال الأول:
ما ذكره إمام الحرمين الجويني في مسألة (حد العلم): "وعن ذلك نقل
النقلةُ عن عبدالسلام بن الجبائي - وهو أبو هاشم (١) - أنه كان يقول: العلم بالشيء والجهل به مثلان. وأطال المحققون ألسنتهم فيه، وهذا عندي غلط عظيم في النقل، فالذي نص عليه الرجل في كتاب الأبواب (٢): أن العقد الصحيح مماثل للجهل. وعَنَى بالعقد: اعتقاد المقلد" (٣).
стр. 170
• المثال الثاني:
قال الجويني في تقسيم العلل والأصول في القسم الرابع: " ... وذهب مالك ﵀ في طوائف من السلف إلى وجوبها (١)، وإسعاف العبد إذا طلبها، ووجد فيها خيرًا ... " (٢).
فاستدرك عليه الأبياري (٣): "وأما قوله: إن مالكًا ﵀ ذهب إلى وجوبها، وإسعاف العبد إذا طلبها؛ فليس الأمر كذلك، وليس هذا مذهب مالك ﵀ ولا أحد من أصحابه فيما علمناه، نعم تردد أصحابنا هل هي مباحة نظرًا إلى جانب المعاوضة، أو مندوب إليها، أو سبب إلى العتق؟ وأما الوجوب فلا ذاهب إليه بحال (٤) " (٥).
• المثال الثالث:
ما ذكره الإمام الجويني في استدراكه على الإمام مالك ﵁ في إباحته قتل ثلث الأُمة لصلاح الثلثين حيثُ قال: " ... ومالك التزم مثل هذا في تجويزه لأهل الإيالات القتل في التهم العظيمة؛ حتى نقل عنه الثقات أنه قال: أنا أقتل ثلث الأُمة لاستبقاء ثلثيها" (٦).
стр. 171
فتعقبه الأبياري مستدرِكًا: "أما قوله: إن مالكًا ﵀ التزم مثل هذا؛ حيث جوَّز لأهل الإيالة القتل في التهم العظيمة، وهذا الذي ذكره عن مالك لم يقف عليه، ولا يعترف به أصحابه ... " (١).
وتعقبه كذلك القرافي بقوله: " ... وكذلك ما نقله (٢) عن الإمام في البرهان من أن مالكًا يُجيز قتل ثلث الأُمة لصلاح الثلثين، المالكية ينكرون ذلك إنكارًا شديدًا، ولم يوجد في كتبهم؛ إنما هو في كتب المخالف لهم ينقله عنهم، وهم لم يجدوه أصلاً" (٣).
• بيان الاستدراك:
هذا الاستدراك مركب من استدراكين؛ وهما:
الاستدراك الأول: استدرك الإمام الجويني على الإمام مالك فتواه: قتل ثُلث الأُمة لصلاح الثلثين بطريق المصلحة المرسلة (٤)، فاستدرك عليه الجويني بأن هذه مصلحة مُلغاة (٥)؛ لأن السلف يتحرزون من القتل، ولا يُريقون دمًا حتى يشهد أصل من الشريعة بجوازه.
الاستدراك الثاني: استدراك الأبياري والقرافي على الإمام الجويني عدم صحة النقل، فاستدراك الجويني لم ينقله من كتب الإمام مالك أو كتب المالكية
стр. 172
وإنما من كتب المخالف لهم، فاستدراك الجويني على الإمام مالك لا وجه له.
• المثال الرابع:
قال ابن رشيق في مسألة (إجماع أهل المدينة): "نسب أبو حامد (١) وغيره من الشافعية إلى مالك ﵁ أنه يقول: لا حجة إلا في إجماع أهل المدينة عن رأي واجتهاد، وجعلوا ذلك سببًا للطعن في مقاله، والإزراء من مذهبه.
وهذا جهل عظيم بمذهب هذا الإمام الحَبر العظيم القدر عند الله وعند سائر الفضلاء. وكيف يجوز أن ينسب إلى هذا الإمام أو غيره ما لا يثبت نقله من طريق صحيح.
قال القاضي أبو محمد عبدالوهاب (٢): هذا المذهب ما نعلمه مذهبًا لأحدٍ؛ فضلاً عن مالك بن أنس. ونحن نبين مذهبه في إجماع أهل المدينة، ونبين أنه الحق الذي يتعين على كل عاقل التمسك به.
فالذي احتج به مالك بن أنس من إجماع أهل المدينة ما كان يدل على النقل والتقرير من النبي ﷺ ... " (٣).
• بيان الاستدراك:
وهذا الاستدراك -كالسابق - يتكون من استدراكين:
стр. 173
الأول: استدراك أبي حامد الغزالي وغيره من الشافعية على الإمام مالك قول: لا حجة إلا في إجماع أهل المدينة.
الثاني: استدراك ابن رشيق على أبي حامد وغيره من الشافعية أن هذا النقل ليس بصحيح عن الإمام مالك، فلم يقل به أحد من نظار مذهبه؛ فضلاً عن الإمام، وأوضح المراد بإجماع أهل المدينة عند المالكية بأنه: ما كان يدل على النقل والتقرير من النبي ﷺ .
• المثال الخامس:
ما ذكره الزَّركشي في مسألة (هل يجب العمل بالعام (١) قبل البحث عن المخصص؟ ): "اختلاف الأصوليين في تحديد مذهب الصَّيْرَفِيِّ (٢)، وإنما حكيت كلام الصَّيْرَفِيِّ بنصه لعزة وجود هذا الكتاب (٣)، ولأنه قد وقع أغلاط لجماعة من الأكابر
стр. 174
في النقل عنه، فأردت الاستظهار في ذلك وبيانه ... " (١).
• السبب الثاني: أن ينقل عن العالم قولٌ قاله بعض أصحابه وغلط فيه .
من أسباب الخطأ: أن ينقل عالم قولاً عن غيره فيقلده غيره في نقل هذا القول، ويكون الأول قد أخطأ، فيتبعه من بعده في هذا الخطأ.
وأقرره بالأمثلة التالية:
• المثال الأول:
ما ذكره ابن حزم في (الباب التاسع والثلاثون: في إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين): "ذهب القائلون بالقياس من المتحذلقين المتأخرين إلى القول بالعلل، واختلف المبطلون للقياس؛ فقالت طائفة منهم: إذا نص الله تعالى على أنه جعل شيئًا ما سببًا لحكم ما فحيثما وجد ذلك لسبب وجد ذلك الحكم. وقالوا: مثال ذلك: قول رسول الله ﷺ إذ نهى عن الذبح بالسِّنِّ: «وأمَّا السّنُّ فَعَظمٌ» (٢). قالوا: فكل عظم لا يجوز الذبح به أصلاً، قالوا: ومن ذلك قول رسول الله ﷺ في السمن تقع فيه الفأرة: «فإن كان مائعًا فلا تقربوه» (٣).
قالوا: فالميَعَان سببٌ ألا يُقرب، فحيثما وجد مائع
стр. 175
احلَّت فيه نجاسة فالواجب ألا يُقرب.
قال أبو محمد: وهذا ليس يقول به أبو سليمان (١) ﵀ ولا أحدٌ من أصحابنا؛ وإنما هو قولٌ لقومٍ لا يُعتدُّ بهم في جملتنا؛ كالقاساني (٢) وضربائه" (٣).
• المثال الثاني:
ما ذكره الإسنوي في مسألة (العلم الحاصل من التواتر هل هو ضروري (٤) أو نظري (٥)؟ ) فقال: "ذهب الجمهور إلى أن العلم الحاصل عقب التواتر ضروري
стр. 176
-أي لا يحتاج إلى نظر وكسب-، واختاره الإمام وأتباعه (١) وابن الحاجب (٢).
وذهب إمام الحرمين (٣) والكعبي (٤) وأبو الحسين البصري (٥) إلى أنه نظري.
ونقله المصنف تبعًا للإمام عن حجة الإسلام الغزالي، وفيه نظر؛ فإن كلامه في المستصفى (٦) مقتضاه موافقة الجمهور، فتأمله" (٧).
• بيان الاستدراك:
استدرك الإسنوي على البيضاوي عدم صحة النقل عن الغزالي في المسألة؛ حيث نقل عنه أن العلم الحاصل عقب التواتر نظري، وهذا القول مخالف لمقتضى ما ذكره الغزالي في المستصفى، والذي أوقع البيضاوي في هذا الخطأ أنه لم يرجع إلى كتب الغزالي؛ وإنما نقل كلام الغزالي تبعًا لما ذكره الإمام الرازي.
стр. 177
• المثال الثالث:
ما ذكره الإسنوي في مسألة (رواية الحديث بالمعنى): "أقول: اختلفوا في جواز نقل حديث الرسول ﷺ بالمعنى، -أي: بلفظ آخر غير لفظه-؛ فجوزه الأكثرون، واختاره الإمام (١)، والآمدي (٢)، وأتباعهما (٣)، ونص عليه الشافعي، وممن نقله عنه صاحب المحصول.
وقال ابن سيرين (٤) وجماعة: لا يجوز. وغلط صاحب التحصيل في اختصاره للمحصول فعزاه للشافعي (٥) " (٦).
• المثال الرابع:
قال البيضاوي في مسألة (الواجب الموسع): " ... وقالت الحنفية: يختص بالأخير، وفي الأول تعجيل" (٧).
стр. 178
فاستدرك عليه عبدالعلي الأنصاري (١) بقوله: "وروي عن بعض الحنفية العراقيين: ليس كل الوقت وقتًا للوجوب؛ بل آخره وقته، فإن قدمه فنفل يسقط به الفرض؛ كالوضوء قبل الوقت، ونسب في المنهاج هذا القول إلى الحنفية، وهذه النسبة غلط ... " (٢).
• بيان الاستدراك:
استدرك الأنصاري على ما جاء في المنهاج من نسبته تعلق الوجوب بآخر الوقت إلى الحنفية، فهذه النسبة غلط؛ فليس كل الحنفية يقولون بها؛ وإنما قول بعض الحنفية العراقيين.
• السبب الثالث: أن يفهم من كلام العالم ما لم يرده، أو ينقل عنه ما لم يقله .
(أن يفهم من كلامه ما لم يرده) يدخل فيه الوهم؛ فلا حاجة لتكراره.
وأما أن ينقل عنه ما لم يقله فكنقل الرازي (٣) والآمدي (٤) وابن الحاجب (٥)
стр. 179
وغيرهم (١) عن الشافعي أنه يقول بأن العبرة بخصوص السبب، معتمدين في ذلك على قول إمام الحرمين الجويني في البرهان، وفي هذا يقول الإسنوي: "ونقل الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عن الشافعي: أنه يقول بأن العبرة بخصوص السبب، معتمدين على قول إمام الحرمين في البرهان (٢): إنه الذي صح عندي من مذهب الشافعي. ونقله عنه (٣) في المحصول.
وما قاله الإمام (٤) مردود؛ فإن الشافعي قد نص على أن السبب لا أثر له، فقال في الأم - في باب ما يقع به الطلاق، وهو بعد باب طلاق المريض- ما نصه: (ولا يصنع السبب شيئًا؛ إنما تصنعه الألفاظ؛ لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير السبب، ولا يكون مبتدأ الكلام الذي له حكم فيقع، فإذا لم يصنعه بما بعده ولم يمنع ما بعده أن يصنع ما له حكم إذا قيل) (٥) هذا لفظه بحروفه، ومن الأم نقلته.
فهذا نص بين دافع لما قاله؛ ولا سيما قوله: (ولم يمنع ما بعده) إلخ ... " (٦).
• المثال الثاني:
قال الإسنوي في مسألة (الاحتجاج بالقراءة الشاذة (٧)): "القراءة الشاذة
стр. 180
كقراءة ابن مسعود في كفارة اليمين: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ هل تنزل منزلة الخبر أم لا؟
والصحيح عند الآمدي (١) وابن الحاجب (٢) أنه لا يحتج بها، ونقله الآمدي عن الشافعي ﵁.
وقال إمام الحرمين في البرهان (٣): إنه ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن الراوي لم ينقلها خبرًا، والقرآن يثبت بالتواتر؛ لا بالآحاد.
وخالف أبو حنيفة ﵁، فذهب إلى الاحتجاج بها، وبنى عليه وجوب التتابع في كفارة اليمين؛ لقراءة ابن مسعود: ﴿ثلاثة أيام متتابعات﴾.
وجزم النووي (٤) في شرح مسلم (٥) بما قاله الإمام، ذكر في الكلام على قوله ﵇: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» (٦) وفي غيره أيضًا.