← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133372

الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية

إيمان بنت سالم قبوس

Полный текст (900 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

-أي لا يحتاج إلى نظر وكسب-، واختاره الإمام وأتباعه (١) وابن الحاجب (٢). وذهب إمام الحرمين (٣) والكعبي (٤) وأبو الحسين البصري (٥) إلى أنه نظري. ونقله المصنف تبعًا للإمام عن حجة الإسلام الغزالي، وفيه نظر؛ فإن كلامه في المستصفى (٦) مقتضاه موافقة الجمهور، فتأمله" (٧). • بيان الاستدراك: استدرك الإسنوي على البيضاوي عدم صحة النقل عن الغزالي في المسألة؛ حيث نقل عنه أن العلم الحاصل عقب التواتر نظري، وهذا القول مخالف لمقتضى ما ذكره الغزالي في المستصفى، والذي أوقع البيضاوي في هذا الخطأ أنه لم يرجع إلى كتب الغزالي؛ وإنما نقل كلام الغزالي تبعًا لما ذكره الإمام الرازي.

стр. 177

• المثال الثالث: ما ذكره الإسنوي في مسألة (رواية الحديث بالمعنى): "أقول: اختلفوا في جواز نقل حديث الرسول ﷺ بالمعنى، -أي: بلفظ آخر غير لفظه-؛ فجوزه الأكثرون، واختاره الإمام (١)، والآمدي (٢)، وأتباعهما (٣)، ونص عليه الشافعي، وممن نقله عنه صاحب المحصول. وقال ابن سيرين (٤) وجماعة: لا يجوز. وغلط صاحب التحصيل في اختصاره للمحصول فعزاه للشافعي (٥) " (٦). • المثال الرابع: قال البيضاوي في مسألة (الواجب الموسع): " ... وقالت الحنفية: يختص بالأخير، وفي الأول تعجيل" (٧).

стр. 178

فاستدرك عليه عبدالعلي الأنصاري (١) بقوله: "وروي عن بعض الحنفية العراقيين: ليس كل الوقت وقتًا للوجوب؛ بل آخره وقته، فإن قدمه فنفل يسقط به الفرض؛ كالوضوء قبل الوقت، ونسب في المنهاج هذا القول إلى الحنفية، وهذه النسبة غلط ... " (٢). • بيان الاستدراك: استدرك الأنصاري على ما جاء في المنهاج من نسبته تعلق الوجوب بآخر الوقت إلى الحنفية، فهذه النسبة غلط؛ فليس كل الحنفية يقولون بها؛ وإنما قول بعض الحنفية العراقيين. • السبب الثالث: أن يفهم من كلام العالم ما لم يرده، أو ينقل عنه ما لم يقله . (أن يفهم من كلامه ما لم يرده) يدخل فيه الوهم؛ فلا حاجة لتكراره. وأما أن ينقل عنه ما لم يقله فكنقل الرازي (٣) والآمدي (٤) وابن الحاجب (٥)

стр. 179

وغيرهم (١) عن الشافعي أنه يقول بأن العبرة بخصوص السبب، معتمدين في ذلك على قول إمام الحرمين الجويني في البرهان، وفي هذا يقول الإسنوي: "ونقل الآمدي وابن الحاجب وغيرهما عن الشافعي: أنه يقول بأن العبرة بخصوص السبب، معتمدين على قول إمام الحرمين في البرهان (٢): إنه الذي صح عندي من مذهب الشافعي. ونقله عنه (٣) في المحصول. وما قاله الإمام (٤) مردود؛ فإن الشافعي قد نص على أن السبب لا أثر له، فقال في الأم - في باب ما يقع به الطلاق، وهو بعد باب طلاق المريض- ما نصه: (ولا يصنع السبب شيئًا؛ إنما تصنعه الألفاظ؛ لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير السبب، ولا يكون مبتدأ الكلام الذي له حكم فيقع، فإذا لم يصنعه بما بعده ولم يمنع ما بعده أن يصنع ما له حكم إذا قيل) (٥) هذا لفظه بحروفه، ومن الأم نقلته. فهذا نص بين دافع لما قاله؛ ولا سيما قوله: (ولم يمنع ما بعده) إلخ ... " (٦). • المثال الثاني: قال الإسنوي في مسألة (الاحتجاج بالقراءة الشاذة (٧)): "القراءة الشاذة

стр. 180

كقراءة ابن مسعود في كفارة اليمين: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ هل تنزل منزلة الخبر أم لا؟ والصحيح عند الآمدي (١) وابن الحاجب (٢) أنه لا يحتج بها، ونقله الآمدي عن الشافعي ﵁. وقال إمام الحرمين في البرهان (٣): إنه ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن الراوي لم ينقلها خبرًا، والقرآن يثبت بالتواتر؛ لا بالآحاد. وخالف أبو حنيفة ﵁، فذهب إلى الاحتجاج بها، وبنى عليه وجوب التتابع في كفارة اليمين؛ لقراءة ابن مسعود: ﴿ثلاثة أيام متتابعات﴾. وجزم النووي (٤) في شرح مسلم (٥) بما قاله الإمام، ذكر في الكلام على قوله ﵇: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» (٦) وفي غيره أيضًا.

стр. 181

وما قالوه جميعه خلاف مذهب الشافعي، وخلاف قول جمهور أصحابه، فقد نص الشافعي في موضعين من مختصر البويطي (١) على أنها حجة، ذكر ذلك في باب الرضاع (٢)، وفي باب تحريم الحج (٣)، وجزم به الشيخ أبو حامد (٤) في الصيام وفي الرضاع، والماوردي (٥) في الموضعين أيضًا (٦)، والقاضي أبو الطيب (٧) في موضعين من

стр. 182

تعليقته؛ أحدهما: الصيام، والثاني: في باب وجوب العمرة، والقاضي الحسين (١) في الصيام، والمحاملي في الأيمان من كتابه المسمى: عدة المسافر وكفاية الحاضر (٢)، وابن يونس (٣) - شارح التنبيه (٤) - في كتاب الفرائض في الكلام على ميراث الأخ

стр. 183

للأم، وجزم به الرافعي (١) في باب حد السرقة (٢). والذي وقع للإمام فقلده فيه النووي مستنده: عدم إيجابه للتتابع في كفارة اليمين بالصوم مع قراءة ابن مسعود السابقة، وهو وضع عجيب؛ فإن عدم الإيجاب يجوز أن يكون لعدم ثبوت ذلك من الشافعي أو لقيام معارض" (٣). • المثال الثالث: نسب ابن قدامة القول بالعبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ للإمام مالك (٤)، فاستدرك عليه الشيخ الأمين الشنقيطي (٥) في مذكرته فقال: "والتحقيق عن مالك يوافق الجمهور في هذه المسألة خلافًا لما ذكره المؤلف. وأشار في المراقي

стр. 184

إلى أن السبب لا يخصص عموم اللفظ عند مالك بقوله: والعرف حيث قارن الخطابا ... ودع ضمير البعض والأسبابا" (١) • السبب الرابع: أن يجعل كلام العالم عامًّا أو مطلقًا وهو خلاف ذلك . ومن أمثلة ذلك ما ذكره الإسنوي في مسألة (تعارض نصيين متساويين): "وحاصلها أن النصين المتعارضين على قسمين: أحدهما: أن يكونا متساويين في القوة والعموم. والثاني: ألا يكونا كذلك. والمراد بتساويهما في القوة: أن يكونا معًا معلومين، أو مظنونين. وبتساويهما في العموم: أن يصدق كل منهما على كل ما صدق عليه الآخر. وأما قول كثير من الشارحين: إن التساوي في القوة لا يدخل فيه ما كان معلوم السند والدلالة؛ لاستحالة التعارض في القطعيات؛ فباطل؛ لأن المراد من التعارض هنا ما هو أعم من النسخ؛ ولهذا قسموه إليه. وقد صرح في المحصول (٢) بذلك في مواضع من المسألة - أعنى: بدخول المقطوع به في هذه الأقسام-، وصرح أيضًا بأن التعارض والترجيح قد يقع في القطعيات على وجه خاص يأتي ذكره، فدل على أن إطلاق المنع مردود" (٣).

стр. 185

• السبب الخامس: أن يجعل كلام العالم خاصًّا أو مقيدًا وليس كذلك . ومن أمثلة ذلك: ما ذكره الزَّركشي في مسألة (هل يجب العمل بالعام قبل البحث عن المخصص؟ ): "الأمر الثاني: أن إمام الحرمين صوَّر محلَّ الخلاف في صورة خاصة فقال: إذا وردت الصيغة الظاهرة في اقتضاء العموم، ولم يدخل وقت العمل بموجبها؛ فقد قال أبو بكر الصَّيْرَفِيُّ: يجب على المتعبدين اعتقاد عمومها على جزم، ثم إن كان الأمر على ما اعتقدوه فذاك، وإن تبين أن الخصوص تغير العقد (١). انتهى. والصواب في النقل عنه: إطلاق العموم؛ سواء قبل حضور وقت العمل به أو بعده؛ بل هو مصرح بالعمل به قبل البحث عن المخصص، ونقل ذلك أيضًا في كتابه البيان في أصول الفقه (٢)، وكذلك نقله عنه الجمهور - كما سبق التصريح به في كلامهم -، ولم يقيد أحدٌ منهم النقل عنه بهذه الحالة" (٣). • السبب السادس: أن يكون عن العالم في المسألة اختلاف فيتمسك بالقول المرجوح . قد يكون للإمام أكثر من قول في المسألة، وهذا دليل على علو شأنه في العلم؛ حيث كان طول عمره مشتغلاً بالطلب والبحث؛ إلا أن بعض أتباعه قد يخفى عليه القول المتأخر له فيرجح المرجوح، وهذا سبب للاستدراك عليه، وأقرره بالأمثلة التالية: • المثال الأول: ما ذكره أبو الوليد الباجي في مسألة (دلالة الأمر المجرد): "فصل: وذهب

стр. 186

أبو الحسن المُنتاب المالكي (١) إلى أن الأمر يحمل على الندب بمجرده، وإليه ذهب أبو الفرج (٢)، وحكاه القاضي أبو محمد (٣) عن الشيخ أبي بكر الأبهري (٤) أن أوامر الباري تعالى على الوجوب، وأوامر النبي ﷺ على الندب دون تفصيل. والمشهور عنه ما قدمناه من أن ظاهره الوجوب، وقد تقدمت أدلتنا في ذلك" (٥). • المثال الثاني: ما نقل عن القاضي العنبري (٦) في تصويبه لكل المجتهدين في الأصول؛

стр. 187

والحق أنه رجع عن هذه الرواية. (١) قال الجويني في مسألة (هل كل مجتهد مصيب؟ ): "فإذا عرفت ما هو الأصل؛ فلا تقل فيما هذا سبيله إن كل مجتهد مصيب؛ بل المصيب واحد ومن عداه جاهل مخطئ. وهذا ما سار إليه كافة الأصوليين؛ إلا عبيدالله بن الحسن العنبري؛ فإنه ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب في الأصول؛ كما أن كل مجتهد مصيب في الفروع. ثم اختلفت الرواية عنه، فقال في أشهر الروايتين: أنا أصوب كل مجتهد في الدين تجمعهم الملة، وأما الكفرة فلا يُصَوَّبون. وغلا بعض الرواة عنه: نصوِّب الكفافة من المجتهدين دون الراكنين إلى البدعة، والمعرضين عن أمر الاجتهاد " (٢). وقال السمعاني: "فأما أصول الدين؛ فالحق في قول واحد منها، والثاني باطل قطعًا. وحُكِى عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال: كل مجتهد في الأصول مصيب، وكان يقول مثبتي القدر: هؤلاء عظموا الله, ويقول في نافي القدر: هولاء نزهوا الله. وقد قيل: إن هذا القول منه في أصول الديانات التي يختلف فيها أهل القبلة، ويرجع المخالفون فيها إلى آيات وآثار محتملة للتأويل؛ كالرؤية وخلق الأفعال، وما أشبه ذلك. فأما ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل كاليهود والنصارى والمجوس؛ فإن في هذا الموضع نقطع بأن الحق فيما يقوله أهل الإسلام.

стр. 188

وينبغي أن يكون التأويل على هذا الوجه؛ لأنا لا نظن أن أحدًا من هذه الأمة لا يقطع بتضليل اليهود والنصارى والمجوس، وأن قولهم باطلاً قطعًا؛ لأن الدائل القطعية قد قامت لأهل الإسلام في بطلان قول هؤلاء الفرق، والدلائل القطعية توجب الاعتماد القطعي، فلم يكن بُد من القول بأنهم ضالون مخطئون قطعًا " (١). • المثال الثالث: ما ذكره الإسنوي في مسألة (تقليد المجتهد للصحابي): "الأمر الثاني: إذا قلنا: إن قول الصحابة ليس بحجة فهل يجوز للمجتهد تقليده؟ فيه ثلاثة أقوال للشافعي: الجديد: أنه لا يجوز مطلقاً. والثالث -وهو القديم-: أنه إن انتشر جاز؛ وإلا فلا، هكذا صرح به الغزالي في المستصفى (٢)، والآمدي في الإحكام (٣)، وغيرهما ... واعلم أن القول بجواز التقليد نص عليه في الأم في مواضع متعددة؛ فهو إذن جديد لا قديم" (٤). • السبب السابع: الاختصار المخل للمصنفات . اختصار المتون من أغراض التأليف؛ بيد أن هذا الاختصار قد يعتريه خلل من حذف شيء مهم، أو تغيير صياغة تؤدي إلى الوقوع في الخطأ. وأذكر لتقرير هذا السبب قول البابرتي في مقدمة كتابه الردود والنقود (٥): " ... منهم الإمام المحقق سيف الدين الآمدي صنف كتاب الإحكام، وجمع فيه اللطائف في العلل والأحكام، ولم يأل جهدًا في التهذيب والإحكام إلى حيث يصل إليه

стр. 189

منهم الإفهام. ومنهم الإمام المختصر المدقق جمال الدين ابن الحاجب، اختصر الإحكام اختصارًا كاد أن يخرجه عن الإفهام، فأغرب به بما أعجب ذوي الأوهام". • المثال الأول: ما ذكره الإسنوي في مسألة (تقسيم الحكم باعتبار الوقت المضروب للعبادة): "وقوله: (ووجد فيه سبب وجوبها) مردود من وجهين: ... الثاني: أن دخول الوقت هو السبب في الوجوب، وقد ذكر عند قوله: (والقضاء يتوقف على السبب لا الوجوب)، فكيف يجعله مغايرًا له حتى يشترطه أيضًا مع مضي الوقت؟ فإن كان مراده أنه لا يوصف بالقضاء إلا ما كان أداؤه واجبًا فهو فاسد؛ لأنه سيُصرح بعد هذا بقليل عكسه، وقد وقع صاحب التحصيل (١) فيما وقع فيه المصنف فقال: وإن أديت خارج وقتها المضيق أو الموسع سميت قضاء إن وجد سبب وجوب الأداء. والمحصول (٢) والحاصل (٣) سالمان من هذا الاعتراض؛ وذلك لأن الإمام ذكر في أول التقسيم أن الواجب إذا أُدي بعد خروج وقته المضيق أو الموسع سُمي قضاء، ولم يذكر غير ذلك، ثم قال بعد ذلك: وههنا بحثان، فذكر الأول، ثم قال: الثاني: أن الفعل لا يسمى قضاء إلا إذا وجد سبب وجوب الأداء مع أنه لم يوجد الأداء. ثم تارة يجب الأداء، وتارة يمتنع عقلاً، وتارة يمتنع شرعًا. إلى آخر ما قال. فذكر أولاً أن القضاء هو ما فعل بعد خروج وقته، وعبر عنه ثانيًا بتقدم سبب الوجوب؛ ولكن عبر بذلك ردًّا على من قال: إن القضاء يتوقف على الوجوب. فضم المصنف الثاني إلى الأول حالة الاختصار وعطفه عليه، وكذلك صاحب

стр. 190

التحصيل؛ ظنًّا منهما أنه قيدا في المسألة وهو غلط بلا شك" (١). • بيان الاستدراك: استدرك الإسنوي على السراج الإرموي والبيضاوي في حدهم للقضاء بعبارة: "تقدم سبب الوجوب" وجعلها قيدًا في الحد؛ إذ إن النوافل تقضى على مذهب الرازي، وبهذا القيد تخرج من الحد، وهذا اختصار مخل للمحصول، فالرازي ذكر في أول التقسيم أن العبادة توصف بالأداء والقضاء والإعادة، ولم يخصها بالواجب. • المثال الثاني: ذكر الإمام البيضاوي في مسألة (حكم الأفعال الاختيارية قبل البعثة) توقف الأشعري وتفسير الرازي لهذا التوقف بعدم الحكم. (٢) فاستدرك عليه الإسنوي: بقوله: "فأما قوله: (وفسره الإمام بعدم الحكم) فممنوع؛ فإن عبارته في أول هذه المسألة (ثم هذا الوقف تارة يفسر بأنه لا حكم، وهذا لا يكون وقفًا؛ بل قطعًا بعدم الحكم، وتارة بأنا لا ندري هل هناك حكم أو لا، وإن كان هناك حكم فلا ندري أنه إباحة أو حظر) (٣). هذه عبارته، وليس ههنا اختيار شيء من هذه الاحتمالات التي نقلها. ثم إنه في آخر المسألة اختار تفسيره بعدم العلم فقال: (وعن الأخير أن مرادنا بالوقف: أنا لا نعلم أن الحكم هو الحظر أو الإباحة)، هذا لفظ الإمام في المحصول بحروفه (٤)، وذكر مثله أيضًا في المنتخب. ولعل الذي أوقع المصنف في هذا الغلط هو صاحب الحاصل؛ فإنه قال في

стр. 191

اختصاره للمحصول: (ثم التوقف مرة يفسر بأنا لا ندري الحكم، ومرة بعدم الحكم وهو الحق) (١) هذه عبارته" (٢). • بيان الاستدراك: استدرك الإسنوي على البيضاوي الخطأ في نقل كلام الإمام الرازي، وكان سبب هذا الخطأ الاختصار المخل من صاحب الحاصل لعبارة الإمام الرازي في المحصول. • المثال الثالث: ما ذكره الإسنوي عند الحديث عن (أقسام المناسب)، فذكر المؤثر وقال: " والمؤثر هو: ما أَثَّر جنسه في نوع الحكم لا غير؛ كالمشقة مع سقوط الصلاة على ما مرَّ. هكذا ذكره المصنف، وهو خلاف ما في أصلية الحاصل والمحصول. فأما المحصول (٣) ففيه قبيل الكلام على الشبه: أن المؤثِّر: هو ما أثَّر نوعه في جنس الحكم. قال: كامتزاج النسبين (٤) مع التقديم -كما تقدم إيضاحه -. وهذا عكس ما ذكره المصنف. وأما الحاصل (٥) ففيه في الموضع المذكور أيضًا: أن المؤثِّر: هو ما أثَّر جنسه في

стр. 192

جنس الحكم. والظاهر اشتبه عليه كلام الإمام، فغلط في اختصاره له" (١). • بيان الاستدراك: استدرك الإسنوي على البيضاوي تعريفه للمؤثر بأنه: ما أثر جنسه في نوع الحكم لا غير مخالف لأصل المنهاج الذي هو الحاصل والمحصول. وسبب هذه المخالفة: اشتباه كلام الرازي على على التاج الإرموي؛ فغلظ في اختصاره له، وكذلك فعل البيضاوي؛ فكان تعريف المؤثر الذي ذكراه على خلاف ما عند الرازي. • المثال الرابع: ذكر الإسنوي والزركشي: "إذا تعارض قياسان كل منهما يدل بالمناسبة على تقديم مصلحة إحداهما متعلقة بالدين والثانية بالدنيا؛ فالأول مقدم؛ لأن ثمرة الدينية هي السعادة الأبدية التي لا يعادلها شيء، كذا جزم به الإمام فخر الدين (٢) والآمدي (٣)، وحكى ابن الحاجب (٤) قولًا: إن المصلحة الدنيوية مقدمة؛ لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، ولم يذكر الآمدي ذلك قولاً؛ بل ذكره سؤالًا" (٥). • بيان الاستدراك: استدرك الإسنوي والزركشي على ابن الحاجب إيراده قولاً بتقديم المصلحة الدنيوية على الدينية، وذكرا منشأ الخطأ في ذلك؛ وهو ما أورده الآمدي من اعتراض على المسألة التي قررها فأخطأ ابن الحاجب في اختصاره وجعله قولاً مستقلاً.

стр. 193

• السبب الثامن: التصحيف في النسخ . من أسباب الوقوع في الخطأ: الاعتماد على نسخ مصحفة بسبب عيوب النظر، أو سبق القلم. وأقرر الخطأ بهذا السبب بالأمثلة التالية: • المثال الأول: قال الرازي في (التقسيم الثالث للفظ المفرد): "وأما إذا كان اللَّفظ موضوعًا للمعنيين جميعًا، فإمَّا أن تكون إرادة ذلك اللفظ لهما على السويَّة، أو لا تكون على السويَّة، فإن كانت على السويَّة سُمِّيت اللَّفظة بالنسبة إليهما معًا (مُشتركًا)، وبالنسبة إلى كل واحد منهما (مجملاً)؛ لأن كون اللَّفظِ موضوعًا لهذا وحده ولذاك وحده معلوم؛ فكان مشتركًا من هذا الوجه" (١). فذكر القرافي استدراكًا على ما جاء في بعض النسخ من خطأ فقال: "تنبيه: وقع في بعض النسخ: يسمى (مشتركًا) بالنسبة إلى كل واحد منهما، و (مجملاً) بالنسبة إليهما)، والصحيح: (مشتركًا) بالنسبة إليهما، و (مجملاً) بالنسبة إلى كل واحد منهما؛ لأن الشركة من الأمور النسبية، فلا يصدق على الدار أنها مشتركة بالنسبة إلى زيد وحده؛ بل لا بد من آخر معه في تلك الدار، والإجمال يرجع إلى عدم الفهم، وعدم الفهم يمكن نسبته إلى واحد فيقال: زيد لم يفهم من اللَّفظ؛ فلذلك تعينت النسبة للشركة، والإفراد بقولك: لكل واحد منهما الإجمال" (٢). • المثال الثاني: قال أبو عبدالله الأصفهاني في مسألة: (إثبات الحدود والكفارات (٣)

стр. 194

والرخص (١) بالقياس): "واعلم أنه قال: وجدت في جملة النسخ (شهود الزنا)، وهو تصحيف من الناسخ (٢)، والقائل معذور؛ حيث لم يجد ما وصل إليه من النسخ إلا كما ذكره، ونحن وجدنا النسخة الصحيحة، وصورته: (شهود الزوايا) (٣) " (٤). • المثال الثالث: ما ذكره الإسنوي في مسألة (ترجيح الأخبار بوقت الرواية): "وقد وقع كذلك في نسخة بعض الشارحين (٥) فشرحه، ثم استدرك عليه: بأن هذا ترجيح بوقت التحَمُّل، وكلامه (٦) في الترجيح بوقت الرواية. والنسخة التي وقعت لهذا الشارح غلط" (٧).

стр. 195

وقال أيضًا عند شرحه لقول البيضاوي في ترجيح الأقيسة: "وهي بوجوه: الأول: بحسب العلة، فترجح المظنة، ثم الحكمة، ثم الوصف العدمي .... فقال الإسنوي: وفي بعض النسخ زيادة (الإضافي) بين الحكمة والعدمي، فقال: ثم الحكمة، ثم الوصف الإضافي، ثم العدمي. وهذه النسخة مخالفة لأكثر النسخ التي اعتمد عليها الشارحون، ومخالفة لما في المحصول (١)؛ فإن المذكور فيه ما ذكرناه أولاً" (٢). كما ذكر في هذه المسألة قوله: "وقد وقع في بعض نسخ الكتاب هنا تغيير من النساخ" (٣). • المثال الرابع: قال البيضاوي في مسألة (إعمال المشترك (٤) في جميع مفهوماته): " ... جوز

стр. 196

الشافعي والقاضيان (١) وأبو علي (٢) إعمال المشترك في جميع مفهوماته غير المتضادة، ومنعه أبو هاشم والكرخي والبصري (٣) والإمام. لنا: الوقوع في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، والصلاة من الله مغفرة، ومن غيره استغفار" (٤). فذكر التاج السبكي في شرحه: "واعلم أنه وقع في بعض نسخ المنهاج: (والصلاة من الله مغفرة) -كما أوردناه-، وهو الذي أورده الغزالي (٥)، وفي بعضها: (رحمة). وكذلك ذكر الإمام (٦). والتعبير (بمغفرة) أحسن؛ لأن الصلاة في اللغة: الدعاء بخير، وهو محال من الله تعالى، فحمل على المغفرة. وأما حمله على (الرحمة) فغير ممكن؛ لأن حقيقة (الرحمة): رقة القلب، وهي مستحيلة في حق الله تعالى، ولا يطلب عليه إلا مجازًا (٧)، ومن فسر الصلاة (بالرحمة) فرارًا من تفسيرها بالدعاء وقع في هذا

стр. 197

الخطأ العظيم ... " (١). • المثال الخامس: قال أَمِيرُ بَادْشَاه (٢) في (فصل في بيان عوارض الأهلية): " (وأما النسيان) وهو: (عدم الاستحضار) للشيء (في وقت حاجته) أي الحاجة إلى استحضاره (فشمل) هذا التعريف (النسيان عند الحكماء والسهو) هكذا وجدنا عبارة المتن (٣) في نسخة الشارح (٤)، والنسخة التي اعتمادنا عليها غالبًا؛ غير أنه كانت فيها الواو قبل السهو أولًا فمحيت، والصواب إثباتها؛ لأن السهو على تقدير عدم واو العطف شامل للنسيان عند الحكماء وهو غير صحيح؛ لأن النسيان عندهم: زوال الصورة عن المدركة والحافظة، فيحتاج في حصولها إلى سبب جديد. والسهو عندهم: زوالها عن المدركة مع بقائها في الحافظة. وقيل: النسيان: عدم ذكر ما كان مذكورًا. والسهو: غفلة عما كان مذكورًا وما لم يكن مذكورًا. اللهم إلا أن

стр. 198

يكون ذكر السهو بعد النسيان على سبيل التعداد، ولا يخفى ما فيه؛ لأن اللغة لا تفرق بين النسيان والسهو؛ يعني أن النسيان المبحوث عنه في هذا المقام الذي يترتب عليه الأحكام الآتية هو المذكور في السنة، وقد استعمل هناك في المعنى اللغوي، واللغة لا تفرق بينهما" (١). • تنبيه: لا يمتنع اجتماع أكثر من سبب للخطأ، ولعلك فطنت لذلك في بعض الأمثلة السابقة، وأقرره بمثال توضيحي: قال ابن السبكي في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟ ): "ونقل بعض الشارحين تبعًا للأصفهاني في شرح المحصول (٢) عن الآمدي أنه قال: (وإليه (٣) ميل إمام الحرمين والواقفية). ثم خَطَّأ هذا الشارحُ الآمدي: بأن إمام الحرمين إنما يرى الوقف، ولا يَقضي في الزيادة بالنفي ولا إثبات. واعلم أن الآمدي لم ينقل في الإحكام عن إمام الحرمين إلا الوقف كما هو الواقع، وهذه عبارة الآمدي: (ومنهم (٤) من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي الحسن البصري وكثير من الأصوليين. ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقضِ فيها بنفي ولا إثبات، وإليه مال إمام الحرمين (٥) والواقفية). انتهى. والظاهر أن نسخة الأصفهاني وكذلك الشارح من الأحكام سقيمة سقط منها

стр. 199

من قوله: (ومنهم) إلى قوله: (وإليه)، وهذه النسخة التي عندي صحيحة مقروءة على الآمدي وعليها خطه" (١). • بيان الاستدراك: هذا الاستدراك من ابن السبكي كان لتصحيح الخطأ، وأسبابه متعددة؛ وهي: - السبب الأول للوقوع في الخطأ: أن يفهم من كلام العالم ما لم يرده، أو ينقل عنه ما لم يقله (٢)؛ حيث فهم الأصفهاني من كلام الآمدي ما لم يرده، ونقل عنه ما لم يقله. - السبب الثاني للوقوع في الخطأ: النقل من مصادر غير أصلية (٣)، فالشارح نقل عبارة الآمدي من كتاب الأصفهاني دون الرجوع لكتاب الإحكام. - السبب الثالث للوقوع في الخطأ: تصحيف النسخ (٤)، فرداءة النسخة عند الأصفهاني والشارح والتي بها سقط من كلام الآمدي كانت السبب الظاهر في هذا الخطأ كما ذكره ابن السبكي.

стр. 200

• المطلب الثاني أسباب الاستدراك الناشئة من المستدرِك والمراد بها: الأسباب الدافعة للمستدرِك على الاستدراك مع سلامة عبارة المستدرَك عليه من الوهم والنسيان والخطأ. ويندرج تحتها الأسباب التالية: • السبب الأول: استدراك بسبب التكميل . أي تكميل وإتمام عبارة المستدرَك عليه، ويندرج تحته الأسباب التالية: ١ - استدراك باقي الأقوال والمذاهب. ٢ - استدراك صيغة التفضيل. ٣ - استدراك الفوائد. • أولاً: استدراك باقي الأقوال والمذاهب. والغرض منه: تكميل عبارة المستدرَك عليه بذكر الأقوال والمذاهب التي لم يذكرها في المسألة الأصولية. وأقرره بالأمثلة الآتية: • المثال الأول: قال الرازي في المحصول (١) في مسألة (تعليل الحكم الواحد بعلتين): " ... المسألة الأولى: يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين منصوصتين خلافًا لبعضهم". فذكر مذهبين في المسألة، وأكمل الأصفهاني مستدركًا بقية المذاهب فقال في

стр. 201

شرحه: "اختلف علماء الأصول والجدل والفقهاء في أن الحكم الواحد هل يجوز تعليله بعلتين مختلفتين؛ كنواقض الوضوء إذا اجتمعت، والقتل ظلمًا والردة والزنا إذا اجتمعت، والحيض والعدة والإحرام في تحريم الوطء، والجامع والفارق إذا اجتمعا في الأصل، أم لا؟ (١) على مذاهب: الأول: أنه يجوز مطلقًا. الثاني: أنه لا يجوز مطلقًا. الثالث: أنه يجوز في المنصوصة، ولا يجوز في العلة المستنبطة، وهو اختيار القاضي والمصنف (٢). الرابع: عكسه. الخامس: مذهب إمام الحرمين: أنه جائز غير واقع، وأن الواقع في اجتماع العلل أحكام مختلفة (٣)، ووافقه الغزالي في تعدد الأحكام؛ حيث يقول: يجوز اجتماع العلل، وبنى مذهبه على تفسير العلة وقال: إن فسرنا العلة بـ (الأمارة) أو (الباعث)؛ جاز اجتماع علتين على حكم واحد؛ وإلا فلا (٤)، وذاك إذا فسرنا العلة بـ (الموجِب)؛ وهو: الذي جعله الشارع موجبًا على وزان الموجبات العقلية، وإليه ميل الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني (٥)،

стр. 202

وهذا ما يتعلق بنقل المذاهب" (١). • المثال الثاني: قال القرافي في التنقيح (٢) في مسألة (موضوع صيغة: افعل): "وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر فهو موضوع عند مالك وعند أصحابه للوجوب، وعند أبي هاشم للندب، وللقدر المشترك بينهما عند قوم، وعند آخرين لا يعلم حاله". فالقرافي اكتفى بذكر أربعة أقوال في المسألة، فأكمل الرَّجْرَاجِيّ (٣) باقي المذهب في شرحه حيث قال: (وأما اللفظ الذي هو مدلول الأمر) أي: أما الصيغة التي هي موضوع الأمر فهي موضوعة عند مالك وعند أصحابه للوجوب، ذكر المؤلف هاهنا أربعة أقوال في موضوع صيغة (افعل): أحدها: الوجوب ... القول الثاني: أنه موضوع حقيقة للندب ... القول الثالث: أنه موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب؛ أي هو موضوع للطلب المشترك بينهما، وهو رجحان الفعل على الترك ... القول الرابع: أنه حقيقة في أحدهما من غير تعين وجوب ولا ندب ... هذه أربعة أقوال ذكرها المؤلف هاهنا، وذكر المؤلف في الشرح سبعة مذاهب ونصه: في الأمر سبعة مذاهب: للوجوب، وللندب، للقدر المشترك بينهما، مشترك بينهما لأحدهما لا يعلم حاله، للإباحة، للوقف في ذلك كله،

стр. 203

ذكر الإمام فخر الدين في المحصول (١) والمعالم (٢) بعضها هاهنا وبعضها هاهنا (٣)؛ انتهى نصه. وذكر قطب الدين الشيرازي (٤) قولاً ثامنًا: بأنه موضوع بالاشتراك اللفظي (٥) بين ثلاثة أشياء: الوجوب، والندب، والإباحة. وذكر أيضًا قولاً تاسعًا: بأنه موضوع بالاشتراك المعنوي (٦)، وهو القدر المشترك، وهو مطلق الإذن بين الوجوب، والندب، والإباحة. وذكر قولاً عاشرًا: بالاشتراك اللفظي بين أربعة أشياء؛ وهي: الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد. وهو مذهب الشيعة.

стр. 204

فهذه عشرة أقوال ذكر المؤلف منها هاهنا أربعة أقوال؛ وهي: الوجوب، والندب، والقدر المشترك، والوضع لأحدهما لا بعينه" (١). وذكر حلولو (٢) هذه الأقوال في شرحه وزاد عليها ثلاثة أقوال: "الثامن: أنه مشترك بين الثلاثة (٣) والتهديد. التاسع: أنه مشترك بين الأربعة (٤) والإرشاد أيضًا. العاشر: أنه مشترك بين الأحكام الخمسة. الحادي عشر: أن أمر الله تعالى حقيقة في الوجوب، وأمر النبي ﷺ حقيقة في الندب إذا كان مبتدأً - أي ليس ببيانٍ لمجمل، ولا موافق لنص من كتاب، فإن كان كذلك فهو للوجوب - حكاه القاضي عبدالوهاب عن الأَبْهَري، وحكى المازري (٥) عنه أيضًا أنه للندب مطلقًا (٦) " (٧).

стр. 205

• المثال الثالث: قال الصدر المحبوبي في مسألة (الزيادة على النص): "فقد اختلفوا أن الزيادة على النص نسخ أم لا؟ وذكروا أنها إما بزيادة جزء كزيادة ركعة على ركعتين مثلاً، أو شرط كالإيمان في الكفارة، وإما برفع مفهوم المخالفة؛ كما لو قال: (في المعلوفة الزكاة) بعد قوله: (في السائمة زكاة). وهي نسخ عندنا. ويجب استثناء الثالث؛ إذ لا نقول بالمفهوم (١). وعند الشافعي ﵀ لا مطلقًا. (٢) وقيل: نسخ في الثالث (٣). وقيل: نسخ إذا غيرت الأصل؛ حتى لو أتي به كما هو قبل الزيادة تجب الإعادة، كزيادة ركعة في الفجر، وعشرين في حد القذف مثلاً، والتخيير في الثلاثة بعد ما كان في الاثنين؛ كالشاهد واليمين (٤) " (٥). فزاد التفتازاني مذهبين؛ وهما: "الخامس: إن اتحدت الزيادة مع المزيد عليه -

стр. 206

بحيث يرتفع التعدد والانفصال بينهما - فنسخ؛ وإلا فلا. (١) السادس: أن الزيادة إن رفعت حكمًا شرعيًا بعد ثبوته بدليل شرعي فنسخ؛ وإلا فلا (٢) " (٣). • ثانيًا: استدراك صيغة التفضيل. والغرض منه: تكميل عبارة المستدرَك عليه بتوجيهها للأولى والأصوب والأصح. وأقرره بالأمثلة التالية: • مثال صيغة (الأولى): • المثال الأول: قال البزدوي في أصوله في (باب موجب الأمر): " ... ولعامة العلماء أن صيغة الأمر لفظ خاص من تصاريف الفعل، وكما أن العبارات لا تقصر عن المعاني؛ فكذلك العبارات في أصل الوضع مختصة بالمراد، ولا يثبت الاشتراك إلا بعارض، فكذلك في صيغة الأمر لمعنى خاص ... " (٤).

стр. 207

استدرك عليه البخاري (١) بقوله: "قوله: (ولعامة العلماء) أي الذين قالوا بأن للأمر موجبًا متعينًا (أن صيغة الأمر لفظ خاص من تصاريف الفعل) والأولى أن يقال: صيغة الأمر أحد تصاريف الفعل كما قال شمس الأئمة (٢)؛ لأن النزاع وقع في خصوصه، فلا يستقيم أن يجعل مقدمة الدليل، ... " (٣). • بيان الاستدراك: ذكر البزدوي أن للعلماء في موجب الأمر قولين: منهم من يرى للأمر موجبًا متعيناً، وهو قول عامة الفقهاء. ومنهم من قال: إنه مجمل، لا يجب به حكم إلا بدليل. ثم ذكر دليل الفريق الثاني، وأردفه بذكر أدلة الفريق الأول القائلين: إن للأمر موجبًا متعينًا، فذكر أن صيغة الأمر لفظ خاص من تصاريف الفعل، فاستدرك عليه البخاري في عبارته بأن الأولى أن يقال: صيغة الأمر أحد تصاريف الفعل؛ لأن الخلاف مع الخصم في خصوص صيغة الأمر لمعنى خاص، فلا يصح أن يجعل الخلاف مقدمة للدليل؛ لأن من شروط المقدمة: أن تكون متفقًا عليها بين الخصمين. ومعنى الدليل الذي ذكره البزدوي: أن كل عبارة لها معنى خاص باعتبار أصل الوضع، ولا يثبت الاشتراك في المعنى إلا بعارض، فكذلك صيغة الأمر؛ لأنه أحد تصاريف الكلام، ويلزم من ذلك أن يكون لها معنى خاص في أصل الوضع، ولا يثبت الاشتراك في صيغة الأمر إلا بعارض مغير له ولم يوجد.

стр. 208

• المثال الثاني: قال الزَّركشي في تعريف الاستثناء: "واصطلاحًا: الإخراج بإِلَّا أو إحدَى أخواتها من مُتَكَلِّمٍ واحد؛ ليخرج ما لو قال اللهُ - سبحانه -: اقتلوا المشركين، فقال ﵇: إلا زيدًا، فإنه لا يسمَّى استثناء كما قاله الْقَاضِي (١) ... والأولى أَنْ يُقَالَ: الحكم بإخراج الثاني من الحكم الأول بواسطةٍ موضوعةٍ لذلك. فقولنا: (الحكم) جنس؛ لأن الاستثناء حكم من أحكام اللفظ، فيشمل المتصل والمنقطع. وخرج بـ (الوسائط الموضوعة له) نحو: قام القوم وأستثني زيدًا، وخرجوا ولم يخرج زيد" (٢). • بيان الاستدراك: استدرك الزركشي على من عرف الاستثناء بـ (الإخراج بإلا أو إحدى أخواتها من متكلم واحد)، وهذا الاستدراك ليس استدراكًا مخالفًا؛ بل استدراك الأولى، فقال الزكشي: الأولى أن يقال في حد الاستثناء: "الحكم بإخراج الثاني من الحكم الأول بواسطةٍ موضوعةٍ لذلك". فقوله: (الحكم) جنس يشمل الاستثناء المتصل والمنقطع. - الاستثناء المتصل: ما كان المستثنى جزءًا من المستثنى منه؛ كقولهم: قام القوم إلا زيدًا. (٣) - والاستثناء المنقطع: هو الاستثناء من غير الجنس، ويعبر عنه بالمنفصل أيضًا،

стр. 209

كقولهم: قام القوم إلا حمارًا. (١) ولعل تقييد الإخراج بقوله: (الحكم بإخراج) لأن الاستثناء حكم من أحكام اللفظ، فيخرج بذلك من استدراك مقدر: بأن الإخراج في إطلاقه ينبني عن فعل لا يضاهي الأقوال (٢). وقوله في تعريف الاستثناء: (بواسطة موضوعة لذلك) حتى يخرج قول القائل: (قام القوم وأستثني زيدًا) وقول: (خرج القوم ولم يخرج زيد)؛ فإن هذا القول لا يعد استثناء لعدم وجود أداة الاستثناء. • مثال صيغة (الأصح): • المثال الأول: قال ابن الحاجب في مسألة (وقوع التعبد بالقياس شرعًا): "القائلون بالجواز قائلون بالوقوع، إلا دَاوُدَ، وابنه (٣)، والقَاسَانِي، والنَّهْرَوَانِي (٤) " (٥).

стр. 210

فاستدرك عليه ابن السبكي بقوله: " (القائلون بالجواز قائلون بالوقوع إلا دَاوُدَ، وابنه، والقَاسَانِي والنَّهْرَوَانِي) كذا أطلق المصنف النقل عنهم، وسبقه إلى ذلك ابن السمعاني (١)، والآمدي ذكر أنهم وافقوا على وقوع ذي العلة المنصوصة (٢)، أو المومئ إليها (٣)، وهو الأصح في النقل عنهم، وكذلك لا ينكرون قياس الأولى (٤)، ولا يصح عن أحد من القائلين بالجواز إنكار وقوع القياس بجملته إلا عن أبي محمد بن حزم من أئمة الظاهرية (٥) " (٦). • المثال الثاني: قال البزدوي في تعريف الخاص: "أما الخاص: فكل لفظ وضع لمعنى واحد على

стр. 211

الانفراد وانقطاع المشاركة، وكل اسم وضع لمسمى معلوم على الانفراد ... فصار الخصوص عبارة عما يوجب الانفراد ويقطع الشركة" (١). فقال البخاري: " ... ثم ذكر ههنا (لمعنى واحد)، وذكر شمس الأئمة ﵀ (لمعنى معلوم) (٢) مكان (واحد)، فعلى ما ذكر هنا يكون المجمل (٣) داخلاً فيه؛ لأن اللفظ خاص؛ سواء كان معلومًا أو مجهولًا؛ لأن خصوصية اللفظ بالنسبة إلى الواقع؛ لا بالنسبة إلى القائل والسامع، فلا يشترط فيه العلم. وعلى ما ذكر شمس الأئمة ﵀ لا يدخل وهو الأصح؛ لأن الشيخين (٤) اتفقا في بيان حكم الخاص أنه لا يحتمل التصرف فيه بيانًا؛ لأنه بين بنفسه، والمجمل لا يعرف إلا بالبيان، فيكون خلاف الخاص" (٥). • بيان الاستدراك: لم يكتفِ البخاري بشرح تعريف البزدوي للخاص؛ بل ذكر التعريف الأصح؛ وهو تعريف السرخسي؛ وذلك لأن البزدوي استعمل عبارة (لمعنى واحد) فدخل المجمل في حد الخاص، في حين أن عبارة السرخسي (لمعنى معلوم) لا يدخل المجمل في حد الخاص، وهذا هو الصحيح؛ حيث اتفق الشيخان أن الخاص بين بنفسه بخلاف المجمل.

стр. 212

• مثال صيغة (الأصوب): قال الزركشي عند ذكره لأدوات التعليل الصريحة: "رابعها: كيْ، كذا جعَلَهَا الإِمام في البرهان (١) من الصريح، وخالفه الرّازِي (٢)، والأول أصوب" (٣). • ثالثًا: استدراك الفوائد. والغرض منه تكميل عبارة المستدرَك عليه بذكر فوائد للمسألة الأصولية لم يذكرها. وأقرره بالأمثلة التالية: • المثال الأول: بعد أن ذكر القرافي مسألة (أقل الجمع) قال: "فائدة: ضابط جمع القلة: اللفظ الموضوع لضم الشيء إلى مثله، أو إلى أكثر منه؛ على خلاف في أصل مسماه، بوصف كونه لا يتعدى العشرة. وضابط مسمى جمع الكثرة: أنه اللفظ الموضوع للأحَدَ عَشَر فما فوقها من غير حصر. وهذا علة ما لم يُعرف من الجموع، فإذا عُرفت صارت كلها للعموم، ولا تعتبر بعد ذلك عشرة ولا غيرها؛ لذلك نص عليها إمام الحرمين في البرهان (٤)، وأفرد لها مسألة تختص بالجمع بين قول الأدباء: جمع القلة: للعشرة فما دونها، وقول الأصوليين:

стр. 213

هو للعموم، وجمع بالتعريف والتنكير. وقال: هو من المهمات. (١) فائدة: قال إمام الحرمين في البرهان (٢): يُستثنى عن هذه المسألة بالإجماع ضميرُ المتكلم المتصل والمنفصل؛ نحو: نحن، وفعلنا؛ فإنه يكفي المتكلم وآخر معه إجماعًا، ولا يشترط الثلاثة؛ ولذلك لا يصح الاستدلال به على أن أقل الجمع اثنان؛ لأن اللغة لا تُوجد قياسًا" (٣). • المثال الثاني: قال ابن السبكي بعد شرح مسألة (حكم الاستثناء الواقع عقيب جمل عطف بعضها على بعض (٤)): "فائدة: الخلاف المتقدم في أن الاستثناء هل يختص بالأخيرة، أو يعود إلى الجميع، أو غير ذلك؟ إنما هو فيما إذا لم يقم دليل على واحد بعينه ... " (٥).

стр. 214

• المثال الثالث: قال ابن السبكي بعد شرح مسألة (تأخير البيان عن وقت الحاجة): "فائدة: ثمرة مسألة: تأخير البيان عن وقت الخطاب أن الفقيه إذا عثر على عموم القرآن، ثم عثر على خبر يرفع بعض ذلك العموم، وعلم أن تأخير الخبر متراخٍ عن نزول الآية؛ فإنه إن اعتقد إحالة تأخير البيان قضى بكون الخبر نسخًا، فلم يأخذ به إلا أن يكون متواترًا؛ إذ النسخ لا يكون بأخبار الآحاد" (١). • السبب الثاني: استدراك بسبب التنبيه . والغرض منه: إيقاظ من غفلة؛ بإعلام القاري بما في ضمير المستدرِك مما سكت عنه الأوائل. وللتنبيه ثلاث صور: الأولى: التنبيه على شيء لو تأمل المتأمل الكلام السابق فهمه منه؛ ومثاله: قول القرافي بعد أن ذكر الأسئلة الواردة على حد الواجب- ما يذم تاركه شرعًا على بعض الوجوه-: "تنبيه: وافقه التحصيل (٢) والمنتخب، وقال الحاصل: ما يذم تاركه مطلقًا (٣)، ولم يقل: بعض الوجوه، فيندفع عنه السؤال الرابع" (٤). ويقصد بالسؤال الرابع: "أن قيد (بعض الوجوه) يخرج ما يذم تاركه على كل الوجوه؛ لأن كل قيد في حد إنما نحترز به عن ضده، فقيد (البعض) ينافي الكل،

стр. 215

فيخرج أكثر الواجبات من الحد، وهي الواجبات المعينة التي لا توسعة فيها" (١). الثانية: التنبيه لدفع اللَّبْس؛ ومثاله: قول القرافي: "تنبيه: وهم كثير من الأصوليين فقالوا في حد الواجب: ما يذم تاركه، ويثاب فاعله، فضموا قيد (الثواب) إلى الحد، وهو غير مستقيم؛ فإن الحد يصير غير جامع. وتقريره: أن ليس كل واجب يثاب فاعله، ولا كل محرم يثاب على تركه. أما الأول: فكنفقات الزوجات، والأقارب، ورد المغصوب، ودفع الديون والأجر والأثمان إذا فعلت من غير قصد امتثال أمر الله -تعالى- وقعت واجبة مع أنه لا ثواب فيها؛ لعدم القصد لطاعة الله -تعالى-؛ بل لو لم يشعر بأن الله -تعالى- أوجبها عليه وقعت واجبة، ولا ثواب مع عدم الشعور بالإيجاب. وأما الثاني: فلأن المحرمات تخرج الإنسان عن عهدتها بمجرد تركها وإن لم يشعر بتحريمها عليه، ولا ثواب مع عدم الشعور بالتحريم؛ لانتفاء طاعة الله -تعالى- بعدم الشعور بتكليفه، وإذا اقترن قصد الطاعة بجميع ذلك حصل الثواب. فظهر أن التحديد بالثواب في فعل الواجب وترك المحرم غير مستقيم؛ وإنما يلزم في الواجب ذم تاركه، أو استحقاق العقاب، ففي المحرم استحقاق العقاب على الفعل، أما الفعل الواجب وترك المحرم فلا" (٢). مثال آخر: قال التاج السبكي بعد أن ذكر تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالإجماع: "تنبيه: معنى قولنا: تخصيص الكتاب بالإجماع: أنهم يجمعون على تخصيص العام بدليل آخر، فالمخصص سند الإجماع، ثم يلزم من بعدهم متابعتهم وإن جهلوا المخصص؛ وليس معناه: أنهم خصوا العام بالإجماع؛ لأن الكتاب والسنة المتواترة موجودان في عهده ﵇، وانعقاد الإجماع بعد ذلك على خلافه خطأ، فالذي جوزناه
следующие страницы →