← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133372

الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية

إيمان بنت سالم قبوس

Полный текст (900 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الانفراد وانقطاع المشاركة، وكل اسم وضع لمسمى معلوم على الانفراد ... فصار الخصوص عبارة عما يوجب الانفراد ويقطع الشركة" (١). فقال البخاري: " ... ثم ذكر ههنا (لمعنى واحد)، وذكر شمس الأئمة ﵀ (لمعنى معلوم) (٢) مكان (واحد)، فعلى ما ذكر هنا يكون المجمل (٣) داخلاً فيه؛ لأن اللفظ خاص؛ سواء كان معلومًا أو مجهولًا؛ لأن خصوصية اللفظ بالنسبة إلى الواقع؛ لا بالنسبة إلى القائل والسامع، فلا يشترط فيه العلم. وعلى ما ذكر شمس الأئمة ﵀ لا يدخل وهو الأصح؛ لأن الشيخين (٤) اتفقا في بيان حكم الخاص أنه لا يحتمل التصرف فيه بيانًا؛ لأنه بين بنفسه، والمجمل لا يعرف إلا بالبيان، فيكون خلاف الخاص" (٥). • بيان الاستدراك: لم يكتفِ البخاري بشرح تعريف البزدوي للخاص؛ بل ذكر التعريف الأصح؛ وهو تعريف السرخسي؛ وذلك لأن البزدوي استعمل عبارة (لمعنى واحد) فدخل المجمل في حد الخاص، في حين أن عبارة السرخسي (لمعنى معلوم) لا يدخل المجمل في حد الخاص، وهذا هو الصحيح؛ حيث اتفق الشيخان أن الخاص بين بنفسه بخلاف المجمل.

стр. 212

• مثال صيغة (الأصوب): قال الزركشي عند ذكره لأدوات التعليل الصريحة: "رابعها: كيْ، كذا جعَلَهَا الإِمام في البرهان (١) من الصريح، وخالفه الرّازِي (٢)، والأول أصوب" (٣). • ثالثًا: استدراك الفوائد. والغرض منه تكميل عبارة المستدرَك عليه بذكر فوائد للمسألة الأصولية لم يذكرها. وأقرره بالأمثلة التالية: • المثال الأول: بعد أن ذكر القرافي مسألة (أقل الجمع) قال: "فائدة: ضابط جمع القلة: اللفظ الموضوع لضم الشيء إلى مثله، أو إلى أكثر منه؛ على خلاف في أصل مسماه، بوصف كونه لا يتعدى العشرة. وضابط مسمى جمع الكثرة: أنه اللفظ الموضوع للأحَدَ عَشَر فما فوقها من غير حصر. وهذا علة ما لم يُعرف من الجموع، فإذا عُرفت صارت كلها للعموم، ولا تعتبر بعد ذلك عشرة ولا غيرها؛ لذلك نص عليها إمام الحرمين في البرهان (٤)، وأفرد لها مسألة تختص بالجمع بين قول الأدباء: جمع القلة: للعشرة فما دونها، وقول الأصوليين:

стр. 213

هو للعموم، وجمع بالتعريف والتنكير. وقال: هو من المهمات. (١) فائدة: قال إمام الحرمين في البرهان (٢): يُستثنى عن هذه المسألة بالإجماع ضميرُ المتكلم المتصل والمنفصل؛ نحو: نحن، وفعلنا؛ فإنه يكفي المتكلم وآخر معه إجماعًا، ولا يشترط الثلاثة؛ ولذلك لا يصح الاستدلال به على أن أقل الجمع اثنان؛ لأن اللغة لا تُوجد قياسًا" (٣). • المثال الثاني: قال ابن السبكي بعد شرح مسألة (حكم الاستثناء الواقع عقيب جمل عطف بعضها على بعض (٤)): "فائدة: الخلاف المتقدم في أن الاستثناء هل يختص بالأخيرة، أو يعود إلى الجميع، أو غير ذلك؟ إنما هو فيما إذا لم يقم دليل على واحد بعينه ... " (٥).

стр. 214

• المثال الثالث: قال ابن السبكي بعد شرح مسألة (تأخير البيان عن وقت الحاجة): "فائدة: ثمرة مسألة: تأخير البيان عن وقت الخطاب أن الفقيه إذا عثر على عموم القرآن، ثم عثر على خبر يرفع بعض ذلك العموم، وعلم أن تأخير الخبر متراخٍ عن نزول الآية؛ فإنه إن اعتقد إحالة تأخير البيان قضى بكون الخبر نسخًا، فلم يأخذ به إلا أن يكون متواترًا؛ إذ النسخ لا يكون بأخبار الآحاد" (١). • السبب الثاني: استدراك بسبب التنبيه . والغرض منه: إيقاظ من غفلة؛ بإعلام القاري بما في ضمير المستدرِك مما سكت عنه الأوائل. وللتنبيه ثلاث صور: الأولى: التنبيه على شيء لو تأمل المتأمل الكلام السابق فهمه منه؛ ومثاله: قول القرافي بعد أن ذكر الأسئلة الواردة على حد الواجب- ما يذم تاركه شرعًا على بعض الوجوه-: "تنبيه: وافقه التحصيل (٢) والمنتخب، وقال الحاصل: ما يذم تاركه مطلقًا (٣)، ولم يقل: بعض الوجوه، فيندفع عنه السؤال الرابع" (٤). ويقصد بالسؤال الرابع: "أن قيد (بعض الوجوه) يخرج ما يذم تاركه على كل الوجوه؛ لأن كل قيد في حد إنما نحترز به عن ضده، فقيد (البعض) ينافي الكل،

стр. 215

فيخرج أكثر الواجبات من الحد، وهي الواجبات المعينة التي لا توسعة فيها" (١). الثانية: التنبيه لدفع اللَّبْس؛ ومثاله: قول القرافي: "تنبيه: وهم كثير من الأصوليين فقالوا في حد الواجب: ما يذم تاركه، ويثاب فاعله، فضموا قيد (الثواب) إلى الحد، وهو غير مستقيم؛ فإن الحد يصير غير جامع. وتقريره: أن ليس كل واجب يثاب فاعله، ولا كل محرم يثاب على تركه. أما الأول: فكنفقات الزوجات، والأقارب، ورد المغصوب، ودفع الديون والأجر والأثمان إذا فعلت من غير قصد امتثال أمر الله -تعالى- وقعت واجبة مع أنه لا ثواب فيها؛ لعدم القصد لطاعة الله -تعالى-؛ بل لو لم يشعر بأن الله -تعالى- أوجبها عليه وقعت واجبة، ولا ثواب مع عدم الشعور بالإيجاب. وأما الثاني: فلأن المحرمات تخرج الإنسان عن عهدتها بمجرد تركها وإن لم يشعر بتحريمها عليه، ولا ثواب مع عدم الشعور بالتحريم؛ لانتفاء طاعة الله -تعالى- بعدم الشعور بتكليفه، وإذا اقترن قصد الطاعة بجميع ذلك حصل الثواب. فظهر أن التحديد بالثواب في فعل الواجب وترك المحرم غير مستقيم؛ وإنما يلزم في الواجب ذم تاركه، أو استحقاق العقاب، ففي المحرم استحقاق العقاب على الفعل، أما الفعل الواجب وترك المحرم فلا" (٢). مثال آخر: قال التاج السبكي بعد أن ذكر تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالإجماع: "تنبيه: معنى قولنا: تخصيص الكتاب بالإجماع: أنهم يجمعون على تخصيص العام بدليل آخر، فالمخصص سند الإجماع، ثم يلزم من بعدهم متابعتهم وإن جهلوا المخصص؛ وليس معناه: أنهم خصوا العام بالإجماع؛ لأن الكتاب والسنة المتواترة موجودان في عهده ﵇، وانعقاد الإجماع بعد ذلك على خلافه خطأ، فالذي جوزناه

стр. 216

إجماع على التخصيص؛ لا تخصيص بالإجماع - والله اعلم -" (١). الثالثة: التنبيه فيما يكون الحكم المذكور بعده بديهيًّا، مثاله: ما ذكره ابن أمير حاج (٢) في مسألة (لا يشترط لحجية الإجماع انتفاء سبق خلاف مستقر لأهل عصر سابق (٣)): "تنبيه: ثم غير خاف أن هذا كله بناء على عدم اشتراط انقراض العصر (٤)، أما على اشتراطه فجائز وقوعه ويكون حجة؛ إذ ليس فيه ما يوهم تعارض الإجماعين، ولأن اختلافهم على قولين ليس بأكثر من إجماعهم على قول واحد، وإذا جاز الرجوع في الواحد المتفق عليه ففي المختلف فيه أولى ... " (٥).

стр. 217

• السبب الثالث: الاستدراك بسبب نقد المستدرَك فيه النقد من أسباب الاستدراك، ويندرج تحته الأسباب التالية: • أولاً: نقد الموضوع: نقد بعض الأصوليين إقحام مواضيع ليست من أصول الفقه، وأقرر ذلك بالأمثلة التالية: • المثال الأول: نقد ابن حزم إدراج مسألة: النسخ قبل التمكن في أصول الفقه؛ لأنه لا ينبني عليها فروع فقهية عنده، فقال: "وما ندري أنَّ لطالب الفقه إليه حاجة" (١). • المثال الثاني: نقد الإمام الغزالي إقحام موضوع (قوادح العلة (٢)) وموضوع (تصويب المجتهدين) في علم الأصول حيث قال: " ... ووراء هذه اعتراضات: مثل المنع، وفساد الوضع، وعدم التأثير، والكسر، والفرق، والقول بالموجَب، والتعدية والتركيب. وما يتعلق فيه تصويب نظر المجتهدين قد انطوى تحت ما ذكرناه وما لم يندرج تحت ما ذكرناه فهو نظر جدلي يتبع شريعة الجدل التي وضعها الجدليون باصطلاحهم، فإن لم يتعلق بها فائدة دينية، فينبغي أن نشح على الأوقات من أن نضيعها بها وتفصيلها، وإن تعلق بها فائدة؛ من ضم نشر الكلام، ورد كلام المناظرين إلى مجرى الخصم؛ كيلا يذهب كل واحد عرضًا وطولاً في كلامه منحرفًا عن مقصد نظره؛ فهي ليست فائدة من جنس أصول الفقه؛ بل هي من علم الجدل، فينبغي أن تفرد

стр. 218

بالنظر ولا تمزج بالأصول التي يقصد بها تذليل طرق الاجتهاد للمجتهدين" (١). • المثال الثالث: نقد المازري على الجويني الحديث عن إعراب ما بعد (إلا) فقال: "وهذا كله مستقصى من كتب النحاة، وكان الأليق الإضراب عنه في مثل هذا التأليف، وإحالة بسطه إلى أهله وكتبهم" (٢). • المثال الرابع: ذكر ابن رشد (٣) أثناء حديثه عن حد الحكم، وتعرضه لمسألة التحسين والتقبيح، فاستدرك إدراج هذه المسألة في علم الأصول فقال: " ... والقول في هذه المسألة ليس من هذا العلم الذي نحن بسبيله" (٤). ثم ختم المسألة بقوله: "وهذا كله ليس من هذا العلم" (٥). كما نقد إدراج مسألة (تقسيم الواجب إلى معين ومخير) في علم الأصول فقال: "والكلام في هذه المسألة ليس من هذا العلم الذي نحن بسبيله؛ بل يكفي من ذلك

стр. 219

ههنا أن نقول: إن وقوع مثل هذا شرعًا موجود كخصال الكفارة ... " (١). • المثال الخامس: نقد ابن رشيق إدراج مسألة (مبدأ اللغات) فقال: "وهذه المسألة إن جرت عادة الأصوليين بالخوض فيها فهي عديمة الجدوى والفائدة" (٢). • المثال السادس: نقد الطوفي إلحاق المنطق بأوائل أصول الفقه، واستخدام أساليب علم الكلام والفلسفة بدلاً عن الشواهد الفقهية، فقال: " ... ككثيرٍ من الأعاجم تتوفر دواعيهم على المنطق والفلسفة والكلام، فَيَتَسَلَّطُون به على أصول الفقه؛ إمَّا عن قصدٍ، أو استتباع لتلك العلوم العقلية؛ ولهذا جاء كلامهم فيه عريًّا عن الشواهد الفقهية المُقَرِّبة للفهم على المشتغلين، ممزوجًا بالفلسفةٍ؛ حتى إنَّ بعضهم تكلَّف إلحاق المنطق بأوائل كتب أصول الفقه؛ لغلبته عليه، واحتج (٣) بأنه من موادِّه؛ كما ذكر في صدر هذا الشرح، فتركوا ما ينبغي، وذكروا ما لا ينبغي" (٤). • المثال السابع: قال الشاطبي: "كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية، أو آداب شرعية، أو لا تكون عونًا فى ذلك؛ فوضعها في أصول الفقه عاريَّة. والذي يوضح ذلك: أنَّ هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدًا له، ومحققًا للاجتهاد فيه، فإذا لم يفد ذلك فليس بأصل له. ولا يلزم على هذا أن يكون كل ما انْبَنى عليه فرع فقهي من جملة أصول الفقه؛ وإلا أدى ذلك إلى أن يكون سائر العلوم من

стр. 220

أصول الفقه: كعلم النحو، واللغة، والاشتقاق، والتصريف، والمعاني، والبيان، والعدد، والمساحة، والحديث، وغير ذلك من العلوم التي يتوقف عليها تحقيق الفقه، وينبني عليها من مسائله، وليس كذلك، فليس كل ما يفتقر إليه الفقه يُعدُّ من أصوله، وإنما اللازم أن كل أصلٍ يُضاف إلى الفقه لا ينبنى عليه فقه فليس بأصل له. وعلى هذا يخرج عن أصول الفقه كثير من المسائل التي تكلم عليها المتأخرون وأدخلوها فيها؛ كمسألة ابتداء الوضع، ومسألة الإباحة هل هي تكليف أم لا؟ ، ومسألة أمر المعدوم، ومسألة هل كان النبي ﷺ متعبدًا بشرع أم لا؟ ، ومسألة لا تكليف إلا بفعل. كما أنه لا ينبغي أن يُعدَّ منها ما ليس منها، ثم البحث فيه في عمله وإن انبنى عليه الفقه كفصول كثيرة من النحو؛ نحو: معاني الحروف، وتقاسيم الاسم والفعل والحرف، والكلام على الحقيقة والمجاز، وعلى المشترك، والمترادف (١)، والمشتق (٢)، وشبه ذلك" (٣). وكذلك نقده لإدراج مسائل ينبني عليها فقه؛ إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها خلاف في فرع من فروع الفقه، فقال: "وكل مسألة في أصول الفقه ينبني عليها فقه؛ إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها خلاف في فرع من فروع الفقه، فوضع الأدلة على صحة بعض المذاهب أو إبطاله عارية أيضاً؛ كالخلاف مع المعتزلة في الواجب المخير، والمحرم المخير؛ فإن كل فرقة موافقة للأخرى في نفس العمل؛ وإنما اختلفوا في الاعتقاد بناء على أصل محرر في علم الكلام، وفي أصول الفقه له تقريرٌ أيضًا؛ وهو: هل الوجوب والتحريم أو غيرهما راجع إلى صفة الأعيان أو إلى خطاب الشارع؟ ،

стр. 221

وكمسألة تكليف الكفار بالفروع عند الفخر الرازي، وهو ظاهر؛ فإنه لا ينبني عليه عمل، وما أشبه ذلك من المسائل التي فرضوها مما لا ثمرة له في الفقه" (١). • ثانيًا: نقد الأسلوب: تميز بعض العلماء بصعوبة عبارته التي استلزمت غموض المعنى، وممن اشتهر بذلك: فخر الإسلام البزدوي؛ حتى كني بأبي العسر. وقد أشار إلى هذا عدد من علماء الحنفية؛ منهم: الصدر المحبوبي؛ إذ يقول: "لما رأيت فحول العلماء مُكبين في كل عهد وزمانٍ على مُباحثةِ أصول الفقه للشيخ الإمام مقتدى الأئمة العظام فخر الإسلام علي البزدوي -بوأه الله دار السلام- وهو كتاب جليل الشأن، باهر البرهان، مركوز كنوز معانيه في صخور عباراته، ومرموزٌ غوامض نكته في دقائق إشارته، ووجدت بعضهم طاعنين على ظواهر ألفاظه؛ لقصور نظرهم عن مواقع ألحاظه" (٢). وعبدالعزيز البخاري في مقدمة شرحه بقوله: " ... وهو كتاب عجيب الصنعة، رائع الترتيب، صحيح الأسلوب، مليح التركيب، ليس في جودة تركيبه وحسن ترتيبه مِرْيَة (٣)، وليس وراء عبادان (٤) قرية؛ لكنه صعب المرام، أبيُّ الزمام، لا سبيل إلى الوصول إلى معرفة لفظه وغرايبه، ولا طريق إلى الإحاطة بطرقه وعجايبه

стр. 222

إلا لمن أقبل بكليته على تحقيقه وتحصيله، وشد حيازيمه (١) للإحاطة لجملته وتفصيله ... " (٢). بل إن العنوان الذي اختاره شارحه يدل على صعوبة عبارته: " ... ولما كان هذا الكتاب كاشفًا عن غوامض محتجبة عن الأبصار؛ ناسب أن سميته: كشف الأسرار" (٣). كما أن الاختصار يكون سببًا أحيانًا لقصور البيان المستلزم غموض المعنى، الموصل إلى حد الألغاز أحيانًا. يقول حَاجِي خَلِيفَة عن مختصر ابن الحاجب: "هو مختصر غريب في صنعه، بديع في فنه؛ لغاية إيجازه يضاهي الألغاز، وبحسن إيراده يحاكي الإعجاز" (٤). وقال أبو الثناء الأصفهاني في مقدمة شرحه للمختصر: "فتصديت لأن أشرحه شرحًا يُبين حقائقه، ويوضِّح دقائقه، ويُذلِّل من اللفظ صعابه، ويكشف عن وجه المعاني نقابه، مقتصدًا غير مختصر اختصارًا يُؤدي إلى الإخلال، ولا مطنبًا إطنابًا يفضي إلى الإملال؛ ساعيًا في حل مشكلاته، وفتح معضلاته، وتقرير معاقده، وتحرير قواعده، ودفع الشبهات الواردة على مقاصده" (٥). كما أن العناوين التي اختارها شُرَّاحه تدل على صعوبة أسلوبه (٦).

стр. 223

وأقرر ذلك بالأمثلة الآتية: • المثال الأول: قال ابن الحاجب في مختصره: "وأما حده مضافًا: فالأصول الأدلة، والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية بالاستدلال" (١). فاستدرك عليه البابرتي في عبارته ناقدًا له: "واعلم أن قوله: (وأما حده مضافًا) ليس بمستقيم لا لفظًا ولا معنى. أما لفظًا فلأن ضمير (حده) لأصول الفقه، فيكون تقديره: وأما حد أصول الفقه من حيث إنه مضاف إلى شيء، وأصول الفقه ليس بمضاف إلى شيء، وإن جعلت (مضافًا) مصدرًا بمعنى الإضافة كان المعنى: أصول الفقه من حيث إضافته إلى شيء، أو من حيث إضافة شيء إليه، وكلاهما ليس بمراد ولا صحيحًا. وإن جعلت تقديره: (حد أصول الفقه) أي هذا اللفظ المركب من حيث إضافة بعض أجزائه إلى بعض لا يصح. قوله: (فالأصول: الأدلة) لأن الأدلة ليست حده من حيث إن بعض أجزائه مضاف إلى بعض آخر؛ بل من حيث إن المتكلم أراد من هذا اللفظ مدلول الآخر، فليس إلا تعريفًا لفظيًا، كتعريف الغضنفر بالأسد. وأما المعنى فلأن حد أصول الفقه من حيث إنه مضاف على أي وجه كان ليس ما يحتاج إلى ذكره في هذا المختصر" (٢).

стр. 224

• المثال الثاني: قال ابن الحاجب: "وأما حده مضافًا: فالأصول: الأدلة. والفقه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال. وَأُورِدَ: إن كان المراد بالبعض لم يطرد؛ لدخول المقلد. وإن كان الجميع لم ينعكس؛ لثبوت (لا أدري). وأُجيب بالبعض، ويطِّرد؛ لأن المراد بالأدلة: الأمَارات، وبالجميع وينعكس؛ لأن المراد تهيُّؤُه للعلم بالجميع" (١). فاستدرك عليه البابرتي بنقد عبارته فقال: "أجيب عن هذا الإيراد على كل واحد من الشقين؛ فقيل: المراد: البعض، والمقلد ليس بداخل؛ لأن المراد البعض الحاصل من الأدلة التفصيلية بالاستدلال، وما للمقلد ليس كذلك؛ وإلا لم يكن مقلدًا. وعبارة المصنف قاصرة عن البيان على هذا الوجه، وتقدير كلامه: بأن المراد بالأدلة الأمارات، وعلم المقلد ليس بأمارات، ليس بكاف؛ لأنه يفيد أن المراد بالأدلة ليس علم المقلد، وليس بمراد؛ بل المراد: أن المراد بالأحكام ما كان حاصلاً بالأمارات، وفقه المقلد ليس كذلك. والتكلف الزائد في تصحيحه يُفضي إلى كونه من الألغاز ... " (٢). • المثال الثالث: قال ابن الحاجب: "والعلم: قيل: لا يُحَدُّ. قال الإمام (٣): لِعُسره.

стр. 225

وقيل (١): لأنه ضروري من وجهين، أحدهما: أن غير العلم لا يعلم إلا بالعلم، فلو عُلِمَ العلم بغيره كان دورًا، وأجيب: بأن توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره؛ لا على تصوره، فلا دور" (٢). فاستدرك البابرتي عليه بقوله: "ليس دليل الإمام (٣) ولا الجواب عنه صحيحًا ... وأما الجواب فعدم صحته من جهة اللفظ والمعنى، أما الأولى فلأن ما ذكره المصنف ألغاز وتعمية؛ فإن المقصود بيان جهة التوقف لدفع الدور، وذلك يحتاج إلى ذكر الجهتين، ولم يذكر إلا جهة واحدة؛ حيث قال: (توقف تصور غير العلم على حصول العلم بغيره؛ لا على تصوره). يريد بذلك أن غير العلم إذا علم بالعلم كان تصوره موقوفًا على حصول العلم بغير العلم؛ لا على تصور العلم، وذلك ليس بكافٍ حتى يقول: (والعلم إذا عُرِفَ بغيره كان تصوره موقوفًا على تصور ذلك الغير؛ لا حصوله؛ ليعلم أنه موقوف عليه من إحدى الجهتين هو الحصول، وهو ليس بالموقوف؛ بل الموقوف غيره؛ وهو التصور، فيندفع الدور) " (٤). • ثالثًا: نقد المنهج. درج بعض الأصوليين في مناقشة الموضوعات الأصولية على منهج شاق، كما أن بعضهم لم يراعِ منهجية علمية في ترتيب المسائل الأصولية. وأقرر هذا النوع من الاستدراك بالأمثلة التالية: • المثال الأول: فرض السمعاني في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم لا؟ ) استدراكًا

стр. 226

مقدرًا للقائلين إنه للفور: "فإن قلتم: لأنه إن كان واجبًا في أوَّل الوقت وجاز التأخير أدى إلى نقض وجوبه وإلحاقه بالنوافل". فأجاب عن هذا الاستدراك، وزاد جوابًا آخر لبعض الحنفية، فقال: "وقد سلك بعض أصحابنا طريقًا آخر في الجواب وقال: إنما جاز التأخير إلى بدل وهو العزم، وزعم أن الإنسان إنما يجوز له التأخير بشرط يكون عازمًا على فعله الثاني. وذكر القاضي أبو الطيب وجهين للأصحاب في وجوب العزم، وهذه الطريقة صعب تمشيتها، شاق مسلكها للمسائل التي ذكرناها، وما ذكرنا من الجواب معتمد، وهو كاف" (١). • بيان الاستدراك: استدرك السمعاني على أبي الطيب منهجه في تقرير وجوب العزم بأن هذه الطريقة صعب تمشيتها، شاق مسلكها مع الأدلة التي استدل بها القائلون بوجوب الفور، والتي تنفي كون العزم بدلاً، وأن ما ذكره من الجواب معتمد وكاف عن هذه الطريقة الصعبة. وجاء في هامش إحدى النسخ تعليق؛ وهو: "مطلب: أن في وجوب العزم على من أخر الواجب الموسع عن أول الوقت وجهين، وأن الوجه القائل بالإيجاب طريقة صعبة شاقة، وقد قال ﵇ «لا حرج في الدين» (٢) " (٣).

стр. 227

• المثال الثاني: قال ابن رشد في مسألة (الحرام ضد الواجب): "والعجب من أبي حامد كيف جعل النظر في هذه المسألة في هذا لجزء من الكتاب" (١). • بيان الاستدراك: استدراك نقدي من ابن رشد على الغزالي في ترتيبه موضوعات المستصفى، ووضعه هذه المسألة في الجزء الأول من الكتاب المتضمن النظر في الأحكام. وهذه المسألة يعبر عنها بعض الأصوليين - ومنهم الغزالي (٢) - بـ" الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده أم لا؟ ، ويذكرها علماء الأصول في باب الأوامر (٣). • المثال الثالث: ذكر القرافي مسألة (تقديم الإجماع على النص والقياس) في مبحث الإجماع (٤)، فاستدرك عليه حلولو ذلك بقوله: "الصواب ذكر هذه المسألة في الترجيح كما فعل غير المصنف" (٥). • المثال الرابع: قال ابنُ الهُمَامِ (٦) عقب مسألة (الفور ضروري للقائل بالتكرار): "تنبيه: قيل:

стр. 228

مسألة الأمر للوجوب شرعية؛ لأن محمولها الوجوب وهو شرعي. وقيل: لغوية ... " (١). فاستدرك عليه أمير بادشاه هذا التنبيه في هذا الموضع فقال: "كان الأولى ذكره في ذيل مسألة: صيغة الأمر خاص في الوجوب" (٢). • رابعًا: نقد لإضعاف دليل الخصم: قال البابرتي في مقدمة شرحه على مختصر ابن الحاجب: "وها أنا قد كشفت عن ساعدي نقد المختصر، يُنَبِّه الفطن على ما غفلوا من ماجد الأصحاب، وتعسفوا فتركوا إلى القشرة ما هو محض اللباب، فمن رزق الفطنة الوقادة عرفها، ومن اتبع الفاعة (٣) والعادة فعن الحقائق صرفها" (٤). وهذا النوع من النقد كثير، وأقرره بالأمثلة التالية: • المثال الأول: قال القاضي أبو يعلى في مسألة (العلة القاصرة (٥)) مستدركًا على الخصم من

стр. 229

الشافعية القائلين بجواز التعليل بها، عند استدلاله بأن هذه أمارة شرعية، فجاز أن تكون عامة وخاصة؛ كالنص يكون عامًّا؛ كقوله: اقتلوا المشركين، ويكون خاصًّا؛ كقوله: اقتلوا المرتد. " والجواب: أنه إنما كان حجة في العموم والخصوص لأنه يفيد في الموضعين جميعًا إثبات الحكم في الموضوع المنصوص عليه، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنها تفيد في العموم، ولا تفيد الخصوص من الوجه الذي بيَّنَّا" (١). ويستمر في ذكر أدلة الخصم والاستدراك عليها. • المثال الثاني: قال الباجي في مسألة (الأمر له صيغة تختص به)، دليل الخصم: "احتجوا بأن إثبات الصيغة للأمر لا يخلو إما أن تكون بالعقل ولا مجال له في ذلك، أو بالنقل، ولا يخلو أن يكون آحادًا فلا يقبل في أصل من الأصول، أو تواترًا ولا أصل له؛ لأنه لو كان لعلمناه كما علمتم، ولما لم نعلمه دل على أنه لا أصل له، فلا معنى لإثبات الصيغة". فانتقد كلامهم هذا بقلب الدليل عليهم فقال: "والجواب: أن هذا ينقلب عليكم في إثبات الاشتراك في لفظة (افعل)؛ فإنه لا يخلو أن يكون بالعقل ولا مجال فيه، أو بالنقل ولا يخلو أن يكون آحادًا، فلا يجوز إثبات مسائل الأصول بأخبار الآحاد، أو تواترًا ولا أصل له لما ذكرتم، فلا معنى لدعوى الاشتراك. وكل جواب لكم عن هذا فهو جوابنا عما استدللتم به" (٢).

стр. 230

المثال الثالث: قال القرافي مستدركًا على كلام الرازي في مسألة (المصلحة المرسلة): "قوله: (لا نحكم بالمصلحة المرسلة في محل الحاجة والتتمة؛ لأنه إثبات شرع بالرأي) (١). قلنا: عليه سؤالان: أحدهما: المنع؛ بل ما ثبت ذلك إلا باجتهاد صحيح، وإن الاستقراء دل على أن الشرائع مصالح، وإن الرسل ﵈ إنما بعثوا بالمصالح ودرء المفاسد، فمن أثبت ضرورة، أو حاجة، أو تتمة بالمصالح؛ فقد اعتمد على قاعدة الشرائع، فلا يكون إثباتًا للشرع بالهوى. وثانيهما: أنه إن كان إثباتًا بالهوى فينبغي أن يمنع ذلك في الضرورة بطريق الأولى؛ فالضروريات أهم الديانات، فإذا منعنا اتباع الهوى فيما خف أمره؛ أولى أن نمنعه فيما عظم أمره" (٢). • السبب الرابع: الاستدراك لسبب تقرير مذهب المستدرِك . من أسباب الاستدراك: الرد على الخصوم لتقرير مذهب المستدرِك. والخصوم على قسمين: خصم في الواقع، وخصم مقدر. وكل منهما ينقسم إلى قسمين: خصم مخالف في المذهب العقدي، وخصم مخالف في المذهب الفقهي. فصارت الأقسام أربعة: ١ - خصم في الواقع مخالف في المذهب العقدي. ٢ - خصم في الواقع مخالف في المذهب الفقهي.

стр. 231

٣ - خصم مقدر مخالف في المذهب العقدي. ٤ - خصم مقدر مخالف في المذهب الفقهي. أما الاستدراك على الخصم في الواقع المخالف في المذهب العقدي فتظهر بصورة واضحة في استدراكات الأشاعرة على المعتزلة، والعكس صحيح، كما تظهر في استدراكات أهل السنة عليهما. ويمكن تمثيلها بمسائل أصول الدين المبحوثة في علم أصول الفقه؛ كمسألة التحسين والتقبيح، ومسألة أول ما يجب على المكلف، ومسألة هل كل مجتهد مصيب أم المصيب واحد وما عداه مخطئ؟ وغيرها من المسائل التي يستدرك فيها الخصوم على بعض لتقرير مذهبهم. (١) وأكتفي بمثال على ذلك: قال ابن قدامة في مسألة (التكليف بالفعل الذي ينتفي شرط وقوعه عند وقته (٢)): "ويجوز الأمر من الله سبحانه بما في معلومه أن المكلف لا يتمكن من فعله. وعند المعتزلة (٣): لا يجوز ذلك إلا أن يكون تعلقه بشرط تحققه مجهولاً عند الآمر، أما إذا كان معلومًا أنه لا يتحقق الشرط؛ فلا يصح الأمر به؛ لأن الأمر طلب، فكيف يطلب الحكيم ما يعلم امتناعه؟ ! وكيف يقول السيد لعبده: خط ثوبي إن صعدت السماء؟ !

стр. 232

وبهذا يفارق أمر الجاهل؛ لأن من لا يعرف عجز غيره عن القيام يتصور أن يطلبه منه. أما إذا علم امتناعه فلا يكون طالبًا، وإذا لم يكن طالبًا لم يكن آمرًا. ولأن إثبات الأمر بشرط يفضي إلى أن يكون وجود الشيء مشروطًا بما يوجد بعده، والشرط ينبغي أن يقارن، أو يتقدم، أما أن يتأخر عن المشروط فمحال (١) ... ثم ذكر في الاستدراك على أدلتهم: "وقولهم: الأمر طلب، وطلب المستحيل من الحكيم محال، قلنا: الأمر إنما هو قول الأعلى لمن دونه: (افعل) مع تجردها عن القرائن، وهذا متصور مع علمه بالاستحالة. وعلى أنَّا لو سلمنا أن الأمر طلب؛ فليس الطلب من الله تعالى كالطلب من الآدميين؛ وإنما هو استدعاء فعل لمصلحة العبد، وهذا يحصل مع الاستحالة؛ لكي يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال، أو الترك؛ لطفًا به في الاستعداد، والانحراف عن الفساد، وهذا متصور. ويتصور من السيد أيضًا أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه، مع عزمه على نسخ الأمر قبل الامتثال (٢)؛ امتحانًا للعبد، واستصلاحًا له. ولو وكل رجلاً في عتق عبده غدًا مع عزمه على عتق العبد صح، ويتحقق فيها المقصود؛ من استمالة الوكيل، وامتحانه في إظهار الاستبشار بأوامره، والكراهية له، وكل ذلك معقول الفائدة، فكذا هاهنا. وقولهم: (يفضي إلى تقديم المشروط على الشرط). قلنا: ليس هذا شرطًا لذات الأمر؛ بل الأمر موجود وجد الشرط أم لم يوجد؛

стр. 233

وإنما هو شرط لوجوب التنفيذ، فلا يفضي إلى ما ذكروه" (١). وأما الاستدراك على الخصم في الواقع المخالف في المذهب الفقهي فتظهر بصورة جلية في المسائل الأصولية التي وقع فيها الاختلاف بين الجمهور والحنفية؛ كمسألة خبر الواحد فيما تعم به البلوى (٢)، ومسألة عموم المقتضى، ومفهوم المخالفة، وغيرها من المسائل. وكالمسائل التي حصل فيها الخلاف بين الجمهور والمالكية؛ كمسألة إجماع أهل المدينة. بل إن هذا النوع من الاستدراكات كان سببًا في التصنيف، فقد ذكر ابن السبكي في حديثه عن البرهان: " ... وهذا الكتاب من مفتخرات الشافعية، وأنا أعجب لهم؛ فليس منهم من انتدب لشرحه، ولا للكلام عليه إلا مواضع يسيرة تكلم عليها أبو المظفر السمعاني في كتاب القواطع وردها عليه، وإنما انتدب له المالكية، فشرحه الإمام أبو عبدالله المازري شرحًا لم يتمه (٣)، وعمل عليه أيضًا مشكلات، ثم شرحه أيضًا أبو الحسن الأبياري (٤) من المالكية، ثم جاء شخص مغربي يقال له:

стр. 234

الشريف أبو يحيى (١) جمع بين الشرحين (٢)، وهؤلاء كلهم عندهم بعض التحامل على الإمام من وجهين: أحدهما: أنهم يستصعبون مخالفة الإمام أبي الحسن الأَشْعَرِي (٣) ويرونها عظيمة، والإمام لا يتقيد بالأشعري ولا بالشافعي ... الثاني: أنه ربما نال من الإمام مالك ﵁؛ كما فعل في مسألة الاستصلاح والمصالح المرسلة (٤)، وغيرها (٥).

стр. 235

وبهاتين الصفتين يحصل للمغاربة بعض التحامل عليه، مع اعترافهم بعلو قدره، واقتصارهم -لا سيما في علم الكلام- على كتبه، ونهيهم عن كتب غيره" (١). ويؤكد كلام ابن السبكي ما جاء في التحقيق والبيان للأبياري من استدراكات على الجويني هدفها الدفاع عن الإمام مالك؛ ومن ذلك (٢): ما ذكره إمام الحرمين في مسألة (هل العبرة بعموم اللفظ أو خصوص السبب؟ ): " ... مستمسك إمام دار الهجرة مالك ﵁ يقتضي تحليل الحشرات والقاذورات والعذرات وغيرها من النجاسات. فلا يستمر إجراء الآية (٣) على العموم

стр. 236

مع اعتقاد هذا الذي ادعيناه وقطع السلف بالتحريم فيه، فإن أنكر منكر هذا، واندفع في تحليل هذه الأشياء، علم قطعًا انسلاله عن ضبط المسألة، واستبطاؤه مركب العقوق ... " (١). فقال الأبيَارِي مستدركًا عليه: " ... أما كونه يدعي على السلف القطع بالتحريم؛ فيا لله ويا للمسلمين أيكون الإمام (٢) أعرف من مالك بمواضع إجماع الصحابة واختلافهم مع قرب عصره، ومحل ولادته وتربيته، ودوام اشتغاله بالبحث عن أحوالهم وأقوالهم؟ ! هذا والله محال؛ غير أنه قد نقل عن القوم خلاف ما ذكره، «سئل ابن عباس عن الحشرات، فأفتى بحِلَّها، وتلا الآية» (٣). ثم إنه اقتصر في نسبة مالك ﵀ إلى خرق الإجماع على التمسك بعادة الصحابة، ولم ينقل في ذلك شيئًا أصلاً؛ غير أنه قال: (قطع السلف بالتحريم فيه) ... ثم أطلق لسانه في مالك ﵀ ونسبه إلى استيطاء (٤) مركب العقوق، فيا ليت شعري ما الذي عنى بكونه عاقًا؟ هل عقه؟ فهو -بحمد الله- غير ملتفت إلى أصحاب هذه المقالة حتى يعقهم؛ إذ هو مجتهد يعمل بما أراه الله تعالى، أم عق صاحب الشريعة؟ وهذا هو الذي أراده صاحب الكتاب؛ لأنه نسبه إلى جحد الأدلة القاطعة، ومعاذ الله أن يكون الأمر كذلك! وما ينبغي أن تطلق

стр. 237

الألسنة في الأئمة على هذا الوجه، فإن هذا يقبح من العوام فيما بينهم! ... " (١). واستدرك عليه في موضع آخر: "قال الإمام (٢) ﵀: (ونحن نضرب في ذلك مثالاً ثم نذكره بحسبه لمالك) إلى قوله: (أنا أقتل ثلث الأمة استبقاء لثلثيها). قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام ظاهر الفساد، وذلك أنه ألزم القول بالاستدلال على خلاف الإجماع، وذلك أن الأعضاء إنما أباح الشرع إيلامها في القصاص دون التَّعْزِيْر (٣). وإذا كانت الأعضاء مصانة عن التعزير بالتوقيف؛ فكيف يصح أن يلزم إتلافها في التَّعْزِيْرِ على القول بالاستدلال؟ الوجه الثاني: أنه يعترف بأنه لو فعل ذلك لكان على خلاف الإجماع، فكيف يلزم خصمه الذي يشترط في القول بالاستدلال ألا يخالف أصلاً من أصول الشريعة؟ ! وأي شيء أعظم من الفساد من اتباع مصلحة تفضي خرق الإجماع؟ ! فهذا الإلزام بعيد عن الصواب" (٤). • بيان الاستدراك: استدرك الأبياري على الجويني إلزامه للمالكية بلازم فاسد؛ وذلك أن الجويني ضرب مثالاً بافتراض وقوع واقعة نازلة لا عهد بمثلها، فلو رأى ذو نظر إيلام الأعضاء في هذه النازلة كجدع الأنف، وأيد رأيه بأن العقوبات مشروعة لحسم الفواحش، وهذه العقوبة -وهي جدع الأنف- مناسبة لهذه النازلة. فالجويني يقول: إن رأيه هذا مردود، والإمام مالك يخالفنا في تجويز مثل هذه العقوبة بناء على قوله

стр. 238

بالاستدلال -الاستصلاح-، ويلتزم مثله في تجويزه لأهل الإيالات القتل في التهم العظمى. فاستدرك الأبياري على الجويني إلزامه هذا فاسد من وجهين: الأول: أن فيه إلزامًا بالقول بالاستدلال على خلاف الإجماع؛ وذلك لأن الإجماع انعقد على أن الأعضاء مصانة عن التعزير، فكيف يصح أن يلزم المالكية إتلافها في التعزير على قولهم بالاستدلال؟ ! الثاني: أن الجويني يقر بأن المالكية لو قالوا بإتلاف الأعضاء بالتعزير بناء على قولهم بالاستدلال؛ لكان ذلك منهم خلاف الإجماع، فكيف به يلزمهم ذلك وهم يشترطون في صحة القول بالاستدلال ألا يخالف أصلاً من أصول الشريعة، والإجماع أصلٌ عظيم من أصول الشريعة؟ ! وأما الاستدراك على الخصم المقدر؛ فذلك بأن يقدر المستدرِك استدراكًا من الخصم لأجل تقوية مذهبه العقدي أو الفقهي، وهو ما يعرف بأسلوب الفنقلة، وهذا مما يكثر في كتب الأصول؛ وخاصة في المصنفات على طريقة الجمهور. وأقرر ذلك بالأمثلة التالية: • المثال الأول: الاستدراك على الخصم المقدّر المخالف في المذهب العقدي: قال القاضي أبو يعلى في مسألة (الواجب المخير): "إذا ورد الأمر بأشياء على طريق التخيير؛ كالكفارات الثلاثة ونحوها؛ فالواجب واحد منها بغير عينه، فيتعين ذلك بفعله، فيصير كأنه الواجب عليه بنفس السبب ... وذهب المعتزلة إلى أن الجميع واجب على طريق التخيير (١) " (٢). ثم ذكر في استدلاله بمذهبه: " ... وأيضًا: لو فعل الجميع لم يكن الواجب إلا واحدًا من الجملة، فلو كان الجميع واجبًا قبل الإيقاع؛ لكان متى تعين بالفعل وقع

стр. 239

على الصفة التي كان عليها قبل الإيقاع، ألا ترى الذي تعين فعله لا يجوز أن تخالف صفته حال الإيقاع لما تعلق به الأمر، مثل سائر الواجبات التي ثبتت من غير تخيير، ولما ثبت أن الواحد منها يقع واجبًا دل على أن الواجب واحد منها" (١). ثم قدر سؤالاً من الخصم وأجاب عليه لتقوية مذهبه فقال: "فإن قيل: إنما يقع جميعها واجبًا؛ لأنها كانت واجبة على التخيير. قيل: المفعول يقع عن الواجب كما يقع لو لم يكن مخيرًا فيه، ألا ترى أن من خير في تعيين الحرية في أحد عبديه وأداء الصلاة في أول الوقت؛ فإنه واجب مخير فيه، ولو فعله لوقع ذلك عن الواجب، كما يقع لو لم يكن مخيرًا فيه" (٢). ويستمر في ذكر استدراكات مقدرة من الخصم ويجيب عنها، وكل ذلك لغرض تقوية دليله ومذهبه. (٣) • المثال الثاني: الاستدراك على الخصم المقدّر المخالف في المذهب الفقهي: ما ذكره السرخسي في (فصل في بيان حكم العام)؛ حيث ذهب الحنفية إلى أن العام موجب للحكم فيما يتناوله قطعًا بمنزلة الخاص موجب للحكم فيما تناوله (٤)، فقدر استدراكًا من الخصم بقوله: "فإن قال قائل: إن الخاص أيضًا لا يوجب موجبه قطعًا لاحتمال إرادة المجاز منه، وإنما يوجب موجبه ظاهرًا ما لم يتبين أنه ليس المراد به المجاز بدليل آخر، بمنزلة النص في زمن رسول الله ﷺ فإن بقاء الحكم الثابت بالنص يكون ظاهرًا لا مقطوعًا به؛ لاحتمال النسخ وإن لم يظهر الناسخ بعد. قلنا: هذا فاسد؛ لأن مراد المتكلم بالكلام ما هو موضوع له حقيقة، هذا معلوم، وإرادة المجاز موهوم، والموهوم لا يعارض المعلوم، ولا يؤثر في حكمه، وكذلك

стр. 240

المجاز لا يعارض الحقيقة؛ بل ثبوت المجاز بإرادة المتكلم؛ لا بصيغة الكلام، وهي إرادة ناقلة للكلام عن حقيقته، فما لم يظهر الناقل بدليله يثبت حكم الكلام مقطوعًا به بمنزلة النص المطلق يوجب الحكم قطعًا وإن احتمل التغيير بشرط تعلقه به أو قيد بقيده؛ ولكن ذلك ناقل للكلام عن حقيقته، فما لم يظهر كان حكم الكلام ثابتا قطعًا، بخلاف النص في زمن رسول الله ﷺ فإن النص يوجب الحكم، فأما بقاء الحكم ليس من موجبات النص ولكن ما ثبت؛ فالأصل فيه البقاء حتى يظهر الدليل المزيل، فكان بقاؤه لنوع من استصحاب الحال (١) وعدم الناسخ، وهذا المعدوم غير مقطوع به؛ فلهذا لا يكون بقاء الحكم مقطوعًا به في ذلك الوقت؛ حتى إن بعد وفاة رسول الله ﷺ لما انقطع احتمال النسخ كان الحكم الذي لم يظهر ناسخه باقيًا قطعًا" (٢). • السبب الخامس: الاستدراك بسبب تفرد المستدرِك بآراء جديدة . علم أصول الفقه بحرٌ زاخرٌ يغوص في أعماقه كل عالم بحسب طاقته، وكان لعدد من علماء الأصول آراء جديدة استدركوا فيها على من سبقهم؛ وذلك بسبب اطلاعهم الواسع، واجتهادهم المستمر، واعتمادهم على التحليل العلمي الدقيق الذي كان نتيجته إثراء علم الأصول؛ ومن أمثال هؤلاء: أولاً: أبو الحسين البصري المعتزلي، فكان يخالف شيخه القاضي

стр. 241

عبدالجبار (١) وكبار أئمة الاعتزال، ويتخذ رأيًا جديدًا؛ فمن ذلك مثلاً: قوله في مسألة (النهي هل يقتضي فساد المنهي عنه أم لا؟ ): "اختلف الناس في ذلك؛ فذهب بعض أصحاب أبي حنيفة (٢) وبعض أصحاب الشافعي (٣) إلى أنه يقتضي فساده. وزعم غيرهم من الفقهاء: لا يقتضيه، وهو مذهب الشيخ أبي الحسن (٤)، وأبي عبدالله (٥)، وقاضي القضاة (٦)، وذكر أنه ظاهر مذهب شيوخنا المتكلمين؛ وأنا أذهب إلى أنه يقتضي فساد المنهي عنه في العبادات دون العقود والإيقاعات" (٧). فهو بهذا اتخذ موقفًا مبايناً للفريقين وأورد أدلته، ثم أورد أدلة الفريقين واستدرك عليها؛ فمن ذلك مثلاً: استدراكه على استدلال القائلين إن النهي يدل على فساد المنهي عنه بقوله ﷺ : «من أدخل في دييننا ما ليس منه فهو رَد» (٨)، فقال:

стр. 242

"واحتجوا بأن النبي ﷺ قال: «من أدخل في دييننا ما ليس منه فهو رَد». قالوا: والمنهي عنه ليس من الدين، فيجب كونه مردودًا، ولو كان مجزئًا ثبتت أحكامه لما كان مردودًا! والجواب: أن الإنسان إنما يكون مُدخلاً للفعل في الدين إذا اعتقد أنه من الدين، ألا ترى أن الزاني وفاعل المباح لا يكون مُدخلاً للزنا والفعل المباح في الدين، فليس يخلو إما أن يعنوا أن الفاعل لما نُهي عنه مُدخل للفعل في الدين، أو مدخل لأحكامه في الدين، فإن أرادوا الأول (١) لم يثبت؛ لأن المصلي في الدار المغصوبة لا يعتقد أن ذلك في الدين. وإنما يقول: إنه يسقط به الفرض، وكذلك المطلق في حال الحيض لا يعتقد أن ذلك من الدين؛ إذ اعتقد أن ذلك بدعة. وإن أرادوا الوجه الثاني (٢) لم يُسلّم الخصم أن ذلك من الدين" (٣). ويستمر مع هذا الفريق في نقاش هذا الاستدلال، ثم ينتقل إلى استدراك أدلة الفريق الآخر القائلين بأن النهي لا يدل على فساد المنهي عنه، واخترتُ من ذلك استدراكه على قولهم: "إن لفظ (النهي) لغوي، و (فساد العبادة) شرعي، فلا يجوز أن يكون موضوعًا له. والجواب: أنّا لا نقول: إنه موضوع للفساد فيلزم ما ذكروه، وإن علمنا عنده على التدريج المذكور، كما يقولون: إن الأمر وضع للندب على التدريج.

стр. 243

ولو قلنا: إنه موضوع للفساد لم يبطل بما ذكروه؛ لأن فساد الفعل هو: انتفاء الأغراض المقصودة بالفعل عن الفعل، أو وجوب إعادته على قول قاضي القضاة، وذلك معقول قبل الشرع، فلا يمتنع أن يوضع النهي له، كما وضعوا له أن هذا الفعل يجب إعادته، فإن الأغراض لا تتعلق به مع أن هذه ألفاظ لغوية" (١). ثم ذكر مذهبه في النهي في العقود والإيقاعات، وأن ذلك لا يدل على فسادها، وأورد أدلة المخالف له واستدراكه عليه، وأعقب ذلك بذكر استدراك يمكن للمخالف أن يحتج به عليه فقال: "ويمكن للمخالف أن يحتج فيقول: إنكم بفصلكم بين العبادات وبين العقود والإيقاعات قد قلتم ما لم يَقُله أحد؛ لأن الأُمة مُجمعة على التسوية بين الموضعين، فمنهم من سوّى بينهما في دلالة النهي على فسادهما، ومنهم من جمع بينهما في دلالة النهي على نفي فسادهما. والجواب: أن الذين جمعوا بينهما في نفي دلالة النهي على فسادهما لم يعنوا بالفساد ما عنيناه (٢)؛ وإنما أرادوا بالفساد وجوب القضاء بعد خروج الوقت، ولو فصل لهم ما فصلناه لما اختلفوا فيه، ولو خالفوا لم يكن ما قلناه مخالفًا للإجماع؛ لأنه إنما يكون تفرقنا بين الموضعين مخالفة للإجماع إذا نظمت الموضعين طريقة واحدة، وقد بينا أن ليس ينظمها طريقة واحدة" (٣). ثانيًا: إمام الحرمين الجويني؛ حيث خالف الإمام الشافعي في البرهان في خمس وعشرين مسألة (٤)، وبلغ عدد مخالفته لأبي الحسن الأشعري ثلاث

стр. 244

مسائل (١)، وأما مخالفته للقاضي الباقلاني فكانت في إحدى وأربعين مسألة (٢). (٣) وكان من طريقته في اختيار ما يراه صوابًا: أنه يعرض الأقوال في المسألة، ثم يخترع قولاً وسطًا قد استفاده من الآراء التي عرضها، قال في بعض المواطن: "والمسلك الحق عندي في ذلك، الجامع لمحاسن المسالك، الناقض لمساويها، أن نقول ... " (٤). وقال في موطن آخر: "فلينظر الناظر كيف لقطنا من كل مسلك خياره" (٥). وحيث إن هذا البحث ليس مجال استقصاء لكل اجتهادات إمام الحرمين؛ وإنما القصد عرض نموذج لاجتهاده الذي استدرك به على السابقين؛ فأكتفي بمسألة (إنكار راوي الأصل رواية الفرع (٦)).

стр. 245

فالذي ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة وطوائف من المحدثين: أن ذلك يوهي الحديث، ويمنع العمل به. (١) وأطلق الشافعي القول بقبول الحديث وإيجاب العمل به. وذكر القاضي (٢) في ذلك تفصيلاً ونزل مطلق كلام الشافعي ﵀ عليه فقال: إن قال الشيخ المرجوع إليه: كذب فلان الراوي عني، أو قال: غلط وما رويت له قط ما ذكر؛ فإذا جزم الرد عليه أوجب ذلك سقوط تلك الرواية. فإن رد الشيخ قوله ولم يثبت الرد على الراوي عنه؛ ولكنه قال: لست أذكر هذه الرواية؛ فهذا يتضمن ردًّا للرواية إذا كان الراوي عن الشيخ موثوقًا به" (٣). ثم ذكر في آخر المسألة قوله: "وهذا إذا لم يصرح الشيخ بالرد، فأما إذا كذبه، أو قطع بنسبته إلى الغلط؛ فقد يظهر انخرام الثقة في هذه الحالة. وادعى القاضي على الشافعي أنه قال: ترد الرواية في مثل هذه الصورة. والذي أختاره فيها: أن ينزل قول الشيخ القاطع بتكذيب الراوي عنه مع رواية الثقة العدل عنه منزلة خبرين متعارضين على التناقض، فإذا اتفق ذلك فقد يقتضي الحال سقوط الاحتجاج بالروايتين، وقد يقتضي ترجيح رواية على رواية بمزيد العدالة في إحدى الروايتين، أو غير ذلك من وجوه الترجيح، فلا فرق بين ذلك وبين تعارض

стр. 246

قولين من شيخ وراوٍ عنه" (١). ثالثًا: حجة الإسلام الإمام الغزالي، وأذكر لتفرده المثال التالي: "مسألة: الاسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا، خلافًا للقاضي (٢) والشافعي (٣)؛ لأن المشترك لم يوضع للجميع. مثاله: (القرء) للطهر والحيض، و (الجارية) للسفينة والأمة، و (المشتري) للكوكب السعد وقابل البيع. والعرب ما وضعت هذه الألفاظ وضعًا يستعمل في مسمياتها إلا على سبيل البدل، أما على سبيل الجمع فلا. نعم نسبة المشترك إلى مسمياته متشابهة، ونسبة العموم إلى آحاد المسميات متشابهة؛ لكن تشابه نسبة [العموم في الدلالة، وتشابه نسبة المشترك والمجمل في الصلوح لأن يراد به كل واحد على سبيل البدل] (٤)، وتشابه نسبة المفهوم في السكوت عن الجميع؛ لا في الدلالة، وتشابه نسبة الفعل في إمكان وقوعه على كل وجه؛ إذ الصلاة المعينة إذا تلقيت من فعل النبي ﵇ أمكن أن تكون فرضًا، ونفلاً، وأداءً، وقضاءً، وظهرًا، وعصرًا، والإمكان شامل بالإضافة إلى عِلمنا، أما الواقع في نفسه وفي علم الله تعالى واحد متعين لا يحتمل غيره.

стр. 247

فهذه أنواع التشابه، والوهم سابق إلى التسوية بين المتشابهات، وأنواع هذا التشابه متشابهة من وجه. فربما يسبق إلى بعض الأوهام أن العموم كان دليلاً لتشابه نسبة اللفظ إلى المسميات، والتشابه ههنا موجود، فيثبت حكم العموم، وهو غفلة عن تفصيل هذا التشابه، وإن تشابه نسبة العموم إلى مسمياته في دلالته على الجميع بخلاف هذه الأنواع. احتج القاضي: بأنه لو ذكر اللفظ مرتين وأراد في كل مرة معنى آخر جاز، فأي بُعْدٍ في أن يقتصر على مرة واحدة ويريد به كلا المعنيين مع صلاح اللفظ للكل، بخلاف ما إذا قصد بلفظ (المؤمنين) الدلالة على المؤمنين والمشركين جميعًا؛ فإن لفظ (المؤمنين) لا يصلح للمشركين بخلاف اللفظ المشترك. فنقول: إن قصد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعًا بالمرة الواحدة فهذا ممكن؛ لكن يكون قد خالف الوضع؛ كما في لفظ (المؤمنين)؛ فإن العرب وضعت اسم (العين) للذهب والعضو الباصر على سبيل البدل؛ لا على سبيل الجمع. فإن قيل: اللفظ الذي هو حقيقة في شيء مجاز في غيره هل يطلق لإرادة معنييه جميعًا؛ مثل: (النكاح) للوطء والعقد، و (اللمس) للجس وللوطء؛ حتى يحمل قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] على وطء الأب وعقده جميعًا، وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣/ المائدة: ٦] على الوطء والمس جميعًا؟ قلنا: هذا عندنا كاللفظ المشترك وإن كان التعميم فيه أقرب قليلاً. وقد نقل عن الشافعي ﵀ أنه قال: أحمل آية اللمس على المس والوطء جميعًا. (١)

стр. 248

وإنما قلنا: إن هذا أقرب لأن المس مقدمة الوطء، والنكاح أيضًا يراد للوطء، فهو مقدمته، ولأجله استعير للعقد اسم (النكاح)، الذي وضعه للوطء، واستعير للوطء اسم (اللمس)، فلتعلق أحدهما بالآخر ربما لا يبعد أن يقصدا جميعًا باللفظ المذكور مرة واحدة؛ لكن الأظهر عندنا: أن ذلك أيضًا على خلاف عادة العرب" (١). فهو بهذا يتخذ موقفًا مخالفًا للشافعي والباقلاني في قولهم بالعموم في الاسم المشترك.

стр. 249

• المبحث الثالث شروط الاستدراك الأصولي وفيه تمهيد، ومطلبان: - تمهيد: المراد بشروط الاستدراك الأصولي. - المطلب الأول: شروط الاستدراك الأصولي. - المطلب الثاني: ما لا يشترط في الاستدراك الأصولي. * * ... * ** * ... * *

стр. 250

تمهيد المراد بشروط الاستدراك الأصولي الشروط في اللغة: جمع شرط، وأرجع ابن فارس أصل (الشين والراء والطاء) إلى أصل يدلُّ على عَلَمٍ وعلامة، وما قارب ذلك من عَلَم. (١) و(الشرَط) بفتح الراء: العلامة، والجمع أشراط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أي علاماتها. وبتسكين الراء: الإلزام، ومنه شرط البيع أي: إلزام الشيء والتزامه في البيع. (٢) وأما في الاصطلاح الأصولي فعرف بعدة تعريفات؛ منها: • ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود، ولا عدم لذاته. (٣) مثال الشرط: الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة، ولا يلزم من وجوده وجوبها؛ لاحتمال عدم النصاب، ولا عدم وجوبها لاحتمال وجود النصاب. أما إذا قارن الشرط وجود السبب -بلوغ النصاب- فإنه يلزم وجوب الزكاة؛ ولكن لا لذات الشرط؛ بل لذات وجود السبب، وكذلك لو قارن الشرط قيام المانع -الدين- فيلزم عدم وجوب الزكاة؛ وذلك لذات المانع لا لذات الشرط، فالشرط بالنظر إلى ذاته لا يلزم من وجوده شيء؛ وإنما يتأتى اللزوم من الأمور الخارجية. (٤) • وقيل أيضًا في حده: ما يمتنع وجود عمل العلة إلا بوجوده؛ لا لما تجب به
следующие страницы →