← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133372

الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية

إيمان بنت سالم قبوس

Полный текст (900 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قولين من شيخ وراوٍ عنه" (١). ثالثًا: حجة الإسلام الإمام الغزالي، وأذكر لتفرده المثال التالي: "مسألة: الاسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا، خلافًا للقاضي (٢) والشافعي (٣)؛ لأن المشترك لم يوضع للجميع. مثاله: (القرء) للطهر والحيض، و (الجارية) للسفينة والأمة، و (المشتري) للكوكب السعد وقابل البيع. والعرب ما وضعت هذه الألفاظ وضعًا يستعمل في مسمياتها إلا على سبيل البدل، أما على سبيل الجمع فلا. نعم نسبة المشترك إلى مسمياته متشابهة، ونسبة العموم إلى آحاد المسميات متشابهة؛ لكن تشابه نسبة [العموم في الدلالة، وتشابه نسبة المشترك والمجمل في الصلوح لأن يراد به كل واحد على سبيل البدل] (٤)، وتشابه نسبة المفهوم في السكوت عن الجميع؛ لا في الدلالة، وتشابه نسبة الفعل في إمكان وقوعه على كل وجه؛ إذ الصلاة المعينة إذا تلقيت من فعل النبي ﵇ أمكن أن تكون فرضًا، ونفلاً، وأداءً، وقضاءً، وظهرًا، وعصرًا، والإمكان شامل بالإضافة إلى عِلمنا، أما الواقع في نفسه وفي علم الله تعالى واحد متعين لا يحتمل غيره.

стр. 247

فهذه أنواع التشابه، والوهم سابق إلى التسوية بين المتشابهات، وأنواع هذا التشابه متشابهة من وجه. فربما يسبق إلى بعض الأوهام أن العموم كان دليلاً لتشابه نسبة اللفظ إلى المسميات، والتشابه ههنا موجود، فيثبت حكم العموم، وهو غفلة عن تفصيل هذا التشابه، وإن تشابه نسبة العموم إلى مسمياته في دلالته على الجميع بخلاف هذه الأنواع. احتج القاضي: بأنه لو ذكر اللفظ مرتين وأراد في كل مرة معنى آخر جاز، فأي بُعْدٍ في أن يقتصر على مرة واحدة ويريد به كلا المعنيين مع صلاح اللفظ للكل، بخلاف ما إذا قصد بلفظ (المؤمنين) الدلالة على المؤمنين والمشركين جميعًا؛ فإن لفظ (المؤمنين) لا يصلح للمشركين بخلاف اللفظ المشترك. فنقول: إن قصد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعًا بالمرة الواحدة فهذا ممكن؛ لكن يكون قد خالف الوضع؛ كما في لفظ (المؤمنين)؛ فإن العرب وضعت اسم (العين) للذهب والعضو الباصر على سبيل البدل؛ لا على سبيل الجمع. فإن قيل: اللفظ الذي هو حقيقة في شيء مجاز في غيره هل يطلق لإرادة معنييه جميعًا؛ مثل: (النكاح) للوطء والعقد، و (اللمس) للجس وللوطء؛ حتى يحمل قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] على وطء الأب وعقده جميعًا، وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣/ المائدة: ٦] على الوطء والمس جميعًا؟ قلنا: هذا عندنا كاللفظ المشترك وإن كان التعميم فيه أقرب قليلاً. وقد نقل عن الشافعي ﵀ أنه قال: أحمل آية اللمس على المس والوطء جميعًا. (١)

стр. 248

وإنما قلنا: إن هذا أقرب لأن المس مقدمة الوطء، والنكاح أيضًا يراد للوطء، فهو مقدمته، ولأجله استعير للعقد اسم (النكاح)، الذي وضعه للوطء، واستعير للوطء اسم (اللمس)، فلتعلق أحدهما بالآخر ربما لا يبعد أن يقصدا جميعًا باللفظ المذكور مرة واحدة؛ لكن الأظهر عندنا: أن ذلك أيضًا على خلاف عادة العرب" (١). فهو بهذا يتخذ موقفًا مخالفًا للشافعي والباقلاني في قولهم بالعموم في الاسم المشترك.

стр. 249

• المبحث الثالث شروط الاستدراك الأصولي وفيه تمهيد، ومطلبان: - تمهيد: المراد بشروط الاستدراك الأصولي. - المطلب الأول: شروط الاستدراك الأصولي. - المطلب الثاني: ما لا يشترط في الاستدراك الأصولي. * * ... * ** * ... * *

стр. 250

تمهيد المراد بشروط الاستدراك الأصولي الشروط في اللغة: جمع شرط، وأرجع ابن فارس أصل (الشين والراء والطاء) إلى أصل يدلُّ على عَلَمٍ وعلامة، وما قارب ذلك من عَلَم. (١) و(الشرَط) بفتح الراء: العلامة، والجمع أشراط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أي علاماتها. وبتسكين الراء: الإلزام، ومنه شرط البيع أي: إلزام الشيء والتزامه في البيع. (٢) وأما في الاصطلاح الأصولي فعرف بعدة تعريفات؛ منها: • ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود، ولا عدم لذاته. (٣) مثال الشرط: الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة، ولا يلزم من وجوده وجوبها؛ لاحتمال عدم النصاب، ولا عدم وجوبها لاحتمال وجود النصاب. أما إذا قارن الشرط وجود السبب -بلوغ النصاب- فإنه يلزم وجوب الزكاة؛ ولكن لا لذات الشرط؛ بل لذات وجود السبب، وكذلك لو قارن الشرط قيام المانع -الدين- فيلزم عدم وجوب الزكاة؛ وذلك لذات المانع لا لذات الشرط، فالشرط بالنظر إلى ذاته لا يلزم من وجوده شيء؛ وإنما يتأتى اللزوم من الأمور الخارجية. (٤) • وقيل أيضًا في حده: ما يمتنع وجود عمل العلة إلا بوجوده؛ لا لما تجب به

стр. 251

العلة أو يجب به الحكم. (١) وعليه فيمكن حد شرط الاستدراك الأصولي بأنه: ما يلزم من عدمه عدم الاستدراك، ولا يلزم من وجوده وجود الاستدراك ولا عدم لذاته. شرح التعريف: ما يلزم من عدمه عدم الاستدراك: فإذا عدم شرط من شروط الاستدراك عدم المشروط وهو: الاستدراك. ولا يلزم من وجوده وجود الاستدراك ولا عدم لذاته: فشرط الاستدراك لا يلزم منه وجود الاستدراك ولا عدمه؛ وإنما لزوم الوجود أو العدم يكون بأمر خارجي ليس لذات الشرط. وهو احتراز عن مقارنة شرط الاستدراك وجود سببه، فيلزم وجود الاستدراك؛ لكن لا لذاته- وهو كونه شرطًا -؛ بل لأمر خارجي؛ وهو: مقارنة السبب للشرط. واحترازًا أيضًا عن مقارنة قيام المانع؛ فيلزم عدم الاستدراك؛ لكن لا لذاته - وهو كونه شرطًا -؛ بل لأمر خارجي وهو: قيام المانع (٢).

стр. 252

• المطلب الأول شروط الاستدراك الأصولي (١) ١ - أن يكون الاستدراك في العبارة الأصولية. وغالبًا ما تكون العبارة الأصولية واردة في كتب الأصول، فلو استدرك على عبارة أصولية في غير كتب الأصول؛ فإنها تسمى "استدراكًا أصوليًّا". أما إذا ورد قول المستدرَك عليه في كتب غير أصولية، ولم تكن المسألة أصولية؛ فلا يسمى الاستدراك استدراكًا أصوليًّا؛ بل ينسب إلى العلم الذي تم به الاستدراك. وهذا الشرط إفادة تقيد الاستدراك بـ (الأصولي)، ويُعلم منه دخول الاستدراكات في الشأن غير الأصولي الواردة في الكتب الأصولية؛ كاستدراك شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) على الرازي في المحصول في مباحث كلامية؛ حيث درست هذه المباحث في الكتب المستدرك عليها بأنها من مسائل الأصول. ٢ - تعدي فعل الاستدراك: فلا يطلق الاستدراك الأصولي على فعل الاستدراك اللازم؛ بل لابد فيه من التعدي إلى المفعول؛ حتى تتحقق أركان الاستدراك الأربعة.

стр. 253

فيقال مثلاً: استدرك الجويني على الشافعي قوله كذا بكذا. ٣ - تأخر المستدرك به عن المستدرك فيه: فالاستدراك لا يكون إلا على محل سابق، فلا يتصور تقدمه على المستدرَك فيه؛ سواء كان المستدرَك فيه واقعًا أو مقدرًا، فالواقع تأخيره ظاهر، وأما المقدر فلأن المستدل يقدره سابقًا على المستدرك به، فيكون تقدمه تقديرًا. ٤ - المخالفة بين المستدرك فيه -العمل الأول- والمستدرك به -العمل اللاحق-، فلا يتصور إطلاق الاستدراك الأصولي على العمل اللاحق إذا كان موافقًا للعمل الأول. ٥ - اتحاد متعلق المستدرك به بالمستدرك فيه: فمورد الاستدراك يكون على محل واحد، ولا يتصور تغاير المحل، فإذا تغير المحل فلا يسمى استدراكًا؛ وإنما زيادة. ٦ - اتحاد مادة الاستدراك (١) بين المستدرك فيه والمستدرك به: فلا يتصور التعقيب على المستدرك فيه لُغويًّا بأصل عقدي. وهناك شرط خاص باستدراك نقد إضعاف دليل الخصم: فإن استخدم المُستدرِك في إضعاف دليل خصمه الإلزام (٢)؛ فيشترط له أن يكون الدليل الملزم به مُسلمًا عند الخصم، فإن لم يكن كذلك لم يفد الإتيان به. يقول الشاطبي: "ومقصود المناظرة: رد الخصم إلى الصواب بطريق يعرفه؛

стр. 254

لأن رده بغير ما يعرفه من باب تكليف ما لا يطاق، فلا بد من رجوعهما إلى دليل يعرفه الخصمُ السائلُ معرفة الخصمِ المستدِلِّ، وعلى ذلك دلَّ قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] الآية؛ لأن الكتاب والسنة لا خلاف فيهما عند أهل الإسلام، وهما الدليل والأصل المرجوع إليه في مسائل التنازع، وبهذا وقع الاحتجاج على الكفار؛ فإنَّ الله تعالى قال: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]، فقرَّرَهم بما به أقرُّوا، واحتج بما عرفوا؛ حتى قيل لهم: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي فكيف تخدعون عن الحق بعد ما أقررتم به، فادعيتم مع الله إلهًا غيره ... " (١). وأقرر ذلك بالأمثلة التالية: • المثال الأول: ما ذكره الجَصَّاص في (باب القول في تخصيص العموم بالقياس): "كل ما لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لا يجوز تخصيصه بالقياس؛ وذلك لأن خبر الواحد مقدم على القياس، فما لا يجوز تخصيصه فبالقياس أحرى ألا يخص، وهذا مذهب أصحابنا" (٢). ثم ذكر استدراكًا مقدرًا من الخصم فقال: "فإن قال: لما اتفقنا على جواز تخصيص العموم بالقياس العقلي (٣)؛ وجب أن يكون كذلك حكمه في القياس الشرعي".

стр. 255

فقدر أن الخصم يلزمه بدليل هو مسلم به؛ وهو جواز تخصيص العموم بالقياس العقلي. فأجاب عن هذا بقوله: "قيل له: هذا صحيح على ما أصلنا؛ لأن القياس العقلي لما كان مفضيا بنا إلى العلم بصحة ما أدانا إليه، ولم يكن يجوز فيه التخصيص، وكان الحكم بموجب العموم من طريق يوجب العلم إذا أطلق؛ كان القياس العقلي قاضيًا على العموم؛ لأنه يفضي إلى العلم بموجباته في سائر الأحوال، والعموم لا يوجب العلم بموجباته في سائر الأحوال؛ إذ جائز إطلاق لفظ العموم والمراد الخصوص (١). وأما القياس الشرعي فإنما هو اجتهاد وغالب ظن لا يفضي إلى العلم بحقيقة الحكم (٢)، وقد يوجب عندنا أيضًا فيه التخصيص، وكان الحكم بالعموم الموجب للعلم أولى من تركه بقياس لا يوجب العلم، وهذا صحيح على ما قدمنا من أصول أصحابنا في هذا الباب مستمرًا عليها" (٣). • المثال الثاني: قال القاضي أبو يعلى في مسألة (تعلق الأمر بالمعدوم): "الأمر يتعلق بالمعدوم، وأوامر الشرع قد تناولت جميع المعدومين إلى قيام الساعة ....

стр. 256

وذهب المعتزلة (١) وجماعة من أصحاب أبي حنيفة (٢) فيما ذكره أبو عبدالله الجرجاني (٣) في أصوله إلى أن الأمر لا يتعلق بالمعدوم، وأن أوامر الشرع الواردة في عصر النبي ﷺ تختص بالموجودين في وقته، فأما من بعدهم فإنه دخل في ذلك بدليل" (٤). ثم ذكر إلزامًا مقدرًا من الخصم بأصول الحنابلة فقال: "فإن قيل: كيف تصح هذه المسألة على أصولكم وعندكم أن المعدوم ليس بشيء، وتدللون عليه بقوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]، وقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]؟ ! قيل: يصح على أصلنا من الوجه الذي بيَّنا، وهو أنه أمر بشرط وجوده على صفة من يصح تكليفه، وعلى أصل المخالف فهو لازم؛ لأن عندهم المعدوم شيء (٥) " (٦). • المثال الثالث: ما ذكره الآمدي في مسألة (تعليل الحكم الواحد في صورة واحدة بعلتين

стр. 257

معًا (١))، بعد أن ذكر الأقوال في المسألة، واختار منع التعليل مطلقًا، فقال: "وذلك لأنه لو كان معللاً بعلتين لم يخل: إما أن تستقل كل واحدة بالتعليل، أو أن المستقل بالتعليل إحداهما دون الأخرى، أو أنه لا استقلال لواحدة منهما؛ بل التعليل لا يتم إلا باجتماعهما. لا جائز أن يقال بالأول؛ لأن معنى كون الوصف مستقلاً بالتعليل أنه علة الحكم دون غيره، ويلزم من استقلال كل واحدة منهما بهذا التفسير امتناع استقلال كل واحدة منهما، وهو محال. وإن كان الثاني أو الثالث فالعلة ليست إلا واحدة، وعلى هذا فلا فرق بين أن تكون العلة في محل التعليل بمعنى الباعث أو بمعنى الأمارة (٢) ".

стр. 258

فقدر استدراكًا إلزاميًا من الخصم بدليل مُسَلَّم به بينهما؛ وهو: جواز تعليل الحكم الواحد بعلل في كل صورة بعلة، فقال: "فإن قيل: نحن لا نفسر استقلال العلة بأن الحكم ثبت بها لا غير ليلزمنا ما قيل؛ بل معنى استقلالها أنها لو انفردت لكان الحكم ثابتًا لها ولا أثر لانتفاء غيرها، ولا يخفى وجه الفرق بينه وبين القسمين الآخرين. سلمنا دلالة ما ذكرتموه على امتناع تعليل الحكم بعلتين على وجه تكون كل واحدة مستقلة بالحكم؛ لكنه معارض بما يدل على جوازه بالنظر إلى ما هو الواقع من أحكام الشرع؛ وذلك أنا قد اتفقنا على ثبوت الحكم الواحد عقيب علل مختلفة، كل واحدة قد ثبت استقلالها بالتعليل في صورة، وعند ذلك فإما أن يقال: العلة منها واحدة، أو الكل علة واحدة ذات أوصاف، أو أن كل واحدة علة مستقلة، لا جائز أن يقال بالأول، ؛ وإلا فهي معينة أو مبهمة، والقول بالتعيين ممتنع؛ لعدم الأولوية، ولما فيه من خروج الباقي عن التعليل مع استقلال كل واحدة به، وبهذا يبطل الإبهام، والقسم الثاني أيضًا؛ فلم يبق سوى القسم الثالث؛ وهو الاستقلال، ودليل ثبوت مثل هذه الأحكام الإجماع على إباحة قتل من قتل مسلمًا قتلاً عمدًا عدوانًا وارتد عن الإسلام، وزنى محصنًا وقطع الطريق معًا ... " (١). فأجاب الآمدي عن هذا: بأن الكلام مفروض في حالة الاجتماع لا في حالة الانفراد، والتقسيم في حالة الاجتماع فعلى ما سبق، وأما الأحكام التي ذكرتموها فالعلل وإن كانت متعددة؛ فالحكم أيضًا متعدد شخصًا وإن اتحد نوعًا. (٢) فإن لم يكن الدليل الملزم به مُسلمًا عند الخصم، كان الاستدراك ساقطًا؛ وأمثلة ذلك:

стр. 259

• المثال الأول: قال الجصاص في (باب القول في الوجوه التي يعلم بها النسخ): "قال أبو بكر: وأما طرق الاستدلال على الحكم الناسخ منهما من جهة الأصول فعلى وجوه كثيرة يتعذر وصف جميعها؛ ولكنا نذكر منها جملاً يعتبر بها نظائرها، وتدل على أمثالها، فنقول - وبالله التوفيق-: إن مما يجب اعتباره في حكم الخبرين المتضادين إذا لم يعلم تاريخهما وجاز على أحدهما أن يكون منسوخًا بالآخر: أن ما كان من ذلك مباح الأصل ثم ورد فيه خبران أحدهما يوجب الإباحة، والآخر الحظر؛ فحكم الحظر أولى، ويصير خبر الحظر رافعًا للإباحة" (١). ثم ذكر إلزامًا من الخصم للحنفية بقوله: "فإن قال قائل: يلزمك على هذا الأصل أن تقضي بخبر إيجاب الوضوء من مس الذكر (٢) على الخبر النافي له (٣)؛

стр. 260

لأن خبر النفي وارد على الأصل، وخبر الإيجاب ناقل عنه، فوجب حظر الصلاة قبل إحداث الطهارة بعد المس. قيل له: لا يلزمنا ذلك؛ لأن خبر الوضوء من مس الذكر لو انفرد عن معارضة خبر النفي لما لزمنا قبوله على أصلنا؛ لأنه مما بالناس إلى معرفته حاجة عامة (١)، فلا يقبل فيه أخبار الآحاد، وإنما ذكرنا الاعتبار الذي وصفنا في الخبرين إذا توازيا وتساويا في النقل ووجه الاستعمال، فأما إذا كانا على غير هذا الوجه فلهما حكم آخر" (٢). • المثال الثاني: قال التاج السبكي: "وألزم إمام الحرمين مالكًا ﵁ إن قال بالتمسك بكل رأي من غير قرب ومداناة بأن العاقل ذا الرأي العالم بوجوه الآيات إذا أرجع المفتين في واقعة، فأعلموه أنها ليست بمنصوصة، ولا أصل يضاهيها، بأن يسوغ له والحالة هذه أن يعمل بالصواب عنده، والأليق بطرق الاستصلاح. قال (٣): وهذا مَرْكَبٌ صعب، مساقه ردّ الأمر إلى عقول العقلاء، واحتكام الحكماء، ونحن على قطع نعلم أن الأمر بخلاف ذلك. ثم وجوه الرأي تختلف بالبقاع والأصقاع (٤) والأوقات، وعقول العقلاء تتباين، فيلزم اختلاف الأحكام باختلاف

стр. 261

كل ذلك، وهذا لا يلزم فيما له أصل وتقريب. قال: ولو ساغ هذا لاتخذ العقلاء أيام كسْرَى أنُوشرْوَان (١) في العدل والإيالات (٢) معتبرهم، وهذا يجر خبالاً الاستقلال به. (٣) وهذه الجملة التي أوردناها مجموعة من كلام إمام الحرمين في البرهان، وهذا الإلزام الذي ذكره أخيرًا لا يلزم مالكًا؛ لأنه يشترط في اتباع المصلحة أن لا يناقض أمرًا مفهومًا من الشريعة، والعامي من أين يعلم هذا؟ وما المانع من مناقضة ما يراه من الرأي لقواعد الشريعة؟ " (٤). وكذلك إن استخدم المُستدرِك في إضعاف دليل خصمه قادح النقض (٥)؛ فيشترط أن لا يستدرك عليه بأصل نفسه؛ بل يستدرك عليه بأصله -أي بأصل المستدرَك عليه-. جاء في المسودة: "مسألة: لا يقبل على الخصم أن ينقض علل المستدل بأصل نفسه، ذكره أصحابنا والشافعية ... " (٦).

стр. 262

ومثال ذلك: ما ذكره الشيرزي في مسألة (أن الأمر بالشيء هو نهي عن ضده من طريق المعنى) فقال: "الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق المعنى على سبيل التبع للأمر فيكون معتبرًا به، فإن كان الأمر على الوجوب اقتضى النهي عن ضده على سبيل التحريم، وإن كان على الاستحباب اقتضى النهي عن ضده على سبيل الكراهة والتبرئة. وقال المعتزلة: لا يقتضي النهي عن ضده (١)، وهو قول بعض أصحابنا". إلى أن قال: "فإن قيل: هذا يبطل بالنوافل؛ فإن الأمر بها يقتضي إرادتها وحُسنها، ثم لا يقتضي ذلك قُبح ضدها وكراهته. فالجواب: أن هذا الشيء ألزمناهم على أصلهم، فلا يلزمنا الاعتذار عن النقض المتوجه عليه. وعلى أصلنا يقتضي استدعاء الفعل في النوافل على سبيل الاستحباب، فلا جرم أن يكون مقتضيًا للنهي عن ضده على سبيل الكراهة" (٢).

стр. 263

• المطلب الثاني ما لا يشترط في الاستدراك الأصولي إن قلت -أيها القارئ الكريم-: إنَّ كل ما لم يذكر في شروط الشيء يلزم بالضرورة عدم اشتراطه، فذكر الشروط يغني عن هذا البحث، فلا فائدة في عقد هذا المطلب. فالجواب: أنَّ هذا حق؛ غير أنَّ ثمة لبسًا أحوج الباحثة إلى بيان طائفة من المعاني التي لا تشترط دفعًا لما قد يقع؛ ومن ذلك: أولاً: لا يشترط كون المستدرِك أعلم من المستدرَك عليه (١)، وأقرر ذلك باستدراك الجويني والغزالي على الشافعي. ثانيًا: لا يشترط اتحاد أو اختلاف مذهب المستدرِك والمستدرَك عليه (٢). (٣) ثالثًا: لا يشترط التلازم بين الاستدراك والصحة، فالحكم على الاستدراك _بقبوله أو رده_ مسألة خاضعة للبحث والمدارسة، فيبقى مدار قبولها على قوة حجتها، وحسن تقريرها. (٤) رابعًا: لا يشترط في استدراك إلزام الخصم أن يكون المستدرِك مُسلِّمًا بالمستدرك به؛ لأنه قد يذكره من باب إفحام الخصم وإلزامه؛ لا من باب التسليم به.

стр. 264

قال ابن عقيل: "وكلُّ سؤالٍ كان للإفساد جاز أن يكون على أصل المُستدِلِّ خاصة دون المُلزِمِ" (١). وجاء في المسودة: "مسألة: قال القاضي وأبو الطيب: لا يجوز لأحد يلزم خصمه ما لا يقول به إلا النقض، فأما غيره - كدليل الخطاب (٢) أو القياس أو المرسل (٣) ونحو ذلك - فلا، ولم يذكر خلافًا. وكذلك قال أبو الخطاب (٤):

стр. 265

ليس للمعترض أن يلزم المعلل ما لا يقول به إلا النقض والكسر على قول من التزمهما، فأما بقية الأدلة - مثل: المرسل، ودليل الخطاب، والقياس، وقول الصحابي - فلا يجوز أن يلزمه ذلك وهو يعتقد فساده" (١). وجاء في موضع آخر: "وأما المستدلُّ إذا استدلَّ بما هو دليل عند مُناظرِه فقط؛ فهو في الحقيقة سائلٌ معارضٌ لمُناظرِه بمذهبه، وهو سؤالٌ واردٌ على مذهبه، وهو استدلالٌ على فسادِ أحدِ الأمرين؛ إما دليله أو مذهبه، فينبغي أن يعرف وجوه الأدلة والأسئلة، وهذا في الحقيقة استدلال على فساد قولِ المنازع بما لا يستلزم صحة قول المستدِل بمنزلة إظهار تناقضه، وهو أحد مقاصد الجدل" (٢). وأذكر لتقرير ذلك الأمثلة التالية: • المثال الأول: قال ابن حزم: "وقال بعضهم: هذا قياس منكم؛ فإنكم ترومون إبطال القياس بالقياس، فأنتم كالذين يرومون إبطال حجة العقل بحجة العقل! قال أبو محمد: فيقال لهم - وبالله تعالى التوفيق -: لم نحتج عليكم بهذا تصويبًا منا له، ولا للقياس، لكن أريناكم أن قولكم بالقياس ينهدم بالقياس، ويبطل بعضه بعضًا، وليس في العالم أفسد من قول من يفسد بعضه بعضًا، فأنتم إذا أقررتم بصحة القياس فنحن نلزمكم ما التزمتم به، ونحجكم به؛ لأنكم مصوبون له، مصدقون لشهادته، وهو قولكم بالفساد، وعلى مذاهبكم بالتناقض أقررتم به أو أنكرتموه، وأما نحن فلم نصوبه قط ولا قلنا به، فهو يلزمكم ولا يلزمنا، وكل أحد فإنما يلزمه ما التزم ولا يلزم خصمه. كما أن أخبار الآحاد المتصلة بنقل الثقات لازم لنا للاحتجاج بها علينا في المناظرة، ولا نلزم من أنكرها، فمن ناظرنا بها لم ندفعه

стр. 266

عما يلزمنا بها، وهذا هو فعلنا بكم في القياس" (١). • المثال الثاني: قال ابن حزم: "وقال من سلف من أصحابنا ﵏: يقال لمن قال بالقياس: قد أجمعتم -أنتم وجميع المسلمين بلا خلاف من أحد منهم- على أن الأحكام كلها في الديانة جائز أن تؤخذ نصًّا، واتفقوا كلهم-بلا خلاف من واحد منهم لا من القائلين بالقياس ولا من غيرهم- على أن أحكام الديانة كلها لا يجوز أن تؤخذ قياسًا، ولا بد عندهم من نص يقاس عليه، فيقال لأصحاب القياس: إن كان القياس عندكم حقًّا فمن ههنا ابدؤوا به، فقيسوا ما اختلفنا فيه من المسائل التي جوزتم القياس فيها ومنعنا نحن منها على ما اتفقنا عليه من المسائل التي أقررتم أنها لا يجوز أن تؤخذ قياسًا، فإن لم تفعلوا فقد تركتم القياس، وإن فعلتم تركتم القياس، ولسنا نقول: إن هذا العمل صحيح عندنا؛ ولكن صحيح على أصولكم، ولا أبطل من قول نقض بعضه بعضًا" (٢). • المثال الثالث: وقال الآمدي: "قولهم: (هذا منكم لا يستقيم) قلنا: إنما ذكرنا ذلك بطريق الإلزام للخصم؛ لكونه قائلاً به" (٣). هذا؛ والاستدراك الأصولي له أقسام باعتبارات مختلفة، فلنعقد لكل اعتبار منها مبحثًا في الفصل القادم.

стр. 267

الفصل الثالث

стр. 268

الفصل الثالث أقسام الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها . وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث: - تمهيد: أقسام الاستدراك باعتبارات مختلفة. - المبحث الأول: أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار حقيقته، وتطبيقاتها. - المبحث الثاني: أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المُستدرَك عليه، وتطبيقاتها. - المبحث الثالث: أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك فيه، وتطبيقاتها. - المبحث الرابع: أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك به، وتطبيقاتها.

стр. 269

تمهيد أقسام الاستدراك باعتبارات مختلفة يمكن تقسيم الاستدراك إلى عدة أقسام باعتبارات مختلفة: أولاً: الاستدراك الأصولي باعتبار حقيقته، وينقسم بهذا الاعتبار إلى سبعة أقسام: ١) - استدراك التصحيح، ٢) - استدراك التكميل، ٣) - استدراك الفرق، ٤) -استدراك التنبيه، ٥) -استدراك النقد، ٦) -استدراك التحرير، ٧) -استدراك التنقيح. ثانيًا: الاستدراك الأصولي باعتبار المُستدرَك عليه، وينقسم بهذا الاعتبار إلى خمسة أقسام: ١) -استدراك الأصولي على نفسه، ٢) - استدراك الأصولي على موافق له في المذهب، ٣) -استدراك الأصولي على مخالف له في المذهب، ٤) - استدراك الأصولي على شخص مُقدَّر، ٥) - استدراك الأصولي على المُستدرِك. ثالثًا: الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك فيه، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى ثمانية أقسام: ١) -الاستدراك الأصولي على ترجمة المسألة، ٢) -الاستدراك الأصولي على الحدود، ٣) -الاستدراك الأصولي على الدليل، ٤) - الاستدراك الأصولي على الاستدلال، ٥) -الاستدراك الأصولي على نسبة الأقوال، ٦) - الاستدراك الأصولي على التقسيمات والشروط، ٧) - الاستدراك الأصولي على التمثيل، ٨) - الاستدراك الأصولي على التخريج.

стр. 270

رابعًا: الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك به، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى قسمين: ١) - الاستدراك النقلي. ٢) - الاستدراك العقلي. وهذه الأقسام ليست مختلفة اختلاف تضادٍّ وتناقضٍ؛ وإنما اختلاف تنوع، فيمكن أن يكون الاستدراك: استدراك تصحيح بالاعتبار الأول، واستدراكًا على أصولي موافق في المذهب بالاعتبار الثاني، واستدراكًا على نسبة الأقوال بالاعتبار الثالث.

стр. 271

• المبحث الأول أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار حقيقته، وتطبيقاتها . وفيه سبعة مطالب: - المطلب الأول: استدراك التصحيح، وتطبيقاته. - المطلب الثاني: استدراك التكميل، وتطبيقاته. - المطلب الثالث: استدراك الفرق، وتطبيقاته. - المطلب الرابع: استدراك التنبيه، وتطبيقاته. - المطلب الخامس: استدراك النقد، وتطبيقاته. - المطلب السادس: استدراك التحرير، وتطبيقاته. - المطلب السابع: استدراك التنقيح، وتطبيقاته. * * ... * ** * ... * *

стр. 272

• المطلب الأول استدراك التصحيح، وتطبيقاته التصحيح في اللغة: تفعيل من صحَّح، بمعنى صيَّر الشيء صحيحًا (١). وأصل المادة (الصاد والحاء) يدل على البراءة من المرض والعيب (٢). وتصحيح الكتاب: إصلاح خطئه (٣). والتصحيح في الاصطلاح: إزالة الخطأ، ومنه تصحيح الكتاب (٤). فالمراد باستدراك التصحيح: التعقيب بإزالة خطأ المستدرَك عليه. شرح التعريف: التعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك. بإزالة خطأ: الباء سببية، أي سبب التعقيب هو إزالة الخطأ. وإزالة: نوع في التعريف، أي نوع هذا التعقيب إزالة الخطأ، وهو مستفاد من المعنى الاصطلاحي للتصحيح. وقد مر معنا أن من أسباب الاستدراك: الخطأ. فالمستدرِك إذا وجد الخطأ في عبارة المستدرَك عليه كان استدراكه هذا تصحيحًا لتلك العبارة.

стр. 273

وتصحيح خطأ المستدرَك عليه له صورتان؛ هما: الصورة الأولى: تصحيح كلي لعبارة المستدرَك عليه (وهو ما إذا كان المستدرِك معارضًا تمامًا لعبارة المستدرَك عليه). ومحله: تصحيح خطأ المستدرَك عليه في تصور القضية (١) الأصولية، أو تصحيح خطأ المستدرَك عليه في تصديق القضية الأصولية، أو تصحيح خطأ المستدرَك عليه في نسبة القول، أو تصحيح خطأ المستدرَك عليه في الدليل، أو تصحيح خطأ المستدرَك عليه في الاستدلال، أو تصحيح خطأ المستدرَك عليه في المثال. الصورة الثانية: تصحيح جزئي لعبارة المستدرَك عليه (وهو ما إذا كان المستدرِك معارضًا لجزء من عبارة المستدرَك عليه). ومحله: إطلاق مقيد عبارة المستدرَك عليه، أو تقييد مطلق عبارة المستدرَك عليه. • التصحيح الكلي: وتحصل لي ست صور؛ هي: • أولاً: تصحيح خطأ المستدرَك عليه في تصور القضية الأصولية . التصور: إدراك معنى المفرد؛ كإدراك معنى (زيد) (٢). ويمكن تطبيق هذا الفرع على الاستدراك الوارد على تصحيح خطأ الحدود. ومن ذلك قول الفخر الرازي في حد الأمر: "ذكروا في حد الأمر بمعنى القول وجهين:

стр. 274

أحدهما: ما قاله القاضي أبو بكر وارتضاه جمهور الأصحاب أنه هو: القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به (١). وهذا خطأ؛ أما أولاً: فلأن لفظتي (المأمور، والمأمور به) مشتقتان من (الأمر) فيمتنع تعريفهما إلا بالأمر، فلو عرَّفنا (الأمر) بهما لزم الدور. وأما ثانياً: فلأن الطاعة عند أصحابنا موافقة الأمر، وعند المعتزلة موافقة الإرادة (٢)؛ فالطاعة على قول أصحابنا لا يمكن تعريفها إلا بالأمر، فلو عرفنا الأمر بها لزم الدور. وثانيهما: ما ذكره أكثر المعتزلة وهو: أن الأمر هو قول القائل لمن دونه: افعل، أو ما يقوم مقامه (٣). وهذا خطأ من وجوه: .... وإذا ثبت فساد هذين الحدين فنقول: الصحيح أن يقال: الأمر: طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء. ومن الناس من لم يعتبر هذا القيد الأخير" (٤). • ثانيًا: تصحيح خطأ المستدرَك عليه في تصديق القضية الأصولية . التصديق: إدراك وقوع النسبة بين مفردين فأكثر. وهذه النسبة إما موجبة أو سالبة، فإدراك وقوع الثبوت في الموجَبة مثل: (زيد كاتب)، وإدراك عدم وقوعه في القضية السالبة مثل: (زيد ليس بكاتب). (٥)

стр. 275

قال السبكي الكبير عند تقسيم العبادة باعتبار وقت فعلها: "هذا تقسيم آخر للعبادة التي هي مُتَعَلَّق الحكم، ويصح جعله تقسيمًا للحكم من جهة أن الأمر قد يكون بالأداء (١)، وقد يكون بالقضاء (٢)، وقد يكون بالإعادة (٣). وقوله (٤): (العبادة) يشمل الفرض والنفل، فكل منهما إذا كان مؤقتًا يوصف بالثلاثة، وزعم بعضهم أنه لم يوصف بشيء من الثلاثة إلا الواجب، وزعم بعضهم أن القضاء لا يوصف به إلا الواجب، وكل ذلك [خَلْط] (٥)، والصواب: أن الواجب والمندوب كل منهما يوصف بالأداء والإعادة والقضاء" (٦). • بيان الاستدراك: استدرك السبكي الكبير على من قال: إن القضاء لا يوصف به إلا الواجب، وكان استدراكه تصحيحًا لهذا الخطأ في تصديق القضية الأصولية من حيث نسبة القضاء إلى الواجب فقط، والصواب: أن القضاء ينسب إلى الواجب والمندوب.

стр. 276

• ثالثًا: تصحيح خطأ المستدرك عليه في نسبة القول ، ومن أمثلته: • المثال الأول: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة (دلالة أفعال النبي ﷺ ): "واعلم أن مسألة (الأفعال) لها ثلاثة أصول: أحدها: أن حكم أمته كحكمه في الوجوب والتحريم وتوابعهما إلا أن يدل دليل يخالف ذلك، وهذا لا يختص بالأفعال؛ بل يدخل فيه ما عرف حكمه في حقه بخطاب من الله أو من جهته؛ ولهذا ذكرت هذه في الأوامر - أعني مسألة الخطاب-. وقد ذكر عن التميمي (١) وأبي الخطاب (٢) التوقف في ذلك، وأخذا من كلام أحمد ما يشبه ذلك رواية. والصواب عنه العكس (٣)، وعلى هذا فالفعل إذا كان تفسيرًا لمجمل شملنا وإياه، وامتثالاً لأمر شملنا وإياه، ولم يحتج إلى هذا الأصل، وقد يكون هذا من طريق الأولى بأن يعلم سبب التحريم في حقه، وهو في حقنا أشد، أو سبب الإباحة أو الوجوب" (٤).

стр. 277

• بيان الاستدراك: استدرك شيخ الإسلام على التميمي وأبي الخطاب أخذهما من كلام الإمام أحمد القول بالتوقف في مسألة دلالة (فعل النبي ﷺ المجرد (١)) حتى يقوم دليل على حكم ذلك الفعل، وأن الصواب عن الإمام: أن فعله إذا كان تفسيرًا لمجمل القرآن، أو امتثالاً لأمر؛ شمل الأمة والنبي ﷺ ؛ بل قد يكون شمول الأمة من باب أولى. • المثال الثاني: قال ابن السبكي في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟ ): " ... وهذه عبارة الآمدي (ومنهم (٢) من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي الحسين البصري (٣) وكثير من الأصوليين. ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقضِ فيها بنفي ولا إثبات، وإليه مال إمام الحرمين (٤) والواقفية) (٥) انتهى ... واعلم أن صفي الدين الهندي (٦) نقل عن أبي الحسين وكثيرٍ من الأصوليين المذهب المختار (٧)،

стр. 278

وهو خلاف ما نقله الآمدي كما رأيت، والذي رأيته في المعتمد (١) يقتضي موافقة ما نقله الهندي أو يصرح؛ بل لم يحك هذا القول الذي نقله عنه الآمدي بالأصالة" (٢). • بيان الاستدراك: استدرك ابن السبكي على الآمدي مصححًا له نقله عن أبي الحسين البصري القول بأن الأمر المطلق يفيد المرة ولا يحتمل التكرار، فهو لم يحكِ هذا القول في المعتمد؛ بل حكى قولين: قول من يقول: إن ظاهره يفيد التكرار، وقول من يقول: إنه يفيد إيقاع الفعل فقط، والمرة الواحدة ضرورية لذلك. • رابعًا: تصحيح خطأ المستدرَك عليه في الدليل . الدليل في اللغة: ما يستدل به (٣)، ويطلق أيضًا على المرشد والكاشف (٤). وعند الأصوليين: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. (٥) • المثال الأول: قال الآمدي بعد أن ذكر تفصيل المذاهب في مسألة (مفهوم الصفة (٦)):

стр. 279

"وإذا أتينا على تفصيل المذاهب من الجانبين؛ فلا بد من ذكر حجج الفريقين، والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار" (١). ثم أورد أدلة القائلين بمفهوم الصفة، واستدرك عليها، وقال في ختام أدلتهم: "وإذا أتينا على حجج القائلين بدليل الخطاب وتتبع ما فيها؛ فلا بد من ذكر حجج عول عليها القائلون بإبطال دليل الخطاب، والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار" (٢). وأعقب ذلك بذكر أدلة القائلين بعدم حجية مفهوم الصفة، واستدرك على أدلتهم، ثم قال: "وإذا أتينا على ما أوردنا من التنبيه على إبطال الحجج الواهية؛ فلا بد من إشارة إلى ما هو المختار في ذلك، وأقرب ما يقال فيه مسلكان ... " (٣). • المثال الثاني: قال الآمدي في مفهوم اللقب: "اتفق الكل على أن مفهوم اللقب ليس بحجة، خلافًا للدَّقاق (٤) وأصحاب الإمام أحمد بن حنبل (٥) ﵀.

стр. 280

وصورته: أن يعلن الحكم إما باسم الجنس؛ كالتخصيص على الأشياء الستة بتحريم الربا (١)، أو اسم علم؛ كقول القائل: زيد قائم أو قام. والمختار إنما هو مذهب الجمهور؛ لكن احتج بعض القائلين بإبطاله بحجج لابد من الإشارة إليها، والتنبيه على ما فيها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار". ثم بعد أن ذكر أدلة القائلين بإبطاله، واستدراكه عليها، قال في ذكر الدليل الصحيح: "والمختار في إبطاله ما سبق في المسائل المتقدمة (٢) " (٣). • المثال الثالث: وقال أيضًا في مسألة (وقوع التعبد بالقياس شرعًا): "الذين اتفقوا على جواز التعبد بالقياس عقلاً اختلفوا؛ فمنهم من قال: لم يرد الشرعي به؛ بل ورد بحظره؛ كداود بن علي الأصفهاني وابنه (٤)، والقاشاني، والنهرواني، ولم يقضوا بوقوع ذلك إلا فيما كانت علته منصوصة أو مومى إليها. وذهب الباقون إلى أن التعبد الشرعي به واقع بدليل السمع، واختلفوا في وقوعه بدليل العقل، ... ثم الدليل السمعي هل هو قطعي أو ظني؟ اختلفوا فيه؛ فقال الكل:

стр. 281

إنه قطعي سوى أبي الحسين البصري؛ فإنه قال: ظني (١)، وهو المختار, وقد احتج على ذلك بحجج ضعيفة لابد من الإشارة إليها، والتنبيه على ضعفها، ثم نذكر بعد ذلك ما هو المختار" (٢). وحاصل الاستدراك على الأدلة يكون في النقطتين التاليتين: أولاً: كون الأدلة في غير محل النزاع. ثانيًا: ضعف الأدلة المستدل بها. • خامسًا: تصحيح خطأ المستدرَك عليه في الاستدلال . الاستدلال لغة: طلب دلالة الدليل؛ لأنها استفعال من الدلالة (٣). واستدلّ عليه: طلب أن يُدَلَّ عليه، واستدل بالشيء على الشيء: اتخذه دليلاً عليه. (٤) وفي الاصطلاح: النظر في الدليل، والتأمل المطلوب به العلم بحقيقة المنظور فيه. (٥) ومن أمثلة تصحيح الخطأ في الاستدلال: ما جاء في مختصر الروضة عند ذكر أدلة القائلين بحجية القياس: "القياس اعتبار، والاعتبار مأمور به؛ فالقياس مأمور به.

стр. 282

أما الأولى فلغوية (١) -كما سبق (٢) -، وأما الثانية (٣) فلقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا) [الحشر: ٢] ... " (٤). فاستدرك في شرح المختصر على الاستدلال بالآية فقال: " ... لكن هناك سؤال آخر يُفسد الاستدلال بالآية، وتقريره: أن الأمر بالاعتبار في الآية فعل في سياق الإثبات، والفعل في سياق الإثبات مطلق لا عموم فيه، فالتقدير: اعتبروا اعتبارًا ما، وذلك يحصل بفردٍ من أفراد الاعتبار، ولا يتعيَّن القياس؛ وإنما يصح الاستدلال بها لو كانت عامة ليندرج فيها محل النزاع، وليس الأمر كذلك، وغالب الأصوليين ... - خصوصًا المتأخرين (٥) - يحتجون بالآية على إثبات القياس، وعليها من الإشكال ما قد رأيت" (٦). • سادسًا: تصحيح خطأ المستدرَك عليه في المثال؛ ومن أمثلته: • المثال الأول: استدرك البخاري على البزودي في أمثلة الشرط الرابع من شروط القياس،

стр. 283

وهو: أن يبقى حكم النص المعلل على ما كان قبل التعليل، فقال: "واعلم أن الأمثلة المذكورة في هذا الفصل ليست بملائمة؛ لأن في جميع هذه الأمثلة حصل تغيير حكم النص الذي في الفرع لا يعتبر حكم النص المعلل في المقيس عليه، فإن طعام الكفارة لم يتغير حكم النص في المقيس عليه؛ وهو الكسوة، وفي قبول شهادة القاذف بعد التوبة لم يتغير حكم المقيس عليه أيضًا، وكذا البواقي. فالنظير الملائم ما ذكر في كتاب الحج [المبسوط] (١) في باب جزاء الصيد (٢): أن الشافعي ألحق السباع التي لا يؤكل لحمها بالخمس الفواسق (٣)؛ حتى لو قتل المحرم شيئًا منها ابتداء لا يجب عليه شيء؛ لأن النبي ﵇ إنما استثنى الخمس (٤)؛ لأن طبعهن الإيذاء، وكل ما يكون من طبعه الإيذاء كان مستثنى من النص بمنزلة الخمس. وقلنا: هذا التعليل باطل؛ لأنا لو جعلنا الاستثناء باعتبار معنى الإيذاء؛ خرج المستثنى من أن يكون محصورًا بعدد الخمس، فكان تغيرًا لحكم النص المعلل بالتعليل. وما ذكر المصنف (٥) في شرح الجامع الصغير (٦) أن اشتراط الخيار فوق الثلاثة

стр. 284

أيام يجوز عند أبِي يُوسُفَ (١) ومحمد - رحمهما الله -؛ لأن الخيار للنظر والناس يتفاوتون في الحاجة إلى مدة النظر، فوجب أن يكون ذلك مفوضًا إلى رأيهم. وقال أبو حنيفة ﵀ هذا التعليل باطل؛ لأن فيه إبطال حكم النص، وهو التقدير بثلاثة أيام، فلم يكن تعدية لحكم النص مع أن هذه المدة تامة صالحة لاستيفاء النظر ودفع المعين فإذا زيدت المدة ازداد الخطر مع قلة الحاجة إلى النظر. وذكر الشيخ في بيوع الجامع الصغير (٢) أيضًا: أن عبدًا أبق فقال رجل: إن عبدك قد أخذه فلان؛ فبعنيه وصدقه فلان؛ فباعه؛ فالبيع باطل؛ لأن النهي عن بيع الآبق، وإن كان معللاً بالعجز عن التسليم، إلا أنا لو جوزنا بيعه باعتبار أنه مقدور التسليم لكان التعليل مبطلاً للنص؛ لأن هذا العبد آبق في حق المتعاقدين والحكم في المنصوص عليه ثابت بالنص لا بمعناه. ورأيتُ في بعض نسخ أصول الفقه أن تعليل حرمة الربا في الأشياء الأربعة بالقوت، كما قال مالك ﵀ من هذا القبيل (٣)؛ لا قتضائه عدم الحكم

стр. 285

في الملح" (١). • المثال الثاني: استدرك الإسنوي على البيضاوي في مسألة (أقسام الرخصة) تمثيله للرخصة المباحة بقوله: "وتمثيل المباح بالفطر لا يستقيم؛ لأنه إن تضرر بالصوم فالفطر أفضل، وإن لم يتضرر فالصوم أفضل، فليست للصوم حالة يستوي فيها الفطر وعدمه، وذلك هو حقيقة المباح ... والصواب تمثيله بالسَّلَمِ (٢)، والعَرَايا (٣)، والإجارة،
следующие страницы →