← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133372

الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية

إيمان بنت سالم قبوس

Полный текст (900 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وكذلك مسائل الوكالات (١) " (٢). • المثال الثالث: قال الإسنوي في خبر العدل الواحد: "قوله (٣): (الثالث) أي الدليل الثالث على وجوب العمل بخبر الواحد: القياس على الفتوى والشهادة، والجامع: تحصيل المصلحة المظنونة، أو دفع المفسدة المظنونة. وفرق الخصم بأن الفتوى (٤) والشهادة (٥) تقتضيان شرعًا خاصًّا ببعض الناس، والرواية تقتضي شرعًا عامًّا للكل، ولا يلزم من تجويزنا للواحد أن يعمل بالظن الذي قد يخطئ ويصيب أن نجوز ذلك للناس كافة" (٦).

стр. 317

• المطلب الرابع استدراك التنبيه، وتطبيقاته مادة (النون والباء والهاء) أصل صحيح يدل على ارتفاع وسمُو (١). وفي الاصطلاح: إعلام ما في ضمير المتكلم للمخاطب (٢). ونبهته على الشيء: بمعنى وقفته عليه, وما ذكر في حيز التنبيه بحيث لو تأمل المتأمل في المباحث المتقدمة فهمه منه، ويستعمل كذلك فيما يكون الحكم المذكور بعده بديهيًا (٣). وقال الرَّجراجي: "التنبيه: ... ومعناه: إيقاظ من غفلة، وهو ذكر ما سكت عنه القدماء" (٤). وقال في موضع آخر: "التنبيه: إيقاظ من غفلة الوهم؛ كأنه يقول: هذا تنبيه على وهم. وقال بعضهم: معنى التنبيه: إيقاظ الغافل، وتذكير الناسي؛ كأنه قال: نقول: هذا إيقاظ للغافل، وتذكير للناسي" (٥). ومما سبق يمكن حد استدراك التنبيه بأنه: التعقيب بإيقاظ الذهن بأمر أصولي يشعر بالمخالفة. شرح التعريف: التعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك.

стр. 318

بإيقاظ الذهن: يمثل غرض هذا النوع من التعقيب، وهو مستفاد من المعنى الاصطلاحي للتنبيه. واستدراك التنبيه له ثلاث صور سبق ذكرها والتمثيل لها في السبب الأول من أسباب الاستدراك الناشئة من المستدرِك (١).

стр. 319

• المطلب الخامس استدراك النقد، وتطبيقاته النقد في اللغة: أصل (النون والقاف والدال) يدل على إبراز الشيء وبُروزه (١). ونَقَدَ الشيء نقدًا: نقره ليختبره، وليميز جيده من رديئه، ونقد الدراهم والدنانير وغيرهما نقدًا: ميَّز جيدها من رديئها، وفلان ينقد الناس: يعيبهم، وناقده: ناقشه في الأمر، وانتقد الشعر على قائله: أظهر عيبه (٢). والنقد يكون بعد تكرار النظر، تقول العرب: مازال فلانٌ يَنْقُد الشيء: إذا لم يزل ينظر إليه (٣). والمراد باستدراك النقد: التعقيب على ما ذكره المستدرَك عليه بإبراز مواضع الخلل. شرح التعريف: التعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك. على ما ذكره المستدرَك عليه: يشمل الاستدراك على الألفاظ والمعاني. بإبراز: صفة في هذا النوع من التعقيب مستفادة من أصل المادة اللغوية. مواضع الخلل: يمثل سبب الاستدراك الدافع للنقد. ولاستدراك النقد أسباب سبق ذكرها والتمثيل لها في السبب الثاني من أسباب الاستدراك الناشئة من المستدرِك. (٤)

стр. 320

• المطلب السادس استدراك التحرير، وتطبيقاته التحرير في اللغة: تفعيل من حرَّر بمعنى: صيَّر الشيء محررًا (١). ومادة (الحاء والراء) في المضاعف أصلان: الأول: ما خالف العبودية، وبرئ من العيب والنقص. والثاني: خلاف البرد. (٢) والذي يناسب ما أقرره: البراءة من العيب والنقص. وحرر الكتاب: إذا أصلحه وجوَّد خطَّه، وأقام حروفه، وأثبته مستويًا بلا سقْطٍ ولا مَحْوٍ (٣). وفي الاصطلاح: التحرير: التهذيب، وأخذ الخلاصة وإظهارها، بمنزلة جعل الشيء حرًّا خالصًّا، وهو اسم للأمر المنتفع به (٤). وتحرير المبحث: تعيينه وتعريفه، وتحرير الكتاب وغيره: تقويمه (٥). ويحسُن الوقوف على الكتب الأصولية التي حملت هذا الاسم قبل صياغة حد لهذا النوع من الاستدراك.

стр. 321

١ - التحرير في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية، لكمال الدين محمد بن عبدالواحد السيواسي، الشهير بابن الهمام. ٢ - التحرير المنقول في تهذيب علم الأصول، لأبي الحسين علاء الدين علي بن سليمان المرداوي. فجاء في مقدمة كتاب التحرير (١) لابن الهمام: " ... فإني لما أن صرفت طائفة من العمر للنظر في طريقي الحنفية والشافعية في الأصول؛ خطر لي أن أكتب كتابًا مفصحًا عن الاصطلاحين؛ بحيث يطير من أتقنه إليهما بجناحين؛ إذ كان من علِمْتُهُ أفاض في هذا المقصد لم يوضحها حق الإيضاح، ولم يُناد مُرتادهما بيانه إليهما بحي على الفلاح، فشرعت في هذا الغرض ضامًّا إليه ما ينقدح لي من بحث وتحرير، فظهر لي بعد قليل أنه سفر كبير، وعرفت من أهل العصر انصراف هممهم في غير الفقه إلى المختصرات، وإعراضهم عن الكتب المطولات، فعدلت إلى مختصر متضمِّن - إن شاء الله - الغرضين ... ". وقال أمير بادشاه في شرحه لقول ابن الهمام: " (وتحرير): تحرير الكتاب وغيره: تقويمه" (٢). وجاء في مقدمة التحرير (٣) للمرداوي: " ... فهذا مختصر في أصول الفقه جامع لمعظم أحكامه، حاوٍ لقواعده وضوابطه وأقسامه، مشتمل على مذاهب الأئمة الأربعة الأعلام وأتباعهم، اجتهدت في تحرير نقوله، وتهذيب أصوله ... ". وقال المرداوي في شرحه لقوله: (تحرير نقوله): "أي في تقويمها؛ لما فيه من الخبط والاختلاف والاضطراب الذي لا يوجد في علم غيره؛ حتى ربما وجد

стр. 322

عن العالم في مسألة واحدة نقول كثيرة مختلفة؛ فلهذا تحريت النقل الصحيح عن صاحبه، وتنكبت عن غيره حيث حصل الاضطراب، جهد الطاقة. وقد انتقد على كثير من المصنفين عزوهم أقوالاً إلى أشخاص والمنقول الصحيح عنهم خلافه، أو قولهم مؤول وما أشبهه؛ ونحن نسأل الله الستر والسلامة والتوفيق للصواب والهداية، وقد يكون لأحدهم القولان والثلاثة فربما ذكرتها" (١). ومما سبق يمكن استخلاص سمات التحرير: ١ - الإصلاح والتقويم. ٢ - التعين والتعريف. ٣ - الإظهار والإيضاح. والذي ظهر لي أن التحرير في كتب أصول الفقه يكون في ثلاثة أمور: ١ - تحرير النقول. ٢ - تحرير محل الخلاف. ٣ - تحرير المعاني. ومما سبق يمكن حد استدراك التحرير بأنه: تعقيب بتقويم النقول، وتعيين المعاني ومحل الخلاف بعبارة واضحة. شرح التعريف: تعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك. بتقويم النقول: الباء سببية، أي إن سبب التعقيب هو تقويم النقول. والمراد بتقويم النقول: إقامتها وإثباتها على الوجه الصحيح، وتخليصها من الاضطراب. وتعيين المعاني ومحل الخلاف: معطوف على ماقبله، أي السبب الثاني للتعقيب: تعيين المعاني ومحل الخلاف، والمراد به: إظهار المعنى المراد في المسألة، وتخليص مواطن الخلاف المراد بحثها، وإزالة الاشتراك عن مسألة الخلاف، وذلك بتحديد الجوانب المتفق عليها وإخراجها من الخلاف، ومناقشة الجوانب المختلف فيها.

стр. 323

بعبارة واضحة: صفة لهذا النوع من التعقيب، والوضوح يشمل وضوح منطوقها ومفهومها. • تنبيهات: ١ - التعريف ليس خاصًّا بالكتب التي حملت اسم (التحرير)؛ بل يعم جميع كتب الأصول التي يذكر فيها تحرير المسائل الأصولية. ٢ - ليس كل تحرير من قبيل الاستدراك؛ وذلك لأن من شروط الاستدراك: ارتباطه بعمل سابق، والتحرير قد لا يرتبط بعمل سابق، فيكون الكتاب محررًا بنفسه، فما كان كذلك فهو تحرير لا استدراك، وأما إذا ارتبط التحرير بعمل سابق فهو استدراك تحرير. (١) • مثال تحرير النقول: • المثال الأول: قال الإسنوي في مسألة (دلالة صيغة افعل): "السادس: أنه حقيقة في أحدهما، - أي الوجوب أو الندب -؛ ولكن لا يعرف هل هو حقيقة في الوجوب مجاز في الندب، أو بالعكس؟ ونقله المصنف (٢) عن حجة الإسلام الغزالي تبعًا لصاحب الحاصل (٣)، وليس كذلك؛ فإن الغزالي نقل في المستصفى (٤) عن قوم أنه حقيقة في الوجوب فقط، وعن قوم أنه حقيقة في الندب فقط، وعن قوم أنه مشترك بينهما، قال: كلفظ العين، ثم نقل عن قوم التوقف بين هذه المذاهب الثلاث، قال: وهو المذهب

стр. 324

المختار. ونقله في المحصول (١) عنه على الصواب. وقال في المنخول (٢): وظاهر الأمر الوجوب، وما عداه فالصيغة مستعارة فيه، هذا لفظه، وهو مخالف لكلامه في المستصفى" (٣). • المثال الثاني: قال الزركشي في المذهب السادس في مسألة (تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس): "إن تفاوت القياس والعام في غلبة الظن رجح الأقوى، فيرجح العام بظهور قصد التعليم فيه، ويكون القياس المعارض له قياس شبه، ويرجح القياس بالعكس من ذلك، فإن تعادلا فالوقف، وهو مذهب الغزالي، واختاره المُطَرِّزِي (٤) في العُنْوَانِ (٥)، واعترف الإمام الرازي في أثناء المسألة بأنه حق (٦)،

стр. 325

وكذا قال الأصفهاني شارح المحصول (١) وابن الأنباري وابن التلمساني (٢)، واستحسنه القرافي (٣)، والقرطبي (٤) وقال: (لقد أحسن في هذا الاختيار أبو حامد، فكم له عليه من شاكر وحامد) (٥). وقال الشيخ (٦) في شرح العنوان: (أنه مذهب جيد؛ فإن العموم قد تضعف دلالته لبعد قرينته؛ فيكون الظن المستفاد من القياس الجلي راجحًا على الظن المستفاد من العموم الذي وصفناه، وقد يكون الأمر بالعكس؛ بأن يكون العموم قوي الرتبة ويكون القياس قياس شبه، والقاعدة الشرعية: أن العمل بأرجح الظنين واجب). واعلم أن هذا الذي قاله الغزالي ليس مذهبًا، ولم يقله الرجل على أنه مذهب مستقل، فتأمل المستصفى (٧) تجد ذلك.

стр. 326

ولا يقول أحد: إن الظن المستفاد من العموم أقوى، ثم يقول: القياس تخصيص أو بالعكس، ولا خلاف بين العقلاء أن أرجح الظنين عند التعارض معتبر، والوقوف عند المستوي ضروري، إنما الشأن في بيان الأرجح ماهو؟ ففريق قالوا: إن الأرجح العموم؛ فلا يخص بالقياس، وهو الإمام في المعالم (١). وقوم قالوا: الأرحج القياس؛ فيخص العموم. والقولان عن الأشعري كما حكاه القاضي في التقريب (٢) " (٣). • مثال تحرير محل الخلاف: قال ابن السبكي في مسألة (تخصيص العموم بمذهب الراوي): "اضطرب النظر في أنه هل صورة هذه المسألة مخصوصة بما إذا كان الراوي صحابيًا، أم الأمر أعم من ذلك؟ الذي صح عندي وتحرر: أن الأمر أعم من ذلك؛ ولكن الخلاف فيمن ليس بصحابي أضعف، فليكن القول في المسألة هكذا: إن كان الراوي صحابيًا، وقلنا: قول الصحابي حجة؛ خص على المختار. قال القاضي في مختصر التقريب (٤): وقد يُنسب ذلك إلى الشافعي في قوله الذي يقلد الصحابي فيه، ونقل عنه: أنه لا يخصص به إلا إذا نشر في أهل العصر ولم ينكروه، وجعل ذلك نازلاً منزلة الإجماع. وإن قلنا: قوله غير حجة؛ ففيه الخلاف المتقدم. وإن كان غير صحابي ترتب الخلاف على الصحابي، فإن قلنا: لا يخصص بقول الصحابي الراوي؛ لم يخصص بقول الراوي الذي ليس بصحابي جزمًا، وإن قلنا:

стр. 327

يخصص؛ ففي هذا خلاف. وأما قول القرافي: (صورة المسألة: أن يكون صحابيًا، وأما غير الصحابي فلا يُخَصَّص قطعًا) (١) فليس بجيد، والمعتمد ما قلناه، ويشهد له الدليل الذي ذكر من أنه يُخالف لدليل؛ وإلا انقدحت روايته؛ فإن هذا يشمل الصحابي وغيره. وبما ذكرناه صرَّح إمام الحرمين في البرهان (٢) فقال: (وكل ما ذكرناه -يعني في هذه المسألة- غير مختص بالصحابي، فلو روى بعض الأئمة حديثًا وعَمِلَ بخلافه؛ فالأمر على ما فصَّلناه). انتهى" (٣). • مثال تحرير المعاني: قال السبكي في مسألة: (الواجب المخير): "وقوله (٤): (وقد يتعلق بمبهم) ... وحرر بعض المتأخرين معنى الإبهام في ذلك فقال: مُتَعَلَّق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال ولا تخيير فيه، ومُتَعَلَّق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوب فيها. وعندي زيادةُ تحريرٍ أخرى: وهو أن القدر المشترك يقال على المتواطئ (٥) كالرجل، ولا إبهام فيه؛ فإن حقيقته معلومة متميِّزة عن غيرها من الحقائق.

стр. 328

ويقال على المبهم بين شيئين أو أشياء؛ كأحد الرجلين، والفرق بينهما: أن الأول لم يُقصد فيه إلا الحقيقة التي هي مسمى الرجولية. والثاني قُصد فيه أخص من ذلك؛ وهو أحد الشخصين بعينه وإن لم يُعيَّن؛ ولذلك سُمِّي مُبهمًا؛ لأنه أبهم علينا أمره. والأول لم يقل به أحدٌ بأن الوجوب المتعلق بخصوصياته كالأمر بالإعتاق؛ فإن مُسَمَّى (الإعتاق) ومسمى (الرقبة) متواطئ كالرجل، فلا تعلق للأمر بالخصوصيات لا على التعيين ولا التخيير، ولا يقال فيه: واجب مخير، ولا يأتي فيه الخلاف، وأكثر أوامر الشريعة من ذلك. والثاني متعلق بالخصوصيات؛ فلذلك وقع الخلاف فيه، وأجمعت الأمة على إطلاق الواجب المخيَّر عليه. ولا منافاة بين ما قلناه وما حكيناه عن بعض المتأخرين مِنْ تعلق الوجوب بالقدر المشترك؛ لكن فيما قلناه زيادة، وهي تبين أن ذلك القدر المشترك أخصُّ منظور فيه إلى الخصوصيات" (١). • بيان الاستدراك: استدرك السبكي على إطلاق المحرر القائل في معنى الإبهام: إنه (متعلق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال)، فحرر معنى الإبهام وقيد مطلق عبارة المحرر الأول، فبين أن القدر المشترك يطلق على قسمين: الأول: المتواطئ الذي يستوي أفراده في معناه؛ كما لو أمر الشارع بإعتاق رقبة، فالأمر هنا متعلق بالماهية المشتركة - وهي: إعتاق رقبة- دون النظر لأفراده كزيد وخالد ... ؛ وذلك لأنه ليس لأي فرد من أفراده خصوصية ما؛ بل الكل متساوٍ في الماهية المشتركة- وهي: إعتاق الرقبة-، والماهية لا تعدد فيها من حيث هي.

стр. 329

وهذا القسم لا يكون الأمر فيه على التخيير؛ لأن المطلوب إيجاد تلك الماهية، والماهية توجد بأي فرد من أفرادها، فلا يتصور فيه الإبهام ولا التخيير. الثاني: المبهم بين شيئين أو أشياء. وهذا القسم هو المراد في الواجب المخير، فالأمر متعلق بخصوصية أفراد معينة، فالتكفير في اليمين لا يكون إلا بتحقق فرد من أفراد مخصوصة، فالوجوب متعلق بقدر مشترك مبهم بين أفراد معينة.

стр. 330

• المطلب السابع استدراك التنقيح، وتطبيقاته التنقيح في اللغة: من نقح، وأصل الكلمة (النون والقاف والحاء) يرجع إلى معنى واحد؛ وهو: تنحية الشيء عن شيء (١). نقح الشيء نقحًا: خلَّص جيده من رديئه، ونقح الكلام أو الكتاب: هذبه، وأصلحه، وأزال عيوبه (٢). وفي الاصطلاح: اختصار اللفظ مع وضوح المعنى، من نقح العظم: إذا استخرج مخه. وتنقيح الشعر وإنقاحه: تهذيبه (٣). ويحسُن الوقوف على الكتب الأصولية التي حملت هذا الاسم؛ وهي: ١ - تنقيح محصول ابن الخطيب في أصول الفقه، لأمين الدين مظفر بن أبي الخير التبريزي. ٢ - تنقيح الفصول في علم الأصول، لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي. ٣ - التنقيح في أصول الفقه، لصدر الشريعة عُبيد الله بن مسعود المحبوبي. قال التبريزي: "فهذا كتاب تنقيح محصول ابن الخطيب في الأصول حذفت

стр. 331

زوائده، ورصعت (١) فوائده، فتقرر معانيه، وتحرر مبانيه، وما صادفت في مطاويه من قول لا أرتضيه؛ قررت الحق فيه على ما يقتضيه، من غير تزييف لمقاله (٢)، إلا إذا خفت وبالاً من إهماله فهو على التحقيق وإن سمي تنقيحًا تضمن تهذيبًا (٣) وتوشيحًا (٤) " (٥). وقال القرافي في مقدمة كتابه تنقيح الفصول: "وسميته بتنقيح الفصول في علم الأصول". فقال الشوشاني في شرحه للتنقيح: "نبه المؤلف هاهنا على اسم كتابه هذا، وسماه في الشرح: تنقيح الأصول في اختصار المحصول، فله إذاً اسمان. وقوله: (تنقيح الفصول) تنقيح الشيء: إصلاحه، وتصفيته، وإزالة ما لا يصلح عما يصلح، فالاسم مطابق للمسمى" (٦). وقال المحبوبي في تنقيحه (٧): " ... لما رأيت فحول العلماء مكبين في كل عهد وزمان على مُباحثةِ أصول الفقه للشيخ الإمام مقتدى الأئمة العظام فخر الإسلام

стр. 332

علي البزدوي - بوأه الله تعالى دار السلام-، وهو كتاب جليل الشأن، باهر البرهان، مركوز كنوز معانيه في صخور عبارته، ومرموز غوامض نكته في دقائق إشارته، ووجدت بعضهم طاعنين على ظواهر ألفاظه؛ لقصور نظرهم عن مواقع ألحاظه؛ أردت تنقيحه وتنظيمه، وحاولت تبيين مُرادِهِ وتَفْهيمَهُ، وعلى قواعد المعقول تأسيسه وتقسيمه، مُوردًا فيه زبدة مباحث المحصول، وأصول الإمام المدقق جمال العرب ابن الحاجب مع تحقيقات بديعة، وتدقيقات غامضة منيعة، تخلو الكتب عنها، سالكًا فيه مسلك الضغط والإيجاز، مثبتًا بأهداب السحر، متمسكًا بعروة الإعجاز، وسميته بتنقيح الأصول، والله تعالى مسؤول أن يمتع به مؤلفه، وكاتبه، وقارئه، وطالبه، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم؛ إنه البر الرحيم". قال التفتازاني في شرحه: "التنقيح: التهذيب، تقول: نقحت الجذع وشذبتُه: إذا قطعت ما تفرق من أغصانه ولم يكن في لبه. وتنظيم الدرر في السلك: جمعها كما ينبغي مرتبة متناسقة. والكلام لا يخلو عن تعريض ما بان في أصول فخر الإسلام زوائد يجب حذفها، وشتائت يجب نظمها، ومغالق يجب حلها، وأنه ليس بمبني على قواعد المعقول؛ بأن يراعى فيه التعريفات والحجج شرائطها المذكورة في علم الميزان، وفي التقسيمات عدم تداخل الأقسام، إلى غير ذلك مما لم يلتفت إليه المشايخ. قوله: (موردًا فيه) أي في ذلك المنقح الموصوف، يعني كتابه" (١). وعليه يمكن استخلاص صفات التنقيح في النقاط التالية: ١ - إيجاز العبارة. ٢ - إيضاح العبارة. ٣ - إصلاح ما يتعين إصلاحه.

стр. 333

مما سبق يمكن حد استدراك التنقيح بأنه: تعقيب مُصلِح بعبارة موجزة واضحة. شرح التعريف: تعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك. مُصلح: نوع هذا التعقيب إصلاح الخلل في عبارة المستدرَك عليه، وليس مجرد التنبيه عليه. بعبارة موجزة: قيد، فيخرج به التعقيبات المطولة. ومن صور الإصلاح الموجز: حذف المكرر والمطول في عبارة المستدرك عليه والتي تسبب اللَّبْس في الفهم. واضحة: يشمل وضوح منطوقها ومفهومها. • تنبيه: التعريف ليس خاصًّا بالكتب التي حملت اسم (تنقيح)؛ بل يعم جميع كتب الأصول التي يذكر فيها تنقيح المسائل الأصولية. أمثلة استدراك التنقيح: يمكن أن يذكر من أمثلة استدراك التنقيح ما قام به المنقحون من العدول عن عبارات المتن إلى عبارات أخرى يرون أنها أصلح وأبعد عن الاعتراضات؛ ومن أمثلة ذلك: • المثال الأول: مخالفة التبريزي للفخر الرازي في حد الواجب؛ حيث عرفه الإمام بأنه: "ما يذم تاركه شرعًا على بعض الوجوه" (١).

стр. 334

وعرفه التبريزي بأنه: "المأمور المهدد بالعقاب على تركه" (١). وذكر القرافي على حد الإمام ثمانية أسئلة، ثم أورد حد التبريزي وقال: " ... فاندفع عنه السؤال الأول، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، والسابع، والثامن، ولا يرد عليه غير السادس فقط" (٢). فإعراض التبريزي عن حد الرازي إلى حد آخر كان تنقيحًا منه لحد الواجب؛ حيث سلم حده من سبعة اعتراضات ذكرت على حد الرازي. • المثال الثاني: ما قام به التبريزي من حذف الأدلة التي ذكرها الإمام في مسألة الحسن والقبح (٣)، وتلخيص هذه الأدلة بعبارات موجزة، فقال: "وقد اعتمد المؤلف في الرد عليهم (٤) على سلب خيرة الفعل، وحصر الأفعال الإنسانية في الاضطرار أو الاتفاق،

стр. 335

وبناه على تقسيم لا طائل تحته فقال: (فاعل القبح إما أن يتمكن من الترك أو لا، فإن لم يتمكن ثبت الاضطرار، وإن تمكن فرجحان فاعليته على تاركيته إما أن يتوقف على مرجح أو لا، فإن لم يتوقف ثبت الاتفاق، وإن توقف فالمرجح إما أن يكون منه، أو من غيره، أو لا منه ولا من غيره، والأول تسلسل، والثاني والثالث اضطرار؛ لأن المرجح يجب أن يكون وقوع الفعل عنده؛ وإلا عاد التقسيم إلى أن ينتهي إلى اضطرار أو اتفاق). هذا محصول تطويله" (١). • بيان الاستدراك: اعتمد الرازي على نفي التحسين والتقبيح العقليين على أن فعل العبد اضطراري، وما ليس بفعل اختياري لا يكون حسنًا وقبيحًا عقلاً بالاتفاق؛ لأن القائلين بالحسن والقبح العقليين يعترفون بأنه إنما يكون كذلك إذا كان اختياريًا. واعتمد الرازي في نفي التحسين والتقبيح العقليين على تقسيم طويل، واختصره التبريزي في أن فعل العبد بين الاضطرار (٢) أو الاتفاق (٣). فقال: فاعل القبح إما أن يتمكن من الترك، أو لا. فإن لم يتمكن من ترك القبيح ثبت الاضطرار. وإن كان متمكنًا من فعل القبيح وتركه فهذا يفضي إلى افتقار ترجيح الفاعلية على التاركية إلى مرجح أو لا، فإن لم يفض كان الفعل اتفاقيًا، والاتفاق لا يوصف بالحسن والقبح، وإن افتقر إلى مرجح فهو مع مرجحه، فإن كان المرجح

стр. 336

من العبد لزم التسلسل؛ وذلك لأن التقسيم سيعود إلى أن فعل العبد بين الاضطرار أو الاتفاق، وإن كان المرجح من غيره، أو كان المرجح لا منه ولا من غيره؛ لزم الاضطرار؛ لأن فعله يكون حينئذ غير اختياري.

стр. 337

• المبحث الثاني أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المُستدرَك عليه، وتطبيقاتها . وفيه خمسة مطالب: - المطلب الأول: استدراك الأصولي على نفسه، وتطبيقاته. - المطلب الثاني: استدراك الأصولي على موافق له في المذهب، وتطبيقاته. - المطلب الثالث: استدراك الأصولي على مخالف له في المذهب، وتطبيقاته. - المطلب الرابع: استدراك الأصولي على شخص مُقدَّر، وتطبيقاته. - المطلب الخامس: استدراك الأصولي على المُستدرِك، وتطبيقاته. * * ... * ** * ... * *

стр. 338

• المطلب الأول استدراك الأصولي على نفسه، وتطبيقاته وذلك بأن يكون للأصولي مصنفان فأكثر، فيذكر في أحدهما قولًا مخالفًا لما في المصنف الآخر، فيعلم أن قوله في المصنف المتأخر مستدرك على قوله الأول. ومما سبق يمكن حد استدراك الأصولي على نفسه بأنه: تعقيب أصولي على لفظ أو معنى له سابق بما يخالفه في نفسه. وشرح التعريف واضح مما سبق في حد الاستدراك. واستدراك الأصولي على نفسه يدل على علو شأنه في العلم والدين. ووجه الدلالة على علو شأنه في العلم: أنه يعرف به أنه كان طول عمره مشتغلاً بالطلب والبحث والتنقيب. وأما في الدين: فلأنه يدل على أنه متى لاح له الحق أخذ به، ولم يتعصب لقوله الأول. (١) وأقرر ذلك بالأمثلة التالية: • المثال الأول: الإمام الشيرازي له عدد من المصنفات، ومن المصنفات الأصولية: التبصرة واللمع وشرحه، والمطلع على هذه الكتب يجد الشيرازي يذكر رأيًا في التبصرة مخالفًا له في شرح اللمع، فيُعلم أن ما قرره في اللمع وشرحه هو ما استقر عليه؛ لأنه صنفه بعد التبصرة (٢)، وعليه أقرر أنَّ ما في اللمع وشرحه استدراك للمخالف له في التبصرة.

стр. 339

ولذلك أمثلة؛ منها: • المثال الأول: قال الشيرازي في التبصرة (١): "الوضوء والصلاة والزكاة والحج، أسماء منقولة من اللغة إلى معانٍ وأحكام شرعية، إذا أطلقت حملت على تلك الأحكام والمعاني. ومن أصحابنا من قال: إنه لم ينقل شيء من ذلك عما وضع له اللفظ في اللغة؛ وإنما ورد الشرع بشرائط وأحكام مضافة إلى ما وضع له اللفظ في اللغة. وهو قول الأشعرية. لنا: ... ". وقال في شرح اللمع (٢): "وأما إثبات الاسم من جهة عرف الشرع فهو أن يكون اللفظ في اللغة موضوعًا لمعنى ورود الشرع به في غيره وكثر استعماله فيه؛ حتى صار لا يعقل من إطلاقه إلا المعنى الذي أريد به في الشرع ... فاختلف الناس في هذه الألفاظ: فذهب أكثرهم إلى أنها منقولة من اللغة إلى الشرع، وهو مذهب المعتزلة، ومن أصحابنا من قال: (الأسماء كلها مبقاة على موضوعاتها في اللغة لم يُنقل شيء منها إلى الشرع). وهو قول أهل الحق ومذهب أهل السنة ... وقد نصرت في التبصرة أن الأسماء منقولة ... ". • المثال الثاني: الإمام الجويني صنف في أول حياته العلمية كتاب التلخيص في أصول الفقه لخص فيه آراء شيخه الباقلاني، ثم صنف البرهان في أصول الفقه والورقات في علم أصول الفقه، والمطلع على هذه الكتب يجد له آراءً في البرهان والورقات مخالفة لما في التلخيص، فيُعلم أن ما في البرهان والورقات مستدرك على المخالف لهما في التلخيص.

стр. 340

ومن ذلك قوله في مسألة (دلالة الأمر المجردة عن القرائن) في التلخيص (١): "وأما العبارة الدالة على المعنى القائم بالنفس؛ نحو قول القائل: (افعل)؛ فمترددة بين الدلالة على الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد، فيتوقف فيها حتى يثبت بقيود المقال أو قرائن الحال تخصصها ببعض المقتضيات، فهذا ما نرتضيه من المذهب". وهو في هذا يوافق شيخه الباقلاني (٢). وقال في البرهان (٣) بعد ما ذكر قول القاضي ورده: "وقد تعين الآن أن نبوح بالحق ونقول: (افعل) طلب محض، لا مساغ فيه لتقدير الترك، فهذا مقتضى اللفظ المجرد عن القرائن". ثم قال: "وأنا أبني على منتهى الكلام شيئًا يُقَرّبُ ما اخترته من مذهب الشافعي ﵀ فأقول: ثبت في وضع الشرع أن التمحيض في الطلب متوعد على تركه، وكل ما كان كذلك لا يكون إلا واجبًا، وهذا منتهى المسألة وبالله التوفيق". وفي الورقات (٤) قال: "والأمر: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب. والصيغة الدالة عليه (افعل)، وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه (٥) ". • المثال الثالث: الإمام الغزالي صنف المنخول من تعليقات الأصول في بداية حياته العلمية، وكان يقرر في مسائله آراء شيخه إمام الحرمين الجويني (٦)، ثم صنف المستصفى

стр. 341

من علم الأصول في آخر حياته العلمية، وقد خالف فيه كثيرًا من آرائه التي قررها في المنخول (١)، وأذكر لذلك مثال: ترجيح العلة الناقلة أو المقررة (٢) إذا وردتا على حكم واحد، فاختار الغزالي في المنخول تقديم العلة المقررة، فقال بعد إفساده للقول المخالف: "تقديم العلة الناقلة على العلة المستصحبة كما يقدم الراوي الناقل على المستصحب، وهذا فاسد؛ فإنا نظن أن الناقل أثبت في الرواية من المستصحب، ولا نتهمه في العلة، فلتقدم المستصحبة. ثم يحتمل أن يقضي بالتعارض، ويتمسك بالاستصحاب استقلالاً. ويحتمل أن يقال: هو ساقط في معارضته القياس، فلا يصلح إلا الترجيح" (٣). وما قرره في المنخول هو مذهب شيخه إمام الحرمين (٤). ونجده في المستصفى (٥) اختار تقديم العلة الناقلة فقال: "وترجيح الناقلة

стр. 342

عن حكم العقل على المقررة لأن الناقلة أثبتت حكمًا شرعيًا، والمقرر [ما] (١) أثبت شيئًا ... ". • المثال الخامس: الرازي له في الأصول المحصول والمعالم، وقد اختلف قوله في المحصول عن المعالم في مسألة (تخصيص العموم بالقياس)؛ حيث قال في المحصول (٢): "يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس ... لنا أن العموم والقياس ... ". وقال في المعالم (٣): "قال الأكثرون: تخصيص عموم القرآن بالقياس جائز، والمختار عندنا: أنه لا يجوز". وقد علمنا أن المعالم صنفه بعد المحصول (٤)، وبالتالي ما جاء في المعالم فهو استدراك على المحصول. قال الزركشي: "يجوز تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس عند الأئمة الأربعة ... واختاره الإمام فخر الدين في المحصول؛ ولذلك استدل على ترجيحه حيث قال: لنا أن العموم والقياس ... إلخ؛ لكنه اختار في المعالم المنع، وأطنب في نصرته، وهذا الكتاب موضوع لاختياراته، بخلاف المحصول فإنه موضوع لنقل المذهب، وتحرير الأدلة ... " (٥).

стр. 343

• المطلب الثاني: استدرك الأصولي على موافق له في المذهب، وتطبيقاته وذلك بأن يستدرك الأصولي على أصولي آخر موافق له في المذهب؛ سواء كانت الموافقة في المذهب العقدي، أو المذهب الفقهي. وبالتالي يمكن حده بأنه: تعقيب أصولي على ما يذكره أصولي موافق له في المذهب بما يخالفه في نفسه. والتعريف واضح مما سبق ذكره في تعريف الاستدراك. • أولاً: استدراك الأصولي على موافق له في المذهب العقدي ، وله أمثلة: • المثال الأول: ذكر إمام الحرمين في مسألة (الفعل حال حدوثه مأمور به أم لا؟ ) مذهب الأشعري فقال: "ذهب الأصوليون من أصحاب الشيخ أبي الحسن ﵁ إلى أن الفعل في حال حدوثه مأمور به، ونقلوا عن المعتزلة خلافهم في ذلك، ومصيرهم إلى أنَّ الحادث لا يتصف بكونه مأمورًا به في حال حدوثه (١) ... ومذهب أبي الحسن ﵁ متخبط عندي في هذه المسألة. فأما مصيره إلى تعلق القدرة الحادثة بالحادث في حال حدوثه فلست ألتزم الآن ذكر مباحثي عنه؛ ولكن أكشف السرَّ في مقصود المسألة، وأضمنه رمزًا ليستقل به المستقل البصير فيما هو المختار الحق، ولتقع البداية أولاً بغرض المسألة فأقول: أولاً: لا حاصل لتعلق حكم الأمر بالقدرة على مذهب أبي الحسن ﵀؛ فإن القاعد في حال قعوده مأمور بالقيام باتفاق أهل الإسلام، ولا قدرة له على القيام

стр. 344

عند أبي الحسن في حالة القعود، فكيف يستتب له تلقي حكم تعلق الأمر من تعلق القدرة، ومن لا قدرة له أصلاً مأمور عنده؟ ثم لو تنزلنا على حكمه في المصير إلى أن الحادث مقدور؛ فيستحيل مع ذلك كونه مأمورًا به؛ فإن اقتران القدرة بالحادث معناه أنه بها وقع، وهي في اقتضائها له نازلة منزلة العلة المقترنة بالمعلول الموجبة على رأي من يثبت العلة والمعلول، فهذا وجه هذه المسألة إن اتجه. وإن تفطن ذكيٌّ لوجه الحق خطر له في معارضة ذلك أن القدرة لا توجب المقدور لعينها؛ إذ لو أوجبته لاستحال خلو القدرة عن المقدور، وذلك يبطلُ إثبات القدرة الأزلية؛ فإنها غير مقارنة للحوادث، فلو فرض اقتران العالم بها لكان أزليًا، والأزلي يستحيل أن يكون مقدورًا، وفي خروجه عن كونه مقدورًا سقوط القدرة: فإن القدرة من غير مقدور محال. ومن أنصف نفسه علم أن معنى القدرة: التمكن من الفعل، وهذا إنما يعقل قبل الفعل، وهو غير مستحيل في واقع حادث في حالة الحدوث. فلو سلم مُسلِّم لأبي الحسن ﵀ ما قاله في القدرة جدلاً من تنزيل القدرة مع المقدور منزلة العلة مع المعلول - وهيهات أن يكون الأمر كذلك، ولو كان- فلا يتحقق معه كون الحادث مأمورًا به؛ فإن الأمر طلب واقتضاء، وكيف يُتصور أن يُطلب كائن ويقتضى حاصل؟ فقد لاح سقوط مذهبه في كل تقدير. نعم قد يقال في الحادث: هذا هو الذي أُمِرَ المخاطَب به، فأما أن ينجزم القول في تعلق الأمر به طلبًا واقتضاء مع حصوله؛ فلا يرتضي هذا المذهب لنفسه عاقل" (١). • بيان الاستدراك: المراد من هذه المسألة: أن التكليف هل يتوجه إلى المخاطب عند المباشرة للفعل أو قبلها؟ وإذا توجه قبلها فهل يستمر إلى وقتها؟ فالنزاع في وقت تعلق القدرة بالمقدور.

стр. 345

فعند الأشاعرة الاستطاعة مع الفعل؛ وذلك لأن الاستطاعة عرض (١)، والعرض لا يبقى زمانين، فالقدرة إنما توجد زمان الملابسة للفعل، والفعل إنما يكون ممكنًا زمان حالة الملابسة، وأما قبله فيستحيل، فلا يؤمر بالفعل إلا حال الملابسة به. وخالف الجويني - وهو أشعري الاعتقاد (٢) - الأشعري في ذلك، وذهب إلى أن القدرة قبل الفعل، وانقطاعها حالة وجود الفعل، وما ليس بمقدور لا يؤمر به. (٣) • المثال الثاني: قال السيف الآمدي: "يجوز أن يكون المحرم أحد أمرين لا بعينه عندنا، خلافًا للمعتزلة (٤)؛ وذلك لأنه لا مانع من ورود النهي بقوله: لا تكلم زيدًا أو عمرًا، وقد حرمت عليك كلام أحدهما لا بعينه، ولست أحرم عليك الجميع ولا واحدًا بعينه، فهذا الورود كان معقولاً غير ممتنع، ولا شك أنه إذا كان كذلك؛ فليس محرم مجموع كلاميهما، ولا كلام أحدهما على التعيين؛ لتصريحه بنقيضه، فلم يبقَ إلا أن يكون المحرم أحدهما لا بعينه" (٥). فاستدرك عليه القرافي بقوله: "ونحن نمنع أن ما قاله متصور في غير تحريم المجموع ... فما قاله غير متصور أصلاً، والحق في هذا ما نسبه للمعتزلة دون ما نسبه

стр. 346

لأصحابنا" (١). • بيان الاستدراك: يرى جمهور المعتزلة أن ورود النهي متعلق بأشياء على جهة التخيير يقتضي المنع في الكل، وهذا مبني على أصل عندهم؛ وهو أن النهي يدل على قبح المنهي عنه، فإذا نهي عن أحدهما لا بعينه ثبت القبح لكل منهما، فيمتنعان جميعًا، وهذا مبني على قاعدة (التحسين والتقبيح). (٢) وجمهور الأشاعرة (٣) وأهل السنة (٤) يذهبون إلى جواز تحريم واحد لا بعينه. واستدرك القرافي على الآمدي -وكلاهما على مذهب الأشاعرة- قوله: "فليس محرم مجموع كلاميهما" بأن النهي على التخيير إنما يتصور في هذه الصورة -وهي تحريم الجمع-؛ أي أن متعلق النهي هو الجمع بينهما، وكل واحد منهما ليس منهيًا عنه، كالأختين فإن كل واحدة منهما في نفسها ليست محرمة؛ بل المحرم هو الجمع بينهما (٥)، وصوب في ذلك مذهب المعتزلة؛ لأن النهي متعلق بمشترك حرمت أفراده كلها.

стр. 347

• ثانيًا: استدراك الأصولي على موافق له في المذهب الفقهي: • المثال الأول: قال السرخسي في تعريف العام: "وأما العام: كل لفظ ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا أو معنى. ونعني بالأسماء هنا: المسميات. قولنا: لفظًا أو معنى: هو تفسير للانتظام؛ أي ينتظم جمعًا من الأسماء لفظًا مرة كقولنا: زيدون، ومعنى مرة تارة كقولنا: مَنْ وَمَا وما أشبههما ... وذكر أبو بكر الجَصَّاص ﵀ أن العام: ما ينتظم جمعًا من الأسماء أو المعاني (١). وهذا غلط منه؛ فإن تعدد المعاني لا يكون إلا بعد التغاير والاختلاف، وعند ذلك اللفظ الواحد لا ينتظمها؛ وإنما يحتمل أن يكون كل واحد منها مرادًا باللفظ، وهذا يكون مشتركًا لا عامًا، ولا عموم للمشترك عندنا (٢). وقد نص الجصاص في كتابه على أن المذهب في المشترك أنه لا عموم له (٣)، فعرفنا أن هذا سهو منه في العبارة أو مؤول، ومراده: أن المعنى الواحد باعتبار أنه يعم المحال يسمى مجازًا؛ فإنه يقال: مطر عام؛ لأنه عم الأمكنة، وهو في الحقيقة معنى واحد؛ ولكن لتعدد المحال الذي تناوله سماه معاني، ولكن هذا إنما يستقيم إذ قال: ما ينتظم جمعًا من الأسامي والمعاني. قال ﵁: وهكذا رأيته في بعض النسخ من كتابه. فأما قوله (أو المعاني) فهو سهو منه، وذكر أن إطلاق لفظ (العموم) حقيقة في المعاني والأحكام؛ كما هو في الأسماء والألفاظ، ويقال: عمهم الخوف وعمهم الخصب باعتبار المعنى من غير أن يكون هناك لفظ، وهذا غلط أيضًا؛ فإن المذهب أنه لا عموم للمعاني حقيقة وإن كان يوصف به مجازًا" (٤).

стр. 348

• بيان الاستدراك: استدرك السرخسي على الجصاص تعريفه للعام بقوله: (ما ينتظم جمعًا من الأسماء أو المعاني) بأن قوله: (أو المعاني) غلط؛ لأن تعدد المعاني حقيقة لا يكون بتعدد أفرادها في الخارج؛ بل بتعددها في الذهن، وذلك لا يكون إلا عند اختلافها، فإذا رأيت إنسانًا وثبت في ذهنك معناه، ثم رأيت آخر وآخر؛ لا يثبت معنى آخر في ذهنك، فمعنى الإنسان عام في الذهن لجميع الناس وإن كان إنسانية زيد في الخارج غير إنسانية عمرو وخالد؛ ولكن إذا رأيت أسدًا أو ذئبًا أو فرسًا أو غيرها يثبت معنى آخر في ذهنك غير المعنى الأول، فثبت أن تعدد المعاني إنما يكون عند اختلافها، وذلك بتعدد أفرادها في الذهن، وحينئذ لا يتناولها لفظ واحد على سبيل الشمول كما هو في العام؛ وإنما يتناولها اللفظ على سبيل البدل، وذلك يسمى (مشتركًا)، والمشترك لا عموم له عند الحنفية. وبما أن الجصاص نص في كتابه على أن المشترك لا عموم له عند الحنفية (١) فيكون قوله: (أو المعاني) سهوًا منه في العبارة أو مؤولاً، وتأويله: أن يحمل كلامه على المجاز لا الحقيقة، فيكون مراده: أن المعنى الواحد باعتبار أنه يعم المحال يسمى مجازًا؛ فإنه يقال: مطر عام؛ لأنه عم الأمكنة، وكلفظ (الإنسان) مثلاً فإنه لا يتناول الأشخاص الداخلة تحته إلا بمعنى الإنسان، ثم ذلك المعنى لما كان متعددًا في الخارج فإن إنسانية زيد في الخارج غير إنسانية عمرو وخالد، وإن كان متحدًا حقيقة سماه معاني مجازًا. وهذا التأويل إنما يصح لو قال الجصاص في تعريف العام: ما ينتظم جمعًا من الأسامي والمعاني، (بالواو) بدل (أو)؛ وذلك لأن (الواو) لمطلق الجمع؛ فيصح هذا التأويل، ويصير تقدير كلامه: العام: ما يتناول جمعًا من المسميات مع المعنى الذي به صارت متفقة، ولكنه سماه معاني مجازًا، وهذا هو تفسير العام عند الحنفية،

стр. 349

وقد وجد السرخسي في بعض النسخ من كتاب الجصاص العبارة بالواو. (١) • المثال الثاني: قال السمعاني عند حديثه عن معاني الحروف في معنى حرف (الواو): "وقد رأيت بعض أصحابنا (٢) ادعى على أصحاب أبي حنيفة أنهم يدعون أنَّ (الواو) للجمع على سبيل الاقتران (٣)، وأخذ يرد عليه كما رد على من زعم أنها للترتيب والتوالي من أصحابنا. وليس ما ادعاه مذهب أحد من أصحاب أبي حنيفة؛ وإنما يدعون أن (الواو) للجمع من غير تعرض لاقتران وترتيب، فلا معنى للرد (٤) " (٥). وهذا الاستدراك استدركه العلاء البخاري أيضًا على بعض أصحاب أبي حنيفة حيث ظنوا أن (الواو) في مذهبهم للمقارنة فقال: "قوله: (وهي عندنا لمطلق العطف) أي مطلق الجمع من غير تعرض لمقارنة كما زعمه بعض أصحابنا على قول أبي يوسف ومحمد، ولا ترتيب كما زعمه ذلك البعض على أصل أبي حنيفة" (٦).

стр. 350

• المطلب الثالث: استدراك الأصولي على مخالف له في المذهب، وتطبيقاته المقصود به: تعقيب أصولي على ما يذكره أصولي مخالف له في المذهب بما يخالفه في نفسه. ومر معنا سابقًا أن المخالف على أربعة أقسام: ١ - خصم في الواقع مخالف في المذهب العقدي. ٢ - خصم في الواقع مخالف في المذهب الفقهي. ٣ - خصم مقدر مخالف في المذهب العقدي. ٤ - خصم مقدر مخالف في المذهب الفقهي. والخصم المراد هنا: هو الخصم الأول والثاني - الخصم الواقع المخالف في المذهب العقدي والفقهي-، وذكرت أن الاستدراك على هذا القسم من الخصوم كان سببًا في التصنيف (١)، وأوردت أمثلة الاستدراك على هذا النوع من الخصوم، فينقل هاهنا (٢).

стр. 351

• المطلب الرابع: استدراك الأصولي على شخص مُقدَّ ر، وتطبيقاته والمقصود به: تعقيب أصولي على ما يذكره أصولي مقدر بما يخالفه في نفسه. وقد تقدمت صيغ الاستدراك المقدر، والإشارة إلى غرض هذا القسم من الاستدراك. (١) والمراد بالشخص المقدر: هو القسم الثالث والرابع من الخصوم؛ وهو الخصم المقدر المخالف في المذهب العقدي، والخصم المقدر المخالف في المذهب الفقهي، وقد مرت أمثلة هذا القسم من الاستدراك، فلا داعي لتكرارها (٢).

стр. 352

• المطلب الخامس: استدراك الأصولي على المُستدرِك، وتطبيقاته المراد بهذا القسم من الاستدراك: الاستدراك المركب، وهو: الاستدراك المؤلف من استدراكين فأكثر. ويمكن تصوير هذا الاستدراك بالرموز التالية: أن يستدرك الأصولي (ب) على الأصولي (أ)، ثم يستدرك أصولي ثالث على الأصولي (ب)، وهذا الثالث قد يكون هو الأصولي (أ) المستدرَك عليه الأول، وقد يكون الأصولي (ج) أي شخص آخر. ومما سبق يمكن حده بأنه: تعقيب أصولي على تعقيب أصولي بمخالف له في نفسه. وهذا القسم من الاستدراك ساعد في تصحيح وتنقيح علم أصول الفقه، كما كان سببًا في المناظرة بين الخصوم؛ بل وفي التصنيف أيضًا. وقد مر معنا أن الأبياري كان يستدرك على إمام الحرمين استدراكه على الإمام مالك (١)، وكذلك القرافي استدرك على الرازي استدراكه على الإمام مالك في مسألة (إجماع المدينة) بعدة استدراكات. (٢) - فائدة: مما سبق يمكن تقسيم الاستدراك الأصولي باعتبار عدد الاستدراكات إلى استدراك مركب وقد مضى، واستدرك بسيط؛ وهو: الاستدراك المؤلف من استدراك واحد.

стр. 353

• المبحث الثالث أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك فيه، وتطبيقاتها وفيه ثمانية مطالب: - المطلب الأول: الاستدراك الأصولي على ترجمة المسألة، وتطبيقاته. - المطلب الثاني: الاستدراك الأصولي على الحدود، وتطبيقاته. - المطلب الثالث: الاستدراك الأصولي على الدليل، وتطبيقاته. - المطلب الرابع: الاستدراك الأصولي على الاستدلال، وتطبيقاته. - المطلب الخامس: الاستدراك الأصولي على نسبة الأقوال، وتطبيقاته. - المطلب السادس: الاستدراك الأصولي على التقسيمات والشروط، وتطبيقاته. - المطلب السابع: الاستدراك الأصولي على التمثيل، وتطبيقاته. - المطلب الثامن: الاستدراك الأصولي على التخريج، وتطبيقاته. * * ... * ** * ... * *

стр. 354

• المطلب الأول: الاستدراك الأصولي على ترجمة المسألة الأصولية، وتطبيقاته ومن أمثلة ذلك: • المثال الأول: استدرك الأستاذ أبو إسحاق التعبير بتأخير البيان إلى وقت الحاجة، ونقل ذلك عنه ابن السبكي فقال: "قال الأستاذ في كتابه: هذه العبارة مُزَيَّفة - يعني: تأخير البيان إلى وقت الحاجة - قال: وهي لائقة بمذهب المعتزلة دون مذهبنا؛ لأن عندهم المؤمنين بحاجة إلى التكليف نحو: العبادات؛ لينالوا بها الدرجات الرفيعة ويستحقوها على طريق المعاوضة. وعندنا: الباري تعالى يُنْزِلُ المؤمنين الجنة فضلاً، ويُدْخِلُ الكافرين النار عدلاً، فالعبارة الصحيحة على مذهبنا أن نقول: تأخير البيان عن وقت وجوب الفعل بالخطاب، وإلى وقت وجوب الفعل" (١). • المثال الثاني: ترجم بعض علماء الأصول لمسألة (الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم لا؟ ) بـ (الأمر المطلق هل يقتضي الفور أو التراخي؟ )، واستدرك عدد من علماء الأصول

стр. 355

هذه الترجمة (١)، فقال الشيرازي: "وربما غلط بعض أصحابنا في العبارة عن هذه المسألة فقال: الأمر يقتضي الفور والتراخي، وهذه العبارة ليست صحيحة؛ لأن أحدًا لم يقل: إن الأمر يقتضي التراخي، وإنما يقولون: هل يقتضي الفور أم لا؟ ". (٢) وقال الجويني: "ومما يتعين التنبيه له أمر يتعلق بتهذيب العبارة؛ فإن المسألة مترجمة بأن الصيغة على الفور أم على التراخي. فأما من قال: إنها على الفور؛ فهذا اللفظ لا بأس به، ومن قال: إنها على التراخي؛ فلفظه مدخول؛ فإن مقتضاه: أن الصيغة المطلقة تقتضي التراخي؛ حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يُعتدّ به، وليس هذا معتقد أحدٍ. فالوجه أن يعبر عن المذهب الأخير المعزو إلى الشافعي والقاضي (٣) - رحمهما الله - بأن يقال: الصيغة تقتضي الامتثال، ولا يتعين لها وقت" (٤). • المثال الثالث: قال إمام الحرمين: "اضطرب الناس في تخصيص عموم الكتاب بالقياس ... ". (٥) فاستدرك عليه الأبياري فقال: "لكن في ترجمة المسألة إطلاق لابد من تفسيره، وتبيين محل الخلاف فيه؛ فإن بعض أنواع القياس يجب تقديمه على العموم بلا شك، وهو إذا كان الأصل الذي يستند إليه الحكم الفرع مقطوعًا به، وكانت نسبة الفرع إلى الأصل نسبة العلم؛ كالقياس الذي يسمى في معنى الأصل، والمنصوص على علته، مع
следующие страницы →