← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133372

الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية

إيمان بنت سالم قبوس

Полный текст (900 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

• المطلب الرابع: استدراك الأصولي على شخص مُقدَّ ر، وتطبيقاته والمقصود به: تعقيب أصولي على ما يذكره أصولي مقدر بما يخالفه في نفسه. وقد تقدمت صيغ الاستدراك المقدر، والإشارة إلى غرض هذا القسم من الاستدراك. (١) والمراد بالشخص المقدر: هو القسم الثالث والرابع من الخصوم؛ وهو الخصم المقدر المخالف في المذهب العقدي، والخصم المقدر المخالف في المذهب الفقهي، وقد مرت أمثلة هذا القسم من الاستدراك، فلا داعي لتكرارها (٢).

стр. 352

• المطلب الخامس: استدراك الأصولي على المُستدرِك، وتطبيقاته المراد بهذا القسم من الاستدراك: الاستدراك المركب، وهو: الاستدراك المؤلف من استدراكين فأكثر. ويمكن تصوير هذا الاستدراك بالرموز التالية: أن يستدرك الأصولي (ب) على الأصولي (أ)، ثم يستدرك أصولي ثالث على الأصولي (ب)، وهذا الثالث قد يكون هو الأصولي (أ) المستدرَك عليه الأول، وقد يكون الأصولي (ج) أي شخص آخر. ومما سبق يمكن حده بأنه: تعقيب أصولي على تعقيب أصولي بمخالف له في نفسه. وهذا القسم من الاستدراك ساعد في تصحيح وتنقيح علم أصول الفقه، كما كان سببًا في المناظرة بين الخصوم؛ بل وفي التصنيف أيضًا. وقد مر معنا أن الأبياري كان يستدرك على إمام الحرمين استدراكه على الإمام مالك (١)، وكذلك القرافي استدرك على الرازي استدراكه على الإمام مالك في مسألة (إجماع المدينة) بعدة استدراكات. (٢) - فائدة: مما سبق يمكن تقسيم الاستدراك الأصولي باعتبار عدد الاستدراكات إلى استدراك مركب وقد مضى، واستدرك بسيط؛ وهو: الاستدراك المؤلف من استدراك واحد.

стр. 353

• المبحث الثالث أقسام الاستدراك الأصولي باعتبار المستدرك فيه، وتطبيقاتها وفيه ثمانية مطالب: - المطلب الأول: الاستدراك الأصولي على ترجمة المسألة، وتطبيقاته. - المطلب الثاني: الاستدراك الأصولي على الحدود، وتطبيقاته. - المطلب الثالث: الاستدراك الأصولي على الدليل، وتطبيقاته. - المطلب الرابع: الاستدراك الأصولي على الاستدلال، وتطبيقاته. - المطلب الخامس: الاستدراك الأصولي على نسبة الأقوال، وتطبيقاته. - المطلب السادس: الاستدراك الأصولي على التقسيمات والشروط، وتطبيقاته. - المطلب السابع: الاستدراك الأصولي على التمثيل، وتطبيقاته. - المطلب الثامن: الاستدراك الأصولي على التخريج، وتطبيقاته. * * ... * ** * ... * *

стр. 354

• المطلب الأول: الاستدراك الأصولي على ترجمة المسألة الأصولية، وتطبيقاته ومن أمثلة ذلك: • المثال الأول: استدرك الأستاذ أبو إسحاق التعبير بتأخير البيان إلى وقت الحاجة، ونقل ذلك عنه ابن السبكي فقال: "قال الأستاذ في كتابه: هذه العبارة مُزَيَّفة - يعني: تأخير البيان إلى وقت الحاجة - قال: وهي لائقة بمذهب المعتزلة دون مذهبنا؛ لأن عندهم المؤمنين بحاجة إلى التكليف نحو: العبادات؛ لينالوا بها الدرجات الرفيعة ويستحقوها على طريق المعاوضة. وعندنا: الباري تعالى يُنْزِلُ المؤمنين الجنة فضلاً، ويُدْخِلُ الكافرين النار عدلاً، فالعبارة الصحيحة على مذهبنا أن نقول: تأخير البيان عن وقت وجوب الفعل بالخطاب، وإلى وقت وجوب الفعل" (١). • المثال الثاني: ترجم بعض علماء الأصول لمسألة (الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم لا؟ ) بـ (الأمر المطلق هل يقتضي الفور أو التراخي؟ )، واستدرك عدد من علماء الأصول

стр. 355

هذه الترجمة (١)، فقال الشيرازي: "وربما غلط بعض أصحابنا في العبارة عن هذه المسألة فقال: الأمر يقتضي الفور والتراخي، وهذه العبارة ليست صحيحة؛ لأن أحدًا لم يقل: إن الأمر يقتضي التراخي، وإنما يقولون: هل يقتضي الفور أم لا؟ ". (٢) وقال الجويني: "ومما يتعين التنبيه له أمر يتعلق بتهذيب العبارة؛ فإن المسألة مترجمة بأن الصيغة على الفور أم على التراخي. فأما من قال: إنها على الفور؛ فهذا اللفظ لا بأس به، ومن قال: إنها على التراخي؛ فلفظه مدخول؛ فإن مقتضاه: أن الصيغة المطلقة تقتضي التراخي؛ حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يُعتدّ به، وليس هذا معتقد أحدٍ. فالوجه أن يعبر عن المذهب الأخير المعزو إلى الشافعي والقاضي (٣) - رحمهما الله - بأن يقال: الصيغة تقتضي الامتثال، ولا يتعين لها وقت" (٤). • المثال الثالث: قال إمام الحرمين: "اضطرب الناس في تخصيص عموم الكتاب بالقياس ... ". (٥) فاستدرك عليه الأبياري فقال: "لكن في ترجمة المسألة إطلاق لابد من تفسيره، وتبيين محل الخلاف فيه؛ فإن بعض أنواع القياس يجب تقديمه على العموم بلا شك، وهو إذا كان الأصل الذي يستند إليه الحكم الفرع مقطوعًا به، وكانت نسبة الفرع إلى الأصل نسبة العلم؛ كالقياس الذي يسمى في معنى الأصل، والمنصوص على علته، مع

стр. 356

مصادفتهما في الفروع من غير فارق قطعًا، فهذا النوع من القياس لا يتصور الخلاف في أنه مقدم، فيجب إخراج هذه الصورة عن ترجمة المسألة" (١). (٢) • المثال الرابع: قال ابن رشيق: "اختلفوا في أن ما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب؟ وهذه الترجمة خطأ؛ فإن ما لا يتم الواجب إلا به لا بد أن يوصف بالوجوب. وإنما موضع الخلاف: أن ما توقف بحكم العادة فعل الواجب على فعله وليس داخلاً في اسم الواجب هل يوصف بالوجوب أم لا؟ كغسل جزء من الرأس في استيفاء غسل الوجه، وإمساك جزء من الليل في استيفاء صوم النهار" (٣). • المثال الخامس: قال الرازي في المحصول (٤): "المسألة الثانية: في أن الأمر بالشيء نهي عن ضده". فاستدرك عليه القرافي بقوله: "قلنا: أحسن من هذه العبارة: الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، فإذا قال له: اجلس في البيت؛ فقد نهاه عن الجلوس في السوق، والحمام، والطريق، والبحر، وغير ذلك من المواضع التي يضاد الجلوس فيها الجلوس في البيت ... " (٥).

стр. 357

• المثال السادس: قال الرازي في المحصول (١): "المسألة الثامنة: قال ابنُ سُرَيْج (٢): لا يجوز التمسك بالعام مالم يُستفصَ في طلب المخصص، فإذا لم يوجد ذلك المخصص؛ فحينئذ يجوز التمسك به في إثبات الحكم". فاستدرك عليه القرافي بقوله: "قلت: انظر هذه المباحث والتلخيصات لما في المحصول، وصدَّر المسألة في المحصول بالتمسك بالعام، والمسألة إنما هي في الاعتقاد قبل ورود وقت العمل، وأين أحدهما من الآخر؟ والجماعة يحكمون الإجماع في أنه لا يجوز العمل بأول خاطر ولا دليل حتى يفحص عن مخصصاته ومعارضاته، واشترط القاضي القطع (٣)، وبعضهم نحو ما سمعته مسطورًا هاهنا، فهذا يُظهر لك الحق في مسألتنا" (٤). • المثال السابع: قال الإسنوي في مسألة (إذا نسخ الوجوب بقي الجواز): "وهذه المسألة قد أشار إليها الآمدي (٥) وابن الحاجب (٦) بقولهما: (المباح ليس بجنس الواجب)؛

стр. 358

ولكن هذه الترجمة غير محل النزاع" (١). • بيان الاستدراك: استدرك الإسنوي على الآمدي وابن الحاجب ترجمة مسألة (إذا نسخ الوجوب بقي الجواز) بالمباح ليس بجنس الواجب، فهذه الترجمة التي ذكرها ليست في محل النزاع. • المثال الثامن: في مسألة (دلالة صيغة الأمر بعد الحظر) قال الزركشي في تنبيهاته: "قال المازري: ترجمة المسألة بـ (الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة) غير سديد؛ لأنه كالمتناقض؛ إذ المباح غير مأمور به، وهذه العبارة تقتضي كونه مأمورًا به، والصواب أن يقال: (افعل) إذا ورد بعد الحظر. (٢) وقال عبدالجليل الربعي (٣) في شرح اللمع (٤): هذه العبارة رغب عنها القاضي (٥) وقال: الأولى فيها أن يقال: (افعل) بعد الحظر؛ لأن (افعل) أمر تارة وغير أمر، والمباح لا يكون مأمورًا به؛ وإنما هو مأذون فيه" (٦).

стр. 359

• المثال التاسع: قال القرافي: "الأخذ بالأخف ... " (١). فاستدرك عليه حلولو: "ترجم المصنف المسألة بـ (الأخذ بالأخف (٢)) وفسرها بـ (أقل ما قيل (٣)) وهما مسألتان (٤) " (٥).

стр. 360

• المطلب الثاني: الاستدراك الأصولي على الحدود، وتطبيقاته الحدود: جمع حد، وهو في اللغة: المانع والحاجز بين شيئين، ويقال للسَّجان والبواب: حَداد؛ لأنهما يمنعان من الخروج. (١) وفي الاصطلاح: شرح ما دل عليه اللفظ بطريق الإجمال. (٢) فهو اللفظ المانع الجامع، فيمنع ما ليس من المحدود أن يدخل فيه، وما هو منه أن يخرج عنه. (٣) ويطلق على الحد: القول الشارح، والمعرِّف. (٤) ويشترط لصحة الحد ثمانية شروط - متى اختل شرط كان الحد مجالاً للاستدراك -؛ وهذه الشروط هي: ١ - أن يكون التعريف مانعًا من دخول غير المعرَّف في التعريف. ٢ - أن يكون التعريف جامعًا لكل أفراد المعرَّف. ٣ - أن يكون التعريف ظاهرًا (أي أوضح من المعرَّف). ٤ - أن يكون التعريف خاليًا من الألفاظ المجازية. ٥ - أن يكون التعريف خاليًا من المشترك اللفظي. ٦ - أن يكون التعريف خاليًا من ذكر الأحكام.

стр. 361

٧ - أن يكون التعريف خاليًا من (أو) التي للشك. ٨ - ألا تتوقف معرفة التعريف على معرفة المعرَّف، وهو ما يسمى بالدَّور. (١) وهذه بعض الاستدراكات على الحدود التي اختل فيها أحد الشروط السابقة. • المثال الأول: من استدراكات القاضي أبي يعلى على الحدود: ذكر القاضي أبو يعلى قول أبي بكر الصَّيْرَفِي في حده للبيان: " (إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي). وهو اختيار أبي بكر (٢) من أصحابنا فيما وجدته بخطه في مجموع فيه مسائل. وفي هذه العبارة خلل؛ لأن هذا الوصف إنما يوجد في بعض أقسام البيان، وهو بيان المجمل الذي لا يستقل بنفسه. فأما الخطاب المبتدأ من الله ومن رسوله ﷺ ومن سائر الناس المخاطبين إذا كان ظاهر المعنى بَيِّن المراد؛ فهو بيان صحيح وإن لم يشتمل عليه هذا الوصف ... " (٣). فاستدراكه على حد الصيرفي كان لفوات الشرط الثاني؛ وهو: أن يكون التعريف جامعًا لكل أفراد المعرَّف. ثم قال القاضي: "وقال قوم من المتكلمين: البيان هو: الدلالة؛ لأن البيان يقع بها ... وهذا أيضًا فيه خلل؛ لأن من الدلائل ما لا يقع به البيان؛ كالمجمل ونحوه" (٤).

стр. 362

واستدراكه على هذا الحد كان لفوات الشرط الأول؛ وهو: أن يكون التعريف مانعًا من دخول غير المعرَّف في التعريف. وقال في فصل الأمر: "حُكي عن أبي بكر بن فُوْرَكٍ (١) أنه قال: الأمر ما يكون المأمور بامتثاله مطيعًا. والأول (٢) أصح؛ لأن عبارة الحد يجب أن تكون أظهر من عبارة المحدود؛ لتفيد بيانه وتفسيره، فأما إذا كانتا في الإجمال سواء؛ لم تصح عبارة الحد" (٣). فاستدراكه على حد ابن فُوْرَكٍ كان لفوات الشرط الثالث؛ وهو: أن يكون التعريف ظاهرًا (أي أوضح من المعرَّف). • المثال الثاني: من استدراكات الباجي على الحدود: قال الباجي في حد الخبر: "وقال القاضي أبو بكر وغيره من شيوخنا وسائر المتكلمين من أهل الأصول: حده: ما يدخله الصدق أو الكذب (٤)، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه أنكر دخول (أو) في الحدود؛ لأنها عنده من حروف الشك" (٥). فاستدراك الباجي على القاضي في حده للخبر كان لفوات الشرط السابع: أن يكون التعريف خاليًا من (أو) التي للشك.

стр. 363

• المثال الثالث: من استدراكات الجويني على الحدود: قال الجويني في حد البيان: "اختلفت عبارات الخائضين في هذا الفن في معنى البيان؛ فذهب بعض من يُنتسب إلى الأصوليين إلى أن البيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التَّجَلِّي والوضوح. (١) وهذه العبارة وإن كانت مُحوَّمة على المقصود فليست مُرضية؛ فإنها مشتملة على ألفاظ مستعارة؛ كالحيز والتجلي، وذوو البصائر لا يودعون مقاصد الحدود إلا في عبارات هي قوالب لها تُبَلِّغُ الغرض من غير قُصورٍ ولا ازدياد، يفهمها المبتدئون، ويُحسنها المنتهون" (٢). فاستدراكه على هذا الحد كان لفوات الشرط الرابع: أن يكون التعريف خاليًا من الألفاظ المجازية والجويني في مبحث (حقيقة القياس) استعرض عددًا من الحدود المذكورة في القياس فقال: "فإن من الناس من قال: هو حمل شيء على شيء. ومنهم من قال: هو حمل الشيء على شبيهه. ومنهم من قال: هو حمل الفرع على أصله" (٣). ثم استدرك عليها إجمالاً بقوله: "وكل هذه العبارات مدخولة في شرط الحدود؛ فإن من شرطها: أن تكون جامعة لأقسام لا يشذُّ عنها شيء منها" (٤). فاستدراكه على هذه الحدود كان لفوات الشرط الثاني، وهو: أن يكون التعريف جامعًا لكل أفراد المعرَّف.

стр. 364

واستدرك أيضًا على من حد القياس بـ (الاستدلال بالشاهد على الغائب) (١). فقال: "وهذه العبارة غير مرضية أيضًا؛ فإن الشاهد والغائب وإن كانا من عبارات المتكلمين في بعض المنازل؛ فلسنا نستحبهما في منازل الحدود؛ لانطوائها على المجاز والتوسع والإجمال، مع أن المقصود من التحديد الكشف والبيان، فلا ينبغي أن يكون الحد أغمض من المحدود" (٢). فاستدراكه على الحد المذكور كان لفوات الشرط الثالث؛ وهو: أن يكون التعريف ظاهرًا -أي أوضح من المعرَّف-، وفوات الشرط الرابع؛ وهو: أن يكون التعريف خاليًا من الألفاظ المجازية. • المثال الرابع: من استدراكات الآمدي على الحدود: قال الآمدي في حد خبر الواحد: "قال بعض أصحابنا: خبر الواحد: ما أفاد الظن، وهو غير مطرد ولا منعكس. أما أنه غير مطرد؛ فلأن القياس مفيد للظن وليس هو خبر الواحد، وقد وجد الحد ولا محدود. وأما أنه غير منعكس؛ فهو أن الواحد إذا أخبر بخبر، ولم يفد الظن؛ فإنه خبر الواحد، وإن لم يفد الظن فقد وجد المحدود ولا حد، كيف وأن التعريف بما أفاد الظن، تعريف بلفظ متردد بين العلم؛ كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] أي: يعلمون، وبين أن نرجح أحد الاحتمالين على الآخر في النفس من غير قطع، والحدود مما يجب صيانتها عن الألفاظ المشتركة؛ لإخلالها بالتفاهم، وافتقارها إلى القرينة" (٣).

стр. 365

فاستدراك الآمدي على الحد المذكور كان لفوات ثلاثة شروط؛ وهي: الشرط الأول: أن يكون التعريف مانعًا من دخول غير المعرَّف في التعريف. الشرط الثاني: أن يكون التعريف جامعًا لكل أفراد المعرَّف. الشرط الخامس: أن يكون التعريف خاليًا من المشترك اللفظي. وذكر في حد الأمر عدة تعريفات واستدرك عليها؛ ومن هذه التعريفات قوله: "ومنهم من قال: الأمر: هو طلب الفعل على وجه يعد فاعله مطيعًا. وهو أيضًا باطل؛ لما فيه من تعريف الأمر بالطاعة المتعلقة بالفعل، والطاعة المتعقلة بالفعل لا تُعْرَف إلا بموافقة الأمر، وهو دور ممتنع ... " (١). فاستدراكه على حد الأمر المذكور كان لفوات الشرط الثامن؛ وهو: ألا تتوقف معرفة التعريف على معرفة المعرَّف، وهو ما يسمى بالدَّور. وقال بعد تعريف القياس في اللغة: "وأما في اصطلاح الأصوليين فهو منقسم إلى قياس العكس (٢)، وقياس الطرد (٣) ". ثم بعد أن ذكر تعريف قياس العكس قال: "وأما قياس الطرد فقد قيل فيه عبارات غير مرضية لابد من الإشارة إليها وإلى إبطالها" (٤). وذكر عددًا من الحدود واستدرك عليها فقال: "فمنها: قول بعضهم: إنه عبارة عن إصابة الحق. وهو منتقض بإصابة الحق بالنص والإجماع؛ فإنه على ما قيل وليس بقياس،

стр. 366

كيف وإن إصابة الحق فرع للقياس وحكم له؟ وحكم القياس لا يكون هو القياس" (١). فاستدراكه على الحد المذكور لفوات شرطين: الشرط الأول: أن يكون التعريف مانعًا من دخول غير المعرَّف في التعريف. والشرط السادس: أن يكون التعريف خاليًا من ذكر الأحكام.

стр. 367

• المطلب الثالث: الاستدراك الأصولي على الدليل، وتطبيقاته سبق حد الدليل (١)، والمراد بالاستدراك على الدليل: تعقيب الدليل بما يخالفه في نفسه. واستدراك الأصولي على الدليل من وجهين: الأول: الاستدراك على الدليل الإجمالي. الثاني: الاستدراك على الدليل التفصيلي. • والدليل الإجمالي: هو الدليل الكلي الذي لا يدل على مسألة معينة. (٢) فالمراد بالاستدراك على الدليل الإجمالي: التعقيب على الأدلة الكلية بمخالف لها في نفسها. ويمكن التمثيل لهذا النوع من الاستدراكات باستدراكات الجمهور على المالكية في اعتمادهم عمل أهل المدينة دليلاً يُستنبط منه الأحكام الشرعية. وكالاستدراكات بين الخصوم في اعتبار قول الصحابي والاستحسان والاستصلاح وسد الذريعة وغير ذلك دليلا كليًا إجماليًا لاستنباط الحكم الشرعي. وأقرره بالمثال التالي: قال ابن الحاجب: "إجماع المدينة من الصحابة والتابعين حجة عند مالك _رحمه الله تعالى_.

стр. 368

وقيل: محمول على أن روايتهم متقدمة. وقيل: على المنقولات المُستمِرَّة كالأذان والإقامة. والصحيح التعميم" (١). فاستدرك عليه الأصفهاني في عد إجماع أهل المدينة دليلاً كليًا بقوله: "والحق: أن العبرة بقول الجميع، ولا مدخل للمكان في كون إجماع أهله حجة" (٢). • وأما الدليل التفصيلي فهو: الدليل الجزئي الذي يدل على مسألة معينة. (٣) فالمراد بالاستدراك على الدليل التفصيلي: التعقيب على الأدلة الجزئية بمخالف لها في نفسها. فالمستدرِك والمستدرَك عليه متفقان على جنس الدليل الكلي، والاستدراك إنما هو في الدليل الجزئي المستدل به لتقرير الدليل الكلي. وأقرره بالتالي: ذكر الرازي في مسألة (إثبات أن القياس حجة) من أدلة الجمهور القائلين: إن القياس حجة في الشرع: "المسلك الثاني: التمسك بخبر معاذ (٤)، وهو مشهور، روي أنه ﷺ أنفذ معاذًا وأبا موسى الأشعري (٥) ﵄ إلى اليمن، فقال

стр. 369

- ﵊ لهما: «بِمَ تقضيان؟ ، فقالا: إذا لم نجد الحكم في السنة نقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به. فقال ﵊: أصبتما» (١). (٢) فهذا الدليل من السنة والمخالف أورد عليه أسئلة ليس لأنه لا يحتج بالدليل

стр. 370

الكلي -وهو السنة-؛ وإنما أسئلته كانت على هذا الدليل الجزئي من السنة. (١) وكما استدرك الأصفهاني أيضًا على هذا الدليل فقال: "اعلم أن هذا المسلك حسن مفيد لغلبة الظن، وأسئلته واضحة، وتمامه موقوف على بيان صحة الحديث وقد منع، فإن ثبت صحته أفاد المقصود؛ وإلا فلا" (٢).

стр. 371

• المطلب الرابع: الاستدراك الأصولي على الاستدلال، وتطبيقاته مر معنا حد الاستدلال (١)، والمراد بالاستدراك على الاستدلال: تعقيب الاستدلال بما يخالفه في نفسه. واستدراك الأصولي على الاستدلال من وجهين: أحدهما: الاستدراك على الاستدلال بالدليل الإجمالي. ثانيهما: الاستدراك على الاستدلال بالدليل التفصيلي. • المراد بالاستدراك على الاستدلال بالدليل الإجمالي: التعقيب برد الاستدلال بالدليل الكلي. فعدم اعتبار الدليل الإجمالي يدل على عدم الاستدلال به، فلو استدرك المستدرِك على المستدرَك عليه في دليله التفصيلي باستدلاله بدليل إجمالي لا يعتمده المستدرَك عليه؛ فاستدراكه مردود عليه؛ لأن من شروط الاستدراك على الخصم: أن يكون الدليل مسلمًا عنده. وأقرره بالأمثلة التالية: • المثال الأول: ما ذكره ابن حزم في فصل (أقسام الأخبار عن الله تعالى) في القسم الثاني من الأخبار ما نقله الواحد عن الواحد؛ حيث ذهب إلى أن هذا القسم إذا اتصل برواية العدول إلى رسول الله ﷺ وجب العمل به، ووجب العلم بصحته أيضًا. فذكر أدلته في ذلك وأسئلة الخصم؛ ومنها: "وقال بعضهم: أنتم لا تقبلون الواحد في فلس؛

стр. 372

فكيف تقبلونه في إثبات الشرائع؟ قال أبو محمد: هذا السؤال لا يلزمنا؛ لأننا لا نقيس شريعة على شريعة، ولا نتعدى ما جاءت به النصوص وثبت في القرآن والسنن، فصح البرهان كما ذكرنا بقبول خبر الواحد في العبادات والشرائع .... " (١). • المثال الثاني: ذكر الباجي في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة) دليل الخصم القائلين بحمل الصيغة على الندب بقوله: "أما هم فاحتج من نصر قولهم بأن الندب أقل ما يجب صرف الأمر إليه ليكون أمرًا وقد علم أن الواجب هو ما لحق الوعيد والذم بتركه من حيث هو ترك له على وجه ما، وذلك لا يجب بنفس الأمر؛ وإنما يجب بمعنى يزيد على الأمر، فثبت أن الأمر بمجرده موضوع للندب دون الإيجاب". فاستدرك عليهم بقوله: "والجواب: أن اللغة إنما تثبت بالنقل؛ لا بالنظر والاستدلال، وهذا استدلال وقياس فلا يثبت به اللغة". (٢) • بيان الاستدراك: استدرك الباجي على القائلين بحمل صيغة الأمر على الندب بأن استدلالهم مبني على قاعدة إثبات اللغة بالاستدلال والقياس، وهذا الاستدلال لا يلزم المالكية؛ لأنهم لا يجوزون إثبات اللغة بالقياس (٣).

стр. 373

• والمراد بالاستدراك على الاستدلال بالدليل التفصيلي: التعقيب برد الاستدلال بالدليل الجزئي. فجنس الدليل هنا مُسلم به عند المستدرِك والمستدرَك عليه؛ ولكن الخلل في الاستدلال به في الدليل التفصيلي على مسألة أصولية معينة، ويمكن توضيحه بالأمثلة التالية: • المثال الأول: ذكر الآمدي من أدلة القائلين بوقوع التعبد بالقياس شرعًا: "وأيضًا قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠]، ووجه الاحتجاج به: أنهم أوردوا ذلك في معرض صدهم عما كان يعبد آباؤهم لما بينهم من المشابهة في البشرية، ولم ينكر عليهم ذلك، وهو عين القياس؛ فكان حجة. فاستدرك على استدلالهم بالآية: "وهو ضعيف أيضًا لوجهين: الأول: لا نسلم عدم النكير عليهم؛ فإن الآية إنما خرجت مخرج الإنكار لقولهم ذلك؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]. الثاني: أنه وإن كان قياسًا وتشبيهاً في الأمور الحقيقية؛ فلا يلزم مثله في الأحكام الشرعية إلا بطريق القياس أيضًا، وهو محل النزاع" (١). • المثال الثاني: ذكر الصفي الهندي في مسألة (تخصيص الكتاب بخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بعدم جواز التخصيص به: "القياس على النسخ فإنه لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد وفاقًا، والجامع بينهما: رفع المفسدة الناشئة من إلغاء الخاص.

стр. 374

وجوابه: أنَّا نمنع الحكم أولاً؛ وهذا لأن بعض أهل العلم القائلين بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد يجوز نسخه به أيضًا" (١). • بيان الاستدراك: فالصفي الهندي عند استدراكه على استدلال الخصم لم يستدرك على استدلالهم بالدليل الكلي وهو القياس؛ وإنما استدرك على استدلالهم بالقياس في تقرير الدليل التفصيلي -تخصيص الكتاب بخبر الواحد-، فأجاب على استدلالهم بالقياس بأن حكم الأصل -لا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد- ليس متفقًا عليه؛ بل من القائلين بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد يجوز نسخ الكتاب به.

стр. 375

• المطلب الخامس: الاستدراك الأصولي على نسبة الأقوال، وتطبيقاته وصورته: أن ينسب المستدرَك عليه قولاً أو مذهبًا لشخص أو طائفة، فيستدرك عليه المستدرِك في هذه النسبة. ولا يتصور أن عالماً يَنسب إلى شخص أو طائفة قولاً أو مذهبًا ليس لهم من قبيل العمد؛ بل من قبيل الخطأ. وأسباب الخطأ في نسبة الأقوال هي نفسها أسباب الوقوع في الخطأ (١). وقد مرت أمثلة لاستدرك نسبة الأقوال في استدراك تصحيح نسبة الأقوال (٢)، وفي استدراك تحرير النقول (٣)، فأغنى عن ذكرها هنا.

стр. 376

• المطلب السادس: الاستدراك الأصولي على التقسيمات والشروط، وتطبيقاته • أولاً: استدراك الأصولي على التقسيم: قال البيضاوي: "في المجمل، وفيه مسائل: الأولى: اللفظ إما أن يكون مجملاً بين حقائقه؛ كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أو أفراد حقيقة واحدة؛ مثل: ﴿أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، أو مجازاته إذا انتفت الحقيقة وتكافأت (١) ... " (٢). قال الإسنوي: "والإجمال لا يتصور إلا في معان متعددة، وحينئذ الإجمال على أقسام". ثم أورد استدراكًا على البيضاوي فقال: "نعم المجمل قد يكون فعلاً أيضًا؛ كما إذا قام النبي ﷺ من الركعة الثانية؛ فإنه يحتمل أن يكون عن تعمد؛ فيدل على جواز ترك التشهد الأول، ويحتمل أن يكون عن سهو؛ فلا يدل عليه. وهذا القسم ذكره ابن الحاجب (٣) وغيره، وهو يرد على المصنف؛ فإنه جعل مورد التقسيم هو اللفظ، فقال: (اللفظ إما أن يكون) إلخ" (٤). • ثانياً: استدراك الأصولي على الشروط: بعد أن ذكر العلاء البخاري شروط القياس التي أوردها البزدوي قال: "واعلم أن صاحب الميزان (٥) اعترض على الشروط الأربعة المذكورة في الكتاب بوجوه:

стр. 377

أحدها: أن اشتراط الشرط الأول والثاني (١) إنما يستقيم على قول من يرى تخصيص العلة (٢)؛ مثل القاضي الإمام أبي زيد (٣) ومن وافقه (٤)، فأما من أنكر تخصيص العلة؛ مثل: الشيخين (٥) وعامة المتأخرين (٦)؛ فلا يستقيم؛ لأن النص إذا ورد بخلاف القياس تبيَّن به أن ذلك القياس غير مستقيم؛ ليتبين بطلان ذلك القياس بورود النص على خلافه. بيانه: أن الأكل لما جعل علة لفساد الصوم، ثم ورد نص ببقاء الصوم مع الأكل ناسيًا؛ كان ذلك دليلاً على فساد العلة، فكيف يستقيم قولهم: إنه ورد على خلاف القياس مع تبين فساد القياس وبطلانه بوروده؟ ! وثانيها: أنه ذكر التعدي وذلك لا يتحقق في الأوصاف، ولو ثبت يلزم منه خلو محل النص عن الحكم؛ إذ الشيء لا يثبت في محلين في زمان واحد.

стр. 378

وثالثها: أن اشتراط تعدي حكم النص بعينه يمنع من ثبوت القياس، فكيف يصلح شرطًا؛ لأن حكم النص في قوله ﵇: «الْحنْطَةَ بالْحِنْطَةِ مثْلًا بمِثْلٍ» (١) حرمة الفضل على الكيل في الحنطة، ولا يتصور ثبوته في الفرع؛ لأن حرمة الفضل على الكيل في الجص والأرز مثلاً غير حرمة الفضل في الحنطة (٢) " (٣).

стр. 379

• المطلب السابع: الاستدراك الأصولي على التمثيل، وتطبيقاته • المثال الأول: قال الجويني في مسألة (تعقب الاستثناء جملاً معطوفة بعضها على بعض): "وذكر الأصوليون آية القذف مثالاً مفروضًا لإيضاح المذهبين، وترجيح أحدهما على الثاني، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥]. رأى الشافعي صرف (إلا) في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ إلى ما أمكن من الجمل المتقدمة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. وخصص أبو حنيفة معنى هذا الاستثناء بنبذ الفسق والتسمية به، فالقذفة فسقة إلا من تاب، فيسقط عنه بظهور التوبة اسم (الفسق) (١) " (٢). ثم قال بعد أن ذكر اختياره في المسألة: "وأما آية القذف فإنها خارجة عن القسمين جميعًا على ما سنوضحه الآن قائلين: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ حكم في جملة، وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ في حكم التعليل لحكم الجملة المتقدمة؛ فإن الشهادة في أمثال هذه المحال بالفسق ترد، فإذا تاب رفعت التوبة علة الرد، وانعطف أثرها على الرد لا محالة، فكأنه تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ لأنهم فاسقون إلا الذين تابوا ... " (٣).

стр. 380

• بيان الاستدراك: استدرك الإمام الجويني على من سبقه من الأصوليين جعل آية القذف مثالاً لمسألة (تعقب الاستثناء جملاً معطوفة بعضها على بعض)، فالآية خارجة عن محل النزاع. وتوضيح ذلك: أن الإمام الجويني فرق بين المفردات والجمل، فإذا ورد الاستثناء بعد المفردات فإنه يعود على الجميع، وأما الجمل ففرق بين كون معاني الجملة متفقة أو مختلفة، فإذا كانت المعاني في الجملة متفقة عاد الاستثناء على الجميع، وأما إذا كانت المعاني في الجملة مختلفة اختص الاستثناء بالجملة الأخيرة. وبهذا التقسيم يتضح أن آية القذف خارجة عن القسمين (١) جميعًا؛ وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ليس حكمًا في الجملة، بل هو تعليل لحكم الجملة: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾. • المثال الثاني: قال الصفي الهندي في مسألة (تخصيص العموم بمذهب الراوي الصحابي): "مثاله: ما روي عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﵇ أنه قال: «مَنْ بدَّلَ دِينهُ فَاقتُلُوهُ» (٢)، فهذا عام في الرجال والنساء؛ لكن مذهبه أن المرتدة لا تقتل (٣)،

стр. 381

فهل يخصص عمومه بمذهبه أو لا؟ . فعندنا: لا؛ ولهذا تقتل المرتدة (١). وعندهم: نعم؛ ولهذا لا يقتلونها (٢). وقد أورد الإمام (٣) ﵀ لهذا مثالاً: خبر أبي هريرة؛ فإنه روى عنه ﵇ أنه قال: «إذا ولَغَ الْكلْبُ في إناءِ أحَدِكُمْ فلْيَغْسِلْهُ سبْعَ مرَّاتٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (٤). ثم إن مذهبه الاكتفاء بالثلاث (٥)، فهل يجوز تخصيصه به؛ حتى يجوز الاقتصار

стр. 382

على الثلاث؟ فعلى الخلاف السابق. وفي هذا المثال نظر؛ لأن أسماء الأعداد نصوص في مسمياتها، والنص لا يقبل التخصيص؛ إذ لا يجوز إطلاق العشرة وإرادة الخمسة منها، وإنما يقبل الاستثناء وما يجري مجراه، فلا يكون المثال مطابقًا. نعم قد يحسن إيراد ذلك مثالاً إذا صدرت المسألة هكذا: الراوي الصحابي إذا خالف الحديث، وفعل ما يضاده؛ فالتعويل على الحديث أو على فعله؟ فعلى الخلاف نحو خبر أبي هريرة" (١). (٢) • المثال الثالث: بنى البيضاوي الخلاف في (عدم التأثير) واعتباره قادحًا أو لا، على أن الحكم الواحد بالشخص هل يجوز تعليله بعلتين مستقلتين؟ وذكر مثالاً على ذلك فقال:

стр. 383

"وذلك جائز في المنصوصة؛ كالإِيْلاَءِ (١)، واللِّعَانِ (٢) والقتل، والردة ... " (٣). فاستدرك عليه ابن السبكي في مثاله فقال: "وقوله: (وذلك) هذا دليل على التفصيل الذي اختاره، وتقريره: أنَّه قد وقع تعليل الواحد بالشخص بعلتين منصوصتين، فدل على جوازه، ودليل وقوعه اللعان والإيلاء؛ فإنهما علتان مستقلتان في تحريم وطء المرأة. ولك أن تقول: الإيلاء لا تحرم به الزوجة، فلا يصح التمثيل به. ولا يمكن أن يبدل الإيلاء بالظِّهار (٤)؛ لأن الظهار وإن كان محرمًا إلا أنَّه لا

стр. 384

يمكن اجتماعه مع اللعان؛ إذ اللعان يقطع الزوجية، فلا تجتمع علتان على معلول واحد، فينبغي التمسك بالطلاق الرجعي مع الظهار؛ فإنهما علتان في تحريم الوطء، وقد يجتمعان في المرأة، فتكون رجعية ومظاهرًا منها" (١).

стр. 385

• المطلب الثامن: الاستدراك الأصولي على التخريج، وتطبيقاته التخريج في اللغة: مصدر للفعل (خرَّج) المضعّف، وترجع معاني التخريج إلى أصلين: الأول: النفاذ عن الشيء. والثاني: اختلاف لونين. (١) والأصل الأول هو المراد هنا، ومما ورد في معناه قولهم: فلان خرِّيج فلان: إذا دَرَّبهُ وعَلَّمَهُ، كأنه هو الذي أخرجه من حد الجهل. والاستخراج والاختراج: الاستنباط. (٢) ومصدر الفعل (خرَّج) يفيد التعدية (٣)؛ بألا يكون الخروج ذاتيًا؛ بل من خارج عنه، ومثله: أخرج الشيء واستخرجه فإنهما بمعنى: استنبطه، وطلب إليه أن يخرج. ومعناه في الاصطلاح يختلف باختلاف أنواعه؛ وهي: - تخريج الأصول من الأصول. - تخريج الأصول من الفروع. - تخريج الفروع على الأصول.

стр. 386

- تخريج الفروع على الفروع. والذي يهمنا في بحثنا القسم الأول- تخريج الأصول من الأصول- والقسم الثاني-تخريج الأصول من الفروع-. • أولاً: تخريج الأصول من الأصول: تعريفه: استنباط قاعدة أصولية من قاعدة أصولية أخرى، أو أصل من أصول الدين. (١) وبناء عليه فاستدراك تخريج الأصول من الأصول هو: التعقيب على استنباط الأصل الفقهي مِن أصل فقهي آخر أو عقدي. محترزات التعريف: التعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك. استنباط: بيان نوع التعقيب، وهو مستفاد من معاني التخريج اللغوية. الأصل: قيد يخرج به التعقيب على استنباط الفروع الفقهية. الفقهي: قيد يخرج به التعقيب على استنباط أصول الدين. مِنْ: ابتداء الغاية (٢)، أي ابتداء هذا التخريج كان من أصل فقهي أو عقدي. أصل فقهي آخر أو أصل عقدي: قيد يخرج به التخريج من الفروع الفقهية. أو: للتقسيم؛ وليست للتشكيك. قال الزركشي في مقدمة كتابه سلاسل الذهب (٣): "فهذا الكتاب أذكر فيه -بعون الله- مسائل من أصول الفقه، عزيزة المنال، بديعة المثال، منها ما تفرع

стр. 387

على قواعد منه مبنية، ومنها ما نظر إلى مسائل كلامية ... ". وأقرر الاستدراك على تخريج الأصول من الأصول بالأمثلة التالية: • المثال الأول: جاء في المسودة (١): "مسألة: يجوز أن يرد الأمر معلقًا باختيار المأمور، قال شيخنا (٢): ذكره القاضي (٣) وابن عقيل ولفظه: (يجوز أن يرد الأمر من الله مُعلقًا على اختيار المكلف، أو تركًا مُفوضًا إلى اختياره، بناء على أن المندوب مأمور به مع كونه مخيرًا بين فعله وتركه خلافًا للمعتزلة (٤)) (٥). وهذه تشبه أن يقال للمجتهد: احكم بما شئت. قال شيخنا: وبحث أصحابنا في المسألة يدل على أنهم أرادوا أمر إيجاب، فلا يصح البناء على مسألة (المندوب مأمور به)؛ بل حرف المسألة شيئان: أحدهما: جواز عدم التكليف. والثاني: جواز تكليف ما يشاؤه العبد ويختاره ... ". • بيان الاستدراك: استدرك شيخ الإسلام ابن تيمية على الحنابلة تفريع مسألة (جواز أن يرد الأمر معلقًا باختيار المأمور) على مسألة (المندوب مأمور به)، فذكر أن هذا التخريج لا يصح؛ وذلك لأن الأمر المراد في مسألة (جواز أن يرد الأمر معلقًا باختيار المأمور) أمر إيجاب، فلا يصح بناؤه على مسألة الأمر في الندب.

стр. 388

• المثال الثاني: استدرك البرماوي (١) على الصفي الهندي تخريج مسألة (التعليل بالمحل (٢) أو جزئه (٣) على التعليل بالعلة القاصرة (٤)) فقال: "لكن المتجه أنه من صورة القاصرة، فلا حاجة لجعله مبنيًا عليه؛ فإن ذلك مشعر بالمغايرة، وليس كذلك" (٥). • بيان الاستدراك: ذكر علماء الأصول في شروط العلة: أن تكون متعدية، وذكروا الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة، وخرج الصفي الهندي مسألة (التعليل بمحل الحكم

стр. 389

أو التعليل بجزء المحل الخاص به) على التعليل بالعلة القاصرة، فاستدرك عليه البرماوي بأن لا حاجة لهذا التفريع؛ وذلك لأن التعليل بمحل الحكم أو التعليل بجزء المحل الخاص هو من صور التعليل بالعلة القاصرة، فجعل التعليل بهما فرعًا للتعليل بالعلة القاصرة يشعر بالمغاير، وهما في الحقيقة من صور التعليل بالعلة القاصرة. • المثال الثالث: استدرك الزركشي على من خرج مسألة (شكر المنعم على التحسين والتقبيح) فقال: "إن الأصحاب جعلوا مسألة (شكر المنعم والأفعال) مفرعة على التحسين والتقبيح، وليس بجيد، أما الأول: فلأن الشكر هو اجتناب القبيح وارتكاب الحسن، وهو عين مسألة التحسين والتقبيح؛ فكيف يقال: إنها فرعها؟ ... وأما الثاني: فلأن ما لا يقضي العقل فيها بشيء لا يتجه تفريعه على الأصل السابق؛ فإن الأصل إنما هو حيث يقضي العقل هل يتبع حكمه؟ وإنما الأصحاب قالوا: هب أن ذلك الأصل صحيح فلم قضيتم حيث لا قضاء للعقل؟ ! وليس هذا تفريعًا على هذا الأصل" (١). • المثال الرابع: كما اعترض على ابن رفعة (٢) تخريجه مسألة (حكم الأشياء هل هو على الإباحة

стр. 390

أو الحظر؟ على القول بالتحسين والتقبيح) فقال: "هذا عجيب منه؛ لأن الخلاف أن الأصل في المنافع الإباحة إنما هو فيما بعد الشرع بأدلة سمعية، وتلك المسألة فيما قبل الشرع، وكأن ابن رفعة توهم اتحادهما، وليس كذلك" (١). • ثانيًا: تخريج الأصول من الفروع: تعريفه: العلم الذي يكشف عن أصول وقواعد الأئمة من خلال فروعهم الفقهية وتعليلاتهم للأحكام. (٢) فالمراد إذاً من استدراك تخريج الأصول من الفروع: التعقيب على استنباط الأصل الفقهي من الفروع والعلل الفقهية. محترزات التعريف: (التعقيب على استنباط الأصل الفقهي): سبقت في تعريف استدراك تخريج الأصول من الأصول. (من الفروع والعلل الفقهية): من لابتداء الغاية، أي ابتداء هذا التخريج كان من الفروع والعلل الفقهية، فهذا القيد يحترز به من أمرين: ١ - التخريج من أصل فقهي أو عقدي. ٢ - الأصول المصرح به من قبل الأئمة؛ لأنها تعد من قبيل المنصوص عليه؛ لا من قبيل التخريج. الناظر إلى أصول الأئمة يجد أن كثيرًا منها لم ينص عليها الإمام؛ وإنما هي مخرجة من أقوال الإمام أو فتاويه أو كتبه ونحو ذلك، ويشهد لذلك ما ذكره السرخسي: "وحكي أن بعضهم قال لمحمد بن الحسن ﵀: أسمعت هذا كله من أبي حنيفة؟
следующие страницы →