- تخريج الفروع على الفروع.
والذي يهمنا في بحثنا القسم الأول- تخريج الأصول من الأصول- والقسم الثاني-تخريج الأصول من الفروع-.
• أولاً: تخريج الأصول من الأصول:
تعريفه: استنباط قاعدة أصولية من قاعدة أصولية أخرى، أو أصل من أصول الدين. (١)
وبناء عليه فاستدراك تخريج الأصول من الأصول هو: التعقيب على استنباط الأصل الفقهي مِن أصل فقهي آخر أو عقدي.
محترزات التعريف:
التعقيب: جنس يدخل فيه كل تعقيب، وسبق الكلام عنه في حد الاستدراك.
استنباط: بيان نوع التعقيب، وهو مستفاد من معاني التخريج اللغوية.
الأصل: قيد يخرج به التعقيب على استنباط الفروع الفقهية.
الفقهي: قيد يخرج به التعقيب على استنباط أصول الدين.
مِنْ: ابتداء الغاية (٢)، أي ابتداء هذا التخريج كان من أصل فقهي أو عقدي.
أصل فقهي آخر أو أصل عقدي: قيد يخرج به التخريج من الفروع الفقهية.
أو: للتقسيم؛ وليست للتشكيك.
قال الزركشي في مقدمة كتابه سلاسل الذهب (٣): "فهذا الكتاب أذكر فيه
-بعون الله- مسائل من أصول الفقه، عزيزة المنال، بديعة المثال، منها ما تفرع
стр. 387
على قواعد منه مبنية، ومنها ما نظر إلى مسائل كلامية ... ".
وأقرر الاستدراك على تخريج الأصول من الأصول بالأمثلة التالية:
• المثال الأول:
جاء في المسودة (١): "مسألة: يجوز أن يرد الأمر معلقًا باختيار المأمور، قال شيخنا (٢): ذكره القاضي (٣) وابن عقيل ولفظه: (يجوز أن يرد الأمر من الله مُعلقًا على اختيار المكلف، أو تركًا مُفوضًا إلى اختياره، بناء على أن المندوب مأمور به مع كونه مخيرًا بين فعله وتركه خلافًا للمعتزلة (٤)) (٥). وهذه تشبه أن يقال للمجتهد: احكم بما شئت.
قال شيخنا: وبحث أصحابنا في المسألة يدل على أنهم أرادوا أمر إيجاب، فلا يصح البناء على مسألة (المندوب مأمور به)؛ بل حرف المسألة شيئان:
أحدهما: جواز عدم التكليف. والثاني: جواز تكليف ما يشاؤه العبد ويختاره ... ".
• بيان الاستدراك:
استدرك شيخ الإسلام ابن تيمية على الحنابلة تفريع مسألة (جواز أن يرد الأمر معلقًا باختيار المأمور) على مسألة (المندوب مأمور به)، فذكر أن هذا التخريج لا يصح؛ وذلك لأن الأمر المراد في مسألة (جواز أن يرد الأمر معلقًا باختيار المأمور) أمر إيجاب، فلا يصح بناؤه على مسألة الأمر في الندب.
стр. 388
• المثال الثاني:
استدرك البرماوي (١) على الصفي الهندي تخريج مسألة (التعليل بالمحل (٢) أو جزئه (٣) على التعليل بالعلة القاصرة (٤)) فقال: "لكن المتجه أنه من صورة القاصرة، فلا حاجة لجعله مبنيًا عليه؛ فإن ذلك مشعر بالمغايرة، وليس كذلك" (٥).
• بيان الاستدراك:
ذكر علماء الأصول في شروط العلة: أن تكون متعدية، وذكروا الخلاف في التعليل بالعلة القاصرة، وخرج الصفي الهندي مسألة (التعليل بمحل الحكم
стр. 389
أو التعليل بجزء المحل الخاص به) على التعليل بالعلة القاصرة، فاستدرك عليه البرماوي بأن لا حاجة لهذا التفريع؛ وذلك لأن التعليل بمحل الحكم أو التعليل بجزء المحل الخاص هو من صور التعليل بالعلة القاصرة، فجعل التعليل بهما فرعًا للتعليل بالعلة القاصرة يشعر بالمغاير، وهما في الحقيقة من صور التعليل بالعلة القاصرة.
• المثال الثالث:
استدرك الزركشي على من خرج مسألة (شكر المنعم على التحسين والتقبيح) فقال: "إن الأصحاب جعلوا مسألة (شكر المنعم والأفعال) مفرعة على التحسين والتقبيح، وليس بجيد، أما الأول: فلأن الشكر هو اجتناب القبيح وارتكاب الحسن، وهو عين مسألة التحسين والتقبيح؛ فكيف يقال: إنها فرعها؟ ...
وأما الثاني: فلأن ما لا يقضي العقل فيها بشيء لا يتجه تفريعه على الأصل السابق؛ فإن الأصل إنما هو حيث يقضي العقل هل يتبع حكمه؟ وإنما الأصحاب قالوا: هب أن ذلك الأصل صحيح فلم قضيتم حيث لا قضاء للعقل؟ ! وليس هذا تفريعًا على هذا الأصل" (١).
• المثال الرابع:
كما اعترض على ابن رفعة (٢) تخريجه مسألة (حكم الأشياء هل هو على الإباحة
стр. 390
أو الحظر؟ على القول بالتحسين والتقبيح) فقال: "هذا عجيب منه؛ لأن الخلاف أن الأصل في المنافع الإباحة إنما هو فيما بعد الشرع بأدلة سمعية، وتلك المسألة فيما قبل الشرع، وكأن ابن رفعة توهم اتحادهما، وليس كذلك" (١).
• ثانيًا: تخريج الأصول من الفروع:
تعريفه: العلم الذي يكشف عن أصول وقواعد الأئمة من خلال فروعهم الفقهية وتعليلاتهم للأحكام. (٢)
فالمراد إذاً من استدراك تخريج الأصول من الفروع: التعقيب على استنباط الأصل الفقهي من الفروع والعلل الفقهية.
محترزات التعريف:
(التعقيب على استنباط الأصل الفقهي): سبقت في تعريف استدراك تخريج الأصول من الأصول.
(من الفروع والعلل الفقهية): من لابتداء الغاية، أي ابتداء هذا التخريج كان من الفروع والعلل الفقهية، فهذا القيد يحترز به من أمرين:
١ - التخريج من أصل فقهي أو عقدي.
٢ - الأصول المصرح به من قبل الأئمة؛ لأنها تعد من قبيل المنصوص عليه؛ لا من قبيل التخريج.
الناظر إلى أصول الأئمة يجد أن كثيرًا منها لم ينص عليها الإمام؛ وإنما هي مخرجة من أقوال الإمام أو فتاويه أو كتبه ونحو ذلك، ويشهد لذلك ما ذكره السرخسي: "وحكي أن بعضهم قال لمحمد بن الحسن ﵀: أسمعت هذا كله من أبي حنيفة؟
стр. 391
فقال: لا، فقال: أسمعته من أبي يوسف؟ قال: لا؛ وإنما أخذنا ذلك مذاكرة. فقال: يجوز إطلاق القول بأن مذهب فلان كذا أو قال كذا بهذا الطريق. وهذا جهل؛ لأن تصنيف كل صاحب مذهب معروف في أيدي الناس مشهور؛ كموطأ مالك ﵀ وغير ذلك، فيكون بمنزلة الخبر المشهور يوقف به على مذهب المصنف، وإن لم نسمع منه فلا بأس بذكره على الوجه الذي ذكرنا بعد أن يكون أصلاً معتمدًا يؤمن فيه التصحيف والزيادة والنقصان" (١).
وإذا كان الأمر كذلك فإن احتمال الخطأ وارد في التخريج، وقد سبق ذكر أسباب الخطأ عن الأئمة، وقد يسر الله لي الوقوف على ثلاثة أسباب للخطأ في التخريج أذكرها مقررة بالأمثلة:
السبب الأول: التقصير في الاستقراء:
الأساس في تخريج أصول الأئمة: استقراء أقوالهم ومصنفاتهم وفتاويهم، ومتى كان الاستقراء ناقصًا كان مدعاة إلى الخطأ في التخريج، فقد تظهر أمثلة أخرى تخالف الأمثلة التي بني عليها التخريج، وبالتالي ينقل عن الإمام قول لم يقل به.
ومن أمثلة هذا السبب:
• المثال الأول:
ما نقله الجويني في تخريج مذهب الإمام الشافعي في أن العبرة بخصوص السبب، ونقل ذلك عنه الرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم، فاستدرك عليهم الإسنوي بنص للشافعي من كتاب الأم يقضي أن العبرة بعموم اللفظ. (٢)
стр. 392
• المثال الثاني:
ما نقله عدد من علماء الشافعية في تخريج مذهب الإمام الشافعي بعدم الاحتجاج بالقراءة الشاذة؛ لعدم إيجابه التتابع في صيام كفارة اليمين، فاستدرك عليهم الإسنوي هذا التخريج بنصين للشافعي في مختصر البويطي، ونصوص أخرى في كتب فقهية تدل على أنها حجة. (١)
السبب الثاني: الوهم في فهم كلام الإمام:
الأصول المخرجة تعتمد على فهم المخرِّج للمنقول عن الإمام، ومعرفة وجه الدلالة منه، فهو في ذلك مجتهد، والخطأ على المجتهد وارد، وخطأ المجتهد ينتج عنه خطأ في التخريج.
وأقرر خطأ التخريج بهذا السبب في الأمثلة التالية:
• المثال الأول:
ما خرجه القاضي أبو يعلى أصلاً للإمام أحمد في حظر الأعيان المنتفع بها قبل الشرع أخذًا من إيماء أحمد في رواية صالح (٢) ويوسف بن موسى (٣):
(لا يخمَّس
стр. 393
السَّلَب، ما سمعنا أن النبي خمَّس السَّلَب) (١).
وهذا يدل على أنه لم يبح تخميس السَّلَب؛ لأنه لم يرد عن النبي ﷺ شرع فيه، فبقي على الحظر.
وكذلك نقل الأثرم (٢) وابن بَدينا (٣) في الحُلِّي يوجد لقطة، قال: (إنما جاء الحديث في الدراهم والدنانير). فاستدام أحمد ﵀ التحريم، ومنع الملك على الأصل؛ لأنه لم يرد شرع في غير الدراهم" (٤).
فتعقبه شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا التخريج، فقال عن تخريجه للأصل بناء على رواية صالح ويوسف بن موسى: "السلب قد استحقه القاتل بالشرع، فلا يخرج بعضه عن ملكه إلا بدليل، وهذا ليس من موارد النزاع" (٥).
وأما التخريج على رواية الأثرم فتعقبه بقوله: "لأن اللقطة لها مالك، فنقلها إلى
стр. 394
الملتقط يحتاج إلى دليل، وليس هذا من جنس الأعيان في شيء" (١).
• بيان الاستدراك:
استدرك شيخ الإسلام ابن تيمية تخريج القاضي أبي يعلى أصلاً للإمام أحمد مفاده: الحظر في الأعيان المنتفع بها قبل الشرع، وذلك من إيماء رواية صالح ويوسف ابن موسى والأثرم، وملخص استدراك شيخ الإسلام: أن ما ذكر في الرواية ليس في محل النزاع.
• المثال الثاني:
ما نقله ابن اللحام (٢)
في مسألة (ألفاظ الجموع المنكرة) عن استدلال القاضي أبي يعلى: "ووقع للقاضي في هذه المسألة وهم؛ وهو أنه لما ذكر المسألة قال: وقد أشار أحمد (٣) إلى أنها للعموم في رواية صالح. وقد سأله عن لبس الحرير للصغار، فقال: إنما هو للإناث، يروى عن النبي ﷺ في الحرير والذهب «هَذانِ حَرامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهَا» (٤). قال القاضي: فقد حمل قوله ﷺ : «ذكور أمتي» على العموم في
стр. 395
الصغار والكبار (١) وإن كان ليس فيه ألف ولام. انتهى.
وهذا إن لم يكن معرفًا بالألف واللام فهو معرف بالإضافة، ومسألة الخلاف في المنكر" (٢).
السبب الثالث: وجود أدلة أخرى يبنى عليها الفرع الفقهي ، وله أمثلة:
• المثال الأول:
قال ابن برهان في مسألة: (الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم لا؟ ): "اختلف القائلون بأن الأمر يقتضي فعل مرة في أن الأمر هل يقتضي الفور أم لا؟ فذهب أصحاب الشافعي ﵁ إلى أن الأمر يقتضي الفور (٣).
ومذهب أصحاب أبي حنيفة (٤) ﵏ وأحمد (٥) أنه على التراخي.
стр. 396
ولم ينقل عن الشافعي ولا عن أبي حنيفة ﵄ نص في ذلك؛ ولكن فروعهم تدل على ذلك، وهذا خطأ في نقل المذاهب؛ فإن الفروع تبنى على الأصول ولا تبنى الأصول على الفروع، فلعل صاحب المقالة لم يَبْنِ فروع مسائله على هذا الأصل؛ ولكن بناها على أدلة خاصة، وهو أصل يعتمد عليه في كثير من المسائل" (١).
• المثال الثاني:
وخرج القاضي أبو يعلى أصلاً للإمام أحمد في إباحة الأعيان المنتفع بها قبل الشرع أخذًا من إيماء أحمد في رواية أبي طالب (٢) وقد سأله عن قطع النخل، فقال: لا بأس به، لم نسمع في قطع النخل شيئًا. قيل له: فالنَّبْق (٣)؟ قال: ليس فيه حديث صحيح، وما يعجبني قطعه. قلت له: إذا لم يكن فيه حديث صحيح؛ فلِمَ لا يعجبك؟ قال: لأنه على كل حال قد جاء فيه كراهة، والنخل لم يجئ فيه شيء. فقد استدام أحمد ﵀ الإباحة في قطع النخل؛ لأنه لم يرد شرع بحظره" (٤).
فتعقب ابن تيمية هذا التخريج من هذه الرواية فقال: "لا شك أنه (٥) أفتى بعدم البأس؛ لكن يجوز أن يكون للعمومات الشرعية، ويجوز أن يكون سكوت الشرع
стр. 397
عفوًا، ويجوز أن يكون استصحابًا لعدم التحريم، ويجوز أن يكون لأن الأصل إباحة عقلية، مع أن هذا (١) من الأفعال؛ لا من الأعيان" (٢).
قوله: (مع أن هذا من الأفعال لا من الأعيان) أي ما جاء في رواية أبي طالب عن الإمام أحمد من إباحة القطع هو من الإباحة المتعلقة بالأفعال؛ وليست من الإباحة المتعلقة بالأعيان. هذه العبارة تدخل في السبب الثاني: الوهم في فهم كلام الإمام.
• المطلب الأول
الاستدراك النقلي
الاستدراك النقلي: هو التعقيب المستمد من أدلة نقلية - الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو قول الصحابي، أو قول أهل اللغة، أو قول عالم في الأصول -.
• أمثلة الاستدراك النقلي من الكتاب:
• المثال الأول:
قال الرازي: "المسألة الثالثة: الأمر الوارد عقيب الحظر والاستئذان (١) للوجوب خلافًا لبعض أصحابنا ...
واحتجَّ المخالف بالآية، والعرف:
أما الآية: فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ...
والجواب عن الأول: أنَّه يُشكِلُ بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فهذا يدل على الوجوب؛ إذ الجهاد فرض على الكفاية (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وحلق الرأس
стр. 400
نُسُكٌ وليس بمباحٍ محضٍ (١) " (٢).
• المثال الثاني:
ذكر ابن قدامة في مسألة (تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة) قول القائلين بعدم جواز التأخير، وذكر من أدلتهم: أن الخطاب يراد لفائدته، وما لا فائدة فيه وجوده كعدمه. (٣)
فاستدرك عليهم بقوله: "أما قولهم: (لا فائدة في الخطاب بمجمل) فغير صحيح؛ فإن قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يعرف وجوب الإيتاء، ووقته، وأنه حق المال، ويمكن العزم على الامتثال، والاستعداد له، ولو عزم على تركه عصى.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يعرف إمكان سقوط المهر بين الزوج والولي" (٤).
• أمثلة الاستدراك النقلي من السنة:
قال الآمدي في مسألة (النسخ قبل التمكن): "اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج وقته، واختلفوا في جواز ذلك قبل دخول الوقت؛ وذلك كما لو قال الشارع في رمضان: (حجوا في هذه السنة)، ثم قال قبل يوم عرفة: (لا تحجوا).
فذهبت الأشاعرة وأكثر أصحاب الشافعي وأكثر الفقهاء إلى جوازه، ومنع من ذلك جماهير المعتزلة (٥)، وأبو بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي، وبعض أصحاب
стр. 401
الإمام أحمد بن حنبل (١).
والمختار: جوازه. وقد احتج الأصحاب بحجج ضعيفة ... ومنهم من احتج بقصة إبراهيم ﵇، وأمر الله له بذبح ولده، ونسخه عنه بذبح الفداء، ... وهذا أيضًا مما يضعف الاحتجاج به جدًّا؛ غير أنه قد وجه الخصوم على هذه الحجة اعتراضات واهية لا بد من ذكرها والإشارة إلى الانفصال عنها تكثيرًا للفائدة، ثم نذكر بعد ذلك وجه الضعف في الآية المذكورة (٢).
أما الأسئلة فأولها: أنهم قالوا: إن ذلك إنما كان منامًا لا أصل له؛ فلا يثبت به الأمر؛ ولهذا قال: إني أرى في المنام ...
والجواب عن الأول: أن منام الأنبياء فيما يتعلق بالأوامر والنواهي وحي معمول به، وأكثر وحي الأنبياء كان بطريق المنام، وقد روي عن النبي ﷺ أن وحيه كان ستة أشهر بالمنام (٣)؛ ولهذا قال ﵇: «الرُّؤْيا الصَّالحَةُ جُزءٌ من ستَّةٍ وَأَرْبَعينَ جُزءًا من النُّبُوّةِ» (٤)، فكانت نسبة الستة أشهر من ثلاث وعشرين سنة من نبوته كذلك، ويدل على ذلك قوله ﷺ : «ما احْتلَمَ نبِيٌّ قطُّ» (٥)، يعني ما تشكل له الشيطان في المنام على
стр. 402
الوجه الذي يتشكل لأهل الاحتلام.
كيف وإنه لو كان ذلك خيالًا لا وحيًا لما جاز لإبراهيم العزم على الذبح المحرم بمنام لا أصل له، ولما سماه بلاء مبينًا، ولما احتاج إلى الفداء".
• المثال الثاني:
قال ابن السبكي في مسألة (الترجيح في الأخبار بحسب اللفظ): "الثاني: قال قوم: يرجح الأفصح على الفصيح؛ لأن النبي ﷺ كان أفصح العرب؛ فلا ينطق بغير الأفصح.
والحق الذي جزم به في الكتاب (١): أنه لا يرجح به؛ لأن البليغ قد يتكلم بالأفصح، وقد يتكلم بالفصيح؛ لا سيما إذا كان مع ذوي لغة لا يعرفون سوى تلك اللفظة الفصيحة؛ فإنه يقصد إفهامهم.
وقد روى عبدالرزاق (٢) عن معمر (٣) عن الزهري (٤) عن صفوان بن
стр. 403
عبدالله بن صفوان (١) عن أم الدرداء (٢) عن كعب بن عاصم الأشعري (٣) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس من أَمْ برِّ أَمْ صِيَامُ في أم سَفَرِ» (٤) وارد «ليس منَ الْبرِّ الصّيَامُ في السَّفَرِ» (٥)، فأتى بهذه اللغة إذ خاطب بها أهلها، وهي لغة الأشعريين (٦)
стр. 404
يقلبون اللام ميما (١) " (٢).
• أمثلة الاستدراك النقلي من الإجماع:
• المثال الأول:
قال الآمدي في مسألة (الواجب المخير): "اختلفوا في الواجب المخير كما في خصال الكفارة؛ فمذهب الأشاعرة والفقهاء: أن الواجب منها واحد لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف، وأطلق الجبائي (٣) وابنه (٤) القول بوجوب الجميع على التخيير (٥) " (٦).
ثم ذكر استدراكًا من المخالف: "فإن قيل: ما ذكرتموه من الدليل إنما يلزم أن لو كانت آية التكفير - وهي قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية- دالة على تخيير كل واحد واحد من الأمة بين خصال الكفارة بجهة الإيجاب، وما المانع أن يكون ذلك إخبارًا عما يوجد من الكفارة وتقديره: فما يوجد من الكفارة هو إطعام من حانث، أو كسوة من حانث آخر، أو عتق من حانث آخر؟ ! " (٧).
فاستدرك عليهم بالإجماع فقال: "والجواب عن السؤال الأول: أن الإجماع من
стр. 405
الأمة منعقد على أن المراد من الآية الوجوب لا نفس الإخبار" (١).
• المثال الثاني:
قال الشوكاني: "البحث الرابع: في أفعاله ﷺ . اعلم أن أفعاله ﷺ تنقسم إلى سبعة أقسام: ... القسم السابع: الفعل المجرد عما سبق ...
وإن لم تعلم صفته في حقه وظهر فيه قصد القربة؛ فاختلفوا فيه على أقوال:
القول الأول: أنه للوجوب؛ وبه قال جماعة من المعتزلة (٢)، وابن سُرَيْج، وأبو سعيد الإصطخري (٣)، وابن خيران (٤)، وابن أبي هريرة (٥)، واستدلوا على ذلك بالقرآن والإجماع والمعقول، أما القرآن: ... وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] ...
стр. 406
فاستدرك الشوكاني على استدلالهم بالآية بقوله: "والجواب عن الآية الثالثة: أن لفظ الأمر حقيقة في القول بالإجماع، ولا نسلم أنه يطلق على الفعل، على أن الضمير في أمره يجوز أن يكون راجعًا إلى الله سبحانه؛ لأنه أقرب المذكورين" (١).
• أمثلة الاستدراك النقلي من كلام الصحابة:
• المثال الأول:
ذكر الآمدي في مسألة (تخصيص عموم القرآن بالسنة) استدراكًا مقدرًا من الخصم القائلين بعدم جواز تخصيص عموم القرآن بأخبار الأحاد: "قولهم: (إن الصحابة أجمعوا على ذلك) (٢) إن لم يصح فليس بحجة، وإن صح فالتخصيص بإجماعهم عليه لا بخبر الواحد، كيف وأنه لا إجماع على ذلك؟ ! ويدل عليه ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كذب فاطمة بنت قيس (٣) فيما روته عن النبي ﷺ أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة لما كان ذلك مخصصًا لعموم قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال: «كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة؟ ! » (٤) " (٥).
стр. 407
• المثال الثاني:
ذكر ابن قدامة في مسألة (التعبد بالقياس شرعًا) أدلة القائلين بجواز التعبد بالقياس شرعًا؛ ومنها: إجماع الصحابة، ثم أورد استدراكًا من المعارض مادته الدليل النقلي عن الصحابة، فقال: "فإن قيل: فقد نقل عنهم ذم الرأي وأهله:
فقال عمر ﵁: «إياكم وأصحاب الرأي؛ فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي؛ فضلوا وأضلوا» (١).
وقال علي ﵁: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه» (٢).
وقال ابن مسعود ﵁: «قُرْاؤكم وصُلحاؤكم يذهبون، ويتخذُ الناسُ رؤساء جهالاً فيقيسون ما لم يكن بما كان» (٣).
وقولهم: «إن حكمتم بالرأي أحللتم كثيرًا مما حرمه الله، وحرمتم كثيرًا مما أحله» (٤).
وقول ابن عباس: «إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم برأيه، وقال لنبيه: ﴿لِتَحْكُمَ
стр. 408
بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، ولم يقل: بما رأيت» (١).
وقوله: «إياكم والمقاييس، فما عُبدت الشمسُ إلا بالمقاييس» (٢).
وقال ابن عمر: «ذروني من: أَرَأَيتَ وَأَرَأَيتَ» (٣) " (٤).
• أمثلة الاستدراك النقلي من كلام علماء اللغة:
• المثال الأول:
استدرك القرافي على السراج الأرموي في حده العلم الذي موجبه حسي فقال: "تنبيه: وافقه (٥) في المنتخب والحاصل (٦) وكذلك التحصيل (٧)؛ غير أنه قال:
стр. 409
المحسوسات، ولم يقل: هو العلم الحاصل من الحواس الخمس كما قال في الأصل (١)، فيرد عليه مناقشة الجَوَالِيقِي (٢) " (٣).
ويقصد بمناقشة الجَوَالِيقِي ما ذكره سابقًا بقوله: "تنبيه: لم يقل ﵀ هو العلم بالمحسوسات كما قاله جمع كثير في كتبهم من علماء الأدب والأصول، وهو لحن؛ قال علماء اللغة: لا يقال في الحواس إلا (أحسَّ) فعله رباعي، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢]، ومفعوله حينئذ (مُحَسٌّ) على وزن مفعل، وجمعه حينئذ: مُحَسَّات لا محسوسات؛ لأن محسوسات جمع محسوس، ومفعوله إنما يكون من الفعل الثلاثي، وهذا فعله رباعي، كما قال ابن الجَوَالِيقِي: مما تفسده العامة يقولون: بالمحسوسات، وصوابه: المحسات؛ وإنما المحسوسات المقتولات، حسه إذا قتله (٤)، وحسَّ الدابة بالحسة، وحس النار إذا ردها بالعصا على الملَّة (٥)، وحس اللحم إذا وضعه على الجمر (٦) " (٧).
стр. 410
• المثال الثاني:
أورد أمير الحاج نكتة واستدرك عليها فقال: " ... قيل: والنكتة في ذلك: أن الفقه لما كان لغة: إدراك الأشياء الخفية؛ حتى يقال: فقهت كلامك، ولا يقال: فقهت السماء والأرض؛ خص بالعلوم النظرية، ولا يخرج هذا من الفقه على قولنا؛ لأنه جزئي من جزئيات العلم القطعي، وهو أوجه؛ فإنه يلزم المخرج إخراج أكثر علم الصحابة بالأحكام الشرعية للأعمال المشار إليهما من الفقه؛ فإنه ضروري لهم؛ لتلقيهم إياه من النبي ﷺ حسًّا، ومن المعلوم بعد هذا فكذا ما يفضي إليه.
قال العبد الضعيف -غفر الله تعالى له-: والجواب عن النكتة المذكورة: أنا لا نسلم أن الفقه لغة ما ذكرت، فقد نص في الصحاح (١) وغيره (٢) على أنه: الفهم، من غير تقييد بشيء، وعلى هذا لا مانع من أن يقال: فقهت السماء والأرض، كما لا مانع من أن يقال: فهمتهما بمعنى علمتهما. ولو سلم ذلك فلعل المانع أن الفهم إنما يذكر في الأمور المعنوية، والسماء والأرض من المحسوسات، ولو سلم ذلك فليس بلازم اعتبار المناسبة بين اللغوي والاصطلاحي في خصوص هذا الوصف ... " (٣).
وأما أمثلة الاستدراك النقلي من كلام علماء الأصول؛ فقد سبق ولا داعي للتكرار. (٤)
стр. 411
• تنبيه:
الاستدراك النقلي يمكن أن يجمع أنواعًا من الاستدراكات، فيستدرك باستدراك نقلي من الكتاب، وكذلك من السنة؛ مثاله:
قال السرخسي في فصل الاحتجاج بمفهوم المخالفة: "وقد عمل قوم في النصوص بوجوه هي فاسدة عندنا؛ فمنها: ما قال بعضهم: إن التنصيص على الشيء باسم العلم يوجب التخصيص وقطع الشركة بين المنصوص وغيره من جنسه في الحكم؛ لأنه لو لم يوجب ذلك لم يظهر للتخصيص فائدة. وحاشا أن يكون شيء من كلام صاحب الشرع غير مفيد، وأيد هذا قوله ﷺ : «المَاءُ من المَاءِ» (١)، فالأنصار فهموا التخصيص من ذلك؛ حتى استدلوا به على نفي وجوب الاغتسال بالإكسال (٢) وهم كانوا أهل اللسان.
وهذا فاسد عندنا بالكتاب والسنة؛ فإن الله تعالى قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، ولا يدل ذلك على إباحة الظلم في غير الأشهر الحرم، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣]، ثم لا يدل ذلك على تخصيص الاستثناء بالغد دون غيره من الأوقات في المستقبل.
وقال ﷺ : «لا يبُولَنَّ أحدكم في المَاءِ الدّائِمِ، ولا يَغَتسِلنَّ فيه من الجنَابةِ» (٣)، ثم لا يدل ذلك على التخصيص بالجنابة دون غيرها من أسباب الاغتسال.
стр. 412
والأمثلة لهذا تكثر" (١).
• المثال الثاني: استدراك نقلي من الكتاب والإجماع:
قال ابن السبكي في مسألة (تقليد المجتهد غيره فيما لم يجتهد فيه): " ... وهو أن يبلغ المجتهد رتبة الاجتهاد، فإن كان قد اجتهد في المسألة، ووضح في ظنه وجه الصواب؛ لم يقلد غيره بلا ريب. وإن لم يكن قد اجتهد فيها؛ فهي مسألة الكتاب (٢)، وقد اختلفوا فيها على مذاهب ... واستدل المصنف على أن المجتهد لا يجوز له التقليد مطلقًا؛ بأنه مأمور بالاعتبار في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢]، فإذا تركه يكون تاركًا للمأمور به فيعصي ...
قوله: (قيل: معارض) أي: عارض الخصم الاستدلال على منع التقليد للمجتهد بأوجه:
الأول: قوله تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، والعالم قبل أن يجتهد لا يعلم، فوجب تجويز الاجتهاد له.
والثاني: قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، والعلماء هم أولو الأمر؛ لأن أمورهم تنفذ على الأمراء والولاة.
والثالث: إجماع الصحابة. روى أحمد عن سفيان بن وكيع بن الجراح (٣) قال: حدثنا قَبِيصَة (٤)، قال: حدثنا أبو بكر بن
стр. 413
عياش (١)، عن عاصم (٢)، عن أبي وائل (٣) قال: قلت لعبدالرحمن بن عوف (٤): كيف بايعتم عثمان وتركتم عليًّا؟ فقال: ما ذنبي قد بدأت هكذا لعلي فقلت: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسيرة أبي بكر وعمر. فقال: فيما استطعت. ثم عرضت ذلك على عثمان، فقال: نعم. فقد التزم عثمان ذلك
стр. 414
بمحضر من عظام الصحابة من غير نكير عليه (١).
فكان إجماعًا على جواز أخذ المجتهد بقول المجتهدِ الميِّت، وإذا ثبت في الميِّت ثبت في الحيِّ بطريق الأولى" (٢).
стр. 415
• المطلب الثاني
الاستدراك العقلي
الاستدراك العقلي: هو التعقيب المستمد من أدلة عقلية. وهذه الأدلة على قسمين:
القسم الأول: الأدلة العقلية المباشرة؛ وهي التي لا يحتاج فيها المستدرك أكثر من قضية واحدة.
وهذا يكون فيما يسميه أهل المنطق بأحكام القضايا (١) (التناقض، العكس) (٢).
فالمستدرِك يستدرك بمقتضى التناقض العقلي، أو بمقتضى أحكام عكس القضية التي يستلزمها هذا العكس. وسيأتي التمثيل لكل منها.
القسم الثاني: الأدلة العقلية غير المباشرة؛ وهي التي يحتاج فيها المستدرك إلى أكثر من قضية واحدة.
وهذا يكون بالأدلة التالية: (القياس المنطقي، الاستقراء، التمثيل). (٣)
فالمستدرك يستدرك على الخصم باستخدام دليل القياس المنطقي، أو يستدرك عليه باستقرائه، أو بتمثيل.
• القسم الأول: الاستدراك العقلي المباشر، وينقسم إلى قسمين:
• أولاً: الاستدراك بمقتضى التناقض العقلي .
المراد بالتناقض في اللغة: تفاعل من النقض، وأصل المادة يدل على نكث
стр. 416
الشيء (١).
وانتقض الشيء: فسد بعد إحكامه، وتناقض القولان: تخالفا وتعارضا (٢).
وفي الاصطلاح المنطقي: اختلاف قضيتين في السلب والإيجاب على وجه يلزم صدق أحدهما كذب الأخرى. (٣)
ومن فوائد معرفة التناقض: أنك إذا أقمت الدليل على صحة نقيض قول الخصم فكأنك أقمته على بطلان دليله؛ لأن صحة النقيض يلزمها بطلان نقيضه.
وإذا أقمت الدليل على بطلان نقيض قولك فكأنك أقمته على صحته؛ لأن بطلان النقيض يلزمه صحة نقيضه. (٤)
• أمثلة الاستدراك بالتناقض العقلي:
• المثال الأول:
قال الشيرازي عند حديثه عن صفة الراوي ومَنْ يُقبل خبره: " ... وأما إذا لم يدعُ الناس إلى البدعة فقد قيل: إن روايته تقبل. والصحيح عندي: أنها لا تقبل؛ لأن المبتدع فاسق؛ فلا يجوز أن يقبل خبره" (٥).
• بيان الاستدراك:
القضية: قبول رواية المبتدع الذي لا يدعو الناس إلى بدعته روايته تقبل.
стр. 417
استدرك عليه بنقيضها: والصحيح عندي: أنها لا تقبل (المبتدع الذي لا يدعو الناس إلى بدعته روايته لا تقبل).
• المثال الثاني:
قال الجويني: "فإن قال قائل: هل يجوز نسخ الحكم الثابت بنص الكتاب والسنة المتواترة بخبر من أخبار الآحاد؟
قلنا: قد اختلف العلماء في ذلك - نعني الذين قالوا بخبر الواحد-؛ فذهب بعضهم إلى منع ذلك عقلاً وذهب آخرون إلى تجويز ذلك عقلاً. قال القاضي ﵁: والصحيح عندنا: تجويزه عقلاً.
والدليل عليه: أنه إذا جاز ثبوت ابتداء حكم به في الشرع؛ فيجوز النسخ به أيضًا" (١).
• بيان الاستدراك:
القضية: منع التعبد بخبر الواحد عقلاً.
استدرك عليهم بقول القاضي: والصحيح عندنا: تجويزه عقلاً (تجويز التعبد بخبر الواحد عقلا.
• المثال الثالث:
قال السمعاني: " ... وأجاز قوم نسخ الأخبار في الماضي والمستقبل
جميعا، والصحيح: أنه لا يجوز النسخ في الأخبار بوجه ما؛ لأنه يؤدي إلى دخول الكذب في أخبار الله تعالى وأخبار الرسول ﷺ وذلك لا يجوز" (٢).
стр. 418
• بيان الاستدراك:
القضية: يجوز نسخ الأخبار في الماضي والمستقبل.
استدرك عليهم بنقضيها: والصحيح: أنه لا يجوز النسخ في الأخبار بوجه ما (لا يجوز نسخ الأخبار في الماضي والمستقبل).
• المثال الرابع:
قال الطوفي: (وإذا اتفق خصمان على فساد علة من عداهما؛ فإفساد أحدهما علة الآخر دليل على صحة علته عند بعض المتكلمين، والصحيح خلافه؛ إذ اتفاقهما لا يقتضي فساد علة غيرهما، وكل منهما يعتقد فساد علة غيره من حاضر وغائب، فيستويان) (١).
• بيان الاستدراك:
القضية: اتفاق الخصمين على فساد علة من عداهما، فإفساد أحدهما علة الآخر دليل على صحة علته.
استدرك عليهم بنقيضها: والصحيح خلافه (اتفاق الخصمين على فساد علة من عداهما، فإفساد أحدهما علة الآخر ليس دليلاً على صحة علته).
• ثانيًا: الاستدراك بمقتضى أحكام العكس .
المراد بالعكس في اللغة: أصل المادة العين والكاف والسين، يدل على التجمع والجمع، ومن الباب: ردُّك آخر الشيء على أوله (٢).
وعكس الشيء: قلبه، وانعكس: انقلب (٣).
стр. 419
وفي الاصطلاح المنطقي: جعل محمول القضية موضوعًا، وموضوعها محمولاً، مع بقاء الصدق والكَيْف والكَم. (١)
مثال ذلك: بعض الإنسان حيوان، عكسه: بعض الحيوان إنسان.
فالقضية الأولى موجبة جزئية صادقة، والثانية كذلك.
ويستثنى من هذا الضابط: الموجبة الكلية؛ فإن عكسها موجبة جزئية؛ كقولنا: كل إنسان حيوان، عكسه: بعض الحيوان إنسان. (٢)
• أمثلة هذا القسم من الاستدراك:
• المثال الأول:
ذكر الرازي في مسألة (إجماع المدينة) استدراكًا مقدرًا على دليل الإمام مالك فقال: "حجة مالك قوله ﷺ : «إِنَّ المَدِينَةَ لَتَنفِي خبَثَهَا كما يَنفي الكِيرُ خبَثَ الحَديدِ» (٣) والخطأ خبث؛ فكان منفيًّا عنهم.
فإن قيل: وجد في الخبر ما يقتضي كونه مردودًا؛ لأن ظاهره أنَّ كلَّ من خرج عنها فإنه من الخبث الذي تنفيه المدينة، وذلك باطل؛ لأنه قد خرج منها الطيبون؛
стр. 420
كعلي وعبدالله ﵄؛ بل ذكروا ثلاثمائةٍ ونَيِّفًا من الصحابة الذين انتقلوا إلى العراق وهم أمثل من الذين بقوا فيها؛ كأبي هريرة وأمثاله" (١).
ثم ذكر الرازي استدراكًا بصيغة جواب عن هذا الاستدراك المقدر فقال: "والجواب: قوله: (يقتضي أن كل من خرج من المدينة فهو خبث).
قلنا: لا نسلم؛ لأن الخبر يقتضي أن كل ما كان خبثًا؛ فإن المدينة تخرجه؛ وهذا لا يقتضي أن كل ما تخرجه المدينة فهو خبث" (٢).
وقال القرافي في شرحه لاستدراك الرازي على الاستدراك المقدر: "قوله: (لا يقتضي الخبر أن كل ما خرج من المدينة فهو خبث) تقريره: أن الموجبة الكلية (٣) لا يجب انعكاسها، فقولنا: (كل خبث خارج من المدينة) لا يقتضي: أن كل خارج خبث، كما إنه إذا صدق: كل إنسان حيوان، لا يلزم: كل حيوان إنسان؛ بل تنعكس جزئية (٤) لا كلية (٥).
فيصدق أن بعض الخارج خبث، كما يصدق بعض الحيوان إنسان، وهو صحيح نقول به" (٦).
стр. 421
• بيان الاستدراك:
شرح القرافي وجه استدراك الرازي على المستدرك لدليل الإمام مالك؛ حيث إن المستدرك قال: إن كل ما كان خبثًا؛ فإن المدينة تخرجه - فهذه قضية كلية موجبة-، فعكسها بقوله: إن كل ما كان خبثًا فإن المدينة تخرجه - قضية كلية موجبة -.
فاستدرك الرازي على المستدرك المقدر: بأن القضية الكلية الموجبة لا تنعكس مثلها -قضية كلية موجبة-؛ بل تنعكس جزئية موجبة، فيقال في عكس القضية الكلية الموجبة -أن كل ما تخرجه المدينة خبث-: بعض الخارج من المدينة خبث.
وقول القرافي: "إن الموجبة الكلية لا يجب انعكاسها" أي لا تنعكس كمثلها، وليس المراد: لا تنعكس مطلقًا.
• المثال الثاني:
ذكر الهندي النوع الأول من الإيماء والتنبيه (١)؛ وهو أن يذكر حكمًا ووصفًا ويدخل الفاء على أحدهما، وذلك عند حديثه على الطرق النقلية الدالة على علية الوصف، فقال: "ثم قيل: الدليل على أن هذا النوع من الإيماء يفيد العلية: هو أن الفاء في اللغة للتعقيب (٢) - على ما تقدم بيان ذلك في اللغات (٣) -، فدخولها على الحكم بعد الوصف يقضي ثبوت الحكم عقيب الوصف، فيلزم أن يكون الوصف سببًا له؛ إذ لا معنى لكون الوصف سببًا للحكم إلا أنه يثبت الحكم عقيبه. (٤)
стр. 422
وفي هذه الدلالة نظر؛ لأنّا نسلم أنَّ كلَّ سبب يعقبه الحكم؛ لكن لا نسلم أنَّ كلَّ ما يعقبه الحكم سبب؛ فإن القضية الكلية لا تنعكس كنفسها (١)، فلا بد من دلالة منفصلة على ذلك" (٢).
• بيان الاستدراك:
كالمثال السابق بأن القضية الكلية الموجبة تنعكس قضية جزئية موجبة، فكلُّ سبب يعقبه الحكم قضية كلية موجبة.
تنعكس قضية جزئية موجبة: بعض ما يعقبه الحكم سبب.
لذلك قال الهندي: لا نسلم أنَّ كلَّ ما يعقبه الحكم سبب. فاستدرك انعكاسها قضية كلية.
• القسم الثاني: الاستدراك العقلي غير المباشر:
وهو ثلاثة أقسام: استدراك عقلي مادته القياس المنطقي، واستدراك عقلي مادته الاستقراء، واستدراك عقلي مادته التمثيل. ونأتي على كل نوع بالتفصيل:
• القسم الأول: استدراك عقلي مادته القياس المنطقي .
القياس في الاصطلاح المنطقي (٣): لفظ مؤلف من قضيتين فأكثر يلزم عنهما لذاتهما قول آخر (٤).
стр. 423
وهو ينقسم إلى قسمين رئيسين:
القسم الأول: القياس الاقتراني (١). ويسمى أيضًا القياس الحملي (٢)، وقياس الشمول (٣)، ويكون في القضايا الحملية (٤)، والشرطيات المتصلة (٥).
القسم الثاني: القياس الاستثنائي، ويسمى أيضًا القياس الشرطي (٦)، ولا يكون إلا في القضايا الشرطية (٧).
فالقياس الاقتراني: هو القياس الذي يدل على النتيجة بمعناها؛ لا بصورتها.
مثاله: العالم متغير، وكل متغير حادث؛ فينتج: العالم حادث.
القياس الاستثنائي: هو القياس الذي يدل على النتيجة بصورتها ومادتها،
стр. 424
أو يدل على نقيضها (١).
وهذا القسم ينقسم إلى قسمين:
- قياس استثنائي متصل: وهو ما كانت مقدمته الكبرى شرطية متصلة.
- قياس استثنائي منفصل: وهو ما كانت مقدمته الكبرى شرطية منفصلة. (٢)
وسيأتي الحديث عنهما، وضرب مثال لهما.
أقسام الاستدراك العقلي بالقياس المنطقي:
ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
• أولاً: استدراك عقلي بالقياس الاقتراني.
هذا القياس يتكون من ثلاثة حدود: الحد الأصغر، الحد الأوسط، الحد الأكبر (٣).
- الحد الأصغر: الكلمة التي تختص بها المقدمة الصغرى التي تذكر أولاً.
- الحد الأكبر: الكلمة التي تختص بها المقدمة الكبرى التي تذكر ثانيًا.
- الحد الأوسط: الكلمة المتكررة التي هي جزء كل واحد من المقدمتين.
طريقة تركيب هذا القياس (النتيجة):
بجعل الحد الأصغر موضوعًا للنتيجة، والأكبر محمولاً لها، ويحذف الحد
стр. 425
الأوسط (١).
مثاله: كل جسم مؤلف، وكل مؤلف حادث؛ فينتج: كل جسم حادث (٢).
أمثلة استدراك عقلي بالقياس الاقتراني
• المثال الأول:
قال الرازي في مسألة (تعريف الحكم الشرعي): "قال أصحابنا: إنه الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ... " (٣).
ثم ذكر استدراكًا من الخصم: "فإن قيل: هذا التعريف فاسد من أربعة أوجه:
أحدها: أنَّ حكم الله تعالى على هذا التقدير: خطابه، وخطاب الله تعالى كلامه، وكلامه - عندكم- قديم؛ فيلزم أن يكون حكم الله تعالى بالحل والحرمة قديمًا، وهذا باطل ... " (٤).
• بيان الاستدراك:
ذكر الرازي استدراكًا من الخصم المقدر على تعريف الحكم الشرعي، وكانت مادة الاستدراك: القياس الاقتراني. وتوضيحه:
- المقدمة الأولى: أن حكم الله تعالى على هذا التعريف: خطابه.
- المقدمة الثانية: وخطاب الله تعالى كلامه.