← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133372

الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية

إيمان بنت سالم قبوس

Полный текст (900 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

• بيان الاستدراك: شرح القرافي وجه استدراك الرازي على المستدرك لدليل الإمام مالك؛ حيث إن المستدرك قال: إن كل ما كان خبثًا؛ فإن المدينة تخرجه - فهذه قضية كلية موجبة-، فعكسها بقوله: إن كل ما كان خبثًا فإن المدينة تخرجه - قضية كلية موجبة -. فاستدرك الرازي على المستدرك المقدر: بأن القضية الكلية الموجبة لا تنعكس مثلها -قضية كلية موجبة-؛ بل تنعكس جزئية موجبة، فيقال في عكس القضية الكلية الموجبة -أن كل ما تخرجه المدينة خبث-: بعض الخارج من المدينة خبث. وقول القرافي: "إن الموجبة الكلية لا يجب انعكاسها" أي لا تنعكس كمثلها، وليس المراد: لا تنعكس مطلقًا. • المثال الثاني: ذكر الهندي النوع الأول من الإيماء والتنبيه (١)؛ وهو أن يذكر حكمًا ووصفًا ويدخل الفاء على أحدهما، وذلك عند حديثه على الطرق النقلية الدالة على علية الوصف، فقال: "ثم قيل: الدليل على أن هذا النوع من الإيماء يفيد العلية: هو أن الفاء في اللغة للتعقيب (٢) - على ما تقدم بيان ذلك في اللغات (٣) -، فدخولها على الحكم بعد الوصف يقضي ثبوت الحكم عقيب الوصف، فيلزم أن يكون الوصف سببًا له؛ إذ لا معنى لكون الوصف سببًا للحكم إلا أنه يثبت الحكم عقيبه. (٤)

стр. 422

وفي هذه الدلالة نظر؛ لأنّا نسلم أنَّ كلَّ سبب يعقبه الحكم؛ لكن لا نسلم أنَّ كلَّ ما يعقبه الحكم سبب؛ فإن القضية الكلية لا تنعكس كنفسها (١)، فلا بد من دلالة منفصلة على ذلك" (٢). • بيان الاستدراك: كالمثال السابق بأن القضية الكلية الموجبة تنعكس قضية جزئية موجبة، فكلُّ سبب يعقبه الحكم قضية كلية موجبة. تنعكس قضية جزئية موجبة: بعض ما يعقبه الحكم سبب. لذلك قال الهندي: لا نسلم أنَّ كلَّ ما يعقبه الحكم سبب. فاستدرك انعكاسها قضية كلية. • القسم الثاني: الاستدراك العقلي غير المباشر: وهو ثلاثة أقسام: استدراك عقلي مادته القياس المنطقي، واستدراك عقلي مادته الاستقراء، واستدراك عقلي مادته التمثيل. ونأتي على كل نوع بالتفصيل: • القسم الأول: استدراك عقلي مادته القياس المنطقي . القياس في الاصطلاح المنطقي (٣): لفظ مؤلف من قضيتين فأكثر يلزم عنهما لذاتهما قول آخر (٤).

стр. 423

وهو ينقسم إلى قسمين رئيسين: القسم الأول: القياس الاقتراني (١). ويسمى أيضًا القياس الحملي (٢)، وقياس الشمول (٣)، ويكون في القضايا الحملية (٤)، والشرطيات المتصلة (٥). القسم الثاني: القياس الاستثنائي، ويسمى أيضًا القياس الشرطي (٦)، ولا يكون إلا في القضايا الشرطية (٧). فالقياس الاقتراني: هو القياس الذي يدل على النتيجة بمعناها؛ لا بصورتها. مثاله: العالم متغير، وكل متغير حادث؛ فينتج: العالم حادث. القياس الاستثنائي: هو القياس الذي يدل على النتيجة بصورتها ومادتها،

стр. 424

أو يدل على نقيضها (١). وهذا القسم ينقسم إلى قسمين: - قياس استثنائي متصل: وهو ما كانت مقدمته الكبرى شرطية متصلة. - قياس استثنائي منفصل: وهو ما كانت مقدمته الكبرى شرطية منفصلة. (٢) وسيأتي الحديث عنهما، وضرب مثال لهما. أقسام الاستدراك العقلي بالقياس المنطقي: ينقسم إلى ثلاثة أقسام: • أولاً: استدراك عقلي بالقياس الاقتراني. هذا القياس يتكون من ثلاثة حدود: الحد الأصغر، الحد الأوسط، الحد الأكبر (٣). - الحد الأصغر: الكلمة التي تختص بها المقدمة الصغرى التي تذكر أولاً. - الحد الأكبر: الكلمة التي تختص بها المقدمة الكبرى التي تذكر ثانيًا. - الحد الأوسط: الكلمة المتكررة التي هي جزء كل واحد من المقدمتين. طريقة تركيب هذا القياس (النتيجة): بجعل الحد الأصغر موضوعًا للنتيجة، والأكبر محمولاً لها، ويحذف الحد

стр. 425

الأوسط (١). مثاله: كل جسم مؤلف، وكل مؤلف حادث؛ فينتج: كل جسم حادث (٢). أمثلة استدراك عقلي بالقياس الاقتراني • المثال الأول: قال الرازي في مسألة (تعريف الحكم الشرعي): "قال أصحابنا: إنه الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير ... " (٣). ثم ذكر استدراكًا من الخصم: "فإن قيل: هذا التعريف فاسد من أربعة أوجه: أحدها: أنَّ حكم الله تعالى على هذا التقدير: خطابه، وخطاب الله تعالى كلامه، وكلامه - عندكم- قديم؛ فيلزم أن يكون حكم الله تعالى بالحل والحرمة قديمًا، وهذا باطل ... " (٤). • بيان الاستدراك: ذكر الرازي استدراكًا من الخصم المقدر على تعريف الحكم الشرعي، وكانت مادة الاستدراك: القياس الاقتراني. وتوضيحه: - المقدمة الأولى: أن حكم الله تعالى على هذا التعريف: خطابه. - المقدمة الثانية: وخطاب الله تعالى كلامه.

стр. 426

- المقدمة الثالثة: وكلام الله تعالى - عندكم - قديم. النتيجة: حكم الله تعالى قديم. وهذه النتيجة باطلة لثلاثة أوجه ذكرها الخصم. • المثال الثاني: قال الرازي في مسألة (الشيء الواحد هل يجوز أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه معا؟ ): "الشيء الواحد لا يجوز أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه معًا. والفقهاء قالوا: يجوز ذلك إذا كان للشيء وجهان ... فإن قلت: هما شيئان يجوز انفكاك كل واحد منهما عن الآخر في الجملة؛ إلا أنهما في هذه الصورة الخاصة صارا متلازمين. قلت: ففي هذه الصورة الخاصة المنهي عنه يكون من لوازم المأمور به، وما يكون من لوازم المأمور به يكون مأمورا به؛ فيلزم أن يصير المنهي عنه في هذه الصورة مأمورًا به، وذلك محال، فهذا برهان قاطع على فساد قولهم على سبيل الإجمال" (١). • بيان الاستدراك: استدل المخالف القائل بجواز كون الشيء الواحد من وجهين مأمورًا به منهيًا عنه معًا: بأن الأمر والنهي شيئان يجوز انفكاكهما عن بعض في الجملة؛ إلا أنهما في صورة الشيء الواحد من وجهين صارا متلازمين. فاستدرك عليهم الرازي بالقياس الاقتراني؛ وهو: أنه في صورة الشيء الواحد من وجهين المنهي عنه يكون من لوازم المأمور به (وهذه المقدمة الصغرى). وما يكون من لوازم المأمور به يكون مأمورًا به (وهذه المقدمة الكبرى). النتيجة بحذف الحد الأوسط - يكون من لوازم المأمور به، وما يكون من لوازم المأمور به- في صورة الشيء الواحد من وجهين المنهي عنه يكون مأمورًا به.

стр. 427

وهذه النتيجة محالة، وما ترتب على المحال محال، فدل على فساد قول الخصم بأن الشيء الواحد من وجهين مأمورٌ به منهيٌ عنه. • ثانيًا: استدراك عقلي بالقياس الاستثنائي المتصل. القياس الاستثنائي المتصل عند المنطقيين، ويسميه الفقهاء (التلازم) (١). ويتألف هذا القياس من مقدمتين: - الأولى: شرطية متصلة. وهي المقدمة الكبرى، وتتألف من مقدم وتالٍ، ويسمى المقدم بالملزوم، والتالي باللازم. - الثانية: حملية استثنائية مقرونة بـ (لكن) ونحوها، وهي المقدمة الصغرى. والنتيجة في هذا القياس أو نقيضها موجودة بالفعل (أي موجودة فيه بمادتها (٢) وصورتها (٣)). والضربان المنتجان في القياس الشرطي المتصل هما: الأول: استثناء عين المقدم. مثاله: إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان؛ لكنه إنسان، فالنتيجة: هو حيوان. وهي موجودة بالفعل في المقدمة الكبرى؛ لأنها عين التالي، فيلزم من وجود المشروط وجود الشرط. ولم أقف على استدراك استخدم فيه استثناء عين المقدم. الثاني: استثناء نقيض التالي. مثاله: إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان؛ لكنه ليس بحيوان، فالنتيجة: ليس بإنسان. فوجد نقيضها في المقدمة الكبرى؛ إذ هي نقيض

стр. 428

المقدم، فيلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط. وهذا النوع يسمى بقياس الخُلْف (١)، ويكثر استخدامه في الاستدراك على الخصوم. قال الغزالي في طريقة تركيب قياس الخُلْف وسبب تسميته: "فطريق هذا القياس: أن تأخذ مذهب الخصم وتجعله مقدمة، وتضيف إليها مقدمة أخرى ظاهرة الصدق، فينتج من القياس نتيجة ظاهرة الكذب، فتبين أن ذلك لوجود كاذبة في المقدمات، ويجوز أن يسمى هذا (قياس الخلف)؛ لأنك ترجع من النتيجة إلى الخلف، فتأخذ مطلوبك من المقدمة التي خلفتها كأنها مسلمة. ويجوز أن يسمى قياس الخلف لأن الخلف هو الكذب المناقض للصدق، وقد أدرجت في المقدمات كاذبة في معرض الصدق" (٢). وقياس الخُلْف يسمى عند الأصوليين (بقياس العكس)، وفي هذا يقول الغزالي: "وإلى هذا البرهان يرجع ما لقبه فريق: بقياس العكس" (٣). • أمثلة استدراك عقلي مادته قياس الخُلْف: • المثال الأول: قال الشيرازي في مسألة (هل النص على العلة يوجب إثبات الحكم في كل موضع وجدت فيه؟ ): "إذا حكم صاحب الشرع بحكم في عين، ونص على علته؛ وجب إثبات الحكم في كل موضع وجدت فيه العلة، وهو قول النظام والقاشاني والنهرواني، وغيره من نفاة القياس، وهو مذهب الكرخي (٤).

стр. 429

ومن أصحابنا من قال: لا يجوز إجراء العلة في كل موضع وجدت حتى يدل الدليل على ذلك، وهو قول البصري (١) من أصحاب أبي حنيفة ... واحتجوا: بأن الأحكام إنما شرعت لمصلحة المكلفين، فيجوز أن تكون حلاوة السكر تدعو الإنسان إلى تناوله، وحلاوة غيره لا تدعو إلى تناوله؛ لأن الداعي إذا دعا إلى شيء لا يجب أن يدعو إلى كل ما شاركه في ذلك المعنى؛ ولهذا يجوز أن تدعوه الشهوة إلى أكل السكر، ولا تدعوه إلى أكل العسل، وإن اشتركا في الحلاوة، فإذا كان ذلك كذلك جاز أن يعلل تحريم السكر في الحلاوة لما في تحريمه من المصلحة؛ إلا أنه جعله أمارة على التحريم حيث وجدت، فلا يجوز قياس غيره عليه إلا بدليل. قلنا: لو كان القصد به ما ذكرتم لاقتصر على بيان الحكم، ولما ذكر الحكم وعلته دل على أنه قصد إجراءها حيث وجدت. قالوا: لو كان ذكر التعليل في شيء يقتضي الطرد والجريان؛ لوجب إذا قال الرجل: أعتقت عبدي فلانًا لأنه أسود: أن يعتق عليه كل عبد أسود، ولما بطل أن يقال هذا؛ دل على أن ذكر العلة لا يقتضي الطرد والجريان. ولأنه لو لم يقصد إثبات الحكم في كل موضع وجدت فيه العلة، لم يفد ذكر التعديل شيئًا، وصار لغوًا. قلنا: إنما لم يلزم من ذلك في حق الواحد منا؛ لأنه تجوز عليه المناقضة في أقواله

стр. 430

وأفعاله، فأما صاحب الشرع فلأنه لا تجوز عليه المناقضة في أقواله وأفعاله، فإذا علل بعلة وجب طردها. قالوا: ولكن ما جعل علة في الحكم غير موجب للحكم بنفسه؛ لأنه قد كان موجودًا قبل ذلك ولم يوجد الحكم. وأيضًا: صار موجبًا بجعل جاعل، فيجب أن لا يكون علة إلا حيث جعلها علة. قلنا: لو كان هذا صحيحًا لوجب أن لا يكون علة إلا في الزمان الذي جعله فيه علة؛ لأنه صار علة بجعله، فيجب أن يكون مقصورًا على الزمان الذي جعله فيه علة، ولما لم يصح أن يقال هذا في الزمان؛ لم يصح أن يقال ذلك في الأعيان" (١). • بيان الاستدراك: استدرك الشيرازي على الخصم القائل: لا يجوز إجراء العلة في احتجاجه: بأن الأحكام إنما شرعت لمصلحة المكلفين، فيجوز أن تكون حلاوة السكر تدعو الإنسان إلى تناوله، وحلاوة غيره لا تدعو إلى تناوله ... بقياس الخلف؛ وهو أن لو كان القصد به ما ذكرتم لاقتصر على بيان الحكم؛ ولكن لما لم يقتصر على ذلك؛ بل ذكر الحكم وعلته؛ فالنتيجة: ليس القصد ما ذكرتم؛ بل قصد إجراء الحكم حيث وجدت العلة، فاستثناء نقيض تاليه يستلزم نقيض مقدمه؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم. ثم ذكر استدراك الخصم عليه بقياس الخُلْف أيضًا فقال: قالوا: لو كان ذكر التعليل في شيء يقتضي الطرد والجريان؛ لوجب إذا قال الرجل: أعتقت عبدي فلانًا لأنه أسود أن يعتق عليه كل عبد أسود؛ ولكن لا يقال هذا، فالنتيجة: ذكر العلة لا يقتضي الطرد والجريان، فاستثناء نقيض تاليه يستلزم نقيض مقدمه؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم. ثم ذكر دليل الخصم: بأن ما جعل علة في الحكم غير موجب للحكم بنفسه؛

стр. 431

لأنه قد كان موجودًا قبل ذلك ولم يوجد الحكم، ولأنه صار موجبًا بجعل جاعل، فيجب أن لا يكون علة إلا حيث جعلها علة. واستدرك على دليلهم هذا بقياس الخُلْف فقال: لو كان قولكم هذا صحيحًا؛ لوجب أن لا يكون علة إلا في الزمان الذي جعله فيه علة؛ ولكن لم يصح هذا في الزمان، فالنتيجة: لم يصح قولكم في الأعيان، فاستثناء نقيض تاليه يستلزم نقيض مقدمه؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم. • المثال الثاني: وقال -أي الشيرازي- في موضع آخر في مسألة (القياس في الحدود والكفارات والمقدرات): "يجوز إثبات الحدود والكفارات والمقدرات بالقياس. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز (١) ... واحتجوا: بأن الحد شرع للزجر والردع عن المعاصي، والكفارة وضعت لتكفير المأثم، وما يقع به الردع والزجر من المعاصي، ويتعلق به التكفير عن المأثم لا يعلمه إلا الله تعالى، فكذلك اختصاص الحكم بقدر دون قدر لا يعلمه إلا الله تعالى، ولا يجوز إثبات شيء من ذلك بالقياس. الجواب: هو أن هذا لو كان طريقًا في نفي القياس في هذه الأحكام؛ لوجب أن يجعل مثل ذلك طريقًا في نفي القياس في سائر الأحكام؛ كما فعله نفاة القياس فقالوا: إن الأحكام شرعت لمصلحة المكلفين، والمصلحة لا يعلمها إلا الله تعالى، فيجب أن لا يعمل فيها بالقياس، ولما بطل هذا في نفي القياس في سائر الأحكام؛ بطل في نفي القياس في هذه الأحكام" (٢).

стр. 432

• بيان الاستدراك: لو كان ما ذكرتموه طريقًا في نفي القياس في هذه الأحكام - الحدود والكفارات-؛ لوجب أن يجعل كذلك طريقًا في نفي القياس في سائر الأحكام؛ ولكنه لم يبطل القياس في سائر الأحكام، فالنتيجة: لم يبطل القياس في هذه الأحكام _الحدود والكفارات_. قياس الخُلْف: استثناء نقيض تاليه يستلزم نقيض مقدمه؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم. • المثال الثالث: وقال في شرح اللمع (١) في مسألة (التعبد بأخبار الآحاد): "فإن قيل: يجوز أن يكون قد بعثهم إلى قوم في أحكام علموها بالتواتر قبل بعث الرسل إليهم، كما أن عندكم بعثهم إلى قوم علموا قبل البعث أن العمل بخبر الواحد واجب. والجواب: أنه لو كان في تلك الأحكام تواتر لنقل إلينا وعلمناه كما علمنا سائر ما كان فيه تواتر، ولما لم ينقل إلينا ولم نعلمه؛ دلّ على أنه لم تكن تلك الأحكام تواترًا ... ". • بيان الاستدراك: استدرك الشيرازي على المنكرين للتعبد بأخبار الآحاد في دعواهم بأنه يجوز أن يكون النبي ﷺ قد بعث آحاد الرسل إلى أقوام في أحكام قد علموها بالتواتر قبل إرساله للرسل فقال: لو كان في تلك الأحكام تواتر لنقل إلينا وعلمناه، ولما لم ينقل إلينا ولم نعلمه؛ دل على أنه لم تكن تلك الأحكام تواترًا، فاستخدم قياس الخلف، فاستثناء نقيض التالي يستلزم نقيض المقدم؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم.

стр. 433

• المثال الرابع: ذكر الرازي في مسألة (الأصل عدم الاشتراك) اعتراضًا مقدرًا من الخصم بقوله: "فإن قلت: لا نسلِّم أن الكلمات - في الأكثر - مفردة؛ لأن الكلمة إما حرف، أو فعل، أو اسم. أما الحرف فكتب النحو شاهدة بأنه مشترك. وأما الفعل فهو إما الماضي، أو المستقبل، أو الأمر. أما الماضي والمستقبل فهما مشتركان؛ لأنهما تارة يستعملان في الخبر، وأخرى في الدعاء؛ ولأن صيغة المضارع مشتركة بين الحال والاستقبال، وأما صيغة (افعل) فالقول بأنها مشتركة بين الوجوب والندب مشهور. وأما الأسماء ففيها اشتراك كثير، فإذا ضممنا إليها الأفعال والحروف كانت الغلبة للاشتراك. قلت: الأصل في الألفاظ الأسماء، والاشتراك نادر فيها؛ بدليل أنَّه لو كان الاشتراك أغلب لما حصل فهم غرض المتكلم في الأكثر، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الغالب عدم الاشتراك" (١). • بيان الاستدراك: استدرك الرازي على اعتراض الخصم في قوله: إن الأصل الاشتراك بأنه لو كان الاشتراك أغلب لما حصل فهم غرض المتكلم؛ ولكنه حصل فهم غرض المتكلم، النتيجة: الغالب عدم الاشتراك. قياس الخُلْف: استثناء نقيض تاليه يستلزم نقيض مقدمه؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم.

стр. 434

• المثال الخامس: قال الآمدي في مسألة (هل يجوز أن يقال للمجتهد: احكم؛ فإنك لا تحكم إلا بالصواب؟ ): " ... والمختار: جوازه دون وقوعه ... " (١). ثم ذكر استدراكًا من الخصم القائل بالمنع: "فإن قيل: يمتنع على الشارع قول ذلك؛ لاستحالة استمرار المكلف على اختيار الصلاح دون الفساد. كما لا يجوز اتفاق الأفعال الكثيرة المحكمة من غير علم، ثم لو جاز ذلك في حق المجتهد لجاز مثله في حق العامي وليس كذلك" (٢). • بيان الاستدراك لو جاز في حق المجتهد لجاز مثله في حق العامي؛ ولكن لم يجز في حق العامي، النتيجة: لم يجز في حق المجتهد. قياس الخُلْف: استثناء نقيض تاليه يستلزم نقيض مقدمه؛ وذلك لأن نفي اللازم نفي الملزوم. • ثالثًا: استدراك عقلي مادته القياس الاستثنائي المنفصل: القياس الاستثنائي المنفصل عند المنطقيين، ويسميه الفقهاء (السَّبْر والتقسيم) (٣). ويتركب هذا القياس من مقدمتين ربطت إحداهما بالأخرى بأداة عناد. سمي هذا القياس بالمنفصل للانفصال بين جزئي المقدمتين. وهو ثلاثة أقسام: ١ - مانعة جمع: وهي القضية التي تمنع اجتماع المقدم والتالي، ولا تمنع انعدامهما.

стр. 435

مثل: (هذه السبورة إما سوداء أو خضراء)، فلا يجوز اجتماع اللون الأسود والأخضر، ويجوز خلوهما بأن تكون السبورة صفراء مثلاً. ٢ - مانعة خلو: وهي القضية التي تمنع الخلو عن مقدمها وتاليها، ولا تمنع اجتماعهما. مثل: (مثل الجليس الصالح كحامل المسك: إما أن يُحذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيباً) (١). فحامل المسك الذي تجالسه قد يمنحك من مسكه، وتبتاع منه، وتجد منه ريحًا طيبة، كل هذه الثلاثة قد تجتمع، ولا يخلو عن واحد من هذه الثلاثة. ٣ - ومانعة جمع وخلو: وهي القضية التي تمنع اجتماع جزأيها المقدم والتالي، وتمنع الخلو عنهما. مثل: (هذا الشيء إما متحرك أو ساكن)، فيمتنع اجتماع الحركة والسكون في الشيء الواحد، ويمتنع خلوه عنهما. وبالجملة كل نقيضين ينتج من إثبات أحدهما نفي الآخر، ونفيه إثبات الآخر، ولا يشترط انحصار القضية في قسمين؛ لكن من شرطها استيفاء أقسامه. (٢) فإن لم يستوفِ الأقسام فسبره ليس بصحيح؛ ولذلك استدرك الرازي على سبر إمام الحرمين في استدلاله بحجية الإجماع فقال: "المسلك الخامس: دليل العقل، وهو الذي عوَّل عليه إمام الحرمين ﵀ فقال: (إجماع الخلق العظيم على الحكم الواحد

стр. 436

يستحيل أن يكون إلا لدلالةٍ أو أمارةٍ. فإن كان لدلالة فقد كشف الإجماع عن وجود تلك الدلالةِ؛ فيكون خلاف الإجماع خلافًا لتلك الدلالة. وإن كان لأمارةٍ فقد رأينا التابعين قاطعين بالمنع عن مخالفة هذا الإجماع، فلولا اطلاعهم على دلالة قاطعةٍ مانعةٍ من مخالفة هذا الإجماع؛ وإلا استحال اتفاقهم على المنع من مخالفته) (١). وهذه الدلالة ضعيفة جدًّا؛ لاحتمال أن يقال: إنهم قد اتفقوا على الحكم لا لدلالة ولا لأمارة؛ بل لشبهة. وكم من المبطلين - مع كثرتهم وتفرقهم - في الشرق والغرب قد اتَّفقت كلمتهم لأجل الشبهة! سلمنا الحصر، فَلِمَ لا يجوز أن يكون لأمارة تفيد الظن؟ " (٢). • بيان الاستدراك: ضعف الرازي استدلال إمام الحرمين بإثبات حجية الإجماع بدليل العقل الذي استدل به من وجهين: الأول: أن سبره ليس حاصرًا، ويشترط في السبر استيفاء جميع أقسامه. الثاني: في حالة تسليم حصر إمام الحرمين لجميع الأقسام استدرك عليه بسؤال لِمَ لا يكون ثبوت الإجماع بأمارة تفيد الظن؟ . • أمثلة استدراك عقلي مادته القياس الاستثنائي المنفصل: • المثال الأول: ذكر الآمدي في (الحكم على الوصف بكونه سببًا) اعتراضًا مقدرًا من الخصم:

стр. 437

"فإن قيل: لو كانت السببية (١) حكمًا شرعيًا؛ لافتقرت في معرفتها إلى سبب آخر يعرِّفها، ويلزم من ذلك إما الدور إن افتقر كل واحد من السببين إلى الآخر، وإما التَّسَلْسُل (٢) وهو محال. وأيضًا فإن الوصف المعرِّفَ للحكم إما أن يعرفه بنفسه أو بصفةٍ زائدة. فإن كان الأول لزم أن يكون معرفًا له قبل ورود الشرع، وهو محال.

стр. 438

وإن كان بصفة زائدة عليه؛ فالكلام في تلك الصفة، كالكلام في الأول، وهو تسلسل ممتنع. وأيضًا فإن الطريق إلى معرفة كون الوصف سببًا للحكم إنما هو ما يستلزمه من الحِكْمة (١) المستدعية للحُكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، وذلك ممتنع لوجهين: الأول: أنه لو كانت الحكمة مُعرِّفة لحكم السببية؛ لأمكن تعريف الحكم المسبب بها من غير حاجة إلى توسط الوصف، وليس كذلك بالإجماع. الثاني: أن الحكمة إما أن تكون قديمة أو حادثة. فإن كان الأول لزم من قِدَمها قِدَمُ موجبها، وهو معرفة السببية.

стр. 439

وإن كان الثاني فلا بد لها من معرِّفٍ آخر؛ لخفائها، والتقسيم في ذلك المعرف عائد بعينه" (١). • بيان الاستدراك: استدرك الخصم على جعل السبب قسمًا من أقسام الحكم الشرعي، واستخدم في استدراكه القياس الاستثنائي المنفصل، فقال: لو كانت السببية حكمًا شرعيًّا؛ لاحتاجت في معرفتها إلى سبب آخر يعرفها؛ كسائر الأحكام الشرعية التي تحتاج في معرفتها إلى سبب يعرفها، ويلزم من افتقار السببية إلى السبب الآخر المعرف بها إما الدور أو التسلسل. فالدور: نتيجة افتقار كل واحد من السببين إلى الآخر. والتسلسل في الأسباب: يلزم أمور غير متناهية، وهذا بديهي الاستحالة. فثبت فساد الاحتمالين، ومنه فساد قولكم بأن السبب من الحكم الشرعي. وقول الخصم: (يلزم من ذلك إما الدور إن افتقر كل واحد من السببين إلى الآخر، وإما التسلسل وهو محال) قياس استثائي منفصل. ثم استدرك الخصم باستدراك آخر؛ وهو أن الوصف المعرف للحكم إما أن يعرفه بنفسه، أو بصفة زائدة. فإن كان الوصف معرفًا للحكم بنفسه؛ لزم أن يكون هذا الوصف معرفًا للحكم قبل ورود الشرع، وهو محال. وإن كان الوصف معرفًا للحكم بصفة زائدة على الحكم؛ فإنه يلزم التسلسل، والتسلسل محال.

стр. 440

وقول الخصم: (وأيضًا فإن الوصف المعرف للحكم إما أن يعرفه بنفسه أو بصفة زائدة) قياس استثنائي منفصل. وقال الخصم: الطريق إلى معرفة كون الوصف سببًا للحكم هو ما يستلزمه الوصف من الحكمة المستدعية للحكم؛ من جلب مصلحة، أو دفع مفسدة، وهذا ممتنع لوجهين: الأول: أنه لو كانت الحكمة هي المُعرِّفة لحكم السببية؛ لأمكن تعريف الحكم المسبب بالحكمة دون الوصف، وهذا خلاف الإجماع؛ إذ الإجماع تعريف الحكم المسبب بالوصف؛ لا بالحكمة. الثاني: أن الحكمة إما أن تكون قديمة أو حادثة. فإن كان الأول - الحكمة قديمة - لزم من قِدَمها قِدَمُ موجبها، وهو معرفة السببية، والسبب معرف للحكم لا مؤثر فيه، والأوصاف التي جعلت أسبابًا حادثة لا قديمة (١). وإن كان الثاني - الحكمة حادثة- فلا بد من معرِّفٍ بها؛ وذلك لخفائها، والتقسيم في ذلك المعرِّف هو عينه تقسيم الحكمة إلى قديمة أو حادثة. وقوله: (إن الحكمة إما أن تكون قديمة أو حادثة) قياس استثنائي منفصل. • المثال الثاني: ذكر الطوفي في مسألة (الواجب الموسع) استدراكًا من المانعين لاشتراط العزم في الواجب الموسع: "السؤال الثاني: أن العزم إمَّا أن يكون بدلاً عن أصل الفعل، أو عن تعجيله؛ فإن كان بدلاً عن الفعل؛ لزم سقوطه بالكلية وأن لا يجب فعله آخر الوقت؛ لئلا يجتمع البدل والمبدل، وإن كان بدلاً عن تعجيل الفعل؛

стр. 441

فقد صار مخيرًا بين تعجيله وتأخيره مع العزم على فعله آخر الوقت، فاستحالت المسألة، وانتقلت إلى مسألة الواجب المخيَّر، وزال الواجب الموسع بالكلية، وصارت المسألتان واحدة" (١). • بيان الاستدراك: استدرك المانعون من اشتراط العزم في الواجب الموسع على القائلين باشتراطه: بأن العزم إمَّا أن يكون بدلاً عن أصل الفعل الواجب، أو بدلاً عن تعجيله. فإن كان الأول - العزم بدل عن أصل الفعل الواجب - لزم منه سقوط الفعل الواجب بالكلية؛ وذلك لامتناع اجتماع البدل والمبدل. وإن كان الثاني - العزم بدل عن تعجيل الفعل - زال الواجب الموسع بالكلية، وانقلبت المسألة إلى الواجب المخير، فيخير المكلف بين تعجيل الواجب أو تأخيره. وقول المستدرك: (إن العزم إمَّا أن يكون بدلاً عن أصل الفعل، أو عن تعجيله) قياس استثنائي منفصل. • القسم الثاني (٢): استدراك عقلي بالاستقراء. وقد سبق تعريف الاستقراء، وبيان أقسامه، وذكر مثاله. • تنبيه: الاستقراء عكس القياس المنطقي، فالقياس المنطقي: استدلال بكلي على جزئي. والاستقراء: الحكم على الكلي بحكم الجزئي (٣).

стр. 442

• القسم الثالث: استدراك عقلي بالتمثيل (القياس الأصولي) (١). قياس التمثيل، وهو القياس الأصولي المعروف (٢)، وهو: حمل جزئي على جزئي آخر في حكمه؛ لاشتراكهما في علة الحكم (٣). مثل: النبيذ حرام قياسًا على الخمر؛ بجامع الإسكار في كل منهما (٤). • أمثلة استدراك عقلي بالتمثيل (قياس الأصولي): • المثال الأول: قال الجصاص في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة): "وأيضًا فإن قوله: (افعل) لا يخلو من أن يكون للإيجاب، أو الندب، أو الإباحة، فيكون مقتضيًا لجميع ذلك على الحقيقة، أو لبعضها حقيقة ولبعضها مجازًا، فإن كان حقيقة في الإيجاب مجازًا فيما سواه على ما يقوله؛ فواجب حمله على الحقيقة فلا يصرف إلى المجاز إلا بدلالة، وإن كان حقيقة في كل شيء من ذلك فقد صار حقيقة في الإيجاب وأفادنا باللفظ؛ فغير جائز صرفه عنه إلى غيره؛ لأن حكم اللفظ استعماله على الحقيقة".

стр. 443

فاستدرك عليه الخصم بقوله: "فإن قيل: ما أنكرت أن يكون حقيقة في كل واحد من ذلك، وأن الواجب إذا كان كذلك جاز حمله على الندب والإباحة حتى تقوم دلالة الإيجاب؛ لأن ما صلح للإيجاب ولغيره لم يجز أن يجعله واجبًا إلا بدلالة غير اللفظ، أو نقف فيه حتى تقوم دلالة المراد؛ إذ لم يجز أن يتناول جميع هذه الوجوه في حال واحدة لتضادها". فاستدرك الجصاص على الخصم باستخدام التمثيل فقال: "قيل له: حقيقة الأمر أنه للإيجاب بما قد دللنا عليه في الباب الذي قبله، ولو سلمنا لك ما ادعيته من الحقيقة في كل واحد من هذه الوجوه لكان حمله على الإيجاب أولى؛ وذلك لأن المباح: ما لا يستحق بفعله الثواب، ولا بتركه العقاب، والندب: ما يستحق بفعله الثواب، ولا يستحق بتركه العقاب، ففيه زيادة معنى على المباح، والواجب: ما يستحق بفعله الثواب، وبتركه العقاب، ففيه زيادة حكم على الندب. فلو سلم لك أن اللفظ حقيقة في جميع هذه الوجوه كان الأولى حمله على الوجوب؛ لأنه أكثر ما يتناوله ويقتضيه، وهو يفيد هذه المعاني فيه حقيقة. كما أن لفظ العموم وإن كان حقيقة في الثلاثة فما فوقها؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]؛ كان الواجب حمله على أكثر ما يتضمنه ويقتضيه، ولم يجز الاقتصار به على الأقل إلا بقيام الدلالة. كذلك لفظ الأمر إذا كان يفيد الإيجاب حقيقة فقد تضمن وروده استيعاب جميع ما تعلق به من الحكم فلا جائز الاقتصار به على البعض ... " (١). • بيان الاستدراك: استدرك الجصاص على دعوى الخصم بأن صيغة (افعل) للإيجاب والندب والإباحة على الحقيقة بقياس التمثيل، فقاس لفظ الأمر على لفظ العموم، بجامع

стр. 444

أن كلاًّ منهما لفظ يحمل على أكثر معانيه، فكما أنه يجب حمل العموم على أكثر ما يقتضيه اللفظ، ولا يجوز قصره على الأقل إلا بدليل يدل على القصر؛ فكذلك لفظ الأمر إن كان يفيد الإباحة والندب والإيجاب فيحمل على الإيجاب؛ لأن الإيجاب فيه معنى زائد على معنى الإباحة والندب. • المثال الثاني: قال الشيرازي في مسألة (خبر الواحد فيما تعم به البَلْوى): "ويجب العمل به فيما تعمُّ به البَلْوى، وفيما لا تعمُّ. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يجوز العمل به فيما تعمُّ به البَلْوى (١). والدليل على فساد ذلك: أنه حكم شرعي يُسَوَّغُ فيه الاجتهادُ؛ فجازَ إثباتُه بخبر الواحد قياسًا على ما لا تعمُّ به البَلْوى" (٢). • بيان الاستدراك: استدرك الشيرازي على قول الحنفية بدليل يدل على فساد قولهم، وهذا الدليل من القياس، وهو قياس الحكم الذي تعم به البلوى على الحكم الذي لا تعم به البلوى بجامع أن كليهما حكم شرعي يسوغ فيه الاجتهاد. • المثال الثالث: قال السمعاني في مسألة (استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز): "فإن قيل: فعلى ما قلتم تكون الكلمة الواحدة مجازًا وحقيقة وهذا يستحيل. قلنا: هذا لا يأباه؛ لكن المجاز متعلق فيها بغير ما تعلق به الحقيقة؛ وهذا كالأمر الذي هو نهي عندنا عن جميع أضداد ما تناوله الأمر، فهو إذًا أمر ونهى؛ لكن اجتماعهما

стр. 445

في جهتين مختلفتين" (١). • بيان الاستدراك: استدرك السمعاني على المانعين لاستعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز بالقياس على الأمر؛ فإنه أمر من جهة، ونهي عن أضداده من جهة أخرى، وكذلك حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز، فهو حقيقة من جهة، ومجاز من جهة أخرى. • المثال الرابع: قال الغزالي في مسألة (دلالة أفعال النبي ﷺ ): " ... وأما مالم يقترن به بيان في نفي ولا إثبات؛ فالصحيح عندنا: أنه لادلالة له؛ بل هو متردد بين الإباحة، والندب، والوجوب، وبين أن يكون مخصوصًا به، وبين أن يشاركه غيره فيه، ولا يتعين واحد من هذه الأقسام إلا بدليل زائد، ... وقال قوم: على الوجوب إن كان في العبادات، وإن كان في العادات فعلى الندب، ويستحب التأسي به. وهذه تحكمات؛ لأن الفعل لا صيغة له، وهذه الاحتمالات متعارضة، ونحن نفرد كل واحد بالإبطال" (٢). ثم استدرك على شبه القائلين بحمل أفعاله ﷺ على الوجوب؛ ومنها قوله: "الخامسة: - وهي أظهرها - تمسكهم بفعل الصحابة ... "، وذكر على ذلك بعض الأمثلة ثم قال: "الجواب من وجوه: الأول: أن هذه أخبار آحاد، وكما لا يثبت القياس وخبر الواحد إلا بدليل قاطع؛ فكذلك هذا؛ لأنه أصل من الأصول" (٣). • بيان الاستدراك: استدرك الغزالي على استدلال القائلين بحمل أفعاله ﷺ على الوجوب بفعل الصحابة، واستخدم في استدراكه التمثيل فقال: القياس وخبر الواحد من الأصول

стр. 446

لا يثبت حجيتهما إلا بدليل قاطع (وهذا الأصل المقيس عليه). ومسألتنا - دلالة أفعال النبي ﷺ أصل من الأصول (وهذا الفرع المقيس). والعلة الجامعة: أصل من الأصول. الحكم: دلالة أفعال النبي ﷺ لا يثبت حجيتها إلا بدليل قاطع. • المثال الخامس: قال الآمدي في مسألة (الفاسق المتأول الذي لا يعلم فسق نفسه): "الفاسق المتأول الذي لا يعلم فسق نفسه لا يخلو إما أن يكون فسقه مظنونًا، أو مقطوعًا به ... وإن كان فسقه مقطوعًا به؛ فإما أن يكون ممن يرى الكذب ويتدين به، أو لا يكون كذلك. فإن كان الأول فلا نعرف خلافًا في امتناع قبول شهادته كالخطابية من الرافضة (١)؛ لأنهم يرون شهادة الزور لموافقهم في المذهب. وإن كان الثاني -كفسق الخوارج الذين استباحوا الدار، وقتلوا الأطفال والنسوان - فهو موضع الخلاف؛ فمذهب الشافعي وأتباعه وأكثر الفقهاء: أن روايته وشهادته مقبولة. وهو اختيار الغزالي (٢) وأبي الحسين البصري (٣) وكثير من الأصوليين.

стр. 447

وذهب القاضي أبو بكر (١) والجبائي وأبو هاشم (٢) وجماعة من الأصوليين إلى امتناع قبول شهادته وروايته، وهو المختار. " ثم ذكر دليل هذا القول من النص والمعقول، فقال في دليل المعقول: "وأما المعقول فهو أن القول بقبول خبره يستدعي دليلاً، والأصل عدمه. فإن قيل: بيان وجود الدليل النص، والإجماع، والقياس، ... وأما القياس فهو أن الظن بصدقه موجود، فكان واجب القبول مبالغة في تحصيل مقصوده قياسًا على العدل والمظنون فسقه". ثم ذكر الجواب عن هذا القياس المستدرَك به بقوله: "وعن القياس بالفرق في الأصول المستشهد بها. أما في العدل فلظهور عدالته واستحقاقه لمنصب الشهادة والرواية، وذلك يناسب قبوله إعظامًا له وإجلالاً، بخلاف الفاسق. وأما في مظنون الفسق فلأن حاله في استحقاق منصب الشهادة والرواية أقرب من حال من كان فسقه مقطوعًا به، فلا يلزم من القبول ثم القبول هاهنا" (٣). • بيان الاستدراك: استدل الآمدي للقائلين بمنع قبول شهادة ورواية المتأول فسقه: بأن قبول خبره يستدعي دليلاً، والأصل عدمه. ثم قدر استدراكًا من الخصم ببيان وجود دليل على قبول خبر المتأول فسقه، وهذا الدليل من النص والإجماع والقياس. ودليل القياس: بجعل العدل والمظنون فسقه أصلاً، يقاس عليه الفرع؛ وهو المتأول فسقه، بجامع وجود الظن بصدق خبره، وهذا القياس من باب التمثيل،

стр. 448

وهو قياس جزء على جزء لعلة بينهما. ثم استدرك الآمدي على هذا القياس: بأنه قياس مع وجود فارق. • تنبيه: قد يجتمع الاستدراك النقلي والعقلي؛ ومن أمثلة ذلك: • المثال الأول: ذكر الرازي اعتراضًا من الخصم المقدر (١) في مسألة (حجية الإجماع): "سلمنا دلالة هذه الآية (٢) على أن الإجماع حجة؛ لكنها معارضة بالكتاب، والسنة، والمعقول. أما الكتاب فكل ما فيه منع لكل الأمة من القول الباطل والفعل الباطل؛ كقوله : ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩/الأعراف: ٣٣]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، والنهي عن الشيء لا يجوز إلا إذا كان المنهي عنه متصورًا. وأما السنة فكثيرة: أحدها: قصة معاذ (٣) وأنه لم يجر فيها ذكر الإجماع، ولو كان ذلك مدركًا شرعيًّا لما جاز الإخلال بذكره عند اشتداد الحاجة إليه؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وثانيها: قوله ﵊: «لا تقُومُ السّاعَةُ إلا على شِرارِ الناس» (٤) ...

стр. 449

وهذه الأحاديث -بأسرها- تدل على خلو الزمان عمن يقوم بالواجبات. وأما المعقول فمن وجهين: الأول: أن كل واحد من الأمة جاز الخطأ عليه؛ فوجب جوازه على الكل، كما أنه لو كان كل واحد من الزنج أسود؛ كان الكل سودًا. الثاني: أن ذلك الإجماع إما أن يكون لدلالة، أو لأمارة (١)، أو لا لدلالة ولا لأمارة. فإن كان لدلالة فالواقعة التي أجمع عليها كل علماء العلم تكون واقعة عظيمة، ومثل هذه الواقعة مما تتوفر الدواعي على نقل الدليل القاطع الذي لأجله أجمعوا؛ فكان ينبغي اشتهار تلك الدلالة. وحينئذٍ لا تبقى للتمسك بالإجماع فائدة. وإن كان لأمارة فهو محال؛ لأن الأمارات يختلف حال الناس فيها؛ فيستحيل اتفاق الخلق على مقتضاها. ولأن في الأمة من لم يقل بكون الأمارة حجة؛ فلا يمكن اتفاقهم لأجل الأمارة على حكم. وإن كان لا لدلالة ولا لأمارة كان ذلك خطأ فادحًا في الإجماع، ولو اتفقوا عليه لكانوا متفقين على الباطل، وذلك قادح في الإجماع" (٢). • بيان الاستدراك: استدرك الخصم القائل بعدم حجية الإجماع على استدلال القائلين بالحجية بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ

стр. 450

مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] بأنها معارضة بأدلة من الكتاب، والسنة، والمعقول. والاستدراك بأدلة الكتاب والسنة واضح. وأما المعقول فاستدل بدليلين: الأول: التمثيل: جاز الخطأ على كل واحدٍ، فيجوز على الكل؛ كالزنجي لما كان كل واحد أسود كان الكل أسود. الجامع: الحكم بالكلية على الكل (١) - الحكم بالآحاد على المجموعة -. الثاني: القياس الاستثنائي المنفصل: أن ذلك الإجماع إما أن يكون لدلالة، أو لأمارة، أو لا لدلالة ولا لأمارة. فإن كان الأول - مستند الإجماع الدليل القاطع- فهذه الواقعة عظيمة تتوفر الدواعي لنقل الدليل الذي بسببه أجمعوا، وحينئذ يكون حكم الواقعة الدليل القاطع وليس الإجماع، فلا يكون للإجماع فائدة. وإن كان الثاني - مستند الإجماع أَمَارة - فتصور وقوع هذا الإجماع محال؛ لأن الأمارات يختلف حال الناس فيها؛ فيستحيل اتفاقهم عليها. إضافة إلى أن من الأمة من لم يقل بحجية الأمارة، فلا ينعقد الإجماع بدونهم؛ لأن الإجماع اتفاق جميع الأمة. وإن كان الثالث - الإجماع بلا دلالة ولا أمارة- فإن ذلك خطأ عظيم في الإجماع؛ فإن الإجماع لابد له من مستند؛ إما دليل أو أمارة، فلو اتفقوا على إجماع

стр. 451

خالٍ منهما؛ كانوا متفقين على الباطل، والاتفاق على باطل قادح في الإجماع؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة. • المثال الثاني: قال الآمدي في مسألة (تقليد المجتهد لغيره فيما لم يجتهد فيه): "المكلف إذا كان قد حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل؛ فإن اجتهد فيها وأداه اجتهاده إلى حكم فيها؛ فقد اتفق الكل على أنه لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أوجبه ظنه وترك ظنه. وإن لم يكن قد اجتهد فيها فقد اختلفوا فيه ... والمعتمد في المسألة: أن يقال: القول بجواز التقليد حكم شرعي، ولا بد له من دليل، والأصل عدم ذلك الدليل، فمن ادعاه يحتاج إلى بيانه، ولا يلزم من جواز ذلك في حق العامي العاجز عن التوصل إلى تحصيل مطلوبه من الحكم جواز ذلك في حق من له أهلية التوصل إلى الحكم وهو قادر عليه، ووثوقه به أتم مما هو مقلد فيه؛ لما سبق. فإن قيل: دليل جواز التقليد في حق من لم يجتهد وإن كانت له أهلية الاجتهاد: الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، أمر بالسؤال، وأدنى درجاته: جواز اتباع المسؤول واعتقاد قوله، وليس المراد به من لم يعلم شيئًا أصلاً؛ بل من لم يعلم تلك المسألة، ومن لم يجتهد في المسألة، وإن كانت له أهلية الاجتهاد فيها غير عالم بها؛ فكان داخلاً تحت عموم الآية. وأيضًا قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] والمراد (بأولي الأمر): العلماء، أمر غير العالم بطاعة العالم، وأدنى درجاته جواز اتباعه فيما هو مذهبه.

стр. 452

وأما السنة فقوله ﵇: «أصحابي كالنجوم؛ بأيهم اقتديتم اهتديتم» (١)، وقوله ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِن بَعِدي» (٢)، وقوله ﵇: «اقتَدُوا بِاللَّذَينِ من بعدي: أبي بَكرٍ وعُمَرُ» (٣). وأما الإجماع فهو أن عمر رجع إلى قول علي ﵁ وإلى قول معاذ (٤)، وبايع

стр. 453

عبدالرحمن بن عوف عثمان على اتباع سنة الشيخين أبي بكر وعمر (١)، ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة، مع أن المقلد كان أهلاً للاجتهاد، فصار ذلك إجماعًا. وأما المعقول فهو أنه لا يقدر باجتهاده على غير الظن، واتباع المجتهد فيما ذهب إليه مفيد للظن، والظن معمول به في الشرعيات -على ما سبق تقريره-، فكان اتباعه فيه جائزًا" (٢). • بيان الاستدراك: استدرك الخصم على المانعين التقليد للمجتهد في المسائل التي لم يجتهد فيها في قولهم: القول بجواز التقليد حكم شرعي، والحكم الشرعي لابد له من دليل، والدليل لم يوجد: بأن الدليل قد وجد من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، ودليل الكتاب والسنة والإجماع واضح.

стр. 454

وأما دليل المعقول، فهو من قبيل الاستدراك العقلي مادته القياس الاقتراني: اتباع المجتهد لمجتهد غيره مفيد للظن، وهذه المقدمة الأولى. والظن معمول به في الشرعيات، وهذه المقدمة الثانية. النتيجة: اتباع المجتهد لمجتهد غيره معمول به في الشرعيات. وبعد معرفة أقسام الاستدراك الأصولي صار من المناسب عقدُ فصل يتحدث عن نشأته وتطوره في المصنفات الأصولية ومنهجه؛ وهو موضوع الفصل القادم.

стр. 455

الفصل الرابع

стр. 456

الفصل الرابع الاستدراك في عصر التشريع، وتاريخه في المصنفات الأصولية، ومنهجه . وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: الاستدراك في عصر التشريع. - المبحث الثاني: تاريخ الاستدراك الأصولي. - المبحث الثالث: منهج الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته.

стр. 457

• المبحث الأول الاستدراك في عصر التشريع . وفيه تمهيد، ومطلبان: - تمهيد: المراد بعصر التشريع. - المطلب الأول: أمثلة للاستدراكات الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية. - المطلب الثاني: أمثلة لاستدراكات الصحابة والتابعين. * * ... * ** * ... * *

стр. 458

تمهيد المراد بعصر التشريع التشريع في اللغة: مصدر (شَرّع) بالتشديد، مأخوذ من الشريعة، ومادة الكلمة (الشين والراء والعين) أصلٌ واحد؛ وهو شيء يُفتح في امتدادٍ يكون فيه. (١) والشريعة في لغة العرب: مورد الماء الذي يقصد للشرب، ثم استعملها العرب في الدين، والملة، والمنهاج، والطريقة، والسنة. (٢) وأما التشريع في الاصطلاح الشرعي والقانوني فهو: سن القوانين التي تعرف منها الأحكام لأعمال المكلفين، وما يحدث لهم من الأقضية والحوادث (٣). ويمكن تقسيم التشريع الإسلامي إلى قسمين (٤): ١ - تشريع توقيفي. ٢ - تشريع اجتهادي. المراد بالتشريع التوقيفي: ما شرع نصًّا في الكتاب أو السنة النبوية. المراد بالتشريع الاجتهادي: ما شرع باجتهاد الصحابة والتابعين والمجتهدين استنباطًا من التشريع التوقيفي (٥).

стр. 459

وبالتالي فالمراد بعصر التشريع في هذا البحث: هو ذلك العصر الذي عاش فيه الرسول (١) ﷺ والصحابة والتابعون والمجتهدون. ولما كان هذا البحث تأصيلاً للاستدراك الأصولي؛ ناسب عقد هذا المبحث لعرض أمثلة للاستدراكات الواقعة في القرآن الكريم، وفي الاستعمال النبوي، وما وقع منها في استعمالات الصحابة والتابعين، مع مراعاة تنوع الاستدراكات ومنشئها. وليس الغرض من هذا الفصل حصر النصوص والأقوال؛ وإنما محاولة لتأكيد مشروعية الاستدراك عمومًا؛ إذ الوقوع دليل الجواز، ولذكر تقسيم مناسب لتطوره في المصنفات الأصولية.

стр. 460

• المطلب الأول: أمثلة للاستدراكات الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية • أولاً: أمثلة للاستدراكات الواردة في القرآن الكريم . بعد التأمل في عدد من الاستدراكات الواردة في القرآن الكريم يمكن تقسيمها إلى قسمين: القسم الأول: استدراكات بأداة الاستدراك (لكن) . القسم الثاني: استدراكات بغير أداة الاستدراك (لكن). وأمثل لكل قسم فيما يلي. • القسم الأول: استدراكات بأداة الاستدراك (لكن): الاستدراك بأداة الاستدراك (لكن) وقع كثيرًا في القرآن الكريم، وهذا نوع من المحسنات البلاغية (١) عند العرب. قال ابن عاشور (٢): "وشأن (لكن) أن تكون جملتها مفيدة معنى يغاير معنى الجملة الواقعة قبلها، ولا تدلّ عليه الجملة السابقة، وذلك هو حقيقة الاستدراك الموضوعةُ له (لكن)، فلا بد من مناسبة بين مضموني الجملتين ... فلا يحسن أن تقول: ما سافرت ولكنّي مقيم. وأكثر وقوعها بعد جملة منفية؛ لأنّ النّفي معنى واسع، فيكثر أن يحتاج المتكلّم بعده إلى زيادة بيان، فيأتي بالاستدراك. ومن قال: إنّ حقيقة
следующие страницы →