← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133372

الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية

إيمان بنت سالم قبوس

Полный текст (900 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأدرك الثمر: إذا نضج. (١) ٣ - الاطلاع على حقيقة الشيء، ومنه: أدركته ببصري: أي رأيته، وأدركت المسألة: علِمتُها (٢)، ومنه قوله تعالى: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ) [الأنعام: ١٠٣] (٣). ٤ - التلافي والإصلاح (٤)، ومنه قول زهير (٥): تَدَاركْتُما عَبْسًا وذُبْيانَ بَعْدَما ... تَفَانَوا وَدقوا بَيْنَهم عِطَر مَنْشَمِ (٦) أي: تلافيتما أمر عبسٍ وذبيان بالصلح بعد ما تفانوا بالحرب (٧).

стр. 37

ثالثًا: الجانب الصرفي: الجانب الصرفي لمادة "دَرَكَ" يأتي على عدة أوزان لازمة ومتعدية (١)، والذي يناسب ما نحن بصدده من تقرير هو المعنى المتعدي، فتقول: استدرك كذا بكذا واستدرك عليه كذا. ومن الأوزان المتعدية لمادة "درك": افتعل، تفاعل، استفعل، فأدْرك الشيء وتداركه واستدركه بمعنى واحد؛ وهو: لحقه ووصل إليه. (٢) ولكل وزن معانٍ متعددة أذكر منها ما يناسب ويضيف فائدة للمعنى: ١ - وزن "افْتَعَلَ"، ومنه ادَّرَك، واشتهر في هذا الوزن ستة معان، وما يناسب البحث: - الاجتهاد والطلب: فالمستدرِك اجتهد وطلب الصواب ليُظهره في المستدرك فيه. (٣) - الإظهار: فالمستدرِك يظهر بالمستدرك به الصواب، فيُكمل نقصًا كان مخفيًا، ويظهر إيضاحًا من قول مبهم ونحو ذلك مما يُظهره المستدرِك بالعملية الاستدراكية. (٤) ٢ - وزن "تَفَاعَلَ"، ومنه تدارك، واشتهر فيه أربعة معان، وما يناسب البحث: - مطاوعة فاعل: داركته فتدارك (٥)، ويأتي "تدارك" بمعنى الطلب (٦).

стр. 38

٣ - وزن "استَفْعَلَ"، ومنه استدرك، اشتهر فيه ستة معان، وما يناسب البحث: - الطلب، والطلب في "استَفْعَلَ" طلب حقيقي ومجازي، والمراد به هنا الطلب المجازي؛ كقولك: استدركت المسألة، أو استدركت القول، وسميت الممارسة والاجتهاد في الحصول عليه طلبًا؛ حيث لا يمكن الطلب الحقيقي. (١) - مُطاوعة "أفعل": أدركته فاستدرك. (٢) هذا حاصل ما يُقال في معنى الاستدراك لغة. أما الاستدراك اصطلاحًا: فقد عرف بعدة تعريفات، يمكن إرجاعها إلى منهجين: الأول: تعريف الاستدراك مصطلح عام. الثاني: تعريف الاستدراك مصطلح خاص بعلم معين. ولما كان العلم بالخاص موقوفًا على العلم بالعام (٣)؛ ناسب أن أبدأ بذكر تعريف الاستدراك مصطلح عام، وله عدة تعريفات: التعريف الأول: رفع توهُّمٍ تولَّد من كلام سابق (٤). التعريف الثاني: تعقيب الكلام برفع ما يوهم ثبوته (٥). ويلحظ على هذين التعريفين أنهما غير جامعين؛ حيثُ قصرا موضوع الاستدراك على الكلام، وذكرا سببًا من أسباب الاستدراك؛ وهو: رفع التوهم، في حين أن

стр. 39

الاستدراك له أسباب أخرى كما سيأتي بيانها. التعريف الثالث: تعقيب اللفظ بما يشعر بخلافه (١). وهذا التعريف أيضًا غير جامع؛ لأنه قصر موضوع الاستدراك على اللفظ. وأشار إلى سبب الاستدراك؛ وهو: الخلاف والتغايير في اللفظ، في حين أن موضوع الاستدراك يشمل اللفظ وغيره كما سيأتي. التعريف الرابع: ما ذكره أهل العلم -بطلب أو بدون طلب- مخالفة للطعن في رأي المخالف (٢). وهذا التعريف أيضًا غير جامع؛ لأنه قصر موضوع الاستدراك على الاستدراك العلمي -وإن كان هو المقصود في البحوث العلمية إلا أن المراد تعريف الاستدراك مصطلح عام-، وأشار إلى سبب الاستدراك؛ وهو: الخلاف والتغاير في الرأي. التعريف الخامس: إتباع القول الأول بقول ثانٍ يُصلح خطأه، أو يكمل نقصه، أو يُزيل عنه لَبسًا (٣). التعريف السادس: إصلاح خطأ، أو إكمال نقص، أو إزالة لبس وقع فيه الغير؛ بغية الوصول إلى الصواب (٤). والتعريف الخامس والسادس ذكرا عددًا من أسباب الاستدراك؛ وهي: إصلاح خطأ، إكمال نقص، إزالة لبس. وموضوع الاستدراك في التعريف الخامس خاص بالأقوال، فهو غير جامع.

стр. 40

وأما التعريف السادس فموضوع الاستدراك فيه عام من وجه وخاص من وجه، فهو عام للأقوال والأفعال؛ حيثُ عبر بـ"وقع فيه الغير"، وخاص من جهة المستدرِك، فهو يفيد كون المستدرِك غير المستدرك عليه، وهذا القيد ليس بلازم؛ إذ قد يكون المُستدرِك هو نفسه المُستدرَك عليه، فاللغة والواقع لا يمنعان ذلك. أما اللغة فكقول القائل: استدركت ما فات وتداركته (١)، وتدارك الخطأ بالصواب، والذنب بالتوبة (٢). وأما الواقع الشرعي: فإن المسلم يستدرك الخلل الواقع في صلاته بسجود السهو، ويستدرك كذلك الخلل في الحج بالفدية، ونحو ذلك. وكذلك الواقع العلمي لا ينافي كون المستدرِك نفس المستدرَك عليه، فكثيرًا ما تجد عالمًا يستدرك على قولٍ سابقٍ له. (٣) التعريف السابع: عملية يقوم بها شخص تكون مكملة لنشاط قام به غيره في المجال نفسه (٤). وموضوع الاستدراك في هذا التعريف عام في الأقوال والأفعال؛ حيث عبرَ بـ"قام به غيره"، وخاص بتكميل نشاط في المجال نفسه، وبالتالي تكميل النشاط في التعريف يكون في الأقوال والأفعال في المجال نفسه. وخاص أيضًا من جهة المستدرِك، فهو يفيد كون المستدرِك غير المستدرك عليه، وهذا القيد ليس بلازم -كما ذكرت سابقًا-.

стр. 41

ويظهر لي أن عبارة (مكملة لنشاط) يُراد بها إتمام النقص؛ لأن التكميل والإكمال هو: الإتمام (١)، فهو قد أتى بنشاط ولكنه ناقص يحتاج لإتمام؛ بيد أن تكميل النقص لا يكون دائمًا استدراكاً؛ كوفاة المصنف قبل تمام تصنيفه، فإكماله من مصنف آخر لا يعد استدراكًا؛ فمثلاً: كتاب "الإبهاج شرح المنهاج" صنفه علي بن عبدالكافي السبكي (٢) في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضي عبدالله بن عمر البيضاوي (٣)؛ ولكن المنية وافته قبل إتمام الكتاب؛ حيثُ وصل فيه إلى "مقدمة الواجب" (٤)، فأكمله ولده تاج الدين عبدالوهاب السبكي؛ حيث قال: " ... وقد وصل والدي الشيخ الإمام - جزاه الله الخير- إلى مسألة: مقدمة الواجب، ونحن نتلوه والله الموفق المعين بخفي ألطافه، والمحقق لرجاء العبد بإسعاده وإسعافه" (٥). فإكمال التاج السبكي لشرح المنهاج لا يُعد استدراكًا على والده. وإذا تقرر هذا فينبغي تقييد الإكمال في الاستدراك إذا كان الإتمام متعلقًا بالمستدرك فيه، فالإكمال في المصنفات العلمية إذا كان لذات عبارة المصنف؛

стр. 42

كتكميل النقص في الأقوال والمذاهب التي اقتصر المصنف على البعض منها؛ سمي استدراكًا، أما إذا كان تكميل شيء لم يذكره المصنف فهذا لا يسمى استدراكًا. التعريف الثامن: تلافي خلل واقع أو مقدر؛ لإنشاء نفعٍ أو تكميله في نظر المتلافي (١). فكلمة: "تلافي" غير جامع؛ لأن الاستدراك لا يشترط فيه التلافي، فقد يكون كذلك، وقد لا يكون؛ كالاستدراك النقدي (٢)، والاستدراك لإضعاف دليل الخصم ببيان خطئه (٣) وتخليطه ومغالطته. موضوع الاستدراك في التعريف: "الخلل الواقع أو المقدر"؛ فهو عام في الأقوال والأفعال الواقعة والمقدرة؛ ولكن لفظة "الخلل" لا أرها مناسبة في تعريف الاستدراك كمصطلح عام يشمل جميع العلوم؛ لأن الاستدراك بمعناه البلاغي ثبت في القرآن والسنة فلا يليق تعريف الاستدراك كمصطلح عام بأنه "تلافي خلل"، فالاستدراك

стр. 43

يستخدمه العرب كمحسن بلاغي (١). كما أن تقييد موضوع الاستدراك بالخلل يخرج الاستدراك بصيغة (أفعل) للتفضيل؛ كقولهم: الأصوب، الأرجح، الأولى. وقولها: "في نظر المتلافي" هذا القيد غير لازم؛ لأن المستدرِك قد يستدرك على المستدرَك عليه بلازم له في مذهبه وهو لا يرى ذلك اللازم، بعبارة أخرى: الخصم قد يستدرك على المستدل في دليله بلازم مذهبه -أي مذهب المستدل-، فإن نفى المستدل هذا اللازم انتفى مذهبه؛ لأن انتفاء اللازم انتفاء للملزوم، في حين أن هذا اللازم لو نفاه الخصم لا يترتب عليه شيء؛ لأنه ليس بلازم في مذهب الخصم، وبعبارة الباحثة هذا اللازم خلل للمستدل، وليس بخلل للخصم، وبالتالي ثبت أن تلافي الخلل لا يشترط فيه نظر المتلافي؛ لأن المتلافي هنا الخصم. كما أن صور الاستدراك الفقهي في العبادات التلافي فيها ليس من نظر المتلافي؛ بل من نظر الشارع؛ فمثلاً: سجود السهو والفدية والكفارات استدراك في نظر الشارع؛ وليس من نظر المتلافي.

стр. 44

المنهج الثاني: تعريف الاستدراك كمصطلح خاص بعلم معين: تعريفه عند النحويين: رفع التوهم المتولد من كلام سابق بلفظة (لكنّ) أو (لكنْ) أو (على) أو ما يقوم مقامها من أدوات الاستثناء (١). (٢) تعريفه عند البلاغيين: رفع توهم يتولد من الكلام السابق رفعًا شبيهًا بالاستثناء؛ وهو معنى (لكن)، على أن تكون هناك نكته طريفة لتحسنه وتدخله في البديع؛ وإلا فلا يُعد منه (٣). وقيل: هو العود على الكلام السابق بالنقض (٤). وبعض علماء البلاغة يسمي هذا النوع من البديع بالرجوع (٥)، ومنهم من يطلق عليه الاسمين-الاستدراك والرجوع- (٦)، ومنهم من يجمع بين الاستدراك والاستثناء ويذكر الفرق بينهما (٧).

стр. 45

تعريفه عند الأصوليين (١): رفع التوهم الناشئ من الكلام السابق (٢). وقيل أيضًا في حده: أنْ تنسب لما بعد "لكن" حكمًا مخالفًا لحكم ما قبلها، ولذلك لا بد أن يتقدمها كلام مناقض لما بعدها (٣). تعريفه عند الفقهاء: إصلاح ما حصل في القول أو العمل من خلل، أو قصور، أو فوات (٤). ويُلاحظ من التعريف السابق أن الاستدراك عند الفقهاء على قسمين: قولي وعملي. •فالاستدراك العملي يذكره الفقهاء في باب العبادات، وله عدة صور؛ كاستدراك القضاء والإعادة والفدية والكفارة وسجود السهو (٥). ومن أمثلة ذلك ما جاء في البحر الرائق (٦): "فالحاصلُ أَنَّ قولهم: إنَّ الْمُعتَمِرَ يُعِيدُ الطَّواف مَحَلُّهُ ما إذا لم يكن قَارِنًا، أَمَّا في الْقَارِنِ إذا دخل يوم النَّحرِ فلا إعادة،

стр. 46

وعلَّل له مُحَمَّدٌ (١) كما نَقَلَهُ ابن بَدَّارٍ (٢) في شرح الجامع الصغير بأنه لو أعاده لانتقضت عمرته؛ لأنه يصير رَافِضًا لها بالوقوف وقد تأكَّدت، فلا يمكن استدراك النَّقص بجنسه فيُجبَرُ بالدَّمِ" (٣). وما جاء أيضًا في شرح منتهى الإرادات (٤): "فصلٌ: ومَنْ ترك ركنًا غير تكبيرة الإحرام سهوًا؛ كركوع، أو سجود، أو رفع من أحدهما، أو طمأنينة، فذكره - أي الركن المتروك- بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى غير التي تركه منها؛ بطلت الركعة التي تركه منها وقامت التي تليها مقامها؛ لأنه لا يمكنه استدراك المتروك؛ لتلبسه بفرض قراءة الركعة الأخرى، فلغت ركعته". • وأما الاستدراك القولي فيذكره الفقهاء في باب المعاملات والأحوال الشخصية والعقوبات. فنجدهم في هذه الأبواب يذكرون لفظ (استدراك المكلف) وأثر استدراكه على

стр. 47

عقده؛ ومن أمثلة ذلك ما ذكره السَرَخْسِي (١): "ولو قال: مئة درهم؛ لا بل مائتان؛ في القياس يلزمه ثلاثمائة، وبه قال زفر (٢) ﵀. وفي الاستحسان يلزمه مائة درهم. وجه القياس: أن كلمة (لا بل) لاستدراك الغلط بالرجوع عن الأول وإقامة الثاني مقام الأول، فرجوعه عن الإقرار بالمائة باطل، وإقراره بالمائتين على وجه الإقامة مقام الأول صحيح، فيلزمه المالان؛ كما لو قال: له علي مائة درهم؛ لا بل مائة دينار، أو قال لامرأته: أنت طالق واحدة؛ لا بل اثنين، يقع ثلاث تطليقات. وجه الاستحسان: أن الإقرار إخبار، والغلط يتمكن في الخبر، والظاهر أن مراده بذكر المال الثاني استدراك الغلط بالزيادة على المال الأول؛ لا ضم الثاني إلى الأول .... " (٣). وقال المرداوي (٤): "قوله: وإِنْ قال: غصبت هذا العبد من زيد؛ لا بل من

стр. 48

عمرو، أو ملكه لعمرو وغصبته من زيد؛ لا بل من عمرو؛ لزمه دفعه إلى زيد ويغرم قيمته لعمرو على الصَّحيح من المذهب .... وقيل: لا إقرار مع استدراك متصل، واختاره الشيخ تَقِيُّ الدِّينِ (١) ﵀، وهو الصواب" (٢). وقال المَاوَرْدِيُّ (٣): "فأما إن قال: لا والله، وبلى والله، فجمع بينهما؛ كان الأول لغوًا؛ لأنها غير مقصودة، وكانت الثانية منعقدة؛ لأنها استدراك فصارت مقصودة" (٤). وأيضًا جاء في تعريف الاستدراك الفقهي: أنه تلافي خلل واقع أو مقدر بعمل فقهي؛ لإنشاء نفعٍ أو تكميله في نظر المتلافي (٥).

стр. 49

الفرق بين استخدام الاستدراك عند الأصوليين والفقهاء (١): هناك تباين في المنهجين: فالأصوليون: يُريدون الاستدراك في النصوص الشرعية؛ فالبحث الأصولي لكلمة (الاستدراك) يُراد به الاستدارك في النص الشرعي؛ كصيغة (لكن) ونحوها. أما الفقهاء: يستعملون كلمة (الاستدراك) الذي هو من عمل المكلف. تعريفه عند المفسرين: اتباع المفسر قولاً يذكره في بيان معنى في القرآن بقول آخر يصلح خطأه، أو يكمل نقصه (٢). وعرفوه أيضًا بأنه: تعقب مفسر متأخر مفسرًا متقدمًا في بعض آرائه المتعلقة بالتفسير، ويُتبع ذلك التعقيب -غالبًا- بالتصحيح وترجيح ما يراه المتأخر، وقد يرد المستدرِك على المستدرَك عليه، وقد لا يرد (٣). ومن خلال ما تقدم من التعريفات يتضح لنا أن سمات الاستدراك هي: ١ - ارتباط عمل المستدرِك بعمل سابق، فلا بد من وجود سابق مستدركٍ عليه، ولاحق مستدركٍ به. ٢ - المخالفة بين المستدرك فيه -العمل الأول- والمستدرك به -العمل اللاحق-، فالاستدراك لا يكون على مطابق. ٣ - اتحاد متعلق المستدرك به بالمستدرك فيه، فمورد الاستدراك يكون على محل واحد.

стр. 50

٤ - تعدي فعل الاستدراك. وعلى هذا فأي تعريف تحققت فيه هذه السمات فهو مؤد للمقصود. التعريف المختار للاستدراك في الاصطلاح: قبل ذكر التعريف المختار لمصطلح (الاستدراك) أحدد ضوابطه: الضابط الأول: لم أَتَكَلَّفْ إنشاء هذا الحد على ما يرسمُه المناطقة (١)؛ فرارًا من التَّعَقُّبِ اللامتناهي أولاً، ولأن الغرض - وهو التصوير- يحصل بما ذكرت ثانيًا. (٢) الضابط الثاني: راعيتُ تعدية فعل (الاستدراك). الضابط الثالث: جعلت موضوع الاستدراك عامًا، ليشمل الاستدراك الأقوال والأفعال. الضابط الرابع: جعلت سبب الاستدراك عامًا، فيشمل جميع أسباب الاستدراك. الضابط الخامس: راعيت لازم تأخير الاستدراك عن المستدرك عليه. الضابط السادس: راعيتُ ما أفاده الجانب الصرفي من معانٍ. ومن خلال الضوابط السابقة وما تقدم من التعريفات اللغوية والاصطلاحية يمكن صياغة تعريف للاستدراك - بعد الاستعانة بالله - بأنه: تعقيب الشيء بما يخالفه في نفسه.

стр. 51

شرح التعريف وبيان محترزاته: التعريف بـ "التعقيب" للأسباب التالية: ١ - أن الحد به أعم من الحد برفع التوهم، أو إصلاح الخطأ، أو إكمال النقص، أو تلافي الخلل؛ وذلك لما يلي: أ- أن التعقيب لازم للاستدراك، فلا يخلو الاستدراك من التعقيب بمعنى التَّتَبُّع، بخلاف التعريفات المذكورة -رفع توهم، إصلاح خطأ، إكمال نقص، تلافي خلل-؛ لأنها وإن كانت مقصودة في بعض صور الاستدراك -كما سيأتي- إلا أنها غير لازمة للاستدراك؛ فالاستدراك النقدي والاستدراك على الخصم لا يحصل فيهما إصلاح، أو إكمال، أو تلافٍ. ب- أن المعاجم تذكر معاني تلازم التعقيب زيادة على أصل المادة: من التَّتَبُّعِ، والطلب، والتدبر، والنظر ثانية، والتفحُّص (١)، وهذه المعاني من صفات المستدرِك، ولا توجد في التعريفات الأخرى؛ كرفع توهم، وإصلاح خطأ، وإكمال نقص، وتلافي خلل. كما أن هذه المعاني تحقق الإضافة التي أفادها الجانب الصرفي لمادة "درك". ٢ - المعاجم ذكرت في تعريف التعقيب: أن يأتي بشيء بعد آخر (٢)، فيتحقق في التعريف بالتعقيب لازم تأخير المستدرِك عن المستدرَك عليه. ٣ - عبرت بلفظ "التَّعقيب" بدلاً عن لفظ "التَّعَقُّب" لمراعاة الفرق الذي جاء في معجم لغة الفقهاء (٣)؛ حيثُ عرف (التَّعقُّب) بـ"التتبع لإظهار الخطأ أو الخلل". وعرف (التَّعقيب) بـ"ما يُثبتُه بعد التتبع. وهو إصلاح الخطأ، أو سد الخلل". (٤)

стр. 52

٤ - الوزن الصرفي للتعقيب: (تَفعيل)، وهو وزن قياسي من الفعل (فعَّل)، ويأتي بعدة معانٍ، والمناسب للتعقيب: التكثير في الفعل (١). فالمستدرِك يُكثر من النظر والتدبر والتفحص في عبارة المستدرَك عليه. فإن قلت: تعريف الاستدراك بالتعقيب تعريف الشيء بمرادفه، وهذا فيه الدَّوْر (٢)، والدور لا يصح في التعريفات. فالجواب: لا أسلم أن التعقيب مرادف للاستدراك؛ لأن الاستدراك لغة: اللُّحوق، واللُّحوق والتعقيب لفظان لكل منهما معنى يخالف الآخر، فلا ترادف بينهما وإن اشتركا في بعض اللوازم. (٣) وجواب ثانٍ: سلمتُ أن التعقيب مرادف للاستدراك، فيجوز تعريف الشيء بلفظ يرادفه إذا كان أوضح منه، ولا شك أن لفظ (التعقيب) أوضح من لفظ (الاستدراك) بالنسبة للسامع، فعرف به زيادة في البيان والإيضاح (٤)، وهذا يسمى (التعريف اللفظي) (٥). التعبير بـ" الشيء ": يعم القول والفعل، ويعم أيضًا الشيء الواقع والمقدر؛

стр. 53

وذلك لأن "الشيء" (١) مفرد محلى بـ" أل" وهو من صيغ العموم (٢). التعبير بـ"بما": "بما" جار ومجرور متعلق بالمصدر "تعقيب". و"ما" من صيغ العموم (٣)، فتعم الاستدراك على الأقوال والأفعال، ولا مانع من تصور ذلك _أي وقوع الاستدراك على الأقوال والأفعال_ وجوازه؛ بدليل الوقوع في لغة العرب؛ إذ الوقوع دليل الجواز. فمثال استعماله في القول عند أهل اللغة: قولهم: استدرك عليه القول: أصلح خطأه، أو أكمل نقصه، أو أزال لَبْسًا. (٤) وأما استعماله في الفعل عند أهل اللغة فمنه قول زهير: تَدَاركْتُما عَبْسًا وذُبْيانَ بَعْدَما ... تَفَانَوا وَدقوا بَيْنَهم عِطَر مَنْشَمِ (٥) أي تلافيتما أمر هاتين القبيلتين بالصلح بعدما تفانوا بالحرب. (٦)

стр. 54

وكذلك التعبير بـ"ما" يشمل الاستدراك الواقع من الخصم، والمقدر من المستدِل، فالاستدراك الواقع من الخصم يكون بتعقيب يرفعه، وأما الاستدراك المقدر من المستدِل فيكون بتعقيب يدفعه. والتعبير بـ"يخالفه" الهاء في الفعل "يخالف" ضمير يعود على "الشيء"، فلا يتصور الاستدراك بلا مخالفة بين المستدرك فيه والمستدرك به. والتعبير بالفعل "يخالف" يدل على الإطلاق؛ لأن الأفعال نكرات (١)، فيصدق على مطلق المخالفة، وبالتالي يتناول جميع أسباب الاستدراك؛ وذلك لأن المخالفة قد تكون كلية؛ كتصحيح خطأ، أو دفع توهم في الفهم، أو نقد خصم، أو تخطئته، فالمستدرك به هنا مخالف بالكلية للمستدرك عليه. ومثالها في الأفعال الفقهية: الفدية والكفارة فهي استدراك مخالف لذات العمل. وقد تكون المخالفة جزئية؛ كإكمال النقص، وما كان على صيغة "أفعل"؛ كبيان الأصوب والأولى، فالمستدرك به هنا موافق للمستدرك عليه في جزء - وهو المذكور-، مخالف له في جزء آخر - وهو ما ذكره بالتكميل وبصيغة أفعل-. ومثالها في الأفعال الفقهية: سجود السهو، استدراك لنقص واجب؛ كترك التشهد الأول، فسجود السهو إكمال نقص، وهو مخالف جزئي للتشهد الأول؛ لأنه ليس كهيئته؛ إلا أنه موافق له من حيث أنه من جنس الصلاة. كما ينبه أيضًا بأن المخالفة قد تكون صورية (استدراك صوري (٢))،

стр. 55

وهذا كالاستدراكات في المسائل ذات الخلاف اللفظي، وأذكر لتقرير هذا قول السمعاني (١) في آخر مسألة (الأمر الوارد على التخيير بين شيئين أو أشياء) بعد أن ذكر أدلة كل فريق والاستدراكات الواردة على أدلتهم قال: "واعلم أنه لا يتحصل خلاف معنى في هذه المسألة؛ وإنما الخلاف خلاف عبارة ... " (٢). وقوله في الاستحسان: "واعلم أن مرجع الخلاف معهم (٣) في هذه المسألة إلى نفس التسمية؛ فإن الاستحسان على الوجه الذي ظنه بعض أصحابنا من مذهبهم لا يقولون به، ولا الذي يقولونه لتفسير مذهبهم: إنه العدول في الحكم من دليل إلى دليل هو أقوى منه، فهذا لا ننكره ... وعلى الجملة: لا معنى لهذه التسمية، وهي تسمية لا يمكن حدّها بحدّ صحيح تختص به، وأما تفسيرهم الذي يفسرونه نحن قائلون بذلك؛ وليس مما يتحصل فيه خلاف" (٤). والتعبير بـ"في نفسه" جار ومجرور متعلق بالفعل "يخالف" والهاء ضمير يعود على الشيء. والمراد بـ"في نفسه": أي في نفس موضوع ومتعلق المستدرك فيه. واحترزتُ بهذا القيد من أمرين:

стр. 56

الأول: مطلق المخالفة، فالمخالفة في الاستدراك ليست مطلقة؛ بل مقيدة في نفس متعلق المستدرك فيه. الثاني: تكميل التأليف لعمل سابق، لا يسمى استدراكًا؛ لأن التكميل ليس في نفس متعلق المستدرك فيه، بيد أن التكميل في الأقوال والمذاهب يدخل في مسمى الاستدراك؛ لأن التكميل لنفس المستدرك فيه. وأما الكلمة الثانية من المركب فهي "الأصولي": وأبحثها من الجانب اللغوي في نقطتين: الأولى: الجانب الاشتقاقي: فالأصول: جمع أصل، وأرجعَ ابن فارس مادة الكلمة إلى الهمزة والصاد واللام، ثلاثة أصول متباعد بعضها من بعض؛ أحدها: أساس الشيء، والثاني: الحيَّة، والثالث: ما كان من النهار بعد العشي. (١) والمراد به هنا المعنى الأول. الثانية: جانب المعنى اللغوي: ذكرتْ المعاجم لجذر "أصل" معاني ومدلولات متعددة ومختلفة، أذكر منها ما يناسب المقصود في هذا المقام: فالأصول جمع أصل؛ وهو أسفل الشيء وأساسه (٢)، وأصل كل شيء: ما يستند وجود ذلك الشيء إليه (٣). إلا أن الأصوليين لما ذكروا تعريف الأصول في اللغة لم يذكروا هذا القول في كتبهم، ولا ضير في ذلك؛ فالأصوليون يتعرضون لأشياء لم يتعرض لها أهل اللغة،

стр. 57

وأما العرف فالأصل مستعمل في ذلك. (١) فنجدهم عرفوا الأصل في اللغة بتعريفات كلية؛ منها: ١ - ما ينبني عليه غيره. (٢) واستُدرك عليه بأنه منتقض بالوالد؛ فإنه أصل للولد ولا يقال: الولد ينبني عليه. (٣) ٢ - المحتاج إليه. (٤) استدرك عليه بأنه إن أُريد بالاحتياج: ما يعرف في علم الكلام من احتياج الأثر إلى المؤثر، والموجود إلى الموجِد؛ لزم إطلاق الأصل على الله، وإن أريد ما يتوقف عليه الشيء؛ لزم إطلاقه على الجزاء والشرط وانتفاء المانع، وإن أريد ما يفهمه أهل العرف من الاحتياج؛ لزم إطلاقه على الأكل واللُّبْس ونحوهما، وكل هذه اللوازم باطلة. (٥) ٣ - ما منه الشيء. (٦) استُدرك عليه باشتراك "مِنْ" بين الابتداء والتبعيض، وبأنه لا يصحُّ هنا معنى

стр. 58

من معانيها. (١) ٤ - ما يتفرع عنه غيره. (٢) استُدرك عليه بأن من أصول الشرع ما هو عقيم لا يقبل الفرع، كدية الجنين والْقَسَامَةِ (٣)، وتحمل العاقِلةِ (٤)، فهذه أصول ليست لها فروع. (٥) ٥ - ما يقع التَّوصُّل به إلى معرفة ما وراءَه. استدرك عليه بما استدرك على سابقه بوجود أصول في الشريعة لا يقعُ بها التَّوصُّل إلى ما وراءه بحال. (٦)

стр. 59

و"الأصل" في الاصطلاح مشترك بين عدة معانٍ (١)؛ منها: ١ - الدليل؛ كقولهم: أصل هذه المسألة من الكتاب والسُّنَّةِ أي: دليلها، ومنه أصول الفقه أي: أدلته. ٢ - الراجح؛ كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة، أي: الراجح عند السامع هو الحقيقة لا المجاز. ٣ - القاعدة المستمرة؛ كقولهم: إباحة الميتة للمضطر على خلاف الأصل، أي: على خلاف الحالة المستمرة. ٤ - المقيس عليه؛ وهو ما يقابل الفرع في باب القياس. ٥ - استمرار الحكم السابق (المستصحب)؛ كقولهم: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يوجد المزيل له. والمراد بالأصول في موضوع البحث: علم أصول الفقه، وحيث اختلفت عبارات الأصوليين في تعريفه؛ لاختلاف زاوية النظر التي اعتبرها واضع كل تعريف، أذكر لك - أيها القارئ الكريم - أهمها في أربعة مناهج: المنهج الأول: تعريف علم أصول الفقه بالنظر إلى المعنى اللُّغوي والمراد به التعريف بما جاء في المعنى اللُّغوي للأصل: ما ينبني عليه غيره، والضمير في " غيره " عائد إلى الفقه، ومن هذه التعريفات: ١ - تعريف القاضي أبي يعلى (٢)؛ حيث قال: "وأما أصول الفقه فهو: عبارة

стр. 60

عما تبنى عليه مسائل الفقه، وتعلم أحكامها به" (١). ٢ - تعريف أبي الوليد الباجي (٢): "أصول الفقه: ما انبنت عليه معرفة الأحكام الشرعية" (٣). ٣ - تعريف ابن عقيل (٤): "وأصوله هي: ما تبنى عليه الأحكام الفقهية من الأدلة على اختلاف أنواعها ومراتبها" (٥). المنهج الثاني: تعريف علم أصول الفقه بالنظر إلى المعنى الاصطلاحي والمراد به التعريف بما جاء في المعنى الاصطلاحي للأصل: الدليل، ومن هذه التعريفات:

стр. 61

١ - تعريف الشيرازي (١): "وأما أصول الفقه فهي: الأدلة التي ينبني عليها الفقه، وما يتوصل بها إلى الأدلة على سبيل الإجمال" (٢). ٢ - تعريف الغزالي (٣): "أصول الفقه: عبارة عن أدلة هذه الأحكام وعن معرفة وجوه دلالتها على الأحكام من حيث الجملة؛ لا من حيث التفصيل" (٤). ٣ - تعريف ابن بَرْهان (٥): "أصول الفقه عبارة عن: جُمل أدلة الأحكام" (٦).

стр. 62

٤ - تعريف الطوفي (١): "أصول الفقه: أدلته" (٢). ثم ذكر بعد ذلك مناسبة المعنى الاصطلاحي للمعنى اللُّغوي فقال: "وهو موافق لما سيأتي - إن شاء الله- في تعريف الأصل من أنه: ما منه الشيء، أو استند الشيء في وجوده إليه؛ لأن الفقه مأخوذٌ من الأدلة، وهو مستندٌ في وجوده إليها" (٣). المنهج الثالث: تعريف علم أصول الفقه بالنظر إلى موضوعه والمراد به التعريف الحاصر لموضوع علم أصول الفقه؛ ومن هذه التعاريف: ١ - تعريف الإمام الرازي (٤): "أصول الفقه: عبارة عن مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل بها" (٥). ٢ - تعريف السيف الآمدي (٦): "فأصول الفقه: هي أدلة الفقه، وجهات

стр. 63

دلالاتها على الأحكام الشرعية، وكيفية حال المستدل بها من جهة الجملة؛ لا من جهة التفصيل" (١). ٣ - تعريف التاج الأرموي (٢): "معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية استفادة الأحكام منها، وحال المستفيد" (٣). المنهج الرابع: تعريف أصول الفقه بالنظر إلى فائدته والمراد به التعريف لأصول الفقه بالنظر إلى ثمرته؛ ومن هذه التعريفات: القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية (٤). • تنبيه: ذهب بعض الأصوليين (٥) إلى أن أصول الفقه: العلم بالقواعد، وليست القواعد أو الأدلة نفسها، ولكل منهما وجه. (٦)

стр. 64

• المطلب الثاني حد الاستدراك الأصولي باعتبار كونه لقبًا لما فرعنا من تعريف "الاستدراك الأصولي" باعتبار مفرديه نشرع الآن -بعون الله- في تعريفه باعتباره لقبًا لهذا الفن، واتخذت في ذلك منهجين، وهما: * المنهج الأول: تعريف "الاستدراك الأصولي" بالنظر إلى موضوعه: هو: تعقيب اللفظ أو المعنى الأصولي بمخالف له في نفسه. شرح التعريف وبيان محترزاته: تعقيب: جنس يدخل فيه الفعل واللفظ - وقد تقدم بيان ذلك (١) -. اللفظ أو المعنى، يتناول الألفاظ والمعاني الأصولية، وكل ما يذكر حقيقة أو تقديرًا، فيشمل الاستدراك الواقع حقيقة من الخصم، والمقدر من المستدرِك. فالاستدراك الواقع حقيقة من الخصم يكون بتعقيب يرفعه، وأما الاستدراك المقدر من المستدرِك فيكون بتعقيب يدفعه. و(أو) هنا للتقسيم وليست للشك. ويخرج بـ (اللفظ أو المعنى) الاستدراك بالفعل. الأصولي: يتناول الاستدراك على الألفاظ والمعاني في الكتب الأصولية؛ وكذلك الاستدراك على المسائل الأصولية المذكوره في غير المصنفات الأصولية؛ فإن الاستدراك عليها يسمى استدراكًا أصوليًا وإن لم يذكر في كتاب أصولي.

стр. 65

بمخالف له في نفسه: فلا يتصور الاستدراك بلا مخالفة بين المستدرك فيه والمستدرك به. وهذه المخالفة على ثلاث صور: الصورة الأولى: مخالفة كلية؛ كتصحيح خطأ، أو دفع توهم في الفهم، أو نقد خصم، أو تخطئته، فالمستدرك به هنا مخالف بالكلية للمستدرك عليه. الصورة الثانية: مخالفة جزئية؛ كإكمال النقص، وماكان على صيغة أفعل؛ كبيان الأصوب والأولى، فالمستدرك به هنا موافق للمستدرك عليه في جزء مخالف في جزء آخر. الصورة الثالثة: المخالفة الصورية، وهو الخلاف اللفظي. * المنهج الثاني: تعريف "الاستدراك الأصولي" بالنظر إلى فائدته: هو: ما يمكن التوصل به إلى تصويب ما يذكره الأصوليون في مصنفاتهم الأصولية، أو تكميله، أو دفع لبس عنه، أو نقده، أو توجيه لمعنى أولى. شرح التعريف وبيان محترزاته: "ما": عامة تشمل أي شيء يمكن التوصل بواسطته، فتشمل الأفعال والأقوال. يمكن التوصل به: يُفيد عدم التلازم بين عملية الاستدراك والفائدة، فقد يصل المستدرِك باستدراكه للتصويب، أو دفع اللَّبْس، أو توجيه لأولى، ونحو ذلك، وقد لا يصل. وإذا ثبت هذا فقد يكون ما استَدرك به المُستدرِك مستدرَكًا عليه من مُستدرِك ثالث. تصويب: وهذه أول فوائد الاستدراك، وهو تصويب الخطأ.

стр. 66

ما يذكره: يشمل الألفاظ والمعاني التي يذكرها الأصوليون، وهو قيد يخرج به التصويب بالفعل. الأصوليون: قيد ثانٍ يخرج به غير الأصوليين. في مصنفاتهم الأصولية: قيد ثالث يخرج به المصنفات غير الأصولية - وسبق أنه قيد أغلبي-. أو تكميله، أو دفع لبس عنه، أو نقده، أو توجيه لمعنى أولى. إلحاق بقية فوائد علم الاستدراك الأصولي، فالضمير - الهاء- يرجع على ما يذكره الأصوليون. و"أو" هنا للتقسيم؛ وليست للشك؛ كما يُقال في حد الكلمة: اسمٌ أو فعلٌ أو حرفٌ. (١)

стр. 67

* الفرق بين الاستدراك الأصولي بالاعتبار الأول والثاني من وجهين: أحدهما: أن اللقبي هو العلم، والإضافي موصل إلى العلم. (١) الثاني: أنه باعتبار مُفرديه مركب يُنظر فيه لحال الجزأين؛ كما في قول عيسى ﵇: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، فيُنظر فيه لكلمة (عبد) وكلمة (الله). وأما باعتباره لقبًا فلا ينظر فيه لحال الجزأين؛ كجواب المسمى بعبدالله عند سؤاله عن اسمه: إني عبدالله، فلا يُنظر للجزأين؛ بل لكونه علمًا على هذا الشخص المعين. (٢)

стр. 68

• المبحث الثاني موضوع الاستدراك الأصولي إن معرفة موضوع العلم يُعد من الأمور المهمة عند العلماء؛ لذلك جعلوه أحد المبادئ العشرة للعلوم. والمراد بموضوع العلم: ما يبحث فيه ذلك العلم عن عوارضه الذاتية (١). (٢) وشبهوا ذلك بمادة حسية يضعها إنسان بين يديه ليُوقع فيها أثرًا ما؛ كالخشب الذي يُؤثر فيه النجار حتى يصير سريرًا، أو بابًا، وكالفضة التي يُؤثر فيها الصائغ حتى يصير خاتمًا أو سِوارًا ونحوه. (٣) وتكمن أهمية البحث في موضوع العلم؛ لأن العلم لا يتميز عند العقل إلا بعد العلم بموضوعه؛ وذلك لأن جنس العلوم واحد، وإنما تنوعت وتميزت بتغاير الموضوعات، حتى لو لم يكن لهذا العلم موضوع مغاير بالذات أو الاعتبار لم يكونا عِلمين، ولم يصح تعريفهما بتعريفين مختلفين. (٤)

стр. 69

وتوضيح ذلك بالأمثلة: موضوع علم الطب: بدن الإنسان؛ فإنه يبحث فيه عن الأمراض اللاحقة له، ووصف الدواء لها. وموضوع علم النحو: الكلمة؛ إذ يُبحث فيه عما يعرض لها من حيثُ الإعراب والبناء، وأنواع الإعراب؛ من رفع ونصب وجر وجزم. وموضوع علم أصول الفقه على الراجح: الأدلة؛ إذ يُبحث فيه عما يعرض لها من حيث الحجية وعدمها. (١) إذا تقرر هذا فيمكن أن يُقال: إن موضوع الاستدراك الأصولي هو الخلل فيما يذكره الأصوليون، ويُستأنس لهذا بقول أبي عبدالله الأصفهاني (٢) بعد أن ذكر تعريف الرازي للفقه في الاصطلاح بأنه: عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية العملية، المُسْتَدَلِّ على أعيانها؛ بحيث لا يعلم كونها من الدين بالضرورة. قال: "لا يقال: هذا التعريف فاسد، وبيانه من وجوه: الأول: ما ذكره المصنف؛ وهو قوله: "الفقه من باب الظنون؛ فكيف جعلته علمًا؟ ! ... والجواب عن الأول: مذكور في المتن، فلنشرحه أولاً، ثم نبيِّن ما فيه من الخلل ... " (٣).

стр. 70

وقال أبو الثناء الأصفهاني (١) في استدراكه على من أرجع ضمير "ينحصر (٢) " في قول ابن الحاجب (٣) في مختصره على العمل بالأحكام فقال: " ... وهذا وإن كان أقرب إلى الصواب، ولكن فيه خلل ... " (٤). فالخلل شامل لإكمال نقص، أو دفع وهم، أو تصحيح خطأ، أو نقد، وبالتالي لا يدخل فيه ما ذكره الأصوليون بصيغة "أفعل التفضيل"؛ مثل: هذا أولى, أو أصح ... ؛ لأنه لا يُعدُّ خللاً؛ بل هو صحيح أو يخالف الأولى. والذي يترجح لدي أن موضوع " الاستدراك الأصولي" هو ما يذكره الأصوليون في مصنفاتهم الأصولية من ألفاظ ومعانٍ، وما يعرض لها من جهة إكمال نقص، أو دفع وهم، أو تصحيح خطأ، أو نقد، أو توجيه لأولى. والذي يؤكد هذا ما جاء في أصل مادة "الاستدراك" والتعريف اللُّغوي بأنه: اللحوق والتتبع، وما جاء بصيغة "أفعل" التفضيل لا يخلو من اللحوق والتتبع للسابق.

стр. 71

• المبحث الثالث حكم الاستدراك الأصولي معرفة حكم الشارع تُعد من أهم المبادئ العشرة؛ وذلك لأن الطالب ربما يقع في الممنوع أو المكروه، فإذا علم حكمه أحجم، وقد يعرض له المندوب والواجب فإذا علم حكمه قدم ما يجب تقديمه. ولم أجد من علماء الأصول من تكلّم عن حكم الاستدراك الأصولي، وقبل الخوض في بيان حكمه أقرر مشروعيته من خلال النقاط التالية: النقطة الأولى: أدلة الشورى: فالشريعة الإسلامية جاءت بتقرير هذا المبدأ قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وعن أبي هُريْرَةَ (١) قال: «ما رأيت أحَدًا أكْثَرَ مشُورَةً لِأصْحَابِهِ من رسول اللهِ ﷺ » (٢). والشورى فيها إبداء الرأي ومناقشة الآراء الأخرى، وهذه المناقشة لا تخلو من الاستدراكات. (٣)

стр. 72

النقطة الثانية: أدلة النصيحة: قال ﷺ : «الدّينُ النّصِيحَةُ. قُلنَا: لِمنْ؟ قال: لِلّهِ، ولِكِتَابِهِ، ولِرَسُولِهِ، ولأئمة المُسْلِمِينَ، وعَامَّتِهِمْ» (١). فواجب النصح من أهم بواعث الاستدراك، فكان الأئمة يستدركون على بعضهم من باب التناصح (٢). النقطة الثالثة: قاعدة تجويز الخطأ على المجتهدين (٣): قال ﷺ : «إذا حكَمَ الحَاكِمُ فَاجتَهَدَ ثمَّ أصَابَ فلَهُ أَجرَانِ وإذا حكَمَ فَاجتَهَدَ ثمَّ أَخطَأَ فلَهُ أجْرٌ» (٤). فجوز الخطأ على الحاكم المجتهد فيقاس عليه كل مجتهد، والاستدراك من الطرق المعينة على معرفة الخطأ؛ لأن معرفة ذلك عند الله متعذر بعد انقطاع الوحي، ويدل عليه قوله ﷺ : «وإذا حَاصَرتَ أَهلَ حصْنٍ فَأَرَادوكَ أنْ تنْزِلَهُمْ على حكْمِ اللهِ فلا تنْزِلْهُمْ على حكْمِ اللهِ وَلَكنْ أَنْزِلْهمْ على حكْمِكَ فَإنَّكَ لا تَدْري أَتصِيبُ حكْمَ اللهِ فيهِمْ أمْ لا» (٥). (٦)

стр. 73

النقطة الرابعة: قاعدة لا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد أخر (١): فمتى بان للمجتهد أمر يوجب الاستدراك فعليه بيانه، ولا يجوز له تقليد السابق؛ بل يجب عليه أن يقدم اجتهاده على اجتهاد غيره. نقل القرافي عن أبي الحسين البصري في شرح العمد: "أنه لا يجوز التقليد في أصول الفقه، ولا يكون كل مجتهدًا فيه مصيبًا؛ بل المصيب واحد" (٢). فهذا دافع للبحث في المسألة الأصولية ومعرفة الصواب، ومما يعين على ذلك الاستدراك. النقطة الخامسة: قاعدة الوقوع دليل الجواز: وقد وقع الاستدراك في الشرع، فاستدرك الله تعالى في كتابه على أقوام، واستدرك النبي ﷺ على الصحابة، واستدرك الصحابة على بعضهم، واستدرك التابعون على الصحابة وعلى بعضهم. (٣) وأما حكم الاستدراك الأصولي فيمكن تقريره من خلال النقاط التالية: النقطة الأولى: أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهو أصل عظيم تضافرت النصوص بتأييده؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ولا شك أن من عمل المستدرِك: إصلاح ما يراه خطأ؛ أو تبين ما أغفله

стр. 74

المستدرَك عليه، أو إرشاد إلى ما هو أولى من المذكور؛ وكل ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات (١). النقطة الثانية: التابع يأخذ حكم المتبوع (٢): والاستدراك الأصولي مبنيٌّ على علم أصول الفقه؛ وتعلم أصول الفقه يُعد عند جمهور العلماء من فروض الكفاية (٣). النقطة الثالثة: أن كل ما كان فيه مصلحة عامة مقصودة منه لا غير فهو فرض كفاية (٤).

стр. 75

والاستدراك الأصولي فيه مصلحة عامة؛ لأن فيه إظهار الحق، وتكميل النفع. ومما سبق يمكن تقرير حكم الاستدراك الأصولي بأنه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يؤده أحد فإن الإثم يلحق جميع المتخصصين؛ لأن هذا من كتمان العلم المنهي عنه -والله أعلم-. إلا أنه يرتفع إلى فرض العين في حق من تفرد بالعلم في موضع لا يعلم به إلا هو. ويُستأنس لهذا بقول أبي الحسن الباقُولي (١): "هذه مسائلُ من كتاب الحجة (٢) وقع فيها خللٌ وتحريفٌ؛ فلم يُسوِّ أحدٌ من أصحاب أبي علي (٣) هذا التَّحريفَ، ولم يسألوه عنه حين كانوا يقرؤُونه عليه، فرأينا إصلاح ذلك من الواجبات" (٤).
следующие страницы →