← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133372

الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية

إيمان بنت سالم قبوس

Полный текст (900 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الفصل الرابع الاستدراك في عصر التشريع، وتاريخه في المصنفات الأصولية، ومنهجه . وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: الاستدراك في عصر التشريع. - المبحث الثاني: تاريخ الاستدراك الأصولي. - المبحث الثالث: منهج الاستدراك الأصولي، وتطبيقاته.

стр. 457

• المبحث الأول الاستدراك في عصر التشريع . وفيه تمهيد، ومطلبان: - تمهيد: المراد بعصر التشريع. - المطلب الأول: أمثلة للاستدراكات الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية. - المطلب الثاني: أمثلة لاستدراكات الصحابة والتابعين. * * ... * ** * ... * *

стр. 458

تمهيد المراد بعصر التشريع التشريع في اللغة: مصدر (شَرّع) بالتشديد، مأخوذ من الشريعة، ومادة الكلمة (الشين والراء والعين) أصلٌ واحد؛ وهو شيء يُفتح في امتدادٍ يكون فيه. (١) والشريعة في لغة العرب: مورد الماء الذي يقصد للشرب، ثم استعملها العرب في الدين، والملة، والمنهاج، والطريقة، والسنة. (٢) وأما التشريع في الاصطلاح الشرعي والقانوني فهو: سن القوانين التي تعرف منها الأحكام لأعمال المكلفين، وما يحدث لهم من الأقضية والحوادث (٣). ويمكن تقسيم التشريع الإسلامي إلى قسمين (٤): ١ - تشريع توقيفي. ٢ - تشريع اجتهادي. المراد بالتشريع التوقيفي: ما شرع نصًّا في الكتاب أو السنة النبوية. المراد بالتشريع الاجتهادي: ما شرع باجتهاد الصحابة والتابعين والمجتهدين استنباطًا من التشريع التوقيفي (٥).

стр. 459

وبالتالي فالمراد بعصر التشريع في هذا البحث: هو ذلك العصر الذي عاش فيه الرسول (١) ﷺ والصحابة والتابعون والمجتهدون. ولما كان هذا البحث تأصيلاً للاستدراك الأصولي؛ ناسب عقد هذا المبحث لعرض أمثلة للاستدراكات الواقعة في القرآن الكريم، وفي الاستعمال النبوي، وما وقع منها في استعمالات الصحابة والتابعين، مع مراعاة تنوع الاستدراكات ومنشئها. وليس الغرض من هذا الفصل حصر النصوص والأقوال؛ وإنما محاولة لتأكيد مشروعية الاستدراك عمومًا؛ إذ الوقوع دليل الجواز، ولذكر تقسيم مناسب لتطوره في المصنفات الأصولية.

стр. 460

• المطلب الأول: أمثلة للاستدراكات الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية • أولاً: أمثلة للاستدراكات الواردة في القرآن الكريم . بعد التأمل في عدد من الاستدراكات الواردة في القرآن الكريم يمكن تقسيمها إلى قسمين: القسم الأول: استدراكات بأداة الاستدراك (لكن) . القسم الثاني: استدراكات بغير أداة الاستدراك (لكن). وأمثل لكل قسم فيما يلي. • القسم الأول: استدراكات بأداة الاستدراك (لكن): الاستدراك بأداة الاستدراك (لكن) وقع كثيرًا في القرآن الكريم، وهذا نوع من المحسنات البلاغية (١) عند العرب. قال ابن عاشور (٢): "وشأن (لكن) أن تكون جملتها مفيدة معنى يغاير معنى الجملة الواقعة قبلها، ولا تدلّ عليه الجملة السابقة، وذلك هو حقيقة الاستدراك الموضوعةُ له (لكن)، فلا بد من مناسبة بين مضموني الجملتين ... فلا يحسن أن تقول: ما سافرت ولكنّي مقيم. وأكثر وقوعها بعد جملة منفية؛ لأنّ النّفي معنى واسع، فيكثر أن يحتاج المتكلّم بعده إلى زيادة بيان، فيأتي بالاستدراك. ومن قال: إنّ حقيقة

стр. 461

الاستدراك هو رفعُ ما يتوَهَّم السّامع ثبوته أو نفيه؛ فإنّما نظر إلى بعض أحوال الاستدراك، أو إلى بعض أغراض وقوعه في الكلام البليغ؛ وليس مرادُهم أنّ حقيقة الاستدراك لا تقوم إلا بذلك" (١). • أمثلة لورود استدراكات في القرآن الكريم بأداة (لكن): • الآية الأولى: قال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: ٦٧]. • بيان الاستدراك: " أعلم تعالى براءة إبراهيم من هذه الأديان، وبدأ بانتفاء اليهودية؛ لأن شريعة اليهود أقدم من شريعة النصارى، وكرر بـ (لا) لتأكيد النفي عن كل واحد من الدينين، ثم استدرك ما كان عليه بقوله: (وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا)، ووقعت (لكن) هنا أحسن موقعها؛ إذ هي واقعة بين النقيضين بالنسبة إلى اعتقاد الحق والباطل. ولما كان الكلام مع اليهود والنصارى؛ كان الاستدراك بعد ذكر الانتفاء عن شريعتهما، ثم نفى على سبيل التكميل للتبرير من سائر الأديان كونه من المشركين -وهم: عبدة الأصنام كالعرب الذين كانوا يدعون أنهم على دين إبراهيم، وكالمجوس عبدة النار، وكالصابئة عبدة الكواكب-، ولم ينص على تفصيلهم؛ لأن الإشراك يجمعهم" (٢). • الآية الثانية: قال تعالى في شأن نوح ﵇: (قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦١)) [الأعراف: ٦٠ - ٦١].

стр. 462

• بيان الاستدراك: قوله: (لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ) ردّ من نوح ﵇ على قول الملأ من قومه: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، والاستدراك الذي في قوله: (وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) لرفع ما توهّموه من أنّه في ضلال حيث خالف دينهم؛ وذلك أن القوم لما أثبتوا له الضلال أرادوا به ترك دين الآباء، فحين نفى الضلالة توهم منه أنه على دين آبائه وترك دعوى الرسالة، فوقع الإخبار بأنه رسول وثابت على الصراط المستقيم استدراكًا لذلك. وقيل: هو استدراك مما قبله باعتبار ما يستلزمه من كونه في أقصى مراتب الهداية؛ فإن رسالته من رب العالمين مستلزمة له لا محالة؛ كأنه قيل: ليس بي شيء من الضلالة؛ لكني في الغاية القاصية من الهداية. وحاصل ذلك: أن (لكن) حقها أن تتوسط بين كلامين متغايرين نفيًا وإثباتًا، والتغاير هنا حاصل من حيث المعنى؛ كما في قولك: جاءني زيد لكن عمرًا غاب. وفائدة العدول عن الظاهر: إرادة المبالغة في إثبات الهداية على أقصى ما يمكن، كما نفى الضلالة كذلك، فهذا الاستدراك زيادة على الجواب؛ إذ قوله: (لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ) كان كافيًا فيه، فيكون من الأسلوب الحكيم الوارد على التخلص إلى الدعوة على وجه الترجيع المعنوي؛ لأنه بدأ بالدعوة إلى إثبات التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى، فلما أراد إثبات الرسالة لم يتمكن لما اعترضوا عليه من قولهم: (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، فانتهز الفرصة وأدمج مقصوده في الجواب على أحسن وجه؛ حيث أخرجه مخرج الملاطفة والكلام المنصف؛ يعني دعوا نسبة الضلال إلي وانظروا ما هو أهم لكم من متابعة ناصحكم وأمينكم ورسول رب العالمين. (١) • الآية الثالثة: قوله تعالى في موقعة بدر: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) [الأنفال: ١٧].

стр. 463

• بيان الاستدراك: تضمنت الآية إخباراً عن حالة أفعال فعلها المخاطبون كان المقصود إعلامهم بنفي ما يظنونه من أن حصول قتل المشركين يوم بدر كان بأسباب ضَرب سيوف المسلمين، فأنبأهم أن تلك السيوف ما كان يحق لها أن تؤثر ذلك التأثير المصيب بإبطال ذوي شجاعة، وذوي شوكة؛ وإنما كان ضرب سيوف المسلمين صورياً أكرم الله المسلمين بمقارنته فعلَ الله تعالى الخارقَ للعادة، فالمنفي هو الضرب الكائنُ سببَ القتل في العادة، وبذلك كان القتل الحاصل يومئذٍ معجزة للرسول ﷺ ، وكرامة لأصحابه. وأصل الخبر المنفي أن يدل على انتفاء صدور المسند عن المسند إليه؛ لا أن يدل على انتفاء وقوع المسند أصلاً؛ فلذلك صح النفي في قوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) مع كون القتل حاصلاً، وإنما المنفي كونه صادراً عن أسبابهم. ووجه الاستدراك المفاد بـ (لَكِنَّ): أن الخبر نفى أن يكون القتل الواقع صادراً عن المخاطبين، فكانَ السامعُ بحيث يتطلب أكان القتلُ حقيقة أم هو دون القتل، ومَن كان فاعلاً له؟ فاحتيج إلى الاستدراك بقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ). ثم ذكر تأييدًا إلهيًّا آخرَ؛ وهو إشارة إلى ما ذكره المفسرون: أن رسول الله ﷺ بعد أن حرّض المؤمنين على القتال يوم بدر أتاه جبريل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها. فأخذ حفنة من الحَصْبَاء (١) فاستقبل بها المشركين، ثم قال: «شاهت الوجوه»، ثم نفحهم بها، فلم يبق مشرك إلا أصابه شيء من الحصا في عينيه، فشغل بعينيه، ثم أمر أصحابه فقال: «شُدوا»، فكانت الهزيمة على المشركين. والمراد بالنفي في قوله: (وَمَا رَمَيْتَ) هو الرمي بمعنى أثره وحصول المقصود منه؛ وليس المراد نفي وقوع الرمي؛

стр. 464

مثل المراد في قوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ)؛ لأن الرمي واقع من يد النبي ﷺ ؛ ولكن المراد نفي تأثيره؛ فإن المقصود من ذلك الرمي إصابة عيون أهل جيش المشركين، وما كان ذلك بالذي يحصل برمي اليد؛ لأن أثر رمي البشر لا يبلغ أثره مبلغ تلك الرمية، فلما ظهر من أثرها ما عم الجيش كلهم؛ عُلم انتفاء أن تكون تلك الرمية مدفوعة بيد مخلوق؛ ولكنها مدفوعة بقدرة الخالق الخارجة عن الحد المتعارف. (١) • الآية الرابعة: قال تعالى حكاية عن موقف بعض الرسل مع قومهم: (قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (١٠) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) [إبراهيم: ١٠ - ١١]. • بيان الاستدراك: قال ابن عاشور: "قول الرسل: (إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) جواب بطريق القول بالموجَب في علم آداب البحث، وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع ببيان محل الاستدلال غير تام الإنتاج، وفيه إطماع في الموافقة، ثم كرّ على استدلالهم المقصود بالإبطال بتبيين خطئهم. ونظيره قوله تعالى: (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون: ٨]. وهذا النوع من القوادح في علم الجدل شديد الوقع على المناظر، فليس قول الرسل: (إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ) تقريراً للدليل؛ ولكنه تمهيد لبيان غلط المستدل في الاستنتاج من دليله. ومحل البيان هو الاستدراك في قوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، والمعنى: أن المماثلة في البشرية لا تقتضي المماثلة في زائد عليها، فالبشر كلهم عباد الله والله يمُنّ على من يشاء من عباده بنِعَم لم يعطها غيرهم.

стр. 465

فالاستدراك رفع لما توهموه من كون المماثلة في البشرية مقتضى الاستواء في كل خصلة" (١). • الآية الخامسة: قال تعالى حكاية عن محاورة المؤمن والكافر: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) [الكهف: ٣٧ - ٣٨]. ضرب الله مثل حال الكافرين والمؤمنين كحال رجلين (٢)؛ أحدهما: كافرٌ, والآخر: مؤمنٌ. وذكر تعجب واستنكار المؤمن للكافر بقوله: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا). وأصل (لَّكِنَّا) (لكن أنا)، فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون (لكن)، فاجتمعت النونان، فأدغمت نون (لكن) في النون التي بعدها. فقوله: (لَّكِنَّا) استدراك لقوله: (أَكَفَرْتَ)، كأنه قال لأخيه: أكفرت بالله! لكني مؤمن موحد؛ كما تقول: زيد غائب لكن عمرو حاضر (٣). فموقع الاستدراك مضادةُ ما بعد (لكن) لما قبلها؛ ولا سيما إذا كان الرجلان أخوين أو خليلين كما قيل؛ فإنه قد يتوهم أن اعتقادهما سواء (٤).

стр. 466

• القسم الثاني: أمثلة لورود استدراكات بغير أداة الاستدراك (لكن): • الآية الأولى: قال تعالى: (* إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)) [البقرة: ٢٦]. • بيان الاستدراك: ذكر ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: أنه لما نزل قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) [الحج: ٧٣] فطعن في أصنامهم، ثم شبه عبادتها ببيت العنكبوت؛ قالت اليهود: أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما؟ ! فنزلت هذه الآية. (١) فتركوا التأمل والاعتبار فيما قيل لهم، وأخذوا في ظاهر التمثيل بالذباب والعنكبوت من غير التفات إلى المقصود، فقالوا: (مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا)، فأخبر الله تعالى عن الحقيقة السابقة فيمن شأنه هذا بقوله: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا)، ثم استدرك البيان المنتظر بقوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ)؛ نفيًا لتوهم من يتوهم أنه أنزل بقصد الإضلال لقوم والهداية لقوم، أي: هو هدى كما قال أولًا: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة: ٢]؛ لكن الفاسقين يضلون بنظرهم إلى غيرهم المقصود من إنزال القرآن، كذلك هو هدى للمتقين الذين ينظرون إلى صوب الحقيقة فيه، وهو الذي أنزل من أجله. (٢)

стр. 467

• الآية الثانية: قال تعالى: (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]. • بيان الاستدراك: تحاكم إلى داود ﵇ رجلان؛ أحدهما: صاحب حرث، والآخر: صاحب غنم، فرعت الغنم ليلاً في الحرث، فلم تبق منه شيئًا، فقضى فيه داود ﵇: بأن الغنم تكون لصاحب الحرث؛ نظرًا إلى تفريط صاحبها، فعاقبه بهذه العقوبة. فلما خرج الخصمان على سليمان ﵇ فقال: بمَ قضى بينكما نبي الله داود؟ قالا: قضى بالغنم لصاحب الحرث. فقال: لعل الحكم غير هذا، انصرفا معي، فأتى أباه فقال: يا نبي الله، إنك حكمت بكذا وكذا، وإني رأيت ما هو أرفق بالجميع. قال: وما هو؟ قال: ينبغي أن تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فينتفع بألبانها وسمونها وأصوافها، وتدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه، فإذا عاد الزرع إلى حاله التي أصابته الغنم في السنة المقبلة؛ رد كل واحد منهما ماله إلى صاحبه. فقضى داود بما قضى به سليمان (١). فاستدرك سليمان على داود ﵉ في حكمه الثابت بالاجتهاد، وهذا يدل على أن الاستدراك كان مشروعًا في شرعهم، وشرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد نسخه، ولم يرد نسخه؛ بل ثبت الاستدراك في شرعنا من فعله ﷺ (٢)؛ فدل ذلك على مشروعية الاستدراك. قال القرطبي (٣) في تفسيره للآية: "وقال الجمهور: إن حكمهما كان باجتهاد ...

стр. 468

والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين: أنهم معصومون عن الخطأ وعن الغلط وعن التقصير في اجتهادهم، وغيرهم ليس كذلك، كما ذهب الجمهور في أن جميع الأنبياء -صلوات الله عليهم- معصومون عن الخطأ والغلط في اجتهادهم. وذهب أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب الشافعي إلى أن نبينا ﷺ مخصوص منهم في جواز الخطأ عليهم، وفرق بينه وبين غيره من الأنبياء: أنه لم يكن بعده من يستدرك غلطه؛ ولذلك عصمه الله تعالى منه، وقد بُعث بعد غيره من الأنبياء من يستدرك غلطه. وقد قيل: إنه على العموم في جميع الأنبياء، وإن نبينا وغيره من الأنبياء ... -صلوات الله عليهم- في تجويز الخطأ على سواء؛ إلا أنهم لا يقرون على إمضائه، فلم يعتبر فيه استدراك من بعدهم من الأنبياء". (١) • الآية الثالثة: قال تعالى على لسان الهدهد عن ملكة سبأ: (إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ)، ثم قوله: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [النمل: ٢٣، ٢٦]. • بيان الاستدراك: قال ابن عادل الحنبلي (٢): "واعلم أن قوله: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)) إن قلنا: إنه من كلام الهدهد؛ فالهدهد قد استدرك على نفسه, واستقلّ عرشها بالنسبة إلى عظمة عرش الله. وإن قلنا: إنه من كلام الله تعالى؛ فالله رد عليه

стр. 469

استعظامه لعرشها" (١). • ثانيًا: أمثلة للاستدراكات الواردة في السنة النبوية: الاستدراكات في السنة النبوية كثيرة؛ والسبب في ذلك يعود إلى أن النبي ﷺ لا يقر على الخطأ، إضافة إلى ما وصفه ربه به: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. فكان استدراكه ﷺ من حرصه على الأمة؛ ببيان الصواب، وإشارة إلى تكميل الفائت، ودفع اللبس الذي قد يقع منهم، فيستدرك على القول والفعل والفهم. وقد رأيتُ أن أقسم أمثلة الاستدراكات الواردة في السنة إلى ثلاثة أقسام (٢) بناء على سبب الاستدراك، وقد أذكر في السبب الواحد مثالين أو أكثر؛ لاختلاف نوع الاستدراك. • القسم الأول: مثال لورود الاستدراك في السنة بسبب نسيان المُستدَرك عليه: • الحديث الأول: عن أبي هُريْرَةَ أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ انصَرَفَ من اثنَتَيْنِ (٣)، فقال له ذو اليَدَيْنِ (٤):

стр. 470

أَقَصرَتْ الصّلَاةُ أمْ نَسيتَ يا رَسولَ اللهِ (١)؟ فقال رسول اللهِ ﷺ : أصَدَقَ ذو اليَدَيْنِ؟ فقال الناس: نعم. فقَامَ رسول اللهِ ﷺ فصَلَّى اثنَتَيْنِ أخْرَيَيْنِ، ثمَّ سلَّمَ، ثمَّ كبَّرَ فسَجَدَ مثْلَ سجُودِهِ أو أَطوَلَ" (٢). • بيان الاستدراك: سلم النبي ﷺ من ركعتين في هذه الصلاة الرباعية؛ لأنه كان يعتقد أن صلاته قد تمت، وكان جازمًا بذلك لم يدخله فيه شك، فلما استدرك عليه ذو اليدين بما قال؛ حصل لهُ شك حينئذ، ولما لم يوافق أحد من المصلين ذا اليدين على مقالته مع كثرتهم؛ حصل في قوله ريبة بانفراده بما أخبر به، فلما وافقه الباقون على قوله؛ رجع ﷺ حينئذ إلى قولهم، وعمل به، وصلى ما تركه، وسجد للسهو. (٣) سبب الاستدراك: سهو المستدرَك عليه؛ وهو النبي ﷺ (٤). نوع الاستدراك: استدراك تنبيه.

стр. 471

• القسم الثاني: أمثلة لورود الاستدراك في السنة بسبب دفع الوهم المتوقع من السامع: • الحديث الثاني: عن ابن عبَّاسٍ قال: مرَّ النبي ﷺ بِحائِطٍ من حِيطانِ المَدِينَةِ -أو مكَّةَ-، فسمع صَوتَ إِنسَانَيْنِ يُعذَّبَانِ في قُبُورِهِما، فقال النبي ﷺ : يُعذَّبَانِ، وما يُعذَّبَانِ في كبِيرٍ! ثمَّ قال: بَلَى؛ كان أحَدُهُمَا لا يَستَتِرُ من بَولِهِ، وكان الآخَرُ يَمشِي بِالنّمِيمَةِ. ثمَّ دعَا بِجرِيدَةٍ (١) فكَسَرَهَا كِسرَتَيْنِ، فوَضَعَ على كل قَبرٍ مِنهُمَا كِسرَةً، فقيل له: يا رسُولَ اللهِ، لمَ فعَلْتَ هذا؟ ! قال: لعَلَّهُ أنْ يُخفَّفَ عنهما ما لم تيْبَسَا -أو إلى أنْ ييْبَسَا-" (٢). • بيان الاستدراك: قوله ﷺ : «وما يعذبان في كبير» معناه: أنهما لم يعذبا في أمر كان يكبر عليهما، أو يشق عليهما فعله لو أرادا أن يفعلاه؛ وهو التنزه من البول وترك النميمة، ولم يرد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة، ولما خاف ﷺ أن يتوهم مثل هذا؛ استدرك فقال: «بلى» أي: بلى إنه لكبير عند الله. (٣) سبب الاستدراك: دفع وهم قد يتولد للسامع من الكلام السابق. نوع الاستدراك: استدراك تصحيح لخطأ قد يحصل في ذهن السامع.

стр. 472

• الحديث الثالث: عن أبي شُريْحٍ (١) أنَّهُ قال لِعمْرِو بن سعِيدٍ (٢) -وهو يبْعَثُ الْبعُوثَ إلى مكَّةَ (٣) -: ائذَنْ لي أَيّهَا الْأَميرُ أحَدِّثْكَ قَولًا قام بهِ النبي ﷺ الغَدَ من يَومِ الفَتْحِ، سمعته أذُنَايَ، ووَعَاهُ قَلْبي، وَأَبصَرَتْهُ عَينَايَ حين تكَلَّمَ بهِ: حَمدَ اللهَ، وَأَثنَى عليه، ثمَّ قال: «إنَّ مكَّةَ حرَّمَهَا الله ولم يحَرِّمْهَا الناس، فلا يَحلُّ لامْرِئٍ يؤْمِنُ باللهِ وَاليَوْمِ الْآخرِ أنْ يَسْفكَ فيها دمًا، ولا يَعْضدَ بها شجَرَةً، فَإنْ أحَدٌ ترَخَّصَ لقِتَالِ رسول اللهِ ﷺ فيها فَقولُوا: إنَّ اللهَ قد أَذنَ لِرَسولِهِ ولم يَأذَنْ لَكمْ. وَإنَّمَا أَذنَ لي فيها ساعَةً من نهَارٍ، ثمَّ عادَتْ حرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحرْمَتِهَا بالْأَمْسِ، وَلْيبَلِّغْ الشَّاهدُ الْغَائبَ». فقيل لأَبِي شرَيْحٍ: ما قال عَمرٌو؟ قال: أنا أَعلَمُ منْكَ يا أبَا شرَيْحٍ، لا يعِيذُ عَاصيًا (٤)، ولا فارًّا بدَمٍ، ولا فارًّا بخَرْبَةٍ (٥) ". (٦)

стр. 473

• بيان الاستدراك: ذكر ﷺ جوابًا على استدرك مقدر على المستدل بإباحة القتال في مكة بفعل النبي ﷺ ؛ بأن الله تعالى إنما أذن للنبي ﷺ ولم يأذن لغيره، وكان إذنه له ساعة من نهار، ثم عادت حرمة مكة كما كانت. سبب الاستدراك: دفع وهم قد يحصل في ترخص القتال للرسول ﷺ بقياس غيره عليه. نوع الاستدراك: استدراك على شخص مقدر ببيان الفرق. • الحديث الرابع: عن أبي هُريْرَةَ ﵃ قال: وكَّلَنِي رسول اللهِ ﷺ بحِفْظِ زكَاةِ رمَضَانَ، فأَتَانِي آتٍ فجَعَلَ يحْثُو من الطّعَامِ، فأَخَذْتُهُ فقلت: لأَرْفَعَنَّكَ إلى رسول اللهِ ﷺ . فقَصَّ الحديث، فقال: إذا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ فاقْرَأْ آيةَ الْكرْسِيِّ؛ لنْ يزَالَ معَكَ من اللهِ حافِظٌ، ولا يقْرَبُكَ شيْطَانٌ حتى تصْبِحَ. وقال النبي ﷺ : صدَقَكَ وهو كذُوبٌ، ذاكَ شيْطَانٌ" (١). • بيان الاستدراك: ما ذكره ابن حجر (٢) في شرحه للحديث: " (صدقك وهو كذوب) هو من

стр. 474

التتميم البليغ؛ لأنه لما أوهم مدحه بوصفه الصدق في قوله: (صدقك) استدرك نفي الصدق عنه بصيغة مبالغة، والمعنى: صدقك في هذا القول مع أن عادته الكذب المستمر" (١). سبب الاستدراك: دفع وهم قد يتولد للسامع من الكلام السابق. نوع الاستدراك: استدراك تكميل للفائدة. • القسم الثالث: أمثلة لورود الاستدراك في السنة بسبب تصحيح خطأ المُستدرَك عليه: • الحديث الخامس: حديث أنَسِ بن مالِكٍ ﵁ قال: جاءَتْ أمُّ سُليْمٍ (٢) إلى رسول اللهِ ﷺ فقالت له -وعَائِشَةُ عِنْدهُ-: يا رسُولَ اللهِ، الْمرْأَةُ ترَى ما يرَى الرَّجلُ في المَنَامِ، فتَرَى من نَفْسهَا ما يرَى الرَّجلُ من نَفْسهِ. فقالت عَائشَةُ: يا أمَّ سلَيْمٍ، فَضَحتِ النّسَاءَ (٣) تَربَتْ يَمِينكِ (٤)!

стр. 475

فقال لعَائِشَةَ: بلْ أَنتِ فَتَربَتْ يَمِينكِ (١)! نعم؛ فَلْتَغْتَسلْ يا أمَّ سلَيْمٍ إذا رأَتْ ذاكِ" (٢). • بيان الاستدراك: اشتمل الحديث على استدراكين: الاستدراك الأول: استدراك أم المؤمنين عائشة ﵂ على أمِّ سُليْمٍ ﵂ سؤالها عن أمر خاص بالنساء يُستحيا من ذكره عادة. الاستدراك الثاني: استدراك النبي ﷺ على استدراك عائشة ﵂، وإجابته عما سألت عنه أمُّ سُليْمٍ ﵂. سبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليه - وهي عائشة- في استدراكها على أمِّ سُليْمٍ ﵄. نوع الاستدراك: استدراك تصحيح على المُستدرِك الأول (وهي عائشة ﵂). • الحديث السادس: " عَن الْمُغِيرةِ بن شُعْبةَ (٣) قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى نَجْرَانَ، فَقَالَ لِي أَهْلُ

стр. 476

نَجْرَانَ: أَلَسْتُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨]، وَقَدْ عَرَفْتُمْ مَا بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى؟ فَلَمْ أَدْرِ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِمْ؛ حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِي: أَفَلا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ" (١). • بيان الاستدراك: استدرك ﷺ على اليهود والنصارى الذين كانوا يعارضونه بما لا يصلح للمعارضة، ويقدحون في القرآن بأدنى شبهة، ويخاطبون بذلك من أسلم، فقالوا للمغيرة بن شعبة: أنتم تقرؤون في كتابكم ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨]، وموسى بن عمران كان قبل عيسى بسنين كثيرة، فظنوا أن هارون المذكور هو هارون أخو موسى، وهذا من فرط جهلهم، والمغيرة ﵁ لما اتفق عنده أن مريم هذه بنت عمران، وذانك موسى وهارون ابنا عمران، فكان لفظ عمران فيه اشتراك، والاشتراك غالب على أسماء الأعلام؛ نشأت الشبهة (٢)، فقال: "فَلَمْ أَدْرِ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِمْ"، فلما ذكر ذلك للنبي ﷺ كشف له ما التبس عليه، وأجاب عن استدراك الخصم من النصارى، فذكر أن من نُسِبَت إليه مريم ﵍ ليس بالنبي هارون أخي موسى ﵉؛ بل هو رجل في بني إسرائيل سموه باسم هارون النبي؛ لأنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم

стр. 477

والصالحين قبلهم. سبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليه. نوع الاستدراك: استدراك تصحيح على الخصم المخالف في المذهب العقدي. • الحديث السابع: عن أبي هرَيْرَةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ دخل الْمَسْجدَ، فدخل رجُلٌ فصَلَّى، فسَلَّمَ على النبي ﷺ ، فرَدَّ وقال: ارْجعْ فصَلِّ؛ فَإنَّكَ لم تُصلِّ. فرَجَعَ يُصَلّي كما صلى، ثمَّ جاء فسَلَّمَ على النبي ﷺ ، فقال: ارْجعْ فصَلِّ؛ فَإنَّكَ لم تُصلِّ - ثلَاثًا-. فقال: وَالَّذي بعَثَكَ بالْحَقِّ ما أُحْسنُ غيْرَهُ فَعَلّمْنِي. فقال: إذا قُمتَ إلى الصّلَاةِ فَكَبّرْ، ثمَّ اقْرأْ ما تيَسَّرَ معَكَ من القُرْآنِ، ثمَّ ارْكعْ حتى تَطْمَئنَّ رَاكعًا، ثمَّ ارْفعْ حتى تعتدل قائِمًا، ثمَّ اسجُدْ حتى تَطمَئِنَّ ساجِدًا، ثمَّ ارفَعْ حتى تَطمَئِنَّ جالِسًا، وَافعَلْ ذلك في صلَاتِكَ كُلِّها" (١). • بيان الاستدراك: معلوم أنه ﷺ لا يقر على الخطأ، فاستدرك على المسيء في صلاته فعله، وأرشده للصواب. سبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليه. نوع الاستدراك: استدراك تصحيح على الفعل. وهذا الحديث مثال على استدراك تصحيح الفعل بالقول. • الحديث الثامن: عن أنَسِ بن مالِكٍ ﵁ قال: "دخل النبي ﷺ فإذا حبْلٌ ممْدُودٌ بين السّارِيَتَيْنِ

стр. 478

فقال: ما هذا الْحبْلُ؟ قالوا: هذا حبْلٌ لِزيْنَبَ (١)، فإذا فتَرَتْ تعَلَّقَتْ. فقال النبي ﷺ : لا، حلُّوهُ، لِيُصلِّ أحدكم نشَاطَهُ، فإذا فتَرَ فلْيَقْعُدْ" (٢). • بيان الاستدراك: استدرك ﷺ على زينب ﵂ فعلها، وأرشد إلى الصواب بالإقبال على العبادة بنشاط. سبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليه. نوع الاستدراك: استدراك تصحيح على الفعل. وهذا الحديث مثال على استدراك تصحيح الفعل بالفعل والقول (٣). أما تصحيح الفعل بالفعل فلأنه أمر بحل الحبل، وهذا فعل. وأما تصحيح الفعل بالقول فقوله: «لِيُصلِّ أحدكم نشَاطَهُ، فإذا فتَرَ فلْيَقْعُدْ».

стр. 479

• المطلب الثاني أمثلة لاستدراكات الصحابة والتابعين ﵃ - • أولاً: أمثلة للاستدراكات الصحابة ﵃ -. العلوم في الأمم لا تظهر فجأة؛ إنما تمر بفترة مخاض فكرية؛ حتى تتبلور معانيها، فتتضح في الأذهان معالمها، وتتهيأ في الأسباب لتدوينها، ثم بعد ذلك كله هي خاضعة في نموها وازدهارها لقانون التطور والتدرج. (١) فبعد انتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى كان الصحابة ﵃ يستنبطون الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وكانوا ﵃ يتفاوتون في إدراكهم للسنة، وكسبهم العلمي، ورسوخهم في المعرفة، فحصل من جراء ذلك اختلاف في اجتهاداتهم في المسألة الواحدة، مما كان له دور في استدراكات بعضهم على بعض. وأذكر من استدراكاتهم الأمثلة التالية (٢): • المثال الأول: " عن عبداللهِ بن أبي مُليْكَةَ (٣) قال: قيلَ لأبي بكْرٍ ﵁: يا خلِيفَةَ اللهِ.

стр. 480

فقال: بلْ خلِيفَةُ مُحمَّدٍ ﷺ ، وأنا أرْضَى بهِ" (١). • بيان الاستدراك: استدرك أبو بكر ﵁ على مَنْ فهم أنه خليفة الله، وبين له أن الصواب أنه خليفة رسول الله ﷺ . سبب الاستدراك: خطأ المستدرك عليه. نوع الاستدراك: استدراك تصحيح على الفهم. • المثال الثاني: روي أن امرأة ذكرت عند عمر بالزنا، فبعث إليها، ففزعت، فألقت ما في بطنها، فاستشار الصحابة في ذلك، فقال له عبدالرحمن بن عوف وغيره: إنما أنت مؤدب، ولا شيء عليك. فقال لعلي: ما تقول؟ فقال: إن كان اجتهدوا فقد أخطؤوا، عليك الدية (٢). (٣) • بيان الاستدراك: استدراك علي على مَنْ أفتى عمر أنه لاشيء عليه؛ لأنه بمثابة المؤدب، وبين أنهم إن قالوا ذلك اجتهادًا فقد أخطؤوا، والصواب: أن عليه الدية، وقد نزل عمر على اجتهاد علي ﵃. سبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليهما. نوع الاستدراك: تصحيح خطأ المستدرك عليه في الاجتهاد.

стр. 481

• المثال الثالث: عن عروة بن الزبير (١) أن مروان بن الحكم (٢) حدّثه أن عمر ﵁ حين طُعن قال: إني رأيت في الْجَدِّ رأيًا، فإن رأيتم أن تتبعوه. فقال عثمان: إن نتبع رأيك فهو رشد، وإن نتبع رأي الشيخ قبلك (٣) فنعم ذو الرأي كان! " (٤). • بيان الاستدراك: استدرك عثمان على عمر في رأيه في ميراث الجد. سبب الاستدراك: تكميل الفائدة. نوع الاستدراك: استدراك الأولى.

стр. 482

• المثال الرابع: " عن عبيد بن عُميْرٍ (١) قال: بلَغَ عائِشَةَ أنَّ عبْدَاللهِ بن عمْرٍو (٢) يأْمُرُ النِّساءَ إذا اغْتسَلْنَ أنْ ينْقُضْنَ رُؤُوسهُنَّ. فقالت: يا عجَبًا لابن عمْرٍو هذا؛ يأْمُرُ النِّساءَ إذا اغْتسَلْنَ أنْ ينْقُضْنَ رؤوسهن، أفَلَا يأْمُرُهُنَّ أنْ يحْلِقْنَ رؤوسهن (٣)؟ ! لقد كنت أغْتَسِلُ أنا ورَسُولُ اللهِ ﷺ من إِناءٍ وَاحدٍ ولا أَزيدُ على أنْ أفْرِغَ على رَأْسي ثلَاثَ إفْرَاغَاتٍ" (٤). • بيان الاستدراك: استدركت أم المؤمنين عائشة ﵂ على عبدالله بن عمرو في فتواه: بوجوب نقض المرأة شعرها عند الغسل، واستدلت في استدراكها هذا بحالها مع رسول الله ﷺ .

стр. 483

سبب الاستدراك: خطأ المستدرَك عليه. نوع الاستدراك: استدراك تصويب خطأ المستدرك عليه في الاجتهاد. • المثال الخامس: " عن عطاء (١) عن أم كُرْز (٢) وأبي كرز (٣) قالا: نذرت امرأة من آل عبدالرحمن بن أبي بكر (٤) إن ولدت امرأة عبدالرحمن نحرنا جزورًا. فقالت عائشة ﵂: لا؛ بل السنة أفضل: عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة، تقطع جدُولاً (٥)، ولا يكسر لها عظم، فيأكل ويطعم ويتصدق، وليكن ذاك يوم السابع، فإن لم يكن ففي أربعة عشر، فإن لم يكن ففي إحدى وعشرين". (٦).

стр. 484

• بيان الاستدراك: استدركت عائشة ﵂ على المرأة التي نذرت أن تنحر جزورًا إن ولدت امرأة عبدالرحمن بأن الأفضل لها اتباع ما جاءت به السنة: عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة. سبب الاستدراك: تكميل الفائدة. نوع الاستدراك: استدراك صيغة التفضيل (الأفضل). • ثانيًا: أمثلة لاستدراكات التابعين ﵃ -. إذا انتقلنا إلى عصر التابعين؛ فإن مجال الاستدراكات يتسع؛ لكثرة الحوادث، واتساع دائرة التشريع، فإضافة إلى المصادر السابقة زيد مصدر تشريع آخر، وهو فتاوى الصحابة. وكما ذُكِرَ في تفاوت الصحابة فكذلك التابعون، فقد يخفى على بعضهم سنة قولية أو فعلية، أو فتوى للصحابة. والملحوظ في استدراكات التابعين أنها لم تكن مقصورة على استدراك بعضهم على بعضهم؛ بل قد يَستدرك التابعي على الصحابي؛ لذلك رأيت أن أقسم استدراكات التابعين إلى قسمين: القسم الأول: استدراكات التابعين على الصحابة. القسم الثاني: استدراكات التابعين بعضهم على بعض.

стр. 485

• القسم الأول: استدراكات التابعين على الصحابة . وأقرر ذلك بالأمثلة التالية: • المثال الأول: عن الشعبي (١) قال: جاءت امرأة إلى عمر فقالت: زوجي خير الناس؛ يقوم الليل، ويصوم النهار. فقال عمر: لقد أحسنت الثناء على زوجك. فقال كعب بن سور (٢): لقد اشتكت فأعرضت الشكية. فقال عمر: اخرج مما قلت. قال: أرى أن تنزله بمنزلة رجل له أربع نسوة، له ثلاثة أيام ولياليهن، ولها يوم وليلة" (٣). • بيان الاستدراك: استدرك كعب بن سور على فهم عمر بن الخطاب ﵁ كلام المرأة، وذكر له أنها أتت شاكية، وذُكِرَ في بعض ألفاظ الأثر: "فقال عمر: علي بها، فجاءت، فقال لها عمر: اصدقيني فلا بأس بالحق. فقالت: والله يا أمير المؤمنين إني لامرأة، وإني لأشتهي كما يشتهي النساء. فقال: يا كعب، اقض بينهما؛ فإنك قد فهمت من أمرهما ما لم أفهم.

стр. 486

فقال: يا أمير المؤمنين، تحل له من النساء أربع، فله ثلاثة أيام وثلاث ليال يتعبد فيهن ما شاء، ولها يوم وليلتها. فقال عمر: ما الحق إلا هذا، اذهب فأنت قاضٍ على أهل البصرة" (١). • المثال الثاني: عن عبيدة السلماني (٢) قال: سمعت عليًا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد (٣) أن لا يبعن. قال: ثم رأيت بعد أن يبعن. قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة - أو قال في الفتنة - قال: فضحك علي" (٤). وهذا يؤكد ما ذكرته سابقًا (٥) أنه لا يشترط في الاستدراك أن يكون المستدرِك أعلم أو أفضل من المستدرَك عليه.

стр. 487

• القسم الثاني: استدراك التابعين بعضهم على بعض (١): وأقرره بالأمثلة التالية: • المثال الأول: " قال عمران القطان (٢): سمعت الحسن (٣) يقول في قوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] قال: والله ما كان إلا صلاة أحدثها في بطن الحوت. قال عمران: فذكرت ذلك لقَتَادَةَ (٤)، فأنكر ذلك، وقال: كان والله يُكثر الصلاة في الرخاء" (٥).

стр. 488

• المثال الثاني: " عن منصور بن المعتمر (١) عن مجاهد (٢) في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] قال: هو الخشوع. قلت: ما كنت أرى إلا هذا الأثر في الوجه. فقال: رُبَّما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون" (٣). • بيان الاستدراك: ذهب منصور إلى أن المراد بالسِّيمَا في الآية: أثر السجود المحسوس في الوجه. فاستدرك عليه مجَاهد بأن ما ذكره في معنى السيما قد يوجد في قساة القلوب، فالمراد من السِّيمَا في الآية: الخشوع. • المثال الثالث: " عن أبي المِنْهَالِ (٤) قال: كنت عند أبي العَالِيَةِ (٥) يومًا فتوضأ وتوضأ، فقلت:

стр. 489

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فقال: إن الطهور بالماء لَحَسن؛ ولكنهم المتطهرون من الذنوب" (١).

стр. 490

• المبحث الثاني تاريخ الاستدراك الأصولي . وفيه تمهيد، وخمسة مطالب: - المطلب الأول: مرحلة الاستدراك التأسيسي. - المطلب الثاني: مرحلة الاستدراك التقعيدي. - المطلب الثالث: مرحلة الاستدراك التنقيحي. - المطلب الرابع: مرحلة الاستدراك الموسوعي. - المطلب الخامس: مرحلة الاستدراك المقصدي. * * ... * ** * ... * *

стр. 491

تمهيد في بيان وجه تقسيم تاريخ الاستدراك الأصولي ليس من السهل في أمثال هذه الدراسات تحديد التطور بفترة زمنية معينة؛ لذلك اعتبرت في التقسيم طريقة التصنيف دون النظر للحقبة الزمنية؛ وذلك لأن الفترة الزمنية قد تضم عددًا من طرق التصنيف المختلفة، وهذا يصعب حصر المراحل والفصل بينها. كما راعيت في التقسيم أهم المؤلفات والمدونات في علم الأصول. فعلم أصول الفقه شهد مراحل، كان للعمل الاستدراكي فيها أثر بالغ في صياغته وبنائه، ومما زاد من شدة هذا التأثير ظهور المدارس الأصولية المختلفة المناهج؛ لذلك رأيت تقسيمه على مراحل تتضح في المطالب التالية:

стр. 492

• المطلب الأول مرحلة الاستدراك التأسيسي شرعت حركة التأليف في العلوم الشرعية في منتصف القرن الثاني للهجرة، وأما قبل ذلك فكان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم في صُحُفٍ صحيحة غير مرتبة (١). فكان علم أصول الفقه قبل الإمام الشافعي في القرنين الأول والثاني يعتمد على استدراكات مباشرة؛ كما مر معنا في استدراكات الصحابة والتابعين، أو مراسلات علمية؛ كالتي دارت بين الإمام مالك والليث بن سعد (٢). (٣) ونجد أن مناهج الاستنباط في هذا العصر تنوعت، وظهرت مدرستا: الحديث في الحجاز، والرأي في الكوفة، وكان النزاع محتدمًا بين هاتين المدرستين، فاستدرك كل فريق على الآخر، وأخذ كل فريق ينتصر لطريقة شيخه، فصارت الحاجة ماسة إلى تدوين قواعد يحتكم إليها عند الخلاف. وقد تنازع أرباب المذاهب المختلفة أولية التأليف في أصول الفقه على الرغم من ادعاء البعض الإجماع عليه (٤). (٥)

стр. 493

والتحقيق في هذه المسألة: أن أول من أفرد علم أصول الفقه بتصنيف مستقل بمنهجه وموضوعاته ومسائله هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) في كتابه: الرسالة (١). وإذا استعرضنا عناوين المصنفات قبل الرسالة نجد أنها تعالج موضوعات مفردة هي مثار نزاع وخصومة بين الفقهاء في ذلك العصر، وكثيرًا ما كان يدمج الفقه بالأصول في التصنيف (٢). فالمنهج الأصولي في تلك المرحلة كان جزئيًا لا شموليًا؛ بل إن مصنف الرسالة نفسه يمثل مجموعة المشكلات الأصولية التي شغلت الفقهاء في ذلك العصر، وظهرت في اختلاف منهج الاستدلال بين المدرستين السابق ذكرهما، فدفعت بعبدالرحمن بن مهدي (٣) (ت: ١٩٨ هـ) إلى أن يكتب للشافعي أن يضع له كتابًا

стр. 494

يُبين فيه جملة من أوجه الاستدلال. فمصنف الرسالة لم يكن شاملاً لجميع موضوعات الأصول التي استقرت عند المتأخرين؛ وذلك لعدم الباعث لمزيد من الاستقصاء، فموضوعات الرسالة جاءت على قدر الحاجة في تلك المرحلة. والناظر في كتاب الرسالة يجد الإمام الشافعي لم يكن يعرض الموضوعات الأصولية عرضًا مسترسلاً؛ بل كان مزيجًا من الحوار والمناقشة، فهو يفترض وجود مناظر يُناظره ويورد عليه الأسئلة، فيجيب عليه (١)، فنجد كثيرًا في رسالته: (قال، وقلت) (٢)، (فقال لي قائل، قلت) (٣) (فإن قال قائل، قلت) (٤). وهذا الأسلوب الذي اتخذه الإمام الشافعي هو من قبيل الاستدراك التقديري، وهو أسلوب مفيد في باب التعليم؛ لطرد الملل، والتنبيه على موضوعات ذات أهمية. والمتأمل في أسلوب "الفنقلة" في رسالة الشافعي يجد أنها تتحدد في ثلاث صور: الصورة الأولى: الفنقلة البيانية التعليمية. وهي أسلوب استفساري أُدرج في الرسالة على سبيل البيان والتعليم. (٥)

стр. 495

والمقصود به الجواب لا السؤال، ولا نلمس فيه أثر الجدل أو الحِجاج العقيم. كما أن موضوعه لم يعرف اختلافًا كبيرًا في الرؤى؛ لأنه واضح وَبيِّن؛ وإنما جيء به في سياق التعليم. (١) ومن هذا النوع حديثه عن دليل القياس؛ إذ قال: "فإن قال قائل: فاذكر من الأخبار التي يقيس عليها، وكيف نقيس؟ قيل له: إن شاء الله، كل حكم لله أو لرسوله وُجِدت عليه دلالة فيه أو في غيره من أحكام الله أو رسوله بأنه حكم به لمعنى من المعاني، فنزلت نازلة ليس فيها نص حكمٍ؛ حكم فيها حكم النازلة المحكوم فيها، إذا كانت في معناها .... فإن قال: فاذكر من كل واحد من هذا شيئًا يبين لنا ما في معناه؟ قلت: قال رسول الله: «إن الله حرم من المؤمن دمه، وماله، وأن يُظن به إلا خيرًا» (٢)، فإذا حرم أن يُظن به ظنًّا مخالفًا للخير يُظهِره؛ كان ما هو أكثر من الظن المُظْهَرِ ظنَّا من التصريح له بقول غير الحق أولى أن يُحرم، ثم كيفما زيد في ذلك كان أحْرَمَ" (٣).
следующие страницы →