تمهيد
في بيان وجه تقسيم تاريخ الاستدراك الأصولي
ليس من السهل في أمثال هذه الدراسات تحديد التطور بفترة زمنية معينة؛ لذلك اعتبرت في التقسيم طريقة التصنيف دون النظر للحقبة الزمنية؛ وذلك لأن الفترة الزمنية قد تضم عددًا من طرق التصنيف المختلفة، وهذا يصعب حصر المراحل والفصل بينها.
كما راعيت في التقسيم أهم المؤلفات والمدونات في علم الأصول.
فعلم أصول الفقه شهد مراحل، كان للعمل الاستدراكي فيها أثر بالغ في صياغته وبنائه، ومما زاد من شدة هذا التأثير ظهور المدارس الأصولية المختلفة المناهج؛ لذلك رأيت تقسيمه على مراحل تتضح في المطالب التالية:
стр. 492
• المطلب الأول
مرحلة الاستدراك التأسيسي
شرعت حركة التأليف في العلوم الشرعية في منتصف القرن الثاني للهجرة، وأما قبل ذلك فكان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يروون العلم في صُحُفٍ صحيحة غير مرتبة (١).
فكان علم أصول الفقه قبل الإمام الشافعي في القرنين الأول والثاني يعتمد على استدراكات مباشرة؛ كما مر معنا في استدراكات الصحابة والتابعين، أو مراسلات علمية؛ كالتي دارت بين الإمام مالك والليث بن سعد (٢). (٣)
ونجد أن مناهج الاستنباط في هذا العصر تنوعت، وظهرت مدرستا: الحديث في الحجاز، والرأي في الكوفة، وكان النزاع محتدمًا بين هاتين المدرستين، فاستدرك كل فريق على الآخر، وأخذ كل فريق ينتصر لطريقة شيخه، فصارت الحاجة ماسة إلى تدوين قواعد يحتكم إليها عند الخلاف.
وقد تنازع أرباب المذاهب المختلفة أولية التأليف في أصول الفقه على الرغم من ادعاء البعض الإجماع عليه (٤). (٥)
стр. 493
والتحقيق في هذه المسألة: أن أول من أفرد علم أصول الفقه بتصنيف مستقل بمنهجه وموضوعاته ومسائله هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) في كتابه: الرسالة (١).
وإذا استعرضنا عناوين المصنفات قبل الرسالة نجد أنها تعالج موضوعات مفردة هي مثار نزاع وخصومة بين الفقهاء في ذلك العصر، وكثيرًا ما كان يدمج الفقه بالأصول في التصنيف (٢).
فالمنهج الأصولي في تلك المرحلة كان جزئيًا لا شموليًا؛ بل إن مصنف الرسالة نفسه يمثل مجموعة المشكلات الأصولية التي شغلت الفقهاء في ذلك العصر، وظهرت في اختلاف منهج الاستدلال بين المدرستين السابق ذكرهما، فدفعت بعبدالرحمن بن مهدي (٣) (ت: ١٩٨ هـ) إلى أن يكتب للشافعي أن يضع له كتابًا
стр. 494
يُبين فيه جملة من أوجه الاستدلال.
فمصنف الرسالة لم يكن شاملاً لجميع موضوعات الأصول التي استقرت عند المتأخرين؛ وذلك لعدم الباعث لمزيد من الاستقصاء، فموضوعات الرسالة جاءت على قدر الحاجة في تلك المرحلة.
والناظر في كتاب الرسالة يجد الإمام الشافعي لم يكن يعرض الموضوعات الأصولية عرضًا مسترسلاً؛ بل كان مزيجًا من الحوار والمناقشة، فهو يفترض وجود مناظر يُناظره ويورد عليه الأسئلة، فيجيب عليه (١)، فنجد كثيرًا في رسالته: (قال، وقلت) (٢)، (فقال لي قائل، قلت) (٣) (فإن قال قائل، قلت) (٤).
وهذا الأسلوب الذي اتخذه الإمام الشافعي هو من قبيل الاستدراك التقديري، وهو أسلوب مفيد في باب التعليم؛ لطرد الملل، والتنبيه على موضوعات ذات أهمية.
والمتأمل في أسلوب "الفنقلة" في رسالة الشافعي يجد أنها تتحدد في ثلاث صور:
الصورة الأولى: الفنقلة البيانية التعليمية.
وهي أسلوب استفساري أُدرج في الرسالة على سبيل البيان والتعليم. (٥)
стр. 495
والمقصود به الجواب لا السؤال، ولا نلمس فيه أثر الجدل أو الحِجاج العقيم. كما أن موضوعه لم يعرف اختلافًا كبيرًا في الرؤى؛ لأنه واضح وَبيِّن؛ وإنما جيء به في سياق التعليم. (١)
ومن هذا النوع حديثه عن دليل القياس؛ إذ قال: "فإن قال قائل: فاذكر من الأخبار التي يقيس عليها، وكيف نقيس؟ قيل له: إن شاء الله، كل حكم لله أو لرسوله وُجِدت عليه دلالة فيه أو في غيره من أحكام الله أو رسوله بأنه حكم به لمعنى من المعاني، فنزلت نازلة ليس فيها نص حكمٍ؛ حكم فيها حكم النازلة المحكوم فيها، إذا كانت في معناها .... فإن قال: فاذكر من كل واحد من هذا شيئًا يبين لنا ما في معناه؟
قلت: قال رسول الله: «إن الله حرم من المؤمن دمه، وماله، وأن يُظن به إلا خيرًا» (٢)، فإذا حرم أن يُظن به ظنًّا مخالفًا للخير يُظهِره؛ كان ما هو أكثر من الظن المُظْهَرِ ظنَّا من التصريح له بقول غير الحق أولى أن يُحرم، ثم كيفما زيد في ذلك كان أحْرَمَ" (٣).
стр. 496
الصورة الثانية: الفنقلة الحوارية التناظرية.
وهي أسلوب تحاوري أُدرج في الرسالة لبسط المعرفة الأصولية. (١)
وهذه أكثر الصور استعمالاً، وخير مثال عليها ما ساقه في باب خبر الواحد الذي استهله بقوله: "فقال لي قائل: احْدُدْ لي أقلَّ ما تقوم به الحجة على أهل العلم حتى يثبت عليهم خبر الخاصة؟
فقلت: خبر الواحد عن الواحد حتى ينتهي به إلى النبي، أو من انتهى به إليه دونه" (٢).
واستمر الحوار في هذه المسألة نحو ثلاثين صفحة يحقق فيها الشافعي رأيه في المسألة، ويكشف خطأ المحاور. (٣)
الصورة الثالثة: الفنقلة التحقيقية الاستدلالية.
وهي أسلوب استدلالي أُدرج في الرسالة لتحقيق المسائل الأصولية والاستدلال عليها. (٤)
وقد غطت هذه الصورة مساحة مهمة من كتاب الرسالة؛ لكونها محاولة تأسيسية للمعرفة الأصولية تستوجب تدقيق النظر، وتحقيق الآراء.
ومن الأمثلة على هذا الأسلوب: ما عرضه الشافعي في عربية القرآن حيث قال: "فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيًا وأعجميًا، والقرآن يدل على أن ليس من كتاب
стр. 497
الله شيء إلا بلسان العرب، ووجد قائل هذا القول من قبل ذلك منه تقليدًا له، وتركًا للمسألة عن حجته، ومسألة غيره ممن خالفه، وبالتقليد أغفل من أغفل منهم والله يغفر لنا ولهم، ولعل من قال: إن في القرآن غير لسان العرب، وقُبِلَ ذلك منه؛ ذهب إلى أن من القرآن خاصًّا يجهل بعضه بعض العرب، ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي؛ ولكنه لا يذهب منه شيء على عامتها؛ حتى لا يكون موجودًا فيها من يعرفه، والعلم به عند العرب كالعلم بالسنة عند أهل الفقه، لا نعلم رجلاً جمع السنن فلم يذهب منها عليه شيء، فإذا جمع علم عامة أهل العلم بها أتى على السنن، وإذا فرق علم كل واحد منهم ذهب عليه الشيء منها، ثم ما كان ذهب عليه منها موجودًا عند غيره" (١).
كما أن الإمام الشافعي كان يعرض أقوال المخالفين له في الرأي مؤيدة بأدلتهم، ثم يستدرك عليها بالنقض في أسلوب العلماء، ولهجة الحكماء (٢). فكانت استدراكاته ومناظراته بيانًا للحق، ونصحًا للخلق، وظهر ذلك جليًا في موضوع إثبات خبر الواحد، ورد كل أصل يخالفه.
ومما سبق أستطيع القول بأن نشأة الاستدراكات الأصولية كانت مع أول نشأة الأصول، فكان الاستدراك طريقةً معتبرةً في تقرير القواعد، وبيان المعاني الأصولية وإيضاحها.
стр. 498
• المطلب الثاني
مرحلة الاستدراك التقعيدي
بعد أن دون الإمام الشافعي رسالته في علم الأصول سلك هذا العلم مسالك متشعبة، فكتب كثير من الأئمة في هذا العلم على اختلاف مذاهبهم، فظهرت اتجاهات مختلفة في تدوين علم أصول الفقه، فكانت هذه المرحلة تدوين وتقعيد أصول كل مذهب.
وكان نتاج الفكر الأصولي في هذه المرحلة يمثل قمة الاجتهاد الأصولي، وأكثر ما جاء بعده ما هو إلا دائر في فلكه.
قال الزركشي: "وجاء من بعده (١) فبَيَّنُوا وأوضحوا وبسطوا وشرحوا؛ حتى جاء القاضيان: قاضي السُّنة أبو بكر بن الطيب، وقاضي المعتزلة عبدالجبار، فوسعا العبارات، وفكا الإشارات، وبَيَّنَا الإجمال، ورفعا الإشكال، واقتفى الناس بآثارهم، وساروا على لَاحِبِ (٢) نارهم، فحرَّروا، وقرَّروا، وصوَّروا، فجزاهم الله خير الجزاء، ومنحهم بكلِّ مسَرَّةٍ وهناءٍ" (٣).
ويمكن تصنيف الاستدراكات الأصولية في هذه المرحلة إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى: استدراكات أصولية على المخالف في الاعتقاد في مرحلة التقعيد.
المجموعة الثانية: استدراكات أصولية على المخالف في المذهب الفقهي في مرحلة التقعيد.
стр. 499
وسأكتفي بسرد المصنفات في المجموعتين دون ذكر أمثله لهذه الاستدراكات؛ وذلك لاستفاضتها في هذه المصنفات، علمًا بأن البحث اشتمل على مثال للاستدراك العقدي (١) والفقهي (٢).
• المجموعة الأولى: الاستدراكات الأصولية على المخالف في الاعتقاد في مرحلة التقعيد:
الخلاف العقدي فتح مجالاً لكثرة الاستدراكات -كما سبق تقريره-، وظهرت هذه الاستدراكات جلية في استدراكات الأشاعرة على المعتزلة، والعكس بالعكس، واستدراكات أهل السنة عليهما، واستدراكات الماتريدية على الأشاعرة والمعتزلة.
وقد ظهرت هذه الاستدراكات واضحة في مباحث الحكم الشرعي، ومباحث الأمر والعموم.
وفيما يلي سرد لبعض المصنفات الأصولية في المجموعة الأولى التي ضمت بين طياتها عددًا من الاستدراكات على الخصم المخالف في الاعتقاد في مرحلة تقعيد الأصول:
• أولاً: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات الأشاعرة على المعتزلة في مرحلة التقعيد؛ ومنها:
• التقريب والإرشاد، للقاضي أبي بكر محمد الباقلاني، (ت: ٤٠٣ هـ) (٣).
• البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين أبي المعالي عبدالملك الجويني، (ت: ٤٧٨ هـ).
стр. 500
• المستصفى من علم الأصول، لحجة الإسلام أبي حامد محمد الغزالي، (ت: ٥٠٥ هـ).
• المحصول في علم أصول الفقه، لفخر الدين محمد الرازي، (ت: ٦٠٦ هـ).
• الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين أبي الحسن علي الآمدي، (ت: ٦٣١ هـ).
• نهاية الوصول في دراية الأصول، لصفي الدين محمد الأرموي الهندي، (ت: ٧٢٥ هـ).
• ثانيًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات المعتزلة على الأشاعرة في مرحلة التقعيد:
• المعتمد في أصول الفقه، لأبي الحسين محمد البصري المعتزلي، (ت: ٤٣٦ هـ).
• ثالثًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات أهل السنة على الأشاعرة والمعتزلة في مرحلة التقعيد (١):
• العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى محمد الفراء الحنبلي، (ت: ٤٥٨ هـ).
• قواطع الأدلة في أصول الفقه، لأبي المظفر منصور السمعاني الشافعي، (ت: ٤٨٩ هـ).
• المسودة في أصول الفقه، لآل تيمية.
• أصول الفقه، لشمس الدين محمد بن مفلح المقدسي، (ت: ٧٦٣ هـ).
стр. 501
• رابعًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات الماتريدية على الأشاعرة والمعتزلة في مرحلة التقعيد:
• ميزان الأصول في نتائج العقول في أصول الفقه (١)، لعلاء الدين أبي بكر محمد السمرقندي، (ت: ٥٣٩ هـ).
• أما المجموعة الثانية: الاستدراكات الأصولية على المخالف في المذهب الفقهي:
ففيما يلي سرد لبعض المصنفات الأصولية التي حوت بين صفحاتها عددًا من الاستدراكات على الخصم المخالف في المذهب الفقهي في مرحلة تقعيد الأصول:
• أولاً: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات الحنفية على الخصم في المذهب الفقهي في مرحلة التقعيد:
• الفصول في الأصول (أصول الجصاص)، لأبي بكر أحمد الرازي الجصاص، (ت: ٣٧٠ هـ).
• تقويم الأدلة في أصول الفقه، لأبي زيد عبيدالله الدبوسي، (ت: ٤٣٠ هـ).
• كنز الوصول إلى معرفة الأصول (أصول البزودي)، لفخر الإسلام علي البزدوي، (ت: ٤٨٢ هـ).
• تمهيد الفصول في علم الأصول (أصول السرخسي)، لأبي بكر محمد السرخسي، (ت: ٤٨٣ هـ).
стр. 502
• ثانيًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات الشافعية على الخصم في المذهب الفقهي في مرحلة التقعيد:
• التبصرة في أصول الفقه، لأبي إسحاق إبراهيم الشيرازي، (ت: ٤٧٦ هـ).
• القواطع في أصول الفقه (١)، لأبي المظفر منصور السمعاني، (ت: ٤٨٩ هـ).
• المستصفى من علم الأصول، لحجة الإسلام أبي حامد محمد الغزالي، (ت: ٥٠٥ هـ).
• المحصول في علم أصول الفقه، لفخر الإسلام محمد الرازي، (ت: ٦٠٦ هـ).
• الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين أبي الحسن علي الآمدي، (ت: ٦٣١ هـ).
• نهاية الوصول في دراية الأصول، لصفي الدين محمد الأرموي الهندي، (ت: ٧٢٥ هـ).
стр. 503
• ثالثًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات المالكية على الخصم في المذهب الفقهي في مرحلة التقعيد:
• إحكام الفصول في أحكام الأصول، لأبي الوليد سليمان الباجي، (ت: ٤٧٤ هـ) (١).
• تقريب الوصول إلى علم الأصول، لأبي القاسم محمد بن جزي الكلبي، (ت: ٧٤١ هـ) (٢).
• رابعًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات الحنابلة على الخصم في المذهب الفقهي في مرحلة التقعيد:
• العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى الفراء، (ت: ٤٥٨ هـ).
• التمهيد في أصول الفقه، لأبي الخطاب محفوظ الكلوذاني، (ت: ٥١٠ هـ).
• الواضح في أصول الفقه، لأبي الوفاء علي ابن عقيل، (ت: ٥١٣ هـ).
• روضة الناظر وجنة المناظر، لأبي محمد عبدالله ابن قدامة المقدسي، (ت: ٦٢٠ هـ).
• المسودة في أصول الفقه، لآل تيمية.
• أصول الفقه، لشمس الدين محمد ابن مفلح، (ت: ٧٦٣ هـ).
• خامسًا: المصنفات التي اشتملت على عدد من استدراكات الظاهرية على الخصم المخالف في المذهب الفقهي في مرحلة التقعيد:
• الإحكام في أصول الأحكام، لأبي علي محمد ابن حزم الظاهري، (ت: ٤٥٦ هـ).
стр. 504
• تنبيهان:
الأول: أكثر استدراكات الحنفية كانت على الشافعية، وأكثر استدراكات الجمهور -من الشافعية والمالكية والحنابلة- كانت على الحنفية، وكان هذا في عدة موضوعات أصولية؛ منها: الواجب الموسع، ودلالة العام، والاحتجاج بمفهوم المخالفة، والتعليل بالعلة القاصرة، والقياس في الأسباب والحدود والكفارات، وغيرها من المسائل الأصولية التي خالف الحنفية فيها الجمهور.
وسبب هذا الاختلاف يرجع إلى طريقة التصنيف في علم أصول الفقه؛ حيث كان للجمهور طريقة خاصة بهم؛ وهي بناء الفروع على القواعد الأصولية، وكان للحنفية طريقة خاصة بهم؛ وهي بناء القواعد الأصولية على الفروع الفقهية عند أئمتهم.
وأما الاستدراك على المالكية فكان في موضوعين: إجماع أهل المدينة، وحجية المصلحة المرسلة.
والاستدراك على الحنابلة ظهر في مسائل؛ منها: مسألة عدم جواز خلو العصر من المجتهدين.
واستدراك الظاهرية على الجمهور ظهر جليًّا في احتجاج الجمهور بالقياس، وسد الذرائع.
الثاني: أن هذه الكتب تضمنت استدراكات في نفس المذهب العقدي والفقهي؛ لأن هذه المرحلة كانت لتقعيد القواعد الأصولية في المذهب، فنجد مثلاً الجصاص يستدرك على شيخه الكرخي في بعض المسائل، وكذلك الجويني والغزالي يستدركان على الباقلاني والأشعري.
стр. 505
• المطلب الثالث
مرحلة الاستدراك التنقيحي
وهذه المرحلة امتداد للمرحلة السابقة، فلما استقرت أصول المذاهب؛ عكف الأصوليون على تنقيح هذه المصنفات، فآتت الاستدراكات أُكُلها، فصارت منهجًا مسلوكًا في كثير من كتب الأصول.
فإذا كان انشغال أصولي المرحلة السابقة كله في بيان المادة الأصولية، وتوضيحها بالدراسة والتحليل؛ فإن اهتمام أصولي هذه المرحلة تحقيق المباحث الأصولية ونخلها وتصفيتها مما علق بها من مباحث ومسائل دخيلة على الدرس الأصولي، فظهرت الاستدراكات جلية في نقد الحدود وفق مصطلحات المنطقيين، واستخدام أسلوب الجدليين في نقد الاستدلالات.
ومظان الاستدراكات في هذه المرحلة: كتب المختصرات والشروح والحواشي؛ إذ الاستدراك من مهام المختصر والشارح والمُحشِّي.
وعليه يمكن تقسيم الاستدراكات في هذه المرحلة إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: استدراكات المختصرات الأصولية.
المجموعة الثانية: استدراكات الشروح على المتون الأصولية.
المجموعة الثالثة: استدراكات الحواشي على المصنفات الأصولية.
• المجموعة الأولى: استدراكات المختصرات الأصولية:
• التلخيص في أصول الفقه، لإمام الحرمين أبي المعالي عبدالملك الجويني، (ت: ٤٧٨ هـ). حيث يعد كتاب التلخيص مختصرًا للتقريب والإرشاد للقاضي الباقلاني، ورغم أن شخصية إمام الحرمين في هذا الكتاب لم تكن قد نضجت ككتاب البرهان؛ وذلك يعود إلى أنه ألف هذا الكتاب - أي التلخيص-
стр. 506
في بداية حياته العلمية، فكان في أكثر الكتاب يتبع آراء القاضي الباقلاني؛ إلا أن هذا لم يمنعه من الاستدراك عليه في بعض المواطن؛ فمن ذلك مثلاً: قوله في (باب العموم والخصوص) بعد أن ذكر أن العموم والخصوص لا يتحقق إلا في الأقوال، وأما الأفعال فلا يتحقق فيها العموم: "فإذا قال القائل: حكم الله تعالى في قطع السارق [عامًّا] (١) في كل سارق.
قيل له: إن لم ترد بالحكم كلام الله تعالى فلا يتحقق فيه عموم؛ فإن كل سارق يختص بما خصص به من الحكم، وما أثبت له منه لم يثبت لغيره؛ بل أثبت لغيره مثله.
واعلم أن هذا إنما يشتمل على مذهب من لم يصرف الأحكام إلى كلام الرب، وقد قدمنا في باب مفرد انصراف الأحكام إلى الكلام، وهذا مما يتصور فيه العموم والخصوص.
والقاضي أطلق القول بأن العموم لا يتحقق في الأحكام (٢)،
وهذا مدخول عندي؛ للأصل الذي ذكرته من انصراف الأحكام إلى القول الذي يعم ويخص، ولعله ﵁ قال بما قال على مذهب الصائرين إلى أن الأحكام راجعة إلى أوصاف الأنفس (٣)،
стр. 507
فأبدى ما أبدى على قضية مذهب القوم، والله أعلم" (١).
• أجلى مثالٍ على هذه المجموعة: مختصرات المحصول؛ حيث كان للمختصرين استدراكات على الإمام الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) في محصوله.
ومن هذه المختصرات:
• تنقيح محصول ابن الخطيب في أصول الفقه، للمظفر ابن أبي الخيل الخطيب التبريزي (ت: ٦٢١ هـ). كان يستدرك على الرازي في مواطن كثيرة بالنقد والتصحيح لأقواله، ويعيد صياغة التعريف بما يراه مناسبًا مخالفًا بذلك لما في المحصول. (٢)
• تلخيص المحصول، لأحمد بن أبي بكر النقشواني (٣) (ت: ٦٥١ هـ). وكان كثيرًا ما يستدرك على الرازي.
ومن أمثلة استدراكات النقشواني على الرازي: ما جاء في مسألة (الأمر بالشيء نهي عن ضده): "فلو كان الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ترك المأمور به؛ يلزم أن يقال: يقتضي الأمر الإتيان بالمأمور به دائمًا، والأمر عنده (٤) لا يقتضي التكرار (٥) " (٦).
стр. 508
• التحصيل من المحصول، لسراج الدين محمود الأرموي (ت: ٦٨٢ هـ). كانت معظم التنبيهات والاستدراكات التي يذكرها على الرازي موجهة للأدلة العقلية، فكان ينبه على أدلة ضعيفة ذكرها الرازي لا تقف أمام مناظرات الخصوم. (١)
• وأيضًا من المختصرات التي كانت تذكر عددًا من الاستدراكات، ما كان على المستصفى من علم الأصول، لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ):
• الضروري في أصول الفقه (مختصر المستصفى) لأبي الوليد محمد بن رشد الحفيد (ت: ٥٩٥ هـ). ذكر عددًا من الاستدراكات على الغزالي في اختياراته وترتيبه للمسائل الأصولية في المستصفى (٢).
• لباب المحصول في علم الأصول، للحسين ابن رشيق المالكي (ت: ٦٣٢ هـ). ذكر في كتابه نكات وتحقيقات وتصحيحات بناء على أصول المالكية. كما ذكر في كتابه نقودًا وردودًا على بعض الأئمة في أصول الفقه (٣).
• المجموعة الثانية: استدراكات الشروح على المتون الأصولية:
وخاصة المتون التي عظم اهتمام الناس بها تدريسًا وشرحًا، كثرت عليها الاستدراكات؛ كمختصر ابن الحاجب، وجمع الجوامع لابن السبكي، والمنار للنسفي.
وأذكر من المتون الأصولية التي استدرك عليها الشراح مرتبة بحسب تاريخ وفاة صاحب المتن:
стр. 509
• اللُّمع في أصول الفقه، لأبي إسحاق إبراهيم الشيرازي، (ت: ٤٧٦ هـ).
• شرحه مصنفه في كتابه: شرح اللُّمع. وفي الحقيقة شرح اللمع لا يوجد به استدراكات على اللمع؛ ولكن فيه استدراكات على كتابه التبصرة؛ حيث كان تصنيفه قبل اللمع (١)، إضافة إلى استدراكاته على بعض علماء الأصول.
• البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني، (ت: ٤٧٨ هـ). شرحه عالمان من المالكية؛ وهما:
• أبو عبدالله محمد المازري (ت: ٥٣٦ هـ) في كتابه: إيضاح المحصول من برهان الأصول، وقد طبع جزء من هذا الكتاب، اشتمل على استدراكات على إمام الحرمين الجويني (٢).
• أما الشرح الثاني للبرهان فهو: التحقيق والبيان في شرح البرهان، لأبي الحسن علي الأبياري (ت: ٦١٧ هـ)، وكان الأبياري مستدركًا على الجويني أكثر من كونه شارحًا لكتابه (٣).
• كنز الوصول إلى علم الأصول (أصول البزدوي)، لفخر الإسلام علي بن محمد البزدوي، (ت: ٤٨٢ هـ)، وهذا الكتاب عليه شروح كثيرة (٤)، ومن الشروح التي تيسر لي الوقوف عليها وتضمنت استدراكات على البزدوي:
• كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، لعلاء الدين عبدالعزيز بن أحمد البخاري (ت: ٧٣٠ هـ). وهذا الكتاب له من اسمه نصيب،
стр. 510
وقد استدرك على البزدوي في عدة مواضع (١).
• الشامل في شرح أصول الفقه للشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي (٢)، للشيخ أبي حنيفة أمير كاتب قوام الدين الفارابي الإتقاني، (ت: ٧٥٨ هـ) (٣).
ذكر استدراكات على البزدوي؛ ومن ذلك مثلاً: قوله عند مسألة (بيان التغيير بالتعليق بالشرط والاستثناء) بعد قول البزدوي: "بيان التغيير نوعان: التعليق بالشرط والاستثناء، وإنما يصح ذلك موصولاً، ولا يصح مفصولاً، على هذا أجمع الفقهاء .... فأما التغيير بعد الوجود فنسخ وليس ببيان" (٤).
" وإنما قلنا: إن البيان ما يظهر به ابتداء وجود الشيء؛ لأنه إذا وجد ثم تغير يكون نسخًا؛ لا بيانًا، فلما وجد في التعليق بالشرط معنى التغيير ومعنى البيان؛ سمي: بيان التغيير؛ لاشتمال التعليق على الوصفين جميعًا.
وإنما سقنا الكلام على ما ساق الشيخ (٥)؛ ولكن كلام الشيخ لا يستقيم على مذهبه؛ لأن قوله: (فأما التغيير بعد الوجود فنسخ وليس ببيان) ينفي أن يكون النسخ بيانًا، وليس مذهبه ذلك (٦)؛ لأنه جعل البيان على خمسة أقسام، وجعل أحد أقسامها:
стр. 511
بيان التبديل، وسمى التبديل نسخًا (١)، فيكون النسخ بيانًا عنده، فيكون هذا الذي قاله هنا تركًا لمذهبه" (٢).
وقوله في (باب تقسيم الناسخ): "باب تقاسيم الناسخ (٣)، وكان ينبغي أن يترجم الباب بباب بيان الناسخ؛ كما ذكر شمس الأئمة في أصوله بقوله: (فصل في بيان الناسخ) (٤) " (٥).
• التقرير لأصول فخر الإسلام البزدوي، لأكمل الدين محمد البابرتي، (ت: ٧٨٦ هـ).
ذكر بعض الاستدراكات على البزدوي؛ من ذلك: قوله بعد ذكر شروط القياس: "فإن مراد الشيخ (٦) ﵀ الإرشاد وإيناس الأذهان بتكرار معدات القياس؛ ولهذا جعل الشروط أربعة، وجعل الشرط الثالث بحسب التفصيل جملة؛ وإلا ففي الحقيقة كل ذلك راجع إلى شرط مركب من أمرين؛ وهو: التعدية من غير تغيير، ... " (٧). وبين وجه رجوع الشروط الأربعة التي ذكرها البزدوي إلى هذا الشرط المركب.
وذكر في مواضع استدراكات التكميل على قول البزدوي؛ ومن ذلك:
стр. 512
قوله في مسألة (هل يشترط انقراض العصر في الإجماع؟ ): "أقول: انقراض العصر -أي انقطاع أهله؛ وهو عبارة عن موت جميع أهل الاجتهاد في وقت نزول الحادثة- بعد اتفاقهم على حكم ليس بشرط عند أصحابنا؛ لانعقاد الإجماع، ولا لكونه حجة. وهو قول عامة العلماء، والأصح من مذهب الشافعي. (١) وقال أحمد (٢) والشافعي (٣) في رواية وابن فورك (٤): هو شرط لانعقاد الإجماع.
وقال بعض أصحاب الشافعي (٥): إن كان الإجماع لاتفاقهم على الحكم قولاً وفعلاً لا يشترط، وإن كان بنص البعض وسكوت الباقين يشترط، وهو قول بعض المعتزلة (٦).
وقال بعضهم: إن كان الإجماع عن قياس كان شرطًا؛ وإلا فلا. وهو مذهب إمام الحرمين (٧).
стр. 513
ولم يذكر الشيخ سوى المذهبين الأولين" (١).
ويلحظ على البابرتي كثرة استدراكاته على العلاء البخاري في شرحه الكشف؛ فمن ذلك مثلاً: لما اعترض البخاري على البزدوي في مثال من أمثلة شروط القياس: "و (الواو) في قوله: (وفي اختصاصه) بمعنى (أو)، ولفظة (في) أو لفظة (اختصاصه) في قوله: (وفي اختصاصه) زائدة، ولو قيل: (واختصاصه بأن لا يحل) أو قيل: (وفي أن لا يحل أحد بعده)؛ لكان أحسن" (٢).
قال البابرتي: "قيل: في عبارة الشيخ تسامح في قوله: (وفي اختصاصه)؛ فإنه استعمل (الواو) بمعنى (أو)، ولفظة (في) زائدة، ولو قيل: (واختصاصه، بأن لا يحل) أو قيل: (وفي أن لا يحل)؛ لكان أحسن.
ويمكن أن يجاب عن الأول: بأنَّا لا نسلم أن (الواو) بمعنى (أو)؛ لجواز أن يكون المعنيان جميعًا مختصين به ﵊؛ إذ لا مانع من ذلك لا لفظًا ولا معنى.
وعن الثاني: يجوز أن يكون الظرف خبر مبتدأ محذوف، ويكون تقديره: وقلنا: الخلوص في اختصاصه بأن لا يحل بعده، فلا تكون (في) زائدة" (٣).
• المحصول في أصول الفقه، لفخر الدين محمد الرازي (ت: ٦٠٦ هـ):
• شرحه أبو العباس أحمد القرافي (ت: ٦٨٤ هـ) في كتاب نفيس كاسمه: نفائس الأصول في شرح المحصول، وكان القرافي في شرحه هذا مستدركًا أكثر من كونه شارحًا، فلا تكاد تخلو مسألة من مسائل المحصول إلا واستدرك عليها القرافي؛ حتى إنه استدرك على تسمية الكتاب بالمحصول.
• كما شرحه أيضًا محمد بن محمود الأصفهاني (ت: ٦٨٨ هـ) في كتابه:
стр. 514
الكاشف عن المحصول، ذكر فيه عددًا من الاستدراكات على الرازي (١) وغيره من الأصوليين.
• روضة الناظر وجُنَّة المُناظر، لأبي محمد عبدالله بن قدامة المقدسي (ت: ٦٢١ هـ).
• اختصره نجم الدين سليمان بن عبدالقوي الطوفي (ت: ٧١٦ هـ) في مختصر روضة الناظر (البلل في أصول الفقه)، ثم شرحه في كتابه شرح مختصر روضة الناظر، وذكر فيه عددًا كبيرًا من الاستدراكات على ابن قدامة (٢).
• مذكرة أصول الفقه، لمحمد الأمين بن محمد الشنقيطي، (ت: ١٣٩٣ هـ)، وكان يستدرك كثيرًا على ابن قدامة. (٣)
• مختصر منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل (مختصر ابن الحاجب)، لأبي عمرو عثمان ابن الحاجب (ت: ٦٤٦ هـ)، وهذا الكتاب اعتنى به الأصوليون، فكان عليه شروح كثيرة (٤)؛ ومن شروحه التي تضمنت استدراكات عليه:
• بيان المختصر، لمحمود بن عبدالرحمن الأصفهاني، (ت: ٧٤٩ هـ). (٥)
• رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، لتاج الدين عبدالوهاب السبكي (ت: ٧٧١ هـ). (٦)
стр. 515
• الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب، لمحمد بن محمود البابرتي الحنفي (ت: ٧٨٦ هـ). (١)
• تنقيح الفصول، لأبي العباس أحمد القرافي (ت: ٦٨٤ هـ)، ومن شروحه التي حوت استدراكات عليه:
• التوضيح في شرح التنقيح، لأبي العباس أحمد بن الزليطني، الشهير بحلولو (٨٩٨ هـ) (٢).
• رفع النقاب عن تنقيح الشهاب، لحسين بن علي الرجراجي الشوشاني (ت: ٨٩٩ هـ) (٣). ومن ذلك: استدراكه على قول القرافي في اندراج المخاطِب في العموم الذي يتناوله: "وكذلك يندرج المخاطِب (٤) عندنا في العموم الذي يتناوله؛ لأن شمول اللفظ يقتضي جميع ذلك" (٥).
فاستدرك عليه الرجراجي بقوله: "انظر قوله هاهنا: (وكذلك يندرج المخاطِب عندنا) مع قوله في الفصل الرابع (٦): (وكونه مخاطِبًا لا يخصص العام إن كان خبرًا، وإن كان أمرًا جعل جزاء) (٧). هما مسألة واحدة كرر المؤلف في كلامه مناقضة؛
стр. 516
لأن ظاهر كلامه في هذا الفصل يقتضي أن لا فرق بين الخبر والأمر، وظاهر كلامه في الفصل الرابع الفرق بين الخبر والأمر، فيحتمل أن يكون تكلم هاهنا على القول بعدم التفصيل بين الخبر والأمر، وتكلم في الفصل الرابع على القول بين الخبر والأمر" (١).
• منهاج الوصول إلى علم الأصول، لجمال الدين عبدالله البيضاوي، (ت: ٦٨٥). وهذا الكتاب اعتنى به الأصوليون (٢)؛ ومن شروحه التي تضمنت استدراكات عليه:
• الإبهاج لشرح المنهاج، ابتدأ به علي بن عبدالكافي السبكي (ت: ٧٥٦ هـ) ووقف عند مقدمات الواجب، ثم أكمله ابنه عبدالوهاب بن علي السبكي، (ت: ٧٧١ هـ). (٣)
• نهاية السول، لجمال الدين عبدالرحيم الإسنوي (ت: ٧٧٢ هـ). (٤)
• منار الأنوار، لعبدالله بن أحمد النسَفِي (٥) (ت: ٧١٠ هـ). وهذا المتن أكثر متون أصول الفقه بعد مختصر ابن الحاجب عناية به (٦). ومن الشروح التي يسر الله
стр. 517
لي الوقوف عليها وتضمنت بعض الاستدراكات على النسفي:
• فتح الغفار بشرح المنار، لابنِ نُجِيْمِ الحنفي (١) (ت: ٩٧٠ هـ). فمن استدراكاته: ما جاء في المنار (٢) في مسألة (تقليد التابعي): "وأما التابعي فإن ظهرت فتواه في زمن الصحابة- كشُرَيْحٍ (٣) -؛ كان مثله عند البعض، وهو الصحيح".
فاستدرك عليه ابن نجيم بقوله: " (فإن ظهرت فتواه في زمن الصحابة كشُرَيْحٍ) والحسن وسعيد بن المسيب والشعبي والنخعي (٤) ومسروق (٥) وعلقمة (٦)
стр. 518
(كان مثله) أي مثل الصحابي (عند البعض) وهو رواية النوادر (١)، (وهو الصحيح) لم يصرح فخر الإسلام بتصحيح فيها؛ وإنما أخر دليل هذا القول (٢)، فقال (٣) في التقرير (٤): والظاهر أنه اختارها لتأخيره في البيان. انتهى.
ويجب الاعتماد على ظاهر الرواية (٥)؛ ولذا قال في التحرير (٦): والظاهر
стр. 519
من المجتهد في عصرهم - كابن المسيب - المنع؛ لفوات المناط المساوي (١). وفي النوادر: نعم (٢)، والاستدلال بأنهم لما سوغوا له صار مثلهم ممنوع الملازمة؛ لأن التسويغ لرتبة الاجتهاد لا يوجب ذلك المناط (٣)، والاستدلال برد شريح شهادة الحسن (٤) لعلي ﵄، وكان علي يقبل الابن (٥)، ومخالفة مسروق ابن عباس في إيجاب مئة من الإبل في النذر بذبح الولد إلى إيجاب شاة (٦) لا يفيد. انتهى" (٧).
• جمع الجوامع في أصول الفقه، لتاج الدين عبدالوهاب السبكي (ت: ٧٧١ هـ) (٨). ومن شروحه التي تضمنت عددًا من الاستدراكات (٩):
стр. 520
• تشنيف المسامع بجمع الجوامع، للإمام بدر الدين محمد الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ).
• الغيث الهامع شرح جمع الجوامع، لأبي زرعة أحمد العراقي (ت: ٨٢٦ هـ) (١).
• البدر الطالع في شرح جمع الجوامع، لجلال الدين محمد المحلي، (ت: ٨٦٤ هـ).
• الدرر اللوامع شرح جمع الجوامع، لشهاب الدين أحمد الكوراني، (ت: ٨٩٣ هـ) (٢).
• الضياء اللامع في شرح جمع الجوامع، لأبي العباس أحمد بن
الزليطني، الشهير بحلولو (ت: ٨٩٨ هـ).
• الثمار اليوانع على جمع الجوامع، لخالد بن عبدالله الأزهري الجرجاوي، (ت: ٩٠٥ هـ) (٣).
стр. 521
• البدور اللوامع في شرح جمع الجوامع، لأبي المواهب حسن اليوسي المالكي، (١١٠٢ هـ) (١).
• البدر الطالع في حل ألفاظ جمع الجوامع، لعبدالرحمن بن محمد الشربيني، (ت: ١٣٢٦ هـ) (٢).
• الترياق النافع بإيضاح وتكميل مسائل جمع الجوامع، لأبي بكر عبدالرحمن العلوي الحسيني، (ت: ١٣٤١ هـ) (٣).
стр. 522
• البدر الساطع على جمع الجوامع، لمحمد بخيت المطيعي الحنفي، (ت: ١٣٥٤ هـ).
• التنقيح في أصول الفقه، لصدر الشريعة المحبوبي (ت: ٧٤٧ هـ).
• شرحه سعد الدين التفتازاني (ت: ٧٩١ هـ) في التلويح إلى كشف حقائق التنقيح، واحتوى شرحه على عدد من الاستدراكات (١).
• التحرير في أصول الفقه، لعلاء الدين أبي الحسن علي المرداوي، (ت: ٨٨٥ هـ).
• شرحه مصنفه في التحبير شرح التحرير. ويمكن اعتبار استدراكات التحبير على التحرير من باب دفع اللبس، أو تكميل النقص. والكتاب -بصفة عامة- يوجد به عدد من الاستدراكات على علماء الأصول (٢).
• شرح الكوكب المنير، لأحمد بن عبدالعزيز الفتوحي (٣)،
الشهير بابن النجار، (ت: ٩٧٢ هـ)، وهو في حقيقة الأمر ليس شرحًا للتحرير؛ وإنما شرح لمختصر التحرير؛ حيث إن الفتوحي قام باختصار التحرير، ثم قام بشرح مختصره.
والكتاب يحوي عددًا من الاستدراكات الأصولية، والناظر لكتاب شرح الكوكب المنير يجده في كثير من المواطن نسخة أخرى للتحبير.
стр. 523
• التحرير في أصول الفقه الجامع بين اصطلاحي الحنفية والشافعية، لكمال الدين محمد السيواسي الحنفي، الشهير بابن الهمام (ت: ٨٦١ هـ).
• شرحه تلميذه محمد بن محمد أمير الحاج (ت: ٨٧٩ هـ) في التقرير والتحبير، وكان يستدرك على ابن الهمام في بعض المواطن. (١)
• شرحه كذلك محمد أمين، الشهير بأمير بادشاه (ت: ٩٧٢ هـ)، في تيسير التحرير، وكان يستدرك في مواضع قليلة على ابن الهمام (٢)، إلا أنه كان يستدرك على الشارح أمير الحاج كثيرًا (٣).
• مسلم الثبوت، لمحب الله بن عبدالشكور الحنفي، (ت: ١١١٩ هـ):
• شرحه عبدالعلي الأنصاري (ت: بعد ١١٨٠ هـ) في كتاب نفيس اسمه: فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت، فذكر فيه فوائد ونكتًا واستدراكات لبعض الأصوليين (٤).
ومن استدراكاته على محب الله: قوله: "التقسيم (الثالث) المناسب مؤثر، وملائم، وغريب، ومرسل؛ إذ (الوصف إن اعتبر عينه ونوعه في عين الحكم بنص أو إجماع كالإسكار في حمل النبيذ على الخمر) وهذا لا يصح على رأي الشيخين (٥)؛ فإن حرمة الخمر عندهما بعينها غير معللة بالسكر، والأولى أن يمثل بالطواف في طهارة سؤر الهرة (٦)
стр. 524
(فهو الموثر ... " (١).
• المجموعة الثالثة: استدراكات الحواشي على المصنفات الأصولية.
والحواشي منها ما كان على المتون الأصولية، ومنها ما كان على الشروح؛ ومن هذه الحواشي:
• الحواشي على مختصر ابن الحاجب (ت: ٦٤٦ هـ)، وشرحه العضد الإيجي (ت: ٧٥٦ هـ).
• ومن أشهرها: حاشية سعد الدين التفتازاني، (ت: ٧٩١ هـ)، وهي حاشية نفيسة، بها بعض الاستدراكات، وأذكر لذلك المثال التالي:
قال ابن الحاجب: "وصور البرهان: اقتراني، واستثنائي. فالاقتراني: مالا يذكر اللازم ولا نقيضه فيه بالفعل، والاستثنائي نقيضه. والأول بغير شرط ولا تقسيم. ويسمى المبتدأ فيه: موضوعًا، والخبر: محمولاً" (٢).
قال العضد في شرحه: " ... فالاقتراني بغير شرط ولا تقسيم: أي يقتصر على هذا القسم، ويسمى: الاقترانيات الحملية، ولم يتعرض للقسم الآخر؛ وهو ما فيه تقسيم وشرط، ويسمى: الاقترانيات الشرطية ... ثم المفردان من مقدمتيه يسميهما المنطقيون: موضوعًا ومحمولاً، والمتكلمون: ذاتًا وصفة، والفقهاء: محكومًا عليه
стр. 525
ومحكومًا به، والنحويون: مسندًا إليه ومسندًا" (١).
فقال التفتازاني في حاشيته: "قوله: (ويسمى المبتدأ فيه) الظاهر أن الضمير للاقتراني أو لمطلق البرهان، وجعله العلامة للمقدمة بتأويل التصديق، والأحسن: أن يجعل لمطلق القضية؛ لأن هذه التسمية لا تخص حال التأليف القياسي (٢).
ثم ما ذكر من اصطلاح المتكلمين إنما يصح في الموضوع والمحمول بالطبع؛ مثل: الإنسان كاتب، بخلاف: الكاتب إنسان.
وما ذكر من اصطلاح النحويين إنما هو في اللفظ الدال على الموضوع والمحمول، وقد أشار الشارح المحقق إلى أن ما ذكر لا يخص المبتدأ والخبر على ما في المتن (٣)؛ بل يعم الفعل والفاعل أيضًا (٤)، ولا يخفى أن المسند إليه عند النحويين قد يكون سورًا عند المنطقيين؛ لا موضوعًا (٥) " (٦).
стр. 526
• حاشية على شرح تنقيح الفصول، لأبي العباس أحمد القرافي، (ت: ٦٨٤ هـ):
• حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح، لمحمد الطاهر ابن عاشور، (ت: ١٣٩٣ هـ).
قال القرافي: "والنسخ لا إلى بدل خلافًا لقوم؛ كنسخ الصدقة في قوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] لغير بدل" (١).
استدرك عليه ابن عاشور: "قوله: (والنسخ لا إلى بدل) إلخ التحقيق: أنه لم يقع، وأن حكم صدقة المناجاة الصواب: أنه نسخ إلى بدل؛ وهو الزكاة؛ إذ كلاهما صدقة واجبة؛ إلا أن مناجاة الرسول جعلت وقتًا ثم جعل مكانها الحول وغيره، وتغير المقدار أيضًا" (٢).
وقال في موضع آخر: "كلام المصنف غير واضح الدلالة" (٣). وفي موضع آخر: "وتمثيل المصنف سهو واضح" (٤).
• نهاية السول، لجمال الدين عبدالرحيم الإسنوي، (ت: ٧٧٢ هـ):
• عليه سلم الوصول لشرح نهاية السول، الشهير بحاشية المطيعي، لمحمد بخيت المطيعي، (ت: ١٣٥٤ هـ) (٥).
стр. 527
• الحواشي على شرح المحلى لجمع الجوامع، لمحمد بن أحمد المَحَلِّي، (ت: ٨٦٤ هـ). (١)
• حاشية الشيخ زكريا بن محمد الأنصاري، (ت: ٩٢٦ هـ) (٢).
• الآيات البينات، لأحمد بن القاسم العبادي (ت: ٩٩٤ هـ) (٣).
• حاشية الشيخ عبدالرحمن بن جاد الله البناني، (ت: ١١٩٨ هـ) (٤).
• حاشية الشيخ حسن بن محمد عطار، (ت: ١٢٥٠ هـ).
стр. 528
• المطلب الرابع
مرحلة الاستدراك الموسوعي
والمراد بهذه المرحلة: المصنفات الأصولية التي سلكت البحث الموسوعي في أصول الفقه، فلم تتقيد باختصار أو شرح أو تعليق على كتاب معين، أو مذهب معين؛ بل كان البحث فيها موسوعيًّا شموليًّا لأقوال الأصوليين في مختلف المذاهب.
وبرز في هذه المرحلة عالمان:
الأول: بدر الدين محمد الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ)، في كتابه: البحر المحيط في أصول الفقه.
وهذا الكتاب له من اسمه نصيب، فاشتمل على كثير من الاستدراكات الأصولية (١).
الثاني: محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) في كتابه: إرشاد الفحول في تحقيق الحق من علم الأصول (٢).
والثاني ينقل كثيرًا من الأول؛ بل في بعض المواطن يكاد يكون الكتابان كالنسخة الواحدة.
стр. 529
• المطلب الخامس
مرحلة الاستدراك المقصدي
ربط المقاصد بمسائل أصول الفقه يُعد -في ذاته- استدراكًا لما سبق من التصنيف في أصول الفقه، فعلم المقاصد مر بمراحل أخذ بعضُها برقاب بعض؛ حتى أتى أبو إسحاق الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) ففتح من هذا العلم مغلقَه، وحلَّ مُشكِله، وفصل مُجمله، وبسط مسائله، وشرح قواعده، ورتب أبوابه، وأضاف له إضافات حسنة. (١)
فنجد الإمام الشاطبي في كتابه الموفق الموسوم بالموافقات في أصول الشريعة يستدرك على الرازي في عدم تعليله لأحكام الشريعة (٢)، وينقد إدراج مسائل لا علاقة لها بعلم الأصول (٣)، وغير ذلك من استدراكات تضمنها كتاب الموافقات.
وبعد الإمام الشاطبي لم يُبحث علم المقاصد بحثًا مستقلًّا؛ حتى جاء محمد الطاهر ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) فألف كتابه: مقاصد الشريعة الإسلامية (٤)، فاستدرك على الشاطبي عدة استدراكات؛ أذكر منها ما تيسر لي الوقوف عليه في الأمثلة التالية:
• المثال الأول:
استدرك على الشاطبي قوله بقطعية أصول الفقه، ثم ذكر سبب الخلاف في المسألة وما اختاره فقال: "وقد حاول أبو إسحاق الشاطبي في المقدمة الأولى من
стр. 530
كتاب الموافقات الاستدلال على كون أصول الفقه قطعية (١)، فلم يأتِ بطائل.
وأنا أرى أن سبب اختلاف الأصوليين في تقييد الأدلة بالقواطع: هو الحيرة بين ما ألِفُوه من أدلة الأحكام، وما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعية كأصول الدين السمعية؛ فهم قد أقدموا على جعلها قطعية، فلما دوَّنوها وجمعوها ألفَوْا القطعي فيها نادرًا ندرةً كادت تذهب باعتباره في عداد مسائل علم الأصول، كيف وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه؟ ! فنحن إذا أردنا أن ندون أصولاً قطعية للتفقه في الدين حق علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نُعِيدَ ذوبها في بوتقة التدوين، ونعيرها بمعيار النظر والنقد؛ فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت (٢) بها، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه (علم مقاصد الشريعة)، ونترك علم أصول الفقه على حاله تُستمَدُّ منه طرق تركيب الأدلة الفقهية، ونعمد إلى ما هو من مسائل أصول الفقه منزو تحت سُرَادِق مقصدنا هذا من تدوين مقاصد الشريعة، فنجعل منه مبادئ لهذا العلم الجليل: علم مقاصد الشريعة" (٣).
وقال في موضع آخر من كتابه في نفس الموضوع: "وأبو إسحاق الشاطبي حاول في المقدمة من كتابه عنوان التعريف (٤) طريقة أخرى لإثبات كون أصول الفقه قطعية، وهي طريقة لا يوصل منها إلا قوله: (الدليل على ذلك: أنها راجعة إلى كليات