• حاشية على شرح تنقيح الفصول، لأبي العباس أحمد القرافي، (ت: ٦٨٤ هـ):
• حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح، لمحمد الطاهر ابن عاشور، (ت: ١٣٩٣ هـ).
قال القرافي: "والنسخ لا إلى بدل خلافًا لقوم؛ كنسخ الصدقة في قوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] لغير بدل" (١).
استدرك عليه ابن عاشور: "قوله: (والنسخ لا إلى بدل) إلخ التحقيق: أنه لم يقع، وأن حكم صدقة المناجاة الصواب: أنه نسخ إلى بدل؛ وهو الزكاة؛ إذ كلاهما صدقة واجبة؛ إلا أن مناجاة الرسول جعلت وقتًا ثم جعل مكانها الحول وغيره، وتغير المقدار أيضًا" (٢).
وقال في موضع آخر: "كلام المصنف غير واضح الدلالة" (٣). وفي موضع آخر: "وتمثيل المصنف سهو واضح" (٤).
• نهاية السول، لجمال الدين عبدالرحيم الإسنوي، (ت: ٧٧٢ هـ):
• عليه سلم الوصول لشرح نهاية السول، الشهير بحاشية المطيعي، لمحمد بخيت المطيعي، (ت: ١٣٥٤ هـ) (٥).
стр. 527
• الحواشي على شرح المحلى لجمع الجوامع، لمحمد بن أحمد المَحَلِّي، (ت: ٨٦٤ هـ). (١)
• حاشية الشيخ زكريا بن محمد الأنصاري، (ت: ٩٢٦ هـ) (٢).
• الآيات البينات، لأحمد بن القاسم العبادي (ت: ٩٩٤ هـ) (٣).
• حاشية الشيخ عبدالرحمن بن جاد الله البناني، (ت: ١١٩٨ هـ) (٤).
• حاشية الشيخ حسن بن محمد عطار، (ت: ١٢٥٠ هـ).
стр. 528
• المطلب الرابع
مرحلة الاستدراك الموسوعي
والمراد بهذه المرحلة: المصنفات الأصولية التي سلكت البحث الموسوعي في أصول الفقه، فلم تتقيد باختصار أو شرح أو تعليق على كتاب معين، أو مذهب معين؛ بل كان البحث فيها موسوعيًّا شموليًّا لأقوال الأصوليين في مختلف المذاهب.
وبرز في هذه المرحلة عالمان:
الأول: بدر الدين محمد الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ)، في كتابه: البحر المحيط في أصول الفقه.
وهذا الكتاب له من اسمه نصيب، فاشتمل على كثير من الاستدراكات الأصولية (١).
الثاني: محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) في كتابه: إرشاد الفحول في تحقيق الحق من علم الأصول (٢).
والثاني ينقل كثيرًا من الأول؛ بل في بعض المواطن يكاد يكون الكتابان كالنسخة الواحدة.
стр. 529
• المطلب الخامس
مرحلة الاستدراك المقصدي
ربط المقاصد بمسائل أصول الفقه يُعد -في ذاته- استدراكًا لما سبق من التصنيف في أصول الفقه، فعلم المقاصد مر بمراحل أخذ بعضُها برقاب بعض؛ حتى أتى أبو إسحاق الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) ففتح من هذا العلم مغلقَه، وحلَّ مُشكِله، وفصل مُجمله، وبسط مسائله، وشرح قواعده، ورتب أبوابه، وأضاف له إضافات حسنة. (١)
فنجد الإمام الشاطبي في كتابه الموفق الموسوم بالموافقات في أصول الشريعة يستدرك على الرازي في عدم تعليله لأحكام الشريعة (٢)، وينقد إدراج مسائل لا علاقة لها بعلم الأصول (٣)، وغير ذلك من استدراكات تضمنها كتاب الموافقات.
وبعد الإمام الشاطبي لم يُبحث علم المقاصد بحثًا مستقلًّا؛ حتى جاء محمد الطاهر ابن عاشور (ت: ١٣٩٣ هـ) فألف كتابه: مقاصد الشريعة الإسلامية (٤)، فاستدرك على الشاطبي عدة استدراكات؛ أذكر منها ما تيسر لي الوقوف عليه في الأمثلة التالية:
• المثال الأول:
استدرك على الشاطبي قوله بقطعية أصول الفقه، ثم ذكر سبب الخلاف في المسألة وما اختاره فقال: "وقد حاول أبو إسحاق الشاطبي في المقدمة الأولى من
стр. 530
كتاب الموافقات الاستدلال على كون أصول الفقه قطعية (١)، فلم يأتِ بطائل.
وأنا أرى أن سبب اختلاف الأصوليين في تقييد الأدلة بالقواطع: هو الحيرة بين ما ألِفُوه من أدلة الأحكام، وما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعية كأصول الدين السمعية؛ فهم قد أقدموا على جعلها قطعية، فلما دوَّنوها وجمعوها ألفَوْا القطعي فيها نادرًا ندرةً كادت تذهب باعتباره في عداد مسائل علم الأصول، كيف وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه؟ ! فنحن إذا أردنا أن ندون أصولاً قطعية للتفقه في الدين حق علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة، وأن نُعِيدَ ذوبها في بوتقة التدوين، ونعيرها بمعيار النظر والنقد؛ فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت (٢) بها، ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر، ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه (علم مقاصد الشريعة)، ونترك علم أصول الفقه على حاله تُستمَدُّ منه طرق تركيب الأدلة الفقهية، ونعمد إلى ما هو من مسائل أصول الفقه منزو تحت سُرَادِق مقصدنا هذا من تدوين مقاصد الشريعة، فنجعل منه مبادئ لهذا العلم الجليل: علم مقاصد الشريعة" (٣).
وقال في موضع آخر من كتابه في نفس الموضوع: "وأبو إسحاق الشاطبي حاول في المقدمة من كتابه عنوان التعريف (٤) طريقة أخرى لإثبات كون أصول الفقه قطعية، وهي طريقة لا يوصل منها إلا قوله: (الدليل على ذلك: أنها راجعة إلى كليات
стр. 531
الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي) (١). أي: لو تحققنا رجوع شيء معين إلى تلك الكليات- وأعني بالكليات: الضروريات والحاجيات. ثم ذهب يستدل على ذلك بمقدمات خطابية وسفسطائية أكثرها مدخول ومخلوط غير منخول" (٢).
• المثال الثاني:
قال ابن عاشور: " ... ولحِق بأولئك أفذاذ أحسب أن نفوسهم جاشت بمحاولة هذا الصنيع؛ مثل: عز الدين عبدالعزيز بن عبدالسلام المصري الشافعي في قواعده (٣)، وشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المصري المالكي في كتابه الفروق (٤)؛ فلقد حاولا غير مرةٍ تأسيس المقاصد الشرعية.
والرجلُ الفذُّ الذي أفرد هذا الفنَّ بالتدوين هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي المالكي؛ إذ عُنِي بإبرازه في القسم الثاني من كتابه المسمى: عنوان
стр. 532
التعريف [بأصول] (١) التكليف في أصول الفقه، وعنوان ذلك القسم بكتاب المقاصد؛ لكنه تطوَّحَ في مسائله إلى تطويل وخلط، وغفل عن مهمات من المقاصد؛ بحيث لم يحصل منه الغرض المقصود، على أنه أفاد جدَّ الإفادة، فأنا أقتفي آثاره، ولا أهمل مهماته؛ ولكن لا أقصد نقله ولا اختصاره" (٢).
• المثال الثالث:
قال ابن عاشور: "مثال المقاصد الظنية القريبة من القطعي: ما قال الشاطبي في المسألة الثانية من الطرف الأول من كتاب الأدلة: (الدليل الظني إما أن يرجع إلى أصل قطعي؛ مثل قول النبي ﷺ : «لا ضرَرَ ولاَ ضِرارَ» (٣)؛ فإنه داخل تحت أصل قطعي في هذا المعنى؛ فإن الضرر والضرار مبثوث منعه في الشريعة كلها في وقائع جزئيات، وقواعد كليات؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
стр. 533
ومنها: النهي عن التعدي على النفوس والأموال والأغراض، وعن الغصب والظلم، وكل ما هو في المعنى إضرار وضرار. ويدخل تحته الجناية على النفس، أو العقل، أو النسل، أو المال، فهو معنى في غاية العموم في الشريعة لا مراء فيه ولا شك).
فإن الأدلة المذكورة في كلام الشاطبي وإن كانت كثيرة؛ إلا أنها أدلة جزئية، والدليل العام منها وهو قول الرسول ﷺ : «لا ضرَرَ ولا ضِرارَ»، خبر آحاد؛ وليس بقطعي النقل عن الشارع؛ لأن السنة غير المتواترة ليست قطعية المتن" (١).
• المثال الرابع:
قال ابن عاشور في بيان المصلحة: "ويظهر لي أن نعرِّفها بأنها: وصف للفعل يحصل به الصلاح. أي: النفع منه دائمًا أو غالبًا، للجمهور أو للآحاد.
فقولي: (دائمًا) يُشير إلى المصلحة الخالصة والمطردة.
وقولي: (أو غالبًا) يشير إلى المصلحة الراجحة في غالب الأحوال.
وقولي: (للجمهور أو للآحاد) إشارة إلى أنها قسمان كما سيأتي ... وعرفها الشاطبي في مواضع من كتابه عنوان التعريف بما يتحصل منه بعد تهذيبه: أنها ما يؤثر صلاحًا أو منفعة للناس عمومية أو خصوصية، وملاءمة قارة في النفوس في قيام الحياة (٢). وهو أقرب التعاريف السابقة على تعريفنا؛ ولكنه غير منضبط" (٣).
• بيان الاستدراك:
استدرك ابن عاشور على الشاطبي في تعريفه للمصلحة من جهتين:
стр. 534
الجهة الأولى: تهذيبه لتعريف الشاطبي.
الجهة الثانية: بأن تعريفه غير منضبط.
كما أن ابن عاشور استدرك على إمام الحرمين والقرافي في مسألة (قواعد الأصول هل هي قطعية أو ظنية؟ (١))، واستدرك على إمام الحرمين (٢) والغزالي (٣) في المصلحة المرسلة (٤).
تمهيد
المراد بمنهج الاستدراك الأصولي
قبل البدء في بيان مناهج الاستدراك الأصولي يناسب التمهيد ببيان معنى المنهج.
مادة المنهج في اللغة (النون، والهاء، والجيم) أصلان متباينان:
الأول: النهج: الطريق، ونَهَجَ لي الأمر: أوضحه، وهو مستقيم المنهاج.
والمنهج: الطريق أيضًا، والجمع: مناهج.
الثاني: الانقطاع، وأتانا فلان ينهج: إذا أتى مبهورًا مُنقطع النَّفَسِ، وضربتُ فلانًا حتى أنهِجَ: أي سقط. (١)
والذي يناسب المقام هنا هو المعنى الأول؛ وهو الطريق.
وقال الجوهري (٢) وابن منظور (٣): "نهج الطريق الواضح، وكذلك المنهج
стр. 537
والمنهاج، وأنهج الطريق: أي استبان وصار نهجًا واضحًا بينًا" (١).
والمنهج في الاصطلاح: الطريق المنهوج (أي المسلوك). (٢)
والمراد بمنهج الاستدراك: طريقة التعقيب على الخصم.
وهذا التعريف مستفادة من المعنى اللغوي لكلمتي (المنهج) و (الاستدراك).
стр. 538
• المطلب الأول
منهج الاستدراك الاستقرائي، وتطبيقاته
أصل مادة الاستقراء: القاف والراء والحرف المعتل، ويدل على الجمع واجتماع (١).
والاِسْتِقْرَاءُ في اللغة: التَّتَبُّعُ، يقال: قَرَأَ الأْمْرَ وَاقتَراهُ: أَيْ تَتَبَّعَهُ (٢)، وَاسْتَقْرَأْتُ الأْشْيَاءَ: تَتَبَّعْتُ أفرادها لمعرفة أحوالها وخواصِّها (٣).
وفي الاصطلاح: تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها على أمر يشمل تلك الجزئيات. (٤)
وينقسم إلى: تام، وناقص.
فالتام: إثبات حكم كلي في ماهية لثبوته في جميع جزئياتها. وهو دليل قطعي عند الأكثر. (٥)
مثاله: كل جسم متحيز؛ فإنا استقرأنا جميع جزئيات الجسم فوجدناها منحصرة في الجماد والنبات والحيوان، وكل من ذلك متحيز، فقد أفاد هذا الاستقراء الحكم يقينًا. (٦)
والناقص: إثبات حكم كلي في ماهية لثبوته في بعض أفرادها، ويسمى هذا
стр. 539
عند الفقهاء بإلحاق الفرد بالأعم الأغلب، ويختلف فيه الظن باختلاف الجزئيات، فكلما كان الاستقراء فيه أكثر كان أقوى ظنًّا. وهذا النوع اختلف فيه، والأصحُّ: أنَّهُ يُفيد الظّنَّ الغالب، ولا يُفيدُ القطع؛ لاحتمال تخَلُّفِ بعض الجزيئات عن الحكم. (١)
مثاله: قول المستدِل بعدم وجوب الوتر: الوتر يؤدى على الراحلة، وكل ما يُؤدى على الراحلة لا يكون واجبًا.
فالمقدمة الأولى - الوتر يؤدى على الرحلة- ثبت بالإجماع.
والمقدمة الثانية - كل ما يؤدى على الراحلة لا يكون واجبًا- فباستقراء وظائف اليوم والليلة أداءً وقضاءً، وهذا الاستقراء ناقص. (٢)
والمنهج الاستقرائي منهج معتبر عند علماء المسلمين؛ ومنهم الإمام الشاطبي؛ حيث حدد في بداية كتابه الموافقات المنهج الذي سيسلكه فقال: "ولما بدا من مكنون السرِّ ما بدا، ووفق الله الكريم لما شاء منه وهدى؛ لم أزل أُقيِّدُ من أوابده (٣)، وأضمُّ من شوارده (٤) تفاصيل وجُملاً، وأسوق من شواهده في مصادر الحكم وموارده مبيَّنًا لا مجملاً، معتمدًا على الاستقراءات الكلية، غير مقتصر على الأفراد الجزئية، ومبيِّنًا أصولها النقلية، بأطراف من القضايا العقلية، حسبما أعطته الاستطاعة والمنَّة، في بيان مقاصد الكتاب والسنة" (٥).
فالمراد بمنهج الاستدراك الاستقرائي: طريقة التعقيب على الخصم بتتبع جزئيات لإثبات حكم كلي مخالفًا لحكمه في نفسه.
стр. 540
شرح التعريف:
طريقة التعقيب على الخصم: وقد سبقت في بيان معنى منهج الاستدراك.
بتتبع جزئيات لإثبات حكم كلي: مستفادة من المعنى الاصطلاحي للاستقراء.
مخالفًا لحكمه في نفسه: أي هذا الاستقراء لإثبات حكم مخالف لحكم الخصم، وهذه المخالفة في نفس متعلق المستدرَك فيه.
أمثلة لاستدراكات استخدم فيها المنهج الاستقرائي:
• المثال الأول:
قال ابن رشد: "مسألة: ليس للاسم المشترك عموم لجميع ما يقال عليه وإن كان قد يرى ذلك بعضهم؛ مثل: حمل قوله تعالى: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) [النساء: ٤٣/المائدة: ٦] على الأمرين جميعاً -أعني النكاح، واللمس بالجارحة التي هي اليد-، وهذا يتبين خلافه باستقراء كلام العرب؛ فإنهم ليس يطلقون في مخاطبتهم اسم (العين) مثلاً ويريدون به أن يفهم السامع عنهم جميع المعاني التي يقال عليها اسم (العين) " (١).
• بيان الاستدراك:
استدرك ابن رشد على القائلين بعموم المشترك باستقراء كلام العرب؛ حيث لم يطلقوا المشترك ويريدون به جميع المعاني.
• المثال الثاني:
قال الإسنوي: "القراءة الشاذة -كقراءة ابن مسعود في كفارة اليمين: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ - هل تنزل منزلة الخبر أم لا؟
والصحيح عند الآمدي (٢) وابن الحاجب (٣): أنه لا يحتج بها، ونقله الآمدي
стр. 541
عن الشافعي ﵁.
وقال إمام الحرمين في البرهان (١): إنه ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن الراوي لم ينقلها خبرًا، والقرآن يثبت بالتواتر؛ لا بالآحاد.
وخالف أبو حنيفة ﵁ فذهب إلى الاحتجاج بها، وبنى عليه وجوب التتابع في كفارة اليمين؛ لقراءة ابن مسعود: ﴿ثلاثة أيام متتابعات﴾. (٢)
وجزم النووي في شرح مسلم (٣) بما قاله الإمام (٤)، ذكر في الكلام على قوله ﵇: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر» (٥)، وفي غيره أيضًا.
وما قالوه جميعه خلاف مذهب الشافعي، وخلاف قول جمهور أصحابه، فقد نص الشافعي في موضعين من مختصر البويطي على أنها حجة، ذكر ذلك في باب الرضاع، وفي باب تحريم الحج، وجزم به الشيخ أبو حامد في الصيام وفي الرضاع، والماوردي في الموضعين أيضًا (٦)، والقاضي أبو الطيب في موضعين من تعليقته: أحدهما: الصيام، والثاني: في باب وجوب العمرة. والقاضي الحسين في الصيام، والمحاملي في الأيمان من كتابه المسمى: عدة المسافر وكفاية الحاضر، وابن يونس شارح التنبيه في كتاب الفرائض، في الكلام على ميراث الأخ للأم، وجزم به الرافعي في باب حد السرقة (٧).
стр. 542
والذي وقع للإمام فقلده فيه النووي مستنده: عدم إيجابه للتتابع في كفارة اليمين بالصوم مع قراءة ابن مسعود السابقة، وهو وضع عجيب؛ فإن عدم الإيجاب يجوز أن يكون لعدم ثبوت ذلك من الشافعي، أو لقيام معارض" (١).
• بيان الاستدراك:
استدرك الإسنوي على الجويني والآمدي والنووي نسبة القول بعدم حجية القراءة الشاذة للإمام الشافعي، وهذا الاستدراك مبني على المنهج الاستقرائي لأقوال الشافعي وجمهور أصحابه، والاستقراء في هذا المثال مستنبط ومستفاد من صنيع الإسنوي، وليس تصريحًا منه بأنه استقراء.
• المثال الثالث:
قال الشاطبي: "وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا، وهذه دعوى لا بد من إقامة البرهان عليها صحة أو فسادًا، وليس هذا موضع ذلك.
وقد وقع الخلاف فيها في علم الكلام، وزعم الفخر الرازي أن أحكام الله ليست مُعلَّلة بعلَّة ألبتة، كما أن أفعاله كذلك، وأن المعتزلة اتفقت على أن أحكامه تعالى معللة برعاية مصالح العباد (٢)، وأنه اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين، ولما اضطُرّ (٣) في علم أصول الفقه إلى إثبات العلل للأحكام الشرعية؛ أثبت ذلك على أن العلل بمعنى العلامات المعرفة للأحكام خاصة (٤)، ولا حاجة إلى تحقيق الأمر في هذه المسألة.
стр. 543
والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وُضِعَتْ لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره؛ فإن الله تعالى يقول في بعثه الرسل وهو الأصل: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) [النساء: ١٦٥]، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: ١٠٧].
وقال في أصل الخلقة: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: ٧]، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: ٥٦]، (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: ٢].
وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى؛ كقوله بعد آية الوضوء: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) [المائدة: ٦].
وقال في الصيام: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: ١٨٣].
وفي الصلاة: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) [العنكبوت: ٤٥].
وقال في القبلة: (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) [البقرة: ١٥٠].
وفي الجهاد: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) [الحج: ٣٩].
وفي القصاص: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: ١٧٩].
وفي التقرير على التوحيد: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) [الأعراف: ١٧٢]، والمقصود التنبيه.
وإذا دل الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيدا للعلم؛ فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة، ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد،
стр. 544
فلنجر على مقتضاه ويبقى البحث في كون ذلك واجبًا أو غير واجب موكولًا إلى علمه (١) " (٢).
• بيان الاستدراك:
استدرك الشاطبي على الرازي قوله: "إن أحكام الله ليست مُعلَّلة بعلَّة" باستقراءات من الكتاب تدل بأن الشريعة وُضِعَتْ لمصالح العباد.
• المثال الرابع:
قال أمير بادشاه: " ( ... أكثر المتفقين على الوجوب) لصيغة الأمر على ما ذكره ابن الحاجب (٣) وغيره؛ ومنهم: الشافعي والمَاتُرِيدِيّ (٤) على قول، متفقون على (أنها) أي صيغة الأمر (بعد الحظر) أي المنع (في لسان الشرع للإباحة) علم هذا (باستقراء استعمالاته) أي الشرع لها (فوجب الحمل) أي حملها (عليه) أي على المعنى الإباحي (عند التجرد) عن الموجب لغيره (لوجوب الحمل على الغالب)؛ لأن الظاهر كون هذا الخاص ملحقًا بالغالب، (ما لم يعلم) بدليل (أنه) أي هذا الأمر الخاص
стр. 545
(ليس منه) أي هذا (نحو: (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) [التوبة: ٥]؛ فإنه للوجوب وإن كان بعد الحظر للعلم بوجوب قتل المشرك إلا لمانع.
(وظهر) من استناد الإباحة إلى الاستقراء المذكور (ضعف قولهم) أي القائلين بالوجوب بعد الحظر؛ كالقاضي أبي الطيب الطبري، وأبي إسحاق الشيرازي (١)، والإمام الرازي (٢)، والبيضاوي (٣)، وفخر الإسلام (٤)، وعامة المتأخرين من الحنفية (٥)، (لو كان) الأمر للإباحة بعد الحظر (امتنع التصريح بالوجوب) بعد الحظر، ولا يمتنع؛ إذ لا يلزم من إيجاب الشيء بعد التحريم محال.
ووجه الضعف: أنا ما ادعينا المنافاة بين الإيجاب اللاحق والتحريم السابق؛ بل الاستقراء دعانا إلى ذلك، (ولا مخلص) من كونه للإباحة (إلا بمنع صحة الاستقراء إن تم) منع صحته، وهو محل نظر" (٦).
• بيان الاستدراك:
استدرك أمير بادشاه على القائلين بأن صيغة الأمر بعد الحظر تفيد الوجوب باستقراء أدلة الشرع بعد الحظر والتي أفادت الإباحة، ولا سبيل لمنع كون هذه الصيغة للإباحة إلا بمنع صحة الاستدلال بالاستقراء.
стр. 546
• المطلب الثاني
منهج الاستدراك التحليلي، وتطبيقاته
أصل المادة: الحاء واللام له فروع كثيرة، أصلها كلها: فتح الشيء (١).
والتحليل في اللغة: تفعيل من حلل، وحل العقدة: نقضها، فانحلت، وكل جامد أذيب فقد حل، والتَّحَلْحُل: التحرُّك والذهاب (٢).
وتحليل الشيء: ترجيعه إلى عناصره. وتحليل الجملة: بيان أجزائها ووظيفة كل منها (٣).
وعليه فإن المراد بمنهج الاستدراك التحليلي: طريقة التعقيب على الخصم بنقض احتمالات قوله.
شرح التعريف:
طريقة التعقيب على الخصم: سبقت في بيان معنى منهج الاستدراك.
بنقض: مستفاد من المعنى اللغوي للتحليل، والمراد بالنقض هنا: إفساد ما أُبرم (٤) في دليل الخصم.
стр. 547
احتمالات قوله: فالتعقيب على كلام الخصم في هذه الطريقة لا يكون على مجمل قوله، بل على احتمالات قوله.
أمثلة لاستدراكات استخدم فيها المنهج التحليلي:
• المثال الأول:
قال الطوفي في مسألة (إفادة التواتر للعلم): "وقولنا: (بشروط تذكر) أي: للتواتر شروط قد ذكرت في مسائله. (وفيه مسائل: الأولى: التواتر يفيد العلم) أي: يحصل العلم بالخبر المتواتر، (وخالف السُّمَنِيَّة (١)) والبَرَاهِمة (٢) أيضًا، أي: قالوا: لا يفيد العلم؛ بل الظن، (إذ حصروا) أي: إنما خالفوا في إفادة التواتر العلم؛ لأنهم حصروا (مدارك العلم في الحواس الخمس) أي: قالوا: لا سبيل إلى إدراك علم من العلوم إلا بإحدى الحواس الخمس: السمع، والبصر، والشمِّ، والذوق، واللمس ...
فنقول: هذا الحصر إما أن يكون معلومًا لكم، أو غير معلوم، فإن كان معلومًا لكم بطل قولكم: إن مدارك العلم محصورة في الحواس؛ لأن هذا علم قد حصلتموه من غير جهة الحواس، وإن لم يكن معلومًا لكان هذا الحصر على ظن؛ لكن الظن
стр. 548
لا يفيد في هذا الباب؛ لأنه من العلميات" (١).
• بيان الاستدراك:
استدرك الطوفي على فرقة السُّمَنِيَّة والبراهمة حصرهم مدارك العلم في الحواس الخمس؛ فإن حصرهم هذا يتردد بين احتمالين:
- الاحتمال الأول: أن يكون حصرهم معلومًا لهم.
- الاحتمال الثاني: أن يكون حصرهم غير معلومٍ لهم.
فإن كان الأول - الحصر معلوم - فقولهم: إن مدارك العلم محصورة في الحواس باطل؛ لأن قولهم هذا علم ولم يدرك من جهة الحواس.
وإن كان الثاني - الحصر غير معلوم - فهو من قبيل الظن؛ ولكن الظن لا يفيد في باب مدارك العلم؛ لأن هذا الباب من العلميات، وبهذا يبطل قولهم.
• المثال الثاني:
قال الإسنوي في مسألة (الخبر الذي علم صدقه): "فيما علم صدقه وهو سبعة أقسام: ... الرابع: خبر كل الأمة؛ لأن الإجماع حجة، ... ، هكذا استدل عليه الإمام (٢) فتبعه المصنف وغيره.
فإن أراد بالحجة: ما هو مقطوع به، وهو الذي صرح به الآمدي (٣) هنا؛ فالإجماع ليس كذلك عندهما -كما ستعرفه- (٤).
стр. 549
وإن أراد بالحجة: ما يجب العمل به؛ فمسلم؛ لكنه لا يلزم من ذلك أن يكون مقطوعًا به؛ لأن أخبار الآحاد والعمومات وغيرهما يجب العمل بها مع أنها ظنية" (١).
• بيان الاستدراك:
استدرك الإسنوي على الرازي والبيضاوي عدهم خبر كل الأمة من الخبر الذي علم صدقه، واستدلالهم في ذلك بالإجماع؛ لأن الإجماع حجة.
فحلل الإسنوي هذه العبارة - الإجماع حجة - باحتمالين:
إن أراد الرازي والبيضاوي بالحجة: المقطوع به؛ فهذا لا يتمشى مع مذهبهما؛ حيث إن الإجماع يفيد الظن عندهما.
وإن أرادا بالحجة في الإجماع: ما يجب العمل به؛ فمسلم؛ لكنه لا يلزم منه أن يكون الإجماع مقطوعًا به، وبالتالي لا يكون خبر كل الأمة مقطوعًا به؛ لأن أخبار الآحاد والعمومات وغيرهما يجب العمل بها مع أنها ظنية.
стр. 550
• المطلب الثالث
منهج الاستدراك النقدي، وتطبيقاته
سبق بيان المراد بالاستدراك النقدي (١)، وأنواعه، وأمثلته (٢).
وأما المراد بمنهج الاستدراك النقدي فهو: طريقة التعقيب على الخصم بإبراز مواضع الخلل.
وألفاظ التعريف واضحة وسبق ذكرها (٣).
стр. 551
• المطلب الرابع
منهج الاستدراك الحجاجي، وتطبيقاته
أصل المادة: الحاء والجيم أصول أربعة؛ فالأول: القصد (١)،
وكل قَصْدٍ حجٌّ، والحُجَّة مشتقة من هذا؛ لأنها تُقْصَد، أو بها يُقْصَد الحقُّ المطلوب، يُقال: حاججت فلانًا فحجَجْته: أي غلبتُه بالحجة، وذلك الظَّفرُ يكون عند الخصومة، والجمعُ: حُجَج، والمصدرُ: الحِجَاج. (٢)
والحجاج في اللغة: مصدر الفعل حاجج، والحجة: البرهان، وقيل: الحجة: ما دفع به الخصم، ويقال: حاجه محاجة وحجاجًا: أي نازعه، وحجه يحجه حجًّا: غلبه على حجته. (٣)
وفي الاصطلاح: قال الغزالي: الحجة: هي التي يؤتى بها في إثبات ما تمس الحاجة إلى إثباته من العلوم التصديقية (٤). (٥)
стр. 552
وقال الجرجاني (١): الحجة: ما دل به على صحة الدعوى. وقيل: الحجة والدليل واحد. (٢)
فالمراد بمنهج الاستدراك الحجاجي: طريقة التعقيب على الخصم بدليل يخالفه في نفسه.
شرح التعريف:
طريقة التعقيب على الخصم: سبق ذكرها.
بدليل: مستفاد من التعريف الاصطلاحي للحجة.
يخالفه في نفسه: فيشترط في الدليل المتعقب به يكون في نفس متعلق الخصم.
والحجج قسمان: نقلية وعقلية (٣)، وسبق بيانها في أقسام الاستدراك بالنظر إلى المستدرك به (٤).
ومن المناسب إتباع هذا المبحث بمادة وصيغ الاستدراك، وهذا عنوان الفصل التالي.
стр. 553
الفصل الخامس
стр. 554
الفصل الخامس
مادة وصيغ الاستدراك الأصولي،
وتطبيقاتها .
وفيه مبحثان:
- المبحث الأول: مادة الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.
- المبحث الثاني: صيغ الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.
стр. 555
• المبحث الأول
مادة الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها .
وفيه تمهيد ومطلبان:
- تمهيد: المراد بمادة الاستدراك الأصولي.
- المطلب الأول: مادة القواعد الأصولية، وتطبيقاته.
- المطلب الثاني: مادة العلوم الأخرى، وتطبيقاته.
* * ... * ** * ... * *
стр. 556
تمهيد
المراد بمادة الاستدراك الأصولي
المادة في اللغة: تقوم على ثلاثة حروف؛ هي: الميم والدال المشددة، وأصل المادة يدل على جر شيء في طول، واتصال شيء بشيء في استطالة. (١)
والمادة: الزيادة المتصلة، ومد الله في عمره: أي طوَّل له، والاستمداد: طلب المدد. (٢)
ومادة الشيء: أصوله وعناصره التي منها يتكون؛ حسية كانت أو معنوية، فالأول كمادة الخشب، والثاني كمادة البحث العلمي. (٣)
وفي الاصطلاح: قال الجرجاني: "مادة الشيء: هي التي يحصل الشيء معها بالقوة. وقيل: المادة: الزيادة المتصلة" (٤).
والمراد بمادة الاستدراك: الأصول التي يتكون منها التعقيب.
وهذا التعريف مستفاد من المعنى اللغوي لكلمتي (المادة) و (الاستدراك).
ولا يتصور أن يستدرك العلماء بلا مادة علمية يُحتكم إليها؛ بل كانت استدراكاتهم- على تعددها وتنوعها - تجري على أصول وطرائق علمية.
قال ابن خلدون: "وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه، تجري على أصول صحيحة، وطرائق قويمة، يحتج بها كل على مذهبه الذي
стр. 557
قلده، وتمسك به، وأجريت في مسائل الشريعة كلها، وفي كل باب من أبواب الفقه، فتارة يكون الخلاف بين الشافعي ومالك وأبي حنيفة يوافق أحدهما، وتارة بين مالك وأبي حنيفة والشافعي يوافق أحدهما، وتارة بين الشافعي وأبي حنيفة ومالك يوافق أحدهما، وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الأئمة، ومثارات اختلافهم، ومواقع اجتهادهم، كان هذا الصنف من العلم يسمى بالخلافيات، ولا بد لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد؛ إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط، وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته" (١).
فبين ﵀ أن الأصول يستخدمها المجتهد للاستنباط، والمناظر المستدرك -صاحب الخلافيات- يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته.
стр. 558
• المطلب الأول
مادة القواعد الأصولية، وتطبيقاته
كثيرًا ما يستعمل علماء الأصول القواعد الأصولية في الاستدراك على الخصم، وأكثر ما يستعمل في الاستدراك على الخصم قوادح العلة، ولا غضاضة في ذلك؛ فإن هذه القوادح " تتبع شرعة الجدل التي وضعها الجدليون باصطلاحهم" (١) في مناظرة الخصوم؛ ولذلك رأيت من الأنسب تقسيم مادة القواعد الأصولية إلى قسمين:
القسم الأول: الاستدراك بقوادح العلة .
القسم الثاني: الاستدراك بالقواعد الأصولية الأخرى.
* القسم الأول: الاستدراك بقوادح العلة:
أما الاستدراك بـ (القوادح) فالمراد به: التعقيب على الخصم باستعمال ما يقدح في الدليل.
فالقوادح ترد على الدليل، وإن كان أغلبها موجهًا إلى العلة بالخصوص. (٢)
وتسمى قوادح العلة (٣) أيضًا بالاعتراضات الواردة على القياس (٤)، والأسئلة الواردة على القياس (٥)، ومفسدات القياس (٦)، والطرق المبطلة للعلة (٧).
стр. 559
وقد اختلف في عددها؛ فمنهم من أوصلها إلى خمسة وعشرين قادحًا (١)، ومنهم من عدها اثني عشر قادحًا (٢)، والبعض جعلها عشرة (٣)، والبعض جعلها ستة (٤)، ومنهم من جعلها خمسة (٥)، ومنهم من أرجعها إلى قادحين: المنع، والمعارضة، وجعل الباقي راجعة إليهما (٦)؛ بل ذكر البعض أن المعارضة راجعة إلى المنع (٧).
ونذكر من هذه القوادح - ما يسر الله لي الوقوف عليه - في موضوع الاستدراك فيما يلي:
• أولاً: الاستدراك بقادح (فساد الاعتبار):
المراد بقادح فساد الاعتبار: مخالفة القياس للنص أو الإجماع (٨).
مثاله: أن يقول المستدل في حِلِّ ذبيحة المسلم تارك التسمية عمدًا: ذَبْحٌ صدر من أهله، وارد على محله؛ فَيُحِلُّ الذبيحة، قياسًا على المسلم تارك التسمية سهوًا.
فيقول المعترض: قياسك فاسد الاعتبار؛ لأنه معارض للنص؛ وهو قوله تعالى:
стр. 560
﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. (١)
وجه كونه قادحًا: أن اعتبار القياس مع النص أو الإجماع اعتبار له مع دليل أقوى منه، وهو اعتبار فاسد؛ لأنه وضع له في غير موضعه.
• المثال الأول:
قال الآمدي في مسألة (ما يفيده خبر الواحد): "أما أنه لا يفيد العلم بمجرده فقد احتج القائلون بذلك بحجج واهية لا بد من التنبيه عليها، والإشارة بعد ذلك إلى ما هو المعتمد في ذلك.
الحجة الأولى من الحجج الواهية: قولهم: لو كان خبر الواحد مفيدًا للعلم؛ لأفاد كل خبر واحد؛ كما أن خبر التواتر لما كان موجبًا كان كل خبر متواتر كذلك.
ولقائل أن يقول: هذا قياس تمثيلي وهو غير مفيد للعلم ...
الحجة الثالثة: أنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم؛ لما روعي فيه شرط الإسلام والعدالة كما في خبر التواتر. وحاصل هذه الحجة أيضًا يرجع إلى التمثيل وهو غير مفيد لليقين ... " (٢).
ثم ذكر استدراك الخصم القائل بإفادة خبر الواحد للعلم مستخدمًا قادح فساد الاعتبار فقال: "فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بالنص، والمعقول، والأثر.
أما النص: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، نهى عن اتباع غير العلم، وقد أجمعنا على جواز اتباع خبر الواحد في أحكام الشرع (٣)،
стр. 561
ولزوم العلم به، فلو لم يكن خبر الواحد مفيدًا للعلم؛ لكان الإجماع منعقدًا على مخالفة النص، وهو ممتنع.
وأيضًا فإن الله تعالى قد ذم على اتباع الظن بقوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، فلو لم يكن خبر الواحد مفيدًا للعلم بل للظن؛ لكنا مذمومين على اتباعه، وهو خلاف الإجماع .... " (١).
• المثال الثاني:
قال الآمدي في مسألة (حكم التعبد بخبر الواحد عقلاً): "مذهب الأكثرين: جواز التعبد بخبر الواحد العدل عقلاً، خلافا للجبائي وجماعة من المتكلمين.
ودليل جوازه عقلاً: أنا لو فرضنا ورود الشارع بالتعبد بالعمل بخبر الواحد إذا غلب على الظن صدقه؛ لم يلزم عنه لذاته محال في العقل، ولا معنى للجائز العقلي سوى ذلك، وغاية ما يقدر في اتباعه احتمال كونه كاذبًا أو مخطئًا، وذلك لا يمنع من التعبد به؛ بدليل اتفاقنا على التعبد بالعمل بقول المفتي والعمل بقول الشاهدين مع احتمال الكذب والخطأ على المفتي والشاهد فيما أخبرا به ... ".
ثم ذكر استدراكًا من الخصم مستخدمًا قادح فساد الاعتبار فقال: "ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز التعبد بخبر الواحد إلا أنه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من جهة المنقول والمعقول:
أما المنقول: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، ... " (٢).
стр. 562
• ثانيًا: الاستدراك بقادح (المنع):
المراد بقادح المنع: تكذيب دعوى المستدل، وهو على أربعة أنواع (١):
الأول: منع حكم الأصل. الثاني: منع وجود العلة في الأصل. الثالث: منع كون الوصف علة. الرابع: منع وجود العلة في الفرع.
مثاله: إذا قال المستدل: النبيذُ مُسكرٌ؛ فيحرم قياسًا على الخمر.
فيقول المعترض: لا أُسَلِّمُ تحريم الخمر، إما جهلاً بالحُكم، أو عنادًا؛ فهذا منع حكم الأصل.
ولو قال: لا أُسَلِّمُ وجود الإسكار في الخمر؛ فهذا منع وجود العلة في الأصل.
ولو قال: لا أُسَلِّمُ أن الإسكارَ عِلَّةَ التحريم؛ كان هذا منع علية الوصف.
ولو قال: لا أُسَلِّمُ وجود الإسكار في النبيذ؛ كان هذا منع وجود العلة في الفرع. (٢)
وجه كونه قادحًا: أن فيه إبطال ركن من أركان القياس، وإبطال الركن يعني سقوط القياس.
• المثال الأول:
ذكر الصفي الهندي في مسألة (رواية مجهول الحال (٣)) من أدلة الحنفية القائلين بقبول خبر مجهول الحال (٤): "وسادسها: أن الكافر إذا أسلم وروى عقيب إسلامه من
стр. 563
غير مهلة فإنه يقبل، فكذا ما نحن فيه؛ بل أولى؛ لأن طول مدته في الإسلام يوجب رسوخ أصول الإسلام وفروعه في قلبه، فيكون احتمال الكذب أبعد".
واستدرك على هذا الدليل بقادح المنع فقال: "وجوابه: منع الحكم؛ وهذا لأنه يحتمل يكون كذوبًا قبله، فهو باق في طبعه بعد الإسلام، فلا يقبل إلا بعد الخبرة والبحث عن حاله" (١).
• المثال الثاني:
قال أبو الثناء الأصفهاني في مسألة (القضاء بالأمر الأول أو أمر جديد): "احتج القائلون بأن الأمر الأول يقتضي وجوب القضاء بثلاثة وجوه: ... الثاني: الزمان المقدر للمأمور به الذي هو حق الله تعالى؛ كأجل الدين الذي هو حق الآدمي، فلا يسقط المأمور به بفوات الأجل.
ورد بمنع أن الزمان المقدر للمأمور به كأجل الدين؛ وذلك لأن مخرج المأمور به عن وقته يأثم، ومخرج الدين عن الأجل لا يأثم.
وأيضًا: يجوز أداء الدين قبل الأجل، ولا يصح تقديم المأمور به على وقته المقدر" (٢).
• المثال الثاني:
ذكر الصفي الهندي في مسألة (تخصيص الكتاب بخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بعدم جواز التخصيص به: "القياس على النسخ؛ فإنه لا يجوز نسخ الكتاب
стр. 564
بخبر الواحد وفاقًا، والجامع بينهما: رفع المفسدة الناشئة من إلغاء الخاص.
وجوابه: أنَّا نمنع الحكم أولاً؛ وهذا لأن بعض أهل العلم القائلين بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد يجوز نسخه به أيضًا" (١).
• ثالثًا: الاستدراك قادح (التقسيم):
المراد بقادح التقسيم: احتمال لفظ المستدل لأمرين فأكثر على السواء؛ أحدهما ممنوع، والآخر مسلم. (٢)
مثاله: أن يقول المستدل في عدم وجوب الزكاة في مال الصبي: الزكاة عبادة، فلا تجب على الصبي قياسًا على الصلاة.
فيقول المعترض: قولك: (عبادة) إما أن تريد بها العبادة المحضة، وهذا ممنوع؛ لأن الزكاة فيها جانب المؤنة، وإما أن تريد بها العبادة غير المحضة فهو مسلم؛ لكنه لا يفيدك في عدم الزكاة على الصبي؛ لأنها عبادة من جهة، ومؤنة من جهة أخرى، فهي واجبة عليه في ماله من الجهة الثانية، والمخاطب بإخراجها الولي. (٣)
وجه كونه قادحًا: أن فيه منع دلالة قياس الخصم على مذهبه.
• المثال الأول:
قال الطوفي في مسألة (الحقيقة الشرعية (٤)): "قوله (٥): (قالوا: العرب
стр. 565
لم تضعها) إلى آخره. هذا دليل الخصم على نفي الحقائق الشرعية.
وتقريره: لو ثبتت الحقائق الشرعية على ما ذكرتم لم تكن عربية؛ لأن العرب لم تضعها، وكل ما لم تضعه العرب فليس بعربي، فالحقائق الشرعية لو ثبتت لم تكن عربية، ولو لم تكن عربية لم يكن القرآن عربيًّا؛ لكن القرآن عربي، فهذه الحقائق الشرعية عربية.
أما الملازمة فلأن أسماء هذه الحقائق -كالصلاة ونحوها- مذكورة في القرآن، فهي بعضه، فلو لم تكن عربية، لكان بعض القرآن غير عربي، وإذا كان بعض القرآن غير عربي؛ لم يكن جميعه عربيًّا.
وأما انتفاء اللازم وهو أن القرآن عربي فبالنص والإجماع، وإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه؛ وهو أن هذه الحقائق غير عربية، فتكون عربية والعربي ما وضعته العرب، فتكون هذه الحقائق من موضوعات العرب، وذلك ينفي كونها من موضوعات الشرع وضعًا استقلاليًا، فثبت أنه أبقاها على موضوعاتها في الأصل، وزادها شروطًا شرعية، وهو المطلوب ....
وموضع المؤاخذة في المقدمة المذكورة أن يقال: ما المراد بقولكم: (إن العرب لم تضعها؟ )، إن أردتم لم تضعها وضعًا أوليًّا في اللغة فمسلم، لكن لا يلزم من ذلك أن لا تكون عربية، بدليل المجاز اللغوي، فإنه عربي وليس موضوعًا وضعًا أوليًّا.
وإن أردتم أنهم لم يستعملوها أصلاً فممنوع؛ إذ هي مشهورة في لغتهم، وباستعمالهم لها صح استعارة الشارع لها، وتجوزه بها إلى المعاني الشرعية، وذلك يصحح كونها عربية مجازًا؛ لأن حد المجاز موجود فيها" (١).
• بيان الاستدراك:
استدل القائلون بنفي وقوع الحقائق الشرعية وبأنها باقية على معانيها اللغوية،