ولزوم العلم به، فلو لم يكن خبر الواحد مفيدًا للعلم؛ لكان الإجماع منعقدًا على مخالفة النص، وهو ممتنع.
وأيضًا فإن الله تعالى قد ذم على اتباع الظن بقوله تعالى: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، فلو لم يكن خبر الواحد مفيدًا للعلم بل للظن؛ لكنا مذمومين على اتباعه، وهو خلاف الإجماع .... " (١).
• المثال الثاني:
قال الآمدي في مسألة (حكم التعبد بخبر الواحد عقلاً): "مذهب الأكثرين: جواز التعبد بخبر الواحد العدل عقلاً، خلافا للجبائي وجماعة من المتكلمين.
ودليل جوازه عقلاً: أنا لو فرضنا ورود الشارع بالتعبد بالعمل بخبر الواحد إذا غلب على الظن صدقه؛ لم يلزم عنه لذاته محال في العقل، ولا معنى للجائز العقلي سوى ذلك، وغاية ما يقدر في اتباعه احتمال كونه كاذبًا أو مخطئًا، وذلك لا يمنع من التعبد به؛ بدليل اتفاقنا على التعبد بالعمل بقول المفتي والعمل بقول الشاهدين مع احتمال الكذب والخطأ على المفتي والشاهد فيما أخبرا به ... ".
ثم ذكر استدراكًا من الخصم مستخدمًا قادح فساد الاعتبار فقال: "ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز التعبد بخبر الواحد إلا أنه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من جهة المنقول والمعقول:
أما المنقول: فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، ... " (٢).
стр. 562
• ثانيًا: الاستدراك بقادح (المنع):
المراد بقادح المنع: تكذيب دعوى المستدل، وهو على أربعة أنواع (١):
الأول: منع حكم الأصل. الثاني: منع وجود العلة في الأصل. الثالث: منع كون الوصف علة. الرابع: منع وجود العلة في الفرع.
مثاله: إذا قال المستدل: النبيذُ مُسكرٌ؛ فيحرم قياسًا على الخمر.
فيقول المعترض: لا أُسَلِّمُ تحريم الخمر، إما جهلاً بالحُكم، أو عنادًا؛ فهذا منع حكم الأصل.
ولو قال: لا أُسَلِّمُ وجود الإسكار في الخمر؛ فهذا منع وجود العلة في الأصل.
ولو قال: لا أُسَلِّمُ أن الإسكارَ عِلَّةَ التحريم؛ كان هذا منع علية الوصف.
ولو قال: لا أُسَلِّمُ وجود الإسكار في النبيذ؛ كان هذا منع وجود العلة في الفرع. (٢)
وجه كونه قادحًا: أن فيه إبطال ركن من أركان القياس، وإبطال الركن يعني سقوط القياس.
• المثال الأول:
ذكر الصفي الهندي في مسألة (رواية مجهول الحال (٣)) من أدلة الحنفية القائلين بقبول خبر مجهول الحال (٤): "وسادسها: أن الكافر إذا أسلم وروى عقيب إسلامه من
стр. 563
غير مهلة فإنه يقبل، فكذا ما نحن فيه؛ بل أولى؛ لأن طول مدته في الإسلام يوجب رسوخ أصول الإسلام وفروعه في قلبه، فيكون احتمال الكذب أبعد".
واستدرك على هذا الدليل بقادح المنع فقال: "وجوابه: منع الحكم؛ وهذا لأنه يحتمل يكون كذوبًا قبله، فهو باق في طبعه بعد الإسلام، فلا يقبل إلا بعد الخبرة والبحث عن حاله" (١).
• المثال الثاني:
قال أبو الثناء الأصفهاني في مسألة (القضاء بالأمر الأول أو أمر جديد): "احتج القائلون بأن الأمر الأول يقتضي وجوب القضاء بثلاثة وجوه: ... الثاني: الزمان المقدر للمأمور به الذي هو حق الله تعالى؛ كأجل الدين الذي هو حق الآدمي، فلا يسقط المأمور به بفوات الأجل.
ورد بمنع أن الزمان المقدر للمأمور به كأجل الدين؛ وذلك لأن مخرج المأمور به عن وقته يأثم، ومخرج الدين عن الأجل لا يأثم.
وأيضًا: يجوز أداء الدين قبل الأجل، ولا يصح تقديم المأمور به على وقته المقدر" (٢).
• المثال الثاني:
ذكر الصفي الهندي في مسألة (تخصيص الكتاب بخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بعدم جواز التخصيص به: "القياس على النسخ؛ فإنه لا يجوز نسخ الكتاب
стр. 564
بخبر الواحد وفاقًا، والجامع بينهما: رفع المفسدة الناشئة من إلغاء الخاص.
وجوابه: أنَّا نمنع الحكم أولاً؛ وهذا لأن بعض أهل العلم القائلين بجواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد يجوز نسخه به أيضًا" (١).
• ثالثًا: الاستدراك قادح (التقسيم):
المراد بقادح التقسيم: احتمال لفظ المستدل لأمرين فأكثر على السواء؛ أحدهما ممنوع، والآخر مسلم. (٢)
مثاله: أن يقول المستدل في عدم وجوب الزكاة في مال الصبي: الزكاة عبادة، فلا تجب على الصبي قياسًا على الصلاة.
فيقول المعترض: قولك: (عبادة) إما أن تريد بها العبادة المحضة، وهذا ممنوع؛ لأن الزكاة فيها جانب المؤنة، وإما أن تريد بها العبادة غير المحضة فهو مسلم؛ لكنه لا يفيدك في عدم الزكاة على الصبي؛ لأنها عبادة من جهة، ومؤنة من جهة أخرى، فهي واجبة عليه في ماله من الجهة الثانية، والمخاطب بإخراجها الولي. (٣)
وجه كونه قادحًا: أن فيه منع دلالة قياس الخصم على مذهبه.
• المثال الأول:
قال الطوفي في مسألة (الحقيقة الشرعية (٤)): "قوله (٥): (قالوا: العرب
стр. 565
لم تضعها) إلى آخره. هذا دليل الخصم على نفي الحقائق الشرعية.
وتقريره: لو ثبتت الحقائق الشرعية على ما ذكرتم لم تكن عربية؛ لأن العرب لم تضعها، وكل ما لم تضعه العرب فليس بعربي، فالحقائق الشرعية لو ثبتت لم تكن عربية، ولو لم تكن عربية لم يكن القرآن عربيًّا؛ لكن القرآن عربي، فهذه الحقائق الشرعية عربية.
أما الملازمة فلأن أسماء هذه الحقائق -كالصلاة ونحوها- مذكورة في القرآن، فهي بعضه، فلو لم تكن عربية، لكان بعض القرآن غير عربي، وإذا كان بعض القرآن غير عربي؛ لم يكن جميعه عربيًّا.
وأما انتفاء اللازم وهو أن القرآن عربي فبالنص والإجماع، وإذا انتفى اللازم انتفى ملزومه؛ وهو أن هذه الحقائق غير عربية، فتكون عربية والعربي ما وضعته العرب، فتكون هذه الحقائق من موضوعات العرب، وذلك ينفي كونها من موضوعات الشرع وضعًا استقلاليًا، فثبت أنه أبقاها على موضوعاتها في الأصل، وزادها شروطًا شرعية، وهو المطلوب ....
وموضع المؤاخذة في المقدمة المذكورة أن يقال: ما المراد بقولكم: (إن العرب لم تضعها؟ )، إن أردتم لم تضعها وضعًا أوليًّا في اللغة فمسلم، لكن لا يلزم من ذلك أن لا تكون عربية، بدليل المجاز اللغوي، فإنه عربي وليس موضوعًا وضعًا أوليًّا.
وإن أردتم أنهم لم يستعملوها أصلاً فممنوع؛ إذ هي مشهورة في لغتهم، وباستعمالهم لها صح استعارة الشارع لها، وتجوزه بها إلى المعاني الشرعية، وذلك يصحح كونها عربية مجازًا؛ لأن حد المجاز موجود فيها" (١).
• بيان الاستدراك:
استدل القائلون بنفي وقوع الحقائق الشرعية وبأنها باقية على معانيها اللغوية،
стр. 566
وإنما زاد الشارع في أحكامها قيودًا وشروطًا (١): بأن هذه الحقائق - أي الشرعية- لو ثبتت - كما قلتم - لم تكن عربية، ولو لم تكن عربية لم يكن القرآن عربيًا؛ لكن القرآن عربي، ونفي اللازم نفي الملزوم، وهذا قياس الخُلف.
فقولهم: (لو لم تكن عربية لم يكن القرآن عربيًا) هذه المقدمة الكبرى.
والملزوم فيها: (لو لم تكن عربية).
واللازم قوله: (لم يكن القرآن عربيًا).
وقوله: (لكن القرآن عربي) فهذه هي المقدمة الصغرى، وبه حصل انتفاء اللازم، ودليل انتفاء اللازم -وهو أن القرآن عربي- ثابت بالنص؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، ونحوها من الآيات الدالة على أن الله تعالى لم يخاطبهم في كتابه بشيء من غير لغتهم، ولأن الأمة مطبقة على إطلاق القول بأن الله ما بعث نبيه وخاطب المكلفين على لسانه إلا باللسان العربي (٢).
وإذا انتفى اللازم - وهو قوله: (لم يكن القرآن عربيًا) - انتفى الملزوم - وهو قوله: (لو لم تكن عربية) - فتكون عربية، والعربي ما وضعته العرب، فتكون هذه الحقائق من موضوعات العرب؛ وليست من موضوعات الشرع، فثبت أن الشرع أبقى هذه الحقائق على ما وضعته العرب، وزادها شروطًا شرعية.
فاستدرك الطوفي على استدلال هذا القول بقادح التقسيم فقال: ماذا أردتم بقولكم: (إن العرب لم تضعها؟ )، إن أردتم لم تضعه وضعًا أوليًا في اللغة؛ فهذا نسلم به؛ لكن لا يلزم منه أن لا تكون هذه الحقائق - أي الشرعية - عربية. ودليل ذلك
стр. 567
بقياسنا هذه الحقائق على المجاز اللغوي؛ فإن العرب لم تضع المجاز اللغوي وضعًا أوليًا ومع ذلك فهو عربي.
وإن أردتم بقولكم: (إن العرب لم تضعها) أي لم تستعملها أصلاً؛ فهذا ممنوع؛ لأن هذه الحقائق مشهورة في لغتهم، وباستعمالهم لها صح استعارة الشارع لها في المعاني التي أرادها، وهذا يُصحح كون هذه الحقائق الشرعية عربية مجازًا؛ لأن حد المجاز _وهو: اللفظ المستعمل في غير معناه لعلاقة بينهما (١) - قد وجد في هذه الحقائق.
• المثال الثاني:
ذكر الصفي الهندي في مسألة (تخصيص الكتاب بخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بعدم جواز التخصيص به: "وثالثها: أن الكتاب مقطوع به، وخبر الواحد مظنون، فتقديمه عليه تقديم للمرجوح على الراجح، وهو ممتنع عقلاً.
وجوابه من وجوه: أحدها: نقول: ما المراد من قولكم: إن الكتاب مقطوع به؟ تعنون به أنه مقطوع به في متنه فقط، أو في متنه وفي دلالته على العموم معًا؟
والأول مسلم؛ لكن لا نسلم أن تقديم خبر الواحد الخاص عليه حينئذ تقديم للمرجوح على الراجح؛ وهذا لأنه حينئذ يكون مظنون الدلالة على العموم، وخبر الواحد وإن كان مظنون المتن لكنه مقطوع الدلالة، فلم يترجح العام عليه من جهة القطع" (٢).
• بيان الاستدراك:
استدرك الهندي على دليل القائلين بعدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد في قولهم: إن الكتاب مقطوع به، وخبر الواحد مظنون، فتخصيص الكتاب بخبر الواحد فيه تقديم لخبر الواحد على الكتاب، وهذا يلزم منه تقديم المرجوح على
стр. 568
الراجح، وهو ممتنع عقلاً.
استدرك بقادح التقسيم فقال: ما المراد من قولكم: إن الكتاب مقطوع به؟ إما أن تعنوا أن الكتاب مقطوع به في متنه فقط, أو تعنوا أن الكتاب مقطوع به في متنه وفي دلالته على العموم معًا، والثاني: ممنوع؛ لأن دلالته على العموم مظنونة. (١)
والأول: مسلم؛ لكن لا نسلم أن تقديم خبر الواحد الخاص عليه حينئذ تقديم للمرجوح على الراجح؛ وهذا لأن الكتاب حينئذ يكون قطعي الثبوت ظني الدلالة على العموم، وخبر الواحد ظني الثبوت قطعي الدلالة، فلم يترجح العام على خبر الواحد من جهة القطع؛ وذلك لأن خبر الواحد قطعي الدلالة.
• رابعًا: الاستدراك بقادح (المطالبة):
المراد بقادح المطالبة: القدح في العلة ومطالبة الخصم بتصحيحها. (٢)
مثاله: أن يقول المستدل الحنفي: يحرم بيع الرز متفاضلاً قياسًا على البر؛ لعلة الكيل.
فيقول المعترض المالكي: لا نسلم كون الكيل علة الربا؛ لوجود الربا فيما لا يكال كالحفنة (٣). (٤)
стр. 569
ووجه كونه قادحًا: أن في المطالبة إبطالاً للعلة، وإبطال العلة يلزم منه إبطال القياس.
• المثال الأول:
قال الرازي في مسألة: (حكم الاستثناء الواقع عقيب جمل عطف بعضها على بعض): "الاستثناء المذكور عقيب جمل كثيرة هل يعود إليها بأسرها أم لا؟
مذهب الإمام الشافعي ﵁ وأصحابه عوده إلى الكل، ومذهب الإمام أبي حنيفة - رحمة الله عليه- وأصحابه: اختصاصه بالجملة الأخيرة ... " (١).
ثم ذكر من أدلة الشافعية: "وثانيها: أنَّ حرف العطف يُصيِّرُ الجملَ المعطوفَ بعضها على بعض في حكم الجملة الواحدة؛ لأنَّه لا فرقَ بين أن تقول: (رأيتُ بكر بن خالد وبكر ابن عمرو)، وبين أن تقول: (رأيتُ البكرين)، وإذا كان الاستثناءُ الواقعُ عقيب الجملة الواحدة راجعا إليها؛ فكذا ما صار بحكم العطف كالجملة الواحدة" (٢).
ثم ذكر استدراكًا لهذا الدليل بقادح المعارضة فقال: "والجواب عن الثاني: أنكم إن ادَّعيتُم أنَّهُ لا فرقَ بين الجملة الواحدة وبين الجمل المعطوف بعضُها على بعض؛ كان قياسُ أحدِهِما على الآخر قياسًا للشيء على نفسه، وإن سلَّمتُمُ الفرقَ طالبناكم بالجامع" (٣).
• المثال الثاني:
قال ابن السبكي في (حكم الأصل عند تقسيمه للقياس): "حكم الأصل إما
стр. 570
أن يكون يقينيًا، قال الإمام (١): فيستحيل أن يكون الحكم في الفرع أقوى منه؛ لأنه ليس فوق اليقين درجة ...
وإن لم يكن يقينيًا؛ فثبوت الحكم في الفرع قد يكون أقوى من ثبوته في الأصل وذلك في النفي؛ كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف؛ فإن تحريم الضرب - وهو الفرع - أقوى ثبوتًا من تحريم التأفيف الذي هو الأصل، وفي الإثبات كقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فهذا يفيد تأدية ما دون القنطار بطريق أولى.
وقد يكون مساويًا؛ كقياس الأمة على العبد في السِّرَايَةِ (٢) في قوله ﷺ : «من أَعتَقَ شرْكًا له في عَبدٍ قوِّمَ عليه نصيب شريكه» (٣)؛ إذ لا تفاوت بين الأصل والفرع في هذا الحكم، وهذا هو المسمى بالقياس في معنى الأصل.
وقد يكون أدون ... ومثل المصنف (٤) لهذا القسم بإلحاق البطيخ بالبر في الربا
стр. 571
بجامع الطعم مع احتمال كون العلة الكيل أو القوت ...
ثم ذكر استدراكًا مقدرًا: "فإن قلت: تقسيم القياس إلى أدون إن أردتم به أن يكون ما في العلة الموجودة في الفرع من المصلحة دون ما في الأصل؛ فلا نسلم حينئذ جواز القياس؛ لأن شرطه وجود العلة بكمالها في الفرع، وإن أردتم شيئًا آخر فعليكم بيانه" (١).
• خامسًا: الاستدراك بقادح (النَّقْض):
المراد بقادح النقض (٢): أن توجد العلة في موضع دون حكمها. (٣)
مثاله: أن يقول المستدل الشافعي الذي يشترط تبييت النية في الصوم: تعرى أول صومه عن النية فلا يصح.
فيقول المعترض الحنفي - الذي لا يشترطها-: هذا ينتقض بصيام التطوع، فإنه قد يتعرّى أوله عن النية ومع ذلك فهو صيام صحيح. (٤)
وجه كونه قادحًا: أن فيه بيانًا أن العلة غير مُطَّردة، ومن شروط القياس: اطراد العلة، فإذا بطلت العلة بطل القياس.
• المثال الأول:
ذكر الآمدي في مسألة (النسخ بالقياس) دليل القائلين بجواز النسخ: "وللمخالف شبهتان: ...
стр. 572
الثاني: أنهم قالوا: النسخ أحد البيانين؛ فجاز بالقياس كالتخصيص.
والجواب ... وعن الثانية: أنها منقوضة بالإجماع، وبدليل العقل، وبخبر الواحد؛ فإنه يخصص به ولا ينسخ به" (١).
• المثال الثاني:
ذكر الهندي في مسألة (تخصيص الكتاب بخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بعدم جواز التخصيص به: "وثانيها: ما روي عنه ﵇ أنه قال: «إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردوه» (٢).
والخبر الذي يخصصه على مخالفته؛ إذ المخالفة أعم من مخالفة العموم ومن مخالفة الخصوص؛ بدليل صحة تقسيمها إليهما، فوجب رده.
وجوابه: النقض بالخبر المتواتر؛ فإنه يجوز تخصيص كتاب الله - تعالى- به إجماعًا، فما هو جوابكم ثمة فهو جوابنا هنا" (٣).
стр. 573
• سادسًا: الاستدراك بقادح (الكسر):
المراد بقادح الكسر: عُرِّفَ عند علماء الأصول بتعريفين:
الأول: وجود الحكمة المقصودة من شرع الحكم مع تخلف الحكم عنها. (١)
مثال الكسر على هذا التعريف: أن يقول المستدل الحنفي: يجوز للمسافر العاصي الترخص بسفره قياسًا على المسافر غير العاصي، والسبب: المشقة الموجودة في السفر. فيقول المعترض: الحكمة التي ذكرتها -وهي المشقة- منقوضة بمشقة الحمالين وأصحاب الصنائع الشاقة في الحضر؛ فإنهم يجدون المشقة ولا رخصة لهم. (٢)
والثاني- وهو الذي عليه أكثر علماء الأصول-: إسقاط وصف من أوصاف العلة المركبة وإخراجه عن الاعتبار بشرط أن يكون المحذوف مما لا يمكن اعتباره في حدِّ العلة، فهو نقض يرد على المعنى. (٣)
ومثال الكسر على هذا التعريف: أن يقول المستدل الشافعي على وجوب أداء صلاة الخوف: صلاة يجب قضاؤها إذا لم تُفعل، فيجب أداؤها قياسًا على صلاة الأمن. فيقول المعترض: كونها صلاة لا تأثير له؛ إنما المؤثر وجوب القضاء، وهو منقوض بصوم الحائض؛ فإنه يجب قضاؤه ولا يجب أداؤه؛ بل يحرم. (٤)
والكسر بالمعنى الثاني يسمى عند الأصوليين أصحاب التعريف الأول بـ"النقض المكسور" (٥).
стр. 574
ووجه كونه قادحًا على المعنى الثاني (١): أن فيه إسقاط بعض أجزاء العلة ونقض الجزء الآخر، وإذا بطلت العلة بطل القياس.
• المثال الأول:
قال الشيرازي في مسألة (ترجيح العلة لقلة أوصافها): "إذا كانت إحدى العلتين أقل أوصافًا من الأخرى؛ فالقليلة الأوصاف أولى (٢).
ومن أصحابنا من قال: هما سواء ....
واحتج المخالف بأن ذات الأوصاف وذات الوصف الواحد سواء في إثبات الحكم، فكانتا سواء عند التعارض.
قلنا: ينكسر بالخبر والقياس؛ فإنهما يتساويان في إثبات الحكم، ثم يقدم الخبر على القياس عند التعارض" (٣).
• بيان الاستدراك:
اختار الشيرازي تقديم العلة الأقل وصفاً من الأخرى.
واستدل الخصم القائل بالتسويه بينهما: أن العلتين إذا تساوتا في إثبات الحكم دل ذلك على تساويهما عند التعارض.
стр. 575
فاستدرك عليه الشيرازي بقادح الكسر، إذا تساوتا في إثبات الحكم فهذا ليس دليلاً على تساويهما عند التعارض، فقولك بأنهما (سواء في إثبات الحكم) ينكسر بالخبر والقياس؛ إذ إنهما يتساويان في إثبات الحكم، ثم عند التعارض لا يتساويان؛ بل يقدم الخبر على القياس.
• المثال الثاني:
قال ابن رشد في مسألة (العمل بخبر الواحد): "فأما قول الله : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]؛ فرأى بعضهم أنها قاطعة في العمل بأخبار الآحاد؛ إذ الطائفة تقع على النفر اليسير الذين لا يحصل اليقين بقولهم.
وأبو حامد يرى أنها ليست بقاطعة إلا في وجوب الإنذار, قال: وليس يلزم من وجوبه عليهم وجوب العمل به كما يجب على الشاهد الواحد؛ إذ الشهادة لا يعمل بها، قال: وبمثل هذا الاعتراض يضعف التمسك بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]، وبقوله ﷺ : «نضَّرَ اللهُ امرءاً سَمعَ مقالتي فوَعَاهَا وَأدَّاهَا كَمَا سَمِعهَا» (١) الحديث (٢) " (٣).
فاستدرك ابن رشد على الغزالي بقوله: "وهذا القول منه لا معنى له؛ لأنه ما فائدة وجوب الإنذار إذا لم يجب العمل بنقلهم؟ ! وليس يشبه هذا الشاهد؛ فإنه إنما وجب عليه أداء الشهادة رجاء أن يأتي من عنده مثل شهادته فيقع العمل بها، اللهم إلا أن يقول القائل: عسى إن وجد الإنذار إنما لزم الآحاد ليتكثروا حتى يقع العلم
стр. 576
الضروري بقولهم؛ لكن هذا ينكسر مما تقدم من أن ذلك كان يؤدي إلى تعطيل أكثر الأحكام. وإنما يشبه أن يظن أن الآية ليست بقاطعة ولا نصًّا في العمل بأخبار الآحاد، من جهة أن (الطائفة) اسم يقع على النفر اليسير والعدد الكثير الذي يمكن أن يقع اليقين بقولهم؛ بدليل قوله: «لا تزَالُ طَائفَةٌ من أمَّتِي» (١) الحديث؛ لكن الآية أظهر في أنه ليس المراد بالطائفة ههنا من يحصل العلم بنقلهم" (٢).
• بيان الاستدراك:
ذكر ابن رشد أن بعض العلماء استدل بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] في حجية العمل بخبر الواحد؛ حيثُ رأى أنها قاطعة في العمل بأخبار الآحاد؛ إذ معنى (الطائفة) يقع على النفر اليسير الذين لا يحصل اليقين بقولهم.
ثم ذكر استدراك الغزالي على الاستدلال بالآية في حجية خبر الواحد؛ حيث يرى أنها ليست بقاطعة في وجوب العمل على المُنذَر عند اتحاد المُنذِر؛ بل هي قاطعة في وجوب الإنذار, وقاس خبر المنذر بشهادة الواحد؛ فكما يجب على الشاهد الواحد إقامة الشهادة ولا يجب العمل بها لوحدها إلا إذا انضم غيرها إليها؛ فكذلك خبر المنذر يجب عليه إقامته ولا يجب العمل به لوحده إلا إذا انضم إليه غيره، فالآية عنده ليست قاطعة في وجوب العمل؛ بل في وجوب الإنذار. وبمثل هذا الاعتراض يضعف التمسك بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾
стр. 577
[البقرة: ١٥٩]، وبقوله ﷺ : «نضَّرَ اللهُ امرءاً سَمعَ مقالتي فوَعَاهَا وأدَّاهَا كَمَا سَمِعهَا»؛ فإن الاستدلال بهما لا يدل على قطعية وجوب العمل على المُبلَّغ، بل هي قاطعة في وجوب التبليغ.
فاستدرك ابن رشد على استدرك الغزالي: بأن قوله هذا لا معنى له؛ لأنه لا يبقى فائدة في وجوب الإنذار إذا لم يعمل بنقلهم، وهذا لا يشبه ولا يقاس على الشاهد، فإن الشاهد إنما وجب عليه أداء الشهادة رجاء أن يأتي من عنده مثل شهادته فيُدلي بها، فيقع العمل بشهادتهم.
ثم قدر ابن رشد استدراكًا على قوله بأن يقول القائل: إن خبر المنذر يشبه الشاهد في هذا المعنى الذي ذكرته أيضًا؛ وذلك أن وجوب الإنذار على المُنذِر يلزم الآحاد ليتكثروا على تبليغ الإنذار، بعبارة أخرى: أن وجوب تبليغ الخبر يلزم كل من سمع هذا الخبر تبليغه حتى يقع العلم الضروري.
فأجاب ابن رشد على هذا الاستدراك المقدر بقادح الكسر؛ حيث وجدت الحكمة (وجوب الإنذار حتى يقع العلم الضروي) دون الحكم (عدم وجوب العمل بقول المنذر)، فانتقض قولكم بوجوب قبول خبر الواحد في القضاء بالشهود والأيمان والحكم بالاجتهاد وغيرها من الأحكام؛ حيث وجب التبليغ ووجب العمل به، وسبب انعدام الحكم لأن اعتباره يؤدي إلى تعطيل أكثر الأحكام.
ثم ذكر ابن رشد أن الاستدلال بالآية يمكن أن يُعترض عليه من جهة أخرى؛ وهي أن الآية ليست بقاطعة الدلالة، ولا نصًّا في العمل بأخبار الآحاد؛ وذلك لأن لفظ (الطائفة) يقع على النفر اليسير، ويقع كذلك على العدد الكثير الذي يمكن أن يقع اليقين بقولهم. ودليل أن لفظ (الطائفة) يستخدم في العدد الكثير قوله ﷺ : «لا تزَالُ طَائفَةٌ من أمَّتِي» الحديث.
ثم ذكر أن الظاهر المراد بلفظ (الطائفة) ليس من يحصل العلم بنقلهم؛ بل النفر اليسير.
стр. 578
• سابعًا: الاستدراك بقادح (القَلْب):
المراد بقادح القلب: إثبات نقيض الحكم بعين العلة. (١)
وهو ثلاثة أقسام: قلب لإبطال مذهب المستدل صريحًا، وقلب لإبطال مذهب المستدل ضمنًا، وقلب يذكره المعترض لتصحيح مذهبه. (٢)
مثاله: أن يقول المستدل الحنفي في مسح ربع الرأس: مسح الرأس ركن من أركان الوضوء، فلا يكفي فيه أقل ما ينطلق عليه الاسم؛ قياسًا على الوجه.
فيقول الشافعي: مسح الرأس ركن من أركان الوضوء؛ فلا يقدر بالربع؛ قياسًا على الوجه. (٣)
وجه كونه قادحًا: أن فيه معارضة لقياس الخصم بقياس آخر يماثله في الأصل والعلة، ويخالفه في الحكم، ولا يصح العمل بالدليل مع وجود دليل آخر يعارضه.
• المثال الأول:
ذكر القاضي أبو يعلى في مسألة (التعبد بالقياس شرعًا) دليل الخصم القائلين بعدم جواز التعبد بالقياس فقال: "واحتج بأنه لو كان العمل بالقياس واجبًا لم يخلُ العمل بذلك من أن يكون ضرورةً أو استدلالاً، وليس يسوغ ادعاء العلم الضروري في وجوب ذلك؛ لأنا نجد نفوسنا مضطرة إلى العلم بذلك ولا تتعرى من الشكوك.
وإن كان العلم بوجوده استدلالاً؛ لم يخلُ إمَّا أن يكون استدلالاً عقلاً أو شرعًا، والعقل لا مدخل له في إيجاب ذلك؛ لأن العلم بأصول الأشياء التي يُقاس عليها
стр. 579
لا يقع من ناحية العقول، ولا يجوز أن يفرق الله تعالى بين الخمر وسائر الأشربة في الحكم فيُحرم الخمر ويُبيح غيرها مع تساويها في الإسكار، والعقل يسوي بينهما، ولو كان ثبوته شرعًا لظهر، وليس في وجوب ذلك خبر.
وتحرير هذه الدلالة: أن العلم بوجوبه إذا لم يكن من ناحية المعقول ولا شرع ورد بذلك لم يجز القضاء به.
والجواب: أنَّا نَقْلِبُ هذا الدليل فنقول: لو كان القياس باطلاً لم يخلُ العلم ببطلانه من أن يكون ضرورةً أو استدلالاً، ولا يمكن ادعاء الضرورة؛ لما يعترينا في بطلانه من الشك، والعقول لا مجال لها في بطلانه.
ولأن نفاة القياس يجوزون أن يتعبد الله تعالى بإلحاق سائر الأشربة المسكرة بالخمر من طريق القياس، فلو بطل الحكم بالقياس لم يبطل إلا شرعًا، والشرع هو الخبر عن الله تعالى وعن رسوله، ولا خبر بذلك، فلم يجز الحكم ببطلانه" (١).
• المثال الثاني:
ذكر الباجي في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي الفور أم لا؟ ) من أدلة القائلين على حمل الأمر على الفور فقال: "فإن قال قائل: إن الأمر إذا ورد فإنما يقتضي فعلاً واحدًا، والفعل الواحد لا يقع في زمانين، وقد أجمعت الأمة على أنه إن فعله في أول الوقت بَرِئت ذمته وأدى المأمور به، فيجب أن يكون ما بعده غير مأمور به.
قيل له: تقلب هذا السؤال وتقول: إذا فعله متراخيًا فقد أدى المأمور به، فيجب أن يكون المتقدم غير مأمور به، فإن لم يلزم هذا لم يلزم ما قلته" (٢).
стр. 580
• المثال الثالث:
ذكر ابن قدامة في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟ ) استدراكًا من الفريق القائل بأنه يقتضي التكرار: "فإن قيل: فَلِمَ حصل الاستفسار عنه؟
قلنا: هذا يلزمكم إن كان يقتضي التكرار فلمَ حسن الاستفسار؟ " (١).
• بيان الاستدراك:
استدرك ابن قدامة على الخصم بقادح القلب؛ حيث قلب عليه استدراكه.
فإن قال الخصم القائل بأن الأمر يفيد التكرار: إنه يحسن الاستفسار في الأمر؛ فيقال: أردت الأمر مرة واحدة أو دائماً؟ ولو كان الأمر يفيد المرة لما حَسُن الاستفسار عن المراد.
فأجيب عن هذا الاستدراك بقلبه على الخصم فيقال: لو كان يُفيد التكرار لما حَسُن الاستفسار عن المراد.
• ثامنًا: الاستدراك بقادح (المعارَضة):
قادح المعارضة: على ضربين:
الأول: معارضة في الأصل: أن يذكر المعترض في الأصل الذي قاس عليه المستدل مُقتضيًا آخر للحكم غير ما ذكره المستدل.
مثال لمعارضة الأصل: أن يقول المستدل في القتل بالمثقَّل: قتلٌ عمدٌ عدوان؛ فيجب فيه القصاص قياسًا على القتل بالمحدَّد.
فيعترض عليه المعترض: بأن العلة في الأصل كون القتل عمدًا عدوانًا جارحًا. (٢)
стр. 581
الثاني: معارضة في الفرع: أن يذكر المعترض في الفرع ما يقتضي نقيض حكم المستدل إما بنص أو إجماع ظاهر، أو بوجود وصفًا يمنع ثبوت الحكم فيه، أو يمنع سببية وصف المستدل (١). (٢)
مثال منع السببية في الفرع: أن يقول الحنبلي في المرتدة: بَدَّلَتْ دينها فَتُقتل؛ كالرجل. فيقول الحنفي: أُنثى فلا تُقتل بكفرها؛ كالكافرة الأصلية. فيُبين أن تبديل الدين ليس سببًا لقتل المرأة. (٣)
وجه كونه قادحًا: أن فيه إقامة دليل مخالف لدليل الخصم، ولا يمكن العمل بالدليل مع وجود معارض له.
• المثال الأول:
قال الطوفي في مسألة (التعبد بخبر الواحد عقلاً): "قوله: (وأجاب عن الأول) أي: هذا الخصم المانع لجواز التعبد بخبر الواحد أجاب عن الوجوه التي احتج بها المجوزون له؛ فأجاب عن الوجه الأول بأن قال: قولكم: (يجب العمل بخبر الواحد أخذًا بالاحتياط) معارض بأن الاحتياط في ترك العمل به لأن العمل به تصرف من المكلف في نفسه التي هي مملوكة لغيره - وهو خالقه بالظن، وفي ذلك خطر؛
стр. 582
لجواز أن يقال له: لم تصرفت في ملكنا من غير مستند قاطع؟ وكيف أضعت حقنا من نفسك بظن لم تكن منه على يقين؟ وهذا كما قلنا في وجوب شكر المنعم عقلاً؛ حيث كان الخطر في تركه معارضًا بالخطر في فعله؛ حيث كان الشكر إتعابًا لنفس الشاكر بغير إذن مالكها" (١).
• المثال الثاني:
قال أبو الثناء الأصفهاني في مسألة (نفي المساواة هل يقتضي العموم؟ ): "نفي المساواة في مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]، يقتضي العموم - أعني نفي المساواة من كل وجه-؛ كما أن نفي غير المساواة يقتضي العموم.
وذهب أبو حنيفة إلى أن نفي المساواة لا يقتضي العموم (٢).
احتج الحنفية بثلاثة وجوه: ... الثالث: أن المساواة بين الشيئين في جانب الإثبات للعموم؛ كقولنا: زيد وعمرو متساويان؛ فإنه يقتضي تساويهما من جميع الوجوه؛ لأنه لو لم يقتض تساويهما في جميع الأمور؛ لم يستقم الإخبار بمساواتهما؛ إذ لا وجه لاختصاصهما حينئذ بوصف المساواة؛ إذ ما من شيئين إلا ويكون بينهما مساواة في بعض الصفات؛ لكنه يستقيم الإخبار بالمساواة بين الشيئين بالإجماع، فيكون للعموم، فيكون نفي المساواة بين الشيئين لا يعم؛ لأن نفي الإيجاب الكلي سلب جزئي (٣).
أجاب عن الثالث: بالمعارضة؛ فإن المساواة بين الشيئين في جانب الإثبات للخصوص؛ لأنه لو لم يكن للخصوص لم يصدق مساواة بين الشيئين أصلاً، إذ ما من
стр. 583
شيئين إلا ويصدق بينهما نفي المساواة في شيء من الصفات. وأقله أن يصدق نفي المساواة بينهما في تعينهما؛ لأن كل واحد منهما لا يكون مساويًا للآخر في تعينه، فلا يصدق ثبوت المساواة بينهما من جميع الوجوه.
وإذا كانت المساواة في جانب الإثبات للخصوص تكون مساواة في جانب النفي للعموم؛ لأن نقيض الجزئي الموجب السالب الكلي (١) " (٢).
• بيان الاستدراك:
استدل الحنفية في قولهم: إن نفي المساواة لا يدل على العموم: بأن المساواة بين الشيئين في الإثبات تفيد العموم في تساويهما؛ لأنه لو لم يقتض العموم لم يكن لوصف المساواة فائدة؛ لأن ما من شيئين إلا ويكون بينهما مساواة في بعض الصفات، فإذا ثبت ذلك فقولنا: (يستوي) معناه: كل وجه استواء ثابت في الإيجاب، فهذا كلي موجب.
وقولنا: (لا يستوي) نقيضه، ونقيض الكلي الموجب جزئي سالب، فيكون معنى قولنا: (لا يستوي) بعض وجوه الاستواء ليس بثابت، وهو المطلوب.
استدرك على دليل الحنفية هذا بقادح المعارضة، فقيل: الجواب بالمعارضة بالمثل بأن يقال: المساواة في الإثبات ليس للعموم؛ بل للخصوص؛ وهو بعض المساواة؛ وإلا لم يصدق إثبات مساواة لشيئين أبدًا؛ إذ ما من شيئين إلا وبينهما نفي مساواة ولو في تعينهما، فيكون قولنا: (يستوي) موجبًا جزئيًا بمثابة بعض وجوه المساواة ثابت.
وقولنا: (لا يستوي) نقيضه، ونقيض الجزئي الموجب كلي سالب، فيكون معنى قولنا: (لا يستوي) بمثابة لا شيء من وجوه المساواة بثابت، وهو المطلوب. (٣)
стр. 584
• تاسعًا: الاستدراك بقادح (القول بالمُوْجَب):
المراد بقادح القول بالموجَب: تسليم ما ادعاه المستدل موجب علته مع بقاء الخلاف في صورة النزاع. (١)
مثاله: أن يقول المستدل في وجوب زكاة الخيل: الخيل حيوان تجوز المسابقة عليه؛ فتجب الزكاة فيه كالإبل. فيقول المعترض: أنا قائل بموجب قياسك؛ فإن الزكاة عندي واجبة في الخيل إذا كانت للتجارة؛ ولكن نزاعنا في إيجاب الزكاة في رقابها من حيث هي خيل؛ لا زكاة الاتِّجار بها. (٢)
ووجه كونه قادحًا: أن به يتبين أن قياس الخصم ليس في محل الخلاف.
• المثال الأول:
قال الشيرازي في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟ ) دليل الخصم القائلين أنه يفيد التكرار: "قالوا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم فانتهوا» (٣). فأمر ﷺ أن نأتي من أمره ما استطعنا، ونحن نستطيع الإتيان بالمأمور على الدوام والتكرار، فوجب أن يكون ذلك بظاهر الأمر.
والجواب: أنه لا حجة لهم في هذا الخبر، ونحن قائلون بموجبه؛ وذلك أنه ﷺ أمر أن نأتي مما أمر به ما استطعنا، فالذي اقتضى الأمر في الفعل مرة واحدة، وما زاد على
стр. 585
ذلك فغير مأمور به ولا مدخل فيه, ونحن نقول: إنه يجب أن يأتي من الصلاة التي أمر بها ما استطاع، إن قدر على فعله من قيام أتى بها قائمًا، وإن لم يقدر فقاعدًا، وإن لم يقدر فمومئًا" (١).
• المثال الثاني:
قال السمعاني في مسألة (الآمر هل يدخل في الأمر؟ ): "لا يدخل الآمر في الأمر عند عامة الفقهاء (٢). وذهبت طائفة قليلة من أصحابنا أنه يدخل.
والمسألة مصورة في النبي ﷺ إذا كان آمرًا، فأما الأمر الوارد من قبل الله - تعالى- بذكر الناس وأمرهم بشيء لفعله؛ فقد اتفقوا أن الرسول يدخل في ذلك. (٣)
وتعلق من قال بدخوله في الأمر قال: لأن الرسول ﷺ مبلغ عن الله ، فإذا قال للأمة: افعلوا كذا؛ فيصير كأن الله - تعالى- قال: افعلوا كذا، فيدخل النبي ﷺ فيه، مثلما يدخل غيره .... " (٤).
ثم استدرك السمعاني على دليل الخصم بقادح القول بالمُوْجَب فقال: "والذي قاله الخصم: إنَّه يصير كأن الله -تعالى- قال: افعلوا.
قلنا: إذا قال تعالى: افعلوا؛ فالنبي ﷺ يكون مأمورًا، وإذا قال النبي ﷺ فيكون آمرًا، والكلام في دخول الآمر في الأمر، فلا يرد عليه الموضع الذي لا يكون فيه آمرًا؛
стр. 586
وهذا كالسيد يقول لغلامه: اسقني؛ فإنه لا يدخل السيد في هذا الأمر، وإن كان يجوز أن يدخل في أمر غيره" (١).
• عاشرًا: الاستدراك بقادح (الفَرْق):
المراد بقادح الفَرق: إبداء معنى مناسب للحكم يوجد في الأصل ويعدم في الفرع، أو يوجد في الفرع ويعدم في الأصل. (٢)
مثاله: قول المستدل الحنفي على عدم اشتراط الطهارة في الوضوء: الوضوء طهارة بالماء فلا يفتقر إلى نية؛ كإزالة النجاسة، فيجيبه المعترض: الوضوء طهارة حكمية، وإزالة النجاسة طهارة عينية، فافترق حكمهما. (٣)
ووجه كونه قادحًا: أن به يتضح عدم التسوية بين الأصل والفرع في الحكم، وهذا يعني انتفاء القياس؛ إذ القياس هو التسوية.
• المثال الأول:
قال الشيرازي في مسألة (الأمر المعلق على الشرط يقتضي التكرار أو المرة؟ ): "إذا علق الأمر بشرط وقلنا: إن مطلق الأمر لا يقتضي التكرار ففي المعلق بشرط وجهان:
أصحهما: لا يقتضي التكرار.
ومن أصحابنا من قال: يقتضيه ....
стр. 587
واحتج القائل الآخر (١): بأن تعلق الحكم بالشرط كتعلقه بالعلة إذ كل واحد منهما سبب فيه، فإذا كان تكرار العلة يوجب تكرار الحكم فكذلك تكرار الشرط.
قيل: لا نسلم هذا؛ بل بينهما فرق ظاهر؛ وهو أن العلة دلالة تقتضي الحكم فتكرر الحكم بتكررها، والشرط ليس بدلالة على الحكم، ألا ترى أنه لا يقتضيه؛ وإنما هو مصحح له، فدل على الفرق بينهما" (٢).
وقال في مسألة (إنكار الأصل رواية الفرع): "إذا نسي المروي عنه الحديث والراوي عنه ثقة؛ لم يسقط الحديث ....
وقال أصحاب أبي حنيفة: يسقط الحديث.
واحتجوا: بأن الخبر كالشهادة، ثم إنكار شهود الأصل الشهادة يبطل الشهادة؛ فكذلك إنكار المروي عنه الخبر يجب أن يبطل الخبر.
والجواب: هو أن باب الشهادة آكد من باب الخبر، ألا ترى أن شهادة العبيد لا تقبل وأخبارهم تقبل، فدل على الفرق بينهما" (٣).
• المثال الثاني:
ذكر ابن قدامة في مسألة (الأمر المطلق هل يقتضي التكرار أو المرة؟ ) من بين أدلة القائلين بأنه يقتضي التكرار، قولهم: "لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وموجب النهي: ترك المنهي أبدًا، فليكن موجب الأمر: فعل الصوم أبدًا؛ فإن قوله: (صم) معناه: لا تفطر، وقوله: (لا تفطر) يقتضي التكرار أبدًا" (٤).
стр. 588
فاستدرك ابن قدامة على هذا الدليل بقادح الفرق فقال: "والفرق بين الأمر والنهي: أن الأمر يقتضي وجود المأمور مطلقًا، والنهي يقتضي ألا يوجد مطلقًا، والنفي المطلق يعم، والوجود المطلق لا يعم، فكل ما وجد مرة فقط وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.
ولذلك افترقا في اليمين، والنذر، والتوكيل، والخبر.
ولأن الأمر يقتضي الإثبات، والنهي يقتضي النفي، والنفي في النكرة يعم، والإثبات المطلق لا يعم.
وتحقيقه: أنه لو قال: لا تفعل مرة واحدة؛ اقتضى العموم. ولو قال: افعل مرة واحدة؛ اقتضى التخصيص بلا خلاف" (١).
• بيان الاستدراك:
لما استدل القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار، بقياسهم الأمر المطلق على النهي المطلق، بجامع الاشتراك في الاقتضاء والطلب، ولأن الأمر في الحقيقة نهي عن ضده.
وبيانه: إذ الأمر بالشيء نهي ضده، فقوله: (صم) معناه: (لا تفطر)، والأمر كالنهي من حيث الاقتضاء والطلب، والنهي أفاد وجوب ترك الشيء، والأمر أفاد وجوب فعله.
والنهي يقتضي وجوب الترك أبدًا؛ فكذلك الأمر يجب أن يقتضي فعل الشيء أبدًا؛ إذ لا فرق بين الأمر والنهي.
فاستدرك على استدلالهم هذا بقادح الفرق، فقيل لهم: لا نسلم قياسكم الأمر على النهي؛ لأنه قياس فاسد؛ لوجود الفارق بين الأمر والنهي، وهذه الفروق هي:
стр. 589
١ - أن الأمر المطلق يقتضي وجود المأمور به مطلقًا؛ كالصلوات والزكاة والحج ونحو ذلك من المأمورات الشرعية. أما النهي فإنه يقتضي ألا يوجد المنهي عنه مطلقًا؛ كالزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك من المنهيات الشرعية.
١ - أن الوجود المطلق -وهو مقتضى الأمر- لا يعم، في حين أن النفي المطلق -وهو مقتضى النهي- فإنه يعم، فكل ما وجد مرة فقط وجد مطلقًا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقًا.
فلو قال في اليمين: والله لأصومن؛ برَّ بصيام يوم واحد، ولو قال: والله لا أصوم؛ حنث بفعل مرة واحدة.
ولو قال في النذر: لله علي أن أصوم؛ كان وافيًا بنذره بصيام يوم واحد، في حين لو قال: لله علي ألا أصوم؛ حنث بصوم يوم واحد.
ولو قال في التوكيل لوكيله: طلق زوجتي فلانة؛ كان ممتثلاً إذا طلق مرة واحدة, ولو قال له: لا تطلق زوجتي؛ كان مخالفًا لو طلق مرة واحدة.
ولو قال في الخبر عن نفسه: سوف أصوم؛ صدق وعده بصوم يوم واحد، أما لو قال: ما صمت؛ كان كاذبًا لو صام يومًا واحدًا.
٢ - أن الأمر يقتضي إثبات المأمور به - بأن يفعل -، والنهي يقتضي نفي المنهي عنه - بألا يفعل-، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، في حين أن النكرة في سياق الإثبات لا تعم.
٣ - أن النهي لو قيده بالمرة فقال: لا تفعل كذا مرة؛ اقتضى دوامه، ولو قال: افعله مرة؛ لم يقتض دوامه.
فهذه الفروق بين الأمر والنهي جعلت قياسكم الأمر على النهي - في أن كلاًّ منهما يقتضي التكرار- فاسدًا. (١)
стр. 590
• تنبيهان:
الأول: قوادح القياس كثيرة، وقد اختلف في عددها -كما أشرتُ في مقدمة المبحث-، منها ما يرجع إلى حجية القياس؛ كقول المعترض الظاهري: هذا قياس لا يلزمني، أو يقول المعترض: قياسك هذا في اللغة، والقياس في اللغة باطل.
وأذكر للاستدراك بهذين الأصلين الأمثلة التالية:
• المثال الأول:
ذكر ابن حزم في فصل: (أقسام الأخبار عن الله تعالى) في القسم الثاني من الأخبار ما نقله الواحد عن الواحد؛ حيث ذهب إلى أن هذا القسم إذا اتصل برواية العدول إلى رسول الله ﷺ وجب العمل به، ووجب العلم بصحته أيضًا، فذكر أدلته في ذلك وأسئلة الخصم؛ ومنها: "وقال بعضهم: أنتم لا تقبلون الواحد في فلس؛ فكيف تقبلونه في إثبات الشرائع؟
قال أبو محمد: هذا السؤال لا يلزمنا؛ لأننا لا نقيس شريعة على شريعة، ولا نتعدى ما جاءت به النصوص وثبت في القرآن والسنن، فصح البرهان -كما ذكرنا- بقبول خبر الواحد في العبادات والشرائع .... " (١).
• المثال الثاني:
قال الغزالي في (كتاب الأوامر، فصل: أقسام الكلام): "الأمر: قول جازم يقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به، ويندرج تحته الندب. وقيل: قول يتضمن إيجاب المأمور به، ويخرج منه الندب.
واستدل القاضي على صحة الحد الأول وكون الندب أمرًا بكونه طاعة،
стр. 591
ولم يقع طاعة لكونه مرادًا؛ إذ المعصية مرادة فوقع طاعة؛ لكونه مأمورًا به (١) " (٢).
فاستدرك عليه الغزلي بقوله: "وهذا تحكم على اللغة؛ إذ يقال له: وقع طاعة لكونه مطلوبًا؛ فإن سمي كل مطلوب أمرًا قياسًا على الواجب؛ فلا قياس في اللغة، ولم ينقل متواترًا، ونقل الآحاد لا يوجب العلم" (٣).
• بيان الاستدراك:
يرى القاضي الباقلاني أن صيغة (افعل) مشتركة بين الندب والإيجاب، ولا تحمل على أحدهما إلا بقرينة (٤)؛ لذلك عرف الأمر بأنه: قول جازم يقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به. فيندرج تحت هذا التعريف الندب.
واستدل القاضي على كون الندب أمرًا بكونه طاعة، ولم يقع الندب طاعة لكونه مرادًا، إذ المعصية مرادة أيضًا ولم تقع طاعة، فدل ذلك على وقوع الندب طاعة لكونه مأمورًا به.
فاستدرك الغزلي على القاضي بأن هذا تحكم على اللغة؛ إذ يقال له: وقع الندب طاعة لكونه مطلوبًا، فهل تسمي كل مطلوب أمرًا قياسًا على الواجب؟ فإن كان جواب القاضي: نعم؛ فهذا قياس في اللغة، والقياس في اللغة لا يصح، وإن كان جواب القاضي بلا؛ فإنه لا يسمي كل مطلوب أمرًا قياسًا على الواجب؛ وإنما نقل عن أهل اللغة، فهذا النقل إما أن يكون متواترًا أو آحادًا، ولم ينقل عنهم متواترًا، وإن نقل عن بعضهم تسمية المطلوب أمرًا فهو نقل آحاد، ونقل الآحاد لا يوجب العلم.
стр. 592
• المثال الثالث:
ذكر السيف الآمدي في مسألة (اشتراط اتصال الاستثناء بالمستثنى) من بين أدلة القائلين بصحة الاستثناء المنفصل: "الثالث: أن الاستثناء بيان وتخصيص للكلام الأول؛ فجاز تأخيره؛ كالنسخ والأدلة المنفصلة المخصصة للعموم" (١).
ثم ذكر استدراكه على هذا الدليل فقال: "والجواب: ... وعن الوجه الثالث: أنه قياس في اللغة؛ فلا يصح لما سبق (٢) " (٣).
التنبيه الثاني: أن الاختلاف في القوادح اختلاف تنوع، فلا يمتنع اجتماع بعضها على دليل الخصم.
• المثال الأول:
قال القاضي أبو يعلى في مسألة: (نسخ القرآن بالسنة شرعًا): "لا يجوز نسخ القرآن بالسنة شرعًا، ولم يوجد ذلك ... وبهذا قال الشافعي (٤)، وقال أبو حنيفة: يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة (٥)، وحكي ذلك عن مالك (٦) والمتكلمين من المعتزلة (٧) والأشعرية، واختلف أهل الظاهر في ذلك (٨) " (٩).
стр. 593
ثم ذكر من أدلة الخصم القائل بجواز النسخ: "واحتج بأن النسخ كالتخصيص؛ لأن النسخ لا يقتضي تخصيص الأعيان، والتخصيص لا يقتضي تخصيص الزمان، ثم ثبت أن تخصيص الكتاب يجوز بالسنة، كذلك النسخ.
والجواب: أنه يبطل بخبر الواحد والقياس؛ فإن التخصيص بهما جائز، ولا يجوز النسخ بهما، وعلى أن النسخ مفارق للتخصيص؛ لأن النسخ يزيل حكم اللفظ كله، والتخصيص يبقي بعضه، ولا يسقط جملته، فافترقا" (١).
• بيان الاستدراك:
استدرك القاضي أبو يعلى على الخصم القائل: بجواز نسخ القرآن بالسنة في قياسهم النسخ على التخصيص بقادح النقض بخبر الواحد والقياس؛ لأن التخصيص بهما جائز دون النسخ. واستدرك أيضًا بقادح الفرق؛ حيث ذكر الفرق بين النسخ والتخصيص، فالنسخ يزيل حكم اللفظ كله، أما التخصيص فيبقي بعض حكم اللفظ.
• المثال الثاني:
قال الرازي في مسألة: (حكم الاستثناء الواقع عقيب جمل عطف بعضها على بعض) في عرضه لأدلة الشافعية (٢): "واحتج الشافعي ﵁ بوجوه:
أولها: أنَّ الشرط متى تعقَّب جملاً عاد إلى الكلِّ، فكذا الاستثناءُ، والجامع: أن كل واحد منهما لايستقلُّ بنفسه.
وأيضًا: فمعناهما واحد؛ لأن قوله تعالى في آية القذف: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] جارٍ مجرى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] إن لم يتوبوا" (٣).
стр. 594
ثم استدرك الرازي على دليل الشافعية الأول بقادح المنع فقال: "أما أدلة الشافعية فالجواب عن الأول: أن نمنع الحكم في الأصل، وبتقدير تسليمه فنطالبُ بالجامع.
قوله: (إنهما يشتركان في عدم الاستقلال، واقتضاء التخصيص).
قلنا: لا يلزم من اشتراك شيئين في بعض الوجوه اشتراكهما في كل الأحكام.
قوله: (ثانيًا: معنى الشرط والاستثناء واحد).
قلنا: إن ادعيتم أنه لا فرق بينهما أصلاً؛ كان قياسُ أحدهما على الآخر قياسًا للشيء على نفسه، وإن سلمتم الفرق طالبناكم بالجامع" (١).
• بيان الاستدراك:
استدرك الرازي على دليل الشافعي في قياسه الاستثناء على الشرط، واستخدم في استدراكه قادح المنع؛ حيث منع حكم الأصل؛ وهو عود الشرط المتعقَّب جملاً إلى الكلِّ، ثم قال بتقدير تسليم حكم الأصل -وهو عود الشرط على جميع الجمل المتعاطفة-: نعترض عليكم بقادح المطالبة، فنطالبكم بالجامع بين الأصل - وهو الشرط -، والفرع -وهو الاستثناء-.
فإن قلتم: الجامع بينهما: عدم استقلال كل منهما بنفسه، واقتضاؤهما التخصيص. قلنا: لا يلزم من اشتراك شيئين في بعض الوجوه اشتراكهما في كل الأحكام.
فإن قلتم: معنى الشرط والاستثناء واحد.
قلنا: إن ادعيتم أنه لا فرق بينهما أصلاً: كان قياسُ أحدهما على الآخر قياسًا للشيء على نفسه، والقياس إنما يكون بين شيئين.
стр. 595
وإن سلمتم الفرق بين الشرط والاستثناء؛ طالبناكم بالجامع بينهما.
فهذا الاستدراك اجتمع فيه قادح المنع والمطالبة.
• المثال الثالث:
قال الآمدي في مسألة (العمل بخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بحجية خبر الواحد: "ومنها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] أمر بالقيام بالقسط والشهادة لله، والأمر للوجوب، ومن أخبر عن الرسول بما سمعه منه؛ فقد قام بالقسط وشهد لله، فكان ذلك واجبًا عليه، وإنما يكون ذلك واجبًا أن لو كان القبول واجبًا؛ وإلا كان وجود الشهادة كعدمها، وهو ممتنع" (١).
فاستدرك عليهم بقادح المنع، ثم بفرض التسليم بقادح القول بالموجَب، فقال: "ولقائل أن يقول: لا أسلم دلالة الآية على وجوب القيام بالقسط والشهادة لله على ما يأتي.
وإن سلمنا دلالتها على وجوب ذلك غير أنا نقول بموجب الآية؛ فإن الشهادة لله والقيام بالقسط إنما يكون فيما يجوز العمل به، وأما ما لا يجوز العمل به فلا يكون قيامًا بالقسط ولا شهادة لله، وعند ذلك فيتوقف العمل بالآية في وجوب قبول خبر الواحد وجواز العمل به، وهو دور ممتنع" (٢).
стр. 596
* القسم الثاني: الاستدراك بمادة القواعد الأصولية الأخرى:
أما الاستدراك بمادة القواعد الأصولية الأخرى؛ فالمراد به: التعقيب على الخصم باستعمال قواعد الأصول غير القوادح.
ومن أمثلة هذه الاستدراكات:
• الاستدراك بمادة القواعد الأصولية المتعلقة بالحكم الشرعي ؛ ومنها:
• الاستدراك بقاعدة (انتفاء الحرمة لا يوجب الإباحة):
قال البيضاوي في مسألة (حكم الأعيان والمنافع قبل ورد الشرع): "الأصل في المنافع: الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩]، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِي﴾ [الأعراف: ٣٢]، ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] ".
قال الإسنوي في شرحه: "الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ
الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وجه الدلالة: أن هذا الاستفهام ليس على حقيقته؛ بل هو للإنكار؛ وحينئذ فيكون البارئ تعالى قد أنكر تحريم الزينة التي يختص بنا الانتفاع بها؛ لمقتضى اللام -كما تقدم-، وإنكار التحريم يقتضي انتفاء التحريم؛ وإلا لم يجز الإنكار، وإذا انتفت الحرمة تعينت الإباحة".
ثم استدرك الإسنوي على وجه الدلالة في قول: (إذا انتفت الحرمة تعينت الإباحة) فقال: "وفيه نظر؛ فقد تقدم في أوائل الكتاب أن انتفاء الحرمة لا يوجب الإباحة" (١).
• الاستدراك بقاعدة (القضاء يجب بأمر ثانٍ):
ذكر الباجي في مسألة (هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ ) استدلال القائلين بعدم تكليفهم: "استدلوا بأن العبادات لو كانت واجبة على الكفار لوجب
стр. 597
عليهم قضاؤها إذا أسلموا؛ كما يجب ذلك على تارك الصلاة المسلم.
والجواب: أن القضاء يجب بأمرٍ ثانٍ؛ ولذلك وجبت الجمعة على المكلفين ولم يجب عليهم قضاؤها" (١).
• الاستدراك بقاعدة (الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة ؟ ):
ذكر الآمدي في مسألة (حجية الإجماع) استدراك أبي الحسين البصري على قول الخصم المانعين حجية الإجماع في اعتراضهم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] بأن التوعد في الآية إنما وقع على الجمع بين المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين: "وقال أبو الحسين البصري: هذا يقتضي أن من شاق الرسول يجب عليه اتباع سبيل المؤمنين مع مشاقته للرسول، ومشاقة الرسول ليست معصية فقط؛ وإنما هي معصية على سبيل الرد عليه؛ لأن من صدق النبي ﵇ وفعل بعض المعاصي لا يقال: إنه مشاق للرسول، ومن كذب النبي ﵇ لا يصح أن يعلم صحة الإجماع بالسمع، ومن لا يصح عليه ذلك لا يصح أن يكون مأمورًا باتباعه في تلك الحال، وهو غير سديد" (٢).
فقدر الآمدي استدراكًا على قول أبي الحسين البصري مستخدمًا في ذلك قاعدة: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة فقال: "فإن لقائل أن يقول: وإن سلمنا أن المفهوم من المشاقة للنبي تكذيبه، وأن من كذب النبي لا يعلم بالسمع صحة الإجماع؛ ولكن القول بأنه لا يكون مأمورًا باتباع الإجماع مبني على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الإسلام، وهو باطل بما سبق تقريره" (٣).
стр. 598
• الاستدراك بمادة القواعد الأصولية المتعلقة بالأدلة:
الأدلة على قسمين، منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه.
أما المتفق عليها: فالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. (١)
وقد ذكرنا جملة منها في البحث عند الحديث عن مادة الاستدراك بالكتاب والسنة والإجماع. (٢)
وفي مسائل السنة يذكر الأصوليون خبر الواحد، وعليه أقرر:
• الاستدراك بـ (خبر الواحد):
• المثال الأول:
بعد أن ذكر القاضي أبو يعلى في مسألة (حجية الإجماع) الأخبار الدالة على حجيته ذكر استدراكًا من الخصم القائل بعدم حجية الإجماع (٣): "فإن قيل: هذه أخبار آحاد فلا يجوز الاحتجاج بها في مثل المسألة.
قيل: هذه مسألة شرعية، طريقها مثل مسائل الفروع، ليس للمخالف فيها طريقة تمكنه أن يقول: إنه موجب القطع.
وجواب آخر، وهو أنه تواتر في المعنى ... أن هذا الخبر تلقته الأمة بالقبول، ولم ينقل عن أحد رده ... " (٤).
стр. 599
• بيان الاستدراك:
في المثال ذكر مسألتين من مسائل الأخبار: الأول منهما: ما ذكره الخصم في استدراكه على الاستدلال بالأخبار في حجية الإجماع: بأن هذه أخبار آحاد، وأخبار الآحاد تفيد الظن؛ فلا يجوز الاحتجاج بها لإثبات أصل من أصول الدين؛ وهو الإجماع.
والثاني: ما استدرك به القاضي على قولهم هذا في منع الاحتجاج بأخبار الآحاد: بأن أخبار الآحاد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له وعملاً به يوجب العلم.
• المثال الثاني:
استدرك الشيرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة) على الأخبار التي استدل بها المالكية في إثبات حجية هذا النوع من الإجماع فقال: "والجواب: أن هذه الأخبار آحاد؛ فلا يثبت بها أصل من أصول الدين" (١).
وذكرنا أمثلة للاستدراك بموضوعات القياس؛ كالسبر والتقسيم (٢)، والقياس في اللغة (٣)، وقوادح القياس (٤). وأذكر أمثلة لاستدراكات بمواد آخر لموضوعات القياس؛ منها:
стр. 600
• الاستدراك بـ (اختلاف المناط (١) يمنع القياس):
ذكر الهندي في مسألة (اتفاق الأكثر هل يُعد إجماعًا وحجة؟ ) من بين أدلة القائلين بأن اتفاق الأكثر يُعد حجة قولهم: "وسابعها: القياس على الرواية؛ فإن الرواية ترجح بكثرة العدد، فكذا أقوال المجتهدين.
وجوابه: أن المناط مختلف، ومع اختلاف المناط لا يصح القياس؛ فإن مناط الرواية غلبة ظن صدق الراوي، ومناط الإجماع عصمة المجمعين، ولم تثبت عصمة أكثر الأمة، وقول الأكثر يفيد من الظن ما لا يفيد قول الأقل، فلا جرم حصل الترجيح بقول الأكثر، ولم يثبت الإجماع بقول الأكثر؛ لعدم تحقيق المناط" (٢).
• الاستدراك بـ (لا قياس في مقابلة النص):
ذكر الرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة) اعتراضًا على استدلال الإمام مالك بحديث: «إِنَّ الْمَدِينَةَ لَتَنفِي خبَثَهَا كما يَنفي الكِيرُ خبَثَ الحَديدِ» (٣): "أن القول به يؤدي إلى المحال؛ لأن من كان ساكن المدينة كان قوله حجة، فإذا خرج منها لا يكون قوله حجة، ومن كان قوله حجة في مكان؛ كان قوله حجة في كل مكانٍ؛ كالرسول ﷺ " (٤).
فأجاب على هذا الاعتراض بقوله: "قوله: (من كان قوله حجة في مكان