← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133372

الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية

إيمان بنت سالم قبوس

Полный текст (900 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

* القسم الثاني: الاستدراك بمادة القواعد الأصولية الأخرى: أما الاستدراك بمادة القواعد الأصولية الأخرى؛ فالمراد به: التعقيب على الخصم باستعمال قواعد الأصول غير القوادح. ومن أمثلة هذه الاستدراكات: • الاستدراك بمادة القواعد الأصولية المتعلقة بالحكم الشرعي ؛ ومنها: • الاستدراك بقاعدة (انتفاء الحرمة لا يوجب الإباحة): قال البيضاوي في مسألة (حكم الأعيان والمنافع قبل ورد الشرع): "الأصل في المنافع: الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩]، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِي﴾ [الأعراف: ٣٢]، ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] ". قال الإسنوي في شرحه: "الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وجه الدلالة: أن هذا الاستفهام ليس على حقيقته؛ بل هو للإنكار؛ وحينئذ فيكون البارئ تعالى قد أنكر تحريم الزينة التي يختص بنا الانتفاع بها؛ لمقتضى اللام -كما تقدم-، وإنكار التحريم يقتضي انتفاء التحريم؛ وإلا لم يجز الإنكار، وإذا انتفت الحرمة تعينت الإباحة". ثم استدرك الإسنوي على وجه الدلالة في قول: (إذا انتفت الحرمة تعينت الإباحة) فقال: "وفيه نظر؛ فقد تقدم في أوائل الكتاب أن انتفاء الحرمة لا يوجب الإباحة" (١). • الاستدراك بقاعدة (القضاء يجب بأمر ثانٍ): ذكر الباجي في مسألة (هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ ) استدلال القائلين بعدم تكليفهم: "استدلوا بأن العبادات لو كانت واجبة على الكفار لوجب

стр. 597

عليهم قضاؤها إذا أسلموا؛ كما يجب ذلك على تارك الصلاة المسلم. والجواب: أن القضاء يجب بأمرٍ ثانٍ؛ ولذلك وجبت الجمعة على المكلفين ولم يجب عليهم قضاؤها" (١). • الاستدراك بقاعدة (الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة ؟ ): ذكر الآمدي في مسألة (حجية الإجماع) استدراك أبي الحسين البصري على قول الخصم المانعين حجية الإجماع في اعتراضهم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] بأن التوعد في الآية إنما وقع على الجمع بين المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين: "وقال أبو الحسين البصري: هذا يقتضي أن من شاق الرسول يجب عليه اتباع سبيل المؤمنين مع مشاقته للرسول، ومشاقة الرسول ليست معصية فقط؛ وإنما هي معصية على سبيل الرد عليه؛ لأن من صدق النبي ﵇ وفعل بعض المعاصي لا يقال: إنه مشاق للرسول، ومن كذب النبي ﵇ لا يصح أن يعلم صحة الإجماع بالسمع، ومن لا يصح عليه ذلك لا يصح أن يكون مأمورًا باتباعه في تلك الحال، وهو غير سديد" (٢). فقدر الآمدي استدراكًا على قول أبي الحسين البصري مستخدمًا في ذلك قاعدة: الكفار مخاطبون بفروع الشريعة فقال: "فإن لقائل أن يقول: وإن سلمنا أن المفهوم من المشاقة للنبي تكذيبه، وأن من كذب النبي لا يعلم بالسمع صحة الإجماع؛ ولكن القول بأنه لا يكون مأمورًا باتباع الإجماع مبني على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الإسلام، وهو باطل بما سبق تقريره" (٣).

стр. 598

• الاستدراك بمادة القواعد الأصولية المتعلقة بالأدلة: الأدلة على قسمين، منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه. أما المتفق عليها: فالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. (١) وقد ذكرنا جملة منها في البحث عند الحديث عن مادة الاستدراك بالكتاب والسنة والإجماع. (٢) وفي مسائل السنة يذكر الأصوليون خبر الواحد، وعليه أقرر: • الاستدراك بـ (خبر الواحد): • المثال الأول: بعد أن ذكر القاضي أبو يعلى في مسألة (حجية الإجماع) الأخبار الدالة على حجيته ذكر استدراكًا من الخصم القائل بعدم حجية الإجماع (٣): "فإن قيل: هذه أخبار آحاد فلا يجوز الاحتجاج بها في مثل المسألة. قيل: هذه مسألة شرعية، طريقها مثل مسائل الفروع، ليس للمخالف فيها طريقة تمكنه أن يقول: إنه موجب القطع. وجواب آخر، وهو أنه تواتر في المعنى ... أن هذا الخبر تلقته الأمة بالقبول، ولم ينقل عن أحد رده ... " (٤).

стр. 599

• بيان الاستدراك: في المثال ذكر مسألتين من مسائل الأخبار: الأول منهما: ما ذكره الخصم في استدراكه على الاستدلال بالأخبار في حجية الإجماع: بأن هذه أخبار آحاد، وأخبار الآحاد تفيد الظن؛ فلا يجوز الاحتجاج بها لإثبات أصل من أصول الدين؛ وهو الإجماع. والثاني: ما استدرك به القاضي على قولهم هذا في منع الاحتجاج بأخبار الآحاد: بأن أخبار الآحاد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له وعملاً به يوجب العلم. • المثال الثاني: استدرك الشيرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة) على الأخبار التي استدل بها المالكية في إثبات حجية هذا النوع من الإجماع فقال: "والجواب: أن هذه الأخبار آحاد؛ فلا يثبت بها أصل من أصول الدين" (١). وذكرنا أمثلة للاستدراك بموضوعات القياس؛ كالسبر والتقسيم (٢)، والقياس في اللغة (٣)، وقوادح القياس (٤). وأذكر أمثلة لاستدراكات بمواد آخر لموضوعات القياس؛ منها:

стр. 600

• الاستدراك بـ (اختلاف المناط (١) يمنع القياس): ذكر الهندي في مسألة (اتفاق الأكثر هل يُعد إجماعًا وحجة؟ ) من بين أدلة القائلين بأن اتفاق الأكثر يُعد حجة قولهم: "وسابعها: القياس على الرواية؛ فإن الرواية ترجح بكثرة العدد، فكذا أقوال المجتهدين. وجوابه: أن المناط مختلف، ومع اختلاف المناط لا يصح القياس؛ فإن مناط الرواية غلبة ظن صدق الراوي، ومناط الإجماع عصمة المجمعين، ولم تثبت عصمة أكثر الأمة، وقول الأكثر يفيد من الظن ما لا يفيد قول الأقل، فلا جرم حصل الترجيح بقول الأكثر، ولم يثبت الإجماع بقول الأكثر؛ لعدم تحقيق المناط" (٢). • الاستدراك بـ (لا قياس في مقابلة النص): ذكر الرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة) اعتراضًا على استدلال الإمام مالك بحديث: «إِنَّ الْمَدِينَةَ لَتَنفِي خبَثَهَا كما يَنفي الكِيرُ خبَثَ الحَديدِ» (٣): "أن القول به يؤدي إلى المحال؛ لأن من كان ساكن المدينة كان قوله حجة، فإذا خرج منها لا يكون قوله حجة، ومن كان قوله حجة في مكان؛ كان قوله حجة في كل مكانٍ؛ كالرسول ﷺ " (٤). فأجاب على هذا الاعتراض بقوله: "قوله: (من كان قوله حجة في مكان

стр. 601

كان حجة في كل مكان؛ كالنبي ﷺ ). قلنا: هذا قياس طردي في مقابلة النص فكان باطلاً -والله أعلم-" (١). • الاستدراك بـ (ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية): ذكر الرازي في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة) سؤال الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] على دلالة الصيغة على الوجوب، ثم ذكر استدراكه على هذا السؤال، فقال: "قوله (٢): دلت الآية على أن مخالف أمرِ الله يستحقُّ العقاب، أو على أن مخالف كلِّ أمر يستحق العقاب؟ قلنا: دلت على الثاني لوجوه: ... الثاني: أنه تعالى رتب استحقاق العقاب على مخالفة الأمر، وترتيب الحكم على الوصف مُشعر بالعلية" (٣). • الاستدراك بـ (التقسيم الحاصر (٤)): قال الرازي في مسألة (شكر المنعم عقلاً): "الفصل الثامن: في أن شكر المنعم غير واجب عقلاً. وقالت المعتزلة: بوجوبه عقلاً" (٥).

стр. 602

واستدل على مذهبه بدليل من المعقول؛ وهو: "أنه لو وجب لوجب إما لفائدة أو لا لفائدة، والقسمان باطلان؛ فالقول بالوجوب باطل. إنما قلنا: إنَّه لا يجوز أن يكون لفائدة لأن تلك الفائدة إما أن تكون عائدة إلى المشكور، أو إلى غيره. والأول باطل؛ لأن الله تعالى منزه عن جلب المنافع, ودفع المضار. والثاني باطل؛ لأن الفائدة العائدة إلى الغير إما جلب المنفعة، أو دفع المضرة ... ". ثم ذكر استدراكًا من الخصم: "فإن قيل: لِمَ لا يجوزُ أن يقال: وجب الشكر لمجرد كونه شكرًا؟ وذلك لأن وجوب كل شيء لو كان لأجل شيء آخر؛ لزم التسلسل؛ فثبت أنه لا بد وأن ينتهي إلى ما يكون واجبًا لذاته. وعندنا: الشكر واجب لنفس كونه شكرًا؛ كما أنَّ دفع الضرر عن النفس واجب لنفس كونه دفعًا للضرر؛ ولذلك فإن العقلاء يعلمون وجوبه عندما يعلمون كونه شكرًا للنعمة وإن لم يعلموا جهة أخرى من جهات الوجوب" (١). فأجاب عن استدراكهم: "قولهم: لِمَ لا يجوز أن يجب لنفس كونه شكرًا؟ قلنا: قولنا: لو وجب الشكر لوجب إما لفائدة أولا لفائدة؛ تقسيم دائر بين النفي والاثبات، فلا يحتمل الثالث ألبتة" (٢).

стр. 603

• الاستدراك بـ (الدوران (١)): قال العلاء البخاري في مسألة (القياس في اللغة) دليل الخصم القائل بجواز القياس: "إنا رأينا أن عصير العنب لا يسمى خمرًا قبل الشدة المطربة، فإذا حصلت تلك تسمى خمرًا، وإذا زالت مرة أخرى زال الاسم، والدوران يُفيد ظن العِلِّية، فيحصل ظن أن العلة لذلك الاسم هي: الشدة، ثم رأينا الشدة حاصلة في النبيذ، ويلزم من حصول علة الاسم ظن حصول الاسم، وإذا حصل ظن أنه مسمى بالخمر، وقد علمنا أن الخمر حرام؛ حصل ظن أن النبيذ حرام، والظن حجة، فوجب الحكم بحرمة النبيذ" (٢). فاستدرك عليهم العلاء البخاري بقوله: "الدوران إنما يُفيد ظن العلية فيما يحتمل الغلبة، وههنا لم يوجد الاحتمال؛ لانتفاء المناسبة بين الألفاظ والمعاني أصلاً، وحصول العلم بأن شيئًا من المعاني لم يكن داعيًا للواضع إلى تسميته بذلك الاسم، وإذا لم يوجد احتمال العلية لم يكن الدوران مفيدًا ظن العِلية" (٣). • وأما الأدلة المختلف فيها فكثيرة، ذكرنا منها في ثنايا البحث: قول الصحابي (٤)، الاستقراء (٥)، وأذكر الآن الاستدراك بقاعدة (شرع من قبلنا)، والاستدراك بدليل (العرف والعادة)، والاستدراك بدليل (الحس (٦)).

стр. 604

• مثال الاستدراك بقاعدة (شرع من قبلنا): قال القاضي أبو يعلى في مسألة (تعلق الأمر بالمعدوم): "الأمر يتعلق بالمعدوم، وأوامر الشرع قد تناولت جميع المعدومين إلى قيام الساعة .... وذهب المعتزلة (١) وجماعة من أصحاب أبي حنيفة (٢) فيما ذكره أبو عبدالله الجرجاني في أصوله إلى أن الأمر لا يتعلق بالمعدوم، وأن أوامر الشرع الواردة في عصر النبي ﷺ تختص بالموجودين في وقته، فأما من بعدهم فإنه دخل في ذلك بدليل" (٣). ثم ذكر استدراكًا من الخصم بقاعدة (شرع من قبلنا) فقال: "فإن قيل: فكيف يصح هذا على أصلكم وقد قلتم: إن شريعة من قبلنا ليس بشرع لنا، فلو كان الخطاب غائبًا لدخل فيه كل مكلف يوجد في الثاني؟ قيل: الصحيح من الروايتين: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه، وعلى الرواية الثانية: ليس بشرع لنا؛ لقيام الدلالة على نسخه" (٤).

стр. 605

• أمثلة الاستدراك بـ (دليل العادة والعرف (١)): • المثال الأول: ذكر الباجي في مسألة (دلالة صيغة افعل) من بين أدلة القائلين بالتوقف وعدم حمل الصيغة على أحد محتمليه إلا بقرينة تدل على المراد: "أما هم فاحتج من نصر قولهم في ذلك بأن لفظ (الأمر) لو كان يدل على الوجوب بمفرده؛ لوجب إذا صُرف إلى الندب بقرينة أن يكون ذلك مجازًا لا حقيقة. والجواب: أن هذا ليس بصحيح؛ لأن اللفظ إنما يستغني عن قرينة فيما شهر بالاستعمال فيه، ويفتقر إلى قرينة فيما عُرْفه أن يستعمل في غيره أكثر؛ كالغائط الذي هو حقيقة في المطمئن من الأرض، ومجاز في قضاء الحاجة، ثم مع ذلك يفتقر إلى قرينة في استعماله في حقيقته، ولا يفتقر إلى قرينة في استعماله في مجازه؛ وإنما ذلك بحسب عرف الاستعمال" (٢).

стр. 606

• المثال الثاني: قال الشيرازي في مسألة (تكرار الأمر وما يقتضيه الأمر الثاني): "إذا كرر الأمر فقال: (صَلِّ)؛ هل يقتضي الأمر الثاني استئناف فعلي أمور لا تنبني على ما ينبني عليه الأمر المفرد؟ فإن قلنا: إنه يقتضي التكرار؛ فلا فائدة في ذكر الأمر الثاني؛ لأن الأمر الأول قد استغرق الأوقات في التكرار، فيجب عليه ما استطاع إلى قيام الساعة، فلا يتصور تكليفه الفعل بحكم الأمر الثاني؛ لأنه لا سبيل إلى الامتثال لاشتغاله بالأمر الأول، ويحمل الثاني على التأكيد. فإن قلنا: إن الأمر يقتضي مرة واحدة؛ ففيه وجهان: قال أبو بكر الصيرفي: لا يقتضي التكرار. ومنهم من قال: الأمر الثاني يقتضي فعلاً ثانيًا" (١). واختار الشيرازي أنه يقتضي فعلاً ثانيًا، وذكر من بين أدلة المخالف القائل بأنه لا يقتضي التكرار قوله: "قالوا: ولأن السيد من العرب إذا قال لعبده: اسقني، وكرر الأمر عليه؛ لا يقتضي ذلك تكرار الفعل منه وإن وجد دال منه بلفظين واحد بعد الآخر، فلو كان الأمر يقتضي تكرار الفعل لاقتضاه في هذا الوضع" (٢). .... وجواب آخر: وهو أنا حملناه على مرة واحدة هناك بحكم العرف؛ وذلك لأن العرف أنه قصد باستدعاء الماء يشربه لحاجته إليه، وحمل الماء إليه مرة واحدة فيه كفاية له في الحال فلم يحتج إلى تكرار؛ بخلاف مسألتنا فإنه ليس بيننا وبين الله تعالى في خطابه عرف يحمل عليه، فوجب أن نحمله على موجبه في اللغة" (٣).

стр. 607

• المثال الثالث: قال الآمدي في مسألة (حجية الإجماع): "اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم، خلافًا للشيعة والخوارج والنظام من المعتزلة" (١). ثم ذكر عددًا من الاستدراكات بين الخصمين بدليل (العادة)، فبعد أن ذكر دليل القائلين بحجية الإجماع في استدلالهم بالسنة بعدد من روايات الصحابة المختلفة الألفاظ المتفقة المعنى في الدلالة على عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة أورد استدراكًا من الخصم القائل بعدم حجية الإجماع: (فإن قيل: هذه كلها أخبار آحاد تبلغ مبلغ التواتر ولا تفيد اليقين، وإن سلمنا التواتر؛ ولكن يحتمل أنه أراد به الخطأ والضلالة عن الأمة عصمة جميعهم عن الكفر لا بتأويل ولا شبهة. ويحتمل أنه أراد بهم عصمتهم عن الخطأ في الشهادة في الآخرة، أو فيما يوافق النص المتواتر، أو دليل العقل دون ما يكون بالاجتهاد .... والجواب عن السؤال الأول من وجهين: ... الوجه الثاني: أن هذه الأحاديث لم تزل ظاهرة مشهورة بين الصحابة ومن بعدهم متمسكًا بها فيما بينهم في إثبات الإجماع من غير خلاف فيها ولا نكير إلى زمان وجود المخالفين، والعادة جارية بإحالة اجتماع الخلق الكثير والجم الغفير مع تكرر الأزمان، واختلاف هممهم ودواعيهم ومذاهبهم على الاحتجاج بما لا أصل له في إثبات أصل من أصول الشريعة؛ وهو الإجماع المحكوم به على الكتاب والسنة من غير أن ينبه أحد على فساده وإبطاله وإظهار النكير فيه. فإن قيل: من المحتمل أن أحدًا أنكر هذه الأخبار ولم ينقل إلينا، ومع هذا الاحتمال فلا قطع قولكم: إن الصحابة والتابعين استدلوا بها على الإجماع لا نسلم ذلك.

стр. 608

وما المانع أن يكون استدلالهم على الإجماع لا بهذه الأحاديث؛ بل بغيرها، سلمنا استدلالهم بها على ذلك لكنه دور؛ لما فيه من الاستدلال بالأحاديث على الإجماع، والاستدلال على صحة الأحاديث بالإجماع. ثم ما ذكرتموه في الدلالة على صحتها من عدم النكير معارض بما يدل على عدم صحتها؛ وذلك أنها لو كانت معلومة الصحة مع أن الحاجة داعية إلى معرفتها لبناء هذا الأصل العظيم عليها لإحالة العادة أن لا تعرف الصحابة للتابعين طريق صحتها قطعًا للشك والارتياب. قلنا: جواب الأول: أن الإجماع من أعظم أصول الدين، فلو وجد فيما يستدل به عليه نكير؛ لاشتهر ذلك فيما بينهم، وعظم الخلاف فيه؛ كاشتهار خلافهم فيما هو دونه من مسائل الفروع؛ كاختلافهم في دية الجنين، وقوله: أنت علي حرام، وحد الشرب، ومسائل الجد والإخوة، إلى غير ذلك، ولو كان كذلك؛ لكانت العادة تحيل عدم نقله؛ بل كان نقله أولى من نقل ما خولف فيه من مسائل الفروع؛ بل أولى من نقل خلاف النظام في ذلك مع خفائه وقلة الاعتبار بقوله .... وجواب الثالث: أن الاستدلال على صحة الأخبار لم يكن بالإجماع؛ بل بالعادة المحيلة لعدم الإنكار على الاستدلال بما لا صحة له فيما هو من أعظم أصول الأحكام، والاستدلال بالعادة غير الاستدلال بالإجماع؛ وذلك كالاستدلال بالعادة على إحالة دعوى وجود معارض للقرآن واندراسه، ووجود دليل يدل على إيجاب صلاة الضحى وصوم شوال". (١) • مثال الاستدراك بـ (دليل الحس): قال ابن رشد عند حديثه عن (أركان الحكم): "وأما المحكوم فيه: (وهو الفعل) فإنه مجاز كونه مكتسبًا للعبد باختياره، مع اعتقاد اكتسابه طاعةً وامتثالاً .... وأما الشيخ أبو الحسن فليس من شرط الفعل عنده أن يكون مكتسبًا؛ بل يرى أن

стр. 609

ليس ههنا فعل مكتسب للإنسان أصلاً، وأن ما يُظهر كون الإنسان فاعلاً للشيء فأمر مصاحب ولاحِق؛ لا أن الإنسان لذلك الفعل سبب لا قريب ولا بعيد حتى تكون نسبة ذي القدمين مثلاً إلى المشي هي بعينها نسبة العادم للقدمين (١) " (٢). ثم استدرك على مذهب الأشعري بدليل الحس فقال: "وهذه مخالفة للحس، ورأي غريب جدًّا عن طباع الإنسان" (٣). • الاستدراك بالقواعد الأصولية المتعلقة بدلالات الألفاظ ؛ ومنها: • الاستدراك بقاعدة (صيغة الأمر المجردة عن القرائن تفيد الوجوب): قال القاضي أبو يعلى في مسألة (دلالة أفعال النبي ﷺ ): "واحتج من قال: إنها على الوقف: بأنا لا نعلم على أي وجه فعله النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون فعله واجبًا، ويحتمل أن يكون ندبًا، ويحتمل أن يكون مباحةً، ويحتمل أن يكون مخصوصًا دون أمته، وإذا لم يعلم على أي وجه أوقعه لم يصح الإقتداء به. والجواب: أن الفعل المتجرد عن القرائن لا يكون إلا واجبًا عامًا فيه وفي أمته،

стр. 610

وإنما يكون ندبًا أو خاصًا له عند انضمام قرينة الندب، كما قلنا في صيغة الأمر إذا وردت متجردة عن القرائن: اقتضت الوجوب، وإنما يحمل على الندب بقرينة" (١). • الاستدراك بقاعدة (الآمر هل يدخل تحت الأمر ؟ ): ذكر القاضي أبو يعلى في مسألة (دلالة أفعال النبي ﷺ ) دليل الخصم القائلين بعدم حملها على الوجوب: "واحتج: بأنه متى وجب علينا أن نفعل مثل فعله كنا متبعين له فيه، ومعلوم أن المتبوع أوكد حالاً من التبع، فإذا كان كذلك، وكان ظاهر فعله لا ينبئ عن وجوبه عليه؛ فلئلا يدل على وجوبه علينا أولى. والجواب: أن هذا يبطل على أصل المخالف بالأمر؛ فإنهم جعلوه دالاًّ على الوجوب في حق غيره، ولا يدل على وجوبه عليه؛ لأن الآمر لا يدخل تحت الأمر، فلا يمتنع أن يكون الفعل من جهته كالأمر" (٢). • الاستدراك بقاعدة (دلالة النهي المجردة عن القرائن): ذكر الآمدي في مسألة (حجية الإجماع) استدراك الخصم على وجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ووجه الاحتجاج بها: أنه تعالى نهى عن التفرق، ومخالفة الإجماع تفرق؛ فكان منهيًّا عنه، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى النهي عن مخالفته. (٣) فقال: "فإن قيل: لا نسلم وجود صيغة النهي، وإن سلمناها ولكن لا نسلم أن النهي يدل على التحريم كما سيأتي تقريره في النواهي" (٤).

стр. 611

• الاستدراك بقاعدة (هل للعموم صيغ ؟ ): ذكر الآمدي في مسألة (حجية الإجماع) استدراكًا مقدرًا من الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، "ووجه الاحتجاج بالآية: أنه تعالى توعد على متابعة غير سبيل المؤمنين، ولو لم يكن ذلك محرمًا لما توعد عليه، ولما حسن الجمع بينه وبين المحرم من مشاقة الرسول ﵇ في التوعد؛ كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح. فإن قيل: لا نسلم أن (مَنْ) للعموم على ما سيأتي في مسائل العموم؛ حتى يتناول كل من اتبع غير سبيل المؤمنين" (١). وذكر أيضًا استدركًا مقدرًا من الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] بأن الألف واللام إذا دخلت على اسم الجنس عمت، ومقتضى صدق الخبر بذلك أمرهم بكل معروف ونهيهم عن كل منكر، فإذا أمروا بشيء إما أن يكون معروفًا أو منكرًا؛ لا جائز أن يكون منكرًا؛ وإلا لكانوا ناهين عنه ضرورة العمل بالعموم الذي ذكرناه؛ لا آمرين به، وإن كان معروفًا فخلافه يكون منكرًا؛ وهو المطلوب، وإذا نهوا عن شيء فإما أن يكون منكرًا أو معروفًا، لا جائز أن يكون معروفًا؛ وإلا لكانوا آمرين به ضرورة ما ذكرناه من العموم؛ لا ناهين عنه، وإن كان منكرًا فخلافه يكون معروفًا؛ وهو المطلوب. (٢) فقال: "فإن قيل: لا نسلم أن الألف واللام الداخلة على اسم الجنس للاستغراق -على ما سيأتي-، وعلى هذا فلا تكون الآية عامة في الأمر بكل معروف، ولا النهي

стр. 612

عن كل منكر" (١). • الاستدراك بقاعدة (الفعل في سياق الإثبات لا يعم): قال البيضاوي في مسألة (حجية القياس): "استدل أصحابنا بوجوه: الأول: أنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار، وهو مأمور به في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾. قيل: المراد الاتعاظ؛ فإن القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية. قلنا: المراد القدر المشترك. قيل: الدال على الكلي لا يدل على الجزئي. قلنا: بلى؛ ولكن ههنا جواز الاستثناء دليل العموم" (٢). قال الإسنوي في شرحه: "الاعتراض الثاني: أنه لا يلزم من الأمر بالاعتبار الذي هو القدر المشترك الأمر بالقياس؛ فإن القدر المشترك معنى كُلي، والقياس جُزئي من جزئياته، والدال على الكلي لا يدل على الجزئي. وأجاب في المحصول (٣) بوجهين: أحدهما - وعليه اقتصر المصنف-: أن ما قاله الخصم من كون الأمر بالماهية الكلية لا يكون أمرًا بشيء من جزئياتها على التعيين مسلم؛ لكن ههنا قرينة دالة على العموم؛ وهي جواز الاستثناء؛ فإنه يصح أن يقال: اعتبروا إلا في الشيء الفلاني، وقد تقدم غير مرة أن الاستثناء معيار العموم. فاستدرك الإسنوي على هذا الجواب بقوله: "وهذا الجواب ضعيف؛ لأن الاستثناء إنما يكون معيارًا للعموم إذا كان عبارة عن إخراج ما لولاه لوجب دخوله؛

стр. 613

إما قطعًا أو ظنًّا، ونحن لا نسلم أن الاستثناء بهذا التفسير يصح هنا؛ فإن الفعل في سياق الإثبات لا يعم" (١). • الاستدراك بقاعدة (معيار العموم جواز الاستثناء): ذكر الإسنوي في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة) استدراك الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] في إفادة الصيغة للوجوب بقوله: "واعترض الخصم بأربعة أوجه ... الرابع - وهو أيضًا اعتراض على المقدمة الثانية (٢) -: أن قوله: (عن أمره) مفرد، فيفيد أن أمرًا واحدًا للوجوب، ونحن نُسَلِّمه، ولا يفيد كون جميع الأوامر كذلك مع أن المُدَّعَى هو الثاني. وأجاب في المحصول (٣) بثلاثة أوجه: أحدها -وعليه اقتصر المصنف (٤) -: أنه عام؛ بدليل جواز الاستثناء؛ فإنه يصح أن يقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا الأمر الفلاني، وسيأتي أن معيار العموم جواز الاستثناء" (٥).

стр. 614

• الاستدراك بقاعدة (تقييد المطلق خلاف الأصل): ذكر الرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة) اعتراضًا على استدلال الإمام مالك بحديث: «إِنَّ المدِينَةَ لَتَنفِي خبَثَهَا، كما يَنفي الكِيرُ خبَثَ الحَديدِ»: " ... سلمنا صحة متنه؛ لكن لِمَ لا يجوزُ أن يكون ذلك محمولاً على من خرج منها لكراهية المقام بها؟ مع أن في المقام بها بركة عظيمة؛ بسبب جوار الرسول وجوار مسجده ﷺ ومع ما ورد من الثناء الكثير على المقيمين بها؛ لأن الكاره للمقام بها مع هذه الأحوال لا بد وأن يكون ضعيف الدين، ومن كان كذلك فهو خبث" (١). فأجاب على هذا الاعتراض بقوله: "قوله: (نحمله على من كره المقام بالمدينة). قلنا: تقييد المطلق خلاف الأصل، ولو جاز ذلك لجاز في قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، وفي قوله ﵊: «لاَ تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى خَطَأ» (٢) حمله على بعض الصور، ولما كان جواب الجمهور أن تخصيص العام وتقييد المطلق خلاف الأصل، وأنه لا يجوز القول به من غير ضرورة؛ فكذا ها هنا" (٣).

стр. 615

• المطلب الثاني مادة العلوم الأخرى، وتطبيقاتها المراد بمادة الاستدراك بالعلوم الأخرى: هو التعقيب على الخصم باستعمال العلوم الأخرى. • مثال الاستدراك بـ (علوم القرآن): قال الجويني في مسألة (هل العبرة بعموم اللفظ أو خصوص السبب؟ ): "وما ذكره الشافعي من الكلام على الآية فهو في غاية الحسن؛ ولكن ما ذكر لا يفيد الحكم على الآية (١)؛ بل يفيد تطرق التأويل إليها، ولولا ما مهدنا لكانت الآية نصًّا، وهي من آخر ما نزل على رسول الله ﷺ ، ولم يدع أحدٌ من حملة علوم القرآن النسخ فيها" (٢). فاستدرك عليه الإبياري في شرحه فقال: "قوله: (ولم يدَّعِ أحدٌ من حملة علوم القرآن النسخ فيها) ليس كما قال؛ بل للعلماء في هذه الآية مذاهب (٣): منهم من يقول: إنها منسوخة، ومنهم من يقول: إنها مخصوصة، ومنهم من يقول: إنها مقرة؛ ولكن ألحق بهذه الأشياء غيرها, وكأن هذا القائل سلك مسلك الخبر؛ أي: لا محرم ذلك الوقت إلا ما اشتملت عليه الآية، ثم تجددت بعد ذلك أحكام. فدعوى الإجماع على نفي النسخ باطلة" (٤).

стр. 616

• مثال الاستدراك بـ (علم القراءات): • المثال الأول: قال الطوفي: "فالمسألة الأولى: (القراءات السبع متواترة خلافًا لقوم) اعلم أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان: فالقرآن هو الوحي النازل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز. والقراءات: هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور، في كمية الحروف، أو كيفيتها من تخفيف أو تثقيل، وتحقيق أو تسهيل، ونحو ذلك، بحسب اختلاف لغات العرب، ولا نزاع بين المسلمين في تواتر القرآن، أما القراءات فوقع النزاع فيها، والمشهور أنها متواترة، وقال بعض الناس: ليست متواترة" (١). ثم ذكر في آخر المسألة تنبيهًا فقال: "تنبيه: اعلم أني سلكت في هذه المسألة طريقة الأكثرين في نصرة أن القراءات متواترة، وعندي في ذلك نظر، والتحقيق: أن القراءات متواترة عن الأئمة السبعة (٢)، أما تواترها عن النبي ﷺ إلى الأئمة السبعة فهو محل نظر؛ فإن أسانيد الأئمة السبعة بهذه القراءات السبعة إلى النبي ﷺ موجودة في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد، لم تستكمل شروط التواتر، ولولا الإطالة والخروج عما نحن فيه لذكرت طرفًا من طرقهم؛ ولكن هي موجودة في كتب العراقيين، والحجازيين، والشاميين، وغيرهم، فإن عاودتها من مظانها وجدتها كما وصف لك" (٣).

стр. 617

• المثال الثاني: قال المرداوي: "القراءات السبع متواترة عند العلماء إذا تواترت عن قارئها. واحترزنا بذلك عما يحكى عن بعضهم آحادًا؛ فإن ذلك من الشاذ الآتي بيانه. فالقراءات السبع متواترة عند الأئمة الأربعة وغيرهم من الأئمة من علماء السنة" (١). ثم ذكر استدراكًا لإطلاق القول بأنها متواترة، فذكر قول ابن الحاجب وأبي شامة (٢) من علماء القراءات وفصل القول في المسألة، وهذا كله من علم القراءت، فقال: "قال ابن الحاجب ومن تبعه: (لا من قبيل صفة الأداء) (٣)، وقال أبو شامة وغيره: (ولا صفة الألفاظ المختلف فيها بين القراء) (٤)، وهو ظاهر كلام أحمد وجمع. وهذا بيان وتقييد لما أطلقه الجمهور من تواتر القراءات السبع؛ فإنه ليس على إطلاقه؛ بل يستثنى منه ما قاله ابن الحاجب وغيره، وهو ما كان من قبيل صفة الأداء؛ كالمد (٥)، والإمالة (٦)، وتخفيف الهمزة (٧)، ونحوه.

стр. 618

ومراده بالتمثيل بالمد، والإمالة: مقادير المد، وكيفية الإمالة؛ لا أصل المد والإمالة؛ فإن ذلك متواتر قطعًا. فالمقادير كمد حمزة (١) وورش (٢) فإنه قدر ست ألفات، وقيل: خمس، وقيل: أربع، ورجحوه، ومد عاصم قدر ثلاث ألفات، والكسائي (٣) قدر ألفين ونصف، وقالون (٤) قدر ألفين، والسوسي (٥) قدر ألف ونصف، ونحو ذلك.

стр. 619

وكذلك الإمالة تنقسم إلى محضة؛ وهي: أن يُنْحى بالألف إلى الياء، وبالفتحة إلى الكسرة، وإلى بين بين، وهي كذلك، إلا أنها تكون إلى الألف والفتحة أقرب (١)، وهي المختارة عند الأئمة، أما أصل الإمالة فمتواتر قطعًا. وكذلك التخفيف في الهمز، والتشديد فيه، منهم من يسهل، ومنهم من يبدله، ونحو ذلك، فهذه الكيفية هي التي ليست متواترة؛ ولهذا كره الإمام أحمد (٢) وجماعة من السلف (٣) قراءة حمزة؛ لما فيها من طول المد والكسر والإدغام ونحو ذلك؛ لأن الأمة إذا اجتمعت على فعل شيء لم يكره فعله. وهل يظن عاقل أن الصفة التي فعلها النبي ﷺ وتواترت إلينا يكرهها أحد من العلماء أو من المسلمين؟ ! فعلمنا بهذا أن هذه الصفات ليست متواترة، وهو واضح. وكذلك قراءة الكسائي؛ لأنها كقراءة حمزة في الإمالة والإدغام كما نقله السروجي (٤) في الغاية (٥)، فلو كان ذلك متواترًا لما كرهه

стр. 620

أحد من الأئمة. وزاد أبو شامة الألفاظ المختلف فيها بين القراء (أي: اختلف القراء في صفة تأديتها)؛ كالحرف المشدد يبالغ بعضهم فيه حتى كأنه يزيد حرفًا، وبعضهم لا يرى ذلك، وبعضهم يرى التوسط بين الأمرين، وهو ظاهر، ويمكن دخوله تحت قول ابن الحاجب في الاحتراز عنه: (فيما ليس من قبيل الأداء)، على أن بعضهم نازع بما لا تحقيق فيه؛ لكن قال ابن الجزري (١): (لا نعلم أحدًا تقدم ابن الحاجب إلى ذلك، وقد نص على ذلك كله أئمة الأصول؛ كالقاضي أبي بكر (٢) وغيره، وهو الصواب؛ لأنه إذا ثبت تواتر اللفظ ثبت تواتر هيئة أدائه؛ لأن اللفظ لا يقوم إلا به، ولا يصح إلا بوجوده) (٣) انتهى" (٤). وذكر المرداوي أيضًا اختلاف العلماء في المراد بالقراءة الشاذة، واستخدم استدراك التصحيح فقال: "اختلف العلماء في الشاذ، فالصحيح من مذهب الإمام أحمد وعليه أصحابه: أن الشاذ: ما خالف مصحف عثمان بن عفان ﵁ الذي كتبه وأرسله إلى الآفاق.

стр. 621

فتصح الصلاة بقراءة ما وافقه وصح سنده وإن لم يكن من العشرة، نص عليه الإمام أحمد. قال ابن مفلح في فروعه (١): (تصح بما وافق عثمان، وفاقًا للأئمة الأربعة، زاد بعضهم: على الأصح). وقد رأيت في كلام الإمام الحافظ -الإمام في القراءات بلا مدافعة- ابن الجزري في النشر (٢) أنه ذكر ما يوافق ذلك فقال: (كل قراءة وافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، ووافقت العربية ولو بوجه واحد، وصح سندها؛ فهي القراءة الصحيحة التي لا يحل لمسلم أن ينكرها؛ سواء كانت عن السبعة، أو عن العشرة، أو عن غيرهم من الأئمة المقبولين. ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة؛ أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة؛ سواء كانت عن السبعة، أو عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الداني (٣)، ومكي (٤)،

стр. 622

والمهدوي (١)، وأبو شامة (٢)، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه) انتهى، وأطال في ذلك وأجاد. وقيل: الشاذ: ما وراء السبعة، اختاره جماعة كثيرة. قال البرماوي: (المشهور أنها ما وراء السبعة المعروفة، وهو ظاهر كلام الرافعي) (٣). وقال البغوي (٤) وجماعة كثيرة: الشاذ: ما وراء العشرة (٥).

стр. 623

قلت: وهو أصح؛ فالثلاثة الزائدة على السبعة: يعقوب (١)، وخلف (٢)، وأبو جعفر يزيد بن القعقاع (٣). واختاره الشيخ تقي الدين (٤)، والسبكي (٥)، وغيرهما. وقالوا: القراءات الثلاثة المذكورة قد تواترت كالسبعة. وقد حكى البغوي في تفسيره (٦) الإجماع على جواز القراءة بها. قال أبو حيان (٧) - وهو من أئمة هذا الشأن -: (لا نعلم أحدًا من المسلمين

стр. 624

حظر القراءة بالقراءات الثلاث الزائدة على السبع؛ بل قرأتها في سائر الأمصار) (١). قال بعض العلماء (٢): (القول بأن الثلاثة غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين) انتهى. ثم ذكر قولاً لشيخ الإسلام، واستشكال بعض العصريين له، واستدراكه على هذا الإشكال باستشهاده بقول أبي شامة من علماء القراءات فقال: "قال الشيخ تقي الدين: (قال أئمة السلف: مصحف عثمان ﵁ أحد الحروف السبعة) (٣). ورأيت بعض العصريين استشكل ذلك وليس بمشكل (٤)، ثم رأيت

стр. 625

العلامة أبا شامة - الفقيه، المحدث، الإمام في القراءات- قال في كتابه المرشد (١): (إن القراءات التي بأيدي الناس من السبعة والعشرة وغيرهم هي حرف من قول النبي ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف») انتهى. ولم نر ولم نسمع أن أحدًا من العلماء القراء وغيرهم استشكل ذلك، ولا اعترض عليه (٢)، فصح كلام الشيخ تقي الدين ونقله" (٣). • الاستدراك بـ (علم التفسير): • المثال الأول: اختار الجويني في مسألة (شرع من قبلنا هل هو شرعٌ لنا؟ ): "أنه ما أوجب على رسول الله ﷺ اتباع الأولين؛ وإنما أوجب عليه ما أوجب بأوامر متجددة، ثم مما أوجب عليه ما وقع مماثلاً لأحكام الشرائع السابقة، ومنها ما وقع مخالفًا لها. ثم استدرك على الخصم القائل: بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد به نسخ من شرعنا (٤)، فقال: "فنقول: لا معتصم لكم في شيء مما ذكرتموه، أما قوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] فهذا حد الأدلة عليكم؛ فإنه جدد عليه الأمر، ونحن لا نستبعد أن يثبت في حقه بأمر مجدد مثل ما ثبت في حق من تقدمه. فإن قيل: فلم سماه اتباعًا؟ قلنا: [لم نأمل الفعلان وتشاكلا أتباعه بالاتباع] (٥)،

стр. 626

وهذا كما يقال: فلان يتبع فلانًا في سجيته، والمراد به: أنه يفعل مثل فعله، والذي يحقق ذلك أنه لم ينقل عنه ﷺ أنه كان يتبع شرائع إبراهيم، ويتحسس عن أحكامه وموجبات ملته، ولو كان المضي بالاتباع في الآية ما قلتموه لبذل كنه مجهوده في العثور على ملة جده - صلوات الله عليهما-. ثم نقول: إنما المضي بالاتباع ما صار إليه أهل التفسير وأئمة التأويل، وهو تجنب الإشراك وإيثار التوحيد (١)، وهو المضي بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] " (٢). • المثال الثاني: ذكر الرازي في مسألة (هل يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه؟ ) (٣) قول الخصم (٤): "واحتج المخالف بأمور: أحدها: أنه جاء في القرآن ما لا يفيد؛ كقوله: ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] وما يشبهه، وقوله: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥]، وقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقوله: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ لا يفيد فائدة زائدة، وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] " (٥).

стр. 627

ثم ذكر استدراكًا لهذا الاستدلال فقال: "والجواب عن الأول: أن لأهل التفسير فيها أقوالاً مشهورة، والحق فيها: أنها أسماء السور (١). وأما (رؤوس الشياطين) فقيل: إن العرب كانوا يستقبحون ذلك المتخيل، ويضربون به المثل في القبح. وأما قوله: (عشرة كاملة) فذلك للتأكيد، وهو الجواب أيضًا عن سائر الآيات" (٢). • المثال الثالث: قال البيضاوي في الاستدلال بوجوب العمل بخبر الواحد: "لنا وجوه: الأول: أنه تعالى أوجب الحذر بإنذار طائفة من الفرقة. والإنذار: الخبر المخوِّف. والفرقة: ثلاثة. والطائفة: واحد أو اثنان" (٣). فاستدرك الإسنوي على هذا الاستدلال بقول آخر لعلماء التفسير حكاه الزَّمَخْشَرِي (٤) فقال: "وأما كون الإنذار بقول طائفة من الفرقة؛ فبناه المصنف (٥) على أن المتفقهين هم: الطائفة النافرة؛ حتى يكون الضمير في قوله تعالى: ﴿لِّيَتَفَقَّهُوا﴾ ﴿وَلِيُنذِرُوا﴾ [التوبة: ١٢٢] راجعًا إليها (٦)، وهو قول لبعض المفسرين (٧).

стр. 628

وفيه قول آخر حكاه الزَّمَخْشَرِي ورجحه غيره: أن المتفقهين هم المقيمون؛ لينذروا النافرين إذا عادوا إليهم. ووجه ذلك: أن رسول الله ﷺ بعد إنزال الوعيد الشديد في حق المتخلِّفين عن غزوة تبوك (١) كان إذا بعث جيشًا أسرع المؤمنون عن آخرهم إلى النفير، وانقطعوا جميعًا عن استماع الوحي والتفقُّه في الدين، فأُمِروا أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة، ويقعد الباقون ليتفقهوا، وينذروا النافرين إذا رجعوا إليهم (٢). وعلى هذا فلا حجة؛ لأن الباقين كثيرون" (٣). • المثال الرابع: قال العلاء البخاري في (باب أهلية الإجماع): "وقوله (٤): (وقال بعضهم) وهم الزَّيْدِيَّةُ (٥) والإمَامِيَّةُ (٦) من الروافض: لا يصح الإجماع إلا من عِتْرَةِ الرسول ﵇

стр. 629

(أي: قرابته)، متمسكين في ذلك بالكتاب؛ وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، أخبر بنفي الرجس عنهم بكلمة (إنما) الحاصرة الدالة على انتفائه عنهم فقط والخطأ من الرجس، فيكون منفيًّا عنهم فقط" (١). فاستدرك عليهم بما جاء في التفسير فقال: "وكذا ما تمسك به الفريق الثاني (٢)؛ لأن المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أزواج النبي ﵇ عند عامة أهل التفسير، ولئن سلمنا أن المراد قرابة الرسول ﵇؛ فالمراد من الرجس: الشرك، أو الإثم، أو الشيطان، أو الأهواء والبدع، أو البخل والطمع، على ما ذكر في التفسير (٣)، فلا يصح الاجتماع به" (٤).

стр. 630

• أمثلة الاستدراك بـ (علوم الحديث): يشمل علم الحديث موضوعين؛ وهما: علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية (١). • الاستدراك بعلم الحديث رواية: • المثال الأول: قال البيضاوي في المسألة الثانية من مسائل التخصيص بالاستثناء: "الثانية: الاستثناء من الإثبات نفي (٢) وبالعكس (٣) خلافًا لأبي حنيفة (٤). لنا: لو لم يكن كذلك لم يَكْفِ (لا إله إلا الله). احتج بقوله ﵇: «لا صلاَةَ إلا بِطَهُورٍ» (٥)، قلنا:

стр. 631

للمبالغة" (١). فاستدرك ابن السبكي في شرحه على الاستدلال بهذا الحديث فقال: "واعلم أن هذا الحديث لا يُعْرف بهذا اللفظ، فالأولى أن يُغَيَّر بحديث: «لا صلاَةَ إلا بِفاتِحَةِ الكِتَابِ» (٢). (٣) • المثال الثاني: قال المرداوي عند حديثه عن مسالك العلة: "مِن الإيماء أن يفرق بين الحكمين بصفتين؛ كقوله ﷺ : «للرَّاجلِ سهْم وللْفَارسِ سهْمَان» (٤). قال البرماوي: كذا يمثلون به، والذي في الصحيحين: «جعله لِلْفرَسِ سهْمَيْنِ ولِصَاحِبِهِ سهْمًا» (٥)، وفي البخاري: «للْفَرَسِ سهْمَيْنِ وَللرَّاجِلِ سهْمًا» (٦)، ورواه الدارقطني (٧)

стр. 632

بلفظ: «جَعَلَ لِلفَارسِ سهْمَيْنِ وَللرَّاجِلِ سهْمًا» (١). (٢)

стр. 633

• الاستدراك بعلم الحديث دراية (مصطلح الحديث) قال الجويني في مسألة (التعبد بالقياس شرعًا): "واحتج الشافعي ابتداءً بحديث معاذ بن جبل ﷺ قال له الرسول ﵇ لما بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟ » الخبر (١)، وهو مدون في الصحاح، وهو متفق على صحته لا يتطرق إليه التأويل" (٢). فاستدرك عليه ابن السبكي فقال: "قلت: هذا عجيب من إمام الحرمين، فقد قال إمام الصناعة أبو عبدالله البخاري (٣): لا يصح هذا الحديث. وقال الترمذي (٤): ليس إسناده عندي متصل" (٥).

стр. 634

• الاستدراك بـ (علم أحوال رواة الأحاديث (١)): • المثال الأول: استدل البيضاوي على أن صيغة (افعل) حقيقة في الوجوب بخمسة أدلة، الخامس منها قوله: "أنه ﵊ احتج لذم أبي سعيد الخدري (٢) على ترك استجابته -وهو يصلي- بقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] " (٣). فاستدرك عليه الإسنوي بقوله: "واعلم أن المصنف (٤) ذكر أن أبا سعيد هذا هو الخدري، وهو غلط تبع فيه صاحب الحاصل (٥)، وصاحب الحاصل تبع الإمام في المحصول (٦)، والإمام تبع الغزالي في المستصفى (٧). والصواب: أنه أبو سعيد المعلَّى، كذا وقع في صحيح البخاري (٨) في أول كتاب

стр. 635

التفسير، وفي سنن أبي داود (١) في الصلاة، وفي جامع الأصول (٢) في كتاب الفضائل، وفي غيرها أيضًا، واسمه: الحارث بن أوس بن المعلى الأنصاري الخزرجي الزرقي (٣). واسم الخدري: سعد بن مالك بن سنان، من بني خدرة، أنصاري خزرجي أيضًا" (٤).
следующие страницы →