← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133372

الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية

إيمان بنت سالم قبوس

Полный текст (900 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

للمبالغة" (١). فاستدرك ابن السبكي في شرحه على الاستدلال بهذا الحديث فقال: "واعلم أن هذا الحديث لا يُعْرف بهذا اللفظ، فالأولى أن يُغَيَّر بحديث: «لا صلاَةَ إلا بِفاتِحَةِ الكِتَابِ» (٢). (٣) • المثال الثاني: قال المرداوي عند حديثه عن مسالك العلة: "مِن الإيماء أن يفرق بين الحكمين بصفتين؛ كقوله ﷺ : «للرَّاجلِ سهْم وللْفَارسِ سهْمَان» (٤). قال البرماوي: كذا يمثلون به، والذي في الصحيحين: «جعله لِلْفرَسِ سهْمَيْنِ ولِصَاحِبِهِ سهْمًا» (٥)، وفي البخاري: «للْفَرَسِ سهْمَيْنِ وَللرَّاجِلِ سهْمًا» (٦)، ورواه الدارقطني (٧)

стр. 632

بلفظ: «جَعَلَ لِلفَارسِ سهْمَيْنِ وَللرَّاجِلِ سهْمًا» (١). (٢)

стр. 633

• الاستدراك بعلم الحديث دراية (مصطلح الحديث) قال الجويني في مسألة (التعبد بالقياس شرعًا): "واحتج الشافعي ابتداءً بحديث معاذ بن جبل ﷺ قال له الرسول ﵇ لما بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟ » الخبر (١)، وهو مدون في الصحاح، وهو متفق على صحته لا يتطرق إليه التأويل" (٢). فاستدرك عليه ابن السبكي فقال: "قلت: هذا عجيب من إمام الحرمين، فقد قال إمام الصناعة أبو عبدالله البخاري (٣): لا يصح هذا الحديث. وقال الترمذي (٤): ليس إسناده عندي متصل" (٥).

стр. 634

• الاستدراك بـ (علم أحوال رواة الأحاديث (١)): • المثال الأول: استدل البيضاوي على أن صيغة (افعل) حقيقة في الوجوب بخمسة أدلة، الخامس منها قوله: "أنه ﵊ احتج لذم أبي سعيد الخدري (٢) على ترك استجابته -وهو يصلي- بقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] " (٣). فاستدرك عليه الإسنوي بقوله: "واعلم أن المصنف (٤) ذكر أن أبا سعيد هذا هو الخدري، وهو غلط تبع فيه صاحب الحاصل (٥)، وصاحب الحاصل تبع الإمام في المحصول (٦)، والإمام تبع الغزالي في المستصفى (٧). والصواب: أنه أبو سعيد المعلَّى، كذا وقع في صحيح البخاري (٨) في أول كتاب

стр. 635

التفسير، وفي سنن أبي داود (١) في الصلاة، وفي جامع الأصول (٢) في كتاب الفضائل، وفي غيرها أيضًا، واسمه: الحارث بن أوس بن المعلى الأنصاري الخزرجي الزرقي (٣). واسم الخدري: سعد بن مالك بن سنان، من بني خدرة، أنصاري خزرجي أيضًا" (٤).

стр. 636

وكذلك استدرك عليه ابن السبكي وقال: "وقد سألت شيخنا الحافظ الذَّهبِيَّ (١) ﵀: هل رُوي هذا الحديث من طريق الخدري في شيء من الكتب والأجزاء؟ فقال: لا" (٢). • المثال الثاني: استدل القاضي أبو يعلى على جواز التعبد بالقياس شرعًا: "ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ بن جبل: «كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله، أو قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فسنة رسول الله. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله، أو قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال: فضرب بيده في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضاه رسولُ الله» (٣). ثم ذكر استدراكًا مقدرًا: "فإن قيل: هذا خبر لا يصح إسناده؛ لأنه يرويه الحارث ابن عمرو (٤) -ابن أخي المغيرة بن شعبة- عن أُناس من أهل حِمص من أصحاب معاذ أن النبي ﷺ قال ذلك، وأُناس من أهل حمص مجاهيل؛ فلا يصح التعلق به.

стр. 637

قيل: هو خبر صحيح رواه أبو داود في سننه (١)، وأبو عبيد (٢) في أدب القضاء وابن منذر (٣). وقوله (٤): "أناس من أصحاب معاذ" يدل على شهرته وكثرة رواته، وقد عُرِف دينُهُ (٥)، والظاهر من أصحابه الدين، والثقة، والزهد، والصلاح. وعلى أنه روي وسُمِّي رجل منهم وهو ثقة معروف، فروى عبادة ابن نُسَى (٦) عن عبدالرحمن بن غَنْم (٧) عن معاذ بن جبل، وعبدالرحمن بن غُنْم ثقة

стр. 638

مشهور (١) " (٢). • الاستدراك بـ (علم الكلام): وأكتفي بذكر الاستدراك على موضوعين من هذا العلم؛ وهما: التحسين والتقبيح، ووجوب رعاية المصالح. • الاستدراك بـ (التحسين والتقبيح العقلي (٣)): • المثال الأول: قال ابن قدامة في حد النسخ في الشرع: "وحد المعتزلة النسخ بأنه: الخطاب

стр. 639

الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص المتقدم زائل على وجه لولاه لكان ثابتًا (١). ولا يصح؛ لأن حقيقة النسخ الرفع، وقد أخلوا الحد عنه. فإن قيل: تحديد النسخ بالرفع لا يصح لخمسة أوجه: ... الثالث: أن الله تعالى إنما أثبته لحسنه، فالنهي يؤدي إلى أن ينقلب الحسن قبيحًا" (٢). ثم ذكر الجواب عن هذه الوجوه، فقال في جواب الوجه الثالث: "وأما الثالث: فينبني على التحسين والتقبيح في العقل، وهو باطل" (٣). • المثال الثاني: ذكر الرازي في مسألة (استدلال الشيعة على حجية الإجماع) أن زمان التكليف عندهم لا يخلو عن الإمام المعصوم، ومتى كان كذلك كان الإجماع حجة. وقرروا ذلك بأن الإمام لطفٌ، وكلُّ لطفٍ واجبٌ، فالإمام واجب. وإنما قلنا: إن اللطف واجب لوجهين: الثاني: أن المكلف لو لم يجب عليه فعل اللُّطفِ لم يقبح منه فعلُ المفسدةِ أيضًا؛ لأنه لا فرق في العقل بين فعل ما يختار المكلف عنده القبيح، وبين ترك ما يُخِلُّ المكلف عنده بالواجب، فثبت أن اللُّطفَ واجب، وثبت أنه لا بد في زمان التكليف من الإمام" (٤). فاستدرك عليهم الرازي في الوجه الثاني المذكور بعدة استدراكات فقال: "سلمنا كل ما ذكرتموه؛ ولكنه بناء على التحسين والتقبيح العقليين وإنه باطل على ما

стр. 640

ثبت في الكتب الكلامية" (١). • الاستدراك بـ (وجوب رعاية المصالح (٢)): • المثال الأول: ذكر الآمدي في مسألة (حكم التعبد بخبر الواحد عقلاً) اعتراض الخصم القائل بعدم جواز التعبد بخبر الواحد: "ثم وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على جواز التعبد بخبر الواحد إلا أنه معارض بما يدل على نقيضه، وبيانه من جهة المنقول والمعقول ... وأما المعقول فمن أربعة أوجه: الأول: أنه لو جاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد في الأحكام الشرعية عن الرسول عند ظننا بصدقه لاحتمال كونه مصلحة؛ لجاز ورود التعبد بقبول خبر الواحد عن الله تعالى بالأحكام الشرعية، وذلك دون اقتران المعجزة بقوله محال" (٣). ثم بعد عرض جميع اعتراضاتهم بدأ بالجواب والاستدراك عليهم فقال: "والجواب عن السؤال الأول من وجهين: الأول: أنه مبني على وجوب رعاية المصالح في أحكام الشرع وأفعاله، وهو غير

стр. 641

مسلم على ما عرفناه في الكلاميات .... " (١). • المثال الثاني: قال الإسنوي في مسألة (هل يجوز تفويض الحكم إلى النبي ﷺ أو إلى العالم؟ ): " ... احتجت المعتزلة على المنع بأن أحكام الله تعالى تابعة لمصالح العباد _على ما سبق في القياس_، فلو فُوِّض ذلك إلى اختيار العبد لأدّى إلى تخلُّف الحكم عن المصلحة؛ لجواز أن يصادف اختياره ما ليس بمصلحة في نفس الأمر، وما ليس بمصلحة في نفس الأمر لا يصير مصلحة بجعله إلى المجتهد (أي: بتفويضه إليه)؛ لا ستحالة انقلاب الحقائق. (٢) وأجاب المصنف (٣) بوجهين: أحدهما: أنه مبنيٌّ على أصل ممنوع، وهو وجوب رعاية المصالح .... " (٤). ويمكن أن يجمع الاستدراك بين المسألتين كما ذكر الهندي في مسألة (النسخ قبل التمكن من الفعل) احتجاج الخصم (٥) القائل: بعدم جواز النسخ قبل التمكن من الامتثال، فقال: "واحتجوا بوجهين:

стр. 642

أحدهما: أنه تعالى إن كان عالماً حالة الأمر بما هو عليه الفعل من المصلحة أو المفسدة في الوقت الذي أمر فيه بالفعل؛ وجب ألا يحسن إلا الأمر به أو النهي عنه؛ وإلا لزم الأمر بالمفسدة أو النهي عن المصلحة، وهو غير جائز على الحكيم. وإنما قيدنا كونه كذلك وقت الفعل لأن المعتبر هو وقت الفعل في الأمر المقيد بوقت؛ لا وقت الأمر؛ فإن الشيء إذا كان مشتملاً على المصلحة حالة الأمر دون حالة الفعل؛ فإنه يجوز الأمر به في وقت تتغير مصلحته. وإن لم يكن عالماً به (١)؛ لزم الجهل على الله تعالى وهو محال. وجوابه: أنه مبني على التحسين والتقبيح ورعاية المصلحة والمفسدة، وكل ذلك باطل عندنا" (٢). • أمثلة الاستدراك بـ (القواعد الفقهية (٣))، ومنها: • الاستدراك بقاعدة (اليقين لا يزول بالشك (٤)): ذكر الشيرازي في مسألة (العمل بالخبر الواحد) من بين أدلة القائلين بعدم وجوب العمل بخبر الواحد: "قالوا: ولأن براءة الذمة متيقنة، وخبر الواحد موضع شك؛ فلا يجوز إزالة اليقين بالشك. قلنا: نحن لا نزيل اليقين إلا بيقين مثله، ووجوب العمل بخبر الواحد يقين، وإن كان ما تضمنه غير متيقن" (٥).

стр. 643

وذكر في مسألة (زيادة الثقة) دليل القائلين بعدم قبول الزيادة: "قالوا: ما اتفقنا عليه من الخبر يقين، والزيادة مشكوك فيها، فلا يترك اليقين بالشك. قلنا: فيجب إذا انفرد أحدهما بخبر لم يروه الآخر أن لا يقبل، فيقال: أحد الخبرين يقين والآخر مشكوك فيه، فلا يترك اليقين بالشك" (١). • الاستدراك بقاعدة (لا عبرة بالظن البين خطؤه (٢)): قال البيضاوي في مسألة (أقسام الحكم باعتبار الوقت المضروب للعبادة): "ولو ظنَّ المكلف أنه لا يعيش إلى آخر الوقت تضيَّق عليه، فإن عاش وفعل في آخره فقضاء عند القاضي (٣)، أداء عند الحجة (٤)؛ إذ لا عبرة بالظن البين خطؤه" (٥). • بيان الاستدراك: ذكر البيضاوي استدراك الغزالي على القاضي الباقلاني قوله: بأن المكلف لو عاش وفعل العبادة بعد ما ضاق عليه الوقت؛ اعتبرت قضاء في حقه؛ بقاعدة فقهية؛ وهي: أنه لا عبرة بالظن البين خطؤه. وقال ابن السبكي في شرحه للمنهاج (٦): (والحق معه في هذه المسألة) أي مع الغزالي.

стр. 644

• الاستدراك بقاعدة (التابع يأخذ حكم المتبوع (١)): • المثال الأول: قال الشيرازي في مسألة (نسخ حكم أصل القياس هل يبقي حكم الفرع المقيس عليه؟ »: "قالوا: ولأن الفرع لما ثبت فيه الحكم صار أصلاً، فيجب ألا يزول الحكم فيه بزواله في غيره. قلنا: لا نسلم أنه صار أصلاً بذلك؛ وإنما هو تابع لغيره ثبت الحكم فيه لأجله، فإذا سقط حكم المتبوع سقط حكم التابع" (٢). • المثال الثاني: قال السمعاني في مسألة (نسخ حكم أصل القياس هل يبقي حكم الفرع المقيس عليه؟ ): "وأما الحكم الذي ثبت بالقياس؛ فنسخ أصله يوجب نسخه في قول الشافعي وجمهور الفقهاء (٣). وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يكون حكم القياس بعد نسخ أصله ثابتًا في فروعه (٤). وهذا لا يصح؛ لأن زوال المُوجِب يقتضي زوال المُوجَب، ولأنه ما ثبت تابعًا لغيره يزول بزواله؛ لأن المتبوع أصل والتابع فرع، ولا يصح بقاء الفرع مع زوال

стр. 645

أصله؛ لأنه إذا بقي لا يكون فرعًا" (١). • المثال الثالث: قال البيضاوي في مسألة (نسخ الأصل والفحوى): "الرابعة: نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى، وبالعكس؛ لأن نفي اللازم يستلزم نفي ملزومه، والفحوى يكون ناسخًا" (٢). واستدرك عليه الإسنوي فقال: "وجزم المصنف بالأمرين (٣)، واستدل على الثاني -وهو: أن نسخ الفحوى يستلزم نسخ الأصل- بأن الفحوى لازم للأصل، ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم. وأما الأول فلم يستدل عليه، وقد استدل عليه الإمام (٤) بأن الفحوى تابع للأصل، ورفع المتبوع مستلزم لرفع التابع" (٥). • أمثلة الاستدراك بـ (الفقه): • المثال الأول: ذكر القاضي أبو يعلى في مسألة (دلالة أفعال النبي ﷺ ) أنه إذا كان فعله ﷺ ابتداءً من غير سبب مستند إليه ففيه ثلاثة مذاهب: منهم من قال: هي على الوجوب، واختار القاضي هذا المذهب.

стр. 646

ومنهم من قال: هي على الندب. ومنهم من قال: على الوقف. ثم ذكر دليل القائلين بأنه على الوجوب؛ وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١)﴾ [الأعراف: ١٥٨]، فأمر باتباعه، والأمر للوجوب. (٢) ثم ذكر استدراكًا مقدرًا من الخصم - القائل بعدم حمله على الوجوب-: "فإن قيل: الاتباع هو: أن يفعل ذلك على وجه الذي فعله النبي ﷺ ، فإذا لم يعلم الوجه الذي أوقع الفعل عليه من وجوب أو ندب أو إباحة؛ لم نكن متبعين له. قيل: الاتباع يكون في الفعل وإن اختلف قصد التابع والمتبوع؛ كالمتنفل يأتم بالمفترض فيتبعه في صلاته وإن اختلفا في القصد والاعتقاد ... " (٣). • المثال الثاني: استدرك القاضي أبو يعلى على الحنفية (٤) في مسألة (القياس في الحدود والكفارات والمقدرات والأبدال) على دليلهم: "أن مقادير العقوبات على الأجرام بحسب ما يحصل بها من كفران النعمة، ومعلوم أن مقادير نعم الله تعالى على عباده لا يعلمها إلا الله تعالى، وكان الحد عقوبة مستحقة على الفعل، ولم يكن لنا سبيل إلى معرفة مقدار العقوبة على ذلك الفعل إلا من جهة التوقيف، لم يجز له إثبات الحد بالقياس. الجواب: ... وعلى أنهم قد أثبتوا الحد بالقياس، وكذلك الكفارات، فقالوا: تجب

стр. 647

الكفارة على المفطر بالأكل والشرب قياسًا على المجامع (١). وقالوا: الحد يجب على الرِّدء (٢) في المحاربة قياسًا على المباشر على قتال المشركين (٣) " (٤). • بيان الاستدراك: استدرك القاضي أبو يعلى على الحنفية في منعهم القياس في الحدود والكفارات بفروع فقهية من مذهبهم، وهذا نقض لهم، فقالوا بإيجاب الكفارة على المفطر في نهار رمضان بالأكل والشرب قياسًا على المفطر في نهار رمضان بالجماع. وقالوا بالقياس في الحدود، حيث أوجبوا الحد على الردء في المحاربة قياسًا على الردء في قتال المشركين، فإن الردء في قتال المشركين يستحق الغنيمة، مثله مثل المباشر لقتال المشركين. • الاستدراك بـ (اللغة العربية) ، ومن ذلك: • الاستدراك بما في معاجم اللغة: • المثال الأول: قال الطوفي في: (تعريف النسخ في اللغة): "اختلف في النسخ في أي المعنيين هو حقيقة، هل هو حقيقة في الرفع والإزالة، أو في النقل وما يشبهه؟ وفيه ثلاثة أقوال:

стр. 648

أحدها: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، وهو قول القاضي أبي بكر (١) والغزالي (٢) وغيرهما. والثاني: أنه حقيقة في الرفع والإزالة، مجاز في النقل، وهو قول أبي الحسين البصري (٣) وغيره. والثالث: عكس هذا؛ وهو أنه حقيقة في النقل، مجاز في الإزالة، وهو اختيار القفال. ذكر هذه الأقوال وأصحابها الآمدي (٤). قوله: (والأظهر أنه في الرفع) أي: الأظهر من هذه الأقوال أن النسخ حقيقة في الرفع، مجاز في النقل ... والأول أظهر على ما في المختصر (٥)، ووجهه: أن الرفع أخص من النقل؛ فيكون أولى بحقيقة النسخ" (٦). ثم بعد أن ذكر المختار في المختصر استدرك عليه باختياره فقال: " ... فإذا عرفت ما على المختار في المختصر من التوجيه والاعتراض؛ فالتحقيق هاهنا أن يقال: الإزالة والنقل إما أن يكونا متساويين في العموم والخصوص؛ فلا إشكال؛ لأنهما حينئذ مترادفان؛ فيصح أن يقال: النسخ: الإزالة، والنسخ: النقل. أو يكونا متفاوتين في العموم والخصوص؛ فتكون الإزالة أولى بحقيقة النسخ من النقل؛ لأنه أوفق لكلام أهل اللغة؛ إذ كان ترجيحًا بالحقيقة من حيث عموم اللفظ وخصوصه، وقد وقع فيه

стр. 649

التعارض -كما بيناه آنفا-؛ فيرجع إلى الترجيح اللغوي، وهو موافق لما ذكرناه من أن النسخ حقيقة في الإزالة. قال الجوهري: نسخت الشمس الظل وانتسخته: أزالته، ونسخت الريح آثار الديار: غيرتها، ونسخت الكتاب وانتسخته واستنسخته: كله بمعنى، ونسخ الآية بالآية: إزالة مثل حكمها؛ فالثانية ناسخة، والأولى منسوخة، والتناسخ في الميراث: أن يموت ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم. هذا الذي ذكره في هذه المادة، وقد صرح فيه بلفظ الإزالة (١). قلت: وإن جعل النسخ حقيقة في القدر المشترك بين الرفع والإزالة والنقل وما يشبهه - وهو التغيير-؛ كان أولى. وقد صرح الجوهري بلفظ (التغيير) فيما ذكرناه" (٢). • المثال الثاني: قال البيضاوي في مسألة (ضابط خبر التواتر وشروطه): " ... ثم إن أخبروا عن عَيان فذاك؛ وإلا فيشترط ذلك في كل الطبقات" (٣). فشرح الإسنوي المراد ثم استدرك عليه بما ذكره الجوهري فقال: "يعني أن الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب إن أخبروا عن عيان (أي: مشاهدة) فلا كلام، وإن نقلوا عن غيرهم؛ فيشترط حصول هذا العدد أيضًا في كل الطبقات، وهو معنى قولهم: (لابد من استواء الطرفين والواسطة). وتعبير المصنف بالعيان غير وافٍ بالمراد؛ فإن العِيان بكسر العين هو: الرؤية، كما

стр. 650

قاله الجوهري (١)، والخبر قد لا يكون مستندًا إليها" (٢). • الاستدراك بعلم (الصرف (٣)): قال البيضاوي في تعريف أصول الفقه: "معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد". فاستدرك عليه عدد من علماء الأصول (٤) التعبير (بدلائل) فقالوا: صوابه: أدلة، واستشهدوا بقول ابن مالك (٥) في شرح الكافية الشافية (٦): "لم يأت (فعائل) جمعًا لاسم جنس على وزن (فعيل) - فيما أعلم -؛ لكنه بمقتضى القياس جائز في العلم

стр. 651

المؤنث، كـ (سعائد) جمع سعيدة اسم امرأة" (١). • الاستدراك بعلم (النحو): ذكر الإسنوي اعتراض الخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] على أن صيغة (افعل) حقيقة في الوجوب، مستخدمًا في ذلك مادة النحو فقال: " ... لا نُسَلِّم أن الآية تدل على أنه تعالى أمر المخالفين بالحذر؛ بل على أنه تعالى أمر بالحذر عن المخالفين؛ فيكون فاعل قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ ضميرًا، و ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ﴾ مفعولاً به. وذكر الإسنوي جواب هذا الاستدراك بمادة النحو أيضًا، ثم تتابعت الاستدراكات من الفريقين بهذه المادة، فقال: "وجوابه من وجهين: أحدهما - ولم يذكره في المحصول-: أن الإضمار على خلاف الأصل. الثاني: أنه لا بد للضمير من اسم ظاهر يرجع إليه، وهو هنا مفقود. فإن قيل: يعود على ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ [النور: ٦٣]. قلنا: ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ هم المخالفون؛ لأن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد، واستماع الخطبة، فكانوا يلوذون بمن يستأذن للخروج، فإذا أذن له انسلوا معه، فنزلت هذه الآية (٢). وقيل: نزلت في المتسللين عن حفر الخندق. وإذا كان كذلك فلو أَمَرَ المتسللين بالحذر عن الذين يخالفون؛ لكانوا قد أُمروا بالحذر عن أنفسهم.

стр. 652

سلمنا هذا؛ لكن يلزم منه أن يصير التقدير: (فليحذر يتسللون منكم لواذًا الذين يخالفون)، وحينئذ فيكون لفظ (الحذر) قد استوفى فاعله ومفعوله، وليس هو مما يتعدى إلى مفعولين، فيصير قوله تعالى: ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ ضائعًا ليس له تعلُّق بما قبله ولا بما بعده (١). فإن قيل: يكون مفعولا لأجله، فإن الحذر لأجل إصابة ذلك. قلنا: أجاب بعضهم بأنه لو كان كذلك لوجب الإتيان باللام؛ لأنه غير مُتَّحِد به في الفاعل؛ لأن الحذر هو فعل المتسللين، والإصابة فعل الفتنة، أو فعل الله تعالى. وهذا الجواب مردود؛ فإن القاعدة النحوية: أنه لا يجب الإتيان بالجار إذا كان المجرور (أنَّ) أو (أنْ)؛ نحو: عجبت من أنك قائم، وعجبت من أن تقوم، فيجوز حذف (من) في الموضعين؛ بل الجواب: أنه لو كان مفعولاً لأجله لكان مجامعًا للحذر؛ لأن الفعل يجب أن يجامع علته (٢)، واجتماعها مستحيل (٣) ... " (٤).

стр. 653

• الاستدراك بكلام العرب: وهذا كثير جدًّا في كتب الأصول؛ ونذكر منه: • المثال الأول: ذكر الشيرازي في (باب القول في الحقيقة والمجاز) من بين أدلة القائلين بعدم وقوع المجاز في القرآن: "واحتجوا بأن المجاز إنما يصار إليه عند الضرورة، ويستعمل في الكلام لمكان الحاجة، وخطاب الله منزَّه عن مثل ذلك؛ فإن الله تعالى لا يوصف بالضرورة والحاجة في شيء من ذلك في الأمور، فلم يكن في كلامه مجاز. والجواب: لا نسلم أن استعمال المجاز موقوف على الضرورة؛ بل ذلك لعلة مستعملة مستحسنة في كلام العرب، غير موقوف على الحاجة، ولعلهم يستعملون المجاز أكثر من استعمالهم الحقيقة، أو نظيره، والقرآن نزل بلغتهم وعلى عادتهم، ومن عادتهم: استعمال المجاز مع القدرة على الحقيقة" (١). • المثال الثاني: قال ابن رشد: "مسألة: ليس للاسم المشترك عموم ولجميع ما يقال عليه، وإن كان قد يرى ذلك بعضهم؛ مثل من حمل قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣/المائدة: ٦]، على الأمرين جميعًا -أعني النكاح واللمس بالجارحة التي هي اليد-. وهذا يتبين خلافه باستقراء كلام العرب؛ فإنهم ليس يطلقون في مخاطبتهم اسم (العين) مثلاً ويريدون به أن يفهم السامع عنهم جميع المعاني التي يقال عليها اسم (العين) " (٢). • الاستدراك بعلم (التاريخ): قال البيضاوي في مسألة (هل يجوز تفويض الحكم إلى النبي ﷺ أو إلى العالم؟ ):

стр. 654

"وجزم به موسى بن عمران (١) لقوله ﵇ بعد ما أنشدت ابنة النضر بن الحارث: (لو سمعت ما قتلت) " (٢). قال الإسنوي: "استدل موسى بن عمران على الوقوع بأمرين: أحدهما: قضية النضر بن الحارث (٣)؛ وهي على ما حكاه ابن هشام (٤) في السيرة أن النبي ﷺ حين فرغ من بدر الكبرى توجه إلى المدينة ومعه الأسارى، فلما كان بالصفراء (٥) أمر عليًا

стр. 655

فقتل النضر بن الحارث, ثم أنشد بعد ذلك ما قيل في القتلى، فقال: وقالت قتيلة بنت الحارث (١) أخت النضر بن الحارث: ... قال ابن هشام: فيقال - والله أعلم - إن رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشعر قال: «لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه» (٢). هذا آخر كلام ابن هشام (٣) ... والمصنف ﵀ لم يذكر الشعر، وذكر أن الذي أنشدته هي بنت النضر، وكذلك ذكر الإمام (٤)، والآمدي (٥)، وأتباعهما (٦).

стр. 656

وقد عرفت مما تقدم من كلام ابن هشام أنها أخته؛ لا ابنته. وصرحوا أيضًا بأنها أنشدته للنبي ﷺ ، وهو خلاف مقتضى كلام ابن هشام" (١).

стр. 657

• المبحث الثاني صيغ الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها . وفيه مطلبان: - المطلب الأول: صيغ الاستدراك الصريحة، وتطبيقاتها. - المطلب الثاني: صيغ الاستدراك غير الصريحة، وتطبيقاتها. * * ... * ** * ... * *

стр. 658

• المطلب الأول صيغ الاستدراك الصريحة، وتطبيقاتها صيغ الاستدراك الصريحة: ما دلت على الاستدراك بلفظها. بمعنى: أن المستدرك يستخدم ألفاظًا تدل بذاتها على الاستدراك. ونظرًا لكثرة هذه الصيغ اجتهدت في تصنيفها في مجموعات، وبلغ عددها ثماني مجموعات: • المجموعة الأولى: صيغة الاستدراك وأداتها (١) وما يُرادفها (٢)، وفيها أربع صيغ. • أولاً: صيغة (استدرك) . ذكر المرداوي في مسألة (التخصيص بالعقل): "وجعل أبو الخطاب مأخذ الخلاف في كون العقل مخصصًا أو لا التحسين والتقبيح العقليين (٣)، فإن صح ذلك كان هذا أيضًا من فائدة الخلاف؛ لكن استدركه عليه الأصفهاني (٤)

стр. 659

والنقشواني (١) بما فيه نظر" (٢). • ثانيًا: صيغة (تعقيب) قال المرداوي في فصل (مستند غير الصحابي): "قوله: (ثم قصد) أي الشيخ، (إسماعه وحده، أو) قصد إسماعه (مع غيره) ساغ له أن يقول: حدثنا، أو أخبرنا، وقال، وسمعت، وكذا يقول: أنبأنا، ونبأنا؛ ولكنه قليل عندهم؛ لأنه أشهر استعمالها في الإجازة، فيجوز في التحديث إذا قرأ الشيخ أن يقول: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت فلانًا يقول، وقال: لنا فلان، وذكر لنا فلان. وقد نقل القاضي عياض (٣) الإجماع في هذا كله (٤)؛ فلذا تعقب بعضهم على

стр. 660

ابن الصلاح (١) في قوله بعد أن حكى ذلك: إن فيه نظرًا، أو إنه ينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ أن يكون مخصوصًا بما سمع من غير لفظ الشيخ (٢). وجه التعقيب عليه: معارضته للإجماع، وأنه لا يجب على السامع أن يبين: هل كان السماع من لفظ الشيخ أو عرضًا؟ " (٣). • المثال الثاني: قال أمير حاج في مسألة (تقليد العوام لأعيان الصحابة): "تكملة: نقل الإمام في البرهان (٤) إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة؛ بل من بعدهم، أي بل قال: عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ووضعوا ودونوا؛ لأنهم أوضحوا طرق النظر، وهذبوا المسائل، وبينوها وجمعوها؛ بخلاف مجتهدي الصحابة فإنهم لم يعتنوا بتهذيب مسائل الاجتهاد، ولم يقرروا لأنفسهم أصولاً تفي بأحكام الحوادث كلها؛ وإلا فهم أعظم وأجل قدرًا، ... وحاصل هذا: أنه امتنع تقليد غير هؤلاء الأئمة؛ لتعذر نقل حقيقة مذهبهم، وعدم ثبوته حق الثبوت؛ لا لأنه

стр. 661

لا يقلد، ومن ثمة قال الشيخ عز الدين بن عبدالسلام (١): (لا خلاف بين الفريقين في الحقيقة؛ بل إن تحقق ثبوت مذهب عن واحد منهم جاز تقليده وفاقًا؛ وإلا فلا). وقال أيضًا: (إذا صح عن بعض الصحابة مذهب في حكم من الأحكام؛ لم يجز مخالفته إلا بدليل أوضح من دليله هذا) (٢). وقد تعقب بعضهم أصل الوجه لهذا: بأنه لا يلزم من سير هؤلاء كما ذكر وجوب تقليدهم؛ لأن من بعدهم جمع وسبر كذلك إن لم يكن أكثر ولا يلزم وجوب اتباعهم؛ بل الظاهر في تعليله في العوام أنهم لو كلفوا تقليد الصحابي لكان فيه من المشقة عليهم من تعطيل معايشهم، وغير ذلك ما لا يخفى .... " (٣). • المثال الثالث: قال أمير بادشاه في مسألة (جواز تكليف المجتهد عقلاً بطلب المناط ليحكم في محاله): "ثم بعد جوازه - أي: تكليف المجتهد بطلب المناط- وقع التكليف به سمعًا. قيل: ثبت وقوعه ظنًّا، وهذا القول لأبي الحسين (٤)، ... وقيل: وقع قطعًا، وهو قول الأكثر؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]؛ فإن الاعتبار: رد الشيء إلى نظيره بأن يحكم عليه بحكمه، وكذا سمى الأصل الذي ترد إليه النظائر عبرة،

стр. 662

وهذا يشمل الاتعاظ، والقياس العقلي والشرعي، وسياق الآية للاتعاظ، فتدل عليه عبارة، وعلى القياس إشارة ... وأما ظهور كونه - أي: الاعتبار- في الاتعاظ بالنظر إلى خصوص السبب؛ لنزول الآية المشار إليها بقوله، ولبعد أن يراد بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ بعد قوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقيسوا الذرة بالبر، كما هو لازم الاستدلال لعدم المناسبة، فلا يحمل كلامه تعالى عليه. والجواب عنه ما أفاده بقوله: (فالعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب)، فانتفى الأول (وهو ظهور كونه للاتعاظ)، وبه (أي: بأن العبرة لعمومه) انتفى الثاني أيضًا؛ إذ المرتب على السبب المذكور الاعتبار الأعم منه (أي: من قياس الذرة على البر) أي: فاعتبروا الشيء بنظيره في مناطه، الظرف متعلق بنظيره؛ لما فيه من معنى الفعل في المثلات (أي: العقوبات - جمع مثلة بفتح الثاء وضمها متعلق بالاعتبار -) وغيرها. وهذا الطريق في إثبات التكليف بالقياس أيسر من إثباته (أي: التكليف به دلالة) كما ذهب إليه صدر الشريعة (١)؛ لأن فهم الأمر بالقياس من الأمر بالاعتبار بطريق اللغة من غير اجتهاد؛ لئلا يلزم إثبات القياس بالقياس بعيد جدًّا؛ فإن من المعلوم أنه لا يفهم كل من يعرف اللغة ذلك كما أفاده بقوله: (إذ لا يُفْهم فَهْمَ اللغة) نصب على المصدرية؛ فإن المنفي إنما هو هذا النوع من الفهم لا مطلقه، (الأمر بالقياس) قائم مقام فاعل يفهم، (في الأحكام) متعلق بالقياس من الأمر بالاتعاظ. والشارح تعقب المصنف (٢) في هذا فليرجع إليه.

стр. 663

وظني أن ما ذكره (١) غير متجه" (٢). • ثالثًا: صيغة (تتبع): • المثال الأول: قال الجويني في مسألة (حجية القياس): "إذا قلنا: إن سبيل الأقيسة السمعية سبيل الأمارات التي تنصب؛ فلسنا نقول ذلك من تلقاء أنفسنا؛ ولكن كل صورة دلت الدلالة القطعية على نصب وصف من الأوصاف فيها علماً على حكم، فنقدره علماً، وكل صورة قامت فيها دلالة قطعية سمعية على منع العلل وامتناع نصب الأمارات؛ فلا نقدرها، ولا نتمسك بها.

стр. 664

والجملة في ذلك الأقيسة السمعية لا تدل لأعيانها عقلاً؛ وإنما تدل بأن تنصب أدلة مواضعة وتوقيفاً. فإن عادوا (١) بعد ذلك وقالوا: فما الدليل على انتصابها أمارات حيث تطردونها. قلنا: سنذكر ذلك بعد فراغنا عن تتبع شبهكم بما ينقضها ويبطلها - إن شاء الله تعالى-" (٢). • المثال الثاني: قال الجويني: "ذهب النهرواني والقاشاني إلى أن المقبول من مسالك النظر في مواقع الظنون شيئان: أحدهما: ما دل كلام الشارع على التعليل به، ولهذا صيغ؛ منها ... والأمر الثاني: إلحاق ما يكون في معنى المنصوص عليه بالمنصوص عليه، ... وما عدا هذين من سبل النظر فهو مردود عند هؤلاء .... ثم تتبع المحققون كلامهم فيما وافقوا فيه، وأبدوا لهم صفحة الخلاف، وطالبوهم بتثبيت ما أقروا به ... " (٣). • المثال الثالث: قال السمعاني في مسألة (إثبات الكفارات والحدود بالقياس): "ومنع أبو الحسن الكرخى (٤) أيضًا أن يعلل ما رخص فيه لنوع مساهلة؛ كأجرة الحمام، وقطعة الشارب، والاستصناع فيما جرت به العادة مثل الخفاف والأواني وغير ذلك.

стр. 665

وقد تتبع الشافعى -رحمة الله عليه- مذاهبهم، وأبان أنهم لم يفوا بشيء مما ذكروه، ونورد كلام الشافعي ﵁ على وجهه ... " (١). • رابعًا: صيغة (لكن): (لكن) حرف استدراك (٢)، وكثيرًا ما يؤتى بهذه الصيغة بعد لفظ (سلمنا) في مناقشة الخصوم: (سلمنا ... ولكن ... ). وأضرب لذلك مثلاً، ثم أذكر أمثلة لاستعمال هذه الصيغة بغير هذا الأسلوب (٣). • مثال لصيغة (لكن) بعد لفظ (سلمنا): قال الرازي في مسألة (تخصيص العموم بمذهب الراوي): "الحقُّ: أنه لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي، وهو قول الشافعي ﵁؛ لأنه قال: إن كان الراوي حمل الخبر على أحد محمليه؛ صرت إلى قوله، وإن ترك الظاهر لم أصر إلى قوله. خلافًا لِعِيسَى بنِ أَبَانَ (٤) ... واحتج المخالف: بأن مخالفة الراوي إن كانت لا عن طريق؛ كان ذلك قادحًا في عدالته، فالقدح في عدالته قدح في متن الخبر. وإن كانت عن طريق فذلك الطريق إما محتمل، أو قاطع، ولو كان الدليل محتملاً

стр. 666

لذكره؛ إزالة للتهمة عن نفسه، والشبهة عن غيره، ولما بطل ذلك تعين القطع. والجواب: أن إظهاره لذلك الدليل المحتمل إنما يجب عليه مع من ناظره، فلعله لم تتفق تلك المناظرة. سلمنا أنه ذكره؛ لكن لعله لم ينقل، أو نقل لكنه لم يشتهر، والله أعلم" (١). أمثلة لصيغة (لكن): • المثال الأول: قال السمعاني في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة) في رده على الواقفية: "وأما الذي قالوا: إنَّ هذا اسم مشترك مثل سائر الأسماء المشتركة، ويقع البيان بهما عند إرادة أحد وجوههما. قلنا: نحن لا ننكر وجود الأسماء المشتركة في اللغة؛ ولكن ليس هذا من جملتها؛ لأنه لو كان يقول القائل لغيره: (افعل) حقيقة في أن يفعل، وحقيقة في التهديد الذي يقتضى في أن لا يفعل، أو غير ذلك مما ذكروه؛ لكان اقتضاؤه لكل واحد من هذين على سواء لا ترجيح لأحدهما على الآخر، ولو كان كذلك لما سبق إلى أفهامنا عند سماعها من دون قرينة أنَّ المتكلم بها يطلب الفعل ويدعو إليه. كما أنَّه لما كان اسم اللون مشتركًا بين البياض والسواد لم يسبق عند هذه اللفظة من دون قرينة السواد دون البياض. ومعلوم أنّا إذا سمعنا قائلاً يقول لغيره: (افعل)، وعلمنا تجرد هذا القول عن كل قرينة؛ فإنَّ الأسبق إلى أفهامنا أنه طلب للفعل. كما أنّا إذا سمعناه يقول: رأيت حمارًا؛ فإن الأسبق إلى أفهامنا الدابة المعروفة دون الأبله الذي يُشبَّه بها. وقد بطل بهذا الكلام دعواهم أنَّ الاسم مشترك، وإذا بطل الاشتراك لم يبق إلا

стр. 667

ما بينا من تعيين وجه واحد له وهو طلب الفعل" (١). • المثال الثاني: قال الغزالي في (ما يعلم كذبه من الأخبار): "القسم الثاني من الأخبار: ما يعلم كذبه، وهي أربعة ... الرابع: ما سكت الجمع الكثير عن نقله، والتحدث به، مع جريان الواقعة بمشهد منهم، ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره؛ لتوفر الدواعي على نقله .... وبمثل هذه الطريقة عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن، ونص الرسول على نبي آخر بعده، وأنه أعقب جماعة من الأولاد الذكور، ونصه على إمام بعينه على ملأ من الناس، وفرضه صوم شوال وصلاة الضحى، وأمثال ذلك مما إذا كان أحالت العادة كتمانه. فإن قيل: فقد تفرد الآحاد بنقل ما تتوفر الدواعي عليه حتى وقع الخلاف فيه؛ كإفراده ﷺ الحج أو قرانه (٢) ... ونقلت الأمة سور القرآن، ولم تنقل المعوذتين نقل غيرهما؛ حتى خالف ابن مسعود ﵁ في كونهما من القرآن (٣)، وما تعم به البلوى من اللمس والمس أيضًا، فكل هذا نقض على هذه القاعدة.

стр. 668

والجواب: ... وأما المعوذتان فقد ثبت نقلهما شائعًا من القرآن كسائر السور، وابن مسعود ﵁ لم ينكر كونهما من القرآن؛ لكن أنكر إثباتهما في المصحف" (١). • المثال الثالث: قال الطوفي في مسألة (هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ ): "قوله (٢): (والتكليف بالمناهي يستدعي نية الترك تقربًا ولا نية لكافر). هذا تقرير لضعف مذهب القائلين: بأن الكفار مكلفون بمناهي الشرع الفرعية كترك المحظورات، دون مأموراته كفعل الواجبات، ووجه الفرق على قولهم: هو أن مقصود الأوامر الشرعية التقرب إلى الله بإيجادها، وما يترتب عليها من مصلحة عاجلة؛ كإغناء الفقراء بالزكاة ونحوه. والتقرب إلى الله لا يصح إلا بعد تصديق المخبر عنه، وذلك هو الإيمان. فمقصود الأوامر لا يتصور من الكافر قبل الإيمان، بخلاف المناهي فإن مقصودها إعدام مفسدتها المترتبة عليها، كمفسدة القتل والزنى والظلم والبغي ونحو ذلك، وترك هذه المفسدة وبراءة تاركها من عهدتها لا يتوقف على تصديق ولا إيمان، والمؤمن والكافر فيه سيان. وتقرير الجواب: أن نقول: قولكم: التقرب بالمأمورات لا يصح إلا بعد التصديق والإيمان، قلنا: نعم، وكذلك نقول؛ لكن ليس كلامنا في الصحة؛ إنما هو في التكليف بها حال الكفر، بشرط تقدم الإسلام على فعلها، وقد سبق دليل ذلك وفوائده" (٣).

стр. 669

• المجموعة الثانية: صيغ العنونة والتصدير؛ وفيها ست صيغ . هذه المجموعة لا تكون للاستدراك على الإطلاق؛ بل إذا كان يقصد بها التنبيه على أمر سابق يشعر بالمخالفة. • أولاً: التصدير بـ (اعلم (١)): • المثال الأول: قال السمعاني في مسألة (هل يجوز تفويض الحكم إلى النبي ﷺ أو إلى العالم؟ ): واعلم أن هذه المسألة أوردها متكلمو الأصوليين وليست بمعروفة بين الفقهاء، وليس فيها كثير فائدة؛ لأن هذا فى غير الأنبياء لم يوجد، ولا يوجد توهمه في المستقبل، فأما في حق النبي ﷺ فقد وجد فقلنا على ما وجد، وهذا القدر كاف في هذه المسألة، والله أعلم" (٢). • المثال الثاني: قال الغزالي في مسألة (خلاف التابعي في زمان الصحابة هل يعتد به في انعقاد الإجماع؟ ): "واعلم أن هذه المسألة يتصور الخلاف فيها مع من يوافق على أن إجماع الصحابة يندفع بمخالفة واحد من الصحابة، أما من ذهب إلى أنه لا يندفع خلاف الأكثر بالأقل كيفما كان؛ فلا يختص كلامه بالتابعي" (٣).

стр. 670

• المثال الثالث: قال الطوفي في مسألة (المُعرَّب (١) في القرآن): "واعلم أن هذه المسألة من رياضيات هذا العلم؛ فهي - كما ذكرناه في مبدأ اللغات -، لا يترتب عليها كبير أمر في فقه اللغات" (٢). • ثانيًا: العنونة بـ (التنبيه) (٣): وقد سبق أمثلتها فلا حاجة لتكرارها. (٤) • ثالثًا: العنونة بـ (تتمة): قال الزركشي بعد أن ذكر مسألة (الشروع بخصلة هل يعيّنها؟ ): "تتِمَّة: وجوب الأشياء على المكلف قد يكون على التَّخيِير، وقد يكون على التَّرتِيب ... " (٥). • رابعًا: العنونة بـ (تذنيب (٦)): • المثال الأول: قال التاج الأرموي في (ترجيح الأخبار): "القول في الترجيح بالحكم هو من خمسة أوجه:
следующие страницы →