← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 133372

الاستدراك الأصولي دراسة تأصيلية تطبيقية

إيمان بنت سالم قبوس

Полный текст (900 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

لذكره؛ إزالة للتهمة عن نفسه، والشبهة عن غيره، ولما بطل ذلك تعين القطع. والجواب: أن إظهاره لذلك الدليل المحتمل إنما يجب عليه مع من ناظره، فلعله لم تتفق تلك المناظرة. سلمنا أنه ذكره؛ لكن لعله لم ينقل، أو نقل لكنه لم يشتهر، والله أعلم" (١). أمثلة لصيغة (لكن): • المثال الأول: قال السمعاني في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة) في رده على الواقفية: "وأما الذي قالوا: إنَّ هذا اسم مشترك مثل سائر الأسماء المشتركة، ويقع البيان بهما عند إرادة أحد وجوههما. قلنا: نحن لا ننكر وجود الأسماء المشتركة في اللغة؛ ولكن ليس هذا من جملتها؛ لأنه لو كان يقول القائل لغيره: (افعل) حقيقة في أن يفعل، وحقيقة في التهديد الذي يقتضى في أن لا يفعل، أو غير ذلك مما ذكروه؛ لكان اقتضاؤه لكل واحد من هذين على سواء لا ترجيح لأحدهما على الآخر، ولو كان كذلك لما سبق إلى أفهامنا عند سماعها من دون قرينة أنَّ المتكلم بها يطلب الفعل ويدعو إليه. كما أنَّه لما كان اسم اللون مشتركًا بين البياض والسواد لم يسبق عند هذه اللفظة من دون قرينة السواد دون البياض. ومعلوم أنّا إذا سمعنا قائلاً يقول لغيره: (افعل)، وعلمنا تجرد هذا القول عن كل قرينة؛ فإنَّ الأسبق إلى أفهامنا أنه طلب للفعل. كما أنّا إذا سمعناه يقول: رأيت حمارًا؛ فإن الأسبق إلى أفهامنا الدابة المعروفة دون الأبله الذي يُشبَّه بها. وقد بطل بهذا الكلام دعواهم أنَّ الاسم مشترك، وإذا بطل الاشتراك لم يبق إلا

стр. 667

ما بينا من تعيين وجه واحد له وهو طلب الفعل" (١). • المثال الثاني: قال الغزالي في (ما يعلم كذبه من الأخبار): "القسم الثاني من الأخبار: ما يعلم كذبه، وهي أربعة ... الرابع: ما سكت الجمع الكثير عن نقله، والتحدث به، مع جريان الواقعة بمشهد منهم، ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره؛ لتوفر الدواعي على نقله .... وبمثل هذه الطريقة عرفنا كذب من ادعى معارضة القرآن، ونص الرسول على نبي آخر بعده، وأنه أعقب جماعة من الأولاد الذكور، ونصه على إمام بعينه على ملأ من الناس، وفرضه صوم شوال وصلاة الضحى، وأمثال ذلك مما إذا كان أحالت العادة كتمانه. فإن قيل: فقد تفرد الآحاد بنقل ما تتوفر الدواعي عليه حتى وقع الخلاف فيه؛ كإفراده ﷺ الحج أو قرانه (٢) ... ونقلت الأمة سور القرآن، ولم تنقل المعوذتين نقل غيرهما؛ حتى خالف ابن مسعود ﵁ في كونهما من القرآن (٣)، وما تعم به البلوى من اللمس والمس أيضًا، فكل هذا نقض على هذه القاعدة.

стр. 668

والجواب: ... وأما المعوذتان فقد ثبت نقلهما شائعًا من القرآن كسائر السور، وابن مسعود ﵁ لم ينكر كونهما من القرآن؛ لكن أنكر إثباتهما في المصحف" (١). • المثال الثالث: قال الطوفي في مسألة (هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ ): "قوله (٢): (والتكليف بالمناهي يستدعي نية الترك تقربًا ولا نية لكافر). هذا تقرير لضعف مذهب القائلين: بأن الكفار مكلفون بمناهي الشرع الفرعية كترك المحظورات، دون مأموراته كفعل الواجبات، ووجه الفرق على قولهم: هو أن مقصود الأوامر الشرعية التقرب إلى الله بإيجادها، وما يترتب عليها من مصلحة عاجلة؛ كإغناء الفقراء بالزكاة ونحوه. والتقرب إلى الله لا يصح إلا بعد تصديق المخبر عنه، وذلك هو الإيمان. فمقصود الأوامر لا يتصور من الكافر قبل الإيمان، بخلاف المناهي فإن مقصودها إعدام مفسدتها المترتبة عليها، كمفسدة القتل والزنى والظلم والبغي ونحو ذلك، وترك هذه المفسدة وبراءة تاركها من عهدتها لا يتوقف على تصديق ولا إيمان، والمؤمن والكافر فيه سيان. وتقرير الجواب: أن نقول: قولكم: التقرب بالمأمورات لا يصح إلا بعد التصديق والإيمان، قلنا: نعم، وكذلك نقول؛ لكن ليس كلامنا في الصحة؛ إنما هو في التكليف بها حال الكفر، بشرط تقدم الإسلام على فعلها، وقد سبق دليل ذلك وفوائده" (٣).

стр. 669

• المجموعة الثانية: صيغ العنونة والتصدير؛ وفيها ست صيغ . هذه المجموعة لا تكون للاستدراك على الإطلاق؛ بل إذا كان يقصد بها التنبيه على أمر سابق يشعر بالمخالفة. • أولاً: التصدير بـ (اعلم (١)): • المثال الأول: قال السمعاني في مسألة (هل يجوز تفويض الحكم إلى النبي ﷺ أو إلى العالم؟ ): واعلم أن هذه المسألة أوردها متكلمو الأصوليين وليست بمعروفة بين الفقهاء، وليس فيها كثير فائدة؛ لأن هذا فى غير الأنبياء لم يوجد، ولا يوجد توهمه في المستقبل، فأما في حق النبي ﷺ فقد وجد فقلنا على ما وجد، وهذا القدر كاف في هذه المسألة، والله أعلم" (٢). • المثال الثاني: قال الغزالي في مسألة (خلاف التابعي في زمان الصحابة هل يعتد به في انعقاد الإجماع؟ ): "واعلم أن هذه المسألة يتصور الخلاف فيها مع من يوافق على أن إجماع الصحابة يندفع بمخالفة واحد من الصحابة، أما من ذهب إلى أنه لا يندفع خلاف الأكثر بالأقل كيفما كان؛ فلا يختص كلامه بالتابعي" (٣).

стр. 670

• المثال الثالث: قال الطوفي في مسألة (المُعرَّب (١) في القرآن): "واعلم أن هذه المسألة من رياضيات هذا العلم؛ فهي - كما ذكرناه في مبدأ اللغات -، لا يترتب عليها كبير أمر في فقه اللغات" (٢). • ثانيًا: العنونة بـ (التنبيه) (٣): وقد سبق أمثلتها فلا حاجة لتكرارها. (٤) • ثالثًا: العنونة بـ (تتمة): قال الزركشي بعد أن ذكر مسألة (الشروع بخصلة هل يعيّنها؟ ): "تتِمَّة: وجوب الأشياء على المكلف قد يكون على التَّخيِير، وقد يكون على التَّرتِيب ... " (٥). • رابعًا: العنونة بـ (تذنيب (٦)): • المثال الأول: قال التاج الأرموي في (ترجيح الأخبار): "القول في الترجيح بالحكم هو من خمسة أوجه:

стр. 671

المبقي لحكم الأصل (١)، متأخر الورود عن الناقل له (٢)، خلافًا للجمهور (٣) ". ذكر بعد هذا الوجه تذنيبًا فقال: "تذنيب: العاملون بالنقل (٤) لا يجعلون ذلك من باب الترجيح، قالوا: لأن الناقل (٥) ناسخ، وأعمال الناسخ لا يكون ترجيحًا له على المنسوخ. جوابه: ليس بيقين تأخر النقل عن المقرر ليكون ناسخًا؛ بل ذلك عندهم هو الأولى، وذلك ترجيح" (٦). • المثال الثاني: قال البيضاوي بعد أن ذكر مسألة (الواجب المعين والمخير): "تذنيب: الحكم قد يتعين على الترتيب فيحرم الجمع؛ كأكل المُذكَّى والميتة، أو يباح كالوضوء والتيمم، أو يسن ككفارة الصوم" (٧). قال السبكي الكبير: "التذنيب: من قولهم ذنَّب الرَّجلُ عمامتَه إذا أفضل منها

стр. 672

شيئًا فأرخاه كالذَّنَبِ، وذنَّبَت البُسْرة (١): بدأ فيها الإرطاب (٢) مِن قِبَل ذَنَبِها (٣). فالتذنيب هنا معناه: تتمة للمسألة وليس فرعًا منها؛ لأنها في المخيَّر، وهو في المرتَّب؛ ولكن التخيير والترتيب اشتركا في أنَّ كلاًّ منهما حُكمٌ يتعلق بأمور؛ فإباحة الميتة مرتبة على إباحة المُذكَّى، ويحرم الجمع بينهما؛ لعدم الاضطرار المبيح للميتة، ووجوب التيمم وإباحته مرتب على الوضوء؛ لاختصاصه بحالة العجز" (٤). • المثال الثالث: قال البيضاوي بعد أن ذكر مسألة (عود ضمير خاص لا يخصص) وهي آخر مسألة في باب العموم والخصوص: "تذنيب: المطلق والمقيد إن اتحد سببهما حُمل المطلق عليه، عملاً بالدليلين؛ وإلا فإن اقتضى القياس تقييده قيد؛ وإلا فلا" (٥). قال الإسنوي: "لما كان المطلق عامًّا بدلياً، والمقيد أخص منه؛ كان تعارضهما من باب تعارض العام والخاص؛ فلذلك ذكره في بابه، وترجم له بالتذنيب" (٦). • خامسًا: العنونة بالتكميل وتكملة: • المثال الأول: قال ابن جُزي بعد أن ذكر تنقيح المناط: "تكميل: يقول الفقهاء: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط.

стр. 673

فأما تنقيح المناط فقد بيناه، والمناط: هو العلة. وأما تخريج المناط: فهو تعيين العلة من أوصاف غير مذكورة؛ كقوله ﷺ : «لا تبيعوا الْبُرّ بالْبُرِّ مِثْلًا ... » (١)، فننظر هل العلة في ذلك الطعمية (٢)، أو الاقتيات (٣)، أو الكيل، أو الوزن (٤)، أو غير ذلك. وأما تحقيق المناط: فهو أن يتفق على تعيين العلة ويطلب أن تثبت في محل النزاع" (٥). • المثال الثاني: قال الطوفي بعد مسألة (النهي هل يقتضي الفساد؟ ): "تكملة لمسألة النهي: قال الآمدي: مذهب أكثر الفقهاء من الشافعية (٦) والحنفية (٧) والمالكية (٨) والحنابلة (٩) وأهل الظاهر (١٠) وجماعة من المتكلمين: أن النهي عن عين

стр. 674

التصرف المفيد لحكمه يدل على فساده؛ لكن من جهة اللغة أو الشرع اختلفوا فيه. ومذهب القفال والغزالي (١) وأبي عبدالله (٢) وأبي الحسين البصريين وأبي الحسن الكرخي والقاضي عبدالجبار (٣): أنه لا يدل على فساده. قال (٤): والمختار أنه لا يدل على فساده من جهة اللغة؛ بل من جهة المعنى" (٥). • المثال الثالث: قال ابن الهمام بعد مسألة (لا يرجع المقلد فيما قلد فيه): "تكملة: نقل الإمام (٦) إجماع المحققين على منع العوام من تقليد أعيان الصحابة؛ بل من بعدهم الذين سبروا ووضعوا ودونوا، وعلى هذا ما ذكر بعض المتأخرين (٧) منع تقليد غير الأربعة (٨)؛ لانضباط مذاهبهم، وتقييد مسائلهم، وتخصيص عمومها، ولم يدر مثله في

стр. 675

غيرهم الآن لانقراض أتباعهم (١)، وهو صحيح" (٢). • سادسًا: العنونة بـ (فائدة) (٣): وقد سبق أمثلتها فلا حاجة لتكرارها. (٤) • المجموعة الثالثة: صيغ أسباب الاستدراك، وفيها أربع صيغ . • أولاً: التعبير بـ (النسيان والسهو والذهول والهفوة): وقد سبق ذكر أمثلة للنسيان والسهو فلا داعي للتكرار (٥)، ونذكر أمثلة للتعبير بالذهول والهفوة. • أمثلة التعبير بـ (الذهول): • المثال الأول: قال الجويني في مسألة (التقليد في الفروع) بعد أن ذكر أقوال الأصوليين في المسألة: "ونحن نقدم على الخوض في الحجاج فصلاً ذهل عنه معظم المتكلمين في هذا الباب فنقول: لو رددنا إلى جائزات العقول؛ لكان أخذ العالم بقول عالم آخر من الجائزات -لو قامت به حجة سمعية-؛ وليس من المستحيلات، فكان يجوز أن يقول الرب تعالى: لكل عالم أن يأخذ بقول عالم مثله ويترك الاجتهاد. ثم لو ثبت ذلك لم يكن ذلك تقليدًا؛ بل يصير قول العالم المفتي علماً وأمارة في حق العالم المستفتى، ويكون متمسكاً بما نصبه الله تعالى حجة له.

стр. 676

ومعظم من خاض في هذا الفن بنى الأدلة بناء يدل على منع التقليد عقلاً" (١). • المثال الثاني: استدرك التفتازاني على صدر الشريعة المحبوبي قوله في بيان (الشرعية): " (فيدخل في حد الفقه حُسن كل فعل وقبحه عند نفاة كونهما عقليين): "اعلم أن عندنا وعند جمهور المعتزلة: حُسْنُ بعض الأفعال وقبحها يدركان عقلاً، وبعضها لا؛ بل يتوقف على خطاب الشارع. فالأول لا يكون من الفقه؛ بل هو علم الأخلاق، والثاني هو الفقه" (٢). فقال التفتازاني: "قوله: (فيدخل) يريد أن تعريف الفقه على رأي الأشاعرة شامل للعلم عن دليل بحسن الجود والتواضع (أي وجوبهما أو ندبهما)، وقبح البخل والتكبر (أي حرمتهما أو كراهتهما)، وما أشبه ذلك؛ لأنها أحكام لا تدرك لولا خطاب الشرع على رأيهم، مع أن العلم بها من علم الأخلاق؛ لا من علم الفقه. وأقول: إنما يلزم ذلك لو كانت هذه الأحكام عملية بالمعنى المذكور وهو ممنوع، كيف والأمور المذكورة أخلاق ملكات نفسانية جعل المصنف العلم بحسنها وقبحها من علم الأخلاق، وقد صرح فيما سبق بأنه يزاد عملاً على معرفة النفس ما لها وما عليها ليخرج علم الأخلاق، وبأن معرفة ما لها وما عليها من الوجدانيات- أي الأخلاق الباطنية والملكات النفسانية - علم الأخلاق، ومن العمليات علم الفقه، فكأنه نسي ما ذكره ثمة أو ذهل عن قيد العملية هاهنا" (٣). • بيان الاستدراك: استدرك التفتازاني على المحبوبي قوله: إن تعريف الفقه على مذهب

стр. 677

الأشاعرة القائلين بأن العقل لا مدخل له في الأحكام يستلزم منه دخول علم الأخلاق في حد الفقه، لأنها أحكام لا تدرك بالعقل عندهم؛ بل بخطاب الشرع. فاستدرك عليه التفتازاني: بأن هذا اللازم إنما يصح لو كان علم الأخلاق من الأحكام العملية، وليس كذلك. كما استدرك على المحبوبي نسيانه ما ذكره سابقًا في تعريف الفقه: معرفة النفس ما لها وما عليها (١). بزيادة قيد: ويزداد عملاً؛ ليخرج علم الأخلاق؛ حيث قال: "ثم ما لها وما عليها يتناول الاعتقادات؛ كوجوب الإيمان ونحوه، والوجدانيات (أي: الأخلاق الباطنة، والملكات النفسانية)، والعمليات؛ كالصلاة والصوم والبيع ونحوها، فمعرفة ما لها وما عليها من الاعتقاديات هي علم الكلام، ومعرفة مالها وما عليها من الوجدانيات هي علم الأخلاق والتصوف؛ كالزهد والصبر والرضا وحضور القلب في الصلاة ونحو ذلك, ومعرفة ما لها وما عليها من العمليات هي الفقه المصطلح. فإن أردت بالفقه هذا المصطلح زدت: (عملاٌ) على قوله: (مالها وما عليها)، وإن أردت ما يشمل الأقسام الثلاثة لم تزد" (٢). فالتفتازاني يقرر نسيان المحبوبي إما لقيد: "عملاً" في تعريف الفقه سابقًا، أو قيد "العملية" في هذه الأحكام - الجود والتواضع والبخل والتكبر -. • المثال الثالث: قال أمير حاج في مسألة (البيان يكون بالفعل كالقول): "فلو تعاقبا -أي القول والفعل الصالح كل منهما أن يكون بيانًا- وعلم المتقدم؛ فهو -أي المتقدم- البيان قولاً كان أو فعلاً؛ لحصوله به، والثاني تأكيد؛ وإلا إذا لم يعلم المتقدم فأحدهما من غير تعيين هو البيان .... فإن تعارضا، قالوا: كما لو طاف بعد آية الحج طوافين، وأمر بطواف واحد، وقد ورد كلاهما، فعن علي ﵁: «أَنَّه جَمَعَ بينَ الْحجِّ والْعُمْرَةِ؛ فَطَافَ طوَافَيْنِ،

стр. 678

وسَعَى سعْيَيْنِ»، وحدَّث أن رسول الله ﷺ فعل ذلك، رواه النسائي (١) بإسناد رواته موثقون. وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من أَحرَمَ بالْحَجِّ وَالْعمْرَةِ أَجزَأَهُ طوَافٌ وَاحدٌ وَسَعيٌ وَاحدٌ عنهما حتى يَحلَّ مِنْهمَا جميعًا» رواه الترمذي، وقال: "حسن صحيح غريب (٢) ". فالمختار وفاقا للإمام الرازي (٣) وأتباعه (٤) وابن الحاجب (٥): أن البيان هو

стр. 679

القول؛ لأنه يدل بنفسه والفعل لا يدل إلا بأحد أمور ثلاثة: أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده، أو أن يقول: هذا الفعل بيان للمجمل، أو بالدليل العقلي؛ وهو: أن يذكر المجمل وقت الحاجة إلى العمل به، ثم يفعل فعلاً صالحًا أن يكون بيانًا له، ولا يفعل شيئًا آخر، وما هو مستقل بنفسه في الدلالة أولى مما يحتاج فيها إلى غيره .... وقول أبي الحسين: البيان هو المتقدم منهما قولاً كان أو فعلاً (١) يستلزم لزوم النسخ للقول بلا ملزم لو كان المتقدم الفعل، فإن كان الفعل إذا كان طوافين فقد وجبا علينا، فإذا أمر بطواف واحد؛ فقد نسخ أحد الطوافين عنا، وهو باطل، وإنما استلزم النسخ بلا ملزم لإمكان الجمع بأن يكون القول هو البيان، بخلاف ما إذا كان المتقدم القول فإن حكم الفعل كما سبق (٢). قلت: وقد ذهل الإسنوي (٣) فجعل هذا بعينه تفريعًا على قول الإمام وموافقيه فتنبه له" (٤). • بيان الاستدراك: ذكر أمير حاج في هذه المسألة البيان بالفعل فقال: لو ورد بعد المجمل القول والفعل، وكان كلاهما صالحًا أن يكون بيانًا لذلك المجمل؛ فأيهما يرجح فيقدم؟ اجتماع الفعل مع القول في بيان المجمل له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يتوافقا في الدلالة على الحكم، ونعلم السابق منهما، ففي هذه الحالة المُبَيِّن هو السابق منهما؛ سواء كان القول أو الفعل؛ وذلك لأن البيان حصل به، ويكون الثاني منهما تأكيدًا للأول. الحالة الثانية: أن يتوافقا في الدلالة على الحكم، ونجهل السابق منهما، ففي هذه

стр. 680

الحالة نحكم على السابق من حيث الجملة أنه هو البيان، والثاني يكون تأكيدًا. الحالة الثالثة: أن يختلف القول والفعل في الدلالة على الحكم، وضرب له مثال آية الحج مجملة، فأيهما يكون البيان: قوله: «من أَحرَمَ بالْحَجِّ وَالْعمْرَةِ أَجزَأَهُ طوَافٌ وَاحدٌ وَسَعيٌ وَاحدٌ عنهما حتى يَحلَّ مِنْهمَا جميعا»، أو فعله ﷺ أنَّه قرن فطاف طوافين، وسعى سعيين؟ اختلف الأصوليون: فاختار الرازي وأتباعه وابن الحاجب: أن الراجح هو القول؛ سواء كان المتقدم أو المتأخر أو لم يعلم تاريخهما. وسبب ترجيحه للقول: أن القول يدل بنفسه، في حين أن الفعل لا يدل إلا بواسطة أحد أمور ثلاثة؛ وهي: ١ - أن يعلم ذلك بالضرورة من قصده ﷺ . ٢ - أن يقول ﷺ : هذا الفعل بيان للمُجمل. ٣ - بالدليل العقلي؛ بأن يذكر المُجمل وقت الحاجة إلى العمل به، فيفعل فعلاً يصلح أن يكون بيانًا للمُجمل. واختار أبو الحسين البصري: أن المتقدم هو المُبيِّن دائمًا؛ سواء كان المتقدم القول أو الفعل؛ وذلك لأن خطاب المجمل إذا تعقبه ما يجوز أن يكون بيانًا له كان بيانًا له؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان. فعلى قول أبي الحسين: إن تقدم الفعل على القول بعد المجمل، فكان فعله ﷺ الطوافين بعد آية الحج، ثم أمر بطواف واحد، فالطواف الثاني واجب، وهذا يستلزم أن القول نسخ بالفعل، فاستلزم وجود نسخ بلا ملزم له؛ لأنه بالإمكان الجمع بين القول والفعل؛ بأن يكون القول هو البيان، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما. أما إذا كان القول المتقدم؛ فيحمل طواف النبي ﷺ الثاني على كونه مندوبًا. وبعد أن ذكر أمير حاج ذلك استدرك على الإسنوي؛ حيث ذهل وجعل التفريع على قول أبي الحسين تفريعًا على قول الإمام وموافقيه، وهذا خطأ منه بسبب الذهول.

стр. 681

وعبارة الإسنوي: "فالأصح عند الإمام وأتباعه وابن الحاجب: أن المأخوذ به هو القول؛ سواء تقدم، أو تأخر، أو لم يعلم شيء منهما؛ لأنه يدل بنفسه، والفعل لا يدل بنفسه إلا بواسطة أحد الأمور الثلاثة المتقدمة. فعلى هذا إن تأخر الفعل فيكون دالاًّ على استحباب الطواف الثاني، وإن تأخر القول كان ناسخًا لإيجاب الطواف الثاني المستفاد من الفعل" (١). • وأما أمثلة التعبير بـ (الهفوة): • المثال الأول: ذكر الجويني في فصل (أدلة نفاة القياس): "وقد ذكر الطبري في خلل الاستدلال بحديث معاذ في إثبات القياس، ثم وجه على نفسه سؤالاً فقال: فلو قالوا: هذا من أخبار الآحاد؛ لقلت في جوابهم: يجوز الاستدلال بأخبار الآحاد في إثبات القياس؛ كما يجوز الاستدلال بها في إثبات الأحكام. وهذه هفوة عظيمة، وسنذكر في كتاب الاجتهاد أن أصول أدلة الشريعة لا تثبت إلا بما يقتضي العلم من الأدلة القاطعة، ومن قال غير ذلك فقد زل زلة عظيمة" (٢). • المثال الثاني: قال الجويني في مسألة (مقتضى التكليف): " ... فأما الإباحة فلا ينطوي عليها معنى التكليف. وقد قال الأستاذ (٣) ﵀: إنها من التكليف. وهي هفوة ظاهرة" (٤).

стр. 682

• المثال الثالث: ما قاله ابن العربي في مسألة (دلالة أفعال النبي ﷺ ): "وأما أفعاله التي وقعت منشأة في جبلة الآدمي؛ فهي على الندب في قول المحققين. وقال بعضهم: إنها على الوجوب، وهو قول ضعيف. ورد بعض الأحبار من المتأخرين فقال: إنها لا حكم لها، ولا دليل فيها. وهذه هفوة شنعاء؛ فإن الصحابة -رضوان الله عليهم- أجمعوا على بَكَرة أبيهم على الاقتداء برسول الله ﷺ في نومه، وأكله، ولباسه، وشرابه، ومشيه، وجلوسه، وجميع حركاته، فاعتقادها لغوًا من هذا الحَبْر المتأخر هفوة وسهو" (١). • ثانيًا: التعبير بـ (الوهم): وقد سبق عرض أمثلة له، فلا داعي للتكرار. (٢) • ثالثًا: التعبير بـ (الخطأ والغلط والزلل): وسبق عرض أمثلة الخطأ والغلط، ولا حاجة للإطالة بذكرها (٣). وأذكر أمثلة للتعبير بـ (الزلل): • المثال الأول: قال الجويني في مسألة (تكليف الصبي): "اعلم -وفقك الله- أن ما نرتضيه: انقطاع التكليف عن الصبيان. ومن العلماء من يزعم أن بعض أحكام التكليف يتعلق بهم، وهو زلل؛

стр. 683

فإن المعنى بالتكليف: توجه الأمر وطلبات الشرع، والمكلف هو الله ، ونحن نعلم قطعًا أن الطلبات من الله تعالى لا تتعلق بالصبية كما لا يتعلق بهم التوعد بالعقاب [ ... ] (١) عند تقدر المخالفة" (٢). • المثال الثاني: قال الجويني في مسألة (صيغة الأمر): "ثم نقل بعض مصنفي المقالات: أن أبا الحسن ﵀ يستمر على القول بالوقف مع فرض القرائن، وهذا زلل في النقل بيّن، والوجه: أن يُوركَ بالغلط على الناقل؛ فإنه لا يعتقد الوقف مع فرض القرائن الحالية على نهاية الوضوح ذو تحصيل. والذي أراه في ذلك قاطعًا به: أن أبا الحسن ﵀ لا ينكر صيغة تشعر بالوجوب الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس؛ نحو قول القائل: أوجبتُ وألزمتُ أو ما شاكل ذلك، وإنما الذي تردد فيه مجرد قول القائل: افعل، من حيث ألفاه في وضع اللسان مترددًا، فإذا كان هذا كذلك فما الظن به إذا اقترن بقول القائل: (افعل) لفظ أو ألفاظ من القبيل الذي ذكرناه؟ ! مثل أن تقول: افعل حتمًا أو افعل واجبًا ... " (٣). • بيان الاستدراك: استدرك الجويني على الناقلين عن أبي الحسن قوله: أنه يرى التوقف مع وجود القرائن بأن هذا النقل خطأ؛ فإن أبا الحسن يرى التوقف في الصيغة المجردة عن القرائن، أما مع وجود القرائن فإنه يعمل بالقرينة.

стр. 684

• المثال الثالث: قال ابن السبكي في مسألة (دلالة فعل النبي ﷺ ): "وحكى بعضهم قولاً: أنَّه يجب علينا أن نفعل مثل ما فعله حكاية على الإطلاق، وهذا زلل" (١). • رابعًا: التعبير بـ (ضعيف وباطل وفاسد): • التعبير بـ (الضعيف): • المثال الأول: قال السرخسي في مسألة (دلالة صيغة الأمر المطلقة): "والذين قالوا بالندب ذهبوا إلى أن الأمر لطلب المأمور به من المخاطب، وذلك يرجح جانب الإقدام عليه ضرورة، وهذا الترجيح قد يكون بالإلزام، وقد يكون بالندب، فيثبت أقل الأمرين _لأنه المتيقن به_ حتى يقوم الدليل على الزيادة. وهذا ضعيف؛ فإن الأمر لما كان لطلب المأمور به اقتضى مطلقه الكامل من الطلب؛ إذ لا قصور في الصيغة، ولا في ولاية المتكلم؛ فإنه مفترض الطاعة بملك الإلزام" (٢). • المثال الثاني: قال الهندي في مسألة (بناء العام على الخاص): "ثم استدل الأصحاب على بناء العام على الخاص عند الجهل بالتاريخ في وجوه التعارض كلها؛ سواء كان بين المتساويين، أو بين المختلفين في القوة والضعف بوجوه" (٣). وذكر من هذه الوجوه الوجه الثالث، واستدرك عليه فقال: "وثالثها: أن

стр. 685

العموم يخص بالقياس مطلقًا، فكذا خبر الواحد؛ بل أولى؛ لأنه أرجح من القياس، وهو ضعيف؛ لأنهم إن أرادوا بذلك حالة الجهل بالتاريخ وغيرها فممنوع؛ وهذا لأنه إنما يجوز تخصيص العام عندنا لو علم أن أصل ذلك القياس متأخر عن العام، أما إذا علم تقدمه عليه أو جهل التقدم والتأخر فلا" (١). • المثال الثالث: قال الإسنوي في مسألة (الاجتهاد في عصره ﷺ للحاضرين والغائبين عنه): "استدل المانعون بأن الاجتهاد عُرضة للخطأ بلا شك، والنص آمن منه، وسلوك السبيل المخوف مع القدرة على سلوك الآمن قبيح عقلاً. والجواب: لا نُسلم أن الاجتهاد تعرض للخطأ بعد إذن الشارع فيه؛ فإنه لما قال للمكلف: أنت مأمور بالاجتهاد، وبالعمل به؛ صار آمنًا من الخطأ؛ لأنه حينئذ يكون آتيًا بما أُمِرَ به. هكذا أجاب الإمام (٢) وأتباعه (٣)، فتبعهم المصنف (٤)، وهو ضعيف؛ لأن الإذن في الاجتهاد لا يمنع من وقوع الخطأ فيه -كما ستعرفه (٥) -؛ بل إنما يمنع من التأثيم" (٦).

стр. 686

• التعبير بـ (باطل): • المثال الأول: قال أبو الحسين البصري: "باب في الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده، دال على قبحه أم لا؟ ذهب قوم إلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وخالفهم آخرون على ذلك، وإليه ذهب قاضي القضاة (١) وأصحابنا، والخلاف في ذلك إما في الاسم، وإما في المعنى. فالخلاف في الاسم: أن يسموا الأمر نهيًا على الحقيقة، وهذا باطل؛ لأن أهل اللغة فصلوا بين الأمر والنهي في الاسم، وسموا هذا أمرًا، وسموا هذا نهيًا، ولم يستعملوا اسم النهي في الأمر، فإن استعملوه فيه فقليل نادر" (٢). • المثال الثاني: قال الطوفي في مسألة (تأخير البيان عن وقت الخطاب): "قوله (٣): (قالوا: الخطاب) إلى آخره، هذا حجة المانعين من تأخير البيان عن وقت الخطاب. وتقريره: أن الخطاب بالمجمل بدون بيانه خطاب بما لا يفهم، والخطاب بما لا يفهم عبث، وتجهيل للسامع في الحال؛ إذ لا يعلم ما المراد بالخطاب، وفائدة الخطاب إنما هو إفادة المراد به، فإذا لم يفد فائدته وجب أن يكون عبثًا ممتنعًا، وصار ذلك كمخاطبة العربي بالعجمية، ومخاطبة العجمي بالعربية، وكما لو قال: أبجد هوز، وقال: أردت به إيجاب الصلاة عليكم. أو قال: في خمس من الإبل شاة، وقال: أردت بالإبل البقر، فهذا كله وأشباهه غير جائز؛ لعدم فائدته؛ فكذلك الخطاب بالمجمل.

стр. 687

قوله: (قلنا: باطل) أي: ما ذكرتموه من أن الخطاب بما لا يفهم عبث فلا يجوز، باطل بمتشابه القرآن؛ كالحروف المقطعة وغيرها على ما سبق بيانه؛ فإنه لا تفهم حقيقته، وليس الخطاب به تجهيلاً للسامع، ولا عبثًا من المتكلم، فكما جاز الخطاب بالمتشابه بدون فهم حقيقته ولم يكن عبثًا؛ كذلك يجوز الخطاب بالمجمل وإن أخر بيان حقيقته، ولا يكون عبثًا" (١). • المثال الثالث: ذكر الإسنوي في مسألة (حجية القياس) اعتراضًا للخصم على استدلال الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] فقال: "الاعتراض الثالث: سلمنا أن الآية تدل على الأمر بالقياس؛ لكن لا يجوز التمسك بها؛ لأن التمسك بالعموم واشتقاق الكلمة -كما تقدم- إنما يفيد الظن، والشارع إنما أجاز الظن في المسائل العملية؛ وهي الفروع؛ بخلاف الأصول؛ لفرط الاهتمام بها. وأجاب المصنف (٢): بأنا لا نُسَلِّم أنها علمية؛ لأن المقصود من كون القياس حُجَّة إنما هو العمل به؛ لا مجرد اعتقاده؛ كأصول الدين، والعمليات يكتفى فيها بالظن؛ فكذلك ما كان وسيلة إليها. هذا هو الصواب في تقريره. وقد صرح به في الحاصل (٣)، وهو رأي أبي الحسين (٤)، وإن كان الأكثرون -كما نقله الإمام الآمدي (٥) - قالوا: إنه قطعي.

стр. 688

وأما قول بعض الشارحين: إنه يكتفى فيها بالظن مع كونها علمية؛ لكونها وسيلة؛ فباطل قطعًا؛ لأن المعلوم يستحيل إثباته بطريق مظنونة" (١). • التعبير بـ (فاسد): • المثال الأول: قال ابن العربي في (مسلك الطرد (٢)): "وقد زعم بعض الناس أنه دليل على صحة العلة، وهو قول فاسد لثلاثة أوجه: أحدها: كما يطرد دليل الصحة على زعمه؛ فكذلك يطرد دليل الفساد؛ ومثاله: إن المالكي لو قال: الخل مائع لا ينبني عليه؛ فلا يجوز إزالة النجاسة به كاللبن؛ لقال معارضه: إن الخل مائع مزيل العين، فجاز إزالة النجاسة به كالماء. الثاني: أن الصحابة - وهم القدوة - لم يعولوا عليه. الثالث: أنه ليس بينه وبين الحكم ارتباط، فكيف يدل عليه" (٣). • المثال الثاني: قال الزركشي: "مسألة: حكَى سُليْمٌ الرَّازيُّ (٤) عن بعض أصحابنا أنَّ

стр. 689

العموم إذا خصَّ لم يجُزْ أنْ يُسْتنْبَطَ منه معنًى يُقاسُ عليه غيرهُ؛ لأَنَّهُ إذا خُصَّ صارَ الحكم ثابتًا بقرينة، فإذا اُسْتُنْبطَ المعنى منه لم يَصِحَّ اجتماع المعنى مع تلك القرينة؛ فإن المعنى يقتضي العموم، والقرينة تقتضي الخُصُوصَ؛ فلا يَصِحُّ اجتماعهما. قال: وهذا قولٌ فاسدٌ؛ لأنَّ اللَّفظَ إذا خُصَّ خرج منه ما ليس بمرادٍ، فبقي الباقِي ثابتًا باللَّفظ، فيصيرُ كأنَّ الحكم للباقِي ورد ابتداءً، فجاز استنباط المعنى منه" (١). • المثال الثالث: قال الإسنوي في (مسلك المناسبة): "وقال المصنف: المناسب: هو ما يجلب للإنسان نفعًا، أو يدفع عنه ضررًا. فجعل المقاصد أنفسها أوصافًا مناسبة على خلاف اختيار الإمام (٢)، وهو فاسد، ألا ترى أن مشروعية القصاص مثلاً جالبة أو دافعة -كما بيناه- وليست هي الوصف المناسب؛ لأن الوصف المناسب من أقسام العلل، فيكون هو القتل في مثالنا؛ لا المشروعية؛ لأنها معلولة؛ لا علة، وكذلك الردة وغيرها مما قلناه" (٣).

стр. 690

• المجموعة الرابعة: صيغ الترجيح، وفيها ثلاث صيغ . • أولاً: التعبير بـ (الصواب والصحيح): التعبير بالصواب سبق ذكر أمثلة له (١)، وأما التعبير بالصحيح فأذكر له الأمثلة التالية: • المثال الأول: قال أبو الحسين البصري في (خبر الواحد إذا عمل به أكثر الصحابة): "فأما خبر الواحد إذا عمل عليه أكثر الصحابة، وعابوا على من لم يعمل به؛ فحكي عن عيسى ابن أبان أنه يُقطع به (٢). والصحيح: أنه لا يقطع به؛ لأن قول أكثر أهل العصر من المجتهدين ليس بحجة" (٣). • المثال الثاني: قال ابن قدامة في (شروط الفرع في القياس): "الركن الثالث: الفرع، ويشترط فيه أن تكون علة الأصل موجودة فيه؛ فإن تعدية الحكم فرع تعدي العلة. واشترط قوم تقدم الأصل على الفرع في الثبوت؛ لأن الحكم يحدث بحدوث العلة، فكيف تتأخر عنه؟ والصحيح: أن ذلك يشترط لقياس العلة (٤)، ولا يشترط

стр. 691

لقياس الدلالة (١) " (٢). • المثال الثالث: قال الزركشي في مسألة (تعليق الشارع حكمًا في واقعة على علة هل يفيد العموم؟ ): "إذا علَّقَ الشارع حكمًا في واقعة على علة تقتضي التّعَدِّي إلى غير تلك الواقعة؛ مثل: حرَّمت السّكَّرَ لكونه حُلوًا، فإن قطع باستقلالها؛ فالجمهور على التَّعَدي قياسًا، وشَذَّ من قال فيه: يتعدَّى باللَّفْظ. فإن لم يقطع؛ بل كان ظاهرًا فيه؛ كما في الْمُحْرِمِ الذي وَقَصَتهُ نَاقَتهُ، وقوله ﵇: «لا تخَمِّرُوا رَأسَهُ، ولَا تقَرِّبُوهُ طيبًا؛ فإنه يبْعَثُ يوم الْقيَامَةِ ملَبِّيًا» (٣)؛ فإن الظاهر عدم الاختصاص بذلك الْمُحْرِمِ؛ فاختلفوا في أنَّهُ يَعمُّ أم لا؟ فقال أبو حَنيفَةَ: لا يَعمُّ؛ لأَنَّهُ يحتملُ تخصيص ذلك بهذه العلَّةِ؛ لأَنَّهُ وقَصَتْ بهِ نَاقَتهُ لا لمجَرَّدِ إحرامهِ، أو لأَنَّهُ علم من نيَّتِه إخلاصه وغيره لا يعلم منه ذلك، واختاره الْغَزَاليُّ (٤) وحَكَاهُ عن الْقَاضي أبي بَكرٍ (٥)، والصَّحيحُ: أنَّهُ عامٌّ. واختلف القائلون به هل عمَّ بالصِّيغةِ أو بالقياس على قولين مَحْكيَّيْنِ عن

стр. 692

الشَّافعِيِّ، وَالصَّحيحُ: أنَّهُ عامٌّ بالْقِيَاسِ" (١). • ثانيًا: التعبير بصيغ التفضيل؛ كـ (الأولى، والأصح، والأصوب، والأحسن، والأليق): وسبق ذكر أمثلة (الأولى) و (الأصح) و (الأصوب (٢))، فنذكر الآن أمثلة (الأحسن) و (الأفضل) و (الأليق). • صيغة (أحسن): • المثال الأول: قال السمعاني في مسألة (المحكم والمتشابه) بعد أن ذكر الأقوال في المراد بهما: "وأحسن الأقاويل: أن المتشابه: ما استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، وكلفهم الإيمان به. والمحكم: مما أطلع العلماء عليه، وأوقفهم على المراد به. وهذا هو المختار على طريقة السنة، وعليه يدل ما ورد من الأخبار، وما عرف من اعتقاد السلف. فعلى هذا يكون على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وقف تام، ثم يبتداء قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وعلى هذا الوقف أكثر القراء (٣)، وجعلوا الواو واو الابتداء" (٤).

стр. 693

• المثال الثاني: قال البيضاوي في (حد المجاز): "والمجاز: مَفْعَل من الجواز بمعنى العبور، وهو المصدر أو المكان نُقِل إلى الفاعل، ثم إلى اللفظ المستعمل في معنى غير موضوع له يناسب المصطلح" (١). فاستدرك عليه ابن السبكي في شرحه وقال: "وقوله: (في معنى غير موضوع له) يخرج الحقيقة، ويقتضي أن المجاز غير موضوع، وكان الأحسن أن يزيد: (بوضع أول) " (٢). • المثال الثالث: قال أمير حاج في شرحه للتحرير في مسألة (ترتيب الضروريات الخمس) بعد أن ذكر ما اختاره ابن الهمام في تقديم حفظ الدين من الضروريات على ما عداه عند المعارضة، ثم تقديم حفظ النفس، ثم النسب، ثم العقل، ثم المال: " وقد كان الأحسن تقديم هذه الأربعة (٣) على الديني؛ لأنها حق الآدمي، وهو مبني على الضيق والمشاحة ويتضرر بفواته، والديني حق الله تعالى، وهو مبني على التيسير والمسامحة، وهو لِغنَاهُ وتعاليه لا يتضرر بفواته" (٤). • صيغة (الأليق): • المثال الأول: استدرك ابن السبكي على البيضاوي (٥) ترتيب مسألة: (جواز نسخ بعض

стр. 694

القرآن) فقال: اللائق بهذه المسألة: أن تُذكر في الفصل التالي لهذا الفصل الذي أودعه: ما يَنْسخ وما يُنْسخ" (١). • المثال الثاني: قال المرداوي في مسألة (الصحة في العبادة): "فالصحة في العبادة: سقوط القضاء بالفعل عند الفقهاء، وعند المتكلمين وغيرهم: موافقة الأمر، وجب القضاء أم لا .... قال البرماوي: اللائق بقواعد الفريقين العكس (٢) " (٣). • ثالثًا: التعبير بـ (الحق والمختار): • صيغة (الحق (٤)): • المثال الأول: قال الرازي في مسألة (الفرق بين التخصيص والنسخ) بعد أن ذكر عددًا من الفروق بين التخصيص والنسخ، وبين التخصيص والاستثناء: "وهذه الوجوه متكلفة، والحقُّ: أن التخصيص جنس (٥) تحته أنواع (٦)؛ كالنسخ والاستثناء وغيرهما" (٧).

стр. 695

• المثال الثاني: قال الآمدي في حد العام بعد أن ذكر تعريفين واستدرك عليهما: "والحق في ذلك أن يقال: العام: هو اللفظ الواحد الدال على مسميين فصاعدًا مطلقًا معًا" (١). • المثال الثالث: قال ابن السبكي في مسألة (التعبد بالقياس شرعًا): "واستدل بمثل: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، والاعتبار: المجاوزة، وهو محقق في القياس فيشمله؛ بدليل صحة الاستثناء؛ بأن يقال: فاعتبروا إلا في الشيء الفلاني، والاستثناء دليل الشمول أولاً؛ فيكون مشروعًا، ثم إذا شرع كان واجبًا؛ لعدم القائل بالفصل في القياس. هذا تقرير الاستدلال من قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ .... واعلم أن أصحابنا استدلوا بهذه الآية خلفًا عن سلف، والحق عندي فيها: أنها غير مفيدة للقطع؛ ولكنها تفيد الظن" (٢). • صيغة (المختار (٣)): ذكر الجويني خلاف الأصوليين في مسألة (هل كل مجتهد مصيب في المظنونات؟ )، وذكر أدلتهم واستدرك عليها ثم قال: " ... المختار عندي أمر ملتفت، وكأنه ملتقط من الطرفين، وهو يجمع المحاسن، ... فنقول: المجتهد مصيب من حيث عمل بموجب الظن بأمر الله، مخطئ إذا لم يُنه اجتهاده إلى منتهى حصل العثور على حكم الله في الواقعة، وهذا هو المختار" (٤).

стр. 696

• المثال الثاني: قال الرازي في مسألة (هل النهي يُفيد التكرار؟ ): "المشهور أن النهي يفيد التكرار (١)، ومنهم من أباه (٢)، وهو المختار" (٣). • المثال الثالث: ذكر الآمدي خلاف الأصوليين في مسألة (ما يطلق عليه اسم الأمر حقيقة) وأدلتهم واستدرك عليها، ثم قال: "وعلى هذا فالمختار إنما هو كون الاسم اسم الأمر متواطئًا في القول المخصوص والفعل؛ لا أنه مشترك (٤) ولا مجاز في أحدهما" (٥). • المجموعة الخامسة: صيغ الجدل، وفيها ثلاث صيغ . • أولاً: أسلوب الفَنْقَلة: نحت (٦) من قولهم: فإن قيل: كذا, قيل له: كذا.

стр. 697

وقد توسعتُ في ذكر أمثلته عند الحديث عن الركن الأول للاستدراك: المستدرَك عليه المقدر (١). • ثانيًا: صيغة السؤال (٢): ومعنى إيراد السؤال على الكلام: معارضته بما يناقضه ويبطله (٣). • المثال الأول: قال الجويني في مسألة (الأدلة في إثبات العبر والمقاييس السمعية): "اعلم -وفقك الله- أن آكد ما يعتمد في تثبيت الاجتهاد والتمسك بالرأي وغلبات الظنون إجماع الصحابة ﵃؛ وذلك أنهم ﵃ اختلفوا في امتداد عصرهم في مسائل من الأحكام عدموا فيها النصوص، فتمسكوا فيها بطرق الاجتهاد" (٤). ثم ذكر استدراكًا من الخصم بصيغة السؤال فقال: "سؤال آخر لهم؛ فإن قال قائل: بم تنكرون على من يزعم أنهم إنما اختلفوا لوجه آخر سوى ما ادعيتموه؟ ... والجواب عن ذلك من أوجه ... " (٥). • المثال الثاني: قال القرافي في مسألة (المصالح المرسلة): "سؤال: قال بعض علماء العصر: إذا قلتم بالمصلحة المرسلة، فكيف تصنعون في العمومات والأدلة؛ فإنها متعارضة نفيًا

стр. 698

وإثباتًا؛ فإنه ما من مصلحة في إقدام أو إحجام إلا ويجد عامًّا يردها؛ مثل: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ونظائره كثيرة؟ فأي العموم تنفون مخالفته؟ وما ضابط ذلك؟ وإذا لاحظتم الظواهر المانعة من الإقدام والإحجام؛ لم تبقَ مصلحة مرسلة إلا ولها معارض من النصوص، وأنتم تشترطون في المصلحة السلامة عن معارضة الأدلة؟ جوابه: أنا نعتبر من نصوص الأصول ما هو خاص بذلك الباب في نوعه دون ما هو أعم منه، فإذا كانت المصلحة في الإجارات؛ اعتبرنا نصوص الإجارات، أو في الجنايات اعتبرنا نصوص الجنايات، أما نصٌّ يشمل ذلك الباب وغيره؛ فلا عبرة به؛ لأن هذه المصلحة أخص منها، والأخص مقدم على الأعم؛ لاسيما إذا كان النص يشمل جميع الشريعة فقد كثر تخصيصه، فضعف التمسك به" (١). • المثال الثالث: قال الطوفي: "واعلم أن للمانعين من اشتراط العزم في الواجب الموسع أسئلة: أحدها: ... والسؤال الثاني: ... والسؤال الثالث: ... " (٢). • ثالثاً: صيغة الجواب (٣): وقد ذكرت لها أمثلة في الصيغة السابقة، وفي مواطن عديدة مختلفة من البحث. (٤)

стр. 699

• المجموعة السادسة: صيغ النفي، وفيها ثمان صيغ . • أولاً: التعبير بنفي الصحة: • المثال الأول: قال الشيرازي في (لفظ رواية الصحابي: من السنة كذا): "وكذلك إن قال: من السُّنَّة كذا؛ حُمِل على سُنَّة النبي ﷺ . وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يُحْمَلُ على ذلك إلا بدليل (١). وهو قول أبي بكر الصيرفي، وهذا غير صحيح؛ لأن الذي يحتجُّ بأمره ونهيه وسنته هو الرسول ﷺ ، فإذا أطلق الصحابي ذلك وجب أن يُحمل عليه" (٢). • المثال الثاني: قال ابن قدامة في مسألة (مراسيل الصحابة (٣)): "مراسيل أصحاب النبي ﷺ مقبولة عند الجمهور (٤). وشذ قوم فقالوا: لا يقبل مرسل الصحابي إلا إذا عرف بصريح خبره، أو بعادته أنه لا يروي إلا عن صحابي؛ وإلا فلا؛ لأنه قد يروي عمن لم تثبت لنا صحبته. وهذا ليس بصحيح؛ فإن الأمة اتفقت على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من أصاغر الصحابة مع إكثارهم وأكثر روايتهم عن النبي ﷺ " (٥).

стр. 700

• المثال الثالث: قال ابن السبكي في مسألة (وقوع المجاز في اللغة العربية): "اختلف أهل العلم في وقوع المجاز في اللغة العربية على مذاهب: أحدها وهو المنسوب إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني، المنع مطلقًا. قال إمام الحرمين في التلخيص (١) الذي اختصره من التقريب والإرشاد للقاضي: والظن بالأستاذ أنه لا يصح عنه" (٢). • ثانيًا: صيغة (ليس بجيد (٣)): • المثال الأول: قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الترجيح بين منقولين في المتن): "وترجح بموافقة قول صحابي، أو بكون دليل أصل إحداهما أقوى من دليل أصل الأخرى، بأن يكون قطعيًا والآخر ظنيًا، أو يكون نصًّا والآخر عمومًا، أو مفهومًا، أو تنبيهًا، هذا قول أبي الخطاب (٤). وتقديم النص على التنبيه ليس بجيد؛ بل التنبيه إما مثله أو أقوى منه" (٥). • المثال الثاني: قال ابن السبكي بعد أن ذكر عشرة مذاهب في مسألة (دلالة صيغة افعل

стр. 701

المطلقة): "هذا ما حضرنا من المذاهب في هذه المسألة، وقد ادعى الإمام - إذ حكى الاتفاق على أن صيغة (افعل) ليست حقيقة في جميع المحامل المتقدمة - أن الخلاف إنما وقع في أمور خمسة: الوجوب، والندب، والإباحة، والتنزيه، والتحريم (١). وأنت إذا تأملت ما حكيناه من المذاهب علمتَ أنَّ حصر الخلاف في ذلك ليس بجيد" (٢). • المثال الثالث: ذكر الزركشي في فصل (الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص) أقوالاً لعدد من العلماء في بيان هذه الفروق ثم قال: "ومن هنا يُعْرفُ أنَّ عدَّ ابن الْحاجِبِ البدل (٣) في المخصَّصاتِ ليس بجيد؛ لأن الأولى في قولنا: أكلت الرغيف ثلثه؛ أنه من العام المراد به الخصوص، لا العام المخصوص ... " (٤).

стр. 702

• ثالثًا: صيغة (غير سديد، ليس بسديد): • المثال الأول: قال الجويني في مسألة (هل يجب تقليد الأعلم؟ ): "إذا لم يكن في البلدة التي فيها المستفتي إلا عالم واحدٌ فيقلده ولا يكلف الانتقال إلى غيره. وإن جمعت البلدة العلماء، وكل منهم بالغ مبلغ الاجتهاد؛ فقد ذهب بعض العلماء إلى أن الواجب عليه أن يقلد الأعلم منهم، ولا يسوغ له تقليد من عداه. وهذا غير سديد، والصحيح: أنه له أن يقلد من شاء منهم" (١). • المثال الثاني: ذكر ابن برهان في مسألة (النسخ قبل التمكن من الفعل) دليل الخصم القائلين بمنع النسخ (٢) فقال: "ومما تمسكوا به: أنهم قالوا: النسخ قبل التمكن من الفعل يخرج الأمر عن الإفادة؛ فإن مقصود الأمر وفائدته هو الامتثال، فإذا خرج عن الإفادة كان ذلك عبثًا، والعبث مستحيل في صفات الله تعالى ... قلنا: النسخ قبل التمكن لا يخرج الأمر عن الإفادة؛ فإنه من الممكن أن الآمر علم أن في اعتقاد وجوب هذا الفعل وعزم المكلف على الإتيان به مصلحة فأمره بذلك، ثم نهاه عنه بعد أن تحقق الاعتقاد لا غير. وهذا الجواب ليس بسديد؛ وذلك أن الاعتقاد إذا لم يكن موافقًا للمعتقد ولا متعلقًا به على ما هو عليه؛ لم يكن مفيدًا فلا يؤمر به؛ لأنه تعريض المكلف لاعتقاد الجهل وذلك قبيح في نفسه، والجواب الصحيح: أن الفوائد غير مطلوبة في أوامر الله

стр. 703

تعالى؛ إذ هي غير معللة (١)، فعدم الفوائد لا يخرج عن أن يكون أمرًا" (٢). • المثال الثالث: قال التفتازاني في (معاني الحروف) فيما يفيده حرف (مِن): "قوله (٣): (وأما "من" فقد) تكون للتبيين، أو للتبعيض، أو غيرهما، والمحققون على أن أصلها ابتداء الغاية والبواقي راجعة إليها. وذهب بعض الفقهاء إلى أن أصل وضعها للتبعيض دفعًا للاشتراك، وهذا ليس بسديد؛ لإطباق أئمة اللغة على أنها حقيقة في ابتداء الغاية" (٤). • رابعًا: صيغة (ليس بقوي): • المثال الأول: قال السرخسي في (باب البيان): "وقول من يقول من أصحابنا: حد البيان هو: الإخراج عن حد الإشكال إلى التجلي، ليس بقوي؛ فإن هذا الحد أشكل من البيان، والمقصود بذكر الحد زيادة كشف الشيء؛ لا زيادة الإشكال فيه. ثم هذا الحد لبيان المجمل خاصة، والبيان يكون فيه وفي غيره" (٥). • المثال الثاني: قال صدر الشريعة المحبوبي في مسألة (حكم الإجماع): "وأما الرابع: ففي حكمه، وهو: أن يثبُتَ الحكم يقينًا حتى يُكفَّرَ جَاحدُهُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ

стр. 704

الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] " (١). ثم قال في شرحه: "واعلم أن هذا الاستدلال على أن الإجماع حجة ليس بقوي؛ لأنه يمكن أن يكون ما أتى به النبي ﵊ عين سبيل المؤمنين، مع أنه لا يكون المعطوف عين المعطوف عليه؛ لأن مفهوم مشاقة الرسول ﵊ غير مفهوم اتباع غير سبيل المؤمنين، فهذه الغيرية كافية لصحة العطف؛ كقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، مع أن طاعة الرسول من إطاعة الله تعالى في الوجود الخارجي لقوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، لكنه غيره بحسب المفهوم" (٢). • المثال الثالث: ذكر العلاء البخاري في شرحه لجزئية (الحجج على جواز نسخ الكتاب بالسنة والعكس) اعتراضًا من القائلين بعدم جواز نسخ الكتاب بالسنة والعكس (٣) فقال: "فإن قيل: لا نسلم أن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة؛ بل هو ثابت بالكتاب؛ فإنه كان من شريعة من قبلنا، وشريعة من قبلنا تلزمنا حتى يوجد الدليل على انتساخه، وهذا حكم ثابت بالكتاب؛ وهو قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] ". ثم ذكر جواب شمس الأئمة السرخسي على هذا الاعتراض فقال: "وعبارة شمس الأئمة فيه: ولا خلاف أنَّ ما كان في شريعة من قبلنا ثبت انْتِسَاخُه في حَقِّنَا بقول أو فعل من رسول الله ﷺ بخلافه، وهذا نسخُ الكتاب بالسنة (٤).

стр. 705

وإنما ظنَّ (١) النسخ من غير كتاب يُتْلَى؛ فإنه كان كاتب الوحي، ولم يَرُدَّ النبي ﵇ عليه ظَنَّهُ، ولم يُنْكِرْ عليه فعِلهُ؛ فدلَّ على جواز نسخ التلاوة بغير كتاب، وإذا ثبت جواز نسخ التلاوة؛ ثبت جواز نسخ الحكم؛ لأن وجوب التلاوة والعمل بحكم المتلو كل واحد منهما ثابت بالكتاب (٢) ". ثم ذكر استدراك أبي اليسر (٣) على كلام السرخسي فقال: "قال أبو اليسر ﵀: هذا ليس بقوي؛ لأن في ذلك الزمان كان القرآن ينزل على رسول الله ﷺ ، فربما اعتقد أنها نسخت بآية أخرى قبيل هذا الزمان ولم تبلغه لضيق الوقت، فلا يتعين النسخ بالحديث، ولعله ظن النسخ بالإنساء" (٤). • بيان الاستدراك: اعترض الخصم القائل بعد جواز نسخ الكتاب بالسنة والعكس على استدلال الحنفية في قولهم بجواز النسخ بحادثة التوجه إلى بيت المقدس، فقال: لا نسلم لكم أن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة؛ بل هو ثابت بالكتاب، وبيان ذلك: أن التوجه إلى بيت المقدس كان شريعة من قبلنا، وشريعة من قبلنا تلزمنا حتى يقوم
следующие страницы →