• المثال الثالث:
ذكر المرداوي في مسألة (دلالة صيغة النهي): "الثامن: الأدب؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ ولكن هذا راجع للكراهة؛ إذ المراد: لا تتعاطوا أسباب النسيان؛ فإن نفس النسيان لا يدخل تحت القدرة حتى ينهى عنه. وبعضهم يعد من ذلك الخبر، وليس للخبر مثال صحيح، ومثله بعضهم بقوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، وهذا المثال إنما هو للخبر بمعنى النهي؛ لا للنهي بمعنى الخبر، وهو المراد هنا فليعلم" (١).
стр. 737
• المطلب الثاني
صيغ الاستدراك غير الصريحة، وتطبيقاتها
المراد بصيغ الاستدراك غير الصريحة: ما دلت على الاستدراك ضمنًا.
وتحصل لي من ذلك صيغتان:
• الصيغة الأولى: ترتب لازم باطل أو ممتنع يَدُّلُ على الرد وأن الصواب خلافه . ومن أمثلته:
• المثال الأول:
قال الرازي في مسألة (مبدأ اللغات): "كون اللفظ مفيدًا للمعنى: إمَّا أن يكون لذاته، أو بالوضع؛ سواء كان الوضع من الله تعالى، أو من الناس، أو بعضه من الله تعالى وبعضه من الناس، فهذه احتمالات أربعة، الأول مذهب عبَّادِ بنِ سُلَيمَانَ الصَّيمرِيِّ (١) .... والذي يدلُّ على فساد قول عبَّادِ بنِ سُلَيمَانَ: أن دلالة الألفاظ لو كانت ذاتية لما اختلفت باختلاف النواحي والأمم، ولاهتدى كل إنسان إلى كل لغةٍ،
стр. 738
وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم (١) " (٢).
• المثال الثاني:
ذكر الآمدي في مسألة (هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ ): " ... وعلى هذا يكون الحكم فيما إذا ورد العام على سبب خاص لا تعلق له بالسؤال؛ كما روي عنه: ﷺ أنه مر بشاة ميمونة وهي ميتة، فقال ﷺ : «أيُّمَا إهابٍ دبِغَ فقَدْ طهُرَ».
والمختار إنما هو القول بالتعميم إلى أن يدل الدليل على التخصيص".
ثم ذكر دليله على ذلك، وذكر استدراكًا مقدرًا من الخصم القائل بأن العبرة بخصوص السبب فقال: "فإن قيل: ما ذكرتموه معارض بما يدل على اختصاص العموم بالسبب، وبيانه من ستة أوجه: الأول: أنه لو لم يكن المراد بيان حكم السبب لا غير؛ بل بيان القاعدة العامة؛ لما أخر البيان إلى حالة وقوع تلك الواقعة، واللازم ممتنع، وإذا كان المقصود إنما هو بيان حكم السبب الخاص؛ وجب الاقتصار عليه" (٣).
• المثال الثالث:
قال ابن السبكي في مسألة (التعليل بالحكمة): "جوز قوم التعليل بالحكمة،
стр. 739
واختاره المصنف (١) تبعًا للإمام (٢)، ومنع منه آخرون (٣). وفصل قوم فقالوا: إن كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها؛ جاز التعليل بها؛ وإلا فلا، واختاره الآمدي (٤) وصفي الدين الهندي (٥)، وأطبق الكل على جواز التعليل بالوصف المشتمل عليها ما حاد عن ذلك قياس؛ كالقتل والزنا والسرقة وغير ذلك.
واحتج المفصل بما أشار إليه في الكتاب (٦) من أن الحِكَمَ التي لا تنضبط كالمصالح والمفاسد لا يعلم لعدم انضباطها: أن القدر الحاصل منها في الأصل حاصل في الفرع أم لا فلا يمكن التعليل بها؛ لأن القياس فرع ثبوت ما في الأصل من المعنى في الفرع.
وأجاب (٧): بأنه لو لم يجز التعليل بالحكم التي لا تنضبط؛ لم يجز بالوصف المشتمل عليها أيضًا، واللازم باطل بالاتفاق؛ فبطل الملزوم.
وبيان الملازمة: أن الوصف بذاته ليس بعلة للحُكم؛ بل بواسطة اشتماله على الحِكمة، فَعلِّيَّةُ الوصف بمعنى أنه علامة على الحِكمة التي هي علَّة غائبة باعثة للفاعل، والوصف هو المُعَرِّف، فإذا لم تكن تلك الحكمة علة للحكم؛ لم يكن الوصف بواسطته علة له، وإذا بطل الملزوم فيجوز التعليل بالحِكَمِ التي لا تنضبط؛
стр. 740
لأننا إذا ظننا استناد الحُكم المخصوص في مورد النص إلى الحِكَمِ المخصوصة، ثم ظننا حصول تلك الحِكمة في صورة تولد لا محالة من ذينك الظنين؛ ظن حصول الحُكم في تلك الصورة، والعمل بالظن واجب، وإذا أقام الدليل على جواز التعليل بالحِكَمِ التي لا تنضبط؛ فليكن جائزًا فيما تنضبط بطريق أولى" (١).
• الصيغة الثانية: ترتب المحال، يَدُلُّ على الرد وأن الصواب خلافه . ومن أمثلته:
• المثال الأول:
قال الجصاص في مسألة (تخصيص العموم بالقياس): "كل ما لا يجوز تخصيصه بخبر الواحد لا يجوز تخصيصه بالقياس؛ وذلك لأن خبر الواحد مقدم على القياس، فما لا يجوز تخصيصه فبالقياس أحرى ألا يخص وهذا مذهب أصحابنا" (٢).
ثم ذكر استدراكًا مقدرًا من الخصم فقال: "فإن قال: استعمال القياس مع العموم أولى من الاقتصار على العموم دون القياس.
قيل له: هذا محال؛ لأنه لا يمكنك استعمال العموم مع استعمال القياس الموجب لتخصيصه، ولست تنفك معه من ترك العموم" (٣).
• المثال الثاني:
قال الرازي في مسألة (إجماع أهل المدينة)، بعد أن ذكر حجة مالك (٤): "ثم إنه معارض بأمور ثلاثة: ... الثالث: أن القول به يؤدي إلى المحال؛ لأن من كان ساكنًا
стр. 741
بالمدينة كان قوله حجة، فإذا خرج منها لا يكون قوله حجة، ومن كان قوله حجة في مكان، كان قوله حجة في كل مكان؛ كالرسول ﷺ " (١).
• المثال الثالث:
ذكر الإسنوي في مسألة (المصلحة المرسلة) دليلاً للإمام مالك (٢) واستدرك عليه فقال: " ... احتج مالك بوجهين: أحدهما: أن الشارع اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام - كما مر في القياس-، واعتبار جنس المصالح يُوجب ظن اعتبار هذه المصلحة؛ لكونها فردًا من أفرادها ....
والمصنف (٣) تبع الإمام (٤) في عدم الجواب عن هذين الدليلين.
وقد يُجاب عن الأول: بأنه لو وجب اعتبار المصالح المرسلة لا شتراكها للمصالح المعتبرة في كونها مصالح؛ لوجب إلغاؤها أيضًا؛ لاشتراكها مع المصالح الملغاة في ذلك؛ فيلزم اعتبارها وإلغاؤها، وهو محال" (٥).
• تنبيهان:
الأول: الصيغ كثيرة جدًّا، وليس المراد حصرها؛ بل حسبي التمثيل لما تيسر لي الوقوف عليها.
стр. 742
الثاني: لا يخفى عليك (١) أن الاستدراك الواحد قد يشمل أكثر من صيغة, وأذكر لذلك مثالاً:
قال ابن السبكي في استدراكه على ابن الحاجب في مسألة (أدلة الإجماع): "الأدلة على أن الإجماع حجة كثيرة، واعلم أن المصنف (٢) انفرد بدليلين رآهما قاطعين، وسلك فيهما غير طريق الآمدي (٣)، ونحن لا نرتضيهما، والرأي عندنا: أن نُخِلَّ كلامه ثم نتعقبه، ثم نشير إلى ما نرتضيه نحن" (٤).
بل قد يشمل الاستدراك الواحد صيغة صريحة وأخرى غير صريحة، وأقرره بالمثال التالي:
قال الشيرازي في مسألة (دخول النبي ﷺ في خطاب الأمة، والعكس بالعكس): "فأما إذا خاطب النبي ﷺ بخطاب خاص في حكم؛ فإنه يكون مقصورًا عليه، ومختصًّا به، لا يدخل فيه غيره بإطلاقه؛ وإنما يدخل فيه بدليل عليه؛ كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، و ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، و ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤ - ٦٥، ٧٠/ التوبة: ٧٣/ الأحزاب: ٤٥، ٥٠، ٥٩/الممتحنة: ١٢/ الطلاق: ١/ التحريم: ١، ٩]، وغير ذلك. ومن الناس من قال: تدخل فيه الأمة.
وهذا غير صحيح؛ لأن الخطاب لا يصلح لهم؛ وإنما يصلح له ﷺ ، ودخول المخاطب في الخطاب إنما هو بحكم صلاحه، فمن المحال دخوله في خطاب لا يصلح
стр. 743
له مقتضاه، ... " (١).
وبعد معرفة الصيغ ناسب ذكر مظان الاستدارك، ثم العروج بذكر آثاره، وختم البحث بعرض طائفة من آدابه، وهذا موضوع الفصل القادم.
стр. 744
الفصل السادس
стр. 745
الفصل السادس
مظان وآثار وآداب الاستدراك الأصولي،
وتطبيقاتها .
وفيه ثلاثة مباحث:
- المبحث الأول: مظان الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.
- المبحث الثاني: آثار الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.
- المبحث الثالث: آداب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها.
تمهيد
المراد بمظان الاستدراك الأصولي
قبل الولوج في مظان الاستدراك الأصولي ناسب التمهيد ببيان المراد بها.
فالمَظَان: جمع مَظِنَّة، ومادة الكلمة (الظاء والنون) أصل صحيح يدل على معنيين مختلفين: اليقين والشك.
والمراد هنا المعنى الأول، يقال: ظننت ظنًّا، أي أيقنت. ومنه مظنة الشيء؛ وهو مَعْلَمه ومكانه. (١)
والمظان في اللغة: المواضع التي يرجح كونه فيها، فمظنة الشيء: مَوضِعُهُ ومَأْلَفُه الذي يُظن كونه فيه. (٢)
والمظان أيضًا: المراجع التي ينشد فيها الباحث طلبته. (٣)
والمقصود بمظان الاستدراك الأصولي: المواضع التي يظن وجود التعقيبات الأصولية فيها.
وهذا التعريف مستفاد من المعنى اللغوي لكلمتي (المظان) و (الاستدراك)، ودلالات ألفاظه واضحة لا تحتاج إلى شرح.
ومظان الاستدراكات الأصولية على أصناف:
- منها ما يرجع إلى الأصولي نفسه؛ كأن يكون هذا العَلَم ممن اشتهر بالاستدراكات.
стр. 748
- ومنها ما يرجع إلى الكتاب الأصولي نفسه؛ بأن يحوي عددًا من الاستدراكات.
- ومنها ما يرجع إلى المسائل الأصولية؛ فهناك عدد من المسائل الأصولية كَثُرَ فيها الاستدراكات والجدل.
وبيان هذه الأصناف في المطالب التالية.
стр. 749
• المطلب الأول: مظان الاستدراك الأصولي
باعتبار الأصوليين وتطبيقاتها
كثير من الشخصيات الأصولية تميزت في هذا الجانب، ولعل من الأنسب ذكر سمات تُشير إليهم (١)؛ حتى لا يُستدرك بإسقاط ثلة منهم؛ وخاصة أن من علماء الأصول من له آراء نقلها المتأخرون تضمنت استدراكات (٢)، وهناك مصنفات أصولية لم تصل إلينا ذُكِرَ في ترجمة مصنفيها صفات تشير إلى مظنة وجود الاستدراك (٣)؛ بل إن من علماء المسلمين من نُقِلَ في ترجمته الإمامة في الأصول ولم نجد له ذكرًا في المصنفات المطبوعة (٤)، فلعل الله يُيسر بعد ذلك جمع آرائه أو الحصول على مصنفات له.
فمن الأوصاف التي أطلقت على المستدرِكين الأصوليين والتي دلت على سعة علمهم الذي خولهم لدخول ميدان الاستدراك (٥):
стр. 750
• أولاً: الوصف بالإمام
لا يوصف بالإمام إلا من بلغ في العلم عتيًّا، وهذا الوصف في المصنفات الأصولية يطلق على عالمين:
الأول منهما: إمام الحرمين، عبدالملك بن عبدالله الجويني عند ابن الحاجب وشراح مختصره.
قال الزركشي: "فائدة: حيث وقع (الإمام) في المختصر فالمراد إمام الحرمين، وأما فخر الدين فلم يُسَمِّه؛ بل يُعبر عنه بقيل تعبًا للآمدي" (١).
وجاء في ترجمته: "هو الإمام شيخ الإسلام البحر الحبر ... إمام الأئمة على الإطلاق عجمًا وعربًا" (٢).
والثاني عند أكثر علماء الأصول ويراد به: الفخر الرازي.
جاء في ترجمته: "محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، الإمام، فخر الدين الرازي، ابن خطيب الري، إمام المتكلمين، ذو الباع الواسع في تعليق العلوم" (٣).
• ثانيًا: الوصف بشيخ الإسلام
وهذا الوصف يُشعرك بعلو منزلة صاحبه، وأنه ذو مكانٍ عالٍ يُؤهله للاستدراك على الآخرين.
وممن وصف بهذا الوصف في ترجمته:
стр. 751
١ - عبدالملك بن عبدالله الجويني.
جاء في ترجمته: "هو الإمام، شيخ الإسلام، البحر الحبر" (١).
٢ - أبو إسحاق إبراهيم الشيرازي.
جاء في ترجمته: "هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، شيخ الإسلام، ومدار العلماء الأعلام في زمانه" (٢).
وقيل أيضًا: "هو الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، صاحب التصانيف التي سارت كمسير الشمس، ودارت الدنيا" (٣).
وقيل: "إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبدالله، الشيخ إسحاق الشيرازي، شيخ الإسلام علمًا وعملاً وورعًا وزهدًا وتصنيفًا واشتغالًا وتلامذة" (٤).
٣ - أبو محمد عبدالله ابن قدامة.
جاء في ترجمته: "عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبدالله المقدسي، ثم الدمشقي، الصالحي، الفقيه، الزاهد الِإمام، شيخ الإسلام، وأحد الأعلام، موفق الدين أبو محمد" (٥).
وقيل أيضًا: "عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر، شيخ الإسلام، موفق الدين، أبو محمد المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي" (٦).
стр. 752
٤ - تقي الدين محمد القشيري - ابن دقيق العيد -.
جاء في ترجمته: "محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، أبو الفتح، تقي الدين ... الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، الحافظ، الزاهد، الورع، الناسك، المجتهد المطلق، ذو الخبرة التامة بعلوم الشريعة، الجامع بين العلم والدين" (١).
٥ - علي بن عبدالكافي السبكي.
جاء في ترجمته: "شيخ الإسلام، قاضي القضاة، تقي الدين أبو الحسن" (٢).
٦ - شيخ الإسلام ابن تيمية.
جاء في ترجمته: "أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد ابن تيمية الحراني، ثم الدمشقي، الإمام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي الزاهد. تقي الدين أبو العباس، شيخ الإسلام، وعلم الأعلام" (٣).
٧ - زكريا بن محمد الأنصاري.
وأطلق هذا الوصف عليه أصحاب الحواشي على جمع الجوامع، كالبناني، والعطار، وابن القاسم (٤).
وجاء في ترجمته: "زكريا الأنصاري، شيخ الإسلام" (٥).
стр. 753
• ثالثًا: الوصف بالتجديد .
وهذا الوصف يشعر بأن صاحبه مستدرِك؛ وذلك لأن هذا الوصف لا يناله إلا من بلغ رتبة عالية في النظر والاجتهاد، والعود بالأمة إلى المنهج الصحيح بعد حقبة زمنية حصل فيها شيء من الخلل.
وممن وصف بهذا الوصف:
١ - أبو حامد أحمد الإسفراييني.
جاء في ترجمته: "توفي الشيخ أبو حامد في شوال، سنة: ست وأربعمائة، ودفن بداره، ثم نقل سنة عشر إلى المقبرة، وعليه تأول جماعة من العلماء حديث: «إنَّ اللهَ يبْعَثُ لِهذِهِ الْأُمّةِ على رأْسِ كل مِائةِ سنَةٍ من يُجدِّدُ لها دِينهَا» (١). (٢)
٢ - أبو حامد محمد الغزالي.
حيث عُد المجدد للمئة الخامسة (٣).
٣ - فخر الإسلام محمد الرازي.
عد المجدد للمئة السادسة (٤).
стр. 754
٤ - تقي الدين محمد القشيري -ابن دقيق العيد-.
عد المجدد للمئة السابعة (١).
٥ - جمال الدين عبدالرحيم الإسنوي.
المجدد للمئة الثامنة (٢).
• رابعًا: الوصف بالاجتهاد المطلق .
هذا الوصف لا يصل إليه إلا من بلغ مرتبة النظر والاجتهاد، فهو ملم بالخلاف في المسألة، محرر للأقوال فيها، ناقدٌ لها على بصيرة، مقرر لما يراه حقًّا، فأقواله وتصنيفاته مظنة للاستدراكات، بخلاف المجتهد المقلد الذي ينقل الأقوال، ويقرر ما قرره غيره.
وممن وصف بهذا الوصف:
١ - أحمد بن عمر بن سريج.
قيل عنه: "ابن سريج سيد طبقته بإطباق الفقهاء، وأجمعهم للمحاسن باجتماع العلماء، ثم هو الصدر الكبير، والشافعي الصغير، والإمام المطلق، والسباق الذي لا يلحق" (٣).
٢ - تقي الدين محمد القشيري -ابن دقيق العيد-.
جاء في ترجمته: "الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، الحافظ، الزاهد، الورع، الناسك، المجتهد المطلق، ذو الخبرة التامة بعلوم الشريعة، الجامع بين العلم والدين" (٤).
стр. 755
٣ - شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية.
جاء في ترجمته: "وفيها شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله بن تيمية الحراني الحنبلي؛ بل المجتهد المطلق" (١).
٤ - علي بن عبدالكافي السبكي.
جاء في ترجمته: "شيخ الإسلام، بقية المجتهدين المطلق" (٢).
• خامسًا: الوصف بالعَلاَّمة .
وهذا الوصف أطلق في بعض الكتب الأصولية؛ كمناهج العقول، وحاشية التفتازاني على شرح العضد، ويراد به: قطب الملة والدين الشيرازي (٣). (٤)
• سادسًا: الوصف بالقاضي .
رتبة القاضي لا ينالها إلا من بلغ مرتبة متقدمة في العلوم الشرعية، وقد تقلد هذا المنصب عدد من علماء الأصول؛ إلا أن هذا الوصف اشتهر به عدد؛ منهم:
١ - القاضيان: محمد بن الطيب الباقلاني، وعبدالجبار بن أحمد الهمداني.
ذكر ابن الصلاح وابن السبكي: "إذا ذكر الشيخ أبو إسحاق وشبهه من العراقيين (القاضي) مطلقًا في فن الفقه؛ فهو أبو الطيب الطبري، وكثيرًا ما يقع ذلك في تعليق أبي إسحاق. وإذا جرى ذلك من أبي المعالي ابن الجويني وغيره من
стр. 756
الخراسانيين؛ فهو القاضي حسين المروذي. وإذا جرى مثل ذلك في الأصول والكلام من أشعري ونحوه؛ فالمراد ابن الطيب أبو بكر الباقلاني، وإن كان من معتزلي فالمعني به عبدالجبار" (١).
٢ - محمد بن الحسين الفراء - أبو يعلى -.
جاء في ترجمته: "القاضي أبو يعلى، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء، الفقيه الحنبلي" (٢).
وقيل عنه: "أبو يعلى بن الفراء، شيخ الحنابلة، القاضي الحبر، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف البغدادي، صاحب التصانيف، وفقيه العصر".
٣ - عبدالرحمن بن أحمد الإيجي.
جاء في ترجمته: "عبدالرحمن بن أحمد بن عبدالغفار، قاضي قضاة الشرق، وشيخ العلماء بتلك البلاد، العلامة عضد الدين الإيجي" (٣).
٤ - عبدالله بن عمر البيضاوي.
جاء في ترجمته: "عبدالله بن عمر بن محمد بن علي البيضاوي الشافعي، يلقب بناصر الدين، ويكنى بأبي الخير، ويعرف بالقاضي" (٤).
• سابعًا: الوصف بالتحقيق .
وهذا الوصف لا يطلق إلا على من بلغ مرتبة النظر والتبحر في العلم، فيستطيع تحقيق الحق، وبيان الصواب، وممن وصف به:
стр. 757
١ - عبدالملك بن عبدالله الجويني.
جاء في ترجمته: "الحبر المدقق المحقق ... العلم الفرد، زينة المحققين" (١).
٢ - سيف الدين علي الآمدي.
وصفه ابن خلدون بأنه مولع بتحقيق المذاهب (٢).
٣ - عثمان بن عمرو ابن الحاجب.
جاء في ترجمته: "كان ﵀ إمامًا فاضلاً، محققًا" (٣).
وقال أمير بادشاه في خطبته: "وقد اشتهر في الآفاق بموجب الاستحقاق، مختصر الإمام المدقق، والعلامة المحقق، ذي الرأي الثاقب، الشيخ ابن الحاجب" (٤).
٤ - عبيد الله بن مسعود المحبوبي.
قال أمير بادشاه: "وكتاب التنقيح مع شرحه التوضيح للإمام المحقق، والبحر المدقق، صدر الشريعة والإسلام، أعلى الله درجته في دار السلام" (٥).
٥ - عبدالرحمن بن أحمد الإيجي.
جاء في ترجمته: "والشيخ سعد الدين التفتازاني في حاشية العضد كثير الثناء عليه، ويصفه بالمحقق" (٦).
стр. 758
وكثير ما يعبر البدخشي (١)
عنه بالمحقق (٢). (٣)
٦ - مسعود بن عمر التفتازاني.
قال أمير بادشاه: " ... وحاشيته للمحقق الثاني العلامة التفتازاني، أستاذ المخلصين، وخلاصة المتأخرين، شكر الله بره، وقدس سره" (٤).
• ثامنًا: الوصف بالتدقيق .
ووصف التدقيق لا يتصف به إلا من كانت لديه حصيلة علمية عالية تؤهله لتدقيق عبارات العلماء والاستدراك بالتصحيح، أو دفع لبس يفهم من العبارة. وممن وصف بهذا الوصف:
١ - عبدالملك بن عبدالله الجويني.
جاء في ترجمته: "هو الإمام، شيخ الإسلام، البحر الحبر المدقق" (٥).
٢ - عثمان بن عمرو ابن الحاجب.
قال صدر الشريعة في خطبة كتابه: "لما رأيت فحول العلماء مُكبِّين في كل عهد وزمان على مباحثة أصول الفقه ... للشيخ الإمام مقتدى الأئمة العظام فخر الإسلام علي البزدوي ... أردت تنقيحه وتنظيمه، وحاولت - أي طلبت- تبيين مراده
стр. 759
وتفهيمه، وعلى قواعد المعقول تأسيسه وتقسيمه، مُوردًا فيه زبدة مباحث المحصول وأصول الإمام المدقق جمال العرب ابن الحاجب، مع تحقيقات بديعة، وتدقيقات غامضة منيعة، تخلو الكتب عنها، سالكًا فيه مسلك الضبط والإيجاز". (١)
وأشار إليه البدخشي بهذا الوصف (٢). (٣)
وسبق ذكر كلام أمير بادشاه في وصفه بالمدقق.
٣ - صدر الشريعة عبيد الله المحبوبي.
قال أمير بادشاه: "وكتاب التنقيح، مع شرحه التوضيح، للإمام المحقق، والبحر المدقق، صدر الشريعة والإسلام، أعلى الله درجته في دار السلام" (٤).
• تاسعًا: الوصف بالتنقيح .
التصانيف المنقحة لا تكون إلا من مصنف منقح، وبهذا وصفت مصنفات ابن الحاجب، فجاء في ترجمته: "عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، العلامة جمال الدين، أبو عمرو ابن الحاجب، الكردي الدويني الأصل، الإسنائي المولد، المقرئ، النحوي، المالكي، الأصولي، الفقيه، صاحب التصانيف المنقحة" (٥).
• عاشرًا: الوصف بالنظار والجدلي .
المناظرة والجدل فرع من الاستدراكات؛ وذلك لأن مناظرة وجدال المخالفين تعتمد على استدراكات تُورد على أدلتهم بالطعن والتضعيف. ومن الأصوليين الذين اشتهروا بالجدل والمناظرة:
стр. 760
١ - أحمد بن عمر بن سريج.
ذكر في ترجمته: " ... وأول من فتح باب النظر، وعلم الناس طريق الجدل" (١).
٢ - القاضي أبو زيد عبدالله الدبوسي.
" القاضي أبو زيد عبدالله بن عمر بن عيسى الدبوسي، ... كان له بسَمَرْقَنْد (٢) وبُخَارَى (٣) مناظرات مع الفحول" (٤).
٣ - أبو إسحاق إبراهيم الشيرازي.
" وقد كان يضرب به المثل في الفصاحة والمناظرة" (٥).
وقيل عنه أيضًا: "وكان الشيخ أبو إسحاق غضنفرًا في المناظرة لا يصطلى
стр. 761
له بنار" (١).
٤ - عبدالملك بن عبدالله الجويني.
جاء في ترجمته: "هو الإمام، شيخ الإسلام، البحر، الحبر، المدقق، المحقق، النظار، الأصولي" (٢).
٥ - عثمان بن عمر ابن الحاجب.
قيل عنه: "كان ﵀ إمامًا فاضلاً، محققًا، نحويًا، صرفيًّا، عروضيًا، فقيهًا، أصوليًا، متكلمًا، نظارًا، مقرئًا، أديبًا، شاعرًا" (٣).
٦ - علي بن عبدالكافي السبكي.
جاء في ترجمته: "الجدلي الخلافي النظار" (٤).
٧ - صدر الشريعة عبيد الله المحبوبي.
جاء في ترجمته: "الإمام الحنفي، الفقيه الأصولي، الجدلي، ... النظار المتكلم المنطقي" (٥).
٨ - تاج الدين عبدالوهاب السبكي.
قيل عنه: "وكان له قدرة على المناظرة ... وعقدت له مجالس فأبان عن شجاعة وأفحم خصومه" (٦).
стр. 762
• حادي عشر: الوصف بأكثر من علم .
ذكرنا في مبادئ علم الاستدراك أنه يستمد مادته العلمية من عدة علوم، وهذا يرجع إلى أصله (علم أصول الفقه).
فلما كان الأصل -وهو علم أصول الفقه- يستمد مادته العلمية من علوم أخرى، وكان هذا الاستمداد يشمل مسائل مختلفًا فيها ووقع فيه استدراكات؛ كان هذا الوصف مظنة لوجود استدراكات أصولية؛ فإن من كثر اشتغاله بعلوم أخرى، وكان له اطلاع ومعرفة بها؛ استطاع أن يستدرك عند وجود خلل في النقل عن هذا الفن.
وممن اشتهر بسعة اطلاعه من علماء الأصول:
١ - أبو الوليد سليمان الباجي.
قيل عنه: "الإمام العلامة الحافظ ذو الفنون" (١).
وقيل أيضًا: "أبو الوليد الباجي، الفقيه، الأصولي، المتكلم، المفسر، الأديب، الشاعر ... وبرع في الحديث، والتفسير، والفقه، والأصول، وتصدر للإفادة، وانتفع به جماعة كثيرة" (٢).
٢ - عبدالملك بن عبدالله الجويني.
جاء في ترجمته: "المتكلم البليغ الفصيح الأديب العلم الفرد" (٣).
٣ - أبو المظفر منصور السمعاني.
جاء في ترجمته: "وكانت له يد طولى في فنون كثيرة" (٤).
стр. 763
وقيل عنه أيضًا: "صنف في التفسير والفقه والحديث والأصول" (١).
٤ - فخر الدين محمد الرازي.
جاء في ترجمته: "وفي سنة ست وستمائة في ذي الحجة توفي بهراة الإمام الفخر الرازي محمد بن عمر المعروف بابن الخطيب بالري، وكان من أفاضل أهل زمانه، بَزَّ (٢) القدماء في الفقه وعلم الأصول والكلام والحكمة، وردَّ على أبي عَلِي ابن سِيْنَا (٣) واستدرك عليه" (٤).
٥ - علي بن إسماعيل الأبياري.
جاء في ترجمته: "كان الأبياري من العلماء الأعلام، وأئمة الإسلام، بارعًا في علوم شتى؛ الفقه وأصوله وعلم الكلام" (٥).
٦ - سيف الدين علي الآمدي.
" وصنف في أصول الفقه، والدين، والمنطق، والحكمة، والخلاف، وكل تصانيفه مفيدة" (٦).
٧ - عثمان بن عمر ابن الحاجب.
قيل عنه: "كان ﵀ إمامًا فاضلاً، محققًا، نحويًا، صرفيًّا، عروضيًا، فقيهًا،
стр. 764
أصوليًا، متكلمًا، نظارًا، مقرئًا، أديبًا، شاعرًا ... ألف ابن الحاجب في النحو والصرف، والعروض، والأصول، والجدل، والفقه، والقراءات، وكانت كل مصنفاته في غاية الجودة والتحقيق" (١).
٨ - أحمد بن إدريس القرافي.
جاء في ترجمته: "كان إمامًا بارعًا في الفقه والأصول، والعلوم العقلية، وله معرفة بالتفسير" (٢).
٩ - نجم الدين سليمان الطوفي.
جاء في ترجمته: "كان فقيهًا شاعرًا أديبًا، فاضلاً قيمًا بالنحو واللغة والتاريخ، مشاركًا في الأصول" (٣).
وقيل عنه: "الفقيه، الأصولي، المتفنن" (٤).
١٠ - علي بن عبدالكافي السبكي.
جاء في ترجمته: "الشيخ الإمام، الفقيه، المحدث، الحافظ، المفسر، المقرئ، الأصولي، المتكلم، النحوي، اللغوي، الأديب، الحكيم المنطقي، الجدلي، الخلافي، النظار" (٥).
١١ - مظفر الدين أحمد ابن الساعاتي.
جاء في ترجمته: "كان ﵀ إمام عصره في العلوم الشرعية، ثقة حافظًا، متقنًا في
стр. 765
الفروع والأصول ... له مصنفات في الفقه والأصول تشهد له بطول الباع، وسعة الاطلاع" (١).
١٢ - عبدالرحمن بن أحمد الإيجي.
قيل عنه: "إمامًا في المعقول، قائمًا بالأصول والمعاني والعربية، مشاركًا في الفنون" (٢).
١٣ - قطب الدين محمود الشيرازي.
جاء في ترجمته: "الشيخ الإمام العلامة قطب الدين محمود بن مسعود بن مصلح الشيرازي، كان عالماً بالفلسفة والمنطق والأصول والحكمة، وله فيها مصنفات تدل على فضله" (٣).
١٤ - صدر الشريعة عبدالله المحبوبي.
جاء في ترجمته: "الإمام الحنفي الفقيه الأصولي الجدلي المحدث المفسر النحوي اللغوي الأديب النظار المتكلم المنطقي ... كان حافظًا لقوانين الشريعة، محيطًا بمشكلات الفروع والأصول، متبحرًا في المعقول والمنقول" (٤).
١٥ - تاج الدين عبدالوهاب السبكي.
قيل عنه: "حصل فنونًا من العلم من الفقه والأصول، وكان ماهرًا فيه، والحديث والأدب، وبرع، شارك في العربية، وكان له يد في النظم والنثر ... صنف تصانيف عدة في فنون" (٥).
стр. 766
١٦ - جمال الدين عبدالرحيم الإسنوي.
جاء في ترجمته: "الفقيه الشافعي الأصولي النحوي العروضي" (١).
١٧ - أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي.
قيل عنه: "وكان علامة، فاضلاً، ذا فنون" (٢).
١٨ - مسعود بن عمر التفتازاني.
قيل عنه: "مسعود بن عمر بن عبدالله، الشيخ سعد الدين التفتازاني، الإمام العلامة، عالم بالنحو والتصريف والمعاني والبيان والأصلين والمنطق وغيرها، ... وتقدم في الفنون، واشتهر ذكره، وطار صيته، وانتفع الناس بتصانيفه ... وانتهت إليه معرفة العلوم بالمشرق" (٣).
١٩ - بدر الدين محمد الزركشي.
قيل عنه: "وألف تصانيف كثيرة في عدة فنون، وهو عالم في الحديث والتفسير وجميع العلوم" (٤).
٢٠ - زكريا بن محمد الأنصاري.
جاء في ترجمته: "قاضٍ، مفسر، من حفاظ الحديث" (٥).
стр. 767
• ثاني عشر: تعدد المدارس العلمية ؛ ومنهم:
١ - أبو الوليد سليمان الباجي.
جاء في ترجمتة: "أبو الوليد الباجي: أبو الوليد، سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي المالكي الأندلسي الباجي، كان من علماء الأندلس وحفاظها، سكن شرق الأندلس، ورحل إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة أو نحوها، ... ثم رحل إلى بغداد، فأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه، ويقرأ الحديث، ولقي بها سادة من العلماء؛ كأبي الطيب الطبري الفقيه الشافعي، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي صاحب المهذب (١)، ... وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة عشر عامًا" (٢).
٢ - أبو العباس أحمد القرافي.
جاء في ترجمته: "مالكي المذهب، وأخذ كثيرًا من علومه عن الشيخ الإمام العلامة الملقب بسلطان العلماء عز الدين بن عبدالسلام الشافعي". (٣)
٣ - تقي الدين محمد ابن دقيق العيد.
جاء في ترجمته: "تفقه بقُوْصٍ (٤) على والده، وكان والده مالكي المذهب، ثم تفقه
стр. 768
على شيخ الإسلام عز الدين بن عبدالسلام، فحقق المذهبين" (١).
• ثالث عشر: التحول عن مذهب لآخر (٢).
من الأسباب الدافعة لانتقال العَلم من مذهب لآخر: ترجح المذهب الآخر لديه، فهو بهذا الانتقال يكون ملمًّا بمذهبين، فيكسبه حقيقة الوقوف على المذهب الأول؛ حيث كان أحد أعلامه، فيستدرك على حجاجه، ويستدرك على المخالفين للمذهب الأول تقريرهم الخاطئ له.
ومن علماء الأصول الذين تحولوا من مذهب فقهي إلى آخر:
١ - سيف الدين علي الآمدي.
جاء في ترجمته: "الإمام العلامة الفقيه الأصولي، أبو الحسن علي بن أبي علي ابن محمد، الملقب سيف الدين، الأسدي الثعلبي، الحنبلي الشافعي، صاحب التصانيف البديعة، النازلة في المنزلة الرفيعة المفيدة النافعة، الصادرة عن القريحة البارعة، كان في أول اشتغاله حنبلي المذهب، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي" (٣).
فاستطاع بذلك تحرير مذهب الحنابلة في المسألة الأصولية؛ لعلمه بمذهبهم (٤).
٢ - أبو المظفر منصور السمعاني.
كان في أول أمره على مذهب الإمام أبي حنيفة، ثم انتقل إلى مذهب
стр. 769
الشافعية (١).
فاستطاع تحقيق مذهب الحنفية في المسائل الخلافية، وتقريب وجهة النظر مع الشافعية في بعض المسائل، وإيضاح أن الخلاف لفظي، واستدرك على الشافعية الخطأ في فهم مراد الحنفية؛ كما حدث في مسألة الاستحسان (٢).
٣ - أحمد بن علي بن برهان.
"أحمد بن علي بن محمد بن برهان الأصولي ... هو الشيخ الإمام أبو الفتح، كان أولًا حنبلي المذهب، ثم انتقل وتفقه على الشاشي (٣) والغزالي وإِلْكيَّا (٤) " (٥).
стр. 770
• المطلب الثاني: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الكتب وتطبيقاتها
بعد تصفح أكبر عدد ممكن من كتب الأصول تخلصت إلى نتيجة مفادها: أنه لا يكاد يخلو كتاب في أصول الفقه من ذكر عدد من الاستدراكات بأي نوع من أنواع الاستدراك؛ وخاصة الاستدراك المقدر.
إلا أن مَنْ أراد الوقوف على جملة من الاستدراكات الأصولية على المصنفات الأصولية فليول وجهه شطر الكتب التالية:
الأول: مطالعة الكتب التي يحوي عنوانها الألفاظ التالية: "المآخذ"، "التنقيح"، "النقد"، "التصحيح"، "التقييد"، ونحو ذلك .
فهذه الكتب من مظان الاستدراكات الأصولية، وأذكر أمثلة لهذه الكتب
١ - المآخذ على المحصول (١)، لسيف الدين الآمدي.
٢ - تنقيح محصول ابن الخطيب في أصول الفقه، لمظفر بن أبي الخير التبريزي.
١ - الردود والنقود شرح مختصر ابن الحاجب، لمحمد بن محمود البابرتي.
٢ - تقييدات على تنقيح الفصول (٢)، لأحمد بن عبدالرحمن التادَلي (٣).
стр. 771
٣ - حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح، لمحمد الطاهر بن عاشور.
ثانيًا: النظر في كتب الحواشي؛ فإن الاستدراك من مهام المحشي .
ومن الحواشي التي احتوت على عدد من الاستدراكات:
حاشية التفتازاني على التوضيح للمحبوبي، وحاشية المطيعي على نهاية السول للإسنوي، وحواشي جمع الجوامع، وحواشي شرح العضد الأيجي.
ثالثًا: تصفح المختصرات والشروح ؛ وخاصة إذا كان المختصر والشارح مخالفًا لصاحب الأصل في المذهب الفقهي، وأسرد لهذه النقطة بعض الكتب (١)، مبتدئة بالمختصرات، ثم الشروح:
من المختصرات التي اختلف فيها المذهب الفقهي للمختصر عن مذهب صاحب المتن:
١ - الضروري في أصول الفقه، لمحمد بن رشد الحفيد المالكي، كتابه هذا اختصار للمستصفى لأبي حامد محمد الغزالي الشافعي.
٢ - لباب المحصول في علم الأصول، للحسين ابن رشيق المالكي، اختصر في كتابه المستصفى لأبي حامد محمد الغزالي الشافعي.
٣ - منتهى السول والأمل ومختصره الشهير بـ (بمختصر ابن الحاجب)، وابن الحاجب مالكي المذهب، اختصر الإحكام في أصول الأحكام لسيف الدين علي الآمدي الشافعي.
стр. 772
٤ - تنقيح الفصول، لأحمد بن إدريس القرافي المالكي، يُعد مختصرًا لمحصول الفخر الرازي الشافعي.
ومن الشروح:
١ - إيضاح المحصول من برهان الأصول، لأبي عبدالله محمد المازري المالكي، فكتابه شرح للبرهان في أصول الفقه للإمام عبدالملك بن عبدالله الجويني.
٢ - التحقيق والبيان في شرح البرهان، لأبي الحسن علي الأبياري المالكي، وكذلك كتابه شرح للبرهان في أصول الفقه للجويني.
٣ - نفائس الأصول في شرح المحصول، لشهاب الدين أحمد القرافي المالكي، شرح في كتابه محصول الفخر الرازي الشافعي.
٤ - بيان المختصر، لمحمود بن عبدالرحمن الأصفهاني الشافعي، شرح في كتابه مختصر ابن الحاجب المالكي.
٥ - رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، لتاج الدين عبدالوهاب السبكي الشافعي، شرح فيه كتاب مختصر ابن الحاجب المالكي.
стр. 773
• المطلب الثالث: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الموضوعات الأصولية وتطبيقاتها
كثير من المسائل الأصولية مختلف فيها بين الأصوليين (١)، فيذهب كل فريق إلى تقوية أدلته بذكر استدراكات مقدرة يتم الإجابة عليها، والاستدراك على أدلة الفريق الآخر بالتضعيف.
والناظر في هذه المسائل يجد أن الخلاف في اتجاهين:
الاتجاه الأول: خلاف مع مذهب عقدي.
الاتجاه الثاني: خلاف مع مذهب فقهي.
• فمن مظان الاستدراكات في مسائل الاتجاه الأول -الخلاف مع مذهب عقدي -:
١ - مسألة: التحسين والتقبيح.
٢ - مسألة: وجوب شكر المنعم (٢).
٣ - تعريف الحكم الشرعي.
٤ - مسألة: خطاب المعدوم.
٥ - مسألة: هل للأمر صيغة بنفسه؟
٦ - مسألة: هل للعموم صيغ؟
٧ - مسألة: هل أمر الله سبحانه مستلزم لإرادته أم لا؟
стр. 774
٨ - مسألة: هل يجب على الله رعاية الصلاح في فعله وحكمه؟
٩ - التكليف بما لا يطاق.
وغيرها من المسائل.
• ومن مظان الاستدراكات في مسائل الاتجاه الثاني -الخلاف مع مذهب فقهي -:
١ - مسألة: حجية القراءة الشاذة.
٢ - مسألة: الزيادة على النص هل هي النسخ؟
٣ - مسألة: نسخ جزء العبادة أو شرطها هل هو نسخ لها؟
٤ - مسألة: مراسيل غير الصحابة.
٥ - مسألة: خبر الواحد فيما تعم به البلوى.
٦ - مسألة: إجماع أهل المدينة.
٧ - مسألة: حجية الاستحسان.
٨ - مسألة: القياس في اللغة.
٩ - مسألة: حجية المصلحة المرسلة.
١٠ - مسألة: دلالة العام على أفراده.
١١ - مسألة: حكم العام الوارد على السبب خاص.
١٢ - مسألة: حكم الاستثناء بعد جمل متعاطفة.
١٣ - مسألة: حجية مفهوم المخالفة.
١٤ - مسألة: تخصيص العلة.
١٥ - مسألة: القياس في الأسباب والحدود والكفارات والرخص والأبدال.
وغيرها من المسائل الأصولية التي وقع فيها الخلاف.