٣ - حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح، لمحمد الطاهر بن عاشور.
ثانيًا: النظر في كتب الحواشي؛ فإن الاستدراك من مهام المحشي .
ومن الحواشي التي احتوت على عدد من الاستدراكات:
حاشية التفتازاني على التوضيح للمحبوبي، وحاشية المطيعي على نهاية السول للإسنوي، وحواشي جمع الجوامع، وحواشي شرح العضد الأيجي.
ثالثًا: تصفح المختصرات والشروح ؛ وخاصة إذا كان المختصر والشارح مخالفًا لصاحب الأصل في المذهب الفقهي، وأسرد لهذه النقطة بعض الكتب (١)، مبتدئة بالمختصرات، ثم الشروح:
من المختصرات التي اختلف فيها المذهب الفقهي للمختصر عن مذهب صاحب المتن:
١ - الضروري في أصول الفقه، لمحمد بن رشد الحفيد المالكي، كتابه هذا اختصار للمستصفى لأبي حامد محمد الغزالي الشافعي.
٢ - لباب المحصول في علم الأصول، للحسين ابن رشيق المالكي، اختصر في كتابه المستصفى لأبي حامد محمد الغزالي الشافعي.
٣ - منتهى السول والأمل ومختصره الشهير بـ (بمختصر ابن الحاجب)، وابن الحاجب مالكي المذهب، اختصر الإحكام في أصول الأحكام لسيف الدين علي الآمدي الشافعي.
стр. 772
٤ - تنقيح الفصول، لأحمد بن إدريس القرافي المالكي، يُعد مختصرًا لمحصول الفخر الرازي الشافعي.
ومن الشروح:
١ - إيضاح المحصول من برهان الأصول، لأبي عبدالله محمد المازري المالكي، فكتابه شرح للبرهان في أصول الفقه للإمام عبدالملك بن عبدالله الجويني.
٢ - التحقيق والبيان في شرح البرهان، لأبي الحسن علي الأبياري المالكي، وكذلك كتابه شرح للبرهان في أصول الفقه للجويني.
٣ - نفائس الأصول في شرح المحصول، لشهاب الدين أحمد القرافي المالكي، شرح في كتابه محصول الفخر الرازي الشافعي.
٤ - بيان المختصر، لمحمود بن عبدالرحمن الأصفهاني الشافعي، شرح في كتابه مختصر ابن الحاجب المالكي.
٥ - رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، لتاج الدين عبدالوهاب السبكي الشافعي، شرح فيه كتاب مختصر ابن الحاجب المالكي.
стр. 773
• المطلب الثالث: مظان الاستدراك الأصولي باعتبار الموضوعات الأصولية وتطبيقاتها
كثير من المسائل الأصولية مختلف فيها بين الأصوليين (١)، فيذهب كل فريق إلى تقوية أدلته بذكر استدراكات مقدرة يتم الإجابة عليها، والاستدراك على أدلة الفريق الآخر بالتضعيف.
والناظر في هذه المسائل يجد أن الخلاف في اتجاهين:
الاتجاه الأول: خلاف مع مذهب عقدي.
الاتجاه الثاني: خلاف مع مذهب فقهي.
• فمن مظان الاستدراكات في مسائل الاتجاه الأول -الخلاف مع مذهب عقدي -:
١ - مسألة: التحسين والتقبيح.
٢ - مسألة: وجوب شكر المنعم (٢).
٣ - تعريف الحكم الشرعي.
٤ - مسألة: خطاب المعدوم.
٥ - مسألة: هل للأمر صيغة بنفسه؟
٦ - مسألة: هل للعموم صيغ؟
٧ - مسألة: هل أمر الله سبحانه مستلزم لإرادته أم لا؟
стр. 774
٨ - مسألة: هل يجب على الله رعاية الصلاح في فعله وحكمه؟
٩ - التكليف بما لا يطاق.
وغيرها من المسائل.
• ومن مظان الاستدراكات في مسائل الاتجاه الثاني -الخلاف مع مذهب فقهي -:
١ - مسألة: حجية القراءة الشاذة.
٢ - مسألة: الزيادة على النص هل هي النسخ؟
٣ - مسألة: نسخ جزء العبادة أو شرطها هل هو نسخ لها؟
٤ - مسألة: مراسيل غير الصحابة.
٥ - مسألة: خبر الواحد فيما تعم به البلوى.
٦ - مسألة: إجماع أهل المدينة.
٧ - مسألة: حجية الاستحسان.
٨ - مسألة: القياس في اللغة.
٩ - مسألة: حجية المصلحة المرسلة.
١٠ - مسألة: دلالة العام على أفراده.
١١ - مسألة: حكم العام الوارد على السبب خاص.
١٢ - مسألة: حكم الاستثناء بعد جمل متعاطفة.
١٣ - مسألة: حجية مفهوم المخالفة.
١٤ - مسألة: تخصيص العلة.
١٥ - مسألة: القياس في الأسباب والحدود والكفارات والرخص والأبدال.
وغيرها من المسائل الأصولية التي وقع فيها الخلاف.
تمهيد
المراد بآثار الاستدراك الأصولي
قال ابن فارس: " (أثر): الهمزة والتاء والراء له ثلاثة أصول:
تقديم الشيء، وذكر الشيء، ورسم الشيء الباقي. (١) والأصل الثالث هو المراد هنا.
والأثر في اللغة: العلامة وبقية الشيء، والجمع: آثار وأُثور، والتأثير: إبقاء الأثر في الشيء.
وأثرة العلم: بقية منه، تؤثر: أي تروى وتذكر. (٢)
وفي الاصطلاح: يطلق على أربعة معان:
١. النتيجة، وهو الحاصل من الشيء.
٢. العَلاَمة.
٣. الخبر.
٤. ما يترتب على الشيء، وهو المسمى بالحكم عند الفقهاء. (٣)
والأقرب من هذه التعريفات للمطلوب هو المعنى الأول والرابع.
فالمراد بآثار الاستدراك الأصولي: النتائج الحاصلة من التعقيبات الأصولية.
وهذا المعنى مستفادة من المعنى الاصطلاحي لكلمة (آثر)، والمعنى اللغوي لكلمة (استدراك).
стр. 777
• المطلب الأول
الآثار الإيجابية للاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها
ظهر لي أثناء البحث عدة أصناف للآثار الإيجابية للاستدراك، ويمكن وصفها بالآتي:
• أولاً: الأثر المتولِّد:
وهو النتيجة الناشئة عن الاستدراك الأصولي.
فالاستدراك الأصولي أثر في ميلاد أفكار وموضوعات جديدة في علم الأصول، والناظر في المصنفات الأصولية منذ النشأة حتى القرن الرابع عشر يلحظ ذلك؛ حيث زيد في عدد الموضوعات الأصولية.
بل إن الاستدراك الأصولي كان له أثر في توليد مصنفات جديدة؛ ومن ذلك: ما ذكره ابن السبكي عن والده أنه صنف كتابًا لاستدراك يورده الأصوليون فقال: "وقد نجز من القول في هذه المسألة (١) ما لا يحتمل هذا الشرح (٢) أطول منه، وبقي سؤال يورده الشيوخ: وهو أن المشتهر عن المتكلمين أن أحكام الله تعالى لا تعلل، واشتهر عن الفقهاء التعليل، وأن العلة بمعنى الباعث، وتوهم كثير منهم (٣) [] (٤)
стр. 778
أنها باعثة للشرع على الحكم كما هو مذهب [من] (١) قد بينا بطلانه (٢)، فيتناقض كلام الفقهاء وكلام المتكلمين.
وما زال الشيخ الإمام الوالد والدي - أطال الله عمره - يستشكل الجمع بين كلاميهما، إلى أن جاء ببديع من القول فقال - في مختصر لطيف كتبه على هذا السؤال وسماه: ورد العلل في فهم العلل (٣) -: (لا تناقض بين الكلامين؛ لأن المراد أن العلة باعثة على فعل المكلف؛ مثاله: حفظ النفوس فإنه علة باعثة على القصاص الذي هو المكلف المحكوم به من جهة الشرع، فحكم الشرع لا علة له، ولا باعث عليه؛ لأنه قادر أن يحفظ النفوس بدون ذلك؛ وإنما تعلق أمره بحفظ النفوس، وهو مقصود في نفسه، وبالقصاص؛ لكونه وسيلة إليه، فكلا المقصد والوسيلة مقصود للشرع. وأجرى الله تعالى العادة أن القصاص سبب للحفظ، فإذا فعل المكلف من السلطان والقاضي وولي الدم القصاص وانقاد إليه القاتل امتثالاً لأمر الله به ووسيلة إلى حفظ النفوس؛ كان لهم أجران؛ أجر على القصاص، وأجر على حفظ النفوس، وكلاهما مأمور به من جهة الله تعالى:
أحدهما: بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
والثاني: إما بالاستنباط وإما بالإيماء في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وهكذا يستعمل ذلك في جميع الشريعة، ومن هنا يتبين أن كل حكم معقول المعنى فللشارع فيه مقصودان:
стр. 779
أحدهما: ذلك المعنى. والثاني: الفعل الذي هو طريق إليه وأمر المكلف أن يفعل ذلك الفعل قاصدًا به ذلك المعنى، فالمعنى باعث له؛ لا للشارع، ومن هنا يعلم أن الحكم المعقول المعنى أكثر أجرًا من الحكم التعبدي.
نعم التعبدي فيه معنى آخر؛ وهو أن النفس لاحظ لها فيه، فقد يكون أجر الواحد يعدل الأجرين اللذين في الحكم غير التعبدي، ويعرف أيضًا أن العلة القاصرة - سواء كانت منصوصة أم مستنبطة - فيها فائدة، وقد ذكر الناس لها فوائد، وما ذكرناه فائدةٌ زائدةٌ؛ وهي قصد المكلف فعله لأجلها فيزداد أجره.
فانظر هذه الفائدة الجليلة، واستعمل في كل مسألة ترد عليك هذا الطريق، وميز بين المراتب الثلاث؛ وهي: حكم الله بالقصاص، ونفس القصاص، وحفظ النفوس، وهو باعث على الثاني لا على الأول، وكذا حفظ المال بالقطع في السرقة، وحفظ العقل باجتناب المسكر، فشد يديك بهذا الجواب" (١).
• ثانيًا: الأثر المُعدَّل:
هو النتيجة المعاد تشكيلها بعد الاستدراك الأصولي.
فعلم أصول الفقه منذ النشأة إلى القرن الرابع عشر مر بمراحل مختلفة من النمو والتطور المعرفي، وهذا التطور تعرض لعدة جوانب من الاستدراكات التي أثرت في إعادة الصياغة الأصولية، وظهر هذا جليًا في الأمور التالية:
- إعادة صياغة القواعد الأصولية.
- إعادة صياغة الحدود.
- إعادة صياغة عنوان المسألة الأصولية.
- إعادة التبويب والترتيب في المباحث الأصولية.
стр. 780
- استدراك الأصولي على نفسه، ففيه تعديل لقوله السابق.
وقد سبق ذكر أمثلة للاستدراكات كانت سببًا لإعادة صياغة العناوين (١) والحدود (٢) والترتيب (٣) في المسائل الأصولية. كما مرت أمثلة لاستدراكات الأصولي على نفسه (٤) فأكتفي بها، وأذكر هنا مثالاً لاستدراك إعادة صياغة القاعدة الأصولية، وهو ما نقل عن أئمة المذهب الحنفي: أن رجلاً لو قال: أوصيتُ بداري لموالي، ومات قبل البيان؛ بطلت الوصية.
ففهم المتأخرون من الحنفية أن البطلان جاء من جهة أن لفظ (الموالي) مشترك بين العبيد الذين أعتقهم الموصي، والأسياد الذين أعتقوا الموصي؛ فالموصى له غير معين، ويشترط لصحة الوصية أن يكون الموصى له معينًا، وفوات الشرط يترتب عليه فوات المشروط، فتكون الوصية حينئذ باطلة.
ففهم الحنفية من القول بالبطلان أن كل لفظ وضع لأكثر من معنى - وهو: اللفظ المشترك - لا يمكن أن يُراد منه كل المعاني الموضوعة له، فوضعوا القاعدة الأصولية: (المشترك لا عموم له)؛ ولكنهم بعد أن قرروا هذه القاعدة اصطدموا بفرع فقهي لا يدخل تحت القاعدة؛ وهو ما نقل عن أئمتهم فيما لو قال رجل لآخر: والله لا أكلم مولاك؛ حنث بكلام المولى الأعلى - المُعتِق - والمولى الأسفل - المُعتَق-، فالحكم بالحنث - سواء كلم المولى الأعلى أو المولى الأدنى - إنما يصح باعتبار عموم المشترك، وهذا مخالف لما تم تقريره في القاعدة الأصولية عند الحنفية: (المشترك لا عموم له)، فيستدرك الحنفية هذا ويقومون بإعادة تشكيل القاعدة الأصولية بما يوافق
стр. 781
هذا الفرع فيقولون: (المشترك لا عموم له إلا إذا وقع بعد النفي). (١)
• ثالثًا: الأثر المُقارب:
هو النتيجة المتوسطة من مجموعة الاستدراكات الأصولية.
فهذا الأثر يكون بين استدراكين أو أكثر، فيختار محصلة الاستدراكات، ويجمع ويسدد بينها.
يمكن بيان هذا الأثر في مصنف الرسالة للإمام الشافعي؛ وذلك لأن من الدوافع التي دفعت الإمام الشافعي لتصنيف الرسالة: الاختلاف الشائك بين مدرستي الأثر في الحجاز والرأي في العراق، فاستدرك الشافعي على المدرستين وجمع وقارب بين مدرستي الرأي والأثر، وفي هذا يقول أبو زهرة (٢): "وهكذا نرى الشقة بين أهل العراق وأهل الحجاز قد أخذت تضيق حتى تقاربا، كل ذلك في شباب الشافعي، فلما جاء دوره كان هو الوسط الذي التقى فيه أهل الرأي وأهل الحديث معًا، فلم يأخذ بمسلك أهل الحديث في قبولهم لكل الأخبار مالم يقم دليل على كذبها، ولم يسلك مسلك أهل الرأي في توسيع نطاق الرأي؛ بل ضبط قواعده، وضيق مسالكه، وعبّدها، وسهلها، وجعلها سائغة" (٣).
ويذكر ضمن هذا الأثر ما سلكه الجويني في اختياراته لبعض المسائل
стр. 782
الأصولية، وتعبيره بقوله: "والمسلك الحق عندي في ذلك، الجامع لمحاسن المسالك، الناقض لمساويها: أن نقول" (١).
وقوله: "فلينظر الناظر كيف لقطنا من كل مسلك خياره" (٢).
ويمكن أن يذكر في هذا الأثر التصنيف في أصول الفقه على طريقة الجمع بين المصنفات الأصولية المصنفة على طريقة الجمهور والحنفية، فبعد أن استقامت الطريقتان -الجمهور والحنفية- قام عدد من العلماء بتقعيد الأصول وإقامة البراهين عليها كطريقة الجمهور، ثم طبقوا القواعد الأصولية على الفروع الفقهية كطريقة الحنفية (٣)، فاستدركوا بذلك على الطريقتين، وجمعوا بين مصنفات الطريقتين.
يقول الدكتور مصطفى الخن (٤): "لقد اتضح من خلال ما سبق أن هناك تمايزًا بين طريقة المتكلمين وطريقة الفقهاء، فلكل واحد من هاتين الطريقتين خصائص، فالمتكلمون يعرضون قواعد مجردة عن الفروع، والفقهاء يعرضون قواعد مستوحاة من الفروع.
ومهما تحدث المتحدثون عن نقد كلٍّ من الطريقتين، فلا تخلو كل واحدة منهما من فضائل لا توجد في الأخرى.
стр. 783
هذا الأمر هو الذي حدا ببعض المؤلفين أن يأتي بطريقة تجمع فضائل ما يكون في الطريقتين، وتتجنب ما كان يوجه إليها من نقد" (١). ثم ذكر المصنفات على هذه الطريقة.
وأشار إلى هذا النوع من الاستدراك ابن الساعاتي (٢) في مقدمة كتابه بديع النظام الجامع بين أصول البزدوي والإحكام (٣) حيث قال: "قد منحتك أيها الطالب لنهاية الوصول إلى علم الأصول هذا الكتاب البديع في معناه، المطابق اسمه لمسماه، لخصته لك من كتاب الإحكام، ورصعته بالجواهر النقية من أصول فخر الإسلام؛ فإنهما البحران المحيطان بجوامع الأصول، الجامعان لقواعد المعقول والمنقول، هذا حاوٍ للقواعد الكلية، وذاك مشمول بالشواهد الجزئية
الفرعية، وهذا الكتاب يقرب منهما البعيد، ويؤلف الشريد، ويُعَبِّد لك الطريقين، ويعرفك اصطلاح الفريقين، مع زيادات شريفة، وقواعد منقحة لطيفة".
وقال ابن عبدالشكور في خطبة كتابه: " ... منها علم أصول الأحكام، فهو من أجل علوم الإسلام، ألف في مدحه خطب، وصنف في قواعده كتب، وكنت صرفت بعض عمري في تحصيل مطالبه، ووكلت نظري على تحقيق مآربه، فلم تحتجب عني
стр. 784
حقيقة، ولم يخف علي دقيقة، ثم لأمر ما أردت أن أحرر فيه سفرًا وافيًا، وكتابًا كافيًا، يجمع إلى الفروع أصولاً، وإلى المشروع معقولاً، ويحتوي على طريقتي الحنفية والشافعية، ولا يميل ميلاً عن الواقعية" (١).
• رابعًا: الأثر التطبيقي
هو نتيجة إعمال الاستدراك الأصولي في التخريج.
وهذا الأثر ظهر لي في ثلاث نقاط:
الأولى: الكتابة على طريقة تخريج الفروع على الأصول.
فإن هذه الطريقة تعد استدراكًا لما صنف سابقًا في الأصول، وأقرر ذلك بكلام الزنجاني في خطبة كتابه تخريج الفروع على الأصول (٢): "وحيث لم أر أحدًا من العلماء الماضين والفقهاء المتقدمين تصدى لحيازة هذا المقصود؛ بل استقل علماء الأصول بذكر الأصول المجردة، وعلماء الفروع بنقل المسائل المبددة، من غير تنبيه على كيفية استنادها إلى تلك الأصول، أحببتُ أن أتحف ذوي التحقيق من المناظرين بما يسر الناظرين، فحرَّرْتُ هذا الكتاب كاشفًا عن النبأ اليقين، فذلَّت فيه مباحث المجتهدين، وشفيتُ غليل المسترشدين، فبدأتُ بالمسألة الأصولية التي تُرَدُّ إليها الفروع في كل قاعدة، وضَمَّنتها ذكر الحجة الأصولية من الجانبين، ثم رددتُ الفروع الناشئة منها إليها، فتحرر الكتاب - مع صغر حجمه - حاويًا لقواعد الأصول، جامعًا لقوانين الفروع".
الثانية: أثر تصحيح تخريج الأصول من الفروع.
وقد ذكرت أمثلة لاستدراكات وقعت في تصحيح تخريج الأصول من الفروع،
стр. 785
وأشرت إلى أسباب الخطأ في التخريج. (١)
الثالثة: أثر تصحيح تخريج الفروع من الأصول.
وهذا الأثر ظهر في تصحيح ضرب الأمثلة للقاعدة الأصولية، وأشرت لذلك سابقًا. (٢)
• خامسًا: الأثر التجديدي:
أصل كلمة (التجديد): من جد، (والجيم والدال) أصول ثلاثة: الأول: العظمة، والثاني: الحَظ، والثالث: القطع.
والمناسب هنا المعنى الأول، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٣] أي عظمته وجلاله وغناه. (٣)
والتجديد لغة: تصيير الشيء جديدًا، يقال: أجدَّه واستجدَّه وجَدَّدَهُ: أي صيَّره جديدًا، وهو نقيض الخَلِق (٤).
وجاء في الحديث: «إنَّ اللهَ يبْعَثُ لِهذِهِ الْأُمّةِ على رأْسِ كل مِائةِ سنَةٍ من يُجدِّدُ لها دِينهَا».
فالمراد بالتجديد في الحديث: إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، والأمر بمقتضاهما. (٥)
وبهذا يُعلم أن التجديد أحد الطرق التي يتحقق بها حفظ الدين.
стр. 786
ومما سبق ندرك أن التجديد لا يعني الإتيان بجديد منقطع عما كان عليه الأمر أولاً؛ ولكنه يمر بمراحل؛ وهي:
- المرحلة الأولى: كون الشيء المراد تجديده موجودًا في أول الأمر، وللناس به عهد.
- المرحلة الثانية: أتت الأيام على الشيء فصار قديمًا خَلِقًا فتُرك.
- المرحلة الثالثة: إعادة الشيء إلى حاله الأولى التي كان عليها قبل أن يُبلى ويَخْلَق.
فالمرحلة الثالثة هي استدراك لما كان للمرحلة الثانية.
وعليه أقرر أن المراد بالأثر التجديدي: نتيجة إحياء ما اندرس من أصول الفقه على طريقة السلف.
ويمكن تلخيص أهم ملامح التجديد في علم أصول الفقه من القرن الثالث إلى القرن الرابع عشر والتي بُنيت على استدراكات سابقة في الصورتين التاليتين:
• الصورة الأولى: التجديد بمعنى التنمية والتوسيع، وإضافة ماله صلة وثيقة بالمجدَّد، فيُضاف إليه ما يكتمل به بنيانه.
وهذا المعنى ظهر من بداية التصنيف في أصول الفقه، فقد مر معنا سابقًا أن الإمام الشافعي يُعد مستدركًا لما في مدرستي الأثر والرأي؛ حتى ذكر أنه المجدد للمئة الثانية (١).
وبعد أن صنف الرسالة ألف بعدها ثلاثة مؤلفات لنفس الغرض الذي من أجله ألف الرسالة، فصنف كتاب جماع العلم، واختلاف الحديث، وإبطال الاستحسان.
стр. 787
ويدخل أيضًا في هذه الصورة من التجديد ما قام به العلماء بعد الإمام الشافعي من حركة علمية نشطة أضافت إلى علم الأصول الشيء الكثير، وكانت الطرق في التصنيف ذات اتجاهات مختلفة، فظهرت طريقة الجمهور، وصحبها طريقة الحنفية، ثم ظهرت في القرن السابع طريقة الجمع بين الطريقتين، والتي كانت كاستدراك للطريقتين السابقتين -كما مر معنا-، وظهرت طريقة تخريج الفروع على الأصول، وطريقة بناء القواعد الأصولية على مقاصد الشريعة، كل هذا جدد في علم الأصول ما اكتمل به بنيانه. (١)
• الصورة الثانية: التجديد بمعنى التمحيص والتحرير والترجيح فيما تنازع فيه الأصوليون، وهذا أيضًا واقع في كتب المتقدمين، ولا يكاد يخلو منه مصنف أصولي. (٢)
ومن الشخصيات المجددة لعلم الأصول التي يذكرها الكاتبون في هذا المجال (٣):
• ابن حزم: ومن آثاره التجديدية في علم الأصول التي استدرك بها على السابقين:
- القول بحجج العقول.
- القول بأن خبر الواحد يوجب العلم والعمل معًا.
- رفض التقليد بكل صوره.
- خلو بحوثه الأصولية من الآثار الكلامية.
- ترك البحوث التي ليس وراءها عمل.
стр. 788
• الجويني: ومن آثاره التجديدية في علم الأصول التي استدرك بها على السابقين:
- وضع مدخل تعريفي في علم الأصول.
- حسن التقسيم.
- الحرية في البحث، والتقاط من كل مذهب خياره.
• الغزالي: ومن آثاره التجديدية في علم الأصول التي استدرك بها على السابقين:
- ابتكار ترتيب بديع لمادة علم الأصول.
- سلاسة التعبير، والإعراض عن التكلف والتعقيد في العبارة.
- الدعوة إلى تنقية الأصول من المواد الدخيلة.
- إدخال المنطق في علم الأصول.
• شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن آثاره التجديدية في علم الأصول التي استدرك بها على السابقين:
- نقضه للطريقة الكلامية في أصول الفقه. (١)
- موقفه من علم المنطق. (٢)
- عنايته بالأصول التي يتأسس عليها العمل (٣).
стр. 789
- فتح آفاق جديدة في علم الأصول (١).
• الشاطبي: ومن آثاره التجديدية في علم الأصول التي استدرك بها على السابقين:
- الدعوة إلى تنقية الأصول من المواد الدخيلة.
- بناء المادة الأصولية على مقاصد الشريعة.
- تفتيق مباحث ومسائل جديدة في علم الأصول. (٢)
стр. 790
• المطلب الثاني
الآثار السلبية للاستدراك الأصولي وتطبيقاتها
من النتائج السلبية للاستدراك: أنه كان سببًا في توسع بعض المسائل الأصولية توسعًا أورث تعقيدًا في المسألة الأصولية، وخروجًا عن المقصود.
وقد ذكر ابن خلدون ذم التوسع في علوم الآلات والوسائل فقال: "كما فعل المتأخرون في صناعة النحو وصناعة المنطق وأصول الفقه؛ لأنهم وسعوا دائرة الكلام فيها، وأكثروا من التفاريع والاستدلالات، بما أخرجها عن كونها آلة، وصيرها من المقاصد، وربما يقع فيها أنظار لا حاجة بها إلا في العلوم المقصودة، فهي من نوع اللغو، وهي أيضًا مضرة بالمتعلمين على الإطلاق؛ لأن المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها، فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد؛ فلهذا يجب على المعلمين لهذه العلوم الآلية أن لا يستبحروا في شأنها، وينبهوا المتعلم على الغرض منها، ويقفوا به عنده، فمن نزعت به همته بعد ذلك إلى شيء من التوغل؛ فليرق له ما شاء من المراقي صعبًا أو سهلاً، وكل ميسر لما خلق له" (١).
فمن الآثار السلبية: تطور أسلوب الفنقلة بشكل سلبي؛ حيث تحول إلى صورة جدلية بين الأصولي المصنف والمستدرك على مسائله؛ إما بصورة حقيقية أو تقديرية، فغابت معها إحدى غايات دراسة علم أصول الفقه المتمثلة في: تفعيل الاجتهاد والتطبيقات الفقهية، فكثرة الإيرادات والاعتراضات والتنظيرات العقلية مما يُنسيك مهمتك الأولى الجوهرية التي هي التحقق من القاعدة، ثم البحث عن فروعها الفقهية. (٢)
стр. 791
ومن الآثار السلبية أيضًا: ظاهرة نقد الحدود التي أورثت جدلاً وتعقيدًا في الحد. ومن ذلك مثلاً: حد القياس الذي ذكر فيه الأصوليون بضعة وعشرين حدًّا، وكلها مُعترضة على أصلهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والأصوليون ذكروا للقياس بضعة وعشرين حدًّا وكلها أيضا معترضة" (١).
وحمل الشاطبي في (المقدمة السادسة) حملة كبيرة على التوسع في الحدود؛ فقال: "أنَّ ما يتوقف عليه معرفة المطلوب قد يكون له طريق تقريبى يليق بالجمهور، وقد يكون له طريق لا يليق بالجمهور، وإن فُرِضَ تحقيقًا.
فأما الأول؛ فهو المطلوب، المنبَّه عليه، كما إذا طُلب معنى المَلَك؛ فقيل: إنه خَلْقٌ مِنْ خَلْق الله يتصرف فى أمره، أو معنى الإنسان؛ فقيل: إنه هذا الذى أنت من جنسه، أو معنى التخوُّف؛ فقيل: هو التنقص، أو معنى الكوكب؛ فقيل: هذا الذى نشاهده بالليل، ونحو ذلك؛ فيحصل فهم الخطاب مع هذا الفهم التقريبى حتى يمكن الامتثال.
وعلى هذا وقع البيان فى الشريعة كما قال ﵇: «الكِبْرُ بَطَر الحقِّ وغَمْطُ النَّاس» (٢)؛ ففسره بلازمه الظاهر لكل أحد، وكما تُفسَّر ألفاظ القرآن والحديث بمرادفاتها لغة، من حيث كانت أظهر فى الفهم منها، وقد بيَّن ﵇ الصلاة والحج بفعله وقوله على ما يليق بالجمهور، وكذلك سائر الأمور، وهو عادة العرب، والشريعة عربية؛ ولأن الأمة أميَّة؛ فلا يليق بها من البيان إلا الأمي، وقد تبين هذا فى كتاب المقاصد مشروحًا، والحمد لله.
فإذًا التصورات المستعملة فى الشرع إنما هى تقريبات بالألفاظ المترادفة وما قام مقامها من البيانات القريبة.
стр. 792
وأما الثاني - وهو ما لا يليق بالجمهور- فعدم مناسبته للجمهور أخرجه عن اعتبار الشرع له؛ لأن مسالكه صعبة المرام ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] كما إذا طلب معنى الملك، فأحيل به على معنى أغمض منه، وهو ماهية مجردة عن المادة أصلاً، أو يقال: جوهر بسيط ذو نهاية ونطق عقلى، أو طلب معنى الإنسان؛ فقيل: هو الحيوان الناطق المائت (١)، أو يقال: ما الكوكب؟ فيجاب بأنه جسم بسيط، كُرِىَّ، مكانه الطبيعى نفس الفلك، من شأنه أن يُنير، متحرك على الوسط، غير مشتمل عليه، أو سئل عن المكان؛ فيقال: هو السطح الباطن من الجرم الحاوى، المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوى، وما أشبه ذلك من الأمور التى لا تعرفها العرب ولا يُوصَل إليها إلا بعد قطع أزمنة فى طلب تلك المعانى، ومعلوم أن الشارع لم يقصد إلى هذا ولا كلف به.
وأيضا فإن هذا تسور على طلب معرفة ماهيات الأشياء وقد اعترف أصحابه بصعوبته؛ بل قد نقل بعضهم أنه عندهم متعذر، وأنهم أوجبوا أن لا يعرف شاء من الأشياء على حقيقته ... فظهر أن الحدود على ما شرطه أرباب الحدود يتعذر الإيتان بها، ومثل هذا لا يجعل من العلوم الشرعية التي يستعان بها فيها، وهذا المعنى تقرر وهو أن ماهيات الأشياء لا يعرفها على الحقيقة إلا باريها؛ فتسوًّر الإنسان على معرفتها رمى في عَماية " (٢).
стр. 793
• المبحث الثالث
آداب الاستدراك الأصولي، وتطبيقاتها .
وفيه تمهيد، وثلاثة مطالب:
- تمهيد: اهتمام العلماء بآداب العلم عمومًا.
- المطلب الأول: آداب الاستدراك الأصولي المشتركة بين المستدرِك والمستدرَك عليه، وتطبيقاتها.
- المطلب الثاني: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرِك، وتطبيقاتها.
- المطلب الثالث: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرَك عليه، وتطبيقاتها.
* * ... * ** * ... * *
стр. 794
تمهيد
اهتمام العلماء بآداب العلم عمومًا
اهتم العلماء بذكر آداب العلم عمومًا، ووضع علماء المناظرة والجدل (١) جملة من الآداب ألزموا المتناظرين بها؛ محافظة على سلامة المناظرة، وتحقيقًا للغرض منها.
وآداب الاستدراك: استعمال ما يَحسُنُ فيه. (٢)
يقول ابن عقيل: "فأما آدابه التي إذا استعملها الخصم وصل إلى بغيته، وإن لم يستعملها كثر غلطه، واضطرب عليه أمره" (٣).
وقال: "وآدابُ الجدل تُزيِّن صاحبها، وتركُ الأدب يَشينُه، وليس ينبغي أن يَنظُرَ إلى ما يَتَّفقُ لبعض من تركه من الحُظوةِ في الدنيا؛ فإنه إن كان رفيعًا عند الجُهَّال؛ فإنه ساقط عند ذوي الألباب" (٤).
ويمكن الاستفادة مما ذكر في آداب المناظرة والجدل؛ إذ هما صورة من صور الاستدراكات. (٥)
стр. 795
والناظر في الآداب يجد منها ما يتعلق بطريقة الأداء، ومنها ما يتعلق بطريقة التلقي، ومنها ما يشترك بينهما. (١)
فأما ما يتعلق بطريقة الأداء فهذه تخص المستدرِك، وأما ما يتعلق بطريقة التلقي فهي تخص المستدرَك عليه، وقد يشترك المستدرِك والمستدرَك عليه في جملة من الآداب؛ لذلك ناسب جعل هذا المبحث على ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: آداب الاستدراك الأصولي المشتركة بين المستدرِك والمستدرَك عليه.
المطلب الثاني: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرِك.
المطلب الثالث: آداب الاستدراك الأصولي الخاصة بالمستدرَك عليه.
وحرصت على ترتيبها بحيث يأخذ بعضها برقاب بعض، وإليك تفصيلها ببيان:
стр. 796
• المطلب الأول: آداب الاستدراك الأصولي
المشتركة بين المستدرِك والمستدرَك عليه، وتطبيقاتها
من الآداب المشتركة في أداء الاستدراك الأصولي وفي تلقيه والتي ينبغي أن يتحلى بها كل من المستدرِك والمستدرَك عليه ما يلي:
• أولاً: الإخلاص لله تعالى:
مر معنا أن الاستدراك الأصولي من فروض الكفاية (١)، فهو إذًا عبادة، فينبغي للمستدرِك والمستدرَك عليه إخلاص النية في أداء ذلك وقبوله بأن يبتغيا به وجه الله تعالى، ففي الحديث: «إنما الْأعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لكُلِّ امْرئٍ ما نوَى» (٢).
ومن تحقيق الإخلاص الأدب التالي:
• ثانيًا: قصد نصرة الحق:
فيكون قصد كل منهما نصرة الحق وإيضاحه وإثباته ولو على يد خصمه دون المغالبة للخصم (٣).
ويبني أمره على النصيحة لدين الله والذي يستدرك عليه؛ لأنه أخوه في الدين، وقد قال النبي ﷺ : «الدّينُ النّصِيحَةُ. قُلنَا: لِمنْ؟ قال: لِلّهِ، ولِكِتَابِهِ، ولِرَسُولِهِ، ولأئمة المُسْلِمِينَ، وعَامَّتِهِمْ» (٤).
فواجب النصح كان أحد أهم البواعث في الاستدراك، فهذا الإمام مالك
стр. 797
يرسل لليث بن سعد في شأن مسألة أصولية (وهي: إجماع أهل المدينة)، فجاء في خطابه هذا الأدب؛ حيث قال: "واعلم -رحمك الله- أنه بلغني أنك تفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في أمانتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك وحاجة من قبلك إليك واعتمادهم على ما جاءهم منك حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه ... واعلم أني أرجو أن لا يكون دعاني إلى ما كتبت إليك إلا النصيحة لله وحده، والنظر لك، والظن بك، فأنزل كتابي منك منزله؛ فإنك إن تفعل تعلم أني لم آلك نصحًا، وفقنا الله وإياك لطاعته وطاعة رسوله ﷺ في كل أمر، وعلى كل حال، والسلام عليك ورحمة الله" (١).
قال أحدهما: سمعت محمد بن إدريس الشافعي ﵁ وهو يحلف ويقول: ما ناظرت أحداً إلا على النصيحة. (٢)
وقال الشافعي: "ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، وتكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أبال بيّن الله الحق على لساني أو لسانه" (٣).
قال ابن عقيل: "وكل جدل لم يكن الغرض منه نُصرة الحق فإنه وبالٌ على صاحبه، والمضرَّة فيه أكثر من المنفعة؛ لأن المخالفة تُوحِشُ، ولولا ما يلزم من إنكار الباطل، واستنقاذ الهالك بالاجتهاد في رَدِّه عما يعتقده من الضلالة، وينطوي عليه من الجهالة؛ لما حسنت المجادلة؛ لما فيه من الإيحاش في غالب الحال؛ ولكن فيها أعظمُ المنفعة وأكثر الفائدةِ إذا قصد بها نُصْرةُ الحقِّ، وإنكار ما زَجَرَ عنه الشرع والعقل بالحجة الوضحة والطريقة الحسنة" (٤).
стр. 798
وقال أيضًا: "يجعلا قصدهما أحد أمرين، ويجتهدا في اجتناب الثالث:
فأعلى الثلاثة من المقاصد: نصرة الحق ببيان الحُجَّة، ودحض الباطل بإبطال الشُّبْهةِ؛ لتكون كلمة الله هي العليا.
الثاني: الإدمان للتقوي على الاجتهاد، والاجتهاد من مراتب الدين المحمودة، وهي رتبة الفُتْيا.
ونعوذ بالله من الثالث؛ وهو المغالبة، وبيان الفَراهةِ (١) على الخصم، والترجح عليه في الطريقة" (٢).
فينبغي للمستدرِك والمستدرَك عليه أن ينصب هذا الغرض أمام عينه في الاستدراك وقبوله، ويخشى الله ويتقيه؛ فإن الغاية من الاستدراك: الوصول إلى الحق.
ويمكن تمثيل هذا في الاستدراك الأصولي برجوع طائفة من الأصوليين عن أقوالهم السابقة لما بان لهم أن طريق الحق في غير السابق.
ويمثل أيضًا بمخالفة طائفة منهم لمشايخهم - كالباقلاني والجصاص والغزالي والرازي والآمدي وغيرهم - لما بان لهم أن الحق في غير مذهب مشايخهم.
• ثالثاً: التواضع:
وهذا الأدب مرتبط بسابقه، فلابد من التواضع لقبول الحق، أما المتكبر فإن كبره يمنعه من سماع الحق وقبوله.
فينبغي للمستدرِك أن يتواضع للمستدرَك عليه حتى يقبل منه كلامه، ولا يرى لنفسه منة على المستدرَك عليه، وكذلك ينبغي للمستدرَك عليه التواضع للمستدرِك، فلا يرى نفسه أعلم منه، وكل هذا طريق لقبول الحق.
стр. 799
وهذا ما كان من نبي الله موسى والخضر ﵉، فلما استدرك موسى على الخضر ما ظنه خطأ منه؛ كان يتكلم بما يراه حقًّا في تواضع تام، كيف لا وهو الذي أنزل نفسه منزلة التابع للخضر، وكذلك الشأن من الخضر عندما استدرك عليه عجلته وذكر له بعد ذلك ما ظنه خطأ كان يستدرك بتواضع تام.
وحكي عن أبي يوسف أنه قال: "يا قوم، أريدوا بعلمكم الله ؛ فإني لم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى افتضح" (١).
ومن أمثلة تواضع المستدرَك عليه ما كان من شأنه ﷺ فيما يرويه الحبَابُ بن المنْذِر (٢) الأنصاري قال: "أشرت على رسول الله ﷺ يوم بدر بخصلتين فقبلهما مني:
خرجت مع رسول الله ﷺ في غزاة بدر فعسكر خلف الماء، فقلت: يا رسول الله، أبوحي فعلت أو برأي؟ قال: برأي يا حباب. قلت: فإن الرأي أن تجعل الماء خلفك؛ فإن لجأت لجأت إليه. فقبل ذلك مني" (٣).
فهذا رسول الله ﷺ وصفيه في خلقه يتواضع لسماع استدراك حباب المتمثل بمشورته عليه ثم يقبلها لما رأى أنه الحق والأصلح للمسلمين.
ومن جميل ما يذكر في ذلك ما كان من عمر بن الخطاب ﵁ عندما خطب
стр. 800
فقال: «لا تغالوا في مهور النساء. فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر؛ إن الله يقول: ﴿وإن آتيتم إحداهن قنطارًا من ذهب -قال: وكذلك هي في قراءة عبدالله (١) - ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا﴾ (٢). فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته» (٣).
فتواضع عمر للحق وهو يومئذٍ أمير المؤمنين.
وسبق ذكر استدراك التابعين على الصحابة وتواضع كل منهما للآخر.
ويشهد لتواضع المستدرَك عليه في الأصول ما قام به ثلة من الأصوليين برجوعهم عن أقوالهم السابقة لما بان لهم الحق في غير تلك الأقوال.
وأما تواضع المستدرِك مع المستدرَك عليه فيمكن تقريره بما ذكر في الكتب الأصولية من الاستدراكات التي كان يلتمس فيها المستدرِك للمستدرَك عليه تفسيرات ومبررات لقوله؛ ومن أمثلة ذلك ما ذكره الغزالي في معرض حديثه عن المجاز في القرآن الكريم وحكاية قول من منع وجوده، فالتمس الغزالي لأصحاب هذا القول تعليلاً معقولاً فقال: " ... فالقرآن يشتمل على المجاز خلافًا لبعضهم. فنقول: المجاز اسم مشترك قد يطلق على الباطل الذي لا حقيقة له، والقرآن منزه عن ذلك، ولعله أراده من أنكر اشتمال القرآن على المجاز، وقد يطلق على اللفظ الذي تجوز به عن موضوعه، وذلك لا ينكر في القرآن ... " (٤).
стр. 801
• رابعًا: التثبت والتأمل وعدم الاستعجال .
فإذا وقع له شيء في أول كلام الخصم فلا يعجل بالحكم به، فربما كان في آخره ما يُبين أن الغرض بخلاف الواقع له، فينبغي أن يتثبت إلى أن ينقضي الكلام، وبهذا أدّب الله تعالى نبيه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. (١)
فبالتثبت والتأمل يفهم مراد الخصم ولا يقع في وهم، أو يُجيب عن الأسئلة الواردة عليه بأجوبة ضعيفة أو فيها نظر.
وذكرنا في هذا البحث أمثلة لاستدراكات كانت بسبب الوهم.
قال ابن عقيل: "وإذا كان الغرض من الجدل إدراك الحق به، وكان السبيل إلى ذلك التثبت والتأمل؛ وجب على كل واحد من الخصمين استعمالهما؛ وإلا حصلا على مجرد الطلب مع حرمان الظفر" (٢).
وقال أيضًا: "فإذا كان لا سبيل إلى حَلِّ شُبهة الخصم في الجدل إلا بعد إدراكها، فلا بُدَّ لخصمه من التأمُّل لما يأتي به" (٣).
فالمستدرِك لا يستعجل في إصدار حكم الاستدراك بالسهو والسقط، فربما لم يذكره المستدرَك عليه لسهو منه؛ وإنما لاشتهاره ومعرفته، أو عدم وجود فائدة في ذكره، أو تقدم ذكره.
ونمثل لهذا من الأصول بما يلي:
مثال ترك ذكر الشيء لاشتهاره ومعرفته:
стр. 802
قال البيضاوي في مسألة (تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة): "الثانية: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه تكليف بما لا يطاق, ويجوز عن وقت الخطاب، ومنعت المعتزلة ... " (١).
قال ابن السبكي شارحًا: " ... فنقدم عليه: أن الخطاب المحتاج إلى بيان ضربان:
أحدهما: ماله ظاهر وقد استعمل في خلافه؛ كتأخير بيان التخصيص، وتأخير بيان النسخ، وتأخير بيان الأسماء الشرعية إذا استعملت في غير المسميات الشرعية؛ كالصلاة إذا أريد بها الدعاء، ونحو ذلك, وتأخير بيان اسم النكرة إذا أريد بها شيء معين.
والثاني: ما لا ظاهر له؛ كالأسماء المتواطئة، والمشتركة.
إذا عرفت هذا فنقول: في جواز تأخيره عن وقت الخطاب مذاهب:
أحدها: يجوز في جميع الأقسام، وإليه ذهب أكثر أصحابنا (٢)، وجماعة من أصحاب أبي حنيفة (٣)، ونقله القاضي في مختصر التقريب (٤) عن الشافعي نفسه، واختاره الإمام (٥) وأتباعه (٦)، وابن الحاجب (٧).
стр. 803
والثاني وإليه ذهب أكثر متقدمي المعتزلة: أنه لا يجوز إلا النسخ (١). فإنهم جوزوا تأخير بيانه، كذا استثناه الإمام، وهو مأخوذ من الغزالي (٢)؛ فإنه ادعى الاتفاق على أنه يجوز تأخير بيان النسخ ... والمصنف (٣) أهمل استثناء النسخ (٤)، وكذلك أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع (٥)، وابن برهان في الوجيز (٦)، والغزالي؛ إلا أنه نقل الاتفاق على النسخ بعد كما عرفت. ولعل من أطلق القول ترك الاستثناء اكتفاء بالعلم بالاتفاق على النسخ، وأنه خارج عن صورة النزاع" (٧).
مثال ترك ذكر الشيء لتقدم ذكره:
قال ابن الهُمام في تعريف العلم: "فالعلم: حكم لا يحتمل طرفاه نقيضه عند من قام به لمُوجِب، ... وقد يقال: صفة تُوجِبُ تَمييزًا لا يَحتمل" (٨).
وقال أمير بادشاه في شرحه: " (ويقال) في تعريف العلم أيضًا (صفة توجب
стр. 804
تمييزًا لا يحتمل) النقيض، وإنما لم يذكره للعلم به مما تقدم مع شهرته، ... " (١).
فذكر أمير بادشاه أن تعريف ابن الهمام للعلم بأنه صفة توجب تمييزًا لا يحتمل، المراد (لا يحتمل)، أي: لا يحتمل النقيض. ولم يذكر ابن الهمام لفظ (النقيض) للعلم به مما تقدم في الكلام السابق له وشهرته.
فبمثل هذا لا يصرح المستدرِك بالاستدراك، بل من الأدب أن يذكر سبب عدم ذكره من المستدرَك عليه.
مثال عدم ذكر الشيء لعدم وجود غرض لذكره:
قال ابن بادشاه في مسألة (الجمع المحلى للمعهود والاستغراق حقيقة، وللجنس مجاز): "فإن قلت: بقي قسم من المحلى لم يذكره؛ وهو جنس المشار إليه من حيث هو مع قطع النظر عن تحققه في ضمن فرد.
قلت: لم يتعلق غرض الأصولي به؛ لأنه من الاعتبارات العقلية المناسبة للاعتبارات الفلسفية؛ فإنه قد يثبت له الأحكام في تلك العلوم، فلا بأس بعدم ذكره وعدم اعتباره" (٢).
وهذا الأدب أيضًا يمس جانب المستدرَك عليه، فلا يستعجل في الجواب على المستدرِك بقصد إسكاته في زمان يسير؛ لأن ذلك يفسد عليه رؤيته الفكرية، ويبعد عن المنهج الصحيح، والوصول إلى الحق (٣)، فيأتي بجواب ضعيف فيستدرك عليه فيه، فيُضعف مذهبه أكثر، وقد يكون في حالة غضب بعد الاستدراك والمناظرة فيمنعه هذا من الرد الصحيح.
قال ابن عقيل: "والمناظرة حيثُ وضعت فإنها وضعت لاستخراج حكم الله
стр. 805
في الحادثة، فاعتبر لها اعتدال الطبع كالقضاء، وقد قال ﷺ : «لاَ يَقْضي القَاضِي وَهُوَ غَضبَانُ» (١). فإذا كان أحدهما يتقاصر عن البحث، ويجتمع عن انفساخ اللسان والقلب؛ زال شرط نظره، وخرج إلى حيز المغالبة والمواثبة" (٢).
• خامسُا: مراعاة حرمة الأعراض .
فيجتنب كل من المستدرِك والمستدرَك عليه السخرية بالآخر، وكل ما يشعر باحتقاره، أو وسمه بالجهل أو قلة الفهم والعلم. (٣)
وهذا خلق إسلامي عام، قال رسول اللهِ ﷺ : «ليس الْمؤْمِنُ بالطَعَّانٍ، ولاَ اللّعَّانِ، ولاَ الفَاحشِ، ولا البَذِيِّء» (٤).
وفي الحديث الآخر: «بحَسْبِ امْرئٍ من الشّرِّ أنْ يَحْقرَ أخَاهُ الْمسْلِمَ. كلُّ الْمسْلِمِ
стр. 806
على الْمسْلِمِ حرَامٌ دَمهُ، وَمَالهُ، وَعِرْضهُ» (١).
وعن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ قال: من عادَى لي ولِيًّا فقَدْ آذَنتُهُ بِالحَرْبِ» (٢).
إن كان العلماء ليسوا بأولياء فليس لله ولي. (٣)
قال ابن عقيل: "وقصور اللسان في الشغب هو الفضل؛ فإن من خاض فيه تعوده، ومن تعوده حُرم الإصابة واستروح إليه، ومن عرف بذلك سقط سقوط الذَّرَّة، ومن صبر على ذلك وحلم عنه؛ ارتفع في نفوس العلماء، ونَبُلَ عند أهل الجدل، وبانت من القوة على نفسه حيث منعها المقابلة على الجفاء بمثله، والقوة على خصمه حيث أَحْوَجَه إلى الشغب؛ لاسيما إذا ظهر منه أنه فعل ذلك حرصًا على الإرشاد إلى الحق، ومحبة للاستنقاذ من الباطل الذي أثارته الشبهة من الضلال المُؤَدِّي بصاحبه إلى العَطَب والهلاك، فله بهذه النية الجميلة الثواب من ربِّه، والمدحة من كل منصف حضره أو سمع به" (٤).
• سادسًا: الصدع بالحق متى ظهر له .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس مما أمر الله به ورسوله ﷺ ، ولا مما يرتضيه عاقل أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة والجحد؛ بل قول الصدق التزام العدل لازم عند جميع العقلاء، وأهل الإسلام والملل أحق بذلك من غيرهم؛ إذ هم _ولله الحمد_ أكمل الناس عقلاً، وأتمهم إدراكًا، وأصحهم دينًا، وأشرفهم كتابًا، وأفضلهم نبيًا،
стр. 807
وأحسنهم شريعة" (١).
فيجب على المستدرَك عليه والمستدرِك الاعتراف بالحق متى ظهر له، أما الإصرار على الرفض؛ فمكابرة ممنوعة. (٢)
ويمثل لرجوع المستدرَك عليه للحق: برجوع طائفة من علماء الأصول _كالشيرازي والجويني والغزالي والرازي_ عن أقوالهم لما ظهر الحق في القول الآخر. (٣)
ومن أمثلة رجوع المستدرِك:
•المثال الأول:
قال الطوفي في مختصر الروضة (٤): "يجوز للعامي تقليد المجتهد، ولا يجوز ذلك لمجتهد اجتهد وظن الحكم، اتفاقا فيهما، أما من لم يجتهد ويمكنه معرفة الحكم بنفسه بالقوة القريبة من الفعل لأهليته للاجتهاد، فلا يجوز له أيضا مطلقا؛ خلافًا للظاهرية"
ثم استدرك على نفسه في شرح مختصر الروضة (٥): " (خلافا للظاهرية) قلت: هذا عن الظاهرية لا أعلم الآن من أين نقلته في «المختصر»، ولم أره في «الروضة»، ولا أحسبه إلا وهما ممن نقلته عنه، أو في النسخة التي كان منها الاختصار، فإن الظاهرية أشد الناس في منع التقليد لغير ظواهر الشرع ".
• المثال الثاني:
ما كان من ابن السبكي في مسألة (تخصيص العموم بمذهب الراوي) قال:
стр. 808
"خاتمة: اضطرب النظر في أنه هل صورة هذه المسألة مخصوصة بما إذا كان الراوي صحابيًّا، أم الأمر أعم من ذلك؟
الذي صح عندي ويجوز: أن الأمر أعم من ذلك؛ ولكن الخلاف فيمن ليس بصحابي أضعف، فليكن القول في المسألة هكذا:
إن كان الراوي صحابيًا، وقلنا: قول الصحابي حجة؛ خص على المختار.
قال القاضي في مختصر التقريب (١): (وقد يُنسب ذلك إلى الشافعي في قوله الذي يقلِّد الصحابي فيه، ونقل عنه أنه لا يخصِّص به إلا إذا انتشر في أهل العصر ولم ينكروه، وجعل ذلك نازلاً منزلة الإجماع).
وإن قلنا: قوله غير حجة؛ ففيه الخلاف المتقدم.
وإن كان غير صحابي ترتب الخلاف على الصحابي.
فإن قلنا: لا يخص بقول الصحابي الراوي؛ لم يُخَصَّص بقول الراوي الذي ليس بصحابي جزمًا. وإن قلنا: يُخَصَّص؛ ففي هذا خلاف.
وأما قول القرافي: (صورة المسألة: أن يكون صحابيًا، وأما غير الصحابي فلا يُخَصِّص قطعًا) (٢)؛ فليس بجيد، والمعتمد ما قلناه (٣). ويشهد له الدليل الذي ذُكر من أنه إنما يخالف الدليل وإلا انقدحت روايته؛ فإن هذا يشمل الصحابي وغيره. وبما ذكرناه صرَّح إمام الحرمين في البرهان (٤) فقال: (وكل ما ذكرناه - يعني من هذه المسألة - غير المختص بالصحابي، فلو روى بعض الأئمة حديثًا وعَمِلَ بخلافه؛ فالأمر على ما فصلناه) انتهى.
стр. 809
وما ذكرته في كتابي الطبقات (١)
من أني رأيت القاضي صرَّح بذلك في مختصر التقريب (٢) وَهَمٌ مني في الفهم عنه، فقد تأملت كلامه بعد ذلك فلم أجده يعطي الذي ذكرت، وإنما نبهت على ذلك هنا لئلا يغتر به" (٣).
• سابعًا: دعاء كلٍّ منهما للآخر .
وهذا من أرقى الأدب، ويدل على كمال الخلق.
ومن أمثلة دعاء المستدرِك للمستدرَك عليه:
ما رواه أبو هُرَيرَةَ ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «يَغفِرُ الله لِلوطٍ إن كان لَيَأوِي إلى رُكنٍ شدِيدٍ» (٤). وفي لفظ: «يَرْحَمُ الله لوطًا لقد كان يأْوِي إلى ركْنٍ شدِيدٍ» (٥).
стр. 810
فهذا استدراك منه ﷺ على قول لوط ﵇: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠].
وما رواه مُجَاهد قال: دخَلْتُ أنا وعُرْوَةُ بن الزُّبيْرِ الْمَسْجدَ فإذا عبداللهِ بن عُمرَ ﵄ جَالسٌ إلى حُجْرةِ عَائشَةَ ... قال له (١): كمْ اعْتمَرَ رسول اللهِ ﷺ ؟ قال: أرْبَعًا، إحْدَاهُنَّ في رجَبٍ. فَكَرهْنَا أنْ نرُدَّ عليه. قال: وَسَمعْنَا اسْتنَانَ (٢) عَائشَةَ أمِّ الْمُؤْمنِينَ في الْحُجْرةِ، فقال عُرْوةُ: يا أُمّاهُ، يا أمَّ الْمُؤْمنِينَ، ألا تَسْمَعينَ ما يقول أبو عبدالرحمن؟ قالت: ما يقول؟ قال: يقول: إنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ اعْتمَرَ أرْبَعَ عُمرَاتٍ، إحْدَاهُنَّ في رجَبٍ. قالت: يرْحَمُ الله أبَا عبدالرحمن، ما اعتَمَرَ عُمرَةً إلا وهو شاهِدُهُ، وما اعتَمَرَ في رجَبٍ قطُّ» (٣).
وفي لفظ: «يَغْفرُ الله لأَبِي عبدالرحمن» (٤).
وقولها عندما ذُكرَ لها أنَّ عبْدَاللهِ بن عُمرَ يقول: إنَّ الْمَيّتَ ليُعَذَّبُ ببُكَاءِ الْحيِّ. فقالت عَائشَةُ: يَغْفرُ الله لأَبِي عبدالرحمن أمَا إنه لم يَكْذبْ؛ وَلَكنَّهُ نَسيَ أو أخْطَأَ؛ إنما مرَّ رسول اللهِ ﷺ على يَهُوديَّةٍ يُبْكى عليها، فقال: «إنَّهُمْ ليَبْكُونَ عليها، وَإنَّهَا لتُعَذَّبُ في قَبْرهَا» (٥).