← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 133376

القواعد والأصول وتطبيقات التدبر

خالد السبت

Полный текст (230 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قال السعدي ﵀: «أي: ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي شيء بحسب استطاعتي، ولما كان هذا فيه نوع تزكية للنفس، دفع هذا بقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾» (١). ٧ - قال تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾ (يوسف). قال شيخ الإسلام ﵀: «من احتمل الهوان والأذى في طاعة الله على الكرامة والعز في معصية الله -كما فعل يوسف ﵇ وغيره من الأنبياء والصالحين- كانت العاقبة له في الدنيا والآخرة، وكان ما حصل له من الأذى قد انقلب نعيمًا وسرورًا» (٢). ٨ - قال تعالى بعد أن ذكر آيات المُلَاعَنَة: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ (النور). قال السيوطي ﵀: «فإن بادئ الرأي يقتضي «تواب رحيم»؛ لأن الرحمة مناسبة للتوبة، لكن عبر به إشارة إلى فائدة مشروعية اللعان وحكمته، وهي السَّتْر عن هذه الفاحشة العظيمة» (٣).

стр. 107

٩ - قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٣٠، ٣١). قال شيخ الإسلام ﵀: «في قوله في آخر الآية: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فوائد جليلة؛ منها: أن أمره لجميع المؤمنين بالتوبة في هذا السياق؛ تنبيه على أنه لا يخلو مؤمن من بعض هذه الذنوب التي هي: ترك غض البصر، وحفظ الفرج، وترك إبداء الزينة، وما يتبع ذلك، فَمُسْتَقِل ومُسْتَكْثِر» (١). ١٠ - قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾ (القصص). قال ابن هبيرة ﵀: «إنما ذكر السماع عند ذكر الليل، والإبصار عند ذكر النهار؛ لأن الإنسان يدرك سمعه في الليل أكثر من إدراكه بالنهار، ويرى بالنهار أكثر مما يرى بالليل».

стр. 108

قال المُبَرِّد ﵀ (١): «سلطان السمع في الليل، وسلطان البصر في النهار» (٢). ١١ - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ (السجدة). «تلحظ هنا توافق النسق القرآني بين صدر الآيات وعَجُزها، ففي الآية السابقة قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ... ﴾؛ أي: يدلُّ ويرشد، والكلام فيها عن قصص تاريخي، فناسبها: ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾، أما هنا فالكلام عن مَشَاهِد مَرْئية، فناسبها: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾؛ فهذا ينبغي أنْ يُسمع، وهذا ينبغي أنْ يُرى» (٣). ١٢ - قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾ (الشورى). قال ابن عاشور ﵀: «وذكر صفتي الولي الحميد دون غيرهما؛ لمناسبتهما للإغاثة؛ لأن الولي يُحسِن إلى مواليه، والحميد يعطي ما يُحْمَد عليه» (٤).

стр. 109

و. الربط بين المقاطع في السورة: التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ (النساء). ثم قال بعدها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ (النساء). قال السيوطي ﵀: «تقدم أن صورة السبب قطعية الدخول في العام، وقد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة وتوضع مع ما يناسبها من الآي العامة رعاية لنظم القرآن وحُسْن السياق، فيكون ذلك الخاص قريبًا من صورة السبب في كونه قطعي الدخول في العام، كما اختار السُّبْكِي أنه رُتْبَة متوسطة دون السبب وفوق المُجَرَّد. مثالُه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ... إلى آخِرهِ، فإنها إشارة إلى كعب بن الأشرف ونحوه من علماء اليهود لَمَّا قَدِموا مكة وشَاهدوا قتلى بدرٍ حَرَّضوا المُشركين على الأخذ بثأرهم ومحاربة النَّبي ﷺ فَسَألوهم: من أهدى سبيلًا؟ محمد وأصحابه أم نحن؟ فقالوا: أنتم! !

стр. 110

مع علمهم بما في كتابهم من نعت النَّبي ﷺ المُنْطَبِق عليه، وأخذ المواثيق عليهم ألا يكتموه، فكان ذلك أمانة لازمة لهم ولم يُؤَدُّوها حيث قالوا للكفار: أنتم أهدى سبيلًا، حسدًا للنبي ﷺ . فقد تضمنت هذه الآية مع هذا القول: التَّوَعُّدَ عليه؛ المفيد للأمر بِمُقَابِلِه المُشْتَمِل على أداء الأمانة التي هي بيان صفة النبي ﷺ بإفادة أنَّه الموصوف في كتابهم، وذلك مناسب لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فهذا عام في كلِّ أمانة، وذلك خاص بأمانة هي صفة النبي ﷺ بالطريق السابق، والعامُّ تَالٍ للخاص في الرَّسم مُتراخٍ عنه في النزول، والمناسبة تقتضي دخول ما دل عليه الخاص في العام؛ ولذا قال ابن العربي في تفسيره: وجه النظم: أنه أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد، وقولهم: إن المشركين أهدى سبيلًا، فكان ذلك خيانة منهم، فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات» (١). ولمزيد من الإيضاح فإن هذه الآيات: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ... إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ (النساء: ٥١ - ٥٧) نزلت -فيما رُوي (٢) - بسبب سؤال المشركين لليهود: أنحن أهدى أم محمد؟ فأجابهم اليهود: أنتم أهدى من محمد! ! وسجدوا لأصنامهم؛ فكان ذلك منهم كتمانًا للشهادة بالحق، وتضييعًا للأمانة التي حُمِّلُوها. ثم قال بعد هذه الآيات: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فهذه الآية نزلت -فيما رُوي- بسبب مفاتيح الكعبة.

стр. 111

قال الواحدي ﵀ (١): «نزلت في ابن طلحة، قبض النبي ﷺ مفتاح الكعبة، فدخل الكعبة يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان فدفع إليه المفتاح وقال: «خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله لا ينزعها منكم إلا ظالم» (٢). فهذا هو سبب النزول -على فرض صحة الحديث- ويدخل في عموم الأمانات ما سبق من الشهادة بالحق، الأمر الذي ضيعه اليهود حينما سألهم المشركون. ٢ - قال تعالى في سورة الأعراف، بعد ذِكْرِ قصة آدم وما لقيه من وسوسة الشيطان: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦) يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ (الأعراف). قال ابن عاشور ﵀: «وكان لاختيار استحضارهم عند الخطاب بعنوان بني آدم مرتين وَقْعٌ عجيب: بعد الفراغ من ذكر قصة خلق آدم وما لقيه من وسوسة الشيطان؛ وذلك أن شأن الذرية أن تَثْأر لآبائها، وتُعَادي عدوهم، وتحترس من الوقوع في شَرَكِه» (٣).

стр. 112

٣ - قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ (النور). قال ابن تيمية ﵀: «ذَكَرَ سبحانه آية النور عقيب آيات غضِّ البصر، فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وكان شاه بن شُجَاع الكرماني لا تُخطئ له فِراسة، وكان يقول: مَن عَمَّر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المُراقبة، وغضَّ بصره عن المَحارم، وكفَّ نفسه عن الشَّهوات، -وَذَكَرَ خَصْلَةً خامسة، وهي: أكْلُ الحلال- لم تُخْطِئ له فِرَاسَة. والله تعالى يَجْزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله؛ فغضُّ بصره عمَّا حَرُم يُعَوِّضه الله عليه من جنسه بما هو خيرٌ منه؛ فَيُطْلِقُ نور بصيرته، ويَفتَحُ عليه باب العلم والمعرفة والكشوف، ونحو ذلك مِمَّا ينالُ ببصيرة القلب» (١). وقال الشنقيطي ﵀: «لما أمر الله تعالى ببعض الأمور التي لا غنى للناس عنها، ونهى عن بعض الأمور التي بارتكابها يحصل الضرر على المجتمع والأفراد، وحث على بعض الآداب السماوية، بين سبحانه أن امتثال تلك الأوامر، واجتناب تلك النواهي، والتزام تلك الآداب؛ ينور لها قلوب عباده فيوفقهم لها، ويطمس قلوب آخرين، فلا يمتثلون أوامره، ويرتكبون نواهيه، فضرب للموفق هذا المثل، وضرب للضالين المثل الآتي في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ... ﴾ (النور: ٤٠)» (٢).

стр. 113

٤ - قال تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ (لقمان). قال ابن كثير ﵀: «لما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ (الزمر)، عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ قال: هو -والله- الغناء» (١).

стр. 114

ويلحق بذلك: (دلالة الاقتران) . دلالة الاقتران (١): التطبيق: ١ - كثيرًا ما يَقْرن الله تعالى بين الصلاة والزكاة؛ كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ (البقرة). وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ (البقرة). وقد قيل في وجه هذا الاقتران بين الصلاة والزكاة (٢): (١) أن الصلاة صِلَة بين العبد وربه، وأما الزكاة فَصِلَة وإحسان إلى المخلوقين، وسعادة العبد دائرة بين حُسْن صِلَتِه بربه، وإحسانه إلى الخلق. (٢) أن العبادات: إما مالية، وإما بدنية، ورأس العبادات المالية: الزكاة، كما أن رأس العبادات البدنية: الصلاة، فجمع بينهما بهذا الاعتبار. (٣) أن الزكاة طُهْرة للمال، والصلاة طُهْرة للنفس، فتجتمع له الطهارتان.

стр. 115

(٤) أن الصلاة شكر لنعمة البدن، والزكاة شكر لنعمة المال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولهذا يقرن الله بين الصلاة والزكاة تارة، وهي الإحسان إلى الخلق وبينهما وبين الصبر تارة، ولا بد من الثلاثة: الصلاة، والزكاة، والصبر؛ لا تقوم مصلحة المؤمنين إلا بذلك في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم لا سيما كلما قويت الفتنة والمحنة، فالحاجة إلى ذلك تكون أشد» (١). وقال ابن كثير ﵀: «الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه، والإنفاقُ هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم» (٢). قال السعدي ﵀: «إن الله تعالى يقرن بين الصلاة والزكاة؛ لكونهما أفضل العبادات، وأكمل القربات، عبادات قلبية، وبدنية، ومالية، وبهما يوزن الإيمان، ويعرف ما مع صاحبه من الإيقان» (٣). ٢ - قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: ١٩٧). قال ابن القيم ﵀: «أَمَر الحاج بأن يتزودوا لسفرهم، ولا يسافروا بغير زاد، ثم نبههم على زاد سفر الآخرة، وهو التقوى؛ فكما أنه لا يصل المسافر إلى مقصده إلا بزاد يُبَلِّغه إياه، فكذلك المسافر إلى الله تعالى والدار الآخرة لا يصل إلا بزاد من التقوى، فجمع بين الزادين» (٤).

стр. 116

٣ - قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ (٢٦)﴾ (الأعراف)، «فجمع بين الزينتين: زينة البدن باللباس، وزينة القلب بالتقوى، زينة الظاهر والباطن، وكمال الظاهر والباطن» (١). ٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾ (آل عمران). قال ابن رجب ﵀: «ولهذا المعنى كان أشد الناس عذابًا من قتل نبيًّا؛ لأنّه سعى في الأرض بالفساد، ومن قتل عالمًا، فقد قتل خليفة نبي، فهو ساع في الأرض بالفساد أيضًا؛ ولهذا قرن الله بين قتل الأنبياء وقتل العلماء الآمرين بالمعروف» (٢). ٥ - قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٢). قال الماوَرْدي ﵀: «نَدَبَ الله تعالى إلى التعاون به وقَرَنَهُ بالتقوى له؛ لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس؛ ومن جمع بين رضا الله تعالى ورِضَا الناس فقد تَمَّتْ سعادته وعَمَّت نعمته» (٣).

стр. 117

٦ - قال تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤)﴾ (المائدة). قال ابن القيم ﵀: «فذكر الأمرين -أي جمع بين (اللهم) و (ربنا) -ولم يجئ في القرآن سواه، ولا رأيت أحدًا تعرض لهذا ولا نبه عليه، وتحته سر عجيب دالٌّ على كمال معرفة المسيح بربه وتعظيمه له؛ فإن هذا السؤال كان عقيب سؤال قومه له: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾، فَخَوَّفَهم بالله وأعلمهم أن هذا مما لا يليق أن يُسأل عنه، وأن الإيمان يَرُدُّه، فلما ألحُّوا عليه في الطلب وخاف المسيح أن يُداخلهم الشك إن لم يُجابوا إلى ما سألوا، بدأ في السؤال باسم ﴿اللَّهُمَّ﴾ الدال على الثناء على الله بجميع أسمائه وصفاته، ففي ضمن ذلك تَصَوّره بصورة المُثني الحامد الذاكر لأسماء ربه المُثني عليه بها. وأن المقصود منه بهذا الدعاء وقضاء هذه الحاجة: إنما هو أن يُثني على الرب بذلك، ويُمَجِّده به، ويذكر آلاءه، ويُظهر شواهد قدرته وربوبيته، ويكون برهانًا على صدق رسوله فيحصل بذلك من زيادة الإيمان والثناء على الله أمر يحسن معه الطلب ويكون كالعذر فيه، فأتى بالاسمين: اسم الله الذي يُثْنَى عليه به، واسم الرب الذي يُدعَى ويُسأَل به، لما كان المقام مقام الأمرين. فتأمل هذا السر العجيب ولا يَنْبُ عنه فهمك، فإنه من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء في كتابه وله الحمد» (١). ٧ - قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ (الأنعام).

стр. 118

قال شيخ الإسلام ﵀: «العينان هما رَبِيْئَةُ القلب، وليس من الأعضاء أشد ارتباطًا بالقلب من العينين؛ ولهذا جمع الله بينهما في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾، ﴿يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور: ٣٧)، ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ (الأحزاب: ١٠)، ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ (النازعات)؛ ولأن كليهما له النظر؛ فنظر القلب الظاهر بالعينين، والباطن به وحده» (١). ٨ - قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ (طه). قال ابن القيم ﵀: «يَقْرِنُ اسْتِوَاءَهُ على العرش بهذا الاسم كثيرًا؛ كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ (الفرقان: ٥٩)، فاستوى على عرشه باسم الرحمن؛ لأن العرش محيط بالمخلوقات قد وسِعَها، والرحمة مُحيطة بالخلق واسعة لهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: ١٥٦)، فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات؛ فلذلك وَسِعَتْ رحمتُهُ كل شيء» (٢). ٩ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ (المؤمنون). «تأمل كيف قرن الله بين أكل الطيبات وعمل الصالحات، فَأكْل الحلال الطيب مما يُعين العبد على فعل الصالحات، كما أن أَكْل الحرام أو الوقوع في المشتبهات، مما يُثقِل العبد عن فعل الصالحات» (٣).

стр. 119

١٠ - قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ (الحديد). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولن يقوم الدين إلا بالكتاب والميزان والحديد؛ كتاب يُهدَى به، وحديد يَنْصُره؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، فالكتاب به يقوم العلم والدين، والميزان به تقوم الحقوق في العقود المالكية والقُبُوض، والحديد به تقوم الحدود على الكافرين والمنافقين؛ ولهذا كان في الأزمان المتأخرة: الكتاب للعلماء والعُبَّاد، والميزان للوزراء والكُتَّاب، وأهل الديوان، والحديد للأمراء والأجناد. والكتاب له الصلاة؛ والحديد له الجهاد؛ ولهذا كان أكثر الآيات والأحاديث النبوية في الصلاة والجهاد، وكان النبي ﷺ يقول في عيادة المريض: «اللهم اشف عبدك؛ يشهد لك صلاةً، وينكأ لك عدوًّا» (١). وقال ﷺ : «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» (٢)؛ ولهذا جمع بينهما في مواضع من القرآن» اهـ (٣).

стр. 120

١١ - قال الإسكافي ﵀: «لسائل أن يسأل عن قوله في خِلَال ذِكْر الطلاق والعِددَ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ﴾ ... ثلاث مرات، يفعل به كذا، واختصاص كل جزاء بمكان. فأوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ (٣)﴾ (الطلاق). والثاني: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾ (الطلاق). والثالث: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾ (الطلاق). والجواب أن يُقَال: إنما اقترن بالطلاق والعِدّة هذا الوعظ؛ لأن الطلاق فَضُّ حالٍ مُتَمَهِّدة، وقَطْع آمالٍ مُتأكِّدة، والعدة باستيفائها يخلص النسب، ويصح للزوج الثاني الولد، ولو لم يكن هذا الحد الذي حَدَّه الله تعالى، لَكان الفساد مُتَّصِلًا في انقضاء الدنيا، فهو أحق الأشياء بالمراعاة وتأكيد المقال فيه والوصاة» (١). ١٢ - قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ (الإنسان). «مَجَامِع الطاعات محصورة في أمرين: التعظيم لأمر الله تعالى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، والشفقة على خلق الله، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ﴾» (٢)؛ فجاء الاقتران بينهما في هاتين الآيتين.

стр. 121

١٣ - قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ (الليل: ٥)، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل: ١٢٨). قال شيخ الإسلام ﵀: «هذان الأصلان هما جِمَاع الدين العام -كما يُقال-: التعظيم لأمر الله، والرحمة لعباد الله؛ فالتعظيم لأمر الله يكون بالخشوع والتواضع وذلك أصل التقوى، والرحمة لعباد الله بالإحسان إليهم» (١). ١٤ - قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ (الكوثر). قال شيخ الإسلام ﵀: «أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين: وهما الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحُسْن الظن، وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله، وإلى عِدَتِه وأمره، وفضله وخَلَفِه، عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة في صلاتهم إلى ربهم يسألونه إياها، والذين لا ينحرون له خوفًا من الفقر، وتركًا لإعانة الفقراء وإعطائهم، وسوء الظن منهم بربهم؛ ولهذا جمع الله بينهما في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)﴾ (الأنعام)، والنسك هي الذبيحة ابتغاء وجهه. والمقصود: أن الصلاة والنسك هما أَجَلُّ ما يتقرب به إلى الله، فإنه أتى فيهما بالفاء الدالة على السبب؛ لأن فعل ذلك وهو الصلاة والنحر سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله إياه من الكوثر، والخير الكثير، فَشُكْر المُنْعِم عليه وعبادته أعظمها هاتان العبادتان، بل الصلاة نهاية العبادات، وغاية الغايات» (٢).

стр. 122

١٥ - (سورتا: الكافرون والإخلاص): كان النبي ﷺ يَقْرن بين سورتي الإخلاص والكافرون (١)؛ وذلك أن «سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها التوحيد القولي العلمي، الذي تدل عليه الأسماء والصفات؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ (الإخلاص). وسورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها التوحيد القصدي العملي؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ (الكافرون)، وبهذا يتميز من يعبد الله ممن يعبد غيره، وإن كان كل واحد منهما يُقِر بأن الله رب كل شيء، ويتميز عِبَاد الله المخلصون الذين لم يعبدوا إلا إياه، ممن عبد غيره وأشرك به» (٢).

стр. 123

الباب الرابع ما يُتَوَصَّل إليه بالنظر في النواحي اللّغوية والجوانب البلاغية (١)

стр. 124

١ - الحقيقة والمجاز (عند القائل به) (١): التطبيق: قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ (البقرة). قال القرطبي ﵀: «فسُمِّيَ الدين صبغة استعارة ومجازًا، من حيث تظهر أعماله وسَمْته على المتدين، كما يظهر أثر الصبغ في الثوب» (٢). ٢ - ما يتصل بمرجع الضمير: التطبيق: قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ (طه). «فإن قلت: لِمَ أسند الشقاء إلى آدم دون حواء؟ قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله، كما أن في سعادته سعادتهم؛ لأنه القيم عليهم. الثاني: أنه أُريد بالشقاء التعب في طلب القُوت، وذلك على الرجل دون المرأة؛ لأن الرجل هو الساعي على زوجته» (٣).

стр. 125

٣ - ما يُؤْخَذ من الإظهار في موضع الإضمار، وعكسه (١): التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ (النساء). «ولم يقل: (واستغفرتَ لهم)، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات؛ تفخيمًا لشأن رسول الله ﷺ وتعظيمًا لاستغفاره» (٢). ٢ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)﴾ (الأحزاب).

стр. 126

قال ابن الجوزي ﵀: «أي: وأحللنا لك امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها لك، ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾؛ أي: إِن آثر نكاحها، ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾؛ أي: خاصة (١). قال الزجّاج: وإِنما قال: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، ولم يقل: (لك)؛ لأنه لو قال: (لك)، جاز أن يُتوهَّم أن ذلك يجوز لغير رسول الله ﷺ كما جاز في بنات العمِّ وبنات العمَّات» (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ (الكوثر). قال ابن عاشور ﵀: «ولم يقل: فَصَلِّ لنا؛ لما في لفظ الرَّب من الإيماء إلى استحْقَاقِهِ العبادة لأجل ربوبيَّته فضلًا عن فَرْطِ إِنْعامه» (٣). ٤ - الالتفات (٤) بأنواعه: التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ (النساء).

стр. 127

«ولم يقل: (واستغفرتَ لهم)، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات؛ تفخيمًا لشأن رسول الله ﷺ وتعظيمًا لاستغفاره» (١). ٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾ (الإسراء). قال ابن القيم ﵀: «أعاد الضمير ﴿جَزَاؤُكُمْ﴾ بلفظ الخطاب وإن كان ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ يقتضي الغَيْبَة؛ لأنه اجتمع مُخاطَب وغائب، فغَلَّب المُخاطَب وجعل الغائب تبعًا له؛ كما كان تبعًا له في المعصية والعقوبة، فحسن أن يُجعل تبعًا له في اللفظ، وهذا من حُسن ارتباط اللفظ بالمعنى واتصاله به» (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ (طه). قال ابن القيم ﵀: «تأمل قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾، كيف شَرَّك بينهما في الخروج وخص الذَّكَر بالشقاء؛ لاشتغاله بالكسب والمعاش، والمرأة في خدرها» (٣).

стр. 128

٥ - الفروق اللفظية (١): التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾ (البقرة). قال ابن القيم ﵀: «تأمل كيف قال الله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، فوَحَّدَه، ثم قال: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾، فجمعها؛ فإن الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم، الذي لا صراط يُوصِل إليه سواه، وهو عبادة الله وحده لا شريك له بما شرعه على لسان رسوله ﷺ ، لا بالأهواء والبدع، وطرق الخارجين عما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق، بخلاف طرق الباطل، فإنها متعددة مُتَشَعِّبة؛ ولهذا يُفْرِد الله الحق ويجمع الباطل؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ (البقرة)» (٢). وقال ﵀ في موضع آخر: «وتأمل قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾، ولم يقل: (بنارهم) لتطابق أول الآية؛ فإن النار فيها إشراق وإحراق، فذهب بما فيها من الإشراق -وهو النور- وأبقى عليهم ما فيها من الإحراق، وهو النَّارِيَّة» (٣).

стр. 129

وقال ﵀ في موضع آخر: «وتأمل كيف قال: ﴿بِنُورِهِمْ﴾ ولم يقل: (بضوئهم)، مع قوله: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾؛ لأن الضوء هو زيادة في النور، فلو قال: (ذهب الله بضوئهم)، لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل، فلما كان النور أصل الضوء كان الذهاب به ذهابًا بالشيء وزيادته» (١). ٢ - قال تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ (البقرة: ١٩). قال ابن جماعة ﵀ في بيان وجه جمع الظلمات، وإفراد الرعد والبرق: «جوابه: أن المُقْتَضي للرعد والبرق واحد، وهو: السحاب، والمُقْتَضي للظُّلْمَة مُتَعَدِّد وهو: الليل والسحاب والمطر؛ فجمع لذلك» (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ (البقرة). قال الأصفهاني ﵀: «إن قيل: لم ذكر الكتابة دون القول؟ قيل: لمّا كانت الكتابة مُتَضَمِّنة للقول وزائدة عليه؛ إذ هو كذب باللسان واليد، صار أبلغ؛ لأن كلام اليد يبقى رسمه، والقول يضمحل أثره» (٣). ٤ - قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾ (البقرة).

стр. 130

قال ابن عاشور ﵀: «قوله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، دون (تحبها) أو (تهواها) أو نحوهما؛ فإن مقام النبي ﷺ يربو عن أن يتعلق مَيْلُه بما ليس بمصلحة راجحة بعد انتهاء المصلحة العارضة لمشروعية استقبال بيت المقدس؛ ألا ترى أنه لما جاء في جانب قبلتهم بعد أن نُسِخَت جاء بقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ... (البقرة: ١٢٠)، الآيةَ» (١). ٥ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾ (البقرة). قال الأصفهاني ﵀: «إنما قال: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ ولم يقل: (أنفسهم)؛ لأن الإنسان لا يعرف نفسه إلا بعد انقضاء بُرهة من دهره، ويعرف ولده من حين وجوده، ثم في ذكر الابن ما ليس في ذكر النفس؛ فإن الإنسان (٢) عصارة ذاته ونسخة صورته» (٣). ٦ - قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾ (البقرة). «الأمر بالاستباق إلى الخيرات قَدْرٌ زائد على الأمر بفعل الخيرات؛ فإن الاستباق إليها يتضمن فعلها، وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها، ومن سبق في الدنيا إلى الخيرات، فهو السابق في الآخرة إلى الجنات» (٤).

стр. 131

٧ - قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ (البقرة). قال الأصفهاني ﵀: «إنما قال: ﴿صَلَوَاتٌ﴾ على الجمع؛ تنبيهًا على كثرتها منه، وأنها حاصلة في الدنيا توفيقًا وإرشادًا، وفي الآخرة ثوابًا ومغفرة» (١). ٨ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ (البقرة). قال البغوي ﵀: «والحكمة في المشي دون الطيران كونه أبعد من الشبهة؛ لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطير، وأن أرجلها غير سليمة. والله أعلم» (٢). ٩ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ (البقرة). قال ابن القيم ﵀: «ونَبَّه بقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ على أن المَنَّ والأذى ولو تراخى عن الصدقة وطال زمنه، ضَرَّ بصاحبه ولم يحصل له مقصود الإنفاق، ولو أتى بالواو وقال: (ولا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذى)، لأوهمت تقييد ذلك بالحال، وإذا كان المَنّ والأذى المُتَراخِى مُبْطِلًا لأثر الإنفاق مانعًا من الثواب، فالمُقَارِن أولى وأحرى» (٣).

стр. 132

١٠ - قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾ (النساء). قال ابن القيم ﵀: «تأمل قوله تعالى في الشفاعة الحسنة: ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، وفي السيئة: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾؛ فإن لفظ (الكِفْل) يُشْعِر بالحِمْل والثقل، ولفظ (النصيب) يُشعر بالحظ الذي يَنْصَب طالبُه في تحصيله، وإن كان كل منهما يُستعمل في الأمرين عند الانفراد، ولكن لما قرن بينهما، حسن اختصاص حظ الخير بالنصيب وحظ الشر بالكِفْل» (١). ١١ - قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ (الأعراف). قال ابن القيم ﵀: «وأما الإخبار عن الرحمة وهي مُؤنثة بالتاء، بقوله: ﴿قَرِيبٌ﴾ وهو مُذَكَّر، ففيه اثنا عشر مَسْلكًا ... المَسْلَك السادس: ... أن الرحمة صفة من صفات الرب ﵎، والصفة قائمة بالموصوف لا تُفارقه؛ لأن الصفة لا تُفارق موصوفها، فإذا كانت قريبة من المحسنين فالموصوف ﵎ أولى بالقُرب منه، بل قُرب رحمته تبع لقُربه هو ﵎ من المحسنين ... فالرب ﵎ قريب من المحسنين، ورحمته قريبة منهم، وقُربه يستلزم قُرب رحمته، ففي حذف التاء هاهنا تنبيه على هذه الفائدة العظيمة الجليلة، وأن الله تعالى قريب من المحسنين، وذلك يستلزم القُربين: قُربه وقُرب رحمته. ولو قال: (إن رحمة الله قريبة من المحسنين) لم يدل على قُربه تعالى منهم؛ لأن قُربه تعالى أخص من قُرب رحمته ... فلا تَسْتَهِن بهذا المسلك فإن له شأنًا، وهو مُتَضَمِّن لسِر بديع من أسرار الكتاب ... » (٢).

стр. 133

١٢ - قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾ (الأعراف). قال ابن القيم ﵀: «فَعَدَل سبحانه عن قوله (سَكَن) إلى قوله ﴿سَكَتَ﴾؛ تنزيلًا للغضب منزلة السلطان الآمر الناهي، الذي يقول لصاحبه: افعل، لا تفعل. فهو مُسْتَجِيب لداعي الغضب الناطق فيه، المُتكلم على لسانه» (١). ١٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (التوبة). قال ابن هبيرة ﵀: «إنما لم يقل: (ما كُتِب علينا)؛ لأنه أمر يتعلق بالمؤمن، ولا يصيب المؤمن شيء إلا وهو له؛ إن كان خيرًا فهو له في العاجل، وإن كان شرًّا فهو ثواب له في الآجل» (٢). ١٤ - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ (يونس). قال ابن رجب ﵀: «وأما الصبر فإنه ضِياء، والضِّياء: هو النور الذي يَحصُل فيه نوع حرارةٍ وإحراق كضياء الشمس، بِخلاف القمر، فإنه نورٌ مَحضٌ، فيه إشراقٌ بغير إحراقٍ؛ قال اللهُ : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾، ومِن هُنا وَصفَ اللهُ شريعةَ مُوسَى بأنها ضياء؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ (الأنبياء).

стр. 134

وإن كان قد ذكر أنَّ في التَّوراة نُورًا؛ كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة: ٤٤)، ولكنَّ الغَالب على شريعتِهم الضياء؛ لما فيها من الآصار والأغلال والأَثْقال. ووصَفَ شريعة محمدٍ ﷺ بأنها نورٌ؛ لما فيها منَ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمحة؛ قال اللهُ تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ (المائدة)، وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ (الأعراف)، ولما كان الصبر شاقًّا على النفوس، يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها وكفها عما تهواه، كان ضياءً» (١). ١٥ - قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ (هود). تأمل في الجملة الأخيرة ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾، ولم يقل: (صالحون)؛ لأن الصلاح الشخصي المُنْزَوي بعيدًا لا يَأْسَى لضعف الإيمان، ولا يُبالي بهزيمة الخير، فكن صالحًا مُصْلِحًا، وراشدًا مُرْشِدًا (٢). ١٦ - قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (مريم: ٥٩). فقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال السعدي ﵀: «بمعنى أرادوها وصارت هي همهم، وانقادوا لها وصاروا مطيعين لها؛ فلذلك قال: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ ولم يقل:

стр. 135

(تناولوا وأكلوا) ونحو ذلك لهذا المعنى؛ لأن هذا الذم إنما يتناول متبعي الشهوات، فمهما اشتهت نفوسهم فعلوه على أنه المقصود المتبوع» (١). ١٧ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ (الحج). قال ابن القيم ﵀: «المُرْضِع مَن لها ولد تُرضعه. والمُرضِعة من أَلقَمت الثدي للرضيع، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ أبلغ من (مُرضِع) في هذا المقام؛ فإن المرأة قد تَذهَل عن الرضيع إذا كان غير مُبَاشِر للرضاعة، فإذا التقم الثدي واشتغلت برضاعه لم تَذْهَل عنه إلا لأمر أعظم عندها من اشتغالها بالرضاع. وتأمل رحمك الله تعالى السر البديع في عدوله سبحانه عن (كل حامل) إلى قوله: ﴿ذَاتِ حَمْلٍ﴾، فإن الحامل قد تُطْلَق على المُهَيَّأة للحمل، وعلى من هي في أول حملها ومبادئه، فإذا قيل: ﴿ذَاتِ حَمْلٍ﴾، لم يكن إلا لمن ظهر حملها وصلح للوضع كاملًا أو سِقْطًا؛ كما يقال: (ذات ولد)» (٢). ١٨ - قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ (الشعراء). «فإن قلت: لِمَ جَمَع الشافع ووَحَّد الصديق؟ قلت: لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق» (٣).

стр. 136

١٩ - قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (الأحزاب). قال صاحب التفسير الكبير ﵀: «بيانًا لزيادة ثوابهن، كما بين زيادة عقابهن ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ في مُقابلة قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، مع لطيفة وهي أن عند إيتاء الأجر ذكر المُؤْتِي وهو الله، وعندَ العذابِ لَم يُصرِّح بِالمُعذِّبِ فقال: ﴿يُضَاعَفْ﴾ إشارة إلى كمال الرحمة والكرم، كما أن الكريم الحي (١) عند النفع يظهر نفسه وفعله، وعند الضُّر لا يذكر نفسه» (٢). ٢٠ - قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾ (النجم). قال ابن عطية ﵀: «والضلال أبدًا يكون من غير قصد من الإنسان إليه، والغي كأنه شيء يكتسبه الإنسان ويريده، نفى الله تعالى عن نبيه هذين الحالين، وغوى الرجل يغوي: إذا سلك سبيل الفساد والعوج، ونفى الله تعالى عن نبيه أن يكون ضل في هذه السبيل التي أَسْلَكَه الله إياها، وأثبت له تعالى في (الضحى) أنه قد كان قبل النبوءة ضالًّا بالإضافة إلى حاله من الرشد بعدها» (٣). ٢١ - قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ (الواقعة). قال ابن عاشور ﵀: «وتقديم ذِكْر الفاكهة على ذِكْر اللحم قد يكون لأن الفواكه أعز، وبهذا يظهر وجه المخالفة بين الفاكهة ولحم طير فجعل التَّخَيّر

стр. 137

للأول، والاشتهاء للثاني؛ ولأن الاشتهاء أعلق بالطعام منه بالفواكه، فلذة كسر الشاهية بالطعام لذة زائدة على لذة حُسْن طعمه، وكثرة التَّخَيّر للفاكهة هي لذة تلوين الأصناف» (١). ٢٢ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ (المنافقون). «ومعنى ﴿لَا تُلْهِكُمْ﴾: لا تَشْغلكم. وقد تقول: لماذا لم يقل: (لا تشغلكم)؟ والجواب: أنَّ من الشُّغْل ما هو محمودٌ، فقد يكون شغلًا في حق، كما جاء في الحديث: «إن في الصلاة لشُغلًا» (٢)، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ (يس: ٥٥)، أما الإلهاء فمما لا خيرَ فيه، وهو مذمومٌ على وجه العموم، فاختار ما هو أحق بالنهي» (٣). ٢٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ (الإنسان). قال الماوردي ﵀: «وجمع بين الشاكر والكفور، ولم يجمع بين الشكور والكفور -مع اجتماعهما في معنى المبالغة- نَفْيًا للمبالغة في الشكر وإثباتا لها في الكفر؛ لأن شكر الله تعالى لا يُؤَدَّى، فانتفت عنه المبالغة، ولم تَنْتَف عن الكفر المبالغة، فَقَلَّ شُكره؛ لكثرة النعم عليه، وكَثُر كفره - وإن قل - مع الإحسان إليه» (٤).

стр. 138

٦ - المتشابه اللفظي (١): التطبيق: ١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا (١٢٦)﴾ (البقرة)، وقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا (٣٥)﴾ (إبراهيم). قال ابن كثير ﵀: «قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا (١٢٦)﴾ (البقرة)؛ أي: اجعل هذه البُقْعَة بلدًا آمنًا ونَاسَب هذا؛ لأنه قبل بناء الكعبة، وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا (٣٥)﴾ (إبراهيم)، ونَاسَب هذا هناك؛ لأنَّه -والله أعلَم- كأنَّه وقع دعاء مَرَّة ثانية بَعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مَوْلِد إسحاق الذي هو أَصغر سنًّا من إِسماعيل بثلاث عشرةَ سنةً؛ ولهذا قَال في آخر الدُّعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (إبراهيم: ٣٩)» (٢). ٢ - قال تعالى في سورة البقرة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ (البقرة)،

стр. 139

وقال بعد ذلك: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ (البقرة). ففي الآية الأولى قال: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، وفي الثانية قال: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، فما وجه ذلك؟ قال السيوطي ﵀: «لأنَّ الأولَى وردت بعد نَوَاهٍ فناسب النهي عن قُربانِها، والثانية بعد أوامر فناسب النهي عن تعدِّيها وتجاوزها بِأن يُوقَف عندها» (١). قال ابن عثيمين ﵀: «قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾؛ أي: لا تتجاوزوها، وقال العلماء: إذا كانت الحدود مما يجب فعله قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾؛ وأما إذا كانت الحدود من المحرمات فإنه تعالى يقول: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾» (٢). ٣ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ (البقرة). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ (البقرة). قال ابن القيم ﵀: «تأمل كيف جَرَّد الخبر هنا عن الفاءِ فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (البقرة: ٢٦٢)، وقَرَنه بالفاءِ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (البقرة: ٢٧٤)،

стр. 140

فإن الفاءَ الداخلة على خبر المبتدأ الموصول أو الموصوف تُفْهِم معنى الشرط والجزاءِ، وأن الخبر مُسْتَحَقّ بما تضمنه المبتدأُ من الصِّلَة أو الصفة، فلما كان هنا يقتضي بيان حَصْر المُسَتَحِق للجزاءِ دون غيره، جرد الخبر عن الفاءِ، فإن المعنى: أن الذي ينفق ماله لله ولا يَمُنّ ولا يُؤذي، هو الذي يستحق الأجر المذكور، لا الذي يُنفِق لغير الله ... ويَمُن ويُؤذي بنفقته، فليس المقام مقام شرط وجزاءٍ بل مقام بيان للمُسْتَحِق من غيره، وفي الآية الأخرى للمستحق دون غيره. وفى الآية الأخرى ذَكَر الإنفاق بالليل والنهار سرًّا وعلانية، فذَكَر عموم الأوقات وعموم الأحوال، فأتى بالفاءِ في الخبر؛ ليدل على أن الإنفاق في أي وقت وُجِد من ليل أو نهار، وعلى أية حالة وُجِد من سر وعلانية، فإنه سبب للجزاء على كل حال، فليبادر إليه العبد ولا ينتظر به غير وقته وحاله، ولا يُؤخِّر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار، ولا نفقة النهار إلى الليل، ولا ينتظر بنفقة العلانية وقت السر، ولا بنفقة السر وقت العلانية، فإن نفقته فى أي وقت وعلى أي حال وُجِدَت سبب لأجره وثوابه، فتدبر هذه الأسرار في القرآن؛ فلعلك لا تظفر بها تمر بك في التفاسير، والمنة والفضل لله وحده لا شريك له» (١). ٤ - قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ (البقرة)، وفي سورة إبراهيم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾ (إبراهيم).

стр. 141

قال ابن جماعة ﵀: «إن المَثَل هنا للعامل، فكان تقديم نَفْي قُدرته وصِلَتها أنسب؛ لأن ﴿عَلَى﴾ من صِلَة القُدرة، وآية (إبراهيم)؛ المثل للعمل؛ لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ﴾ (إبراهيم: ١٨)، تقديره: مَثَل أعمال الذين كفروا» (١). ٥ - قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (البقرة: ٢٨٢). وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (الطلاق: ٢). قال ابن القيم ﵀: «قال تعالى في شهادة المال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (البقرة: ٢٨٢)، وقال في الوصية والرجعة: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (الطلاق: ٢)؛ لأن المُسْتَشْهِد هناك صاحب الحق، فهو يأتي بمن يرضاه لحفظ حَقّه، فإن لم يكن عدلًا كان هو المُضَيِّع لحقه، وهذا المُسْتَشْهِد يَسْتَشْهِد بحق ثابت عنده، فلا يكفي رضاه به، بل لا بد أن يكون عدلًا في نفسه، وأيضا فإن الله قال هناك: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾؛ لأن صاحب الحق هو الذي يحفظ ماله بمن يرضاه، وإذا قال من عليه الحق: أنا راض بشهادة هذا علي؛ ففي قبوله نزاع، والآية تدل على أنه يُقْبَل، بخلاف الرجعة والطلاق؛ فإن فيهما حقًا لله، وكذلك الوصية فيها حق لغائب» اهـ (٢). ٦ - قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾ (آل عمران)، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾ (آل عمران).

стр. 142

قال ابن كثير ﵀: «قالت في مُنَاجَاتها: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾؛ تقول: كيف يُوجَد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج ولا من عَزْمي أن أتزوج، ولست بغيًّا؟ حاشا لله. فقال لها الملَكُ -عن الله في جواب هذا السؤال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: هكذا أَمْر الله عظيم، لا يُعجِزُه شيء. وصَرَّح ها هنا بقوله: ﴿يَخْلُقُ﴾ ولم يقل: (يَفْعَلُ) كما في قصة زكريا، بل نَصَّ ها هنا على أنه يخلُقُ؛ لئلا يُبقي شُبهة، وأَكَّد ذلك بقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾» (١). ٧ - قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ (الأنعام)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ (الإسراء). قال ابن كثير ﵀: «أي: ولا تَقتلوهم من فَقْرِكُمُ الحاصل. وقال في سورة (سُبْحَانَ): ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾؛ أي: خشية حصول فَقْرٍ في الآجل؛ ولهذا قال هُناك: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾، فبدأ برزقهم؛ لِلاهتمام بهم؛ أي: لا تخافوا من فقركم بسببهم، فرزقهم على الله» (٢). ٨ - قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (الأعراف)، وقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ (فصلت)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ (غافر: ٥٦).

стр. 143

قال ابن القيم ﵀: «وتَأَمَّل حِكْمة القرآن الكريم كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ السميع العليم في الأعراف والسجدة (فُصِّلَت): ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (الأعراف)، ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ (فصلت)، وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يُؤنَسُون ويُرون بالأبصار بلفظ: ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ في سورة حم المؤمن، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ (غافر)؛ لأن أفعال هؤلاء أفعال مُعَايَنة تُرى بالبصر، وأما نزغ الشيطان فوساوس وخطرات يلقيها في القلب يتعلق بها العلم؛ فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها، وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يُرى بالبصر ويُدرك بالرؤية والله أعلم» (١). وقال ﵀: «وتأمل سِرّ القرآن الكريم كيف أَكَّد الوصف بالسميع العليم بذِكْر صيغة ﴿هُوَ﴾ الدال على تأكيد النِّسْبة واختصاصها، وعَرَّف الوصف بالألف واللام في سورة ﴿حم﴾ (فصلت)؛ لاقتضاء المقام لهذا التأكيد، وتركه في سورة الأعراف لاستغناء المقام عنه؛ فإن الأمر بالاستعاذة في سورة ﴿حم﴾ وقع بعد الأمر بأشق الأشياء على النفس وهو مُقَابَلة إساءة المُسيء بالإحسان إليه، وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الصابرون، ولا يُلَقَّاه إلا ذو حظ عظيم كما قال الله تعالى. والشيطان لا يَدَع العبد يفعل هذا، بل يُرِيه أن هذا ذُل وعجز، ويُسَلِّط عليه عدوه فيدعوه إلى الانتقام ويزينه له، فإن عجز عنه دعاه إلى الإعراض عنه، وألا

стр. 144

يُسيء إليه ولا يُحْسِن، فلا يُؤْثِر الإحسانَ إلى المسيء إلا من خالفه وآثر الله تعالى وما عنده على حَظّه العاجل. فكان المقام مقام تأكيد وتحريض، فقال فيه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ (فصلت)، وأما في سورة الأعراف فإنه أمره أن يُعرِض عن الجاهلين، وليس فيها الأمر بمُقَابَلة إساءتهم بالإحسان، بل بالإعراض، وهذا سَهْل على النفوس غير مُسْتَعْص عليها، فليس حِرْص الشيطان وسَعيه في دَفْع هذا كحِرْصِه على دَفْع المُقابَلة بالإحسان، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (الأعراف)» (١). وقال في موضع آخر: «وقال هاهنا: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (فصلت: ٣٦)، فأكد بـ (إن)، وبضمير الفصل، وأتى باللام في: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقال في الأعراف: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: ٢٠٠). وسر ذلك -والله أعلم- أنه حيث اقتصر على مُجرد الاسم ولم يُؤكده أُريد إثبات مُجرد الوصف الكافي في الاستعاذة والإخبار بأنه سبحانه يسمع ويعلم، فيسمع استعاذتك فيجيبك، ويعلم ما تستعيذ منه فيدفعه عنك؛ فالسمع لكلام المُستعيذ، والعلم بالفعل المُستعاذ منه، وبذلك يحصل مقصود الاستعاذة، وهذا المعنى شامل للموضعين، وامتاز المذكور في سورة فصلت بمزيد التأكيد والتعريف والتخصيص؛ لأن سياق ذلك بعد إنكاره سبحانه على الذين شكوا في سمعه لقولهم وعلمهم به، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: «اجتمع عند البيت ثلاثة نفر: قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثيرٌ شَحْم بطونهم، قليلٌ فِقْه قلوبهم، فقالوا:

стр. 145

أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، فقال الآخر: إن سمع بعضه سمع كله. فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (فصلت)» (١)؛ فجاء التوكيد في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. في سياق هذا الإنكار؛ أي: هو وحده الذي له كمال قوة السمع وإحاطة العلم، لا كما يظن به أعداؤه الجاهلون: أنه لا يسمع إن أخفوا، وأنه لا يعلم كثيرًا مما يعملون. وحَسَّن ذلك أيضًا: أن المأمور به في سورة فصلت دَفْع إساءتهم إليه بإحسانه إليهم، وذلك أشق على النفوس من مُجرد الإعراض عنهم؛ ولهذا عَقَّبه بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ (فصلت)، فحَسُن التأكيد لحاجة المُستعيذ. وأيضًا، فإن السياق هاهنا لإثبات صفات كماله، وأدلة ثبوتها، وآيات ربوبيته، وشواهد توحيده؛ ولهذا عَقَّب ذلك بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ (فصلت: ٣٧)، وبقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ (فصلت: ٣٩)» (٢). ٩ - قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ (النحل: ١٢١)، وقال: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (لقمان: ٢٠)، «فجَمَع النعمة في آية النحل جَمْع قِلَّة (أنعم)؛ لأن نعم الله لا تُحصى، وإنما يستطيع الإنسان معرفة بعضها وشكرها،
следующие страницы →