قال ابن جماعة ﵀: «إن المَثَل هنا للعامل، فكان تقديم نَفْي قُدرته وصِلَتها أنسب؛ لأن ﴿عَلَى﴾ من صِلَة القُدرة، وآية (إبراهيم)؛ المثل للعمل؛ لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ﴾ (إبراهيم: ١٨)، تقديره: مَثَل أعمال الذين كفروا» (١).
٥ - قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (البقرة: ٢٨٢).
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (الطلاق: ٢).
قال ابن القيم ﵀: «قال تعالى في شهادة المال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (البقرة: ٢٨٢)، وقال في الوصية والرجعة: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (الطلاق: ٢)؛ لأن المُسْتَشْهِد هناك صاحب الحق، فهو يأتي بمن يرضاه لحفظ حَقّه، فإن لم يكن عدلًا كان هو المُضَيِّع لحقه، وهذا المُسْتَشْهِد يَسْتَشْهِد بحق ثابت عنده، فلا يكفي رضاه به، بل لا بد أن يكون عدلًا في نفسه، وأيضا فإن الله قال هناك: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾؛ لأن صاحب الحق هو الذي يحفظ ماله بمن يرضاه، وإذا قال من عليه الحق: أنا راض بشهادة هذا علي؛ ففي قبوله نزاع، والآية تدل على أنه يُقْبَل، بخلاف الرجعة والطلاق؛ فإن فيهما حقًا لله، وكذلك الوصية فيها حق لغائب» اهـ (٢).
٦ - قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾ (آل عمران)، وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾ (آل عمران).
стр. 142
قال ابن كثير ﵀: «قالت في مُنَاجَاتها: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾؛ تقول: كيف يُوجَد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج ولا من عَزْمي أن أتزوج، ولست بغيًّا؟ حاشا لله. فقال لها الملَكُ -عن الله في جواب هذا السؤال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: هكذا أَمْر الله عظيم، لا يُعجِزُه شيء. وصَرَّح ها هنا بقوله: ﴿يَخْلُقُ﴾ ولم يقل: (يَفْعَلُ) كما في قصة زكريا، بل نَصَّ ها هنا على أنه يخلُقُ؛ لئلا يُبقي شُبهة، وأَكَّد ذلك بقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾» (١).
٧ - قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ (الأنعام)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ (الإسراء).
قال ابن كثير ﵀: «أي: ولا تَقتلوهم من فَقْرِكُمُ الحاصل. وقال في سورة (سُبْحَانَ): ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾؛ أي: خشية حصول فَقْرٍ في الآجل؛ ولهذا قال هُناك: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾، فبدأ برزقهم؛ لِلاهتمام بهم؛ أي: لا تخافوا من فقركم بسببهم، فرزقهم على الله» (٢).
٨ - قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (الأعراف)، وقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ (فصلت)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ (غافر: ٥٦).
стр. 143
قال ابن القيم ﵀: «وتَأَمَّل حِكْمة القرآن الكريم كيف جاء في الاستعاذة من الشيطان الذي نعلم وجوده ولا نراه بلفظ السميع العليم في الأعراف والسجدة (فُصِّلَت): ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (الأعراف)، ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ (فصلت)، وجاءت الاستعاذة من شر الإنس الذين يُؤنَسُون ويُرون بالأبصار بلفظ: ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ في سورة حم المؤمن، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ (غافر)؛ لأن أفعال هؤلاء أفعال مُعَايَنة تُرى بالبصر، وأما نزغ الشيطان فوساوس وخطرات يلقيها في القلب يتعلق بها العلم؛ فأمر بالاستعاذة بالسميع العليم فيها، وأمر بالاستعاذة بالسميع البصير في باب ما يُرى بالبصر ويُدرك بالرؤية والله أعلم» (١).
وقال ﵀: «وتأمل سِرّ القرآن الكريم كيف أَكَّد الوصف بالسميع العليم بذِكْر صيغة ﴿هُوَ﴾ الدال على تأكيد النِّسْبة واختصاصها، وعَرَّف الوصف بالألف واللام في سورة ﴿حم﴾ (فصلت)؛ لاقتضاء المقام لهذا التأكيد، وتركه في سورة الأعراف لاستغناء المقام عنه؛ فإن الأمر بالاستعاذة في سورة ﴿حم﴾ وقع بعد الأمر بأشق الأشياء على النفس وهو مُقَابَلة إساءة المُسيء بالإحسان إليه، وهذا أمر لا يقدر عليه إلا الصابرون، ولا يُلَقَّاه إلا ذو حظ عظيم كما قال الله تعالى.
والشيطان لا يَدَع العبد يفعل هذا، بل يُرِيه أن هذا ذُل وعجز، ويُسَلِّط عليه عدوه فيدعوه إلى الانتقام ويزينه له، فإن عجز عنه دعاه إلى الإعراض عنه، وألا
стр. 144
يُسيء إليه ولا يُحْسِن، فلا يُؤْثِر الإحسانَ إلى المسيء إلا من خالفه وآثر الله تعالى وما عنده على حَظّه العاجل.
فكان المقام مقام تأكيد وتحريض، فقال فيه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ (فصلت)، وأما في سورة الأعراف فإنه أمره أن يُعرِض عن الجاهلين، وليس فيها الأمر بمُقَابَلة إساءتهم بالإحسان، بل بالإعراض، وهذا سَهْل على النفوس غير مُسْتَعْص عليها، فليس حِرْص الشيطان وسَعيه في دَفْع هذا كحِرْصِه على دَفْع المُقابَلة بالإحسان، فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (الأعراف)» (١).
وقال في موضع آخر: «وقال هاهنا: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (فصلت: ٣٦)، فأكد بـ (إن)، وبضمير الفصل، وأتى باللام في: ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقال في الأعراف: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: ٢٠٠).
وسر ذلك -والله أعلم- أنه حيث اقتصر على مُجرد الاسم ولم يُؤكده أُريد إثبات مُجرد الوصف الكافي في الاستعاذة والإخبار بأنه سبحانه يسمع ويعلم، فيسمع استعاذتك فيجيبك، ويعلم ما تستعيذ منه فيدفعه عنك؛ فالسمع لكلام المُستعيذ، والعلم بالفعل المُستعاذ منه، وبذلك يحصل مقصود الاستعاذة، وهذا المعنى شامل للموضعين، وامتاز المذكور في سورة فصلت بمزيد التأكيد والتعريف والتخصيص؛ لأن سياق ذلك بعد إنكاره سبحانه على الذين شكوا في سمعه لقولهم وعلمهم به، كما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: «اجتمع عند البيت ثلاثة نفر: قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، كثيرٌ شَحْم بطونهم، قليلٌ فِقْه قلوبهم، فقالوا:
стр. 145
أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال أحدهم: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، فقال الآخر: إن سمع بعضه سمع كله. فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ (فصلت)» (١)؛ فجاء التوكيد في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. في سياق هذا الإنكار؛ أي: هو وحده الذي له كمال قوة السمع وإحاطة العلم، لا كما يظن به أعداؤه الجاهلون: أنه لا يسمع إن أخفوا، وأنه لا يعلم كثيرًا مما يعملون. وحَسَّن ذلك أيضًا: أن المأمور به في سورة فصلت دَفْع إساءتهم إليه بإحسانه إليهم، وذلك أشق على النفوس من مُجرد الإعراض عنهم؛ ولهذا عَقَّبه بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ (فصلت)، فحَسُن التأكيد لحاجة المُستعيذ.
وأيضًا، فإن السياق هاهنا لإثبات صفات كماله، وأدلة ثبوتها، وآيات ربوبيته، وشواهد توحيده؛ ولهذا عَقَّب ذلك بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ (فصلت: ٣٧)، وبقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ (فصلت: ٣٩)» (٢).
٩ - قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ (النحل: ١٢١)، وقال: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (لقمان: ٢٠)، «فجَمَع النعمة في آية النحل جَمْع قِلَّة (أنعم)؛ لأن نعم الله لا تُحصى، وإنما يستطيع الإنسان معرفة بعضها وشكرها،
стр. 146
وهو ما كان من إبراهيم ﵇، فَذَكَر جَمْع القِلَّة في هذا المقام، أما آية لقمان فجمعها جَمْع كَثْرة (نِعَمَه)؛ لأنها في مقام تعداد نعمه وفضله على الناس جميعًا» (١).
١٠ - في سورة الكهف قال الخضر ﵀: «في الأولى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ (الكهف: ٧٩)، وفي الثانية: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾ (الكهف)، وفي الثالثة: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ (الكهف: ٨٢) فما وجه كل واحدة من هذه الألفاظ؟
قلت: إنه لما ذكر العيب أضافه إلى نفسه على سبيل الأدب مع الله تعالى، فقال: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، ولما ذكر رعاية المصالح في مال اليتيمين لأجل صلاح أبيهما أضافه إلى الله ؛ لأن حفظ الأبناء وصلاح أحوالهم لرعاية حق الآباء ليس إلا لله ؛ فلأجل ذلك أضافه إلى الله تعالى» (٢).
١١ - قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ (الأنبياء).
وقال تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ (الصافات).
стр. 147
قال الإسكافي ﵀ (١): «للسائل أن يسأل فيقول: هذا في قصة واحدة، فجاء في موضع: ﴿الْأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٠)، وفي موضع: ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾ (الصافات: ٩٨)، فهل في كلٍّ من المكانين ما يختص باللفظ الذي خصّ به؟
والجواب أن يقال: أمّا في سورة الأنبياء فإن الله تعالى أخبر فيها عن إبراهيم ﵇ أنه قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ (الأنبياء: ٧٥)، ثم أخبر عن الكفار لمّا ألقوه في النار وأرادوا به كيدًا: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٠)، والكيد: سعي في مضرة لِتُورَد على غفلة، فذكر مُكَايَدَة بينهم وبين إبراهيم ﵇، فكادهم ولم يكيدوه فخسرت تجارتهم وعادت عليهم مُكَايَدَتُهم؛ لأنه كسّر أصنامهم ولم يبلغوا من إحراقه مرادهم، فذكر الأخسرين؛ لأنهم خسروا فيما عاملهم به وعاملوه من المُكَايَدة التي أُضيفت إليهما.
وأما الآية التي في سورة الصافات فإن الله تعالى أخبر عن الكفار فيها بما اقتضى من الأسفلين، وهو أنه قال: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾، فبنوا له بناء عاليًا ورفعوه فوقه ليرموا به من هناك إلى النار التي أَجَّجُوها، فلما عَلَوا ذلك البناءَ وحطّوه منه إلى أسفل، عادوا هم الأسفلين؛ لأنهم أُهلِكُوا في الدنيا وسَفُل أمرهم في الأُخْرى، والله تعالى نجّى نبيّه ﵇ وأعلاه عليهم، فانقلب عالي أمرهم في صعود البناء وسافل أمر إبراهيم ﵇.
فلمّا حُطّ إلى النار، صار ذلك سَافِلًا، وأمر النبي ﵇ عاليًا؛ فلذلك اختصت هذه الآية بقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ (الصافات)» (٢).
стр. 148
١٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ (القصص).
وقال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ (الفرقان).
قال ابن القيم ﵀: «وكان رَفْع السلام مُتعينًا؛ لأنه حكاية ما قد وقع، ونَصْب السلام في آية الفرقان مُتعينًا؛ لأنه تعليم وإرشاد لما هو الأكمل والأولى للمؤمن أن يَعْتَمِدَه إذا خاطبه الجاهل» (١).
١٣ - قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ (٢٤)﴾ (سبأ).
وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ (يونس).
قال ابن القيم ﵀: «هل يظهر فرق بين قوله تعالى في سورة يونس: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ (يونس: ٣١)، وبين قوله في سورة سبأ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ (سبأ: ٢٤)؟
قيل: هذا من أدق هذه المواضع وأغمضها وألطفها فَرْقًا، فَتَدَبَّر السياق تجده نَقِيضًا لما وقع، فإن الآيات التي في يونس سِيقَت مَسَاق الاحتجاج عليهم بما أقروا به ولم يمكنهم إنكاره، من كون الرب تعالى هو رازقهم ومالك أسماعهم وأبصارهم ومُدَبِّر أمورهم وغيرها، ومُخْرِج الحي من الميت والميت من الحي، فلما كانوا مُقِرِّين بهذا كله، حَسُن الاحتجاج به عليهم، أن فاعل هذا هو الله الذي لا إله غيره،
стр. 149
فكيف يعبدون معه غيره ويجعلون له شركاء لا يملكون شيئًا من هذا ولا يستطيعون فِعْل شيء منه؟ ! ولهذا قال بعد أن ذَكَر ذلك من شأنه تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾؛ أي: لا بُد أنهم يُقِرُّون بذلك ولا يجحدونه، فلا بُد أن يكون المذكور مما يُقِرُّون به، والمُخَاطَبون المُحْتَج عليهم بهذه الآية إنما كانوا مُقِرِّين بنزول الرزق من قِبَل هذه السماء التي يشاهدونها بالحس، ولم يكونوا مُقِرِّين ولا عالمين بنزول الرزق من سماء إلى سماء حتى تنتهي إليهم، ولم يَصِل علمهم إلى هذا، فأُفردت لفظ السماء هنا، فإنه لا يمكنهم إنكار مجيء الرزق منها، لا سيما والرزق هاهنا إن كان هو المطر فمجيئه من السماء التي هي السحاب، فإنه يُسَمَّى سماء؛ لِعُلُوِّه، وقد أخبر سبحانه أنه بَسَط السحاب في السماء بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (الروم: ٤٨)، والسحاب إنما هو مبسوط في جهة العلو لا في نفس الفلك، وهذا معلوم بالحس فلا يُلتفت إلى غيره.
فلما انتظم هذا بذِكْر الاحتجاج عليهم، لم يصلح فيه إلا إفراد السماء؛ لأنهم لا يُقِرُّون بما ينزل من فوق ذلك من الأرزاق العظيمة للقلوب والأرواح، ولا بد من الوحي الذي به الحياة الحقيقية الأبدية، وهو أولى باسم الرزق من المطر الذي به الحياة الفانية المُنْقَضِية، فما ينزل من فوق ذلك من الوحي والرحمة والألطاف والموارد الربانية والتَّنَزُّلات الإلهية وما به قِوَام العالَم العُلوي والسُّفْلي من أعظم أنواع الرزق، ولكن القوم لم يكونوا مُقرين به، فخُوطِبوا بما هو أقرب الأشياء إليهم بحيث لا يمكنهم إنكاره.
وأما الآية التي في سورة سبأ، فلم ينتظم بها ذِكْر إقرارهم بما ينزل من السموات؛ ولهذا أَمَر رسوله بأن يتولى الجواب فيها، ولم يذكر عنهم أنهم المُجيبون المُقِرُّون، فقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾، ولم يَقُل: ﴿فسيقولون الله﴾، فأمر
стр. 150
تعالى نبيه ﷺ أن يُجيب بأن ذلك هو الله وحده الذي ينزل رزقه على اختلاف أنواعه ومنافعه من السموات السبع. وأما الأرض فلم يَدْعُ السياق إلى جمعها في واحدة من الاثنين؛ إذ يُقر به كل أحد مؤمن وكافر وبَر وفاجر» (١).
١٤ - قال تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾ (الواقعة).
وقوله سبحانه: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا (٧٠)﴾ (الواقعة).
قال ابن هبيرة ﵀: «تأملت دخول اللام وخروجها، فرأيت المعنى: أن اللام تقع للاستقبال؛ تقول: لأَضْرِبَنَّك؛ أي: فيما بَعْد لا في الحال. والمعنى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ (الواقعة)؛ أي: في مُسْتَقْبَل الزمان إذا تم فاستحصد، وذلك أشد العذاب؛ لأنها حالة انتهاء تعب الزارع واجتماع الدَّيْن عليه؛ لرجاء القضاء بعد الحصاد، مع فراغ البيوت من الأقوات.
وأما في الماء، فقال: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ (الواقعة: ٧٠)؛ أي: الآن؛ لأنا لو أَخَّرنا ذلك، لشرب العطشان وادخر الإنسان» (٢).
١٥ - قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾ (المجادلة)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)﴾ (المجادلة).
قال الإسكافي ﵀: «للسائل أن يسأل عن خاتمتي الآيتين، وهما: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ و ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وعما أوجب اختصاص كل واحدة منهما بما ذُكِر فيها؟
стр. 151
والجواب أن يُقال: لَمَّا قال في الأُولى: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ أي: يُبين لكم ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله، وذَكَر الحدود التي حَدَّها لِعِبَادِه، ثُم سَمَّى مَن لم يُؤمِن كافرًا باسمه وتَوَعَّدَه بالعذاب المُوجِع المُبَالغ فيه، وهو ما يُخوّف الله تعالى به عباده، نعوذ بالله منه.
وأما قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ فلأن قبله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا﴾؛ فَضُمِّن معنى الفعلين الشرط والجزاء، فجعل الكَبْت جزاء مَن آثر حِزْبًا غير حِزْب الله ورسوله، وحَدًّا غير حَدّهما، والكَبْت: الإذلال، وقيل: الغَلْبُ والقَهْر والتَّخْيِيب؛ وكل ذلك مُتَقَارِب» (١).
١٦ - قال تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ (الذاريات)، وفي سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ (المعارج).
قال الغرناطي ﵀: «يُسأل عن وجه زيادة الصفة في سورة المعارج من قوله: ﴿مَعْلُومٌ﴾ وسقوط ذلك في الذاريات؟ وهل كان يُنَاسِب عكس الوارد؟
والجواب، والله أعلم: أن آية المعارج قد تَقَدَّمها مُتَّصِلًا بها قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ (المعارج)، والمُراد بالصلاة هنا: المكتوبة، وأيضًا يُقْرَن بها في آي الكتاب الزكاة المفروضة، وبها فَسَّر المُفسِّرون الحق المعلوم في آية المعارج.
قال الزمخشري: لأنها مُقَدَّرة معلومة.
قلت: وليس في المال حق مُقَدَّر معلوم وقتًا ونِصَابًا ووجوبًا غيرها، فلما أُرِيد بالحق هنا الزكاة أُتبع بوصف يُحْرِز المقصود» (٢).
стр. 152
١٧ - قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾ (المعارج).
وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ (الرحمن).
وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ (الشعراء).
وقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ (المزمل).
قال ابن القيم ﵀: «مَجيء المَشْرِق والمَغْرِب في القرآن تارة مجموعين، وتارة مُثَنَّيين، وتارة مُفْرَدين؛ لاختصاص كل محل بما يقتضيه من ذلك؛ فالأول كقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ (المعارج: ٤٠)، والثاني كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨)﴾ (الرحمن)، والثالث كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ (المزمل).
فَتَأَمُّلُ هذه الحكمة البالغة في تَغَايُر هذه المواضع في الإفراد والجمع والتثنية بحسب مَوَادِّها، يُطْلِعك على عظمة القرآن الكريم وجلالته، وأنه تنزيل من حكيم حميد.
فحيث جُمِعَت، كان المُراد بها مَشَارِق الشمس ومَغَارِبها في أيام السنة؛ وهي مُتعددة.
وحيث أُفردت كان المُراد أُفُقَي المَشْرِق والمَغْرِب.
وحيث ثُنّيا كان المُراد مَشْرِقَي صُعودها وهُبوطها ومَغْرِبيهما، فإنها تَبتدئ صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أَوْجِها وارتفاعها، فهذا مَشْرِق صُعُودِها، وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء. فجعل مَشْرِق صُعودها بجُملته مَشْرِقًا واحدًا، ومَشْرِق
стр. 153
هُبوطها بجُملته مَشْرِقًا واحدًا، ويُقابِلها مَغْرِباها؛ فهذا وجه اختلاف هذه في الإفراد والتثنية والجمع.
وأما وجه اختصاص كل موضع بما وقع فيه، فلم أَرَ أحدًا تعرض له ولا فتح بابه، وهو بحمد الله بَيِّن من السِّيَاق، فتأمل وُرُوده مُثَنًّى في سورة الرحمن؛ لما كان مَسَاق السورة مَسَاق المثاني المُزْدَوَجَات، فَذَكَر أولًا نوعي الإيجاد: وهما الخلق والتعليم، ثم ذَكَر سِرَاجَي العالم ومَظْهَري نوره: وهما الشمس والقمر، ثم ذَكَر نَوْعَي النبات، ما قام منه على ساق وما انبسط منه على وجه الأرض: وهما النجم والشجر، ثم ذَكَر نَوعَي السماء المرفوعة والأرض الموضوعة، وأخبر أنه رفع هذه ووضع هذه ووسَّطَ بينهما ذِكْر الميزان، ثم ذَكَر العدل والظلم في الميزان، فأمر بالعدل ونهى عن الظلم، ثم ذَكَر نَوعَي الخارج من الأرض: وهما الحبوب والثمار، ثم ذكر خَلْق نوعي المكلفين: وهما نوع الإنسان ونوع الجان، ثم ذَكَر نوعي المَشرِقَين ونَوعَي المَغْرِبين، ثم ذكر بعد ذلك البحرين: الملح والعذب.
فتأمل حُسْن تثنية المَشْرِق والمَغْرِب في هذه السورة وجلالة ورُودهما لذلك، وقدِّر موضعهما اللفظ مُفْرَدًا ومجموعًا، تجد السمع يَنْبُو عنه، ويشهد العقل بمُنَافَرَته للنَّظْم.
ثم تأمل ورُودهما مُفْرَدين في سورة المُزَّمِّل؛ لمَّا تقدمهما ذِكْر الليل والنهار، فأَمَر رسولَه ﷺ بقيام الليل، ثم أخبره أن له في النهار سَبْحًا طويلًا، فلما تقدم ذِكْر الليل وما أُمِر به فيه، وذِكْر النهار وما يكون منه فيه، عَقَّب ذلك بذِكْر المَشْرِق والمَغْرِب اللذين هما مَظْهَر الليل والنهار، فكان ورُودُهما مُفَردين في هذا السياق أحسن من التثنية والجمع؛ لأن ظهور الليل والنهار هما واحد، فالنهار أبدًا يظهر
стр. 154
من المَشْرِق، والليل أبدًا يظهر من المَغْرِب (١).
ثم تأمل مجيئهما مجموعين في سورة المعارج في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾ (المعارج)، لما كان هذا القَسَم في سياق سَعَة ربوبيته وإحاطة قُدرته، والمُقسَم عليه أرباب هؤلاء، والإتيان بخير منهم؛ ذَكَر المَشَارِق والمَغَارِب؛ لتَضَمُّنِهما انتقال الشمس التي هي أحد آياته العظيمة الكبيرة ونَقْله سبحانه لها وتصريفها كل يوم في مَشْرِق ومَغْرِب، فمَن فعل هذا كيف يُعجِزه أن يُبدِّل هؤلاء وينقل إلى أمكنتهم خيًرا منهم، وأيضًا فإن تأثير مَشَارِق الشمس ومَغَارِبها في اختلاف أحوال النبات والحيوان أمر مشهور، وقد جعل الله تعالى ذلك بحكمته سببًا لِتَبَدُّل أجسام النبات وأحوال الحيوانات وانتقالها من حال إلى غيره، ويبدل الحر بالبرد والبرد بالحر، والصيف بالشتاء والشتاء بالصيف، إلى سائر تَبَدُّل أحوال الحيوان والنبات والرياح والأمطار والثلوج وغير ذلك من التَّبَدُّلات والتَّغيرات الواقعة في العالم بسبب اختلاف مَشَارِق الشمس ومَغَارِبها، كان ذلك تقدير العزيز العليم، فكيف لا يَقْدِر مع ما يَشْهَدُونه من ذلك على أن يُبدِّل خيرًا منهم، وأكد هذا المعنى بقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾، فلا يليق بهذا الموضع سوى لفظة الجمع.
стр. 155
ثم تأمل كيف جاءت أيضًا في سورة الصافات مجموعة في قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ (الصافات)، لَمَّا جاءت مع جملة المربوبات المُتعددة وهي السموات والأرض وما بينهما، كان الأحسن مجيئها مجموعة؛ لينتظم مع ما تقدم من الجمع والتَّعَدُّد.
ثم تأمل كيف اقتصر على المَشَارِق دون المَغَارِب؛ لاقتضاء الحال لذلك، فإن المَشَارِق مَظْهَر الأنوار وأسباب انتشار الحيوان وحياته وتَصَرُّفه ومَعَاشِه وانبساطه، فهو إنشاء مَشْهُود، فَقَدَّمه بين يدي الرد على مُنْكِري البعث، ثم ذَكَر تَعجُّب نَبِيّه من تكذيبهم واستبعادهم البعث بعد الموت، ثم قرر البعث وحالهم فيه، وكان الاقتصار على ذكر المشارق هاهنا في غاية المُناسَبة للغرض المطلوب والله أعلم» (١).
١٨ - قال شيخ الإسلام ﵀: «الشَّر لم يُضف إلى الله في الكتاب والسُّنَّة إلا على أحد وجوه ثلاثة: إمَّا بطريق العموم؛ كقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الزمر: ٦٢)، وإمَّا بطريقة إضافته إلى السَّبب؛ كقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ (الفلق: ٢)، وإمَّا أن يُحذف فاعله؛ كقول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ (الجن)، وقد جمع في الفاتحة (الأصناف الثلاثة) فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ وهذا عام، وقَال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ (٧)﴾ فحذَف فاعل الغضب. وقال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فأضاف الضلال إلى المخلوق. ومن هذا قول الخليل: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء: ٨٠)، وقول الخضر: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ (الكهف: ٧٩)، ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ (الكهف: ٨١)، ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ (الكهف: ٨٢)» (٢).
стр. 156
٧ - دلالات الجملة (الاسمية والفعلية):
التطبيق:
١ - قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ (البقرة).
قال الأصفهاني ﵀ (١): «إن قيل: لم ذكر ﴿يَكْسِبُونَ﴾ بلفظ المستقبل، و ﴿كَتَبَتْ﴾ بلفظ الماضي؟ قيل: تنبيهًا على ما قال النبي ﷺ : «من سنّ سُنّة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها، ومَن سنّ سُنة سيئة، فعليه وِزْرُها ووِزْرُ من عمل بها إلى يوم القيامة» (٢)، فَنَبَّه بالآية أن ما أضلّوه وأثبتوه من التأويلات الفاسدة التي يعتمدها الجهلة هو اكتساب وِزْر يكتسبونه حالًا فحالًا» (٣).
٢ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ (البقرة).
قال ابن كثير ﵀: «قال الزمخشري في قوله: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾: إنما لم يقل: (وفريقًا قتلتم)؛ لأنه أراد بذلك وَصْفَهم في المستقبل أيضًا؛ لأنهم
стр. 157
حاولوا قتل النبي ﷺ بالسم والسحر، وقد قال ﵇ في مرض موته: «ما زالت أَكْلَة خيبر تُعَاوِدُني؛ فهذا أوان انقطاع أَبْهَرِي» (١)» (٢).
قال ابن القيم ﵀: «فلما أراد الله إكرامه بالشهادة، ظهر تأثير ذلك الأثر الكامن من السُّم؛ ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وظهر سِرّ قوله تعالى لأعدائه من اليهود: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، فجاء بلفظ ﴿كَذَّبْتُمْ﴾ بالماضي الذي قد وقع منه وتحقق، وجاء بلفظ ﴿تَقْتُلُونَ﴾ بالمستقبل الذي يتوقعونه، وينتظرونه، والله أعلم» (٣).
٣ - قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ (الأنفال).
«فقد جاء في صدر الآية بالفعل: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، وجاء بعده بالاسم: ﴿مُعَذِّبَهُمْ﴾؛ وذلك أنه جعل الاستغفار مانعًا ثابتًا من العذاب، بخلاف بقاء الرسول بينهم فإنه -أي العذاب- مَوْقُوت ببقائه بينهم؛ فذكر الحالة الثابتة بالصيغة
стр. 158
الاسمية، والحالة المَوْقُوتة بالصيغة الفعلية، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ (القصص)؛ فالظلم من الأسباب الثابتة في إهلاك الأمم، فجاء بالصيغة الاسمية للدلالة على الثبات، ثم انظر كيف جاءنا بالظلم بالصيغة الاسمية أيضًا دون الفعلية، فقال: ﴿وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾، ولم يقل: (يظلمون)؛ وذلك معناه: أن الظلم كان وصفًا ثابتًا لهم، مُسْتَقرًّا فيهم، غير طارئ عليهم، فاستحقوا الهلاك بهذا الوصف السَّيِّئ.
فانظر كيف ذكر أنه يرفع العذاب عنهم باستغفارهم، ولو لم يكن وصفًا ثابتًا فيهم، وأنه لا يهلكهم إلا إذا كان الظلم وصفًا ثابتًا فيهم، فإنه جاء بالاستغفار بالصيغة الفعلية: ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وجاء بالظلم بالصيغة الاسمية: ﴿ظَالِمُونَ﴾، فانظر إلى رحمة الله بخلقه» (١).
٤ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ (هود).
قال ابن القيم ﵀: «أما السؤال العاشر -وهو السِّر في نَصْب سَلامِ ضَيفِ إبراهيم الملائكة، ورَفْعِ سَلامِه-: فالجواب: أنك قد عَرفتَ قول النُّحَاة فيه، أن سَلَام الملائكة تَضَمَّن جُملة فعلية؛ لأن نَصْب السَّلَام يدل على: (سَلَّمْنا عليك سلامًا)، وسلام إبراهيم تَضَمَّن جُملة اسمية؛ لأن رَفْعَه يدل على أن المعنى: (سَلامٌ عليكم). والجملة الاسمية تدل على الثبوت والتَّقَرُّر، والفعلية تدل على الحُدُوث والتُّجَدُّد، فكان سَلامه عليهم أكمل من سلامهم عليه، وكان له من مقامات الرد ما يليق بمنصبه ﷺ ، وهو مقام الفضل؛ إذ حَيَّاهم بأحسن من تحيتهم. هذا تقرير ما قالوه ... ».
стр. 159
إلى أن قال ﵀: «فحصل من الفرق بين الكلامين في حكاية سَلَام إبراهيم ورَفْعِه ونَصْب ذلك إشارة إلى معنى لطيف جدًّا، وهو أن قوله: (سَلامٌ عليكم) من دين الإسلام، المُتَلَقَّى عن إمام الحنفاء وأبي الأنبياء، وأنه من مِلَّة إبراهيم التي أمر الله بها وباتِّباعِها، فحكى لنا قوله؛ ليحصل الاقتداء به والاتباع له، ولم يَحْكِ قول أضيافه، وإنما أخبر به على الجملة دون التفصيل، والله أعلم» (١).
٨ - ما يرجع إلى تصريف اللفظ:
التطبيق:
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ (البقرة).
قال ابن عاشور ﵀: «من لطائف اللغة العربية: أن مادة الاتصاف بالكِبْر لم تجئ منها إلا بصيغة (الاستفعال) أو (التَّفَعُّل)؛ إشارة إلى أن صاحب صفة الكِبْر لا يكون إلا مُتَطَلِّبًا الكِبْر، أو مُتَكَلِّفًا له، وما هو بكبير حقًّا» (٢).
стр. 160
٩ - ما يرجع إلى معاني الحروف، ودلالاتها، والتضمين (١) (تضمين الحرف معنى الحرف، وتضمين الفعل -أو ما في معناه- معنى فعل آخر أو ما في معناه):
التطبيق:
١ - قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ (الفاتحة).
قال ابن القيم ﵀: «فِعْل الهداية متى عُدِّي بـ (إلى)، تَضَمَّن الإيصال إلى الغاية المطلوبة؛ فأتى بحرف الغاية، ومتى عُدِّي بـ (اللام)، تَضَمَّن التخصيص بالشيء المطلوب، فأتى بـ (اللام) الدالة على الاختصاص والتعيين، فإذا قلت: هَديتُه لكذا، فُهِمَ معنى: ذكرته له، وجعلته له، وهيأته، ونحو هذا، وإذا تعدى بنفسه، تَضَمَّن المعنى الجامع لذلك كله، وهو التَّعَرُّف والبيان والإلهام؛ فالقائل إذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾، هو طالب من الله أن يُعَرِّفَهُ إياه، ويُبينه له، ويُلهمه إياه، ويُقدره عليه، فيجعل في قلبه عِلْمه وإرادته والقدرة عليه، فَجرد الفعل من الحرف، وأتى به مُجردًا مُعدى بنفسه؛ ليَتَضَمَّن هذه المراتب كلها، ولو عُدِّي بحرف، تَعَيَّن معناه وتَخَصَّص بحسب معنى الحرف، فتأمله؛ فإنه من دقائق اللغة وأسرارها» (٢).
стр. 161
٢ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ (المائدة).
فقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾، نَظيرُ قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾.
قال ابن تيمية ﵀: «فإذا قيل: فامسحوا برؤوسكم وبوجوهكم، ضُمِّنَ المسح معنى الإلصاق، فأفاد أنَّكم تُلصِقُون برؤوسكم وبوجوهكم شيئًا بهذا المسح.
وهذا يُفيد في آية التيمم: أنَّه لا بد أن يَلتصقَ الصَّعيد بالوجه واليد؛ ولهذا قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾» (١).
٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ (٩٠)﴾ (الأنبياء).
«لم يَقُل: يُسارِعُون إلى الخيرات؛ لأن عملهم الآن خير، وهم سَيُسَارِعون فيه؛ أي: سيزيدونه؛ إذن: إنْ سارعتَ إلى شيء كأنه لم يكن في بالك، ولكنك سَتُسْرِع إليه، ولكن سَارَعْتَ في الخير، فكأنك في الخير أولًا ثم تزيد في فعل الخير» (٢).
стр. 162
٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ (الحج).
قال ابن القيم ﵀: «فتأمل كيف عَدَّى فِعْل الإرادة هاهنا بالباء، ولا يُقال: أردت بكذا إلا لما ضُمِّن معنى فِعْل «هَمَّ» فإنه يُقَال: هَممت بكذا، فتوعد مَن هَمَّ بأن يظلم فيه بأن يُذِيقه العذاب الأليم» (١). ٤ - قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ (سبأ).
قال الزركشي ﵀: «فاستُعمِلَت ﴿لَعَلَى﴾ في جانب الحقِّ، و ﴿فِي﴾ في جانب الباطل؛ لأنَّ صاحبَ الحقِّ كأنَّه مُستَعْلٍ يَرقُبُ نَظَرُه كيف شاء، ظاهرَةٌ له الأشياء، وصاحبُ الباطلِ كأنَّه مُنغمِسٌ في ظلامٍ ولا يَدري أين تَوجَّه! » (٢).
٥ - قال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ (الإنسان).
قال ابن تيمية ﵀: «فإنَّه لو قيل: يَشرب منها لم تَدل على الرِّي، فَضُمِّنَ (يشرب) معنى (يَروى)، فقيل: ﴿يَشْرَبُ بِهَا﴾، فأفاد ذلك أنَّه شُربٌ يَحصلُ معهُ الرِّيُّ» (٣).
стр. 163
١٠ - التقدير والحذف والزيادة، والتكرار، والتقديم والتأخير، والترتيب بين الأمور المذكورة في الآية:
(التقدير والحذف والزيادة) (١):
التطبيق:
١ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)﴾ (البقرة).
قال الشنقيطي ﵀: «الآية ونحوها من جميع آيات اتخاذهم العِجْل إلهًا فإن المفعول الثاني محذوف في جميعها، وتقديره: اتخذتم العِجْل إلهًا، ونكتة حذفه دائمًا: التنبيه على أنه لاينبغي أن يُتلفظ بأن عِجْلًا مُصْطَنعًا إله، وقد أشار إلى هذا المفعول في طه بقوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾ (طه)» (٢).
стр. 164
٢ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (النساء).
قال ابن القيم ﵀: «فتأمل كيف اقتضت إعادة هذا المعنى قَولَه تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ولم يقل: (وإلى الرسول)؟ فإن الرد إلى القرآن رد إلى الله والرسول، فما حَكَم به الله تعالى هو بعينه حُكْم رسوله ﷺ ، وما يحكم به الرسول ﷺ هو بعينه حُكْم الله، فإذا رددتم إلى الله ما تنازعتم فيه يعني كتابه فقد رددتموه إلى رسوله، وكذلك إذا رددتموه إلى رسوله، فقد رددتموه إلى الله؛ وهذا من أسرار القرآن» (١).
٣ - قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (التوبة: ١١٢).
قال ابن القيم ﵀: في بيان وَجْه مَجيء الواو بعد استيفاء الأوصاف السبعة المذكورة في الآية:
«وأحسن ما يُقَال فيها: إن الصفات إذا ذُكِرت في مقام التعداد، فتارة يَتَوسَّط بينها حرف العطف؛ لِتَغَايُرها في نفسها، وللإيذان بأن المُراد ذِكْر كل صفة بِمُفْرَدها، وتارة لا يتوسطها العَاطِف؛ لاتحاد موصوفها وتَلَازُمها في نفسها، وللإيذان بأنها في تَلازُمِها كالصفة الواحدة، وتارة يتوسط العاطف بين بعضها ويُحذف مع بعض بحسب هذين المقامين، فإذا كان المقام مقام تعداد الصفات من غير نظر إلى جمع أو انفراد، حَسُن إسقاط حرف العطف، وإن أُرِيد الجمع بين الصفات أوالتنبيه على تَغَايُرها، حَسُن إدخال حرف العطف.
стр. 165
فمثال الأول: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ (التوبة: ١١٢)، وقوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ﴾ (التحريم: ٥).
ومثال الثاني: قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ (الحديد: ٣).
وتأمل كيف اجتمع النوعان في قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ (غافر)، فأتى بالواو في الوصفين الأولين، وحذفها في الوصفين الآخرين؛ لأن غفران الذنب وقبول التوب قد يُظَن أنهما يجريان مجرى الوصف الواحد لتلازمهما، فمن غفر الذنب قَبِلَ التوب، فكان في عطف أحدهما على الآخر ما يدل على أنهما صفتان وفعلان مُتغايران، ومفهومان مختلفان لكل منهما حُكْمُه، أحدهما: يتعلق بالإساءة والإعراض؛ وهو المغفرة، والثاني: يتعلق بالإحسان والإقبال على الله تعالى والرجوع إليه، وهو التوبة، فتُقبل هذه الحسنة، وتُغفر تلك السيئة، وحَسَّن العطف ههنا هذا التغاير الظاهر.
وكلما كان التغاير أبين كان العطف أحسن؛ ولهذا جاء العطف في قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد: ٣)، وتُرك في قوله: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ (الحشر: ٢٣)، وقوله: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ (الحشر: ٢٤).
وأما: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ (غافر: ٣)، فَتُرِك العطف بينهما لِنُكتة بديعة: وهي الدلالة على اجتماع هذين الأمرين في ذاته سبحانه، وأنه حال كونه شديد العقاب فهو ذو الطَّول، وطَولُه لا ينافي شدة عقابه، بل هما مجتمعان له،
стр. 166
بخلاف الأول والآخِر، فإن الأولية لا تُجامِع الآخِرية؛ ولهذا فَسَّرها النبي ﷺ بقوله: «أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء» (١). فأَوَّليته أزليته، وآخريته أبديته.
فإن قلت: فما تصنع بقوله: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ فإن ظُهوره تعالى ثابت مع بُطُونه، فيجتمع في حقه الظُّهور والبُطُون، والنبي ﷺ فَسَّر الظاهر: بأنه الذي ليس فوقه شيء، والباطن: بأنه الذي ليس دونه شيء، وهذا العلو والفوقية مُجامِع لهذا القرب والدنو والإحاطة؟
قلت: هذا سؤال حسن، والذي حَسَّن دخول الواو ههنا: أن هذه الصفات مُتقابلة مُتضادة، وقد عُطِف الثاني منها على الأول؛ للمقابلة التي بينهما، والصفتان الأُخريان كالأُوليين في المُقابلة، ونِسبة الباطن إلى الظاهر كنسبة الآخِر إلى الأول، فكما حَسُن العطف بين الأُوليين، حَسُن بين الأُخريين.
فإذا عُرِف هذا فالآية التي نحن فيها يتضح بما ذكرناه معنى العطف وتركه فيها؛ لأن كل صفة لم تُعطف على ما قبلها فيها، كان فيه تنبيه على أنها في اجتماعها كالوصف الواحد لموصوف واحد فلم يحتج إلى عطف، فلما ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- وهما مُتلازِمان مُسْتَمَدَّان من مادة واحدة - حَسُن العطف؛ ليتبين أن كل وصف منهما قائم على حِدَتِه، مطلوب تعيينه، لا يكتفي فيه بحصول الوصف الآخر، بل لا بد أن يظهر أمره بالمعروف بصريحه، ونهيه عن المنكر بصريحه. وأيضا فَحَسَّن العطف ههنا ما تقدم من التضاد، فلما كان الأمر بالمعروف والنهي
стр. 167
عن المنكر ضدين -أحدهما طَلَب الإيجاد، والآخر طَلَب الإعدام- كانا كالنوعين المُتغايرين المُتضادين، فَحَسُن لذلك العطف» (١).
٤ - قال تعالى: ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ (طه).
قال ابن هُبيرة ﵀: «قرأ عَلَيَّ قارئ: ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي (٨٤)﴾ (طه)، ففكرت في معنى إسقاط (ها) (٢) فنظرت فإذا وَضْعها للتنبيه، والله لا يجوز أن يُخاطَب بهذا، ولم أر أحدًا خاطب الله بحرف التنبيه إلا الكفار، كما قال : ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾ (النحل: ٨٦)، ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ (الأعراف: ٣٨)، وما رأيت أحدًا من الأنبياء خاطب ربه بحرف التنبيه، والله أعلم. فأما قوله: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾ (الزخرف)، فإنه قد تقدم الخطاب بقوله: ﴿يَارَبِّ﴾، فبقيت (ها) للتمكين» (٣).
قال: «ولما خاطب الله المنافقين قال: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (النساء: ١٠٩)، وكرم المؤمنين بإسقاط (ها)، فقال: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ (آل عمران: ١١٩)، وكان التنبيه للمؤمنين أخف» (٤).
стр. 168
(التكرار) (١):
التطبيق:
١ - قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: ١٣٤، ١٤١).
قال السعدي ﵀: «كَرَّرَها -أي الآية-؛ لِقَطْع التَّعَلُّق بالمخلوقين، وأن المُعوَّل عليه ما اتصف به الإنسان، لا عمل أسلافه وآبائه، فالنفع الحقيقي بالأعمال، لا بالانتساب المُجَرَّد للرجال» (٢).
٢ - قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)﴾ (النحل).
قال ابن القيم ﵀: «فقد تَكرَّر هذا المعنى في هذه السُّورة دون غيرها في أَربعة مواضع لِسرٍّ بديع؛ فإنَّها سُورة النِّعم الَّتي عدَّد الله سُبحانه فيها أصول النِّعم وفروعها، فعَرَّف عِباده أنَّ لهم عنده في الآخرة من النِّعم أضعاف هذه بما لا يُدرك تفاوته، وأنَّ هذه منْ بَعض نِعمِه العاجلة عليهم، وَأنَّهم إنْ أطاعوه زادهم إلى هذه النِّعم نِعمًا أخرى، ثمَّ في الآخرة يُوفِّيهم أجور أعمالهم تمام التَّوفِيَة» (٣).
стр. 169
(التقديم والتأخير، والترتيب) (١):
التطبيق:
١ - قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (الفاتحة).
قال ابن القيم ﵀: «وتقديم «العبادة» على «الاستعانة» في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل؛ إذ «العبادة» غاية العباد التي خُلِقُوا لها، و «الاستعانة» وسيلة إليها؛ ولأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، مُتَعَلِّق بألوهيته واسمه «الله»، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، مُتَعَلِّق بربوبيَّته واسمه «الرب»، فَقَدَّم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ كما قَدم اسم «الله» على «الرب» في أول السورة؛ ولأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قسْمُ «الرب»، فكان من الشَّطْر الأول، الذي هو ثناء على الله تعالى؛ لكونه أولى به، و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قسْمُ العبد، فكان من الشَّطْر الذي له، وهو ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة» (٢).
٢ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾ (البقرة).
قال السعدي ﵀: «لعل من فوائد تأخير ذلك القتيل عن ذِكْر الأمر بذبح البقرة في قصة موسى مع بني إسرائيل؛ لأن السياق سياق ذم لبني إسرائيل، وتعداد
стр. 170
ما جرى لهم مما يُقَرِّر ذلك، فلو قدم ذكر القتيل على الأمر بذبح البقرة، لصارت قصة واحدة» (١).
٣ - قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ (البقرة).
قال ابن القيم ﵀: «فإنه ذكر أخص هذه الثلاثة وهو الطواف الذي لا يُشرع إلا بالبيت خاصة، ثم انتقل منه إلى الاعتكاف وهو القيام المذكور في الحج (٢)، وهو أعم من الطواف؛ لأنه يكون في كل مسجد ويختص بالمساجد لا يتعداها، ثم ذكر الصلاة التي تعم سائر بقاع الأرض سوى ما مَنَع منه مانع أو اسْتُثْني شرعًا» (٣).
٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ (البقرة).
«قيل في سبب تقديم الغفور على الرحيم: أن المغفرة سلامة، والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة» (٤).
стр. 171
٥ - قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ (البقرة).
قال الراغب: «إن قيل: كيف قَدَّم هاهنا ذِكْر الآخرة وأَخَّره في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (النساء: ١٣٦)؟
قيل: يجوز أن يكون ذاك مع الواو لا يقتضي الترتيب من أجل أن الكافر لا يعرف الآخرة، ولا يُعْنَى بها، وهو (١) أبعد الأشياء عن الحقائق عنده؛ أَخَّر ذِكْره في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾.
ولما ذكر حال المؤمنين، والمؤمن أقرب الأشياء إليه أمر الآخرة، وكل ما يفعله ويتحراه يَقْصِد به وجه الله ثم أمر الآخرة؛ قَدَّم ذِكْرها؛ تنبيهًا أن مُراعاة الله ، ومُراعاة الآخرة، ثم مُراعاة غيرهما.
إن قيل: كيف اختير الترتيب المذكور في قوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ (البقرة: ١٧٧)؟
قيل: لما كان أولى من يتفقده الإنسان بمعروفه أقاربه ... كان تقديمها أولى، ثم أعقبه باليتامى، فالناس في المكاسب ثلاثة: مُعِيل وغير مَعُول، ومَعُول مُعِيل، ومَعُول غير مُعِيل، واليتيم مَعُول غير مُعِيل، فمواساته بعد الأقارب أولى، ثم ذَكَر المساكين؛ وهم الذين لا مال لهم حاضرًا ولا غائبًا، ثم ذكر ابن السبيل الذي قد
стр. 172
يكون له مال غائب، ثم ذكر السائلين الذين منهم صادق وكاذب، ثم ذكر الرقاب الذين لهم أرباب يعولونهم، فكل واحد ممن أُخِّر ذِكْره أقل فقرًا ممن قُدِّم عليه» اهـ (١).
٥ - قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ (النساء).
قال السعدي ﵀: «وقَدَّم الوصية مع أنها مُؤَخَّرة عن الدَّيْن للاهتمام بشأنها؛ لكون إخراجها شاقًّا على الورثة، وإلا فالديون مُقَدَّمة عليها، وتكون من رأس المال» (٢).
٦ - قال تعالى: ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ (يونس).
قال البيضاوي ﵀ (٣): «في تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي له أن يتوكل أولًا؛ لتُجاب دعوته» (٤).
стр. 173
٧ - قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ (النحل).
قال ابن عاشور ﵀: «وقَدَّم الأَمنَ على الطمأْنينة؛ إذ لا تَحصل الطمأْنينة بدونه، كما أن الخوف يُسبّب الانزِعاج والقلق» (١).
٨ - قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (٤٦)﴾ (الكهف).
قال ابن عاشور ﵀: «تقديم المال على البنين في الذِّكْر؛ لأنه أسبق خُطُورًا لأذهان الناس؛ لأنه يرغَب فيه الصغير والكبير، والشاب والشيخ، ومن له من الأولاد ما قد كفاه» (٢).
٩ - قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ (الكهف).
قال عون بن عبد الله ﵀ (٣): ضج -والله- القوم من الصغار قبل الكبار (٤).
стр. 174
١٠ - قال تعالى: ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾ (الكهف).
قال ابن عثيمين ﵀: «تأمل في حال المشرك بدأ بتعذيبه ثم ثَنَّى بتعذيب الله، والمؤمن بدأ بثواب الله أولًا ثم بالمعاملة باليُسْر ثانيًا، والفرق ظاهر؛ لأن مقصود المؤمن الوصول إلى الجنة، والوصول إلى الجنة لا شك أنه أفضل وأحب إليه من أن يُقال له قول يُسر، وأما الكافر فعذاب الدنيا سابق على عذاب الآخرة وأيسر منه، فبدأ به، وأيضًا فالكافر يخاف من عذاب الدنيا أكثر من عذاب الآخرة؛ لأنه لا يؤمن بالثاني» (١).
١١ - قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ (الحج).
قال ابن القيم ﵀: «أما تقديم الرجال (٢)
على الرُّكْبَان ففيه فائدة جليلة: وهي أن الله تعالى شرط في الحج الاستطاعة، ولا بد من السفر إليه لغالب الناس، فذكر نوعي الحجاج؛ لقطع تَوَهّم من يظن أنه لا يجب إلا على راكب، وقَدَّم الرجال اهتمامًا بهذا المعنى وتأكيدًا، ومن الناس من يقول: قَدَّمَهم جَبرًا لهم؛ لأن نفوس الرُّكْبَان تزدريهم» (٣).
١٢ - قال تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ (يس). وفي الآية الأخرى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)﴾ (القصص).
стр. 175
قال ابن هبيرة ﵀: «فرأيتُ الفائدة في تقديم ذِكْر الرجل وتأخيره: أن ذِكْر الأوصاف قبل ذِكْر الموصوف أبلغ في المدح من تقديم ذِكْرِه على وصفه، فإن الناس يقولون: الرئيس الأَجَل فلان، فنظرت فإذا الذي زِيد في مدحه هو صاحب (يس) أمر بالمعروف، وأعان الرسل، وصبر على القتل، والآخر إنما حذر موسى من القتل، فَسَلِم موسى بقبوله مشورته، فالأول هو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والثاني هو ناصح الآمر بالمعروف، فاستحق الأول الزيادة.
ثم تأملت ذِكْر أقصى المدينة فإذا الرجلان جاءا من بُعْد في الأمر بالمعروف، ولم يتقاعدا لبُعْد الطريق» (١).
١٣ - قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩)﴾ (الشورى).
قال ابن القيم ﵀: «بدأ بذِكْر الإناث، فَقَدَّم ما كانت تُؤَخِّره الجاهلية من أمر البنات؛ حتى كانوا يَئِدُوهُن؛ أي: هذا النوع المُؤخَّر عندكم، مُقَدَّم عندي في الذِّكر، وتأمل كيف نَكَّر سبحانه الإناث، وعَرَّف الذكور؛ فَجَبَر نَقْص الأنوثة بالتقديم، وجَبَر نَقْصَ التأخير بالتعريف؛ فإن التعريف تنويه» (٢).
١٤ - قال تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾ (الواقعة).
«قَدَّم كونها تذكرة على كونها متاعًا؛ ليعلم العبد أن الفائدة الأخروية أتم وبالذكر أهم» (٣).
стр. 176
١٥ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ (عبس).
قال شيخ الإسلام ﵀: «لِمَ ابتَدأَ بالأَخ، ومن عادة العرب أَن يُبدأَ بِالأَهم؟
فلما سُئِلْتُ عن هذا قلت: إن الابتداء يكون في كل مقام بما يناسبه، فتارة يقتضي الابتداء بالأعلى، وتارة بالأدنى. وهنا المناسبة تقتضي الابتداء بالأدنى؛ لأن المقصود بيان فراره عن أقاربه مُفَصَّلًا شيئًا بعد شيء، فلو ذَكَر الأقرب أولًا لم يكن في ذِكْر الأبعد فائدةٌ طائلة، فإنه يعلم أنه إذا فَرَّ من الأقرب فَرَّ من الأبعد» (١).
١١ - الإيجاز والبسط والاستطراد (٢):
التطبيق:
١ - قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ (الأعراف).
قال ابن القيم ﵀ عن هذه الآية: «جمعت أصول أحكام الشريعة كلها، فجمع الأمر والنهي والإباحة والخبر» (٣).
стр. 177
٢ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ (النجم).
قال ابن القيم ﵀: «ولما ذَكَر رؤيته لجبريل عند سِدْرَة المُنْتَهَى، استطرد منها، وذكر أن جنة المأوى عندها، وأنه يغشاها من أَمْرِه وخَلْقِه ما يغشى، وهذا من أحسن الاستطراد، وهو أسلوبٌ لطيفٌ جدًّا في القرآن؛ وهو نوعان:
أحدهما: أن يَسْتَطْرِد من الشيء إلى لَازِمه، مثل هذا، ومثل قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ (الزخرف)، ثم استطرد من جوابهم إلى قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ (الزخرف)، وهذا ليس من جوابهم، ولكن تقرير له وإقامة الحجة عليهم.
ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ (طه)، فهذا جواب موسى، ثم استطرد سبحانه منه إلى قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ (طه)، ثم عاد إلى الكلام الذي استطرد منه.
стр. 178
والنوع الثاني: أن يَسْتَطْرِد من الشخص إلى النوع؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ (المؤمنون)، إلى آخره؛ فالأول: آدم، والثاني: بَنُوه.
ومثله قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾ ... (الأعراف) إلى آخر الآيات. فاستطرد من ذِكْر الأبوين إلى ذِكْر المشركين من أولادهما. والله أعلم» (١).
١٢ - الأمثال والتشبيهات:
التطبيق:
١ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: ٧٤).
قال السعدي ﵀: «وصف قسوتها بأنها ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾ التي هي أشد قسوة من الحديد؛ لأن الحديد والرصاص إذا أُذيب في النار ذاب، بخلاف الأحجار» (٢).
٢ - قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ (النور).
стр. 179
قال البغوي ﵀: «شَبَّهَه بالكواكب، ولم يُشَبِّهه بالشمس والقمر؛ لأن الشمس والقمر يلحقهما الخسوف، والكواكب لا يلحقها الخسوف» (١).
٣ - قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾ (الإنسان).
قال الثعالبي (٢): «قال بعضهم: هذا من التشبيه العجيب؛ لأن اللؤلؤ إذا كان متفرقًا، كان أحسن في المنظر؛ لوقوع شعاع بعضه على بعض» (٣).