وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١) المترتّب عليه ما دلَّ عليه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
والجُمهورُ أنّ ما في الآية كنايةٌ عن كثرة النفلِ بالليل, فإنهم أخفوا أعمالهم، فجُوزُوا بما أخفيَ لهم من قُرَّة الأعْيُن (٣)، وإنما يتمُّ إخفاؤه بالصلاة (٤) في جوف الليل، فما قيل من أنَّه كناية عن صلاةٍ بين العشاءين يردُّه ظاهرُ هذا الحديث (٥).
«ألا أُخبركَ» حثٌّ وتحريضٌ على الإصغاء لما يلقيه إليه.
«برأسِ الأمْرِ» أي: الدِّين أو العبادة أو الأمر الذي سأل عنه.
«وعَمودِهِ» الذي (٦): يقوم به, ويعتمد عليه كعمود القُسطاط (٧).
«وذِروة» بتثليث الذَّال المعجمة، ومن اقتصر كالطوفِّي (٨) والطيبيِّ (٩) على الفتح
стр. 107
والضمّ فغير مصيبٍ، فإن أريد الأفصح فالكسر فقط (١).
«سَنَامِه»: بفتح السِّين المهملة، أي: أعلاه، شوّقه به لمعرفة ذلك ليُقبِلَ عليه بشراشِرِه (٢) ويصغي إليه بكلِّيته.
«قلت: بلى يا رسول الله أَخْبِرنِي، قال: رأسُ الأمرِ الإِسْلامُ» أي: النطق بالشهادتين, كما جاء مفسّرًا بهما في رواية أحمد (٣)، فهو من جميع الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه، وعدم بقائه بدونه، فلا أثر لجميع أمور الدين بدونه، كحياة الحيوان بدون رأسه، فما لم يقرّ المكلَّف بكلمتي الشهادة فلا شيء له من الدِّين أصلًا، وإذا أقرّ بهما حصل له أصل الدّين لكن ليس له قوّةٌ وكمالٌ، كالبيت الذي لا عَمود له،
стр. 108
فإذا صلَّى وداوم عليَّ (١) قويَ دِينه، لكن لم يكن له رفعةٌ وكمالٌ، فإذا جاهد حصل لدينه الرِّفعة والكمال، فلذلك قال: «وعَمُوده» أي: قوامه الذي يقوم به ويظهر عليه, «الصَّلاةُ» فإنها المقيمة لمنار الإسلام، كما أن العمود هو الذي يقيم البيت، فهي العملُ الدائمُ الفارقُ بين المؤمن والكافر، المشتملةُ على ما لم يشتمل عليه غيرها من القربات، كيف وهي طُهرةٌ للقلوب، واستفتاح لأبواب الغيوب (٢)؟ ! .
«وذروة سنامه الجهادُ»؛ لأنه [مقرون بالهداية] (٣) بدليل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٤) فهو أعلى أنواع العبادة من حيث صعوبُتُه / [١٢٠/أ] على النفوس أكثر من جميع الأعمال، وإنَّ به أُعليَ (٥) كلمة الله ونصرةُ أوليائه وقهرُ أعدائه وحماية بيضة الإسلام، وليس ذلك لغيره من العبادات، فهو من هذه الجهة أفضل، وإنْ فَضَله غيره من الفروض من جهاتٍ أُخَر.
والعبادة قد تكون فاضلةً ومفضولةً باعتبارين، كما يصير فرض الكفايةِ في بعض الأحوال فرضَ عينٍ، ألا ترى إلى قول ابن الزملكاني (٦) كغيره (٧): (قد يعرِض للمفضول ما يكسبه على غيره فضلًا, وليفصَّل ذلك لِيتّخذ أصلًا: فإن العبادة تفضل تارةً بحسَب
стр. 109
زمانها، وأخرى بحسَب مكانها، وطورًا بحسَب حال المتَّصف بها، وآونةً بمقتضى سببها، ومرة تترجح بعموم الانتفاع، وأخرى بوقوعها في بعض الأزمنة الفاضلة أو البقاع (١)) (٢).
قال المظهِرُ: (وإنما خصَّ الشّهادة والصّلاة ولم يذكر الزكاة والصوم والحج؛ لأنَّه ذكر الأركان الخمسة في أوّل الحديث، وأعاد هنا ذكر ما هو الأقوى منها تعظيمًا لشأنهما؛ لأنهما يتكرَّران في كلّ يومٍ وليلةٍ، بخلاف الزكاة والصوم ففي كلِّ سنة، والحجّ لا يتكرَّر، وزاد الجهادَ وبيَّن أن به رفعةَ الدين؛ تحريضًا للناس عليه لكراهة النّفوس له) (٣).
قال الطيبيُّ: (وإنما خصَّ هذه القرينة بالباء، والأولى بـ (على)، لأنَّ (٤) هذه القرينة أجمعُ وأشملُ؛ لأنَّ المعنَى بأمرِ الدِّين (٥)، وهو مشتملٌ على أبواب الخير، وعلى ما سبقه من نحو: «تعبد الله» إلخ.
ولهذا أكَّد بالباء في القرينة الثالثة الآتية، وأكدها بـ (كلِّه)؛ لكونها أجمع منها، وهذا الترقي ينبِّهُك على جواز الزيادة في الجواب، كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٦) وهو (٧) من الأسلوب الحكيم (٨).
والسؤالُ ضربانِ: جَدَلِيٌّ وتعليميٌّ، وحق الأول: مطابقة الجواب من غير زيادة ولا
стр. 110
نقص، وحق الثاني: أن يتحرى المجيبُ الأصوبَ, كالطبيب الرفيق يتوخى ما فيه شفاء العليل طلبَه أم لا) (١).
وما ذكر من أنَّ سياق الحديث هكذا هو ما في بعض النسخ، وفي بعضها: «ألا أخبرك برأس الأمر وعَموده وذِروة سنامه: الجهاد» وهذه روايةٌ لابن ماجه (٢).
وأما رواية الترمذي: [فذكر فيها الصلاة، كما في النسخة التي شرحتُ عليها، ولعلَّ المؤلف أثبت أوّلًا رواية ابن ماجه ثمّ ألحق ما في رواية الترمذيِّ] (٣) فلم يطَّلع على الإلحاق (٤) من كَتب من النُّسخة الأولى فاختلفت النُّسخ (٥).
ثم قال له المصطفى ﷺ : «ألَا أُخْبِرك بِمِلاكِ» بكسر الميم كما درجوا عليه / [١٢٠/ب] «ذلك كلِّه» أي: بما يملكه ويضبطه, أو بمقصوده وجِماعِه، أو بما يقوم به؛ بمعنى: أنَّه إذا وجد كانت تلك الأعمال كلها على غايةٍ من الكمال، ونهايةٍ من صفاء الأحوال؛ لأنَّ الجهادَ وغيره من أعمال الطاعات غنيمةٌ، وكفُّ اللسان عن المحارم سلامةٌ، والسلامة في نظر العقلاء مقدَّمةٌ على الغنيمة! .
قال التُّورِبِشْتِيُّ: (مِلاك الأمر قوامه وما يتمُّ به، ولهذا يقال: القلب مِلاك
стр. 111
الجسد) (١).
وقال البيضاويُّ: (مِلاك الشيء أصله ومبناه (٢) , وأصله ما يُملك به كالنظام) (٣).
وقال المظهِرُ: (بأنَّه (٤) إحكام الشيء وتقويته من مَلَكَ العَجِين إذا أحسن عجنه وبالغ فيه، وأهل اللّغة يكسرون الميم ويفتحونها، والرواية بكسر الميم فقط (٥)) (٦). انتهى.
ولم يتفطَّن لذلك الشارح الهيثمي (٧) فضبطه [هنا] (٨) بفتح الميم وكسرها (٩).
«قلت: بلى يا رسول الله, أخبْرني, فأخذ رسول الله ﷺ بلسانه» أي: أمسك لسانَ نفسِه بيده، الباء زائدةٌ، والضمير [راجع] (١٠) إلى النبي ﷺ .
«ثم قال: كُفَّ عليك هذا» أي: كُفَّ عنك لسانك، فوضع (على) موضع (عن)، أو ضَمَّن (كُفَّ) بمعنى احبس (١١)، أي: احبس عليك لسانك لا يصول عليك
стр. 112
بكلامٍ يؤذي.
وفي الحكمة: لسانُك أسَدُك، إن أطلقته فرسَك، وإن أمسكته حرسَك، وكان الصدِّيق ﵁: «يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد» (١)، ذكره بعض الشارحين (٢).
وقال البيضاويُّ: (قوله: «كُفَّ عليك» أي: كُفَّ لسانك، فلا تتكلَّم بما لا يعنيك؛ فإنَّ من كثُر كلامُه كثر سَقَطُه، ومن كثر سَقَطُه كثرت ذنوبه، ولكثرة الكلام (٣) مفاسدُ لا تحصى، أو: لا تتكلَّم بما (٤) يهجس في نفسك من الوساوس، فإنك غير مأخوذٍ به ما لم يظهر؛ لخبر: «إن الله تعالى تجاوز لأمَّتي ما وسوستْ صدورها ما لم تقُل (٥) أو تتكلَّم» (٦) أو: لا تتفوَّه - بما ستره الله عليك؛ فإن التوبةَ عنه أرجَى قَبولًا، والعفوَ عنه أرجى وقوعًا) (٧).
وقال الطُّوفي: قوله: (كُفَّ) يجوز كونُه عامًّا خُصَّ بكلام الخيرِ؛ بدليل حديث:
стр. 113
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقلْ خيرًا أو لِيصمتْ» (١) وكونُه مطلقًا: استُعمل (٢) في الكفّ عن الشرِّ فلا يبقى له دلالةٌ على غيره (٣)، ومنشؤهما / [١٢١/أ] أنَّ الفعل يدلُّ على المصدر (٤)، لكن هل يقدر مُعَرَّفًا فيعمُّ كاكففِ الكَفَّ، أو منكَّرًا فلا يعمُّ كاكففْ كفًّا، أو على أنَّ المصدر جنسٌ فيعمُّ، (٥) أو لا فلا) (٦).
وعدَل عن قوله: (كفّ لسانك) الأخصَر، وجمع بين إمساكه وقوله ذلك؛ لأن النفس بالحسيات آلف منها (٧) بالعقليَّات؛ لتأخُّر زمن إدراكها عن إدراك تلك، فكان ذكر المعنى العقليِّ ثم تعقيبه بالتمثيل الحسِّيِّ أبلغ وأوقع في النفس، وأبعد عن الخفاء
стр. 114
وأبدعُ في الظهور.
وقال حجَّةُ الإسلام: والمراد بكفِّ اللسان حفظه من الكذب، فلا ينطق به في جِدٍّ ولا هزلٍ؛ لأنه إن نطق به هزلًا تداعى إلى الجِدِّ، والخُلفِ في الوعد، والغِيبةِ -فإنها أشدُّ من ثلاثٍ وثلاثين زَنيَة (١) - والمراءِ والجدالِ والمنافسة وتزكيةِ النفس واللَّعنِ والدعاءِ
стр. 115
على الخَلق والمزاح والسخريةِ والاستهزاء بالناس ونحو ذلك, وقال بعض الحكماء: لا شيءٌ أحَقُّ بالسِّجن من اللِّسان (١)، وقد جعله خلْفَ الشفتين والأسنان، ومع ذلك يكسِر القُفْلَ ويفتحُ الأبواب، وقال بعضهم: إن لم تملكْ فضلَ لسانك, ملك (٢) الشيطان فضل عِنانك (٣).
«قلتُ يَا نَبِيَّ اللهِ: وإنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكلَّمُ به؟ » استفهامُ استثباتٍ طلبًا لإيضاح الحُكْم, وتعجُّبٌ واستغرابٌ مُؤذِنٌ بأنَّه لم يكن يعلمُهُ أحرامٌ هو أم حلالٌ؟ .
وهذا لا ينافي إخبارَ المصطفى ﷺ بأنَّ: «معاذًا أعلمُ النَّاس بالحلال والحرام» (٤)؛ لأن المراد بهما المعاملات الظاهرة بين الناس لا في معاملة العبد ربَّه، أو صار أعلمهم بعد ذلك (٥). ذكره الطوفي (٦).
والمؤاخذة أن يأخذَ أحدٌ أحدًا بذنبٍ.
«فقال» أي: نبيّ الله «ثَكِلتْكَ» أي: فقدتْك «أُمُّكَ» لفقدكَ إدراك المؤاخذة بذلك مع ظهورها.
قال القاضي: (هذا وأمثاله أشياءُ مزالةٌ عن أصلها إلى معنى التّعجّب وتعظيم الأمر) (٧).
стр. 116
وقال المظهِرُ وغيره: (هو في الأصل دعاءٌ بالموت، لكنَّه ليس مرادًا, بل جرى (١) على ألسنتهم في المحاورات للتأديب, والتنبيه من الغفلة, وللتحريض على الشيء والتهييج إليه، كـ «تربت يمينك» و «عقرَى حلقَى» و «لا أُمَّ لك، ولا أبَ لك» (٢) و «لا درَّ درُّك» (٣).
«وهل»: استفهامٌ إنكاريٌّ بمعنى النفي، أي: ما «يَكُبُّ» بضم الكاف, أي: [يُلقِيْ] (٤).
قال الطيبيُّ: / [١٢١/ب] مضارع كبَّه بمعنى صرعه على وجهه [فأكبّ: سَقَطَ على وجهه] (٥)، وهذا من النوادر (٦)(٧)، فإنَّ ثلاثيَّهُ متعدٍّ، ورباعيَّهُ لازمٌ (٨)(٩).
стр. 117
«الناسُ» أي: أكثرُهم «في النَّارِ» نارِ جهنم، «على وُجُوهِهِم أو قال» -شكٌّ من الراوي- «عَلَى مَنَاخِرِهِم» جمع مَنخِر -بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وفتحها (١) -: ثُقبة الأنف.
«إلَّا حَصَائدُ (٢) أَلْسِنَتهِمْ» أي: ما تكلَّمتْ به من الإثم، جمع حصيدة بمعنى محصودة، من حصد إذا قطع الزرع، وهو من إضافة اسم المفعول إلى فاعله أي: محصودات بالألسنة، شبّه ما تكلم به الإنسان بالزرع المحصود بالمِنجل (٣)، فكما أنَّ المِنجلَ يقطَع ولا يميِّز بين الرطب واليابس والجيد والرديء، فكذا لسان بعض الناس يتكلم بكلّ نوعٍ من الكلام القبيح والحسن، ثم حُذف المشبَّهُ وأقيم المشبَّه به مقامه على سبيل الاستعارة المصرَّحة (٤)، وجعل الإضافة قرينةً لها، والاستثناء مفرغ (٥)؛
لأنّ في
стр. 118
الاستفهام معنى النفي، والتقدير: لا يكبُّ الناسَ في النَّار شيء من الأشياء إلا حصائدُ ألسنتهم من الكلام القبيح كقذفٍ وشهادةِ زورٍ وشتمٍ وغيبة ونميمةٍ وبهتانٍ ونحوها، وهذا الحكم واردٌ على الأغلب والأكثر؛ لأنك إذا جرَّبت وفكَّرت لم تجد أحدًا حفظ لسانَه عن السوء ويصدُرَ منه شيءٌ يوجبُ دخوله النار إلّا نادرًا. ذكره الطيبيُّ (١).
وقال الطوفيُّ: (الحصرُ إضافيٌّ؛ إذ مِن النَّاسِ من يكبُّه في النار غيرُ كلامِه، فتخصيصُه: إما لكونه أبلغ ضررًا لتعدِّيه إلى الغير، أو خرج مخرج المبالغة تفظيعًا لشأنه، أو لأنَّ الأعمال يقارنها الكلام غالبًا، فله حصَّة في سببية الجزاء ثوابًا وعقابًا، وفي المثل يقول اللسان للقفا: كيف أصبحت؟ فيقول: بخيرٍ إن سلمتُ منك! ) (٢).
وفي الصحيحين: «أنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبيّن فيها يزلّ بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» (٣). فحثّ على قلة الكلام.
وفي المعجم الكبير للطبرانيِّ والبيهقيّ في الشُّعب من حديث أبي وائل عن ابن مسعود ﵁ قال: ارتقى ابن مسعود الصفا فأخذ بلسانه فقال: يا لسَان (٤): قل خيرًا تغنم، واسكت عن شرّ تسلم, من قبل أن تندم، سمعت رسول الله صلى الله عليه
стр. 119
وسلم يقول: «أكثر خطايا ابن آدم من لسانه» (١).
وذلك لأنَّه أكثر أعضاء الإنسان عملًا، وهو صغيرٌ جِرمُه، عظيم جُرمه (٢)، فمن أطلق عَذَبَة (٣) لسانه، / [١٢٢/أ] وأرسله مُرخَى العِنان، سلك به الشيطان في كلِّ ميدان، وساقه إلى شفا جرفٍ هار، إلى أن يضطرَّه إلى البَوار، ولا ينجي من شرّ اللسان إلا أن يُقيَّد بلجام الشرع.
وروى التِّرمذيُّ وابن خزيمةَ والبيهقيُّ عن أبي سعيدٍ مرفوعًا: «إذا أصبح ابن آدم فإنَّ الأعضاء كلها تكفِّر (٤) اللسانَ فتقول: اتق اللهَ فينا، فإنَّما نحن بك فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» (٥).
стр. 120
قال الغزاليُّ: (المعنى في ذلك: أن نطق اللسان يؤثِّر في أعضاء الإنسان بالتوفيق والخذلان، فاللسان أشدُّ الأعضاء جماحًا وطغيانًا، وأكثرها فسادًا وعُدوانًا، ويؤكّد هذا المعنى قول مالك (١) بن دينارٍ: إذا رأيت قسوةً في قلبك, ووهنًا في بدنك, وحرمانًا في رزقك, فاعلم أنَّك تكلَّمت فيما لا يعنيكَ) (٢).
فإن قيل: ما ذكر في هذا الحديث: من أنَّ أعظم الخطايا في اللسان، وأنه إذا استقام استقامت الأعضاء، وإذا اعوجَّ اعوجَّت، يخالفه ما مرَّ في حديث: إنَّ في الجسد مضغةً إلى أن قال: «وهي القلب» (٣)، قلنا: اللِّسانُ تَرجُمان القلبِ، وخليفته في ظاهر البدن، فإذا أُسند الأمرُ إليه فهو مجازٌ في الحكم، كقولك: شفى الطبيبُ المريضَ.
تتمَّة: قد كان السلفُ على غايةٍ من حفظ اللسان: قال الإمام ابن أبي جمرة (٤): أخبرني بعض مشايخي عن بعض مشايخه: أنَّه كان قاعدًا (٥) أحدُ أصحابه فأتاه ابنه من المكتب، فقال: حفظتُ لوحي، أقعد أو أمشي ألعب؟ فلم يجبه، فكرّره، فقال له صاحبه: ألا تقول له: يلعب، أليسَ اللَّعبُ (٦) يُصْلح الصبيان؟ قال: ما أريد أن يكون
стр. 121
في صحيفتي اذهب فالعب! ، فإن فعل لا أمنعه (١).
(رواه الترمذيُّ) في جامعه (وقال: حسنٌ صحيحٌ) (٢) وفي سياقه زيادةٌ على المؤلِّف، ولفظه عن معاذ: «كنتُ مع النَّبي ﷺ في سفرٍ فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نَسيرُ، فقلت يا رسول الله: أخبرني بعمل يدخلني الجنة ... » فذكره.
ورواه أيضًا أحمد (٣) والنسائيُّ (٤) وابن ماجه (٥) كلهم من طريق أبي وائل عن معاذ مطوّلًا.
وأخرجه أحمد أيضًا من وجهٍ آخر عن معاذ (٦).
стр. 122
وزاد الطبرانيُّ في روايةٍ مختصرةٍ: «ثمّ إنك لن تراك سالمًا ما سكتَّ، فإذا تكلّمت كُتِبَ عليك أو لك» (١).
وفي حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: «عليك بِطُول الصَّمْت، فإنَّه مَطْردةٌ للشيطان»، / [١٢٢/ب] رواه أحمدُ والطبرانيُّ وابن حِبَّان والحاكمُ وصحَّحاه (٢).
стр. 123
[٢: عن أبي ثعلبة الخشنيِّ جُرْثومَ بنِ ناشرٍ ﵁، عَنْ رسول الله ﷺ قال: «إنّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوْهَا، وَحَدَّ حُدُوْدًا فَلَا تَتَعَدَّوها (١)، وَحرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوْهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْها». حديثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُه].
стр. 124
الحديث الثلاثون
(عن أبي ثعلبة) بفتح المثلَّثة (الخُشَنيِّ) بضمِّ المعجمة الأولى وفتح الثانية وكسر النون، نسبة إلى خُشَينَة (١) مصغّرًا بَطنٌ من قُضَاعة (٢) (جُرثُوم) بضمِّ الجيم ثم راءٌ (٣) ومثلثّة، وقيل: جرثومةُ، وقيل: جرثمٌ، وقيل غيرُ ذلك (٤)، قال ابن رَسْلان (٥):
والأكثرُ
стр. 125
على أنَّ اسمه: (جُرهُم) بضمِّ الجيم والهاء (١).
(ابنِ ناشزٍ) (٢) وقيل: لاشزٍ، وقيل: لاشرٍ، وقيل: لاشقٍ، وقيل غيرُ ذلك (٣)، والأكثر على أنَّ اسمه (ناشمٌ) بالنون ومعجمةٍ مكسورةٍ وميمٍ: صحابيٌّ مشهورٌ، خرَّج له الجماعة، حُكيَ عنه أنَّه قال: إنِّي لأرجو أن لا يخنُقنيَ اللهُ كما أراكم تُخنَقُون عند الموت (٤)، فبينما هو يُصَلِّيْ قُبِضَ وهو ساجدٌ [سنة خمسٍ وسبعين] (٥)(٦).
(عن رسول الله ﷺ قال: إنَّ اللهَ -تعالى- فَرَضَ فرائض) أي: أوجبها على عباده، وألزمهم القيامَ بها، والفرض كالإيجاب (٧)، [لكنِ الإيجابُ] (٨)
стр. 126
يقال اعتبارًا بوقوعه وثبوته، والفرض بقطع الحكم فيه، ومنه يقال لما ألزم الحاكم من النفقة: فرضٌ، ذكره الراغب (١)(٢)، وهو بيانٌ لأصل مدلوله (٣)،
وفي اصطلاح أهل الأصول -ويرادفه الواجب عند الشافعية (٤) -: الفعل المطلوب طلبًا جازمًا، وقال الحنفية: الفرض ما ثبت بقطعيٍّ، والواجب ما ثبت بظنِّيٍّ (٥).
ثم الفرائض: إما فرائضُ أعيانٍ كالصلوات الخمس، والزكاة، والصوم.
أو كفايةٍ: كصلاة الجنازة، وردِّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(فلا تُضَيِّعوها) بالترك أو التهاون فيها حتى يخرج وقتها، بل أوقِعُوها في أوقاتها المقدَّرة لها كما أمركم الله، وفيه دليلٌ على أنَّه يبدأ أوَّلًا (٦) بالفرائض، ويبدأ من الفرائض
стр. 127
بالآكد فالآكد؛ لأنَّ الفرائضَ كثيرة: كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، لكن قد تفضُل بعض هذه الأمور على غيرها، وما فَضَلَ على الغير فالمحافظة عليه آكدُ، مع أنَّ المحافظة على الكُلِّ واجبةٌ، وفيه فضلُ العلم على غيره من الأعمال؛ لأنَّه لا يعلم هذا وأمثاله إلَّا به.
(وحدَّ حدودًا) جمع حدٍّ، وهو لغة: الحاجز بين شيئين: الذي يمنع اختلاط أحدهما بالآخر، سميت العقوبة حدًّا لكون ذلك يحجز الفاعل عن المعاودة.
قال الراغب: وتطلق الحدود ويُراد بها نفس المعاصيْ؛ لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ (١) وعلى فعلٍ فيه شيءٌ مقدّرٌ، / [١٢٣/أ] ومنه: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٢) كأنَّها لمَّا فَصَلت بين الحلال والحرام سُمِّيتْ حدودًا؛ لما تقرَّر أنَّ الحدَّ الحاجزُ، فمنها ما زُجِر عن فعله، ومنها ما زُجِر عن الزيادة عليه والنقص منه (٣)، وحينئذٍ فقوله هنا: (وحدَّ حدودًا) ليس المرادُ به نفسَ المعاصي؛ لأنَّه يأتي في قوله: (وحرّم أشياء) , فإما أنَّ المراد: بيَّن لكم أمورًا وأذِن في فعلها واجبةً ومندوبةً ومباحةً وأمر بالوقوف عندها, (فلا تعدَّوها) أي: فلا تتجاوزوها إلى فعل ما نُهيتم عنه، وعليه فما قبله وبعده من ذكر العامِّ بعد الخاصِّ وعكسه (٤).
стр. 128
وإمَّا أنَّ المعنى: جعل لكم حواجزَ وزواجَر مُقَدَّرةً تحجزكم عمَّا لا يرضاه (فلا تعتدُوها) أي: لا تُجَاوزوا القدرَ الذي قدَّره الشَّارعُ فلا تزيدوا عليه, ولا تنقصُوا منه، لكنْ للحاكم أنْ يزيدَ لمصلحةٍ خاصَّةٍ، وتكون الزيادة تنكيلًا وزجرًا كما جلدَ عمرُ في الخمر ثمانين (١).
(وحرّمَ أشياءَ) أي: منع من قِرْبانها وارتكابها كشهادة الزُّور، وأكلِ مال اليتيم، والرِّبا.
(فلا تنتهكوها) أي: لا ترتكبوها مُقتحمين لها غيرَ مبالين بها.
(وسَكَت عنْ أشياءَ) لم يذكر حكمها (رحمةً بِكم) مفعولٌ لأجله؛ أي: فعل ذلك لأجل رحمته، ورِفقِهِ بكم، وتخفيفه عنكم حال كون ذلك (غيرَ نسيانٍ) للنصِّ على حكمها؛ إذ لا يضلُّ ربِّي ولا يَنْسَى؛ ولهذا تلا المصطفى ﷺ في حديث أبي الدرداء (٢): ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (٣).
(فلا تبحثوا عنها) أي: فلا تستكشفوا عن أحوالها ولا تسألوا عنها كما قال
стр. 129
تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (١) وهذا يحتمل اختصاصه بزمن المصطفى ﷺ ؛ لأنَّ البحث عما لم يذكر حكمه قد يكون سببًا للتشديد بإيجابٍ أو تحريمٍ؛ بدليل حديث: «إن أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحُرِّم لأجل مسألته» (٢).
ويحتمل العمومَ بشهادة خبر: «من حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (٣) والنهيِ عن قيلَ وقالَ، وكثرة السؤال (٤).
стр. 130
ومعنى سكوتِهِ تعالى عنها: أنَّه لم يُنْزِلْ (١) حكمَهَا لرسوله كما تقرَّر؛ فلم ينطقْ فيه بأمرٍ ولا نهيٍ ولا تحريمٍ ولا تحليلٍ، فيُردُّ حكمُه إلى أصلٍ من أصول الشرع، لا أنَّه -تعالى- سكت عنها حقيقةً لاستحالته عليه -تعالى-؛ إذ الكلام من صفاته النفسيَّة (٢) القديمة الذاتية التي لا تنفكّ عنه (٣).
قال بعض الشُّرَّاح (١): لكنّ الأصحَّ أنَّ ما سكت عنه هو الذي / [١٢٣/ب] عفَا عنه، ووسَّع الأمر فيه على عباده، وفُهِمَ من سكوته عن ذلك رحمةً لنا -مع النهي عن البحث عنه-: أنَّه لا حكمَ قبل ورود الشَّرع, وهو الأصحُّ (٢).
وهذا الحديث تمسَّك به من يقتصر -كالظَّاهرية- على ظاهر الَّلفظ وينفي ما عداه ممَّا يفهم منه بإشارةٍ أو مُوافقةٍ أو مُخالفةٍ أو قياسٍ أو غيره، وما لاحكم له في النصوص يردُّوه إلى حكم ما قبل الشرع.
قال الطُّوفيُّ: (وهو ظاهر الحديث؛ لأنَّه نهْيٌ عن البحث عمَّا سكت عنه، فيكونُ على خلاف الشرع، فيكونُ مردودًا عملًا بخبر (٣): «كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» وهذا الاستدلال ظنِّيٌّ، وأدلَّة القياسِ قاطعةٌ فلا يعارضها الظَّنُّ) (٤).
والحقُّ: أنَّ ما لم يرد فيه نصٌّ خاصٌّ أو عامٌّ: إن كان داخلًا في ذلك النصِّ ممَّا يؤخذ منه بإشارةٍ أو مُساواةٍ أو أوَّليٍّ أو مُخالفةٍ أو إلحاقًا لحكم المسكوت عنه بحكم المنطوق ونحوه؛ فالبحث عنه حقٌّ يتعيَّن على المجتهد بيانُهُ، وإلَّا فهو من التَّعمُّقِ والتنطُّعِ
стр. 133
والبحثِ عمَّا لا يَعنيْ، قال المصطفى: «هلك المتنطِّعون» (١) أي: المتعمِّقون, جمع متنطِّعٍ، وهو المتعمِّق البحَّاث.
وهذا (حديثٌ حسنٌ) بل وصحيحٌ، فقد صحَّحه ابنُ الصَّلاح (٢)، وقول أبي حاتمٍ وأبي زرعة: (روايةُ مكحولٍ لم يسمعْ من أبي ثعلبة) معارَضٌ بقول ابن معينٍ: سمع (٣)، والمثبِت مقدّمٌ على النافي.
(رواه الدارقطنيُّ) (٤) إمامُ العلماء (٥) الحافظُ الجليل (٦) عليُّ بن عمر البغداديُّ (وغيرُه) كأبي نُعيمٍ وغيره (٧).
وهذا أصلٌ عظيمٌ في أصول الدين؛ لأنَّه جمع فيه الدِّين في أربع كلماتٍ، فمن أدَّى الواجبات، وتجنَّب المحرَّمات، ووقف عند الحدود، وترك ما غاب عنه، فقد استوفى أقسام الفضل، وأوفى حقوق الدِّين، وحاز الثواب، وفاز بالنَّجاة من العقاب؛ لأن الشَّريعة لا
стр. 134
تخرج عن هذه الأربعة (١).
وقال الطُّوفيُّ: (الحديث من جوامع الكلم الوجيزة البليغة المتضمنة (٢) جميع قواعد الشرع حكمًا وإباحةً؛ إذ الحكم الشرعي إمَّا مسكوتٌ عنه أو متكلَّم به, وهو إما: مأمورٌ به وجوبًا أو ندبًا, أو منهيٌّ عنه تحريمًا أو كراهةً, أو مباحٌ: فالواجب حقُّه أن لا يُضَيَّعَ كالإيمان والإسلام, وما وجب من خصالهما، والحرام أن لا يقارب, كالكفر والزنا والرِّبا (٣) والسرقة والقذف والسِّحر وشهادة الزور وأكل مال اليتيم، والحدود حقُّها أن تقام على أهلها من غير محاباةٍ ولا تعدٍّ؛ لهذا ورد (٤) في حديث: / [١٢٤/أ] «حدٌّ يُقام في الأرض خيرٌ من مطرٍ أربعين صباحًا» (٥)). (٦).
стр. 135
وقال بعضهم (١): ليس في أحاديث المصطفى ﷺ حديثٌ واحدٌ أجمع بانفراده للأصول والفروع مثله، ومن امتثل وصيَّة المصطفى وعمل به فقد حاز الثَّواب، وأمن العقاب؛ لأنَّ من أدَّى الفرائض، واجتنب المحارم، ووقف عند الحدود، وترك البحث عمَّا غاب [عنه] (٢)، فقد استوفى أقسام الفضل، وأوفى حقوق الدِّين؛ لأنَّ الشرائع لا تخرج عن هذه الأنواع). أمَّا الفرائض: فالواجبات من صلاةٍ وصومٍ وزكاةٍ وحجٍّ وغيرها، وأما المحرَّمات: فالمنهيَّات من زنًا وسرقةٍ وشربِ خمرٍ وظلمٍ وبَغْيٍ وغيرها، والحدود: هي المواقِف التي حدَّها لعباده، والمقادير التي بيَّنها في الطاعات، أي: على أحد الوجهين المارَّين, فحفظ العبادة بأسبابها وشروطها وأوقاتها, وامتثال العقود المشروعة (٣) لأحكامها مع الشرائط المرعية في محالِّها وذواتها, واتباع المأذونات مع الوقوف على نهاياتها في حدود الدِّين، وقد مدح الله الحافظين لحدوده، وذمَّ المعتدين لها، وأمَّا ما سكت عنه فهو ما عَفَا عنه ووسَّع الأمر فيه على عباده.
стр. 136
[٣: عن أبي العبَّاس سهل بن سعد السَّاعديِّ ﵁، قال: جاءَ رجلٌ إلى النَّبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! دُلَّني عَلَى عَمَلٍ إِذا عَمِلتُهُ أَحَبَّنيَ اللهُ وَأَحَبَّنِيَ النَّاسُ؛ فَقَالَ: (ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّك الله، وازهدْ فيما عندَ النَّاس يُحبَّك الناسُ). حديثٌ حسنٌ، رواه ابن ماجَه وغيره بأسانيدَ حسنةٍ.]
стр. 137
الحديث الحادي والثلاثون
(عن أبي العبَّاس) وقيل أبي يحيى (سهل بن سعد) (١) بن مالك بن خالدِ بنِ ثَعلبةَ (السَّاعِدِيِّ) -بكسر المهملة- نسبةً إلى ساعِدةَ بنِ كَعْبٍ الأنصاريِّ الخزرجيِّ المدنيِّ، آخرُ من مات من الصَّحابة (٢)، [مات سنة ثمانٍ وثمانين عن بضعٍ وتسعين سنة] (٣).
(قال: جاء رجل إلى النّبيِّ ﷺ , فقال يا رسول الله: دُلَّنِيْ) بضمِّ الدال وفتح اللام مشدّدةً، (على عملٍ) هو فعلٌ من الحيوان بقصدٍ وإرادة، والمراد هنا: عملٌ صالح.
(إذا عملتُه أحبَّنيَ اللهُ وأَحبّنيَ النَّاسُ) معنَى محبّةِ اللهِ للعبدِ: رِضاهُ عنْه وإحسانُه إليه؛ لأنّ المحبَّةَ ميلٌ طبيعيٌّ، وهو في حقّه مُحالٌ، فالمراد غايتها (٤).
стр. 138
(فقال: ازْهَدْ فِي الدُّنيا) اعرض بقلبك عنها استصغارًا لجملتها واحتقارًا لشأنها وبغضًا لها, وحبًّا لله (يُحِبَّك الله) أي: يرضَى عنك ويثيبُك؛ (١) لأنَّه تعالى يُحِبُّ من أطاعه، ومحبّته مع محبّة الدنيا لا يجتمعان، عُرِفَ ذلك بالنّصوص والنّظر والتّجرِبَة والطّبعِ والتّواتر.
قال الغزاليّ: (مَن ادَّعى أنّه جمع بين حُبِّ الدنيا / [١١٢٤/ب] وحُبِّ خالقها في قلبه فقد كذب، وذلك لأنّ حبّها كما قال المصطفى ﷺ : «رأسُ كلّ خطيئةٍ» (٢) والله لا يُحِبُّ الخطايا ولا أهلَها؛ ولأنّها لهوٌ ولعبٌ وزينةٌ وتفاخُرٌ وتكاثرٌ، والله لا يحبُّها؛ ولأنَّه تعالى منذُ خلق الدُّنيا لم ينظُرْ إليها بغضًا لها كما في حديثٍ (٣)؛ و «لأنها
стр. 139
لا تزن عند الله جناحَ بَعوضةٍ، ولولا ذلك ما سقى منها كافرًا شربةَ ماءٍ» (١)
كما في حديثٍ آخر) (٢).
قال الطّوفيُّ: (ومحبّة الدُّنيا المكروهة إيثارُها لقضاءِ شَهوات النفس وأوطارها؛ لأنّ ذلك يَشْغَلُ عن الله، أمَّا محبّتها لفعل الخير وابتغاءِ الأَجر عند الله فهي عبادةٌ؛ لقوله ﵊: «نِعمَ المال الصَّالح للرجل الصالح» (٣)) إلخ (٤).
والزهد: ترك الدّنيا عن قدرة, قال الأكمل (٥): وهو المراد هنا؛ بدليل قوله: (في الدنيا) (٦).
وقد يطلق اسم الزهد على ترك كلّ ما سوى الله من دنيا وآخرة، كأبي يزيد (٧) فإنه سئل عن الزهد، فقال: (ليس بشيءٍ لا قدر له عندي ما كنت زاهدًا سوى ثلاثة
стр. 140
أيَّام، أوَّل يوم زهدت في الدنيا، والثاني زهدت في الآخرة، والثالث: في كل ما سوى الله فنوديت: ما تريد؟ قلت أريد أن لا أريد) جعل ترك ما سوى الله هو الزهد.
وقال الغزاليّ: (الزهد ترك طلب المفقود من الدنيا، وتفريق المجموع منها، وترك إرادتها واختيارها، وأصعب الكلِّ: ترك الإرادة بالقلب، إذ كم تاركٍ لها بظاهره محبٌّ لها بباطنه، فهو في مكافحةٍ ومقاساةٍ من نفسه شديدة، فالشَّأن كلُّه في عدم الإرادة القلبيَّة) (١).
ولهذا لما سُئل أحمدُ ابن حنبلٍ-﵁ عَنْ من معه ألفُ دينارٍ أيكونُ زاهدًا؟ قال: (نعم بشرط ألّا يفرحَ إذا زادتْ، ولا يحزَنَ إذا نقصتْ) (٢).
وقال ابن القيِّم: (أحسنُ حدوده: أنَّه فراغ القلب من الدنيا لا فراغ اليد، وقد جهل قومٌ فظنُّوا أنَّه تجنُّب الحلال، فاعتزلوا النساء فضيَّعوا الحقوق، وقطعوا الأرحام، وجفوا الأنام، واكفهرُّوا في وجوه الأغنياء، وفي قلوبهم شهوة الغِنَى أمثال الجبال، ولم يعلموا أن الزهد إنما هو بالقلب، وأنّ أصله موت الشهوة القلبية، فلما اعتزلوها بالجوارح ظنوا أنهم استكملوا الزهد فأدَّاهم إلى الطعن في كثيرٍ من السلف والأئمة) (٣).
قال الطيبيُّ: (ولا يتصور الزهد ممَّن ليس له مال ولا جاهٌ، وقيل لابن المبارك: / [١٢٥/أ] يا زاهد قال: الزاهد عمرُ بنُ عبد العزيز، إذ جاءته الدّنيا راغمةً فتركها، أمَّا أنا ففيمَا (٤) زهِدت؟ ) (٥).
وقال الطُّوفيُّ: (الزاهد على أضربٍ: أحدها: الزهد في الحرام، وهو الزهد الواجب العام.
стр. 141
والثاني: الزُّهد في الشبهات، والأشبه وجوبه؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى اتِّقاء الوقوع في الحرام (١).
الثالث: الزُّهد فيما عدا الضروريات من المباحات, وهو المراد من هذا الحديث [ظاهرا] (٢) وهو زهد الخواصِّ العارفين بالله تعالى.
الرابع: الزهد فيما سوى الله من دنيا وجنّةٍ وغير ذلك، فلا قصدَ لصاحب هذا الزهد إلا الوصول إليه تعالى وهو زهد المقرَّبين، ويندرج في ضِمنه كلُّ مقصودٍ, وكلُّ الصَّيد في جوف الفَرا (٣)) (٤).
وهل الدُّنيا ما على وجه الأرضِ إلى قيامِ السَّاعة، أو كلُّ موجودٍ قبل الحشرِ، أو ما سوَّاه اللَّيل والنَّهار, وأظلَّته السَّماء وأَقلَّتْه الأرض، أو الدِّرهم والدّينار، أو ما أدرك حسًّا، والآخرة ما أدركَ عقلًا، أو ما فيه شهوة النَّفس؟ أقوالٌ، رجّح النوويُّ الثَّاني (٥). والمراد هنا
стр. 142
الأخيرُ، وعُلم مما مرَّ أنَّ محبَّة الله للعبد تحتاج إلى تأويل بخلاف عكسه.
قال الغزاليُّ: (محبة العبد لله حقيقيّة لا مجازيّة؛ لأنَّ المحبَّة في وضع اللسان ميلُ النفس إلى مُلائمٍ مُوافقٍ، والعشق الميل الغالب المغرض (١)، والله محسن جميل، والإحسان والجمال موافق، ومحبة الله للعبد مجازيَّة, (٢) ترجع إلى كشف الحجاب حَتَّى يَراه بقلبِه، وإلى تمكينه إيَّاه من القرب منه) (٣).
وفي شرح المواقف (٤): محبَّتنا له تعالى كيفيّةٌ روحانيّةٌ مرتَّبةٌ على تصوِّر الكمال
стр. 143
المطلق له -تعالى- على الاستمرار، ومقتضيةٌ إلى التوجه التامِّ إلى حضرة قدسه بلا فتورٍ وقرارٍ، ومحبتّنا لغيره كيفيَّةٌ تترتَّبُ على تخيّلِ كمالٍ فيه من نحوِ لَذّةٍ أو شفقةٍ، ثمَّ هي عندنا الرضا والإرادة مع ترك الِاعتراض، وقيل: الإرادة فقط فيترتب عليه -كما في الإرشاد (١)
- أنَّه -تعالى- لا تتعلَّق به محبّةٌ على الحقيقة؛ لأنَّها إرادة، والإرادة لا تتعلق إلا بمتجَدّدٍ (٢)
стр. 144
وهو -تعالى- لا أوَّلَ له (١).
(وازهد فيما عند النَّاس) منها (يحبَّكَ النَّاسُ) حتَّى الجنُّ؛ لأنَّ قلوب أكثرهم مجبولةٌ مطبوعَةٌ عَلى حُبِّ الدُّنيا، ومن نازع إنسانًا في محبوبِه كرِهه وقَلَاه، ومن لم يعارِضه فيه أحبَّه واصطفاه؛ ولهذا / [١٢٥/ب] قال الحسن: (لا يزال الرَّجُل كريمًا على الناس حتى يطمعَ في دنياهم فيستخِفُّون به ويكرهون حديثه) (٢).
وقيل لبعض أهل البصرة: - (من سيِّدُكم؟ قال: الحسن، قيل: لم؟ قال: احتاجوا لعلمه، واستغنى عن دنياهم) (٣).
وقال ابن عطاء الله (٤): (الزهد فيما في أيدي النَّاسِ سببٌ لمحبة الخلق، والزهد فيما سوى الله سببٌ لمحبة الحقّ، فَمَن أحبَّ العطاء من الخلق دلّ على بعده من الله، فالعطاء منهم حِرمانٌ، والمنعُ منه (٥) إحسان، وحُكِيَ عن روح الله عيسى ﵊ أنه لقي في سياحته قبيل الصبح رجلًا نائمًا فوكزه برِجله وقال: قُم، فقدْ سبقك العابدون، فقال: دعْني يا روحَ الله فإنِّي عبدته بأحبِّ العبادة إليه، فقال له: ما هي؟ قال: الزهدُ في الدنيا، فقال ﵇: نَمْ نَومَة العروس في خدرها فقد فُقْتَ
стр. 145
العابدين) (١).
وفي الحديث دليلٌ على أنَّ الزهد أعلى المقامات وأفضلُها مطلقًا؛ (٢) لأنه جعله سببًا لمحبة الله، وأن مُحِبَّ الدنيا متعرّضٌ لبُغضِ اللهِ تعالى (٣).
خاتمةٌ: قالوا: الزهدُ يجتمع به خير الدنيا والآخرة، أما خير الدنيا فما يحصل من البركة وراحة القلب والبدن، وأما الآخرة فما يحصل من ثواب الزهد فيها وقلَّة الحساب، فإن الزهد يحملُه على إخراج الواجبات والتوقُّف في الشبهات وهي السَّعادة التامة.
قال العارف أبو الحسن الشاذليُّ (٤): دخل عليّ بالمغرب بعض الكُبراء فقال ما أدري لك كبيرَ عملٍ فَبِمَ فُقْتَ الناس وعظَّموك؟ قلتُ: بخصلةٍ واحدةٍ افترضها الله على نبيِّه تمسَّكْتُ بها: الإعراضُ عنهم وعن دنياهم، قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ (٥)، وفي تركها الرَّاحةُ من الخواطر الرديَّة والتذلّل لها.
سئلَ السَّيِّدُ الجليل معروفٌ الكرخيُّ (٦) عن الطَّائعين بِمَ قدروا على الطاعة؟ قال: