للتباغض، قالوا: ومثله الشراء على الشراء بغير إذن المشتري، بأن يقول للبائع في زمن الخيار: افسخ وأشتريه منك بأغلى، ومثل ذلك ما في معناه من السَّوم على سوم غيره، والخِطبة على خِطبته إلَّا برضاه, وتصرَّفَ بعضهم في النَّهي فخصَّه بما إذا لم يكن فيه غَبنٌ فاحش، وإلَّا فله إعلامه ليفسخ ويبيعه بأرخص، والأصحُّ خلافه) (١).
ثانيًا: جامع العلوم والحكم لابن رجبٍ ﵀ -:
تقدَّم أنَّ الغرض الأساسيَّ من الشرح الذي أكَّد عليه الحافظ ابن رجبٍ في مقدِّمة كتابه أنَّه شرح للألفاظ النبويَّة فقال: (واعلم أنَّه ليس غرضي إلَّا شرح الألفاظ النبويَّة التي تضمَّنتها هذه الأحاديث الكلِّية) (٢).
ومقتضى كلامه هذا أنَّه سيتكلَّم على ما يشتمل عليه الحديث من المسائل الفقهيَّة, فكان له في ذلك اليد الطولى, فمن ذلك قوله في شرح حديث: «لا ضرر ولا ضرار»:
(ورد في القرآن النَّهي عن المضارَّة في مواضعَ: منها في الوصيَّة ... ومتى وصى لوارثٍ أو لأجنبيٍّ بزيادة على الثلث، لم ينفذ ما وصى به إلَّا بإجازة الورثة، وسواء قصد المضارَّة أو لم يقصد، وأما إن قصد المضارَّة بالوصية لأجنبيٍّ بالثلث، فإنه يأثم بقصده المضارَّة، وهل تردُّ وصيته إذا ثبت بإقراره أم لا؟ حكى ابن عطيَّة روايةً عن مالك أنها تردُّ، وقيل: إنَّه قياس مذهبِ أحمد, ومنها: الرجعة في النكاح، وذهب مالك إلى أن من راجع امرأته قبل انقضاء عدتها، ثم طلقها من غير مسيسٍ: أنَّه إن قصد بذلك مضارتها بتطويل العِدَّة لم تستأنف العِدَّة، وبنتْ على ما مضى منها، وإن لم يقصد بذلك استأنفت عدَّةً جديدة، وقيل: تبني مطلقًا، وهو قول عطاءٍ وقتادة، والشافعيِّ في القديم، وأحمدَ في روايةٍ، وقيل: تستأنف مطلقًا، وهو قول الأكثرين، منهم أبو قلابة والزهريُّ والثوريُّ وأبو حنيفة والشافعيُّ - في الجديد - وأحمدُ في روايةٍ وإسحاقُ وأبو عبيدٍ وغيرهم.
ومنها: في الإيلاء، فإن الله جعل مدَّة المُولي أربعة أشهرٍ إذا حلف الرجل على
стр. 72
امتناعه من وطء زوجته، فإنه يضرب له مدَّةَ أربعةِ أشهرٍ، فإن فاء ورجع إلى الوطء كان ذلك توبته، وإن أصرَّ على الامتناع لم يمكن من ذلك، وفيه قولان للسلف والخلف: أحدهما: أنَّها تطلق عليه بمضيِّ هذه المدة، والثاني: أنه يوقَفُ، فإن فاء، وإلَّا أُمر بالطلاق، ولو ترك الوطء لقصد إضرارٍ بغير يمينٍ مدَّة أربعة أشهرٍ: فقال كثيرٌ من أصحابنا: حكمه حكم المولي في ذلك، وقالوا: هو ظاهر كلام أحمد) (١).
ومثَّل أيضًا في الرضاع وفي البيع.
وقال أيضًا في شرح الحديث نفسه: (وقد اختلف العلماء في حكم من نذر أن يحجَّ ماشيًا، فمنهم من قال: لا يلزمه المشي، وله الركوب بكلِّ حالٍ، وهو رواية عن أحمد والأوزاعيِّ, وقال أحمد: يصوم ثلاثة أيام، وقال الأوزاعيُّ: عليه كفَّارةُ يمينٍ، والمشهور أنه يلزمه ذلك إن أطاقه، فإن عجز عنه، فقيل: يركب عند العجز، ولا شيء عليه، وهو أحد قولي الشافعيِّ, وقيل: بل عليه - مع ذلك - كفارة يمين، وهو قول الثوريِّ وأحمد في رواية.
وقيل: بل عليه دمٌ، قاله طائفة من السلف، منهم عطاء ومجاهد والحسن والليث وأحمد في رواية.
وقيل: يتصدَّق بكراء ما ركب، وروي عن الأوزاعي، وحكاه عن عطاء، وروي عن عطاء: يتصدق بقدر نفقته عند البيت.
وقالت طائفةٌ من الصحابة وغيرهم: لا يجزئه الركوب، بل يحجُّ من قابلٍ، فيمشي ما ركب، ويركب ما مشى، وزاد بعضهم: وعليه هديٌ، وهو قول مالك إذا كان ما ركبه كثيرا) (٢).
وقال أيضًا: (وقد اختلف الفقهاء من أصحابنا والشافعيَّة في تفسير المدَّعي والمدعى عليه: فمنهم من قال: المدَّعي: هو الذي يخلى وسكوته من الخصمين، والمدعى عليه: من لا يخلى وسكوته منهما.
стр. 73
ومنهم من قال: المدَّعي من يطلب أمرا خفيا على خلاف الأصل أو الظاهر، والمدعى عليه بخلافه, وبنوا على ذلك مسألةً وهي: إذا أسلم الزوجان الكافران قبل الدخول، ثم اختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معًا، فنكاحنا باق، وقالت الزوجة: بل سبق أحدنا إلى الإسلام، فالنكاح منفسخ، فإن قلنا: المدعي يخلَّى وسكوتُه، فالمرأة هي المدَّعِي، فيكون القول قول الزوج، لأنه مدعى عليه؛ إذ لا يخلَّى وسكوته، وإن قلنا: المدَّعي من يدعي أمرًا خفيًّا: فالمدَّعي هنا هو الزوج؛ إذ التقارن في الإسلام خلاف الظاهر، فالقول قول المرأة؛ لأنَّ الظاهر معها.
وأما الأمين إذا ادعى التلف، كالمودَع إذا ادَّعى تلف الوديعة، فقد قيل: إنه مدَّعٍ؛ لأنَّ الأصل يخالف ما ادَّعاه، وإنما لم يحتجْ إلى بينة؛ لأنَّ المودع ائتمنه، والائتمان يقتضي قَبولَ قوله) (١).
ثالثًا: المنهج المبين لأبي حفصٍ الفاكهانيِّ ﵀: للمصِّف عنايةٌ بهذا الباب, بل يستطرد أحيانًا إلى دقائق مهمَّة, لا سيما على مذهبه الذي نشأ عليه وهو مذهب مالك, ومن تلك العناية في شرحه قوله في شرح حديث «لا ضرر ولا ضرار»: إذا احتاج جاره إلى غرز خشبةٍ في جداره فهل يجب عليه تمكينه من ذلك, أو له منعه؟ في المسألة قولان مشهوران ... ) (٢).
رابعًا: الفتح المبين لابن حجرٍ الهيتميِّ الشافعيِّ ﵀: اعتنى بالمسائل الفقهيَّة التي رأى مناسبتها قريبةً في الشرح الحديثيِّ, فلم يأت بكلِّ ما كان يحتمله الحديث؛ لذا اعتذر مرَّةً عن الإسهاب في موضوعٍ مَّا قائلًا: (ولبعض الشُّرَّاح هنا تفصيلٌ في ذلك بكلامٍ طويلٍ مُمِلٍّ خارجٍ عن المقصود؛ فلذا أعرضت عنه وإن كان فيه أنظارٌ شتَّى ينبغي التفطُّن لها) (٣).
وقال أيضًا: (اختلفوا في قوله ﷺ في الخبر الصحيح: "لا يمنع
стр. 74
أحدكم جاره أن يضع خشبه في جداره" فأباح جماعةٌ منهم الشافعيُّ رضي الله تعالى عنه -في القديم- للجار أن يضع جذوعه على جدار جاره كرهًا عليه؛ لهذا الحديث، وقال الشافعيُّ في الجديد: ليس له ذلك، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار"، مع حديث: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس"، وحديث: "وأموالكم عليكم حرام", فإن قلت: هذا يشكل على ما قدمته من تخصيص عموم: "لا ضرر" بما مر، فلم لم يخصَّ بخبر: "لا يمنع أحدكم جاره" لأنه خاص؟ قلت: كان القياس ذلك, لو سُلِّم مما اشتمل عليه من احتمال أنَّ الضمير في "جداره" راجع للجار؛ أي: لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبه في جدار نفسه، ومع هذا الاحتمال لا يقوى على التخصيص، فأخذنا بعموم: "لا ضرر"، و"لا يحل مال امرئٍ مسلم" وغيرهما؛ لأنها أقوى منه) (١).
وقال في صدد الحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (ويشترط لجوازه ألا يؤدِّي إلى شهرِ سلاحٍ، ومن ثَمَّ قال إمام الحرمين: (ويسوغ لآحاد الرَّعيَّة أن يصُدَّ مرتكب الكبيرة إن لم يندفع عنها بقوله ما لم ينته الأمر إلى نصبِ قتالٍ وشهرِ سلاحٍ، فإن انتهى إلى ذلك ربط بالسلطان، قال: وإذا جار والي الوقت وظهر ظلمه ولم ينزجر حين زجر عن سوء صنيعه بالقول فلأهل الحَلِّ والعقد التواطؤ على خلعه. انتهى، قال المصنف: وما ذكره من خلعه غريب، ومع هذا فهو محمول على ما إذا لم يخف منه إثارة مفسدة أعظم منه, ولوجوبه تارة وجوازه أخرى: ألا يخاف على نفس، أو نحو عضو، أو مال له أو لغيره, وإن قلَّ مفسدة فوق مفسدة المنكر الواقع) (٢).
стр. 75
المبحث السابع: موارده في كتابه في الجزء المحقَّق
سبق في ترجمة الحافظ المناويِّ ﵀ تنوُّعُ العلوم التي دَرسها وبرز فيها وألَّف، فهذا جعله يقف على كثيرٍ من المصادِرِ القيِّمة في شتى ميادين العلم، من لغةٍ وما يتصل بها، ومن فقه وأصولٍ على اختلاف المذاهب وتنوُّعها، ومن كتب للحديث وشروحها، والتاريخ ... إلى غير ذلك.
ولكن هناكَ مصادرُ بارزةٌ عنده, جعلها أصلًا يرجع إليها, ومنارةً يهتدي بها, وهي كالتالي:
١ - الكاشف عن حقائق السنن, للطيبي, وقد استفاد منه المصنِّف ﵀ في الجزء المحقَّق مصرِّحًا باسمه (عشرين مرَّة) تقريبًا.
٢ - التعيين في شرح الأربعين, للطوفيِّ, فقد رجع إليه المصنِّف ﵀ في الجزء المحقَّق مصرِّحًا باسمه (ستَّ عشرة مرَّة) تقريبًا.
٣ - تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة, للقاضي البيضاويِّ, فقد نقل منه المصنِّف ﵀ في الجزء المحقَّق مصرِّحًا باسمه البيضاويِّ (سبع مرَّات) , وبلقبهِ (القاضي) أربع مرَّاتٍ, فالمجموع: (إحدى عشرة مرَّةً) تقريبًا.
٤ - المفاتيح في شرح المصابيح للمظهِر, وقد استفاد منه المصنِّف ﵀ في الجزء المحقَّق مصرِّحًا باسمه (ستَّ مرَّات) تقريبًا.
٥ - فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجرٍ العسقلانيِّ, وقد أخذ منه المصنِّف ﵀ في الجزء المحقَّق مصرِّحًا باسمه (ثلاث مرَّاتٍ) تقريبًا.
٦ - الفتح المبين في شرح الأربعين لابن حجرٍ الهيتميِّ, وقد استفاد منه المصنِّف ﵀ في الجزء المحقَّق مصرِّحًا باسمه الهيتميِّ -بالتاء- (خمس مرَّاتٍ) , وهناك مواطنُ أخر لا يصرِّح باسمه, وهي كثيرةٌ.
وهناك مصادر أخرى رأيت -بالتتبع- أنَّ المصنِّف ﵀ رجع إليها -وإن لم يصرِّح بها في الجزء المحقق- منها شرح الشيخ العالم محمد بن علي ابن سالمٍ الشبشيريّ المتوفَّى سنة (٩١٩ هـ) واسم شرحه: (الجواهر البهيَّة في شرح الأربعين النوويَّة) فبين االشرحين توافقٌ كبيرٌ جدًّا, فيظهر أنَّ الشارح اطَّلع
стр. 76
عليه واستفاد منه.
وهناك مصادرُ أخرى أفاد منها أثناء الشرح المبارك, أذكرها تحت مطالبَ:
المطلب الأوَّل: المصادر التي سمَّى المُناويُّ مؤلِّفيها، وفيه فروعٌ (١):
هنا سأذكر اسم الشهرة للكتاب ومؤلِّفه، وإذا تصرَّف المناويُّ ﵀ في اسم الكتاب، أو لم يُوضِّحهُ، أوردتُ اسم الكتاب على ما اشتهر به، وعلى ما غلب به ظني أنَّه الكتاب الذي أراده، ثمَّ أنبِّه عليه في الحاشية، وأرتِّبُها على الفنون، مفتتحاً بفنِّ الحديث وعلومه، ثم التفسير وعلومه، ثمَّ بقية الفنون، وأذكر ذلك كله من غير ترتيبٍ على حروف المعجم؛ وذلك اكتفاءً باندراجه في فنِّه الذي به يهتدي إليه القارئ الكريم.
الفرع الأوَّل: الكتب المؤلَّفة في الحديث وعلومه ما يلي:
١ - إكمال المعلم في شرح مسلم للقاضي عياض.
٢ - بلوغ المرام للحافظ ابن حجر.
٣ - بهجة النفوس لابن أبي جمرة.
٤ - الترغيب والترهيب للمنذري.
٥ - تكملة شرح الترمذي للعراقي.
٦ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البرِّ
٧ - جامع الأصول لابن الأثير.
٨ - جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبليّ.
٩ - سنن ابن ماجه لمحمد بن ماجه القزوينيّ.
١٠ - سنن أبي داود لأبي داود السجستانيّ.
١١ - سنن الترمذي لأبي عيسى الترمذي.
١٢ - سنن الدارقطني.
١٣ - السنن الكبرى للبيهقي
١٤ - سنن النسائي لأحمد بن شعيب النسائي.
стр. 77
١٥ - شرح صحيح مسلم = المنهاج في شرح صحيح مسلم للنووي.
١٦ - شعب الإيمان للبيهقي
١٧ - صحيح ابن خزيمة.
١٨ - صحيح البخاري للإمام البخاري.
١٩ - صحيح مسلم للإمام مسلمٍ.
٢٠ - طرح التثريب في شرح التقريب للحافظ العراقي.
٢١ - الكواكب الدَّراريّ شرح صحيح البخاري للكرماني.
٢٢ - المستدرك على الصحيحين للحاكم.
٢٣ - المسند للإمام أحمد ابن حنبل.
٢٤ - المصنَّف لابن أبي شيبة.
٢٥ - المعجم الكبير للطبراني.
الفرع الثاني: الكتب المؤلَّفة في الفقه ما يلي:
١ - الأمّ للإمام الشافعي.
٢ - روضة الطالبين للإمام النووي.
٣ - مسائل الإمام أحمد رواية ابنه أبي الفضل للإمام أحمد ابن حنبل.
الفرع الثالث: الكتب المؤلَّفة في العقيدة ما يلي:
الإرشاد الى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد للجويني
الفرع الرابع: الكتب المؤلَّفة في اللغة والغريب ما يلي:
١ - المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني.
٢ - الفائق في غريب الحديث للزمخشري.
٣ - المُغرب في ترتيب المعرب للناصر بن عبد السيد المطرزي.
٤ - الإيضاح لأبي علي الفارسي.
الفرع الخامس: الكتب المؤلفَّة في التراجم ما يلي:
طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي.
стр. 78
الفرع السادس: كتب عامَّة:
١ - منهاج العابدين إلى جنَّة ربِّ العالمين للغزالي.
٢ - مفتاح دار السعادة لابن القيم.
٣ - شرح المواقف للإيجي.
المطلب الثاني: مصادر اكتفى المُناويّ بتسمية مؤلفيها, ولم أهتدِ إلى الكتاب المراد:
١ - سعيد بن المبارك ابن الدّهَّان.
٢ - كمال الدين ابن الزملكاني.
٣ - محي الدين ابن عربي.
٤ - ابن عطاء الله السكندري.
٥ - أبو الحسن الحرَّاليّ.
٦ - أبو الحسن الشاذلي.
٧ - أبو حامد الغزالي.
٨ - أكمل الدين البابرتي.
٩ - بدر الدين الزركشي.
١٠ - حميد الدين حامد القيصري.
١١ - فضل الله بن حسن التوربشتي.
стр. 79
المبحث الثامن: وصف النسخ الخطِّيَّة للكتاب:
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: وصف النسخة الأصل (ز) .
وهي نسخةٌ كاملةٌ عليها وقفية محمد الصديقي، من الأزهر في مصر، برقم (٧٧٧)، ثم انتقلت ملكيتها للشيخ عثمان بن عبد العزيز بن منصور الناصري التميمي صاحب (فتح الحميد شرح كتاب التوحيد)، وبعد وفاة الشيخ عثمان بيعت جميع مخطوطاته، وذهب بعضها لأئمة الدعوة من آل سعود وغيرهم الذين أوقفوا جزءًا منها، وهذه النسخة يظهر أنها كانت من محتويات مكتبة الشيخ صالح بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن حسين بن محمد بن عبد الوهاب، قاضي الرياض (ت ١٣٧٢ هـ).
وعدد ألواحها =١٥٢ لوحة، في كل لوحة وجهان، فيكون عددُ أوجهها =٣٠٤ وجهًا، عدد الأسطر في كل وجه = ٢٣ سطرًا تقريبًا.
وقد نسخها: أحمد شهاب الدين بن شحاذة بن أحمد بن يعقوب، عام (١٠٣٦ هـ) من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم.
من مميزات النسخة الأصل:
١ - هي نسخةٌ كاملة، مكتوبةٌ بخط واضح.
٢ - كونها قريبة من عصر المؤلف رحمه الله تعالى.
٣ - جودة النسخة عمومًا, وفيها بعض المواضع التي حصل فيها سقطٌ استدركته من النسخة الثانية, إلَّا أنَّ ضبطها للكلماتِ لا يوثق به, فقد وقع -على سبيل المثال- تحت الألف المقصورة نقطتا الياء -في مواضعَ كثيرةٍ- وبعض الحروف فيها مشكلٌ لا يتبيَّن إلا بمقارنة ما في النسخة الثانية.
٤ - أن عليها حواشيَ -وإن كان أغلب الحواشي الطويلة مأخوذةً عن شرح ابن حجرٍ الهيتميِّ- وهي تنقسمُ إلى أقسامٍ:
стр. 80
أ- فقسمٌ منها تفسيرُ غريبٍ, مثل: (الأعضاء كلُّها تكفِّر اللِّسان) جاء في الحاشية في تفسير (تكفِّر): تخضع.
ب- وقسمٌ منها تعليقاتٌ على ما في الشرح, وأغلبها مأخوذةٌ من ابن حجرٍ الهيتميِّ في شرحه: الفتح المبين في شرح الأربعين.
ت- وقسمٌ منها ذكرٌ لما في النسخ الأخرى, فمثلًا كلام ابن عربيٍّ: (تعذيبهم إنَّما هو على ترك المنكر لا إنكاره مع التلبُّسِ بفعله) مشكلٌ, لكن جاء في حاشية النسخة: (ظ, ق: فِعْل) وبذا يصحُّ المعنى, ويصير: (تعذيبهم إنَّما هو على فعل المنكر).
ث- وقسمٌ منها تخريجٌ للحديث, مثل ما ورد هامش حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ: (وأبو داود وابن ماجه في سننيهما, وأحمد وعبدٌ في مسنديهما وأبو يعلى وابن أبي الدنيا وغيرهم, ذكره السخاويُّ في تخريج أحاديث المتن, وبسط في بيان طرق الحديث).
المطلب الثاني: وصف النسخة الثانية (ب):
- عنوان المخطوط في صفحة الافتتاح: (هذا تعليق مختصر على الأربعين حديثًا).
- تاريخ النسخ: غير مؤرَّخةٍ.
- الناسخ: مجهول.
- خطة النسخة: هي نسخة كاملة، مكتوبة بخطٍّ واضحٍ وجميلٍ.
- عدد الأوراق: ٢١٣ لوحة، وفي كل لوحة صفحتان، فيكون عددها: ٤٢٦ صفحة.
- عدد الأسطر في كل صفحة: ٢٣ سطرًا.
- مصدر النسخة: مكتبة برلين الحكومية.
- رقمها: (١٥٠٠ - ٤٦١).
- من ميزاتها: كلام النوويِّ المشروح بخطٍّ بارزٍ وبلون مختلف.
وقد وقع فيها أربعُ حواشٍ, واحدةٌ منها في ذكر حديثٍ لا يتجاوز سطرين, وأمَّا
стр. 81
الثلاثة الأخرى ففي آخرها (شبرخيتي) , ولعلَّه العلَّامة إبراهيم بن مرعي بن عطية الشبرخيتي ﵀ (١١٠٦ هـ) (١) من أفاضل علماء المالكيَّة بمصر, وله شرح على الأربعين اسمه: (الفتوحات الوهبية بشرح الأربعين حديثا النووية) , وصفه ابن مخلوف بأنَّه: (رزق فيه القبول) (٢) فقد تكون النسخة له فتكون هذه تعليقاته عليها؛ لأنَّ الشبرخيتيَّ كانت له علاقة بالشيخ المناويِّ ﵀, وهي: كونه تفقَّه على تلميذ الشيخ المناويِّ وهو (الأُجهوريِّ) كما في ترجمته, فهذا احتمال, وقد تكون النسخة لغيره ولكن نقل هذه النقول من شرح الشيخ الشبرخيتيِّ ﵀.
стр. 82
القسم الثاني: النص محققا
стр. 83
[١ - عَنْ معاذ بن جبل ﵁، قالَ: قُلْتُ يَا رَسُوْلَ اللهِ، أخبرني بعمل يدخلنُي الجنة وَيُبَاعِدُنِيْ عَنِ النَّارِ، قَالَ لِمُعَاذٍ: «لقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيْمٍ، وَإِنَّهُ ليَسيرٌ عَلَى مَنْ يسَّره اللهُ عَلَيْهِ (١): تَعْبُدُ اللهَ لا تُشرِكُ بِهِ شيئاً، وتقيمُ الصَّلاة، وتؤتِيْ الزَّكَاةَ، وَتَصُوْمُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ» ثُمَّ قالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «ألا أدلُّكَ عَلَى أَبْوابِ الْخَيْرِ؟ الصَّومُ جُنّةٌ! والصَّدَقَةُ تُطفئُ الخطيئةَ كَمَا يطفئُ الماءُ النَّارَ! ، وَصَلاة الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ! ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ثمَّ قال: «ألا أُخبرك برأس الأمر وعَمودِه وذِروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: «رأس الأمر الإسلامُ، وعَموده الصلاةُ، وذِروة سَنامه الجهادُ»، ثم قال: «ألا أُخبرك بمِلاك ذلك كُلِّه؟ » قلت: بلى يا رسول الله أَخْبِرنِيْ! ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِلِسَانِه, ثمَّ قال: «كُفَّ عَليكَ هَذا» قلت: يا نبيَّ الله، وإنَّا لَمُؤاخَذون بما نتكلَّم به؟ فقال: «ثكلتْكَ أمُّك! ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النَّار عَلَى وُجُوهِهِمْ - أو قال: عَلَى مَنَاخِرهم - إلَّا حَصَائدُ ألسنتهم؟ ! » رواه الترمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ].
стр. 84
الحديث التاسع والعشرون
(عن معاذ) بضمِّ الميم وذالٍ معجمة «ابنِ جَبَلٍ» بالتحريك، [وهو] (١) ضِدُّ السَّهْلِ، القارئِ القانتِ الصَّادقِ الثَّابتِ المحكِمِ للعمل، التَّاركِ للجدل، المتمسِّكِ بالعروة الوثقَى، إمامِ العلماء في الورَع والتَّقوى، أبي عبد الرَّحمن الخزرجيِّ/ [١١٥/ب] , شهد له المصطفى ﷺ : «بأنَّه أعلمُ أمَّتِهِ بالحلال والحرام» (٢)، مات بالشَّام في
стр. 85
طاعون عَمْواس (١).
«قال: قلت: يا رسول الله, أخبرني بعمل يدخلُني الجنة» بِضمِّ اللَّام، والجملة في موضع جرٍّ صفةٌ لقوله «بِعَملٍ».
قال التُّورِبِشْتِيُّ (٢): (والجزم فيه وفيما بعده على جواب الأمر غيرُ مستقيمٍ روايةً ومعنًى) (٣).
لكن تُعقِّبَ بأنَّ الروايةَ غيرُ معلومةٍ، وأمَّا المعنَى: فاستقامته ما ذكره القاضيْ (٤)
стр. 86
حيث قال: (إنْ صحَّ الجزم فيه كان جزاءًا لشرْط محذوفٍ تقديره: أخبرنِي بعملٍ إنْ عملتُه يُدخِلْني الجنة، والجملةُ الشرطيَّةُ بأسرِها صفةٌ لعملٍ أو جوابًا لِلأمر، وتقريره: أنَّ إخبارَ الرَّسول لمَّا كان وسيلةً إلى عمله، وعملُهُ ذريعةً إلى دخول الجنَّة، كان الإخبارُ سببًا بوجهٍ مَّا لإدخال العملِ إيَّاه الجنَّة) (١).
فإنْ قيل: إذا جُعل (يُدْخِلْني) جواب الأمر يَبقَى (بعملٍ) غير موصوف، والنكرة غير موصوفَةٍ لا تفيدُ! ، فالجوابُ: أن التَّنكيرَ فيه للتفخيم أو النَّوع، أي: بعملٍ عظيمٍ، أو معتبرٍ في الشرع، بقرينة قوله الآتي: (سألتَنيْ عنْ عظيمٍ)؛ ولأنَّ مثلَ معاذ (٢) لا يَسْأل مَن مِثلَ المصطفى ﷺ عمَّا لا جدوى له.
قال الطيبيُّ (٣): (والحاصل أنَّ في مثل هذا مذهبين:
أحدهما: مذهبُ الخليل (٤) وهو أن يجعَلَ الأمرُ بمعنى الشَّرطِ، وجوابُ الأمر جزاءً.
والثاني: مذهب سِيبوَيه (٥) وهو أنَّ الجوابَ جزاءُ شرطٍ محذوفٍ (٦)، وعلى
стр. 87
التقديرين: التركيب من إقامة السَّبب الذي هو الإخبارُ (١) لأنَّ الإخبار إنما يكون سببًا للعمل إذا كان المخاطَب مؤمنًا, معتقدًا, موافقًا) (٢).
«ويباعدُنِي عن النَّار» وفي رواية أحمدَ: (إنِّي أريدُ أن أسألك عن كلِمَةٍ قد أَمْرضتْني، وأَسقمتْني وأحزنتْني، قال: سَلْ عمَّا شئتَ, قال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة لا أسألك غيرَه) (٣).
وفيه دليلٌ على شدَّة اعتنائه بالعمل الصَّالح، وعظيم فصاحته، فإنَّه أوجزَ وأبلغَ وأبدعَ؛ ولهذا حَمِدَ المصْطفى/ [١١٦/أ] ﷺ مسألتَه واستعْظَمها، وعلى طلبِ الإيجاز في التعلُّم والتَّعليم مع حُصُول الفائدة، وأنَّ الأعمالَ سببٌ لدخول الجنة، ويَشهَد له: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ (٤) الآية ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥).
стр. 88
ولا ينافيْهِ حديثُ: «لن يدخُلَ أحدُكم الجنَّة بِعَمله» (١)؛ لأنَّ العمل نفسَه لا يستَحِقُّ به أحَدٌ الجنَّةَ لولا أنَّه تعالى جعله سببًا (٢)، أو أنَّ نفس الدّخولِ لا يكون بالعمل، بل بالرَّحمة، وأما حصول المنازِل فيها فبالعمل.
وقال البيضاويُّ: (أراد بالحديث: بيانَ أنَّ النَّجاةَ من العذاب والفوزَ بالثواب بفضل الله ورحمته، والعملُ غير مؤثّرٍ فيهما على سبيل الإيجاب والِاقتضاء، بل غايته: أنه يُعِدُّ العاملَ لأن يتفضَّلَ عليه، ويقرِّبَ الرحمة إليه، إنَّ رحمت الله قريبٌ من المحسنين) (٣). [انتهى (٤)].
وقال الكِرمانيُّ (٥): (الباء في «بما كنتم» ليست سببيَّةً، بل للمُلابسة، أي: أورثتموها مُلابِسةً لِأعمالكم، أي: لثواب أعمالكم، أو للمُقابَلة نحوُ: أعطيته الشَّاةَ بدرهمٍ، أو المرادُ جنَّةٌ خاصَّةٌ، أي: نيلُكُم تلك الجنَّة الخاصَّةَ الرفيعةَ العاليةَ بِسبب الأعمال، وأمَّا أصل الدُّخول فبالرَّحمة (٦).
стр. 89
قال: وأمَّا قول النَّوويِّ: ظاهرُ الآيات أنّ دخول الجنَّة بسبب الأعمال، والجمع بينها وبين الحديث: أنَّ التوفيق للأعمال، والهدايةَ للإخلاص فيها وقبولها إنَّما هو بالرحمة والفضل، فصحَّ أنَّه لم يدخل بمجرَّد العمل وهو مراد الحديث، وأنَّه يدخل بسبب العمل وهو من الرَّحمة، فيردُّ بأن المقدّمة الأولى خلافُ صريح الحديث فلا يُلتفَتُ إليها) (١).
وقال ابنُ القيِّم: (العمل بمجرَّده -ولو تناهَى- لا يوجبُ دخول الجنَّةِ، ولا أنْ تكون عوضًا له؛ لأنَّـ[ـه] (٢) لو وقع (٣) على الوجه الذي يحبّه الله لا يقاوم نعمَةً، بل جميعُ العمل لا يوازِيْ نعمةً واحدةً، فيبقى جميعُ نعمه مقتضيةً لشُكرها، وهو لم يشكرها حقَّ شكرها، فلو عذَّبه [عذَّبه] (٤) وهو غير ظالمٍ، وإذا رحِمَه كانت رحمته خيرًا من عمله، قال: وهذا فصلُ الخطابِ مع الجَبْريَّة الذين أنكروا كونَ الأعمال سببًا لدخول الجنَّة من كلِّ وجهٍ، والقدريَّةِ الزاعمين أنَّ الجنَّة عوضُ العمل، وأنَّها ثمنه، وأنَّ دخولها بمحض العمل، والحديث يُبطِلُ دعوى الطَّائفتين، والحاصلُ: أنَّ العمل من حيث هو عملٌ لا يستفيد به العاملُ/ [١١٦/ب] دخولَ الجنَّة ما لم يكنْ مقبولًا، والقَبولُ إنَّما يحصل بالرَّحمة) (٥).
تتمَّةٌ: قال الغزاليُّ: اجتمع ابن واسعٍ وابن دينارٍ، فقال ابن دينارٍ: إما طاعة الله أو النار، فقال ابن واسع: إما رحمة الله أو النار، فقال: ما أحوجني إلى معلِّم مِثْلك, وقال البسطاميُّ (٦): كابدت العباد [ةَ] (٧) ثلاثينَ سنة، فرأيت قائلًا يقول: يا أبا يزيدَ: خزائنُه
стр. 90
مملوءةٌ من العبادة، إن أردتَ الوصول إليه فعليك بالذِّلَّة والِافتقار (١).
فائدةٌ (٢): جاء في بعض الآثار أنَّ بعض بني إسرائيلَ كان يتعبَّد في جَزيرةٍ ليس يعرفها أحدٌ، وأنبتَ الله له شجرةَ رُمّانٍ يأكلُ منها وعينَ ماءٍ، فبقيَ كذلك خمسمائة عامٍ، ثم سأل ربَّه أن يقبِضَه ساجدًا ففَعَل، فأخبر عنه ﵇ أنه يؤتى به يوم القيامة (٣) فيقول له: اذهبوا به إلى الجنَّة بِرحمتي، فيقول: يا ربِّ بلْ بِعمليْ، فيقول: حاسِبوه على شكر نعمةِ حاسَّة البصرِ, فيحاسَبُ فلا تفي عبادتُهُ بها, فيقول: يا ربِّ أدخلني الجنَّة برحمتك، فيقول: اذهبوا به إليها برحمتي (٤).
«قال» أي: رسول الله «لمعاذٍ: لقد سألتَنيْ عن عظيمٍ» أي: عن شيءٍ عظيمٍ
стр. 91
مُشكلٍ مُتعسِّرِ الجواب؛ لأنَّ معرفة العمل الذي يُدخِل الجنَّة مِن علم الغيب، وعلمُ الغيب لا يعلمه إلا الله، ومن علّمه الله، كذا ذكره (١) المُظْهِر (٢).
وردّه الطيبيُّ: بأنَّه ذهابٌ إلى أنَّ «عظيمٍ» صفةُ موصوفٍ محذوفٍ أي: عن سؤالٍ عظيمٍ، والأظهر: أنَّ الموصوفَ أمرٌ، ويُعنَى به العملُ؛ لأنَّ قوله: «تعبدُ الله» استئنافٌ وقع بيانًا لذلك الأمر العظيم، وعنه ينبئ كلام البيضاويِّ حيث قال: (وإنَّه ليسيرٌ): إشارةٌ إلى أنَّ أفعال العباد واقعةٌ بأسبابٍ ومُرجِّحاتٍ تفيض عليهم مِن عنده، وذلك (٣) إن كان نحوَ معصيةٍ تُسمَّى خذلانًا وطبْعًا) (٤). انتهى.
وعُلِمَ ممَّا تقرر: أنَّه ليس المرادُ استعظامَ جزائه ونتيجته فقط، بدليل قوله: «وإنَّه» أي: العملُ الذي يُدخلُ الجنة ويباعِدُ عن النَّار: «ليَسِيرٌ على من يسَّرهُ الله عليه» لتوفيقه، وتهيئة أسباب الطَّاعة له، وشرحِ صدره إلى السَّعيِ فيما يؤدِّيْه إلى السَّعادة الأبديَّةِ، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (٥) «اعمَلوا ما شِئتمْ/ [١١٧/أ] فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلِق له» (٦)، وبالجملة: فالتَّوفيقُ إذا ساعد على شيءٍ تيسَّرَ وإن كان ثِقل الجبال.
قال الطيبيُّ: (وإنما أسْنَد اليُسْرَ إلى الله، وأطْلق العُسْرَ؛ لِئلَّا ينسبَ الخِذلان صَريحًا
стр. 92
إليه, على طريقة: أنعَمتَ عليهِمْ غيرَ المغضوب عليهم (١)) (٢).
وفيه دليلٌ على مدح السَّائل وتعظيمه، وأنَّه أصاب بسؤاله كنزًا عظيمًا، وأن مدحَ العملِ لصاحبه مندوبٌ، بخلاف مدح الذَّات، والفرق: أنَّ مدحَ العمل يزيد صاحبَه فيه تغبُّطًا وحرصًا، ومدحَ الذَّات يخشى منه العُجْبُ والِالتفاتُ، ثم فسَّر ذلك العملَ العظيمَ بقوله: «تعبد الله».
قال المؤلِّف (٣): يحتمل أنَّ المراد بالعبادة معرفة الله (٤)، فيكون عطف الصلاة وغيرها لإدخالها فيما يُدخل الجنة ويبعدُ من النَّار، ويحتمل أنَّ المراد بالعبادة: الطاعةُ مطلقًا، فيدخل فيه جميعُ الوظائف، وعليه: فعطف الصلاة وغيرها عطفُ خاصٍّ على عامٍّ. انتهى (٥).
واستبعدَ الحافظُ ابنُ حجرٍ الأوَّلَ، وقال: (الأقرب أنَّ المراد: النُّطق بالشهادتين، ولما عبَّر بالعِبادة احتاجَ إلى أن يوضِّحَها بقوله: «لا تشركُ به شيئًا») (٦).
وقَال الطُّوفيُّ (٧): (الظَّاهر أنَّ المراد بالعبادة: التوحيدُ، بدليل «لا تشرك» إلخ.
стр. 93
ومنها (١) ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (٢) أي: وحْدَه (٣)، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) أي: يُوحّدونِ، فعليه: يكون قد ذكر له التوحيدَ وأعمالَ الإسلام، ويحتمل أنَّه أراد بالعبادة هنا: ما يتناول الإيمان الباطن، والإسلام الظَّاهر، فيكون ما بعده عطفُ خاصٍّ على عامٍّ) (٥). انتهى.
ونحوه قول بعضهم (٦): (قوله: «تعبد الله» يتضمَّن جميع أنواع التكاليف الشرعية، وقوله: «لا تُشرِك» يشمل كلا قسمي الشِّرك: الجليِّ والخفيِّ, وقال [أهل] (٧) التحقيق: (العبادة لها ثلاث درجاتٍ: الأولى: أن تعبد الله طمعًا في الثواب، وهربًا من العقاب، وهذا هو المسمَّى بالعبادة، وهذه الدَّرجة نازلةٌ جدًّا! (٨)؛ لأنَّ معبوده هو ذلك الثواب،
стр. 94
وقد جعل الحقَّ وسيلةً إلى الفعل ذلك المطلوب (١).
الثانية: أن تعبد الله لتتشرّف بعبادته، أو تتشرَّف بقبول تكاليفه، أو بالانتساب إليه، وهذه أعلى من الأولى، لكنَّها غير خالصة؛ لأنّ القصد بالذَّات غيرُ الله، وهذا/ [١١٧/ب] هو المسمَّى بالعبوديَّة.
الثالثة: أن تعبده لكونه إلهًا وخالقًا، ولكونه (٢) عبدًا له، والإلهيَّة: توجب الهيبةَ والعِزَّة، والعبوديَّة: توجب الخضوعَ والذِّلة، وهذا أعلى المقامات، وأشرف الدَّرجات، وهذا هو المستحِقُّ بأن يسمَّى بالعبودية، وإليه الإشارة بقول المصلِّي في أول الصلاة: (أصلِّي لله) (٣)، فلو قال: أصلِّي لثوابِ الله أو للهربِ من عقابه بطلتْ صلاته، فالعبادة لعوامِّ المؤمنين، والعبوديَّة للخواصِّ الموقنين، والعبودَية لخاصِّ الخواصِّ المقرَّبين.
وقيل: العبادة لمن له علمُ اليقين، والعبوديَّة لمن له [عين اليقين، والعبودة لمن له حقّ اليقين، ولعَمْرِيْ ما أظلَّت الخضراءُ، وأقلَّت] (٤) الغبراءُ على من يفي بهذا الأمر، ويستقيم على هذا الحكم).
«وتقيمُ الصَّلاة» تأتي بها بشروطها، أو تواظب (٥) عليها لأوقاتها.
стр. 95
«وتؤتيْ الزكاة» لمستحقّيها (١)، فحذف المفعولَ الأوَّل (٢)، وزاد في روايةٍ: «المفروضةَ» للاحتراز عن صدقة التَّطوع، فإنها زكاةٌ لغويَّةٌ، أو للاحتراز عن الزكاة المعجَّلة قبل الحَول، فإنها زكاةٌ غيرُ مفروضةٍ.
«وتصومُ رمضان» أي: تُمسِك جميع نهارك عن كُلِّ مفطِّرٍ بِنيَّةٍ ليلًا.
«وتحجُّ البيتَ» أي: تقصِدُه بأداء النُّسُك.
قال ابن حجرٍ: (وليس المراد بمخاطبته بالإفراد -فيما مرَّ، ويأتِي- اختصاصُه به، بل تعليم السّامعين الحكمَ في حقِّهم ومَن أشبههم من المكلفين) (٣).
وفيه دليلٌ على أنّ تاركَ الأفعال المذكورة لا يدخل الجنّة أي: حتَّى يطهَّر بالنار.
«ثم قال له رسول الله ﷺ أيضًا: ألا أدلُّك» عرضٌ متضَمِّنٌ للحثِّ، نحوُ: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ (٤) الآية، أي: عرضتُ عليك فهل تحبُّه؟ قصد به التشويق إلى ما سيَذكره؛ ليكون أوقع في النَّفس وأحثّ على استفراغها لاستفادته.
«على أبواب الخير» أي: طرقِه وأسبابه الموصِلة إليه، ومن ثمَّ جعلها أبوابًا له
стр. 96
لترتُّبِه عليها تشبيهًا له بأمتعةٍ في مكانٍ له أبوابٌ.
والتَّعريف في (الخير) للجنس، ذكره بعضهم (١).
وقال المُظهِرُ: (جعل هذه الأشياءَ أبوابًا للخير؛ لأن الصّومَ وإخراجَ المال في الصّدقة شديدٌ على النّفس، وكذا الصّلاةُ في جوف اللّيل، فمن اعتادها سهُل عليه كلُّ خيرٍ، ونال كلَّ خيرٍ؛ لأن المشقَّة في دخول الدَّار تكون بفتح البابِ المغلَق) (٢).
وقال الطيبيُّ: (التّعريف للعهدِ الخارجيِّ التقديريِّ، وهو ممَّا يُعْلَم من قوله: «تعبد الله / [١١٨/أ] ولا تشركُ به» إلخ. المعنيُّ به الإسلامُ والإيمانُ الذي هو سببُ دخولِ الجنّة، والمباعدةِ من النَّار ظاهرًا، والمعنيُّ بأبواب الخير: النّوافلُ، كما دلَّ عليه قوله: «وصلاة الرّجل في جوف اللَّيل» لئلّا يلزم التّكرار.
وسمِّيت النَّوافلُ أبوابًا للفرائض؛ لأنَّها مقدِّماتٌ ومكمِّلاتٌ لها، فمن فاتته السُّنَنُ حُرِم الفُروضَ، قال بعضُ الأعيانِ: من ترك الأدبَ عوقِب بحرمان النّوافل، ومن عوقبَ بحرمان النّوافل عوقب بحرمان السُّنَن، ومن عوقِب بحرمانها (٣) عوقِب بحرمان الفرائض، ومن عوقب بحرمانِ الفرائض يوشِكُ أن يعاقَبَ بحِرْمان المعرفة (٤)) (٥).
وقال بعضهم (٦): (إن كانت الإضافةُ في (أبواب الخير) بيانيّةً (٧) فالمراد بالأعمال
стр. 97
الصَّالحة التي يتوصَّل بها إلى أعمالٍ أكملَ منها كما استفيدَ من تسميتها أبوابًا، فهو من المجاز البليغ (١).
وآثرَ جمعَ القلَّة: (٢) إشارةً إلى تسهيلِ الأمر على السّامع ليزيد تشوُّقُه (٣) وإقبالُه (٤)،
стр. 98
وإن كانت بمعنى اللَّام: (١) فالمراد به الجزاءُ العظيمُ وجميع الأعمال الصالحة، ويدلُّ للثّاني روايةُ ابن ماجه: «ألا أدلّك على أبواب الجنّة» (٢) وللأوّل تخصيص بعض الأعمال بالذّكر بقوله: «الصَّوم» أي: الإكثار منه؛ لأنَّ فرضه تقدّم).
«جُنّةٌ» بضمّ الجيم (٣)، وقايةٌ من سَوْرة (٤) الشهوة في العاجل، ومن النَّار في الآجل، وأصلها التُّرس (٥)، شَبَّهَ به الصوم؛ لأنَّه يحمي الصائمَ عن الآفاتِ النفسانية في الدنيا، وعن العقاب في الآخرة -[كما تقدَّم] (٦) - فإنَّه يقمع الهوى، وبرد (٧) الشهوات التي هي أسلحة الشيطان، فإن الشِّبعَ مجلبةٌ للآثام، منقصة للإيمان، ولهذا قال المصطفى ﷺ : «ما ملأَ ابن آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِهِ» (٨).
стр. 99
فإذا ملأ بطنَه تشوَّشتْ فكرته لما يستوليْ على معادن إدراكه من الأبِخرة الكثيرة المتصاعدة من مَعِدَتِه إلى دماغِه، فلا يمكنه نظرٌ صحيحٌ، ولا يتَّفق له رأيٌ صالحٌ، وقد يقع في مداحضَ فيزوغُ عن الحقِّ، ويغلب عليه الكسَل فيمنعه مِن وظائف العبادات، وتكثر موادُّ الفضول فيه فيكثُر غضبه وشهوته، ويزيد حرُصه فيوقعه في طلب ما زاد على كفايته فيقع في المحارم، فالصَّوم يدفع ذلك كلَّه، فلهذا كان جُنّةً / [١١٨/ب] يسْتجنُّ بها العبدُ من النار). ذكره البيضاويُّ (١).
وقال الطيبيُّ: إنما جَعَل الصومَ جُنّةً عن النّار؛ لأنّ في الجوع سَدُّ مجاري الشيطان،
стр. 100
كما في الحديث: «إنّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدَّم، ألا فضيِّقوا مجاريه بالجوع» (١)، فإذا سُدّ مجاريه لم يدخل فيه، فلم يكن سببٌ للعصيان، الذي هو سبب دخول النِّيران.
«والصدقة» أي: نفلها؛ لأنّ فرضها ذُكِر قبلُ، «تُطفِئُ» [أي: ] (٢) تمحو، «الخطيئةَ» أي: الصغيرة المتعلِّقة بحق الله، أما الكبيرةُ فلا يمحوها إلا التوبة، وأما حقُّ الآدميّ فلا يمحوه إلا رضى صاحبه، «كما يطفئُ المَاءُ النَّارَ» إنَّ الحسنات يذهبن السيئات.
قال الطّوفيُّ: (وإنّما استعار لفظ الإطفاء لمقابلةٍ (٣)؛ لأنّ الخطيئةَ يترتب عليها العقابُ الذي هو أثر الغضب، والغضبُ يستعمل فيه الإطفاء، يقال: طفئَ غضبُ فلان، وانطفأ غضبه؛ لأنه في الشَّاهد (٤): ثوَران (٥) دم القلب عن غلبة الحرارة.
стр. 101
قال: وخَصَّ الصدقةَ بذلك لتعدّيْ نفعِها، وهي: إحسانٌ إلى الخَلق, وهم عيال الله (١)، والإحسانُ إلى العيالِ يُطْفِئُ عادَةً غضبَ صاحبها، وسبب إطفاء الماءِ النَّارَ: أنَّ بينهما غايةَ التضادِّ؛ إذِ النَّارُ حارّةٌ يابسةٌ، والماء باردٌ رطْبٌ، فقد ضادَّها بكيفيَّتيه جميعًا، والضِّدُّ يدفع الضدَّ ويعدِمه) (٢).
وقال الطيبيُّ: قوله: «الصَّدقة تُطفِئُ الخطيئة»: أصله تُذهِب الخطيئة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٣) ثمَّ في الدّرجة الثانية تمحو الخطيئةَ؛ لخبر: «أتبِعِ السيئةَ الحسنة تمحُها» (٤)، أي: السّيئة المثبتة في صحيفة الكرام الكاتبين، وإنما قدَّرت
стр. 102
الصحيفة بقرينة (تمحو)، ثم في الدرجة الثالثة تطفئ الخطيئة لمقام الحكاية عن المباعدة عن النّار، فلمَّا وضع الخطيئة موضع النَّار على الاستعارة (١) المكنيَّة (٢) أَثبَتَ لها على الاستعارة التخييليّةِ ما يلازم النّار من الإطفاء ليكون قرينةً مانعةً لها من إرادة الحقيقة [من الخطيئة] (٣).
وأمَّا ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (٤) فمن إطلاق اسم المسبَّب على السّبب (٥)، وأمَّا معنى إذهابِ السَّيئةِ بالحسنة: إذا كانت بين العبد وربِّه فظاهرٌ، وأمَّا إذا
стр. 103
كانت بينه وبين عبد فإنَّه إذا عمل حسنةً تُدفع تلك الحسنة يوم القيامة إلى خصمه عوضًا عن مظلمته.
/ [١١٩/أ] فإن قلت: هل يلزم على هذا التقدير أن تكون (١) الصدقة أقوى حالًا في المباعدة من النار؛ لأن الجُنّة -وهي الترس- دون إطفاء النار، قلت: العكس أولى؛ لأن الجُنّة مانعة من صدور الخطيئة التي هي سبب النار، والصدقة لا تمنع، وإنما تطفئ الخطيئةَ الحاصلةَ) (٢).
«وصلاة الرَّجُل» خَصَّه لا لإخراج الأنثى، بل لأنَّ الرجال هم المخاطَبون، والخير فيهم أغلب، «من جَوْفِ اللَّيْل» أي: في أثنائه، فـ (من) بمعنى (في)، وحروف الصّفات (٣) تتناوَبُ (٤)، أو لابتداء الغاية فيكون مبتدأ الصلاة جوفه، أو تبعيضية أي: وصلاته في بعض جوف الليل كذلك، [أي: تطفئ] (٥) الخطيئة كالصدقة، بدليل رواية أحمد: «والصدقة (٦) وقيام العبد في جوف الليل يُكفِّرُ» (٧) أي: الخطيئة, وهذا ما
стр. 104
استظهره البيضاويّ حيث قال (١): «صلاةُ الرجل» مبتدأ خبره محذوفٌ، أي: صلاته في جوف الليل كذلك، أي: تطفئ الخطيئة, أو هي مِن أبواب الخير، قال: والأول أظهر؛ لاستشهاده ﵇ بالآية الآتية، وهي متضمّنةٌ للصلاة والإنفاق.
قال الطيبيُّ: (ويعضده تقييدُ القرينتين السابقتين-أعني الصدقةَ والصومَ- بفائدتين زائدتين: وهي الجُنّة وإطفاءُ الخطيئة؛ لأنّ الظاهرَ أن يقال: أبوابُ الخير: الصوم والصدقة لا غيرُ (٢)، وصلاة الرجل في جوف الليل، فلمَّا قيدتا بهما يجب أن يقيَّد هذا بما يناسب, كما قدّره القاضي (٣)، قال (٤): والأظهر أن يقدّرَ الخير (٥): (شعارُ الصَّالحين)، كما في جامع الأصول (٦)(٧).
стр. 105
ويفيد فائدةً مطلوبةً زائدةً على القرينتين, وهي: أنهما كما أفادتا المباعدة عن النار، فتفيدُ هذه الإدخالَ في الجنَّة، ويتمُّ استشهاد الآية؛ (١) لأنّ قرة العين كنايةٌ عن السرور والفوز التامِّ, وهو مباعدة النار ودخول الجنة, كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ (٢) الآية. انتهى (٣).
واعلم أنَّ التّنفلَ باللَّيل أفضلُ منه بالنَّهار، لتوفّر الخشوع فيه أكثر (٤)، ثمّ هي فيه بعد النوم أفضل، ويحصل فضل قيامه بركعتين.
«ثم تلا» أي: قرأ المصطفى ﷺ احتجاجًا على فضل صلاة الليل، ومدحًا لفاعل ذلك: «قوله تعالى ﴿تَتَجَافَى﴾ أي: تتنحَّى وترتفع, ﴿جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ... جمعُ مَضجَع بفتح الِجيمِ (٥)، أي: محلَّ الاِضطجاع للنَّوم / [١١٩/ب] «حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ (٦)؛ لأنَّه ثناءٌ عليهم بهجرِ النوم، وارتكابِ مشقَّة السَّهر, والإنفاقِ مما رزقهم الله الدّالّ عليه: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا
стр. 106
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١) المترتّب عليه ما دلَّ عليه: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢).
والجُمهورُ أنّ ما في الآية كنايةٌ عن كثرة النفلِ بالليل, فإنهم أخفوا أعمالهم، فجُوزُوا بما أخفيَ لهم من قُرَّة الأعْيُن (٣)، وإنما يتمُّ إخفاؤه بالصلاة (٤) في جوف الليل، فما قيل من أنَّه كناية عن صلاةٍ بين العشاءين يردُّه ظاهرُ هذا الحديث (٥).
«ألا أُخبركَ» حثٌّ وتحريضٌ على الإصغاء لما يلقيه إليه.
«برأسِ الأمْرِ» أي: الدِّين أو العبادة أو الأمر الذي سأل عنه.
«وعَمودِهِ» الذي (٦): يقوم به, ويعتمد عليه كعمود القُسطاط (٧).
«وذِروة» بتثليث الذَّال المعجمة، ومن اقتصر كالطوفِّي (٨) والطيبيِّ (٩) على الفتح
стр. 107
والضمّ فغير مصيبٍ، فإن أريد الأفصح فالكسر فقط (١).
«سَنَامِه»: بفتح السِّين المهملة، أي: أعلاه، شوّقه به لمعرفة ذلك ليُقبِلَ عليه بشراشِرِه (٢) ويصغي إليه بكلِّيته.
«قلت: بلى يا رسول الله أَخْبِرنِي، قال: رأسُ الأمرِ الإِسْلامُ» أي: النطق بالشهادتين, كما جاء مفسّرًا بهما في رواية أحمد (٣)، فهو من جميع الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه، وعدم بقائه بدونه، فلا أثر لجميع أمور الدين بدونه، كحياة الحيوان بدون رأسه، فما لم يقرّ المكلَّف بكلمتي الشهادة فلا شيء له من الدِّين أصلًا، وإذا أقرّ بهما حصل له أصل الدّين لكن ليس له قوّةٌ وكمالٌ، كالبيت الذي لا عَمود له،
стр. 108
فإذا صلَّى وداوم عليَّ (١) قويَ دِينه، لكن لم يكن له رفعةٌ وكمالٌ، فإذا جاهد حصل لدينه الرِّفعة والكمال، فلذلك قال: «وعَمُوده» أي: قوامه الذي يقوم به ويظهر عليه, «الصَّلاةُ» فإنها المقيمة لمنار الإسلام، كما أن العمود هو الذي يقيم البيت، فهي العملُ الدائمُ الفارقُ بين المؤمن والكافر، المشتملةُ على ما لم يشتمل عليه غيرها من القربات، كيف وهي طُهرةٌ للقلوب، واستفتاح لأبواب الغيوب (٢)؟ ! .
«وذروة سنامه الجهادُ»؛ لأنه [مقرون بالهداية] (٣) بدليل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٤) فهو أعلى أنواع العبادة من حيث صعوبُتُه / [١٢٠/أ] على النفوس أكثر من جميع الأعمال، وإنَّ به أُعليَ (٥) كلمة الله ونصرةُ أوليائه وقهرُ أعدائه وحماية بيضة الإسلام، وليس ذلك لغيره من العبادات، فهو من هذه الجهة أفضل، وإنْ فَضَله غيره من الفروض من جهاتٍ أُخَر.
والعبادة قد تكون فاضلةً ومفضولةً باعتبارين، كما يصير فرض الكفايةِ في بعض الأحوال فرضَ عينٍ، ألا ترى إلى قول ابن الزملكاني (٦) كغيره (٧): (قد يعرِض للمفضول ما يكسبه على غيره فضلًا, وليفصَّل ذلك لِيتّخذ أصلًا: فإن العبادة تفضل تارةً بحسَب
стр. 109
زمانها، وأخرى بحسَب مكانها، وطورًا بحسَب حال المتَّصف بها، وآونةً بمقتضى سببها، ومرة تترجح بعموم الانتفاع، وأخرى بوقوعها في بعض الأزمنة الفاضلة أو البقاع (١)) (٢).
قال المظهِرُ: (وإنما خصَّ الشّهادة والصّلاة ولم يذكر الزكاة والصوم والحج؛ لأنَّه ذكر الأركان الخمسة في أوّل الحديث، وأعاد هنا ذكر ما هو الأقوى منها تعظيمًا لشأنهما؛ لأنهما يتكرَّران في كلّ يومٍ وليلةٍ، بخلاف الزكاة والصوم ففي كلِّ سنة، والحجّ لا يتكرَّر، وزاد الجهادَ وبيَّن أن به رفعةَ الدين؛ تحريضًا للناس عليه لكراهة النّفوس له) (٣).
قال الطيبيُّ: (وإنما خصَّ هذه القرينة بالباء، والأولى بـ (على)، لأنَّ (٤) هذه القرينة أجمعُ وأشملُ؛ لأنَّ المعنَى بأمرِ الدِّين (٥)، وهو مشتملٌ على أبواب الخير، وعلى ما سبقه من نحو: «تعبد الله» إلخ.
ولهذا أكَّد بالباء في القرينة الثالثة الآتية، وأكدها بـ (كلِّه)؛ لكونها أجمع منها، وهذا الترقي ينبِّهُك على جواز الزيادة في الجواب، كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٦) وهو (٧) من الأسلوب الحكيم (٨).
والسؤالُ ضربانِ: جَدَلِيٌّ وتعليميٌّ، وحق الأول: مطابقة الجواب من غير زيادة ولا
стр. 110
نقص، وحق الثاني: أن يتحرى المجيبُ الأصوبَ, كالطبيب الرفيق يتوخى ما فيه شفاء العليل طلبَه أم لا) (١).
وما ذكر من أنَّ سياق الحديث هكذا هو ما في بعض النسخ، وفي بعضها: «ألا أخبرك برأس الأمر وعَموده وذِروة سنامه: الجهاد» وهذه روايةٌ لابن ماجه (٢).
وأما رواية الترمذي: [فذكر فيها الصلاة، كما في النسخة التي شرحتُ عليها، ولعلَّ المؤلف أثبت أوّلًا رواية ابن ماجه ثمّ ألحق ما في رواية الترمذيِّ] (٣) فلم يطَّلع على الإلحاق (٤) من كَتب من النُّسخة الأولى فاختلفت النُّسخ (٥).
ثم قال له المصطفى ﷺ : «ألَا أُخْبِرك بِمِلاكِ» بكسر الميم كما درجوا عليه / [١٢٠/ب] «ذلك كلِّه» أي: بما يملكه ويضبطه, أو بمقصوده وجِماعِه، أو بما يقوم به؛ بمعنى: أنَّه إذا وجد كانت تلك الأعمال كلها على غايةٍ من الكمال، ونهايةٍ من صفاء الأحوال؛ لأنَّ الجهادَ وغيره من أعمال الطاعات غنيمةٌ، وكفُّ اللسان عن المحارم سلامةٌ، والسلامة في نظر العقلاء مقدَّمةٌ على الغنيمة! .
قال التُّورِبِشْتِيُّ: (مِلاك الأمر قوامه وما يتمُّ به، ولهذا يقال: القلب مِلاك