المبحث السادس: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه
لم يقتصر اهتمام المُنَاويّ وعنايته بعلمٍ واحدٍ من العلوم الإسلامية، بل هو عالمٌ مشارك في فنون عديدة، وعلوم مختلفة، وبالنَّظر في مؤلفاته التي ألفها في مختلف العلوم تجد هذا واضحاً -كما سيأتي إن شاء الله في المبحث الثَّامن-.
وولي تدريس المدرسة الصَّالحية, فحسده أهلُ عصره، وكانوا لا يعرفون مزيَّة عمله لانزوائه عنهم، ولما حضر الدرس فيها وَرَدَ عليه من كلِّ مذهبٍ فضلاؤه منتقدين عليه، وشرع في إقراء مختصر المزني، ونصب الجدل في المذاهب، وأتي في تقريره بما لم يسمع من غيره، فأذعنوا لفضله وصار أجلَّاء العلماء يبادرون لحضوره (١).
ثناء العلماء عليه:
حظي المُنَاويّ ﵀ بثناءٍ عاطرٍ من ابنه في ترجمته المطوَّلة, (إلَّا أنِّي أحاول الابتعاد عن الأوصاف التي أضفاها ابنه عليه في ترجمته, خشية أن تكون طغتْ عاطفة الأبوَّة فتحكَّمت فيه, فأكتفي بما وصفه به أقرانه ومن جاء بعده) (٢) فمن تلك الأقوال:
١ - ما قال فيه المحبِّيّ: (الإمام الكبير، الحجة الثبت، القدوة، صاحب التصانيف السائرة، وأجلُّ أهلِ عصره من غير ارتياب، وكان إماماً فاضلاً زاهداً، عابداً، قانتاً لله، خاشعاً له، كثير النفع، وكان متقرّباً بأحسن العمل، مثابرًا على التسبيح والأذكار، صابراً صادقاً، وكان يقتصر يومه وليلته على أكلة واحدة من الطّعام، وقد جمع من العلوم والمعارف على اختلاف أنواعها وتباين أقسامها، ما لم يجتمع في أحد ممن عاصره) (٣).
وقال فيه أيضًا: (وبالجملة فهو أعظم علماء هذا التاريخ آثاراً، ومؤلفاته غالبها متداولة، كثيرة النفع، وللنّاسِ عليها تهافت زائد يتغالون في أثمانها) (٤).
٢ - وقال فيه أبو العباس المقَّريُّ في فتح المتعال: (العلَّامة, محدّثُ العصر، علَّامة
стр. 37
مصر) (١).
٣ - وقال فيه عبد الحيِّ الكتانيُّ: (ولا شك أنه كان أعلم معاصريه بالحديث، وأكثرهم فيه تصنيفاً، وإجادةً وتحريراً) (٢).
٦ - ووصفه عيسى بن محمد الثعالبيُّ الهاشميُّ بـ: (خاتمة الحفاظ) (٣).
٧ - وقال الزركليُّ: (من كبار العلماء بالدين والفنون) (٤).
٨ - وقال كحَّالة: (عالمٌ مشاركٌ في أنواعٍ من العلوم) (٥).
* * *
стр. 38
المبحث السابع , وتحته مطلبان:
المطلب الأوَّل: عقيدته
إنّ أهمّ ما يميِّز المسلمين عن غيرهم من أهل الأديان، هو: أنّ عقيدتهم موافقةٌ لما فطر الله عليها قلوبهم من معرفتهم باستحقاق العبودية لله سبحانه، وقَبول الحقّ الذي جاء به نبيهم ﷺ ، لذا فإنّ صفاء العقيدة وصحّتها هو الرّكيزة الرئيسة التي ينبغي العناية بها وتصحيحها.
وإنّ العصر الذي عاش فيه الحافظُ المُنَاويّ ﵀ قد غلب عليه الجمود والتّقليد، وغلب عليه المذهب الأشعري، وانتشار الطرائق الصّوفيّة، وقلَّ عالم إلا وقد تأثّر بشيء من ذلك، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله، والحمد لله على السلامة.
والمُنَاويّ ﵀ مع أنّه يقرّر أهمية العلم ودوره، ووجوب الحرص على التّمسّك بالكتاب والسّنّة، وتعظيم السّنّة، والبعد عن البدعة وأهلها، والرّدّ عليهم، إلّا أنّه أشعريُّ المعتقد, صوفيُّ الطريقة.
أوَّلًا: بيان أنَّه ﵀ على مذهب الأشاعرة في العقيدة , ويدلُّ على هذا أمورٌ:
أوَّلًا: تظهر أشعريَّته في شرحه لبعض الأحاديث, من ذلك:
١ - تقريره لمسألة الكلام النفسيِّ على طريقة الأشاعرة, فقال: (إذ الكلام من صفاته النفسيَّة القديمة الذاتيَّة التي لا ينفكُّ عنها) (١).
٢ - ذهب إلى تأويل صفة المحبَّة, وأنَّها في حقِّ الله -تعالى- محالٌ, قال: (معنى محبَّة الله للعبد: رضاه عنه, وإحسانه إليه؛ لأنَّ المحبَّة ميلٌ طبيعيٌّ, وهو في حقِّه محالٌ) (٢).
٣ - وأوَّل أيضًا صفة الإرادة, قال: (لا تتعلَّق به محبَّة على الحقيقة؛ لأنَّها إرادة,
стр. 39
والإرادة لا تتعلَّق بمتجدِّد, وهو -تعالى- لا أوَّل له) (١).
٤ - إخراجُ الأعمال الصَّالحة عن مسمَّى الإيمان, وجعلِها آثارًا وثمراتٍ للإيمان, قال في تفسير حديث أبي سعيدٍ: (وذلك أضعف الإيمان) أي: أقلُّ خصاله الإسلام, وأقلُّ آثار الإيمان وثمراته؛ لما مرَّ في حديث جبريل: أنَّ الإيمان هو التصديق) (٢).
٥ - بعض نقوله الموافقة لمذهب الأشاعرة؛ فقد نقل عن الكرمانيِّ: أنَّ الباء في قوله تعالى: ﴿بما كنتم تعملون﴾ ليستْ سببيَّةً) وهذا مبنيٌّ على مذهب الأشاعرة القائل بعدم تأثّر المسبّبات في الأسباب (٣) وكنقله عن الغزاليِّ أنَّ: (محبَّة الله للعبد مجازيَّة ترجع إلى كشف الحجاب حتى يراه بقلبه) (٤).
ثانيًا: بيان أنّه ﵀ على مذهب أهل الطرق الصّوفية ، ويدلّ عليه ما يلي:
١ - الحافظ المناويُّ ﵀ اغترَّ بالطرق الصوفيَّة, فتتلمذ على أصحابها, وأخذ طرقهم وألَّف فيها مؤلفات, ونتيجةً لذلك اشتغل شارحًا بعض كتب ابن سينا وابن عربيٍّ.
وقد قال ابنه في ترجمته: (وأخذ التصوَّف عن جمعٍ، ولقَّنه الذكر قطب زمانه: الشيخ عبدالوهاب الشعراوي، ثم أخذ طريق الخلوتيَّةِ عن الشيخ محمد المناخلي أخي الشيخ عبدالله وأخلاه مرارًا، ثم عن الشيخِ محرَّم الروميِّ حين قدم مصر بقصد الحج, وطريق البيرميَّة عن الشيخ حسين الرومي المنتشوي، وطريق الشَّاذليَّة عن الشيخ منصور الغيطيِّ، وطريق النقشبنديَّة عن السَّيد الحسيب النسيب مسعود الطاشكندي) (٥).
стр. 40
ثانيًا: مؤلّفاته في التصوُّف، فقد ألَّف في مناقبهم: (الكواكب الدرِّيَّة في مناقب السادة الصوفيَّة) وألَّف كتبًا أخرى منها: "إرسال أهل التعريف في شرح رسالة ابن سينا في التصوف". وغير ذلك.
ثالثًا: أنَّه نقل في شرحه عن بعض أهل التصوّف، أمثال: أبي الحسن الشاذليِّ، وابن عطاء الله السكندري، وابن عربيّ -ويصفه بالعارف! - (١) , ونقل عمن قال هم من أهل التحقيق أنَّهم قسَّموا العبادة إلى ثلاث مراتب: مرتبة العبادة، قال: (وهي نازلةٌ جدًّا)! والعبوديَّة، والعبودة (٢).
* * *
стр. 41
المطلب الثاني: مذهبه الفقهيُّ:
وأمّا مذهبه الفقهيّ فقد كان على مذهب السادة الشَّافعيَّة، فقد تقلَّد النيابة الشافعيَّة في مجالس عصره, وأقرأ (مختصر المزني) ولقِّب بـ (شافعيِّ زمانه) , وقيل في تاريخ وفاته: (مات شافعيُّ الزمان) (١).
ويدلّ على ذلك أيضًا مؤلفاته وشروحه الكثيرة,
ثالثًا: قرَّر في أثناء شرحه مسائل على طريقة الشافعية، منها على سبيل المثال:
- الترادف بين الواجب والفرض، اكتفى بذكر قول الشَّافعية (٢).
- وفي تعريف المدَّعي والمدَّعى عليه أيضًا اكتفى بتعريفهم (٣).
- وفي النهي عن بيع البعض على البعض قال: (وأجراه أئمتنا على العموم) (٤).
* * *
стр. 42
المبحث الثامن: مؤلفاته
لقد اعتزل المُنَاويّ ﵀ الناس وأقبل على التأليف، فصنَّف في غالب العلوم، بل لم يدعْ علماً من العلوم المشهورة إلّا ألقى فيه بِدلوه، لذا قال المحبِّيّ: وأقبل على التأليف فصنَّف في غالب العلوم.
ومن أهمِّ مؤلَّفاته- التي أوصلها بعضهم (١) إلى ثمانين مُؤَلَّفاً، وجزم آخرون (٢) أنّها تزيد على مائةِ مصنّف، منها الكبير والصغير والتام والناقص- ما يلي:
فمن الكتب الحديثيَّة وعلومها:
١ - فيض القدير شرح الجامع الصغير (٣).
٢ - الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية (٤).
٣ - الجامع الأزهر من حديث النبي الأنور (٥).
٤ - تخرج الأحاديث الأربعين التي جمعها المنذري (٦).
٥ - المطالب العلية في الأدعية الزهية (٧).
٦ - اليواقيت والدرر (٨).
٧ - الفتح السماوي بتخرج أحاديث تفسير البيضاوي (٩).
стр. 43
٨ - كنز الحقائق في حديث خير الخلائق (١).
٩ - التيسير بشرح الجامع الصغير (٢).
١٠ - الأدعية المأثورة بالأحاديث المشهورة (٣).
١١ - إسعاف الطَّلاب بترتيب الشهاب (٤).
١٢ - الاهتمام بتخريج أربعين حديثاً من مرويِّ جدنا شيخ الإسلام المُنَاويّ (٥).
١٣ - تقريب البحر الغزير بشرح الجامع الصغير، وهو الشرح الأوسط، ويسمى فتح الرؤوف القدير بشرح الجامع الصغير (٦).
١٤ - شرح الأربعين النووية (٧).
١٥ - شرح صحيح مسلم (٨).
стр. 44
١٦ - كتابٌ في الأحاديث الواردة في فضل تلاوة القرآن (١).
١٧ - المجموع الفائق من حديث خاتمة رسل الخلائق (٢).
١٨ - مختصر الإرشاد في أصول الحديث للنووي (٣).
١٩ - نتيجة الفكر في شرح نخبة الفكر في أصول الحديث (٤).
٢٠ - مفتاح السعادة بشرح الزيادة (٥).
٢١ - مفتاح السعادة بمأثور أذكار العبادة (٦).
٢٢ - مسانيد الصحابة (٧).
٢٣ - وكتاب انتقاه من لسان الميزان وبيّن فيه الموضوع والمنكر والمتروك والضعيف، ورتَّبه كـ الجامع الصغير.
وألَّف أيضاً في الفقه عدَّةَ كتبٍ ، منها:
١ - إتحاف الناسك بأحكام المناسك (٨).
٢ - الإحسان ببيان أحكام الحيوان (٩).
стр. 45
٣ - تهذيب التسهيل في أحكام المساجد.
٤ - تيسير الوقوف على غوامض أحكام الوقوف (١).
٥ - شرح مختصر المزني -ولم يكمل- (٢)
٧ - النزهة الزهية في أحكام الحمام الشرعية والطبية (٣).
وصنَّف في أصول الفقه عدَّة مؤلفات ، منها:
١ - إحسان التقرير بشرح التحرير لزكريا الأنصاري (٤).
٢ - اختصار التمهيد للأسنوي -لكنه لم يكمله- (٥).
٣ - إعلام الأعلام بأصول فنَّي المنطق والكلام (٦).
وأما في السيرة النبوية، فله عدَّة مؤلفات ، منها:
١ - توضيح فتح الرؤوف الحبيب بشرح خصائص الحبيب, وهو الشرح الكبير على الخصائص الصغرى للسيوطيِّ (٧).
٢ - الرَّوض الباسمُ في شمائل المصطفى أبي القاسم، وهو شرح على الشمائل للترمذي. قال المحبِّيُّ: (اختصرَ فيه شمائلَ الترمذيِّ وزاد عليه أكثر من النصف) (٨).
٣ - شرح الشفا للقاضي عياضٍ, وهو شرح للباب الأوَّل منه (٩).
стр. 46
٤ - شرح الشمائل المحمديَّة, وله عليها شرحان: مزجيٌّ, وقوليٌّ, ولكنَّه لم يكمل (١).
٥ - العجالة السَّنيَّة على ألفية السيرة النبوية للعراقي (٢).
وألَّف في علم اللُّغة العربية وفروعها عدة مؤلفات منها:
١ - إحكام الأساس في اختصار الأساس، (٣) أي: كتاب أساس البلاغة للزمخشري، والزمخشريُّ علمٌ في رأسِهِ نارٌ، وبخاصةٍ في علمي البيان والمعاني، ولا يقدم على اختصار كتب الزمخشريِّ إلا رجلٌ له باعٌ كبيرٌ في هذا الميدان، وحاذق في هذا الفن.
٢ - شرح القاموس للفيروزآبادي، وصل فيه إلى حرف الدال أو الذال (٤).
٣ - عماد البلاغة ويسمى: كتاب الأمثال (٥).
وله مؤلَّفات في علوم أخرى متنوِّعة، منها:
١ - تفسير سورة الفاتحة وبعض سورة البقرة (٦).
٢ - بغية المحتاج إلى معرفة أصول الطِّبِّ والعلاج (٧).
٣ - غاية الأمانيْ على شرح العقائدِ النَّسفيَّة للتفتازاني, سمَّاه: (غاية الأماني) , ولم يكملْ (٨).
стр. 47
المبحث التاسع: وفاته
من سنة الله في الحياة أنّه قلَّ أن يبرز عالم بين أهل عصره، إلا وحسد، وأوذي من قبل معاصريه، وقد تعرَّضَ المُنَاويّ ﵀ لشيءٍ من ذلك؛ لذلك في كثير من مصنفاته يعرض بحساده.
فمن ذلك قوله- في مقدِّمة كتابه فيضِ القَديرِ-: (ولما منّ الله تعالى بإتمام هذا التقريب، وجاء بحمد الله آخذاً من كلّ مطلب بنصيب، نافذاً في الغرض سهمه المصيب، كامداً قلوب الحاسدين، بمفهومه ومنطوقه، راغمًا أنوف المتصلفين, لما استوى على سوقه، سميته: "فيض القدير بشرح الجامع الصغير) (١).
قال المحبِّيّ- بعد أن ذكر فضله-: "وكان مع ذلك لم يخل من طاعن وحاسد حتى دس عليه السم فتوالى عليه بسبب ذلك نقص في أطرافه وبدنه من كثرة التداوي" (٢).
فتوفي المُنَاويّ صبيحة يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر صفر، سنة إحدى وثلاثين وألف من الهجرة (١٠٣١ هـ) (٣)، وهو ابن ثمان وسبعين سنة. أسف على المُنَاويّ خلق كثيرون، ممن كان يعرف مقاماته، ووقف على أحواله، وصلّي عليه بالجامع الأزهر يوم الجمعة، وكان الجمع حافلاً، ودفن بجانب زاويته التي أنشأها، فرحمه الله رحمةً واسعةً (٤).
* * *
стр. 48
الفصل الثاني: دراسة الكتاب
وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: اسم الكتاب.
المبحث الثاني: توثيق نسبته إلى مؤلِّفه.
المبحث الثالث: سبب تأليف الكتاب، وموضوعه.
المبحث الرابع: مكانة الكتاب العلميَّة.
المبحث الخامس: منهج المؤلِّف في كتابه في الجزء المحقق.
المبحث السادس: مقارنةٌ بين (شرح الأربعين النووية) للمناويِّ الشافعي (ت ١٠٣١ هـ)، وبين (جامع العلوم والحكم) لابن رجبٍ الحنبليِّ (ت ٧٩٥ هـ)، و (المنهج المبين) لأبي حفصٍ الفاكهانيِّ المالكيِّ (ت ٧٣١ هـ)، والفتح المبين في شرح الأربعين لابن حجرٍ الهيتميِّ (ت ٩٧٤ هـ) في الجزء المحقق.
المبحث السابع: موارده في كتابه في الجزء المحقق.
المبحث الثَّامن: وصف النسخ الخطية للكتاب.
стр. 49
المبحث الأول: اسم الكتاب
اشتهر بين العلماء المترجمين:
- بـ شرح الأربعين النووية، ذكره ابنه تاج الدين محمد في كتابه: (إعلام الحاضر والبادي بمقام والدي الشّيخ عبد الرؤوف المناوي الحداديِّ) (١)، والمحبِّيُّ في: خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر (٢). والكتانيُّ: في فهرس الفهارس (٣) وقال: (وللمُناويِّ شرح على الأربعين النووية، هو أحسن شروحها). (٤).
- وجاء في الفهرس الشامل (٥) - في ذكر شروح الأربعين-: شرحها المُنَاويّ بعنوان: شرح المُنَاويّ على الأربعين النووية.
- وجاء في مقدِّمة هذا الشرح قوله: (هذا تعليقٌ مختصرٌ على الأربعين حديثاً) (٦)، ولكن ليس بصريحٍ فيه أنّه سمّاه به.
стр. 50
المبحث الثاني: توثيق نسبته إلى مؤلفه
تقدّم طرفٌ من أقوال أهل العلم في صحّة نسبة شرح إلى العلَّامة الشيخ عبد الرؤوف المناوي رحمه الله تعالى.
ومما يدلُّ صحة نسبةِ هذا الشرح إليه:
أوَّلًا: قوله- في شرح المقدّمة النّوويّة-: فيقول العبد الفقيرُ, القائمُ على أقدام التقصير, عبد الرؤوف المناوي) (١).
ثانيًا: قوله أثناء الشرح: ( ... وجدّنا شيخ الإسلام، قاضي القضاة، يحيى المُنَاويّ) (٢). وقوله: (قال جدُّنا من قِبَل الأمِّ الحافظُ زين الدّين العراقيّ ... ) (٣).
ثالثًا: قوله ﵀ بعد الفراغ من الشرح -كما في النسختين-: (فرغ من تأليفه العبد الفقير: عبدالرؤوف بن المناويِّ في غرَّة صفر سنة ستة عشر وألف).
стр. 51
المبحث الثالث: سبب تأليف الكتاب، وموضوعه
- ذكر الشارح المُنَاويّ في مقدّمة الكتاب سبب انبعاثه لشرح الكتاب، وأنّه استجابةً لسؤال بعض الإخوان له, قال: (هذا تعليقٌ مختصرٌ على الأحاديث التي جمعها شيخ مشايخ الإسلامِ, والعبد الصالح, يحيى النوويِّ, سألني فيه بعض الإخوان, واللهَ أرجو النفعَ به, آمين) (١).
وبناءً عليه أقدَمَ المُنَاويّ في التعليق في الكتاب، وهذه من أقوى الدّوافع، والدّواعي لدى أهل العلم في تصنيف الكتب وتحقيقها.
ثمّ هذا الشرَّح العظيم- شرح الأربعين النووية- من اطَّلع عليه وجد أنّ مؤلّفه الحافظ عبد الرؤوف المناوي رسختْ قدمه في العلم؛ لاهتمامه بفنونٍ شتَّى، وطول باعه في معرفة الحديث وعلومه، وقد اعتنى بهذا الشّرح عنايةً فائقةً، وجعله شرحاً واسعاً يهتمُّ بجوانب علميّة مهمّة؛ كـ الحديثية، والفقهية، واللغوية، وغيرها.
ويصحُّ أن يقال: إنَّ المؤلِّف قد أجادَ في هذا الشّرح، وأفاد من علمي الدّراية والرّواية، الذي هو موضوع هذا الشّرح، وتجده ﵀ يوضّح ما يشكل من متون ألفاظه، ويشرح ما يستغلق من معانيه، ويبيِّن وجوه أحكامه، ويدلّل على مواضع الانتزاع ويستنبط من أحاديثه، ويكشف عن معاني الفقه المنطوية ضمنها؛ وذلك ليفيد النّاس مع الرِّواية: فقه الأحاديث والدراية بها.
وأمَّا موضوع الكتاب:
فهو شرح للأحاديث الواردة في كتاب: (الأربعين النَّوويَّة) , نسبةً إلى الإمام شرف الدِّين يحيى النوويِّ -رحمه الله تعالى-, يقول الحافظ ابن رجبٍ الحنبليُّ ﵀: (ثمَّ إن الفقيه الإمامَ الزاهدَ القدوةَ أبا زكريا يحيى النوويَّ -رحمة الله عليه- أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن الصلاح، وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثًا، وسمَّى كتابه (بالأربعين)، واشتهرت هذه الأربعون الَّتي جمعها، وكثُر حفظها، ونفع الله بها ببركة نيَّة
المبحث الرابع: مكانة الكتاب العلمية:
تظهر الأهميّة العلمية للكتاب الْمحقَّق فيما يلي:
أولاً: مكانة المؤلف العلميّة:
حظي العلّامة عبد الرؤوف المناوي رحمه الله تعالى بمكانةٍ ساميةٍ بين أهل عصره، أثنى عليه العلماء وشهد له الفضلاء بالسّبق، وقد تقدّم شيء منه في القسم الأوّل في ثنائهم عليه ﵀، ومن ذلك أيضاً:
- ما ذكره المحبِّيّ، قال: (ثمّ ولي تدريس المدرسة الصالحية فحسده أهل عصره وكانوا لا يعرفون مزية علمه لانزوائه عنهم ولما حضر الدرس فيها ورد عليه من كل مذهب فضلاؤه منتقدين عليه وشرع في إقراء مختصر المزني ونصب الجدل في المذاهب، وأتى في تقريره بما لم يسمع من غيره فأذعنوا لفضله وصار أجلاء العلماء يبادرون لحضوره، وأخذ عنه منهم خلق كثير ... ) (١).
ثانياً: مكانة الكتاب العلميّة:
١ - أنّه شرح واسعٌ وكاملٌ لكتاب (الأربعين النوويَّة).
٢ - قوّة ألفاظه، وجودة أسلوبه، مع الوضوح وعدم الغموض.
٣ - ما حواه هذا الكتاب من الصناعة الحديثية، والفقهية، واللغوية، والفوائد، واللطائف، والعبر، وعناية الشارح بالتعريفات، والفروق بين المتشابهات.
٤ - تأخُّر زمن الشَّارح أتاح له الاطِّلاع على كثيرٍ من المصادر، والإفادة منها، ممّا أسهم في مكانة هذا الشرح, لذا حوى نقولًا عن مصادرَ في عداد المفقود.
ثالثاً: ثناء بعض العلماء عليه:
لقد نال هذا الشرح تزكية بعض أهل العلم، من أحسنها قول الشيخ عبد الحيِّ الكتاني رحمه الله تعالى: (وللمناويِّ شرح على الأربعين النووية، هو أحسن شروحها) (٢).
стр. 54
المبحث الخامس: منهج المؤلِّف في كتابه في الجزء المحقق
هذا الشرحُ من الشروح الواسعة للكتاب, وشرحه مزجيٌّ كأغلب شروح المؤلف ﵀ ولقد نقل الكتَّانيُّ عن المقَّريِّ أنّه نقل عن شرح المؤلِّف الكبيرِ على الجامع الصغير فقال: (الذي مزج فيه الشرح بالمشروح امتزاج الحياة بالروح)! (١).
ولم يذكرِ المؤلِّف ﵀ له مقدِّمةً يبيِّنُ فيها منهجه وطريقته, ولكن لا بدَّ من استنباط منهجه من خلال دراسة الكتاب, فقد تبيَّنت لي هذه المعالم الذي أذكرها تحت هذه المطالب: -
المطلبُ الأوَّلُ: منهجه في تخريج الحديث، والحكم عليه:
أوَّلًا: بيانه لمكان ورود الحديث في المصادر التي ذكرها النوويُّ ﵀ أحيانا, والمثال على ذلك قول النوويِّ ﵀ عن حديث معاذ التاسع والعشرين: (رواه الترمذيُّ) قال في الشرح: (رواه الترمذيُّ في جامعه (وقال: حسنٌ صحيحٌ) (٢).
ثانيًا: يذكر مقارنةً بين لفظ المصنِّف وبين اللفظ الموجود في المصادر, والمثال قوله عن حديثِ معاذ التاسع والعشرين:
(وفي سياقه زيادةٌ على المؤلِّف، ولفظه عن معاذ: «كنتُ مع النَّبي ﷺ في سفرٍ فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نَسيرُ، فقلت يا رسول الله: أخبرني بعمل يدخلني الجنة ... » فذكره) (٣).
ثالثًا: زيادته على المصادر التي ذكرها النووي ﵀ فمثلًا قال في حديثِ معاذ التاسع والعشرين:
(ورواه أيضًا أحمدُ والنسائيُّ وابنُ ماجه, كلُّهم من طريق أبي وائلٍ عن معاذٍ مطوّلًا, وأخرجه أحمد أيضًا من وجهٍ آخر عن معاذ, وزاد الطبرانيُّ في روايةٍ مختصرةٍ: «ثمّ إنك لن
стр. 55
تراك سالمًا ما سكتَّ، فإذا تكلّمت كُتِبَ عليك أو لك» , وفي حديث أبي ذرٍّ مرفوعًا: «عليك بِطُول الصَّمْت، فإنَّه مَطْردةٌ للشيطان»، رواه أحمدُ والطبرانيُّ وابنُ حِبَّان والحاكمُ وصحَّحاه) (١).
رابعًا: إجابته عن أقوال الأئمَّة التي ذكرت في الحديث علَّةً قادحةً, والمثال قوله عن الحديث الثلاثين: (وهذا (حديثٌ حسنٌ) بلْ وصحيحٌ، فقد صحَّحه ابنُ الصَّلاح، وقول أبي حاتمٍ وأبي زرعةَ: (روايةُ مكحولٍ لم يسمعْ من أبي ثعلبة) معارَضٌ بقول ابن معينٍ: سمع، والمثبِت مقدّمٌ على النافي) (٢).
خامسًا: تنبيهه على ما قد يوهمه كلام الإمام النوويِّ ﵀ في التخريج, وقد حصل هذا في شرح حديث: «لا ضرر ولا ضرار» قال النوويُّ: (وهذا حَدِيْثٌ حَسَنٌ, رواه ابن ماجهْ والدارقطنيُّ وغيرهما).
قال الشارح: (وظاهره: أنّ الكلَّ رووه من حديث أبي سعيدٍ، والأمرُ بخلافه، بل ابنُ ماجه رواه من حديث ابن عباسٍ وعُبادةَ بن الصامت، والدارقطنيُّ والحاكمُ رَوَيَاهُ من حديث أبي سعيدٍ، ورواه أحمدُ أيضًا عن ابن عباسٍ وعُبادةَ) (٣).
سادسًا: ذكره لبعض القواعد الحديثيَّة أثناء تخريجه للأحاديث, فمثلًا: قال:
(وأشار -يعني النوويُّ- بقوله: (بأَسَانيدَ حَسَنةٍ) إلى أنَّه صحيحٌ لغيره؛ فإنَّ الأسانيدَ إذا كانت حسنةً ارتقى الحديث بها من درجة الحسن إلى درجة الصحة فيحكم له بها؛ ولذلك صحّحه الحاكم) (٤).
وكذلك قوله:
(والحديث الليِّنُ يقوى بالشواهد المفصّلةِ حتى يبلغَ درجة ما يجِبُ العمل به؛ كالمجهول من الناس إذا زكِّيَ صارَ عدلًا تقبل شهادته وروايته، ثم الشاهد قد يكون كتابًا
стр. 56
كأنْ يوافقَ الحديثَ ظاهرُ آيةٍ، أو عمومٌ فيقوى بها، وقد يكون سُنّةً إمَّا من ذلك الحديث أو غيره) (١).
سابعًا: يترجم لمخرِّجي الأحاديث الرواة للأحاديث في كتبهم -إن لم تتقدَّم ترجمته- فيقول مثلًا:
(ورواه) الإمامُ المشهورُ صدرُ الصُّدورِ (مالك) بن أنسٍ الحِمْيريُّ الأصبَحِيُّ شيخُ الشافعيّ، أحدُ أركانِ الإسلام، وإمامُ دار الهجرة، روى الترمذيُّ مرفوعًا: «يوشك أن تضربَ الناس آباط الإبل في طلب العلم فلا يجدونَ عالمًا أعلمَ من عالم المدينة» حمله ابن عيينةَ وغيرُهُ على مالك, قال الشافعيُّ: (مالك حجَّة الله على خلقه بعد التابعين) (٢).
المطلب الثاني: منهجه في شرح الحديث:
أوَّلًا: يسلك المؤلِّف في شرحه طريقة الدمج والمزج, بحيث يضمن شرحه الأصلَ المشروح.
ثانيًا: ترجمته للصحابيِّ راوي الحديث: بذكر اسمِه ونسبِه, وإسلامِه ومبايعتِه وغزواتِه مع النبيِّ ﷺ , وفقهِه وعلمِه ﵁, وشيءٍ من صفاته, وسنةِ وفاتِه ومكان دفنِه أحيانًا, فمثلًا قال عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁:
(عن) حليفِ الصبر ومؤثرِ الفقر (أبي سعيدٍ الخدريِّ) سعدِ بنِ مالك بن سِنان ابن عبيد الأنصاريّ الخزرجيّ (الخُدْريّ) بضمِّ الخاء المعجمة نسبةً إلى جدّه خُدرة، بمعجمة فمُهملة، ووهِم من جعلها معجمة، وقيل نسبة إلى الخُدْرة، - قومٌ من أهل اليمن- ابن عوف بن الحارث بن الخزرج، أسلمَ وبايعَ المصطفى ﷺ على أن لا تأخذه في الله لومةُ لائمٍ، وغزا اثني عشر غزوة، ولم يكن أحدٌ من الصحابةِ الأحداثِ أفقهَ منه، وكان من الرُّماة المشهورينَ المذكورينَ في الصحابة، وهو معدودٌ من أهل الصُّفَّة،
стр. 57
مات سنة أربعٍ وسبعين, ودُفن بالبقيع) (١).
ثالثًا: إبرازُ الشَّارحِ الجانبَ الفقهيَّ في الحديث، وذكر اختلاف الفقهاء، مع ذكر أدلَّتهم ومناقشتها مع الاختصار, فمثلًا قال -في شرح حديثِ: «لا ضرر ولا ضرار» -:
(وأخذ منه الشافعيّةُ: أنَّ للجار منعَ جارِه مِن وضعِ جِذعه على جداره وإن احتاج، وخالف الحنابلةُ تمسُّكًا بخبر: «لا يمنعْ أحدٌ جاره أن يضعَ خشبةً على جداره» , وأجيب بأنَّه ضعيفٌ لضعفِ جابرٍ الجُعفيِّ، وبفرض صحّته فقد قال ابن جريرٍ: (هو -وإن كان ظاهرُه الأمرَ- معناه الإباحةُ والإطلاقُ؛ بدليل هذا الخبر، وخبر: «إنّ دماءكُم وأموالكم عليكم حرام») (٢).
رابعًا: من ميزات الشرح: تحرير محلِّ النزاع, ومن ذلك قوله ﵀:
(واعلم أنَّه قام الإجماعُ على استحلاف المدَّعَى عليه في المال، واختلف في غيره:
فذهب الشافعيُّ وأحمدُ إلى وجوبها على كلِّ من ادُّعِيَ عليه في حَدٍّ، أو طلاقٍ، أو نكاحٍ، أو عِتْقٍ، أو غيرها؛ أخذًا بظاهر عموم الحديث، فإنْ نَكَلَ حلف المدَّعِيْ وثَبتتْ دعواه.
وقال الحنفيَّة: يحلف على النِّكاحِ والعِتقِ، فإنْ نَكَلَ لزمه ذلك كلُّه.
واتفق الثَّلاثةُ على: أنَّ اليمينَ يتوجَّهُ على كلِّ مَنِ ادُّعِيَ عليه حقٌّ، سواءٌ كان بينه وبين المدَّعِيْ اختلاطٌ أم لا، وشَرَطَ المالِكيَّةُ-كالفقهاءِ السَّبعةِ فقهاءِ المدينة- في كونها عليه: أن يكون بينهما اختلاطٌ؛ لئلّا تبتذلَ السفهاءُ الأكابرَ بتحليفهم) (٣).
خامسًا عناية الشَّارح بالجانب اللغويِّ والإعرابيِّ في الحديث, وإطالة النفسِ في هذا مع النقل عن كبار الأئمة في الفنِّ, ومن ذلك قول الشارح- ﵀ في إعراب: (سمعت رسول الله يقول) قال:
(قال الزركشيُّ: هذا ممَّا يتكرَّر كثيرًا، وفي المنصوبينِ بعدَ (سمعتُ) قولانِ، والجمهورُ
стр. 58
على أنَّ الأوَّل مفعولٌ به، وجملة (يقول) حاليَّةٌ، ثمَّ الأوَّل بتقدير مضافٍ أي: سمعتُ كلامه؛ لأنَّ السَّمع لا يقع على الذوات، ثم بيَّن المحذوفَ بالحال المذكور وهو (يقول) وهي حال مُبيِّنَةٌ لا يجوز حذفها.
وقول الفارسيِّ في الإيضاح: إنَّ الواقع بعد (سمعت) إن كان يُسمع: تعدَّت إلى مفعولٍ، كـ (سمعت القرآنَ والحديثَ) أو لا: فإلى مفعولين كـ (سمعت رسول الله يقول) فجملة (يقول) مفعولٌ ثانٍ، رُدَّ: بأنَّه لو كان يتعدَّى لاثنين كان إمَّا من باب (أعطيت) ولا يجوز؛ لأنَّ ثاني مفعوليه لا يكون جملةً ولا مُخْبَرًا به عن الأوَّل، و (سمعت) بخلافه، أو (ظننت) ولا يجوز؛ لصحَّة (سمعت كلام زيد) فتُعَدِّيْه إلى واحدٍ، ولا ثالث للبابين وقد بطلا، فتعيَّنَ الأوَّلُ.
قال ابن الدّهَّان: (ولا يُخْتَار: (سمعت زيدًا قائلًا) إلا أن يعلِّقه بشيء آخر؛ لأنَّ (قائلًا) موضوعٌ للذات، والذات غير موضوعةٍ للسمع) (١).
سادسًا: عنايته بالجانب الوعظيِّ الإيمانيِّ, وترسيخ مبدأ الزهد عن الدنيا بذكر مساوئها وحقارتها, فمثلًا قال عن الحديث الحادي والثلاثين:
(وقد تضمَّن الحثَّ على التقلُّلِ من الدُّنيا فالنَّظرِ إليها بعينِ الحقارة؛ وذلك لِما تطابقتْ عليه المللُ والنِّحَلُ حتى من أنكرَ المعاد، فمِلاكُ هذا الدِّين وسلوكُ سبيل الناجين: الزُّهد فيها والإعراض عنها؛ ولهذا كان محطَّ نظرِ السَّلفِ الصَّالحِ: التَّجرُّدُ المطلقُ عن علائقها) (٢).
سابعًا: تعقّباته على الشُّرَّاح, فمثلًا تعقَّب على الطوفيِّ في مسألة المصلحة فقال:
(وعُلِمَ ممّا تقررَّ: أنّه لو ورد دليلٌ خاصٌّ بضررٍ خاصٍّ خُصِّصَ به العمومُ, على القاعدة الأصوليَّة من تقديم الخاصِّ على العامِّ، ولا نظرَ حينئذٍ لرعاية المصالح، خلافًا لما أطال به الشارح الطوفيُّ هنا، وبسط الكلام عليه في نحو كرَّاسين، وزعم أنَّ المصلحة تُقدَّم على جميع الأدلَّة حتّى النصِّ والإجماعِ! ، ومع عدم الورود تُرَاعَى المصالحُ إثباتًا، والمفاسدُ
стр. 59
نفيًا؛ لأن الضرر هو المفسدة، فإذا نفاها الشرع لزم إثبات النفع الذي هو المصلحة؛ لأنَّهما نقيضان لا واسطة بينهما) (١).
وأيضًا تعقَّب على الفاكهيِّ المالكيِّ والهيتميِّ الشافعيِّ, قال:
(وقد أورد الشارح الهيتميُّ هنا فروعًا كثيرةً على مذهب الشَّافعية، والفاكهيُّ فروعًا كثيرة على مذهب المالكيَّة، وذلك غيرُ جيِّدٍ، واللَّائقُ بالكُتُب الحديثيَّة: إنَّما هو ذِكْرُ مأخَذ كلٍّ من الأئمَّة المجتهدين على وجهِ الاِختصار، وأما محلُّ بَسطه: فكُتُبُ الفروع) (٢).
ثامنًا: ذكره سبب تحديث الصحابيِّ للحديث, كحديث أبي سعيدٍ ﵁, فقال بعده:
(رواه مسلمٌ, وسببُ تحديثِ أبي سعيدٍ به: أنَّه كان أوَّلَ مَنْ بدأ بالخطبة قبل الصلاة يوم العيد مروانُ, فقام إليه رجلٌ فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرِكَ ما هنالك، فقال أبو سعيد: أمَّا هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله يقول: فذكره) (٣).
تاسعًا: إبرازه منزلة الحديث بين الأحاديث الأخرى -في ختام شرحه على الحديث-. والمثال على هذا, قال عن الحديث الثلاثين: (وهذا أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام، ومِن ثَمَّ قال المنذريُّ: (هذا الحديث عليه لامعةٌ من لوامعِ أنوار النبوة) (٤).
عاشرًا: نقول المؤلِّف ﵀ في كتابه متنوِّعةٌ وكثيرة, ولكن في الأعمِّ الأغلب, حينما ينقل عن العلماء والسابقين, لا يعزز نقله بإسنادٍ, ولا يذكر كتابًا رجع إليه في روايته لهذه النقول.
стр. 60
المبحث السادس: مقارنةٌ بين (شرح الأربعين النوويَّة) للمناويِّ الشافعيِّ (ت ١٠٣١ ه ـ). و (جامع العلوم والحكم) لابن رجبٍ الحنبليِّ (ت ٧٩٥ هـ) , و (المنهج المبين) لأبي حفصٍ الفاكهانيِّ المالكيِّ (ت ٧٣١ هـ) , و (الفتح المبين) لابن حجرٍ الهيتميِّ الشافعيِّ (ت ٩٧٤ هـ) في الجزء المحقَّق.
إنَّ ممَّا يبيّن أهمِّية هذا الشرح ومكانته مقارنته بغيره من شروح الكتاب الكبيرة, -على اختلاف مذاهبها- وسأعمد في هذا المبحث إلى مقارنته بأهمِّ وأشهر شروح الأربعين, وهي أربعة شروح:
١ - المنهج المبين لأبي حفصٍ الفاكهانيِّ المالكيِّ.
٢ - جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجبٍ الحنبليِّ.
٣ - الفتح المبين لابن حجرٍ الهيتميِّ الشافعيّ.
مع التنبيه إلى أنَّ شرحي الفاكهانيِّ وابن رجبٍ شرحان على الطريقة القوليَّة, بذكر قول النبيِّ ﷺ في الحديث ثمَّ شرحه, بخلاف شرحي ابن حجرٍ والمناويِّ الشافعيَّين فهما شرحان مزجيَّانِ.
وهذه المقارنة تكون على طريقة الشرح والعرض في تفسير الحديث بشكلٍ عامٍّ, أمَّا المضمون فإنَّ في شرح الحافظ ابن رجبٍ الحنبليِّ ﵀ ميزةً ليست لغيره من الشروح المذكورة معها, وهي: كونه على طريقة السلف الصالح, ومنهج أهل السُّنَّة في تقرير المعتقد في أبواب الإيمان والغيبيَّات والأسماء والصفات, وبقيَّة الأحكام, وكذا العناية بآثار الصحابة والتابعين, وعرض أقوالهم, وحكاية مذاهبهم, مع البعد عن النقل عن أصحاب الطرق والمذاهب الكلاميَّة, فكن هذه على ذُكرٍ منها -رعاك الله-.
وقد قسَّمتُ هذا المبحث- في المقارنة بين هذه الشروح- إلى أربعة مطالب:
المطلب الأوَّل: في الترجمة لراوي الحديث وذكر شيءٍ من مناقبه:
أوَّلًا: شرح الأربعين النووية للحافظ المناوي ﵀:
اعتنى المصنِّف ﵀ بترجمة الرواة اهتمامًا بالغًا, فيذكر اسم الراوي, وضبطه بالحروف, ومعنى الاسم -إن كان له معنىً- وصفات الراوي, وما ورد في فضله من
стр. 61
الآثار, ويذكر أحيانًا موطن وفاته, من ذلك قوله:
(عن معاذ: بضمِّ الميم وذالٍ معجمة «ابنِ جَبَلٍ» بالتحريك، وهو ضِدُّ السَّهْلِ، القارئِ القانتِ الصَّادق الثَّابتِ المحكِم للعمل، التَّاركِ للجدل، المتمسِّكِ بالعروة الوثقَى، إمامِ العلماء في الورَع والتَّقوى، أبي عبد الرَّحمنَ الخزرجيِّ, شهد له المصطفى ﷺ : «أنَّه أعلم أمَّتِهِ بالحلال والحرام»، مات بالشَّام في طاعون عَمْواس) (١).
وقوله أيضًا: (عن أبي ثعلبة): بفتح المثلَّثة (الخُشَنيِّ) بضمِّ المعجمة الأولى وفتح الثانية وكسر النون، نسبة إلى خُشَينَة, مصغّرًا بَطنٌ في قُضَاعة, (جُرثُوم) بضمِّ الجيم ثم راءٌ ومثلثّة، وقيل: جرثومة، وقيل: جرثم، وقيل غير ذلك، قال ابن رَسْلان: والأكثرُ على أنَّ اسمه: (جُرهُم) بضم الجيم والهاء, ابنِ ناشزٍ, وقيل: لاشزٍ، وقيل: لاشرٍ، وقيل: لاشق، وقيل غير ذلك, والأكثر على أنَّ اسمه: ناشمٍ بالنون ومعجمةٍ مكسورةٍ وميمٍ: صحابيٌّ مشهورٌ، خرَّج له الجماعة، حُكيَ عنه أنَّه قال: إني لأرجو أن لا يخنقني الله كما أراكم تُخنَقون عند الموت، فبينما هو يصلِّي قُبضَ وهو ساجدٌ سنة خمس وسبعين) (٢).
ومنه أيضًا قوله:
(عن حليفِ الصبر ومؤثرِ الفقر (أبي سعيد الخدريِّ سعد بن مالك بن سِنان) بن عبيد الأنصاريّ الخزرجيّ (الخُدْريّ) بضم الخاء المعجمة نسبةً إلى جدّه خُدرة، بمعجمةٍ فمُهملةٍ، ووهِم من جعلها معجمةً، وقيل نسبة إلى الخُدْرة، - قومٌ من أهل اليمن- ابن عوف بن الحارث بن الخزرج، أسلمَ وبايعَ المصطفى على أن لا يأخذه في الله لومة لائمٍ, وغزا اثنتي عشْرة غزوةً، ولم يكن أحدٌ من الصحابةِ الأحداثِ أفقهَ منه، وكان من الرُّماة المشهورينَ المذكورينَ في الصحابة، وهو معدودٌ من أهل الصُّفَّة، مات سنة أربعٍ وسبعين ودُفن بالبقيع) (٣).
ثانيًا: جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجبٍ الحنبليِّ ﵀:
стр. 62
لم يترجِمِ المصنِّفُ- ﵀ لرُواةِ هذه الأحاديثِ من الصَّحابة وغيرهم، بل يشرع في تخريج الحديث وشرَح ألفاظَه مباشرةً؛ لأنَّه قال في مقدِّمة شرحه: (واعلم أنَّه ليس غرضي إلَّا شرح الألفاظ النبويَّة التي تضمَّنتها هذه الأحاديث الكلِّية، فلذلك لا أتقيَّدُ بألفاظِ الشَّيخ ﵀ في تراجِم رواةِ هذه الأحاديثِ من الصحابة ﵃ (١).
ثالثًا: المنهج المبين لأبي حفصٍ الفاكهانيِّ ﵀:
اعتنى المصنِّفُ ﵀ بهذا الجانب, وقد قال في المقدِّمةِ: (ترجَّح عندي: أن أضعَ عليها شرحًا, يشتمل على مَسَائلَ محقَّقة, وفوائدَ منقَّحة, مع شرح غريبها, والتنكيت على جملٍ مِن إعرابها, وبيانِ أحكامها, وإيضاحِ مشكلاتِها, بعد التَّعريف برواتها لأكون شريكًا في الأجرِ -إن شاء الله- لمَن خرَّجها) (٢).
فمن ذلك قوله: (جرثوم بن ناشرٍ, وقيل ناشبٍ, وقيل ناشمٍ, ويقال جرهم بن ناشرٍ, ويقال: جرثوم بن الأشقر ... ونسَبه في خُشينٍ إلى الحاف بن قضاعة بن حمير, وهو مشهورٌ بكنيته, وكان ممن بايع تحت الشجرة, وضرب له بسهمٍ يوم خيبر, وأرسله ﷺ إلى قومه فأسلموا, نزل بالشام, ومات في أول إمرة معاوية, وقيل مات في إمرة يزيد, وقيل: توفي سنة خمسٍ وتسعين في إمْرة عبد الملك, والأول أكثر) (٣).
رابعًا: الفتح المبين لابن حجرٍ الهيتميِّ الشافعيِّ ﵀:
اهتمَّ المؤلِّفُ بتراجِمِ الرُّواة وتعريفِهم, قد ذكر هذا في مقدِّمة شرحه حيث قال: (عنَّ لي أن أكتُبَ شرحًا يعرِّف رواتَها, ويبيِّن أحكامَها, ويوضِّح غريبَها, ويعرب مشكِلها) (٤).
فمن ذلك قوله:
стр. 63
(عن أبي سعيدٍ سعد وقيل: سنانِ بن مالكِ بنِ سنانٍ الأنصاري الخزرجي الخُدريِّ -بالدال المهملة رضي الله تعالى عنه ... وكان أبو سعيد هذا من نجباء الأنصار وفضلائهم، ومن حفاظ الصحابة وعلمائهم، حفظ عن النبي ﷺ سننًا كثيرة, روي له ألف ومئة وسبعون حديثا، اتفقا منها على ستة وأربعين، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين, توفي بالمدينة سنة أربع وسبعين، وقيل: ثلاث، وقيل: أربع وتسعين) (١).
المطلب الثاني: في الجانب اللغويِّ:
أوَّلًا: شرح الأربعين النوويَّة للحافظ المناوي ﵀ -: اعتنى المصنِّف بالجانب اللغويِّ العناية الفائقة، يأتي إلى الكلمة فيبيِّن معناها لغةً، ويبيّن مراد الشارع منها، ثم يُردف ذلك بما قاله أهل العلم بالعربيَّة والنَّحو من دلالات الحروف، وارتباطاتها بالأحكام الشرعية.
ومن ذلك قوله: («من جوف الليل» أي: في أثنائه، فـ (من) بمعنى (في)، وحروف الصّفات تتناوب، أو لابتداء الغاية فيكون مبتدأ الصلاة جوفه، أو تبعيضية أي: وصلاته في بعض جوف الليل كذلك، أي: تطفي الخطيئة كالصدقة، بدليل رواية أحمد: «والصدقة وقيام العبد في جوف الليل تطفئ الخطيئة» , وهذا ما استظهره البيضاويّ حيث قال: «صلاة الرجل» مبتدأ وخبره محذوف، أي: وصلاته في جوف الليل كذلك، أي: تطفئ الخطيئة أو هي في أبواب الخير، قال: والأول أظهر لاستشهاده ﵇ بالآية الآتية، وهي متضمّنةٌ للصلاة والإنفاق) (٢).
وقال في شرح قوله: (وذروة سنامه):
(«وذِروة» بتثليث الذال المعجمة، ومن اقتصر كالطوفيِّ والطيبيِّ على الفتحِ والضمِّ فغيرُ مصيبٍ، فإن أريدَ الأفصحُ فالكسرُ فقط, «سَنَامِه»: بفتح السِّين المهملة، أي:
стр. 64
أعلاه، شوّقه به لمعرفة ذلك ليقبل عليه بشراشُرِه ويصغي إليه بكلِّيته) (١).
وقال أيضًا: («و» سفكوا «دماءهم» بمجرَّد دَعْواهم فوضَعَ (ادَّعى) موضعَ (أخذ، وسفك) وضعًا للسببِ موضع المسبَّب؛ لأن الدَّعوى سببٌ للأخْذ والسَّفك، فامتناعُ كلٍّ: لِامتناعِ الإعطاء بلا بيِّنة، كما هو شأن (لو) فإنَّها لامتناع الثاني -أعني الجزاء- لامتناع الأوَّل أعْني الشَّرط) (٢).
ثانيًا: جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجبٍ الحنبليِّ ﵀: لم يكن للمصنِّف غرضٌ في شرحه: (غيرَ شرح معاني كلمات النبيِّ ﷺ الجوامع, وما تتضمَّنه من الآداب والحكم والمعارف والأحكام والشرائع) (٣).
ولذا لم يعرِّج -في الغالب- على المسائل اللغويَّة, والاستطراد فيها كما في شرحي المناوي والفاكهيِّ.
ثالثًا: المنهج المبين لأبي حفصٍ الفاكهانيِّ ﵀:
ذكر في مقدِّمة الكتاب أنَّه سيشرح ألفاظ الأحاديث من حيث اللُّغةُ والإعرابُ, وتحرَّى في تفسيرها وتبيينها أسدَّ طرق الصواب (٤).
من ذلك قوله في شرح حديث: (كفَّ عليك هذا):
(أي: اللسان جارحة الكلام ... واللسان: لسان الميزان, وأما اللِسن بكسر اللام فاللغة, يقال: لكلِّ قومٍ لسنٌ, أي لغةٌ يتكلمون بها, فأمَّا الجارحة فتذكَّر وتؤنَّث, قال أبو عليٌّ: ولغة القرآن التذكير, ويجيء الجمع فيه على أفعِلةٍ ... قلت -الفاكهاني-: يريد أنَّ القاعدة في ذلك: أنَّ كل اسمٍ كان على أربعة أحرفٍ ثالثه حرفُ مدٍّ ولينٍ, إن كان مذكَّرًا: جمع على أفعلة, نحو: خوانٌ وأخوِنَة, وعَمود وأعْمِدة, ورغيفٌ وأرغِفَة, وإن كان مؤنَّثًا جُمِعَ على أفعُل, نحو: عَناق وأعنُق, وذِراع وأذرُع, وقد جاء في القرآن على أفعِلة,
стр. 65
فدلَّ على التذكير) (١). وقد أطال في هذا.
رابعًا: الفتح المبين لابن حجرٍ الهيتميِّ الشافعي:
اهتمَّ المصنِّف بالجانب اللغوي -وإن كان دون المناويِّ والفاكهانيِّ- واقتصر على الأشياء الظاهرة مع اختصارٍ للكلامِ عليها دون استطرادٍ, من ذلك قوله:
(وهل يكبُّ النَّاس في النَّار): "هل" استفهام إنكارٍ بمعنى النفي؛ أي: ما يَكبّ بضمِّ الكافِ من النَّوادِر؛ لتعدِّيه ثلاثيًّا كـ (كببت الشيء) وقصوره رباعيًّا, كـ (أكبّ) هو) (٢).
وقال أيضًا: (قال ﷺ : (يحبَّك) بفتح آخره؛ لأنه لما كان مجزومًا جوابًا لـ (ازهد) وأريد إدغامه سكِّنت باؤه الأولى بنقل حركتها إلى الساكن قبلها، فاجتمع ساكنان، فحرِّكَ الأول؛ لالتقائهما بالفتح تخفيفًا) (٣).
وقال أيضًا: (قال ابن حبيب: الضرر عند أهل العربية الاسم، والضرار الفعل، فمعنى الأول: لا تدخل على أخيك ضررا لم يدخله على نفسه، ومعنى الثاني: لا يضار أحد بأحد، وهذا قريب مما قبله, وقيل: المعنى: أن الضرر نفسه منتف في الشرع، وإدخاله بغير حق كذلك) (٤).
المطلب الثالث: في الصِّناعة الحديثيَّة ونقد المرويَّات:
أوَّلًا: شرح الأربعين النوويَّة للحافظ المناويِّ ﵀: لقد عُنِيَ المصنِّف بهذا الجانب, فمن ذلك قوله:
(الأسانيدُ إذا كانت حسنةً ارتقى الحديث بها من درجة الحسن إلى درجة الصِّحَّة فيحكم له بها؛ ولذلك صحّحه الحاكم) (٥).
стр. 66
وقوله: (قال الحافظ العلائيُّ: "له طرقٌ وشواهدُ يرتقيْ بمجموعِها إلى درجة الصحة", وأخرجه ابن أبي شيبة من وجهٍ آخر قويٍّ, والحديث الليِّنُ يقوى بالشواهد المفصّلةِ حتى يبلغَ درجة ما يجِبُ العمل به؛ كالمجهولِ من الناس إذا زكِّيَ صارَ عدلًا تقبل شهادته وروايته، ثم الشَّاهدُ قد يكون كتابًا كأنْ يوافقَ الحديثُ ظاهرَ آيةٍ، أو عمومٌ فيقوى بها، وقد يكون سُنّةً إمَّا من ذلك الحديث أو غيره، وفي المثل:
لا تخاصمْ بواحدٍ أهل بيتٍ ... فَضَعيفانِ يغلبانِ قَويَّا
وقال الآخر:
إن القِداحَ إذا اجتمعْنَ فَرامَها ... بالكسرِ ذُوْ حَنَقٍ وَكَسْرٍ أيْدِ:
عَزَّتْ فلم تُكْسَرْ، وإن هي بُدِّدت ... فَالوهنُ والتكسيرُ للمتبدِّد
فكذا الأسانيدُ الليّنةُ إذا اجتمعتْ حصل منها إسنادٌ قويٌّ، كما قال الشافعي في قلّتين متنجّستين ضُمَّت إحداهما إلى الأخرى: صارتا طاهرتين حيث لا تغيُّرَ) (١).
وقوله أيضًا: وهذا «حديث حسن» وصحيحٌ أيضًا كما ذكر هو وغيره في موضعٍ آخر، وقال الحافظ ابن حجر: (إسناده جيِّدٌ) (٢).
ثانيًا: جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجبٍ الحنبليِّ ﵀: اعتنى المصنِّف عنايةً بالغةً بجانب الصناعة الحديثيَّة, ونقد المرويَّات, فله القِدح المعلَّى, ولقد فاق بذلك بقيَّة الشروح, ويكفي الحافظ ابن رجبٍ أنَّه شرح علل الترمذيِّ بشرحٍ نفيسٍ بلغ فيه الغاية, ورسم فيه قواعد الأئمة, وقد ذكر شيئًا من عنايته الحديثيَّة في المقدِّمة فقال: (وأشير إشارةً لطيفةً قبل الكلام في شرح الحديث إلى إسناده؛ ليعلم بذلك صحَّته وقوّته وضعفه، وأذكر بعض ما روي في معناه من الأحاديث -إن كان في ذلك الباب شيءٌ غير الحديث الذي ذكره الشيخ- وإن لم يكن في الباب غيره، أو لم يكن يصحُّ فيه غيره، نبَّهت على ذلك كلِّه) (٣).
стр. 67
ومن ذلك قوله أيضًا: (هذا الحديث خرَّجه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من رواية معمرٍ عن عاصم بن أبي النَّجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل، وقال الترمذيُّ: حسن صحيح.
وفيما قاله ﵀ نظرٌ من وجهين: أحدهما: أنه لم يثبت سماع أبي وائل من معاذ، وإن كان قد أدركه بالسِّنِّ وكان معاذ بالشام، وأبو وائل بالكوفة، وما زال الأئمة - كأحمد وغيره - يستدلون على انتفاء السماع بمثل هذا، وقد قال أبو حاتم الرازيُّ في سماع أبي وائل من أبي الدرداء: قد أدركه، وكان بالكوفة, وأبو الدرداء بالشام، يعني: أنه لم يصحَّ له سماعٌ منه, وقد حكى أبو زرعة الدمشقيُّ عن قوم أنَّهم توقَّفوا في سماع أبي وائل من عمر أو نفوه، فسماعه من معاذ أبعدُ.
والثاني: أنه قد رواه حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النَّجود، عن شهر بن حوشب، عن معاذ، خرجه الإمام أحمد مختصرا، قال الدارقطني: وهو أشبه بالصواب؛ لأن الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عليه فيه.
قلت: رواية شهرٍ عن معاذ مرسلةٌ يقينًا، وشهرٌ مختلفٌ في توثيقه وتضعيفه، وقد خرَّجه الإمام أحمد من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وخرجه الإمام أحمد أيضًا من رواية عروة بن النزال أو النزال بن عروة، وميمون بن أبي شبيب، كلاهما عن معاذ، ولم يسمع عروة ولا ميمون من معاذ، وله طرقٌ أخرى عن معاذ كلُّها ضعيفةٌ) (١).
وقال أيضًا في حديث أبي ثعلبة الخشنيِّ: (هذا الحديث من رواية مكحول عن أبي ثعلبة الخشنيِّ، وله علتان: إحداهما: أن مكحولا لم يصحَّ له السماع من أبي ثعلبة، كذلك قال أبو مسهرٍ الدمشقيُّ وأبو نعيمٍ الحافظ وغيرهما.
والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول من قوله، لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصواب المرفوع، قال: وهو أشهر, وقد حسَّن الشيخ ﵀ هذا الحديث، وكذلك حسَّن قبله الحافظ أبو بكر بن السمعاني في أماليه) (٢).
стр. 68
وقال أيضًا: (هذا الحديث خرَّجه ابن ماجه من رواية خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، وقد ذكر الشيخ ﵀ أن إسناده حسن، وفي ذلك نظر، فإن خالد بن عمرو القرشيَّ الأمويَّ, قال فيه الإمام أحمد: منكر الحديث، وقال مرَّةً: ليس بثقة، يروي أحاديث بواطيلَ، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيءٍ، وقال مرة: كان كذَّابًا يكذب) (١) وقد أطال في تخريجه جدَّا.
ثالثًا: المنهج المبين لأبي حفصٍ الفاكهانيِّ المالكيِّ ﵀:
لم أجد له عنايةً بالصِّناعة الحديثيَّة في القسم المحقَّق. اللهم إلَّا أنَّه أشار في حديثٍ واحدٍ إلى مخالفته لتحسين الإمام النوويِّ ﵀ له, فقال في حديث ابن عبَّاس: «لو يعطى النَّاس بدعواهم ... »: (جعله هذا الحديث حسنًا فيه نظرٌ, والذي في العمدة لعبد الغني ﵀: عن ابن عباسٍ ... ولكن اليمين على المدَّعى عليه, قال: فكان ينبغي أن يذكر ما في الصحيحين, ويقول: زاد البيهقيُّ وغيره من طريقٍ حَسنٍ: «ولكن البينة على المدَّعي») (٢).
رابعًا: الفتح المبين لابن حجرٍ الهيتميِّ الشافعيِّ ﵀:
للعلَّامة ابن حجرٍ الهيتميِّ - بعض العناية بالصناعة الحديثيَّة- ونقد المرويَّات -وإن لم يكن مكثرًا - لكن له مشاركاتٌ جيِّدةٌ منها:
قوله في حديث معاذ التاسع والعشرين:
(حديثٌ حسنٌ) بل صحَّحه ابن الصلاح، وممن حسَّنه أيضًا الحافظ أبو بكر بن السَّمعانيُّ في "أماليه"، وقول الذَّهبيِّ: إنَّ راويه مكحولًا لم يدرك أبا ثعلبة تبع فيه إنكار أبي مسهرٍ لسماعه منه، ووافقه أبو زرعة وأبو حاتمٍ فقال: دخل عليه ولم يسمع منه، لكن خالفهم ابن معينٍ فقال: إنَّه سمع منه، والقاعدة الأصوليَّة: أنَّ الإثبات مقدَّمٌ على النَّفي ترجَّح ما قاله ابن معينٍ؛ فلذا اعتمده المصنِّف وغيره.
ويؤيِّده: أنَّه معاصرٌ له بالسِّنِّ والبلد، فاحتمال سماعه منه أقرب من عدمه، وكونه
стр. 69
مدلِّسًا لا ينافي حُسنَ حديثه ولا صحَّته؛ كما هو مقرَّرٌ في محلِّه.
ويحتمل أنَّ تحسين المصنِّف له؛ لكونه رُوي من طرقٍ بعضها ضعيفٌ, وبعضها منقطعٌ، فإذا انضمَّ بعضها إلى بعضٍ قوِيتْ فيكون حسنًا لغيره لا لذاته، وأنَّ تصحيح ابن الصَّلاح أخذه من قول البزَّار في روايته: إسنادها صالحٌ، والحاكمِ فيها: إنَّها صحيحة الإسناد ... ومن زعم وقفه على أبي ثعلبة فقد أبعد، ومن ثم قال الدارقطني: (الأشبه بالصواب: المرفوع، وهو الأشهر) (١).
وقال في حديث سهل بن سعد الساعديِّ:
(حديث حسن ... ) واعترض على تحسينِه روايةَ ابن ماجه بأنَّ في سندها من قال أحمدُ فيه: إنَّه منكر الحديث ليس بثقة، وابنُ معين: ليس حديثه بشيء، والبخاريُّ وأبو زرعة: منكر الحديث، وأبو حاتمٍ: متروكٌ ضعيفٌ، وابنُ عدِيٍّ وغيرُه: وضَّاع، وابنُ حبَّان في "الضعفاء": كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات، لا يحلُّ الاحتجاجُ بخبره.
ويُجاب بأنَّ ابن حبان ذكره في كتاب "الثقات" ولو سُلِّم أنَّه ضعيفٌ فهو لم ينفرد به، بل رواه آخرون غيره، فالتَّحسين إنما جاء من ذلك, وإن قيل: إنَّ هؤلاء كلَّهم ضُعفاءٌ، إذ غاية الأمر أنَّه حسنٌ لغيره لا لذاته، وكلاهما يحتجُّ به، بل بعض رواته وثَّقه كثيرون من الحفاظ, (وغيره) كالعقيليِّ، وابن عديٍّ، وابن أبي حاتم، والخطيب (بأسانيدَ حسنة) لغيرها لا لذاتها بالنَّظر لما قرَّرته) (٢).
المطلب الرابع: في الصناعة الفقهيَّة:
أوَّلًا: شرح الأربعين النوويَّة للحافظ المناويِّ الشَّافعيّ ﵀ -:
للمصنِّف عنايةٌ بالصناعة الفقهيَّة تأصيلًا وتفريعًا, لا سيَّما بالمذهب الشافعيِّ الذي تفقَّه عليه.
لكن لم يكثر من التفريعات في شرحه؛ إذ الشارح يرى أنَّ شروح الكتب الحديثيَّة
стр. 70
لا يكثر في ثناياها الفروع الفقهيَّة إلا من باب الإشارة إليها فقط, ولذا عَابَ على بعضِ الشُّرَّاح أنَّهم أكثروا من ذكر هذه الفروع الفقهيَّة, فقال: (وقد أورد الشَّارحُ الهيتميُّ هنا فروعًا كثيرةً على مذهب الشَّافعية، والفاكهيُّ فروعًا كثيرة على مذهب المالكيَّة، وذلك غيرُ جيِّدٍ، واللَّائقُ بالكُتُب الحديثيَّة: إنَّما هو ذكرُ مأخَذ كلٍّ من الأئمة المجتهدين على وجهِ الاِختصار، وأما محلُّ بَسطه: فكتبُ الفروع) (١).
ومن أمثلة عناية المصنِّف بالصناعة الفقهيَّة قوله:
(واعلم أنَّه قام الإجماعُ على استحلاف المدَّعَى عليه في المال، واختلف في غيره: فذهب الشافعيُّ وأحمدُ إلى وجوبها على كل من ادُّعِيَ عليه في حدٍّ، أو طلاقٍ، أو نكاحٍ، أو عتقٍ، أو غيرها، أخذًا بظاهر عموم الحديث، فإن نَكَلَ حلف المدَّعِي وثَبتتْ دعواه, وقال الحنفيَّة: يحلف على النِّكاحِ والعتقِ، فإن نَكَلَ لزمه ذلك كلّه.
واتفق الثلاثةُ على: أنَّ اليمينَ تتوجَّه على كلِّ من ادُّعِيَ عليه حقٌّ، سواءً كان بينه وبين المدَّعي اختلاطٌ أم لا، وشَرَطَ المالكيَّةُ -كالفقهاءِ السَّبعة فقهاءِ المدينة- في كونها عليه: أن يكون بينهما اختلاطٌ؛ لئلّا تبتذلَ السفهاءُ الأكابرَ بتحليفهم.
ولهم تصرُّفاتٌ خصَّوا بها عموم الحديث فقالوا: من ادَّعَى شيئًا من أسباب القود لم يجب به يمينٌ إلا أن يقيم شاهدًا، ومن ادَّعى نكاح امرأةٍ لم يلزمها يمينٌ، ومن ادَّعتْ على زوجها طلاقًا لم يلزمها يمينٌ، إلى غير ذلك، وحسْبُك أنَّه رأيٌ في مقابلة النَّص) (٢).
وقال أيضًا في النهي عن بيع النجش: (وهذا النهي لا يقتضي الفساد، عند الشافعيِّ فيحرم ويصحّ، وأبطله بعض العلماء) (٣).
وقال أيضًا في النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه:
(وأجراه أئمَّتنا على العموم، فصوَّروا ذلك بأن يقول لمشتري سلعةً في زمن الخيار: افسخ وأبيعك مثله بأرخص أو أجود منه بثمنه فيحرم؛ لما فيه من الإيذاء الموجب
стр. 71
للتباغض، قالوا: ومثله الشراء على الشراء بغير إذن المشتري، بأن يقول للبائع في زمن الخيار: افسخ وأشتريه منك بأغلى، ومثل ذلك ما في معناه من السَّوم على سوم غيره، والخِطبة على خِطبته إلَّا برضاه, وتصرَّفَ بعضهم في النَّهي فخصَّه بما إذا لم يكن فيه غَبنٌ فاحش، وإلَّا فله إعلامه ليفسخ ويبيعه بأرخص، والأصحُّ خلافه) (١).
ثانيًا: جامع العلوم والحكم لابن رجبٍ ﵀ -:
تقدَّم أنَّ الغرض الأساسيَّ من الشرح الذي أكَّد عليه الحافظ ابن رجبٍ في مقدِّمة كتابه أنَّه شرح للألفاظ النبويَّة فقال: (واعلم أنَّه ليس غرضي إلَّا شرح الألفاظ النبويَّة التي تضمَّنتها هذه الأحاديث الكلِّية) (٢).
ومقتضى كلامه هذا أنَّه سيتكلَّم على ما يشتمل عليه الحديث من المسائل الفقهيَّة, فكان له في ذلك اليد الطولى, فمن ذلك قوله في شرح حديث: «لا ضرر ولا ضرار»:
(ورد في القرآن النَّهي عن المضارَّة في مواضعَ: منها في الوصيَّة ... ومتى وصى لوارثٍ أو لأجنبيٍّ بزيادة على الثلث، لم ينفذ ما وصى به إلَّا بإجازة الورثة، وسواء قصد المضارَّة أو لم يقصد، وأما إن قصد المضارَّة بالوصية لأجنبيٍّ بالثلث، فإنه يأثم بقصده المضارَّة، وهل تردُّ وصيته إذا ثبت بإقراره أم لا؟ حكى ابن عطيَّة روايةً عن مالك أنها تردُّ، وقيل: إنَّه قياس مذهبِ أحمد, ومنها: الرجعة في النكاح، وذهب مالك إلى أن من راجع امرأته قبل انقضاء عدتها، ثم طلقها من غير مسيسٍ: أنَّه إن قصد بذلك مضارتها بتطويل العِدَّة لم تستأنف العِدَّة، وبنتْ على ما مضى منها، وإن لم يقصد بذلك استأنفت عدَّةً جديدة، وقيل: تبني مطلقًا، وهو قول عطاءٍ وقتادة، والشافعيِّ في القديم، وأحمدَ في روايةٍ، وقيل: تستأنف مطلقًا، وهو قول الأكثرين، منهم أبو قلابة والزهريُّ والثوريُّ وأبو حنيفة والشافعيُّ - في الجديد - وأحمدُ في روايةٍ وإسحاقُ وأبو عبيدٍ وغيرهم.
ومنها: في الإيلاء، فإن الله جعل مدَّة المُولي أربعة أشهرٍ إذا حلف الرجل على
стр. 72
امتناعه من وطء زوجته، فإنه يضرب له مدَّةَ أربعةِ أشهرٍ، فإن فاء ورجع إلى الوطء كان ذلك توبته، وإن أصرَّ على الامتناع لم يمكن من ذلك، وفيه قولان للسلف والخلف: أحدهما: أنَّها تطلق عليه بمضيِّ هذه المدة، والثاني: أنه يوقَفُ، فإن فاء، وإلَّا أُمر بالطلاق، ولو ترك الوطء لقصد إضرارٍ بغير يمينٍ مدَّة أربعة أشهرٍ: فقال كثيرٌ من أصحابنا: حكمه حكم المولي في ذلك، وقالوا: هو ظاهر كلام أحمد) (١).
ومثَّل أيضًا في الرضاع وفي البيع.
وقال أيضًا في شرح الحديث نفسه: (وقد اختلف العلماء في حكم من نذر أن يحجَّ ماشيًا، فمنهم من قال: لا يلزمه المشي، وله الركوب بكلِّ حالٍ، وهو رواية عن أحمد والأوزاعيِّ, وقال أحمد: يصوم ثلاثة أيام، وقال الأوزاعيُّ: عليه كفَّارةُ يمينٍ، والمشهور أنه يلزمه ذلك إن أطاقه، فإن عجز عنه، فقيل: يركب عند العجز، ولا شيء عليه، وهو أحد قولي الشافعيِّ, وقيل: بل عليه - مع ذلك - كفارة يمين، وهو قول الثوريِّ وأحمد في رواية.
وقيل: بل عليه دمٌ، قاله طائفة من السلف، منهم عطاء ومجاهد والحسن والليث وأحمد في رواية.
وقيل: يتصدَّق بكراء ما ركب، وروي عن الأوزاعي، وحكاه عن عطاء، وروي عن عطاء: يتصدق بقدر نفقته عند البيت.
وقالت طائفةٌ من الصحابة وغيرهم: لا يجزئه الركوب، بل يحجُّ من قابلٍ، فيمشي ما ركب، ويركب ما مشى، وزاد بعضهم: وعليه هديٌ، وهو قول مالك إذا كان ما ركبه كثيرا) (٢).
وقال أيضًا: (وقد اختلف الفقهاء من أصحابنا والشافعيَّة في تفسير المدَّعي والمدعى عليه: فمنهم من قال: المدَّعي: هو الذي يخلى وسكوته من الخصمين، والمدعى عليه: من لا يخلى وسكوته منهما.
стр. 73
ومنهم من قال: المدَّعي من يطلب أمرا خفيا على خلاف الأصل أو الظاهر، والمدعى عليه بخلافه, وبنوا على ذلك مسألةً وهي: إذا أسلم الزوجان الكافران قبل الدخول، ثم اختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معًا، فنكاحنا باق، وقالت الزوجة: بل سبق أحدنا إلى الإسلام، فالنكاح منفسخ، فإن قلنا: المدعي يخلَّى وسكوتُه، فالمرأة هي المدَّعِي، فيكون القول قول الزوج، لأنه مدعى عليه؛ إذ لا يخلَّى وسكوته، وإن قلنا: المدَّعي من يدعي أمرًا خفيًّا: فالمدَّعي هنا هو الزوج؛ إذ التقارن في الإسلام خلاف الظاهر، فالقول قول المرأة؛ لأنَّ الظاهر معها.
وأما الأمين إذا ادعى التلف، كالمودَع إذا ادَّعى تلف الوديعة، فقد قيل: إنه مدَّعٍ؛ لأنَّ الأصل يخالف ما ادَّعاه، وإنما لم يحتجْ إلى بينة؛ لأنَّ المودع ائتمنه، والائتمان يقتضي قَبولَ قوله) (١).
ثالثًا: المنهج المبين لأبي حفصٍ الفاكهانيِّ ﵀: للمصِّف عنايةٌ بهذا الباب, بل يستطرد أحيانًا إلى دقائق مهمَّة, لا سيما على مذهبه الذي نشأ عليه وهو مذهب مالك, ومن تلك العناية في شرحه قوله في شرح حديث «لا ضرر ولا ضرار»: إذا احتاج جاره إلى غرز خشبةٍ في جداره فهل يجب عليه تمكينه من ذلك, أو له منعه؟ في المسألة قولان مشهوران ... ) (٢).
رابعًا: الفتح المبين لابن حجرٍ الهيتميِّ الشافعيِّ ﵀: اعتنى بالمسائل الفقهيَّة التي رأى مناسبتها قريبةً في الشرح الحديثيِّ, فلم يأت بكلِّ ما كان يحتمله الحديث؛ لذا اعتذر مرَّةً عن الإسهاب في موضوعٍ مَّا قائلًا: (ولبعض الشُّرَّاح هنا تفصيلٌ في ذلك بكلامٍ طويلٍ مُمِلٍّ خارجٍ عن المقصود؛ فلذا أعرضت عنه وإن كان فيه أنظارٌ شتَّى ينبغي التفطُّن لها) (٣).
وقال أيضًا: (اختلفوا في قوله ﷺ في الخبر الصحيح: "لا يمنع
стр. 74
أحدكم جاره أن يضع خشبه في جداره" فأباح جماعةٌ منهم الشافعيُّ رضي الله تعالى عنه -في القديم- للجار أن يضع جذوعه على جدار جاره كرهًا عليه؛ لهذا الحديث، وقال الشافعيُّ في الجديد: ليس له ذلك، لحديث: "لا ضرر ولا ضرار"، مع حديث: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس"، وحديث: "وأموالكم عليكم حرام", فإن قلت: هذا يشكل على ما قدمته من تخصيص عموم: "لا ضرر" بما مر، فلم لم يخصَّ بخبر: "لا يمنع أحدكم جاره" لأنه خاص؟ قلت: كان القياس ذلك, لو سُلِّم مما اشتمل عليه من احتمال أنَّ الضمير في "جداره" راجع للجار؛ أي: لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبه في جدار نفسه، ومع هذا الاحتمال لا يقوى على التخصيص، فأخذنا بعموم: "لا ضرر"، و"لا يحل مال امرئٍ مسلم" وغيرهما؛ لأنها أقوى منه) (١).
وقال في صدد الحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (ويشترط لجوازه ألا يؤدِّي إلى شهرِ سلاحٍ، ومن ثَمَّ قال إمام الحرمين: (ويسوغ لآحاد الرَّعيَّة أن يصُدَّ مرتكب الكبيرة إن لم يندفع عنها بقوله ما لم ينته الأمر إلى نصبِ قتالٍ وشهرِ سلاحٍ، فإن انتهى إلى ذلك ربط بالسلطان، قال: وإذا جار والي الوقت وظهر ظلمه ولم ينزجر حين زجر عن سوء صنيعه بالقول فلأهل الحَلِّ والعقد التواطؤ على خلعه. انتهى، قال المصنف: وما ذكره من خلعه غريب، ومع هذا فهو محمول على ما إذا لم يخف منه إثارة مفسدة أعظم منه, ولوجوبه تارة وجوازه أخرى: ألا يخاف على نفس، أو نحو عضو، أو مال له أو لغيره, وإن قلَّ مفسدة فوق مفسدة المنكر الواقع) (٢).
стр. 75
المبحث السابع: موارده في كتابه في الجزء المحقَّق
سبق في ترجمة الحافظ المناويِّ ﵀ تنوُّعُ العلوم التي دَرسها وبرز فيها وألَّف، فهذا جعله يقف على كثيرٍ من المصادِرِ القيِّمة في شتى ميادين العلم، من لغةٍ وما يتصل بها، ومن فقه وأصولٍ على اختلاف المذاهب وتنوُّعها، ومن كتب للحديث وشروحها، والتاريخ ... إلى غير ذلك.
ولكن هناكَ مصادرُ بارزةٌ عنده, جعلها أصلًا يرجع إليها, ومنارةً يهتدي بها, وهي كالتالي:
١ - الكاشف عن حقائق السنن, للطيبي, وقد استفاد منه المصنِّف ﵀ في الجزء المحقَّق مصرِّحًا باسمه (عشرين مرَّة) تقريبًا.
٢ - التعيين في شرح الأربعين, للطوفيِّ, فقد رجع إليه المصنِّف ﵀ في الجزء المحقَّق مصرِّحًا باسمه (ستَّ عشرة مرَّة) تقريبًا.
٣ - تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة, للقاضي البيضاويِّ, فقد نقل منه المصنِّف ﵀ في الجزء المحقَّق مصرِّحًا باسمه البيضاويِّ (سبع مرَّات) , وبلقبهِ (القاضي) أربع مرَّاتٍ, فالمجموع: (إحدى عشرة مرَّةً) تقريبًا.
٤ - المفاتيح في شرح المصابيح للمظهِر, وقد استفاد منه المصنِّف ﵀ في الجزء المحقَّق مصرِّحًا باسمه (ستَّ مرَّات) تقريبًا.
٥ - فتح الباري في شرح صحيح البخاري لابن حجرٍ العسقلانيِّ, وقد أخذ منه المصنِّف ﵀ في الجزء المحقَّق مصرِّحًا باسمه (ثلاث مرَّاتٍ) تقريبًا.
٦ - الفتح المبين في شرح الأربعين لابن حجرٍ الهيتميِّ, وقد استفاد منه المصنِّف ﵀ في الجزء المحقَّق مصرِّحًا باسمه الهيتميِّ -بالتاء- (خمس مرَّاتٍ) , وهناك مواطنُ أخر لا يصرِّح باسمه, وهي كثيرةٌ.
وهناك مصادر أخرى رأيت -بالتتبع- أنَّ المصنِّف ﵀ رجع إليها -وإن لم يصرِّح بها في الجزء المحقق- منها شرح الشيخ العالم محمد بن علي ابن سالمٍ الشبشيريّ المتوفَّى سنة (٩١٩ هـ) واسم شرحه: (الجواهر البهيَّة في شرح الأربعين النوويَّة) فبين االشرحين توافقٌ كبيرٌ جدًّا, فيظهر أنَّ الشارح اطَّلع