← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133379

كشف الأسرار عن القول التليد فيما لحق مسألة الحجاب من تحريف وتبديل وتصحيف

تركي بلحمر

Полный текст (558 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

اختلاف المذاهب الأربعة في مسألة الحجاب كان من اختلاف التنوع وذلك لأن عصر أولئك الأئمة وظهور نشأة مذاهبهم، كان في العصور المتقدمة جداً والقريبة من عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، وقد سبق لنا إجماع أولئك على فريضة الحجاب وأنه الأمر بتغطية النساء لوجوههن، بما تناقلته الأخبار والآثار عن السلف دون وجود أثر واحد عن أحد منهم يقول فيه بجواز أن تسفر المرأة عن وجهها، كما مر معنا عند تفسير قوله تعالى في آية (الإدناء) فلزم الرجوع إليه هناك، ولغيرها من الأحاديث والآثار في ذلك، فكيف يقال أن من أئمة المذاهب الأربعة وبخاصة من المتقدمين منهم بل والمعاصرين لتلك القرون المفضلة كانوا على خلاف ذلك الإجماع والتواتر، مع ما عرفوا به جميعاً من علم وحكمة وحسن اتباع للكتاب والسنة ولمنهج الصحابة والتابعين في وجوب ستر النساء لوجوههن كما سنأتي ونبينه بمشية الله تعالى من نصوصهم العديدة. المناهج الفقهية للمذاهب الأربعة: وكما هو معلوم فقد كان لكل واحد منهم منهجه ومدرسته في الإستنباط والأصول والقواعد على الأحكام، فكثيراً ما تمر عليهم المسائل في الحلال والحرام وبلا ريب يكونون متفقين في الحكم عليها، ولكن قد يحصل اختلافهم من ناحية أخرى في فهم ومعرفة سبب

стр. 142

وعلة ذلك الحكم الشرعي، ويكون خلافهم عندئذ من قبيل خلاف التنوع لا خلاف التضاد، وهذا معلوم ومشهور في غالب كلامهم على مسائل الفقه ليس هذا المجال مجال بسطها هنا، ومثال ذلك كاتفاقهم في تحريم كثير من أنواع البيوع والمعاملات التي جاءت النصوص الشرعية الصريحة من الكتاب والسنة في النهي عنها كالربا ونحوه، ولكن عندما يستنبطون من الأحكام العلل والمقاصد، فكثيرا ما يختلفون فمنهم من يقول علة التحريم لتلك البيوع والتعاقدات هي أكل أموال الناس بالباطل، ويذهب غيرهم إلى أن علة التحريم وسببه هو الغرر أو الجهالة، وقد يصل اختلافهم في بعض المسائل لحدٍ كبير من النقاش والجدال الفقهي الذي يطول لاعتبارات كثيرة مما يحسب معه العامي ممن لا فقه عنده ولا دراية بأحوالهم، أنهم مختلفون في أصل المسألة وأساسها، والحق أنهم متفقون في أصل حكم المسألة، وكذلك في صحة كثير من العلل والاستنباطات والمقاصد، فمثلاً الربا وغيره من البيوع المحرمة فهي أكل لأموال الناس بالباطل وهي أيضا من باب الغرر والجهالة في بعضها الآخر، وهكذا في كثير من أوامر الشريعة المطهرة كفريضة الأمر بأداء الزكاة فمن قائل أنها لتزكية وطهارة النفوس والأموال، ومن قائل أنها للنماء والزيادة في الأموال، وغير ذلك، وكله حق وصواب.

стр. 143

فريضة الحجاب عند المذاهب الأربعة: وكذلك في فريضة الحجاب فإن الأئمة الأربعة وتلاميذهم وأتباعهم المتقدمين، عليهم رضوان الله تعالى، متفقون من المراد في أصل حكم فريضة الحجاب، وأنها الأمر بستر النساء لوجوههن كما دلت عليه النصوص الصريحة والنقول المتواترة عن السلف ومن بعدهم، فإنهم وإن اختلفوا في بعض الجزئيات الخاصة بفريضة الحجاب وهي هل الوجه والكفان من العورة أم لا؟ فالحقيقة أن اختلافهم هذا هو من قبيل اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، حيث نظر كل واحد منهم في العلة والمقصد للشارع من أمره للنساء بتغطية وجوههن، وتحريم كشفهن لزينتهن، فذهب فريق إلى أن العلة في ذلك هو كون المرأة عورة، ومن قائل أن العلة في ذلك هي الفتنة والشهوة، وزاد الخلاف بينهم أن منهم من رأوا عدم مناسبة إطلاق القول بلفظ (العورة) على الوجه والكفين فقالوا إن الوجه والكفين ليسا بعورة، لعدة اعتبارات عندهم سنأتي لذكرها قريباً، ولكن هم متفقون في حكم فرض ستر النساء لوجوههن بدون أدنى شك ولا ريب، وإن كان لكل فريق اجتهاده وتأصيله واستنباطه في المسألة. والذي يهمنا هنا هو أن نطرح حجة الفريقين في كون الوجه والكفين عورة أم لا؟ لنعرف ما نحن بصدده وهو هل اختلافهم من قبيل اختلاف التنوع كما نقوله نحن أم أنه من خلاف التضاد، كما يدعيه البعض اليوم؟ بمعنى هل اختلافهم في هذه الجزئية، له أثر يمنع من عدم اتفاقهم على القول بفرض ستر النساء لوجوههن؟ .

стр. 144

(محاورة) حجة القائلين أن الوجه والكفين ليسا من العورة وأن ذلك لم يمنع من قولهم بوجوب ستره لعلة الفتنة والشهوة فذهب فريق منهم كأبي حنيفة (١)، ومالك (٢)، ورواية عند الشافعية (٣) وبعض فقهاء الحنابلة، وغيرهم ممن وافقهم إلى أنه وإن فُرض على المرأة ستر وجهها وكفيها، فهذا لا إشكال فيه، إلا أنه لا يلزم منه أن يكون ذلك من العورة. - فإذا سُئلوا وكيف لا يكون عورة وقد فرض عليها ستره؟ قالوا لأنه ليس كل ما أُمر بستره أو غض البصر عنه يلزم منه أن يكون من العورة. - فإذا قيل لهم ولماذا عندكم المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها لم تعدوهما من العورة؟ أجابوا: لم نقل أنهما عورة لعدة اعتبارات شرعية ولوازم تنتج في حال قولنا بذلك ومنها: أ- أن الوجه والكفين ليسا بعورة عندنا، لأنه بالإجماع يجوز للمرأة أن تكشفهما في الصلاة، ولو قلنا أنهما من العورة، لقيل وكيف جاز لها كشفهما ولم تبطل صلاتها؟ .

стр. 145

ب- أن الوجه والكفين ليسا من العورة عندنا وذلك لأن الشريعة أباحة كشفهما للضرورة وهذا باجماع أهل العلم، حيث تستوجب الضرورة العفو عن كشفهما في كثير من الأحوال والظروف، كالتي ذكرها الفقهاء في كتبهم، مما لا بد لها معه من كشف وجهها أو كفيها، وقد جاءت النصوص العديدة من الكتاب والسنة بجواز ذلك في مثل تلك الضرورات فعلى سبيل العموم كقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ وعلى سبيل الخصوص كالنصوص الواردة في حال الخاطب مع من أراد خطبتها، وإجماع أهل العلم على الجواز في مثل تلك الأحوال كالشهادة والتقاضي وعند التعاقدات في البيوع ونحو ذلك، ومثل ذلك مباح لها، فلا يمكن أن يعد من العورة؛ لأن المرأة تبتلى بكثرة اضطرارها لكشفهما، ولو قيل ذلك لتحرج الناس وامتنعوا منه، وقد حصل قديماً القول بالمنع بحجة (العورة) كمن منعوا الخاطب من رؤية من أراد خطبتها وإن كان رأياً وفهماً ضعيفاً نعلم أنه لا يقوله أغلب القائلين بعلة العورة. ت- أن الوجه والكفين ليسا من العورة عندنا لأن النبي ﷺ (نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب) ولو كانا عورة لما حرم سترهما ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إبراز الكف للأخذ والإعطاء فلم يناسب جعل ذلك كله عورة، وإن قلنا حرام كشفهما لعلة أخرى.

стр. 146

ث- أن الوجه والكفين ليسا من العورة عندنا، لأنه ليس على المرأة سترهما على كل حال كبقية جسدها، وإنما يجب سترهما عند وجود الرجال الأجانب، ممن تتحقق فيهم شروط وتنتفي عنهم موانع فلا يجب عليها الستر من الطفل الصغير ولا من محارمها من الرجال ولا من غير ذوي الإربة من الرجال، فنتفى عندهم كونه عورة. فكما لا يجوز كشفها لوجهها إلا للضرورة، فكذلك لا يجب عليها تغطيته على كل حال، كما في بقية عورتها المغلظة ونحوها، فوجوب الستر هو عند وجود الرجال الأجانب فقط، ولهذا فلو كانت سائرة في طريقها، وعلمت خلوه من نظر أحدهم لها لم يجب عليها ستر وجهها عند كثير من أهل العلم وكان في حقها سنة ومستحب كما قاله القاضي عياض وغيره، ومثله لو كانت مع أحد محارمها من زوج أو نحوه في مكان خالٍ لا يراها الرجال فلا يجب عليها تغطية وجهها لمجرد خروجها. - فإذا قيل لهم إذا لم يكن السبب عندكم فيما فرضه الله على النساء من ستر الوجه والكفين كونهما من العورة، فما هي العلة والمقصد للشارع من طلبه ذلك؟ قالوا: العلة عندنا هي الفتنة والشهوة فإن المرأة مظنة الفتنة والشهوة، ولهذا أمرن بستر وجوههن عن الرجال، وهذا أظهر وأقوى وأسلم من قول من قال العلة كونهما عورة. وذلك لأمور ولوازم عندنا منها:

стр. 147

١ - أن الفتنة والشهوة متفق عليها بين أئمة المذاهب الأربعة على خشية الوقوع فيهما، وتحريم كل الوسائل التي تؤدي إليهما تحريماً قطعياً، ولهذا كانا هما الظاهر من مقصد الشارع من فرض ستر الوجه والكفين وما دونهما من سائر زينة النساء، ومن عطرهن وضربهن بأرجلهن وخضوعهن بالقول عند الرجال الأجانب، وفي حالة ما أبيح في الأعذار والرخص لأن تبدي المرأة شيئا من زينتها، فإنه إذا ما خشيت الفتنة أو الشهوة، بقي الحكم على حاله ولم يجز النظر إليهما، ولو لحاجة أو ضرورة، وبهذا يكون قولنا من أن العلة هي الفتنة والشهوة أظهر وأقوى، بعكس من قال لكونهما من العورة ولم يشترط خوف الفتنة أو الشهوة مِن أو على الناظر للمرأة. ٢ - أن الفتنة والشهوة قد جاءت في النصوص العديدة من الكتاب والسنة، بما يدل على عظيم خطرهما، وشدة التحذير منهما، حتى سَمي الله ما يوصل إلى الشرك به فتنة، وفيما يخص النساء ما رواه أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : ) ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) (١)، وروي مسلم في صحيحه عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إن الدنيا حلوة خَضرة, وإن الله سبحانه مستخفلكم فيها, فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا, واتقوا النساء, فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء). وأما قولنا خشية الشهوة فلقوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات من

стр. 148

النساء﴾ فجعلهن من حب الشهوات بل وبدأ بهن قبل بقية الأنواع حتى كاد أن يقع بسبب تلك الفتنة نبي من أنبياء الله ﴿لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴿٢٤﴾ [يوسف]. فقولنا أن خشية الفتنة وخشية الشهوة هي العلة والمقصد من أمر الشارع للنساء لستر الوجه والكفين كان هو الأظهر والأقوى بنصوص الشرع بعكس من قال لكونهما من العورة. ٣ - وأما قولنا أن ذلك أسلم فلما سبق بيانه من عدة اعتبارات شرعية ولوازم تمنع من القول به كظهوره في الصلاة إجماعا وغير ذلك. وزيادة عما سبق فإن العورة لا يمكن أن تكون ضابطا دوماً في كثير من الأحوال لأنها غير مختصة بالمرأة حيث تختلف من حين لآخر، فعورة البيوت تزول بالاستئذان كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتأذن فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وهناك عورة في بعض الأوقات وتزول بانقضاء وقتها كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتأذنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيات وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨].

стр. 149

وهناك عورة ثالثة للنساء كما في قوله تعالى: ﴿ولَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ ... أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء﴾ [النور: ٣١]، وهذه العورة تزول بنص القران في كِلا الاستثنائين، ففي أحوالها العادية تزول مع من استثناهم الله من البعول والأبناء والآباء ونحوهم ممن ذكروا، وفي أحوالها الضرورية تزول عند تلك الظروف من الضرورات والحاجات. ولهذا فإننا بهذا الضابط نستفيد أنه وفي بعض الحالات قد لا تكون هناك عورة، كما لو خُشي الفتنة أو الشهوة من قريب للمرأة، أو من النظر إلى الأمرد الحسن الفاتن ونحو ذلك، أفلا ترى أن الجميع يوافقنا في التحريم ووجوب الستر وغض البصر بخشية الفتنة وخشية الشهوة؟ فظهر أنه هو الأصل في أمر الشارع بفريضة الحجاب على النساء لمنع كل الوسائل المفضية إلى الفتنة والشهوة المحرمة، ألم ترَ أنه حرم الخلوة والاختلاط وتعطر النساء عند الرجال الأجانب، ولم يكن شيء من ذلك عورة باتفاق المسلمين؟ . فخشية الفتنة والشهوة وقولنا: (إذا أمنت الفتنة أو الشهوة) و (إذا لم يكن هناك فتنة) (وفي زمننا المنع فيه أوجب للفتنة) ونحو ذلك من عبارات فقهائنا، إنما هو ضابط لناظر معين ممن جاز نظره للمرأة عند الضرورة، نشترط شرطاً زائداً على الضرورة وهي أمن الفتنة والشهوة منه أو عليه، كمن كان معروفاً بالفسق وقلة الورع، أو يعلم من نفسه

стр. 150

أنه يَشتهي ويتأثر، فيُمنع من النظر للمرأة ولو لحاجة، وهذا المعنى هو الأكثر عند إطلاقهم لتلك العبارات، ومثله لو كثر الفساد في الناس أو في زمن من الأزمان، وقل الورعون مُنع من كشفها ولو للضرورة، ومرة يعنون بها التقعيد اختصارا للآية التي استثنت المذكورين ممن يجوز أن تبدي لهم المرأة زينتها ويؤمن من جانبهم الفتنة والشهوة ﴿إلا لبعولتهن أو ... ﴾، أو في حق الكبيرة من القواعد من النساء أو الصغيرة التي لا تُشتهى، أي بمعنى من توفرت فيهم الشروط وانتفت عنهم الموانع كما سبق بيانه، ومرة نطلقه ونعني به عدم وجود الرجال كما لو خرجت المرأة ولم يكن هناك في طريقها أو مكان جلوسها من يمكنه النظر إليها، فهنا لها أن تكشف وجهها للأمن من الفتنة ولعدم وجود من يُخشى عليهم أو منهم الفتنة بعكس لو قيل أنه عورة للزم منه وجوب ستره بمجرد خروجها، فكان تقعيداً لنا مختصراً من ذلك كله. وبهذا يظهر أن قولنا بتحريم كشف المرأة لوجهها وكفيها لعلة الفتنة والشهوة، لهو أقوى وأظهر وأسلم من قول من قال أنه بسبب العورة، فكيف يقال أننا نجوز كشف المرأة لوجهها ونصوصنا في كتب المتقدمين من أئمتنا شاهدة على خلاف ذلك، حتى أننا نقول بالعورة لكل ما لم يكن في ظهوره من المرأة حاجة وضرورة، فقال بعضنا أن باطن الكفين ليس بعورة وظاهرهما عورة، لأنها تحتاج لإظهار الباطن للأخذ والإعطاء ونحو ذلك بعكس ظاهر الكف، واختلفنا في القول المشهور عن إمام مذهبنا أبي حنيفة النعمان ﵀ هل القدمين منها عورة أو

стр. 151

ليسا بعورة لعدم الضرورة في كشفهما، واختلفنا في مذهبنا في صوتها فمن قائل أن قواعد المذهب على كونه عورة ومن قائل على خلاف ذلك، وقلنا كما عند أئمة الشافعية: كلُّ ما بان وانفصل من المرأة مما لا يجوز للأجنبي النظر إليه في حال اتصاله بها كشعرها ونحوه، هو عورة ولو عند انفصاله. - فإن قيل لهم ولماذا عندما فسر علماؤكم قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ حدده البعض منهم بما يَظْهَر حال صلاتها فما دخل ذلك بالصلاة؟ وبعضهم حدده بما جاء في حديث أسماء وعائشة مع أنه ليس في موضوع باب عورة المرأة في الصلاة، وقد أوجد ذلك شبهة أخرى أنكم تقولون بجواز كشف المرأة لوجهها؟ أجابوا: نحن في فهمنا للآية على فهم سلف الأمة وإجماع أهل التفسير من أنها رخصة لأن تبدي المرأة من زينتها ما تدعو الحاجة إليه، ونصوصنا ظاهرة على أنه لا يجوز كشف المرأة لوجهها بدون ضرورة، ولكن لما خشينا أن يستجيز الناس بفهمهم للرخصة التساهل في أن يبدو من المرأة ما زاد عن قدر الحاجة، وذلك كون الآية لم تحدد الزينة، ﴿إلا ما ظهر منها﴾ نظرنا لغالب أحوال المرأة مما ذكره الفقهاء فوجدناها تحتاج في مثل تلك الأحوال للوجه والكفين كمثل حال الخطبة أو الشهادة أو عند التقاضي، فقلنا ويؤيد هذا التحديد أمور: أولها: ما في مذهبنا من عدم اعتبار الوجه والكفين من العورة للضرورة.

стр. 152

الثاني: لأن هذا مما يظهر من المرأة في عبادتها كصلاتها وحجها. والثالث: لأنه مما يظهر منها عادة وعبادة. والرابع: بعض أقوال الصحابة والتابعين عند تفسيرهم للآية. فكان القول بالوجه والكفين هو القدر الأولى بالصواب من مجموع أقوال الصحابة والتابعين في تفسيرهم للآية كونه الغالب فيما تبديه المرأة من زينتها عند الضرورة، واستأنسوا للاستدلال بهذا القدر ولتحديد الضابط فيما يظهر منها غالبا بما سبق، ألم ترَ كثيرا من الفقهاء والأئمة الذين استدلوا بحديث أسماء وعائشة على تحديد ما يظهر من المرأة عند كلامهم في أبواب عورتها في صلاتها وعند الخاطب ونحو ذلك، ولم ينكر عليهم ذلك أحد مع عدم حجيته عندهم، وبعده عن موضوع ما يظهر منها في الصلاة، ولكن استئناسا بالحديث الضعيف لتحديد ذلك القدر الذي يظهر في صلاتها إذا لم يوجد في الباب الذي يتكلمون فيه غيره، ولو كان خارجا عن موضوعهم فما دخل عورتها في الصلاة وما تظهره للخاطب والشاهد بحديث أسماء، والعكس حصل حيث ذكر كثير من الفقهاء قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ في أبواب عورة المرأة في الصلاة ولنفس الغرض ليستشهدوا به على تحديد الوجه والكفين فقط في الصلاة وعدم جواز ظهور غيرهما، حيث رأى كثير من الأئمة عدم كفاية حديث: (تصلي في درع وخمار) ونحوه، لأنه ليس فيه تحديد الوجه والكفين تحديداً دقيقاً كما عليه الإجماع مع أن الإجماع حجة كافية.

стр. 153

وهكذا هنا وجدنا عدم ذكر للوجه والكفين فيما يبدو عند الرخصة ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ فاحتطنا في تفسير الرخصة بهذا القدر لما يظهر غالبا منها على مسائل الفقه، مع أن الإجماع على جواز ذلك أيضاً، واستدللنا لمن طالبنا بالدليل على تحديد هذا القدر حال الرخصة بالقياس بأنه هو الذي يظهر في صلاتها، وبأنه مما يظهر عادة وعبادة، وبأنه ليس عورة على قواعدنا ولأنه هو القدر الغالب الذي تحتاج لكشفه في تلك الأحوال الضرورية التي مثل لها الفقهاء في كتبهم كالشهادة والتقاضي وتوثيق التعاملات لمعرفة شخصها وللرجوع عليها أو لها ونحو ذلك، وبعضنا استأنس بأثر أسماء وعائشة لأنه ذكر فيه تحديد الوجه والكفين وهو أيضا من قبيل القياس أو أن المتقدمين كانوا يحملونه على ما يظهر من المرأة حال الرخصة وفي صلاتها. ولهذا لن تجدوا في كتبنا ولا كتب أئمة المذاهب الأربعة من استدل به أو بغيره من أدلة أهل السفور اليوم وقال أنها أدلة لجواز أن تسفر المرأة عن وجهها بدون سبب مبيح، بالعكس كان فهمنا وفهم السلف والأئمة المتقدمين منا لهذه الأدلة هو فقط في أبواب عورة المراة في الصلاة، والرخص من أبواب النكاح ورؤية الخاطب والشاهد ونحوها، وعلى فرض وجود بعض الأدلة وكون النساء فيها كن كاشفات عن وجوههن، فكانوا يفهمون منها ويستدلون بها على أن الوجه والكفين ليسا بعورة فيجوز ظهورهما عند الضرورة ونحو ذلك، وهذا مغاير تماماً لاستدلالات المتأخرين من أهل السفور فهذه كتب الفقهاء وشراح

стр. 154

الصحاح والسنن لو فيها كلمة واحدة تعني السفور مما يقوله أو ينسبه لنا اليوم اهل السفور. فكيف يُفهم كلامنا في الحيطة والحذر بتحديد القدر بالوجه والكفين عند الأخذ بالرخص ليقال عنا أننا دعاة لمذهب السفور؟ وأننا نقول بخروج النساء سافرات أمام الرجال الأجانب، هذه جناية علينا وعلى ما سطره أئمة الإسلام، بل وفي بعض النصوص والمعاني المحرفة والمبدلة عن مقصد أئمتنا قدح في استدلالاتهم وكأنهم يقولون مالا يمكن تصوره ولا تطبيقه. - فإذا قيل لهم ولكن قولكم المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وتفسيركم الآية بما يظهر عند الضرورة ثم تحديد القدر الظاهر منها بما يظهر في صلاتها وبحديث أسماء وغيره، هذان الأمران من أعظم ما أوجد الإشكال عند المتأخرين ففهموه على غير مقصدكم ومرادكم وبأنكم تقولون بالسفور؟ . أجابوا: إن الله لم يضمن الحفظ إلا لكتابة وسنة نبيه ﷺ ولهذا كانا هما الحجة على الخلق، ومع هذا فإنه قد يقع غلط الغالطين في المعنى والمراد من كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، فكيف بكلام أئمة الإسلام كإمامنا أبي حنيفة ومالك وكبار أئمة المذاهب، فقد يَنقل شراح المذاهب من المتأخرين ما يغير مقصود ومراد بعض المتقدمين من أئمة المذاهب وكم من اختلاف حدث بين أتباع المذهب الواحد في أن قول الإمام الصحيح في المسألة الفلانية كذا وقال آخرون بل الصحيح عنه كذا، فكيف لا نتصور أن يحصل ممن بعدهم شيء من الإنحراف والتغيير؟

стр. 155

ولكن من رجع لنصوصنا وكلام أئمتنا وبخاصة المتقدمين علم أنهم وإن قالوا المرأة عورة إلا وجهها وكفيها فهذا لا يعني أننا نقول بجواز كشفهما على كل حال وإنما هو إعلان عن اعتراضنا على لفظة كلها عورة لأنه يستلزم منها لوازم نرى معارضتها لكثير من المسائل الشرعية كما سبق بيانه. فكان الأولي والأقوى والأسلم أن العلة في تحريم كشف المرأة لوجهها وكفيها هي التي عندنا وهي الفتنة والشهوة. - فإذا قلنا لهم أعطونا من نصوصكم أيها الأحناف والمالكية وبعض الشافعية ومن يوافقكم ما يفيد قولكم هذا وبخاصة في تفسير الآية التي نحن بصددها، ونؤجل بقية الأقوال لموضع آخر؟ . قالوا نعم.

стр. 156

أدلة ونقول أئمة الفقهاء من الأحناف والمالكية وغيرهم وتفسيرهم لقوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ بأنها رخصة وتحديدهم القدر المرخص للمرأة أن تبديه بأمور منها بما يظهر في صلاتها ١ - قال الإمام الطحاوي (م: ٢٣٩ - ت: ٣٢١) في شَرْحُ معاني الآثار كِتَابُ النِّكَاحِ: - بَابُ الرَّجُلِ يُرِيدُ تَزَوُّجَ المرأة هَلْ يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إليها أم لا؟ -. وهو يناقش هل يجوز نظر الخاطب أم لا؟ وأن في زمنه من منع من ذلك كونه عورة، فكان ذلك أحد الأسباب التي جعلتهم لا يقولون بكونه عورة للضرورة في كشفه، إضافة لما سبق معنا من أسباب لهم. فقال بعد أن ذكر حديث محمد بن سلمة وجابر وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة في نظر الخاطب. : (قَالَ أبو جَعْفَرٍ: فَفِي هَذِهِ الآثار إباحة النَّظَرِ إلى وَجْهِ المرأة, لِمَنْ أراد نِكَاحَهَا, فَذَهَبَ إلى ذَلِكَ قَوْمٌ. وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخرونَ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ أراد نِكَاحَ المرأة, وَلَا لِغَيْرِ مَنْ أراد نِكَاحَهَا (١)، إلا أن يَكُونَ زَوْجًا لَهَا أو ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا. وَاحتجوا فِي ذَلِكَ بِمَا حدثنا ... عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ ﵁، أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: " يَا عَلِيُّ، إن

стр. 157

لَكَ كَنْزًا فِي الْجَنَّةِ, وَإنكَ ذُو قَرْنَيْهَا، فَلَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ, فإنمَا لَكَ الأولى، وَلَيْسَتْ لَكَ الآخرة ". قال حدثنا ... عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظْرَةِ الفجأة، قَالَ: " اصْرِفْ بَصَرَكَ " قال حدثنا ... عَنِ ابن بُرَيْدَةَ , عَنْ أبيهِ, رَفَعَهُ مِثْلَهُ. يَعْنِي أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ: " يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ , فإنمَا لَكَ الأولى, وَلَيْسَتْ لَكَ الثانية " وحدثنا ... عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " النَّظْرَةُ الأولى لَكَ, وَالآخرة عَلَيْكَ ". قَالُوا: فَلَمَّا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ النَّظْرَةَ الثانية, لأنهَا تَكُونُ بِاختيار النَّاظِرِ, وَخَالَفَ بَيْنَ حُكْمِهَا وَبَيْنَ حُكْمِ مَا قَبْلَهَا, إذا كانت بِغَيْرِ اختيار مِنَ النَّاظِرِ, دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أنهُ لَيْسَ لِأحد أن يَنْظُرَ إلى وَجْهِ المرأة إلا أن يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِنَ النِّكَاحِ أو الْحُرْمَةِ, مَا لَا يُحَرِّمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْهَا. فَكان مِنَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ لِأهل المقالة الأولى (١) , أن الَّذِي أباحهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الآثار الأول, هُوَ النَّظَرُ لِلْخِطْبَةِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ, فَذَلِكَ نَظَرٌ بِسَبَبٍ هُوَ حَلَالٌ. ألا ترى أن رَجُلًا لَوْ نَظَرَ إلى وَجْهِ امرأة, لَا نِكَاحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِيَشْهَدَ عَلَيْهَا وَلِيَشْهَدَ لَهَا أن ذَلِكَ جَائِزٌ. فَكَذَلِكَ إذا نَظَرَ إلى وَجْهِهَا لِيَخْطُبَهَا كان ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ أيضا. فَأما المنهي عَنْهُ فِي

стр. 158

حَدِيثِ عَلِيٍّ, وَجَرِيرٍ, وَبُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمْ, فَذَلِكَ لِغَيْرِ الخطبة وَلِغَيْرِ مَا هُوَ حَلَالٌ فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ مُحَرَّمٌ (١). وَقَدْ رَأينَاهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي نَظَرِ الرَّجُلِ إلى صَدْرِ المرأة الأمة, إذا أراد أن يَبْتَاعَهَا أن ذَلِكَ لَهُ جَائِزٌ حَلَالٌ, لأنهُ أنمَا يَنْظُرُ إلى ذَلِكَ مِنْهَا لِيَبْتَاعَهَا لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ نَظَرَ إلى ذَلِكَ مِنْهَا, لَا لِيَبْتَاعَهَا, وَلَكِنْ لِغَيْرِ ذَلِكَ, كان ذَلِكَ عَلَيْهِ حراما. فَكَذَلِكَ نَظَرُهُ إلى وَجْهِ المرأة إن كان فَعَلَ ذَلِكَ لِمَعْنًى هُوَ حَلَالٌ, فَذَلِكَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لَهُ، وإن كان فَعَلَهُ لِمَعْنًى هُوَ عَلَيْهِ حرام, فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَهُ، وَإذا ثَبَتَ أن النَّظَرَ إلى وَجْهِ المرأة لِيَخْطُبَهَا حَلَالٌ, خَرَجَ بِذَلِكَ حُكْمُهُ مِنْ حُكْمِ الْعَوْرَةِ، وَلأنا رَأينَا مَا هُوَ عَوْرَةٌ لَا يُبَاحُ لِمَنْ أراد نِكَاحَهَا النَّظَرُ إليها (٢). ألا ترى أن مَنْ أراد نِكَاحَ امرأة, فَحرام عَلَيْهِ النَّظَرُ إلى شَعْرِهَا, وَإلى صَدْرِهَا, وَإلى مَا هُوَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي بَدَنِهَا, كَمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ مِنْهَا, عَلَى مَنْ لَمْ يُرِدْ نِكَاحَهَا. فَلَمَّا ثَبَتَ أن النَّظَرَ إلى وَجْهِهَا حَلَالٌ لِمَنْ أراد نِكَاحَهَا, ثَبَتَ أنهُ حَلَالٌ أيضا لِمَنْ لَمْ يُرِدْ نِكَاحَهَا (٣) , إذا كان لَا يَقْصِدُ بِنَظَرِهِ ذَلِكَ لِمَعْنًى هُوَ عَلَيْهِ حرام.

стр. 159

وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: أن ذَلِكَ المستثنى هُوَ الْوَجْهُ وَالكفان, فَقَدْ وَافَقَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذَا التَّأويلَ (١). وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلى هَذَا التَّأويلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. كَمَا حَدَّثَنَا سليمان بْنُ شُعَيْبٍ بِذَلِكَ, عَنْ أبيهِ, عَنْ مُحَمَّدٍ. وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أبي حَنِيفَةَ (٢) , وَأبي يُوسُفَ, وَمُحَمَّدٍ, رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) انتهى الطحاوي. قوله: (النَّظَرُ لِلْخِطْبَةِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ, فَذَلِكَ نَظَرٌ بِسَبَبٍ هُوَ حَلَالٌ) أرأيت الطحاوي كيف علل النظر بشرط سبب مباح، وهو النكاح ولم يقل أن الأصل جواز أن تكشف المرأة عن وجهها لأن الوجه عندنا ليس بعورة، ولدليل الخثعمية وسفعاء الخدين وغير ذلك مما يقوله أهل السفور اليوم، لتعرف أن عبارة ليسا بعورة لا تعني عندهم جواز كشفهما على كل حال وبدون سبب مبيح، وتأمل كيف ناقش المحرمين لنظر الخاطب لمن أراد تزوجها، وهذا في زمنهم ثم يقال أن أبا حنيفة كان قبلهم يقول بجواز أن تخرج المرأة كاشفة عن وجهها للعموم الناس، هل تصدق مثل هذا الكلام ثم لا يوجد من أولئك أحد يرد عليه؟ وهم في الخاطب عقدوا له كل هذه المناظرة والمناقشة لبيان أنه إنما

стр. 160

كان لسبب مبيح مع أن الأحاديث نص في الجواز، فكيف بمن يريدون تكشفها لعموم الناس أجمعين؟ . لماذا لم يذكر الطحاوي أدلة أبي حنيفة في جواز السفور؟ وللأسف ينقل أهل السفور كلاماً مبتورا من نصوص الإمام الطحاوي يستدلون به وكأنه يقول بمذهب السفور ومن ذلك قوله: (أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرّم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﷺ ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى) (١) انتهى. وهو يقصد ما قاله البعض من خصوصية أمهات المؤمنين في عدم جواز النظر إلى شخوصهن ولو كن مستترات، ولا لوجوههن ولو لحاجة من شهادة ونحوها كما هو جائز لغيرهن من النساء، كما سيأتي معنا مفصلا في مبحث الخصوصية. ٢ - وكذلك ذكر القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) المالكي نفس الأمر وهو كراهة البعض النظر للمخطوبة وذلك عند قوله تعالى: ﴿لايحل لك النساء ولا أن تبدل بهن﴾ [الأحزاب ٥٢]. فقال: (في هذه الآية دليل على جواز أن ينظر الرجل إلى من يريد زواجها. وقد أراد المغيرة بن شعبة زواج امرأة، فقال له النبي ﷺ : "انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما". وقال ﵇ لآخر: "انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا" أخرجه الصحيح. قال الحميدي وأبو

стр. 161

الفرج الجوزي. يعني صفراء أو زرقاء. وقيل رمصاء. الأمر بالنظر إلى المخطوبة إنما هو على جهة الإرشاد إلى المصلحة، فإنه إذا نظر إليها فلعله يرى منها ما يرغبه في نكاحها، ومما يدل على أن الأمر على جهة الإرشاد ما ذكره أبو داود من حديث جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل». فقوله: «فإن استطاع فليفعل» لا يقال مثله في الواجب (١). وبهذا قال جمهور الفقهاء مالك والشافعي والكوفيون وغيرهم وأهل الظاهر. وقد كره ذلك قوم لا مبالاة بقولهم، للأحاديث الصحيحة) انتهى كلام القرطبي. قوله: (وقد كره ذلك قوم لا مبالاة بقولهم) وصدق ﵀ لا مبالاة بقولهم لأنها مصادمة لنصوص القرآن والسنة في جواز أن ينظر الخاطب لمن أراد خطبتها، ولكن أليس الغريب أن ينقل لنا قول من لا مبالاة بقولهم ممن كرهوا نظر الخاطب للمخطوبة ولا ينقل لنا قول أبي حنيفة ومالك ورواية عن الشافعي وأحمد في جواز خروج النساء مكشوفات الوجوه بلا سبب من خاطب ولا غيره، وكما ينسبه إليهم دعاة السفور؟ فلو كانت النساء يخرجن مكشوفات في عهد رسول الله ﷺ كما يقول الألباني غفر الله لنا وله، لو كان الأمر كذلك هل سيتطرق في ذهن من بعدهم من أولئك المانعين أن نظر الخاطب يعد مكروها

стр. 162

أصلاً وهل كان أبو حنيفة وغيره ممن يقولون أن الوجه ليس بعورة سيسكتون عنهم أم أنهم سيؤلفون (الرد المفحم) و (جلباب المرأة المسلمة) (١)، وغير ذلك لبيان السنة والمستحب، ومن كشفت من فضليات الصحابيات؟ وهل الطحاوي وهو من المتقدمين جداً ومن أئمة الأحناف الكبار والقرطبي المالكي أو أي أحد غيرهم من الذين ذكروا من (لا مبالاة بقولهم)، غاب عنهم أن يذكروا سنة ومستحب المصطفى ﷺ وقول الإمامين الجليلين أبو حنيفة ومالك ومن وافقهم؟ والنساء كما زعم الشيخ سافرات كما فهمه من حديث الخثعمية وسفعاء الخدين وغيرهما، فكيف نصدق هذه الشبه؟ ورسول الله يقول: (فإن استطاع فليفعل) (انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا) (انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما) (أنظرت لها؟ فَقُلْت: لا). القوم يريدون أن يتزوجوا ويدخلوا على نساء لم يرونهن أبداً، أما كان في النساء كاشفات غيرهن؟ أم أن الجميع جهلوا أن ستر الوجه ليس واجب وإنما هو سنة ومستحب؟ ألهذه الدرجة كانوا متشددين (٢)، ولم يعلموا بمثل تلك العبارات الرنانة من حياة الرسول ﷺ وأقواله والقرآن الذي نزل عليه ثم يقول لهم: (فإن استطاع فليفعل) (انظر إليها) (أنظرت لها فَقُلْت: لا)، اللهم رحماك بنا.

стр. 163

٣ - وقال النووي ﵀ معقباً على ما ساقه مسلم من أحاديث النظر إلى المخطوبة -: (وفيه استحباب النظر إلى وجه من يريد تزوجها وهو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وجماهير العلماء. وحكى القاضي عن قوم كراهته، وهذا خطأ مخالف لصريح هذا الحديث ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها) (١). وأنظر لقوله: (لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة) فلا تعرف الأمة على أختلاف مذاهبها النظر للنساء بلا حاجة من سبب مبيح، وإلا لما ذكروا أمثلة (عند البيع والشراء والشهادة ونحوها). ولهذا تفهم أن قول بعضهم أن الوجه ليس بعورة إنما هو عندهم للتدليل على جواز كشفه عند الضرورة والحاجة وردا على من منعه بحجة كونه عورة. ٥ - قال الوزير بن هبيرة (ت: ٥٦٠ هـ) ﵀: (واتفقوا على أن من أراد تزوج امرأة فله أن ينظر منها ما ليس بعورة) (٢). أي الوجه والكفان وأما غيرهما ففيه خلاف مشهور ومعروف ولو كان مكشوفا للخاطب هل سيتفقون على (أن ينظر منها ما ليس بعورة).

стр. 164

٦ - المنتقى شرح الموطأ للإمام مالك - مالكي - في كلامه عن العيوب في المرأة والشهادة عليها: (فَصْلٌ): (وإن كان مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَالْعُيُوبِ تَكُونُ فِي جَسَدِ المرأة أو أحد فَرْجَيْهَا، فإن كان فِي جَسَدِهَا فَقَدْ اختلف فِيهِ فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أن مَا تَحْتَ الثِّيَابِ مِنْ الْعُيُوبِ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امرأتين، وَقَالَ سَحْنُونٌ: مَا كان فِي الْجَسَدِ بُقِرَ عَنْهُ فَنَظَرَ إليه الرِّجَالُ وَمَا كان فِي أحد الْفَرْجَيْنِ شَهِدَ فِيهِ النِّسَاءُ وَجْهُ الْقَوْلِ الأول أنهُ مَوْضِعٌ مُنِعَ الرِّجَالُ مِنْ النَّظَرِ إليه فَجَازَ أن تُقْبَلَ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ كَالْفَرْجَيْنِ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٌ أن الْجَسَدَ وإن كان عَوْرَةً فَهِيَ عَوْرَةٌ مُخَفَّفَةٌ فَجَازَ أن يَنْظُرَ إليها الرِّجَالُ لِلضَّرُورَةِ كَمَا يَنْظُرُونَ إلى وَجْهِهَا لِلضَّرُورَةِ) انتهى. قوله: (كَمَا يَنْظُرُونَ إلى وَجْهِهَا لِلضَّرُورَة) ومثله لا يحتاج لتعليق. ٧ - أحكام القرآن للجصاص من أعمدة متقدمي الأحناف وإمام الحنفية في بغداد (ت: ٣٧٠ هـ). قال عند تفسيره لآية الرخصة: (قَوْله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] إنمَا أراد بِهِ الأجنبيين دُونَ الزَّوْجِ وَذَوِي المحارم؛ لأنهُ قَدْ بَيَّنَ فِي نَسَقِ التلاوة حُكْمَ ذَوِي المحارم فِي ذَلِكَ (١). وَقَالَ أصحابنا: المراد الْوَجْهُ وَالكفان؛ لأن الْكُحْلَ زِينَةُ الْوَجْهِ وَالخضاب وَالخاتم زِينَةُ الْكَفِّ، فَإذ قَدْ أباح النَّظَرَ إلى

стр. 165

زِينَةِ الْوَجْهِ وَالْكَفِّ فَقَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ إباحة النَّظَرِ إلى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ (١). وَيَدُلُّ عَلَى أن الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ المرأة لَيْسَا بِعَوْرَةٍ أيضا أنهَا تُصَلِّي مَكْشُوفَةَ الْوَجْهِ وَاليدَيْنِ، فَلَوْ كانا عَوْرَةً (٢)، لَكان عَلَيْهَا سَتْرُهُمَا كَمَا عَلَيْهَا سَتْرُ مَا هُوَ عَوْرَةٌ (٣)؛ وَإذا كان كَذَلِكَ جَازَ لِلْأجنبي أن يَنْظُرَ مِنْ المرأة إلى وَجْهِهَا وَيَدَيْهَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فإن كان يَشْتَهِيهَا إذا نَظَرَ إليها جَازَ أن يَنْظُرَ لِعُذْرٍ مِثْلَ أن يُرِيدَ تَزْوِيجَهَا أو الشَّهَادَةَ عَلَيْهَا أو حَاكِمٌ يُرِيدُ أن يَسْمَعَ إقْرَارَهَا. وَيَدُلُّ عَلَى أنهُ لَا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلى الْوَجْهِ لِشَهْوَةٍ قَوْلُهُ ﷺ لِعَلِيٍّ: «لا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فإن لَك الأولى وَلَيْسَ لَك الآخرة» وَسَأَلَ جَرِيرٌ رَسُولَ ﷺ عَنْ نَظْرَةِ الْفُجَاءَةِ فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَك» وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْوَجْهِ وَغَيْرِهِ، فَدَلَّ عَلَى أنهُ أراد النَّظْرَةَ بِشَهْوَةٍ؛ وإنما قَالَ: «لَك الأولى»؛ لأنهَا ضَرُورَةٌ «وَلَيْسَ لَك الآخرة»؛ لأنهَا اختيار. وإنما أباحوا النَّظَرَ إلى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَإن خَافَ أن يَشْتَهِيَ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الأعذار لِلاثار الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، مِنْهَا: مَا رَوَى أبو هُرَيْرَةَ «أن رَجُلا أراد أن يَتَزَوَّجَ امرأة مِنْ الأنصار، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انظر إليها فإن فِي أعين الأنصار شَيْئًا يَعْنِي الصِّغَرَ».

стр. 166

وَرَوَى جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «إذا خَطَبَ أحدكُمْ فَقَدِرَ عَلَى أن يَرَى مِنْهَا مَا يُعْجِبُهُ وَيَدْعُوهُ إليها فَلْيَفْعَلْ) وَرَوَى مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أبي حُمَيْدٍ وَقَدْ رأى النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذا خَطَبَ أحدكُمْ المرأة فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أن يَنْظُرَ إليها إذا كان إنمَا يَنْظُرُ إليها لِلْخِطْبَةِ» (١) وَرَوَى سليمان بْنُ أبي حَثْمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ. وَرَوَى عَاصِمُ الأحْوَلُ عَنْ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ المغيرة بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «خَطَبْنَا امرأة فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَظَرْت إليها؟ فَقُلْت: لا، فَقَالَ: انظر فإنه لَأَجْدَرُ أن يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا». فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ إلى وَجْهِهَا وَكَفِّهَا بِشَهْوَةٍ إذا أراد أن يَتَزَوَّجَهَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أيضا قَوْلُهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَك حُسْنُهُنَّ﴾ وَلا يُعْجِبُهُ حُسْنُهُنَّ إلا بَعْدَ رُؤْيَةِ وُجُوهِهِنَّ. وَيَدُلُّ عَلَى أن النَّظَرَ إلى وَجْهِهَا بِشَهْوَةٍ مَحْظُورٌ قَوْلُهُ ﷺ : «العينان تزنيان وَاليدان تزنيان والرجلان تزنيان وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ الْفَرْجُ أو يُكَذِّبُهُ». وَقَوْلُ ابن مَسْعُودٍ فِي أن مَا ظَهَرَ مِنْهَا هُوَ الثِّيَابُ لا مَعْنَى لَهُ لأنهُ مَعْلُومٌ أنهُ ذَكَرَ الزِّينَةَ وَالمراد الْعُضْوُ الَّذِي عَلَيْهِ الزِّينَةُ، ألا ترى أن سَائِرَ مَا تَتَزَيَّنُ بِهِ مِنْ الْحُلِيِّ وَالْقُلْبِ وَالخلخال وَالْقِلَادَةِ يَجُوزُ أن تُظْهِرَهَا لِلرِّجَالِ إذا لَمْ تَكُنْ هِيَ لابِسَتُهَا؟ فَعَلِمْنَا أن المراد مَوْضِعُ الزِّينَةِ كَمَا قَالَ فِي نَسَقِ التلاوة بَعْدَ هَذَا: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ وَالمراد مَوْضِعُ الزِّينَةِ، فَتَأويلُهَا عَلَى الثِّيَابِ لَا مَعْنَى لَهُ؛ إذ كان مَا يَرَى الثِّيَابَ

стр. 167

عَلَيْهَا دُونَ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا كَمَا يَرَاهَا إذا لَمْ تَكُنْ لابِسَتَهَا) انتهى كلام الإمام الجصاص. قوله: (فَإذ قَدْ أباح النَّظَرَ إلى زِينَةِ الْوَجْهِ وَالْكَفِّ) (جَازَ لِلاجنبي) (لا يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلى الْوَجْهِ لِشَهْوَةٍ) (فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النَّظَرِ إلى وَجْهِهَا وَكَفِّهَا بِشَهْوَةٍ إذا أراد أن يَتَزَوَّجَهَا) (وَيَدُلُّ عَلَى أن النَّظَرَ إلى وَجْهِهَا بِشَهْوَةٍ مَحْظُورٌ) وعباراته في كلامه كلها تدل على أن الأصل ستر الوجه والكفين، وإلا ما الفائدة بقوله أباح وعدم الجواز ومَحْظُور والوجه مكشوف أصلا، فالآية دلت على الرخصة في الإباحة والجواز وتقيده (إذا أراد أن يَتَزَوَّجَهَا) وانظر صيغة المفرد (للأجنبي) ولم يأت بأدلة السفور اليوم لأنه لا يدري ما سفور؟ وإنما هو يتكلم في آية الرخصة المجمع عليها كما سيأتي معنا بمشيئة الله تعالى، ثم أراد تحديد ما يظهر منها للأجنبي الذي جاز نظره لها وهو (الوجه والكفان) غالبا، فاستدل بالقياس على ذلك القدر الذي يظهر للخاطب وللأجنبي بما يظهر من المرأة في صلاتها، ولأنه ليس بعورة عندهم فجاز بسبب تعامل أو تعاقد أو شهادة، أن ينظر لهذا القدر فقط، وبشرط بغير شهوة، أما لو اشتهى وأمكن نظر غيره لم يجوزوا نظره بشهوة، إلا لعذر أقوى. لأنه لو ترك النظر في مثل بعض تلك الأحوال كونه يَشتهى لتعطلت مصالح وأحوال، فمثل الراغب للزواج كيف سيقبل بالمخطوبة إن لم يشتهيها ويعجب بها، وكذلك القاضي أو الشاهد لو تركوا النظر بتلك الحجج التي لا يسلم منها أحد لتعطلت مصالح وأحوال وحقوق، ولهذا فرقوا بين الشاهد يشهد تحملا للشهادة أي ابتداء أو يشهد أداء لما سبق

стр. 168

وتحمله من شهادة، فالأول الراجح عندهم المنع لأنه بالإمكان شهادة غيره ممن لا يشتهي، بعكس الثاني رجحوا جواز نظره ولو اشتهى لعدم الإمكان أن ينوب عنه أحد، ولهذا بين المصنف ذلك فتأمله، وسيأتي معنا الكثير من أقوال غيره. ومثل هذه الأقوال استدل بها دعاة السفور فأخذوا أقوال الأئمة في جواز نظر الأجنبي أو الشاهد أو الخاطب بشرط (عدم خشية الفتنة والشهوة) حال الرخصة والحاجة، أو قول بعضهم الوجه ليس بعورة وقالوا هذه أدلتهم على السفور. ولأن الجصاص من المتقدمين جدا ولم يكن في باله أنه سيأتي من يحرف ويبدل في مثل هذه الفريضة العظيمة من ستر النساء لوجوههن لهذا اكتفوا قديما بتفسير آيات الرخصة في مكانها بقدر حاجتهم ومعرفتهم لمعناها ولمعرفتهم بأسباب النزول والمتقدم من المتأخر من الآيات. ولكن قد يكون لدي البعض شيء من الشك في ما نقلناه عنه، ولهذا سننقل لكم كلامه في ثلاثة مواضع أخرى كمثال واحد فقط حتى لا نطيل ولكي تعرفوا مقصده وخطر بتر كلام العلماء. ٨ - فقال الجصاص - الحنفي - عند قوله تعالى: ﴿وَالقواعد مِنْ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا ... ﴾ [النور: ٦٠]. (قَالَ أبو بَكْرٍ: لا خِلَافَ فِي أن شَعْرَ الْعَجُوزِ عَوْرَةٌ لا يَجُوزُ لِلأجنبي النَّظَرُ إليه كَشَعْرِ الشَّابَّةِ وَأنهَا إن صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرأس كانت كَالشَّابَّةِ فِي فَسَادِ صَلَاتِهَا، فَغَيْرُ جَائِزٍ أن

стр. 169

يَكُونَ المراد وَضْعَ الخمار بِحَضْرَةِ الأجنبي. فإن قِيلَ: إنمَا أباح اللَّهُ تعالى لَهَا بِهَذِهِ الآية أن تَضَعَ خِمَارَهَا فِي الخلوة بِحَيْثُ لا يَرَاهَا أحد. قِيلَ لَهُ: فَإذا لا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ القواعد بِذَلِكَ؛ إذ كان لِلشَّابَّةِ أن تَفْعَلَ ذَلِكَ فِي خَلْوَةٍ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أنهُ إنمَا أباح لِلْعَجُوزِ وَضْعَ رِدَائِهَا بَيْنَ يَدَيْ الرِّجَالِ بَعْدَ أن تَكُونَ مُغَطَّاةَ الرأس، وَأباح لَهَا بِذَلِكَ كَشْفَ وَجْهِهَا وَيَدِهَا؛ لأنهَا لا تُشْتَهَى، وَقَالَ تعالى: ﴾ أن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ فَأباح لَهَا وَضْعَ الْجِلْبَابِ وَأخبر أن الاسْتِعْفَافَ بألا تَضَعَ ثِيَابَهَا أيضا بَيْنَ يَدَيْ الرِّجَالِ خَيْرٌ لَهَا) انتهى كلام الجصاص. قوله (للأجنبي) (وَأباح) لاحظ الجصاص بنفس العبارة والأسلوب السابق للإمام الطحاوي عندما تكلم في تفسير قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ لأن تلك رخصة وهذه رخصة، وهما حنفيان يتكلمان بنفس المنهج والتأصيل المذهبي. قوله (صَلَّتْ مَكْشُوفَةَ الرأس) تأمل كيف استدل لرخصة العجوز فيما يجوز أن تكشفه للأجنبي بما يظهر في صلاتها وهذا هو التقعيد عندهم في ما هو عورة لا يجوز كشفه وهو ما سوى الوجه والكفين، ولهذا رد بأن شعرها عورة لأنه لا يظهر في الصلاة، وهو نفس القياس لتحديد قدر الزينة في الرخصة للشابة عند كلامهم على قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ لتعلم أنهم يتكلمون في آيات متأخرة جاءت تفصيلا بعد إجمال

стр. 170

ورخصة لما يظهر عند الأجنبي سواء للشابات أو العجائز فأرادوا تحديد ما يظهر حتى لا يتساهل الناس في الأخذ بالرخص الغالبة. قوله: (وَأباح لَهَا بِذَلِكَ كَشْفَ وَجْهِهَا وَيَدِهَا لأنهَا لا تُشْتَهَى) وكلامه واضح في أن غير القواعد لا يباح لهن كشف الوجه واليدين لأنه بطبع الخلقة يُشتهين، وهذا والجصاص من أئمة الأحناف القائلين أن الوجه والكفين ليسا بعورة. ولنا هنا تساؤلات هل هؤلاء يتكلمون في الآيات المشرعة للحجاب المبينة لوصفه كما يدعيه أهل السفور اليوم؟ فإذا كان هذا في رخصة العجوز تغطي رأسها كما يريده أهل السفور للنساء الشابات اليوم، فما هو الأصل للشابة والرخصة للعجوز؟ ! أليس ستر الوجه؟ الجواب ظاهر كالشمس قوله: (أباح لها بذلك كشف وجهها ويديها لأنها لا تشتهى) فما معناه عند الأحناف بالنسبة للشابات أليس أنه في الأصل مُغطى، غيرُ مكشوفٍ وأبيح كشفه للعجوز؟ . ولتتأكد أكثر قبل نسبة شيء لإمام من الأئمة انظر كلامه في موضع آخر. ففي أول الآيات نزولاً في شأن الحجاب وعند قوله تعالى: ﴿وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وراء حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]. ٩ - قال الإمام الجصاص: (تضمن حَظْرَ رؤية أزواج النبي ﷺ ، وبيَّن به أن ذلك أطهر لقلوبهم وقلوبهن؛ لأن نَظَرَ بعضهم إلى بعض ربما حدث عنه الميل والشهوة، فقطع الله بالحجاب الذي أوجبه هذا السبب (١).

стр. 171

قوله تعالى: ﴿وَمَا كان لَكُمْ أن تُؤْذُوا رَسُولَ الله﴾ يعني ما بيَّن في هذه الآية من إيجاب الاستئذان وتَرْكِ الإطالة للحديث عنده والحجاب بينهم وبين نسائه. وهذا الحكم وإن نزل خاصّاً في النبي ﷺ وأزواجه فالمعنى عام فيه وفي غيره، إذ كنّا مأمورين باتباعه والاقتداء به إلا ما خصه الله به دون أمته) انتهى. ولتتأكد أكثر انظر قوله في الآية بعدها. ١٠ - قال الإمام الجصَّاص عند آية الإدناء: (قال أبو بكر: في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بسَتْرِ وجهها عن الأجنبيين وإظهار الستر والعفاف عند الخروج لئلا يطمع أهل الريب فيهن. وفيها دلالة على أن الأمة ليس عليها سَتْرُ وجهها وشعرها؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ المؤمنين﴾ ظاهره أنه أراد الحرائر، وكذا رُوي في التفسير، لئلا يكنَّ مثل الإماء اللاتي هنّ غير مأمورات بستر الرأس والوجه، فجعل الستر فرقاً يعرف به الحرائر من الإماء. وقد رُوي عن عمر أنه كان يضرب الإماء ويقول: اكشفن رؤوسكنّ ولا تَشَبَّهْنَ بالحرائر) انتهى كلام الجصاص. أليس هو من قال في السابق: (وَيَدُلُّ عَلَى أن الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ المرأة لَيْسَا بِعَوْرَةٍ أيضا أنهَا تُصَلِّي مَكْشُوفَةَ الْوَجْهِ وَاليدين). فهل قولهم بأن الوجه والكفين ليسا من العورة منعهم من أن يقولوا بالأمر بوجوب سترهما عن الرجال الأجانب؟ .

стр. 172

١١ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق - حنفي - (باب شروط الصلاة): قوله: (وبدن الحرة عورة إلا وجهها وكفيها وقدميها) لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال ابن عباس: وجهها وكفيها وإن كان ابن مسعود فسره بالثياب كما رواه إسماعيل القاضي من حديث ابن عباس مرفوعا بسند جيد ولأن النبي ﷺ «نهى المحرمة عن لبس القفازين والنقاب» ولو كانا عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إبراز الكف للأخذ والإعطاء فلم يجعل ذلك عورة وعبر بالكف دون اليد كما وقع في المحيط للدلالة على أنه مختص بالباطن وأن ظاهر الكف عورة كما هو ظاهر الرواية وفي مختلفات قاضي خان ظاهر الكف وباطنه ليسا بعورة إلى الرسغ ورجحه في شرح المنية بما أخرجه أبو داود في المراسيل عن قتادة مرفوعا: «أن المرأة إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل» ولأن الظاهر أن إخراج الكف عن كونه عورة معلول بالابتلاء بالإبداء إذ كونه عورة مع هذا الابتلاء موجب للحرج وهو مدفوع بالنص وهذا الابتلاء كما هو متحقق في باطن الكف متحقق في ظاهره) انتهى كلامه. وكما ترى هنا حصل العكس فهناك عند آية الرخصة استدلوا بما يظهر من المرأة بحال صلاتها وهنا في باب شروط الصلاة يذكرون آية الرخصة وحديث أسماء لتحديد ما يظهر في الصلاة، وكما رأينا

стр. 173

جميعهم حملوا الآية على الضرورة والحاجة (ولو كانا عورة لما حرم سترهما ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إبراز الكف للأخذ والإعطاء فلم يجعل ذلك عورة) فبدون حاجة لا يبرز، وسبق معنا أن قولهم ليس بعورة لا يؤثر في أنهم يحرمون كشفه بدون سبب، بل إن من أسباب اعتراضهم على قول من قال الوجه والكفان عورة أنهم خشوا أن يؤدي ذلك ويفهم منه عدم جواز كشفهما عند الحاجة والضرورة التي أجمع عليها أهل العلم كما عند البيع والشراء والخاطب، وأيضا رأوا عدم مناسبة ذلك لعدة اعتبارات منها أنه ينكشف في الصلاة ولا يؤدي كشفهما لبطلانها. وقوله: (وهذا الابتلاء كما هو متحقق في باطن الكف متحقق في ظاهره) فهو يرد على الخلاف في نفس مذهب الأحناف حيث ذهب فريق منهم إلى أن ظاهر الكف عورة لا يجوز إظهاره عند الأجنبي لأنهم رأوا أن الضرورة هي في كشف باطن الكف فقط لأنه للأخذ والإعطاء فتخفي ظاهر الكف عن الأجنبي لأنه لا ضرورة لكشفه، وهنا تعلم لِما قالوا أن الوجه والكفين ليسا من العورة، وأنه تقعيد لبيان الجواز والإباحة عند الضرورة فقط وإلا فهم يحرمون كشفه للفتنة والشهوة، كما حرموا ظاهر الكف لعدم الضرورة بكشفه، ثم بالله عليكم كم من البون الشاسع بين هؤلاء ودعاة السفور اليوم المنتسبين لهم ظاهراً والمخالفين لهم ظاهراً وباطناً، وهم يجوزون كشف وجه المرأة وكفيها بحجة الجواز وليس للضرورة، ولا يهتمون لظاهر ولا لباطن ولا لقفازين ولا ... .

стр. 174

اعتراض الألباني على الأئمة في طريقة استدلالهم لتحديد قدر الرخصة لأنه يظن أنهم يستدلون به للسفور ١٢ - قال الإمام القرطبي (المالكي) في الجامع لأحكام القرآن: (الثالثة: أمر الله النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين إلا ما استثناه من الناظرين في باقي الآية حذاراً من الافتتان (١)، ثم استثنى ما يظهر من الزينة؛ واختلف الناس في قدر ذلك؛ فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضا وعطاء والأوزاعي: الوجه والكفان والثياب. وقال ابن عباس وقتادة والمسوَر بن مَخْرَمة: ظاهر الزينة هو الكحل والسّوار والخضاب إلى نصف الذراع والقِرطة والفَتَخ؛ ونحو هذا فمباح أن تُبدِيه المرأة لكل من دخل عليها من الناس. وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثاً عن النبيّ ﷺ ، وذكر آخر عن عائشة ﵂ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركَت أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا» وقبض على نصف الذراع. قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تُبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بدّ منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك.

стр. 175

فـ (ما ظهر) على هذا الوجه مما تؤدّي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه (١). قلت: هذا قول حسن، إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورَهما عادةً وعبادةً وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما. يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ «أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رِقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال لها: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرَى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفّيه» فهذا أقوى في جانب الاحتياط؛ ولمراعاة فساد الناس فلا تُبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفّيها، والله الموفق لا ربّ سواه. وقد قال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد من علمائنا: أن المرأة إذا كانت جميلة وخِيف من وجهها وكفّيها الفتنةُ فعليها سَتر ذلك وإن كانت عجوزاً أو مُقَبَّحة جاز أن تكشف وجهها وكفّيها) انتهى. فلاحظ قول القرطبي عندما قال: (قلت: هذا قول حسن) يقصد كلام ابن عطية ثم ما لبث أن رجع وتعقبه (إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورَهما عادةً وعبادةً وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعاً إليهما .. فهذا أقوى في جانب الاحتياط .. فلا تُبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفّيها) فهو مثل من سبق معنا أراد تحديد القدر المباح إظهاره للأجنبي بالوجه والكفين

стр. 176

لأنهما يظهران في العادة والعبادة والصلاة والحج، فهو مثل الإمام الطبري لما خاف أن يفهم الناس من أقوال السلف في تفسير الآية أنها رخصة للمرأة أن تُظهر ما تحتاجه عند الضرورة خافوا أن يتساهل الناس بإبداء أكثر من الوجه والكفين لأنهما غالب ما تحتاج المرأة لكشفهما كما مثل لذلك الفقهاء فقال الطبري: (وَأولَى الأقوال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: قَوْل مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْوَجْه وَالكفان). ويقصد (وأولى الأقوال) أي أقوال السلف من الصحابة والتابعين التي نقلها في الآية، فالقرطبي لم يقصد أن الآية تشريع ووصف لمسألة الحجاب، بل هم مجمعون ويعلمون أن الآية رخصة عند الضرورة لأن تبدي المرأة ما تدعو الحاجة والضرورة إليه لهذا كرروا لفظة الحاجة والضرورة عند تفسيرهم للآية، ولكنهم أرادوا تحديد ما يظهر عند الضرورة غالبا ولهذا وجدناهم بنفس الاستدلال والاستنتاج فصار (أولى) واستشهدوا لمن طالبهم بالدليل على تحديد هذا القدر وكونه (أولى بالصواب) لأنه مما يظهر من المرأة في صلاتها كما قال الطبري والقرطبي ومن سبق معنا. وهنا قال القرطبي: (واختلف الناس في قدر ذلك فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير الوجه ... ) لأن الزينة في الآية لم تحدد بشيء وحتى لا يتوسع الناس في الأخذ بالرخصة فيظهروا من الزينة في أحوالها الغالبة أكثر من الوجه والكفين فقدروه بما قدره الطبري سابقا بالوجه والكفين.

стр. 177

ولهذا حسّن القرطبي كلام ابن عطية في توضيحه لمعنى الآية الإجمالي بكونها رخصة لما يظهر عند الضرورة عندما قال وكرر لفظة الضرورة مرتين وقال: (إن المرأة مأمورة بألا تُبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ... فيما يظهر بحكم ضرورة ... مما تؤدّي إليه الضرورة ... ) ولكن رجع وتعقبه لأنه لم يحدد ما يظهر من الزينة كما حددها الكثيرون من المفسرين السابقين غيره، ولهذا لم يكتفي بحرص ابن عطية في بيان أنها رخصة لم يكفيه ذلك وأصر القرطبي أن يحددها للناس بالوجه والكفين كما حددها أئمة التفسير والفقه من قبله احتياطاً وحرصاً منهم من مجموع أقوال الصحابة والتابعين في الآية وليستدلوا بأن ذلك (أولى) و (احتياطاً) استدلوا بعده استدلالات منه: لأنهما مما يظهران عادة وعبادة، وفي وصلاتها، ولأنها عند بعضهم ليست بعورة وزاد بعضهم استشهاده بحديث أسماء وعائشة ولكن ليس للسفور كما ظنه أهله واستشهدوا به وإنما لتحديد قدر الرخصة بالوجه والكفين حذرا من التوسع والتساهل، وسبق أن بينا أن المتقدمين كانوا يذكرون حديث أسماء وقوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ في أبواب الصلاة لتحديد القدر من عورتها في الصلاة بالوجه والكفين وإن كان الإجماع على هذا القدر وهو كافٍ. فقد قال القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم﴾ [الأعراف: ٢٦]: (وأما المرأة الحرة فعورة كلها إلا الوجه والكفين على هذا أكثر أهل العلم وقد قال النبي: ﷺ «من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها

стр. 178

وكفيها» ولأن ذلك واجب كشفه في الإحرام ... وحديث أم سلمة «أنها سئلت: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها» وقد روي مرفوعا والذين أوقفوه على أم سلمة أكثر وأحفظ منهم مالك وابن إسحاق وغيرهما قال أبو داود: ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة أنها سألت رسول الله ﷺ ، قال أبو عمر: عبد الرحمن هذا ضعيف عندهم إلا أنه خرَّج البخاري بعض حديثه والإجماع في هذا الباب أقوى من الخبر) انتهى. كما أن قول القرطبي معروف في وجوب ستر المرأة لوجهها أشهر من أن ينقل ومع ذلك نقلناه في عدة مواضع هنا دليلا على أن قولهم ليس بعورة لا يعنى قولهم بجواز كشفه بدون سبب مُبِيح فليراجع. وقد يتساءل أحدنا وما دخل آية الرخصة بتحديد ما يظهر في الصلاة؟ فهذا اجتهاد قياسي منهم لأن حديث: (تصلى في درع وخمار) (١) فيه مقال، كما أنه ليس فيه ولا في غيره تحديد دقيق بظهور

стр. 179

الوجه والكفين إنما هو الإجماع، فأحبوا الاستشهاد بتلك النصوص وإن كانت بعيدة عن موضوع الصلاة، وموضوع تحديد الرخصة هنا. ١٣ - كما قال ابن رشد - المالكي - في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد "كتاب النكاح": (وأما النظر إلى المرأة عند الخطبة، فأجاز ذلك مالك إلى الوجه والكفين فقط؛ وأجاز ذلك غيره إلى جميع البدن عدا السوأتين؛ ومنع ذلك قوم على الإطلاق؛ وأجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفين، والسبب في اختلافهم أنه ورد الأمر بالنظر إليهن مطلقا، وورد بالمنع مطلقا، وورد مقيدا: أعني بالوجه والكفين على ما قاله كثير من العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إنه الوجه والكفان، وقياسا على جواز كشفهما في الحج عند الأكثر، ومن منع تمسك بالأصل وهو تحريم النظر إلى النساء) انتهى. وأنظر كيف فهموا من الآية جواز النظر للخاطب ونحوه، وليس على كل حال. فهم درجوا على ذلك كما هو مسطر في كتبهم وسيمر معنا بعضه من أنهم مرة يستشهدون بحديث أسماء هنا في باب تحديد قدر الزينة المرخص للأجنبي أن ينظر إليها، ومرة هناك في أبواب الصلاة وعورة المرأة فيها، ولم يخطر ببالهم في ذلك الوقت من أزمانهم من سيفهم من هذه النصوص شيئا يسمى جواز كشف المرأة لوجهها بلا سبب مبيح، وإنما كانت كل تلك القياسات والآثار لتحديد القدر بالوجه والكفين لأنه كما قال أقوى في جانب الاحتياط، والتحديد.

стр. 180

وقد سبق القرطبي في هذا التحديد الإمام الطبري كما سيأتي والبغوي وغيرهم كثير من أهل الفقه والتفسير كما سيمر معنا بنفس المقال خوفا من توسع البعض كما في جواز النظر للمخطوبة حيث توسع بعضهم فقال بجواز النظر لأكثر من الوجه والكفين بكثير. ١٤ - قال الإمام ابن قدامة في كتابه المغني بعد ذكره لأقوال العلماء - في النظر للمخطوبة-: (ولنا قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وروي عن ابن عباس أنه قال: الوجه وبطن الكف، ولأن النظر محرم أبيح للحاجة فيختص بما تدعو الحاجة إليه، وهو ما ذكرنا ... فأما ما يظهر غالباً سوى الوجه كالكفين والقدمين ونحو ذلك مما تظهره المرأة في منزلها، ففيه روايتان: إحداهما: لا يباح النظر إليه لأنه عورة، فلم يبح النظر إليه كالذي لا يظهر، فإن عبدالله روى أن النبي قال: «المرأة عورة» حديث حسن، ولأن الحاجة تندفع بالنظر إلى الوجه فبقي ما عداه على التحريم. والثانية: له النظر إلى ذلك .. ) انتهى كلام ابن قدامة ﵀. ولهذا قصره أكثرهم على الوجه والكفين، ومنهم من توسع قليلاً ومنهم من بالغ جداً، كما أن ابن قدامة من الحنابلة وهو يرى أن الوجه ليس بعورة وهذا لم يمنعه كغيره ممن أخذوا بهذا، من قولهم بتحريم كشفه بلا سبب مبيح، لِعِلة أخرى عندهم وهي الفتنة والشهوة وسيأتي معنا مزيد من نقولاته في ذلك ﵀.
следующие страницы →