لأنهما يظهران في العادة والعبادة والصلاة والحج، فهو مثل الإمام الطبري لما خاف أن يفهم الناس من أقوال السلف في تفسير الآية أنها رخصة للمرأة أن تُظهر ما تحتاجه عند الضرورة خافوا أن يتساهل الناس بإبداء أكثر من الوجه والكفين لأنهما غالب ما تحتاج المرأة لكشفهما كما مثل لذلك الفقهاء فقال الطبري: (وَأولَى الأقوال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: قَوْل مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْوَجْه وَالكفان). ويقصد (وأولى الأقوال) أي أقوال السلف من الصحابة والتابعين التي نقلها في الآية، فالقرطبي لم يقصد أن الآية تشريع ووصف لمسألة الحجاب، بل هم مجمعون ويعلمون أن الآية رخصة عند الضرورة لأن تبدي المرأة ما تدعو الحاجة والضرورة إليه لهذا كرروا لفظة الحاجة والضرورة عند تفسيرهم للآية، ولكنهم أرادوا تحديد ما يظهر عند الضرورة غالبا ولهذا وجدناهم بنفس الاستدلال والاستنتاج فصار (أولى) واستشهدوا لمن طالبهم بالدليل على تحديد هذا القدر وكونه (أولى بالصواب) لأنه مما يظهر من المرأة في صلاتها كما قال الطبري والقرطبي ومن سبق معنا.
وهنا قال القرطبي: (واختلف الناس في قدر ذلك فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير الوجه ... ) لأن الزينة في الآية لم تحدد بشيء وحتى لا يتوسع الناس في الأخذ بالرخصة فيظهروا من الزينة في أحوالها الغالبة أكثر من الوجه والكفين فقدروه بما قدره الطبري سابقا بالوجه والكفين.
стр. 177
ولهذا حسّن القرطبي كلام ابن عطية في توضيحه لمعنى الآية الإجمالي بكونها رخصة لما يظهر عند الضرورة عندما قال وكرر لفظة الضرورة مرتين وقال: (إن المرأة مأمورة بألا تُبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ... فيما يظهر بحكم ضرورة ... مما تؤدّي إليه الضرورة ... ) ولكن رجع وتعقبه لأنه لم يحدد ما يظهر من الزينة كما حددها الكثيرون من المفسرين السابقين غيره، ولهذا لم يكتفي بحرص ابن عطية في بيان أنها رخصة لم يكفيه ذلك وأصر القرطبي أن يحددها للناس بالوجه والكفين كما حددها أئمة التفسير والفقه من قبله احتياطاً وحرصاً منهم من مجموع أقوال الصحابة والتابعين في الآية وليستدلوا بأن ذلك (أولى) و (احتياطاً) استدلوا بعده استدلالات منه: لأنهما مما يظهران عادة وعبادة، وفي وصلاتها، ولأنها عند بعضهم ليست بعورة وزاد بعضهم استشهاده بحديث أسماء وعائشة ولكن ليس للسفور كما ظنه أهله واستشهدوا به وإنما لتحديد قدر الرخصة بالوجه والكفين حذرا من التوسع والتساهل، وسبق أن بينا أن المتقدمين كانوا يذكرون حديث أسماء وقوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ في أبواب الصلاة لتحديد القدر من عورتها في الصلاة بالوجه والكفين وإن كان الإجماع على هذا القدر وهو كافٍ. فقد قال القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم﴾ [الأعراف: ٢٦]: (وأما المرأة الحرة فعورة كلها إلا الوجه والكفين على هذا أكثر أهل العلم وقد قال النبي: ﷺ «من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر إلى وجهها
стр. 178
وكفيها» ولأن ذلك واجب كشفه في الإحرام ... وحديث أم سلمة «أنها سئلت: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي في الدرع والخمار السابغ الذي يغيب ظهور قدميها» وقد روي مرفوعا والذين أوقفوه على أم سلمة أكثر وأحفظ منهم مالك وابن إسحاق وغيرهما قال أبو داود: ورفعه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة أنها سألت رسول الله ﷺ ، قال أبو عمر: عبد الرحمن هذا ضعيف عندهم إلا أنه خرَّج البخاري بعض حديثه والإجماع في هذا الباب أقوى من الخبر) انتهى.
كما أن قول القرطبي معروف في وجوب ستر المرأة لوجهها أشهر من أن ينقل ومع ذلك نقلناه في عدة مواضع هنا دليلا على أن قولهم ليس بعورة لا يعنى قولهم بجواز كشفه بدون سبب مُبِيح فليراجع.
وقد يتساءل أحدنا وما دخل آية الرخصة بتحديد ما يظهر في الصلاة؟ فهذا اجتهاد قياسي منهم لأن حديث: (تصلى في درع وخمار) (١) فيه مقال، كما أنه ليس فيه ولا في غيره تحديد دقيق بظهور
стр. 179
الوجه والكفين إنما هو الإجماع، فأحبوا الاستشهاد بتلك النصوص وإن كانت بعيدة عن موضوع الصلاة، وموضوع تحديد الرخصة هنا.
١٣ - كما قال ابن رشد - المالكي - في كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد "كتاب النكاح": (وأما النظر إلى المرأة عند الخطبة، فأجاز ذلك مالك إلى الوجه والكفين فقط؛ وأجاز ذلك غيره إلى جميع البدن عدا السوأتين؛ ومنع ذلك قوم على الإطلاق؛ وأجاز أبو حنيفة النظر إلى القدمين مع الوجه والكفين، والسبب في اختلافهم أنه ورد الأمر بالنظر إليهن مطلقا، وورد بالمنع مطلقا، وورد مقيدا: أعني بالوجه والكفين على ما قاله كثير من العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ إنه الوجه والكفان، وقياسا على جواز كشفهما في الحج عند الأكثر، ومن منع تمسك بالأصل وهو تحريم النظر إلى النساء) انتهى.
وأنظر كيف فهموا من الآية جواز النظر للخاطب ونحوه، وليس على كل حال.
فهم درجوا على ذلك كما هو مسطر في كتبهم وسيمر معنا بعضه من أنهم مرة يستشهدون بحديث أسماء هنا في باب تحديد قدر الزينة المرخص للأجنبي أن ينظر إليها، ومرة هناك في أبواب الصلاة وعورة المرأة فيها، ولم يخطر ببالهم في ذلك الوقت من أزمانهم من سيفهم من هذه النصوص شيئا يسمى جواز كشف المرأة لوجهها بلا سبب مبيح، وإنما كانت كل تلك القياسات والآثار لتحديد القدر بالوجه والكفين لأنه كما قال أقوى في جانب الاحتياط، والتحديد.
стр. 180
وقد سبق القرطبي في هذا التحديد الإمام الطبري كما سيأتي والبغوي وغيرهم كثير من أهل الفقه والتفسير كما سيمر معنا بنفس المقال خوفا من توسع البعض كما في جواز النظر للمخطوبة حيث توسع بعضهم فقال بجواز النظر لأكثر من الوجه والكفين بكثير.
١٤ - قال الإمام ابن قدامة في كتابه المغني بعد ذكره لأقوال العلماء - في النظر للمخطوبة-: (ولنا قول الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وروي عن ابن عباس أنه قال: الوجه وبطن الكف، ولأن النظر محرم أبيح للحاجة فيختص بما تدعو الحاجة إليه، وهو ما ذكرنا ... فأما ما يظهر غالباً سوى الوجه كالكفين والقدمين ونحو ذلك مما تظهره المرأة في منزلها، ففيه روايتان:
إحداهما: لا يباح النظر إليه لأنه عورة، فلم يبح النظر إليه كالذي لا يظهر، فإن عبدالله روى أن النبي قال: «المرأة عورة» حديث حسن، ولأن الحاجة تندفع بالنظر إلى الوجه فبقي ما عداه على التحريم.
والثانية: له النظر إلى ذلك .. ) انتهى كلام ابن قدامة ﵀.
ولهذا قصره أكثرهم على الوجه والكفين، ومنهم من توسع قليلاً ومنهم من بالغ جداً، كما أن ابن قدامة من الحنابلة وهو يرى أن الوجه ليس بعورة وهذا لم يمنعه كغيره ممن أخذوا بهذا، من قولهم بتحريم كشفه بلا سبب مبيح، لِعِلة أخرى عندهم وهي الفتنة والشهوة وسيأتي معنا مزيد من نقولاته في ذلك ﵀.
стр. 181
١٥ - الإمام البغوي (ت: ٥١٠ هـ) في تفسيره (من متقدمي الأحناف)
قال: (واختلف أهل العلم في هذه الزينة الظاهرة التي استثناها الله تعالى: قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي: هو الوجه والكفان. وقال ابن مسعود: هي الثياب بدليل قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١] وأراد بها الثياب. وقال الحسن: الوجه والثياب. وقال ابن عباس: الكحل والخاتم والخضاب في الكف. فما كان من الزينة الظاهرة جاز للرجل الأجنبي النظر إليه إذا لم يخف فتنة وشهوة، فإن خاف شيئاً منها غض البصر.
وإنما رخص في هذا القدر أن تبديه المرأة من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة يلزمها ستره). انتهى كلام البغوي.
وقوله (وإنما رخص في هذا القدر أن تبديه) وهذا يدل أنه يتكلم في رخصة وإلا فهو في أصله مستور وغير بادٍ، ولهذا أحبوا الاستئناس بتحديد القدر الذي ينكشف بأمور منها ما يظهر في الصلاة والحج وبأثر أسماء، فالأدلة هنا من قوله تعالى ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يستخدمونها في تحديد القدر للمسائل هناك والأدلة هناك يستخدمونها في تحديد القدر للمسائل هنا. فمن لم يعرف طريقتهم ويفهم منهجهم يظن أنهم يتكلمون في تأييد مذهب أهل السفور اليوم لأنهم يذكرون نفس تلك الأدلة التي يستشهد بها أهل السفور اليوم.
стр. 182
ولكن المتقدمين لم يفهموا منها السفور أبدا ولم يأتِ عنهم كلمة واحدة عند ذكرهم لها أنها تعني جواز خروج المرأة سافرة عن وجهها، وإنما فهموا منها التحديد بما يظهر من المرأة فقط في عورة الصلاة وعند الرخص، فحسب المتأخرون من دعاة السفور اليوم أنهم يتكلمون في آية تشريع الحجاب الواصفة لشكله وحدوده، وأنها دليل على قولهم في جواز كشف المرأة لوجهها، فحصل التحريف شيئا فشيئا فيمن بعدهم وزادت غربة الإسلام في مسألة الحجاب.
فمثل القرطبي والبغوي وغيرهم ممن سبق معنا ما قاله قبلهم:
١٦ - شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) في تفسيره بعد أن نقل أقوال السلف في الآية قال: (وَأولَى الأقوال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: قَوْل مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْوَجْه وَالكفان, يَدْخُل فِي ذَلِكَ إذا كان كَذَلِكَ الْكُحْل, وَالخاتم, وَالسِّوَار, وَالخضاب.
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل، لإجماع الجميع أن على كل مصلٍّ أن يستر عورته في صلاته، وأنَّ للمرأة أنْ تكشف وجهها وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلا ما روي عن النبي ﷺ أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف. فإذا كان ذلك من جميعهم إجماعا، كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجل، لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره. وإذا لها إظهار ذلك كان معلوما أنه مما استثناه الله تعالى ذكره، بقوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ لأن كل ذلك ظاهر منها) انتهى من تفسير الطبري.
стр. 183
فالطبري من قدماء المفسرين الذين كانوا ينقلون أقوال السلف كما هي وبالأسانيد عنهم ولم يكونوا محتاجين أيضا لمزيد بيان عليها مع ما توافرت عليه نساؤهم من الستر والحجاب، سوى أنهم كانوا حريصين ومحتاجين إلى الإشارة والتنبيه في معرض نقولاتهم لأقوال السلف للتحذير من عدم التوسع في فهم الرخصة بإبداء الزينة بأكثر من الوجه والكفين، كون ذلك هو الغالب من الأحوال التي مثل لها الفقهاء فكان بعضهم ينبه إلى هذا القدر، والاقتصار عليه لأنهما الأكثر من زينتها التي تحتاج وتبتلى المرأة بكشفه، وللرد على من توسع فيما سواهما كما أشار بقوله: (إلا ما روي عن النبي ﷺ أنه أباح لها أن تبديه من ذراعها إلى قدر النصف) وما قاله البعض من جواز ظهور أكثر من الوجه والكفين للخاطب، ولهذا فبعضهم تحرزوا من توسع الناس أو تساهلهم فيقول قائل كما أنه جاز الكشف إلى نصف الذراع، فيعتبر ليس بعورة فيجوز إظهاره كذلك عند الحاجة والضرورة من الرخص، ولهذا أرادوا بتحديدهم هذا الاحتياط من كشف مالا داعي لكشفه حيث تقدر الحاجة والضرورة بقدرها.
ولهذا فَهُم قالوا ما قالوه من استدلالات لمن طالبهم بدليل على هذا القدر الذي ذكروا فظنه البعض اليوم أنهم يتكلمون في الآية المشرعة لفريضة الحجاب، الواصفة لطريقته وشكله، لعدم إدراك المتأخرين بأسباب وتاريخ نزولها وأنها جاءت رخصة متأخرة عن آيات سورة الأحزاب المتقدمة، ففهم بعض القائلين بمذهب السفور كالشيخ الألباني كلام الطبري في الرخصة أنه كلامه في أحوال المرأة العادية فأخذ منه ما
стр. 184
يوافق مذهبه عندما صوب الإمام الطبري قول من قال الوجه والكفين وغلطه وحمل عليه معترضا من طريقة قياسه واستنتاجه لذلك (الأولى بالصواب) لأنه استدل عليهما بأنهما مما يظهران من المرأة في صلاتها أجماعاً.
وكذلك فعل مع القرطبي صحح عبارته حين قال الوجه والكفان وغلطه واعترض عليه عندما استدل لهما بكونهما مما يظهران عادة وعبادة، فكان يوافق مرة ويعترض مرة أخرى في نفس الموضع وكان بذلك كأنه هو في وادٍ ومقصد الإمام الطبري والقرطبي والبغوي ومن وافقهم من أئمة التفسير والفقه في وادٍ آخر.
ومن سبر كلام المفسرين الذين وافقوا الطبري في استدلالاته عرف مقصدهم ومرادهم وأنهم يتكلمون في تأصيل ومقصد واحد وهو الاختيار من أقوال السلف في الآية لتحديد القدر الظاهر من زينة المرأة في الصلاة وعند الرخص، ولا يعنون سفور المرأة ولا شيئاً مما ظنه بهم أهل السفور بتاتاً، وإنما يريدون تقدير? ما ظهر منها﴾ بضابط واستدلال معين.
قال الشيخ الألباني غفر الله لنا وله، في "جلباب المرأة": (ومن قائل: أنها الكحل والخاتم والسوار والوجه وغيرها من الأقوال التي رواها ابن جرير في (تفسيره) (١٨/ ٨٤) عن بعض الصحابة والتابعين ثم اختار هو أن المراد بهذا الاستثناء الوجه والكفان فقال: (وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بذلك الوجه والكفين ... وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل لإجماع الجميع على أن على كل
стр. 185
مصلٍّ أن يستر عورته في صلاته وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها ... ) إلخ.
- قال الألباني- وهذا الترجيح غير قوي عندي لأنه غير متبادر من الآية على الأسلوب القرآني وإنما هو ترجيح بالإلزام الفقهي وهو غير لازم هنا لأن للمخالف أن يقول: جواز كشف المرأة عن وجهها في الصلاة أمر خاص بالصلاة فلا يجوز أن يقاس عليه الكشف خارج الصلاة لوضوح الفرق بين الحالتين.
أقول- الألباني - هذا مع عدم مخالفتنا له في جواز كشفها وجهها وكفيها في الصلاة وخارجها لدليل بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه وإنما المناقشة هنا في صحة هذا الدليل بخصوصه لا في صحة الدعوى فالحق في معنى هذا الاستثناء ما أسلفناه أول البحث وأيدناه بكلام ابن كثير.
- إلى أن قال الشيخ الألباني -
ويؤيده أيضا ما في (تفسير القرطبي) (١٢/ ٢٢٩):
(قال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن ونحو ذلك فـ (ما ظهر) على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه) قال القرطبي: (هذا قول حسن إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة
стр. 186
رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال لها: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه"، فهذا أقوى في جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها والله الموفق ولا رب سواه).
قلت - الألباني -: وفي هذا التعقيب نظر أيضا لأنه وإن كان الغالب على الوجه والكفين ظهورهما بحكم العادة فإنما ذلك بقصد من المكلف والآية حسب فهمنا إنما أفادت استثناء ما ظهر دون قصد، فكيف يسوغ حينئذ جعله دليلا شاملا لما ظهر بالقصد؟ فتأمل. ثم تأملت فبدا لي أن قول هؤلاء العلماء هو الصواب وأن ذلك من دقة نظرهم ﵏ وبيانه: أن السلف اتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ يعود إلى فعل يصدر من المرأة المكلفة غاية ما في الأمر أنهم ... ) (١) إلخ كلام الألباني ﵀ وما فيه من استنتاجات حديثة بدت له في كل مرة، بعيده عن مقصد ومراد أولئك الأئمة المتقدمين.
وأما قول الألباني: (هذا مع عدم مخالفتنا له في جواز كشفها وجهها وكفيها في الصلاة وخارجها لدليل بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه وإنما المناقشة هنا في صحة هذا الدليل بخصوصه لا في صحة الدعوى).
стр. 187
ولا أدري كيف قبل الشيخ الألباني ﵀ صحة الدعوى والدليل الموصل لها غير صحيح، هل لو كان قاضياً وجاءه خصم لا دليل عنده لصحة دعواه أكان يحكم له؟ فكيف بالحكم في شرع الله؟ .
فإما أن يكون الإمام الطبري يقول بالظن والتخريص فأصاب مصادفة أو أن الألباني لم يفهم مقصده ومرماه وتسرع في اعتراضه عليه وعلى القرطبي وعلى البغوي وعلى كثير ممن أصّلوا للمسألة بمثل قولهم ولو أن الألباني نظر لكلام أئمة التفسير جميعاً القائلين بقول الطبري والقرطبي والبغوي لتبين له المراد من مقصدهم واتفاقهم على هذا الاستدلال ليس لأنهم يقولون بجواز كشف المرأة لوجهها كما فهمه واستشهد بأقوالهم له، وإنما في تحديد قدر الرخصة، ولهذا اعترض عليهم حين استدلوا بأمر غريب في اعتقاده وهو بما يظهر منها حين صلاتها كما هو قول الطبري أو بما يظهر عادة وعبادة كما هو قول القرطبي؛ لأنه يحسب أنهم يتكلمون في جواز سفور المرأة في أحوالها العادية كما هو مذهبه، وكأنه يقول أين أنتم من الاستدلال بحديث الخثعمية؟ أين أنتم من الاستدلال بحديث سفعاء الخدين؟ ولكنه ما أحب أن ينبه السامعين على عدم وجود أحد من المتقدمين من فهم من تلك الأحاديث ما فهمه هو من سفور النساء لوجوههن فضلا على أن يستدلوا بها هنا في موضع استدلاله بأقوالهم في المسألة، ولهذا قال: (لدليل بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه) فالشيخ حقق كتب السنن والصحاح ولو وجد شيئا من كلامهم لما بخل به علينا، ولهذا سبق له تضعيف حديث أسماء ثم رجع وصححه ولعل من أسباب ذلك
стр. 188
رؤيته للكثير من المتقدمين ممن ذكروه هنا واستشهدوا به في ابواب عورة المراة في الصلاة وعند الرخص، فظنهم يقوه، ولكن لما أن ذكروه عكروا عليه ذلك بقولهم (ما يظهر عادة وعبادة) ولهذا رجع ﵀ معترضا عليهم مرة ثانية وكأنه كان يريد منهم أن يقولوا أنه دليل لجواز أن تكشف المرأة عن وجهها وكفيها، ولكنهم لم يقولوا شيئا ويوم أن ذكروه فهموا منه (الاحتياط) و (ما يظهر في صلاتها) و (عادة وعبادة) ولم يأتِ في بالهم المعنى الذي يريده أهل السفور اليوم.
فكيف لو علم الشيخ الألباني أن جميع من سننقل كلامهم هنا بل وغيرهم يقولون بنفس عبارات الطبري (لأنهما يظهران في صلاتها) كمثل: الإمام الجصاص والبغوي وابن عطية والخازن والقرطبي وصاحب تفسير الكشف والبيان للثعلبي، وتفسير الفقيه الخطيب الشربيني الشافعي وابن جزي كما سيمر معنا، ومنهم من قال بنفس قول الإمام القرطبي والذي اعترض عليه ثانية (عادة وعبادة) أمثال الأئمة: كالنسفي وابن عادل والزمخشري وصاحب غرائب القرآن ورغائب الفرقان وأبو حيان، وأبو السعود، ومن الفقهاء صاحب كتاب اللباب الحنفي وغيرهم كثير كما سيمر معنا، هل هؤلاء جهلوا وأخطؤوا في الاستدلال للآية، فلم يحسنوا بيان الحجة لمذهب السفور؟ .
وهل عندما يقول بعضهم (وإنما رُخص في هذا القدر أن تبديه) هل يُفهم منهم أنهم يتكلمون على رخصة أم على تشريع لفريضة؟ ولو كان الثاني أيقال فيها (رُخص في هذا القدر)؟ .
стр. 189
وعندما يقول القرطبي: (فهذا أقوى في جانب الاحتياط، ولمراعاة فساد الناس فلا تُبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفّيها) هل هذا كلام لمن يريد أن يدلل على جواز كشف وجه المرأة في أحوالها العادية يقول (احتياط) (ولمراعاة فساد الناس) (فلا تبدي إلا الوجه والكفين) فهل معناه أن تغطية المرأة لشعرها وغيره ليس بواجب أصلا وأن لها أن تخرج سافرة الشعر والسيقان ولكن للأسباب الأنفة (فلا تبدي إلا الوجه والكفين) أم المناسب هو أن كلامهم في الرخصة التي لم تحدد في الآية فلا تكشف (احتياطا) (ولمراعاة فساد الناس) (فلا تبدي إلا الوجه والكفين)؟ .
لهذا جاء تحديدهم للقدر الغالب بما يظهر منها حال الصلاة وعادة وعبادة واستشهادهم للقدر بحديث أسماء، ولهذا امتلأت كتبهم بعبارات الحاجة والضرورة وذكر الشاهد والقاضي والمتبايع ونحوهم عند تفسيرهم للآية وإباحة نظر الأجنبي للمرأة كما في أبواب الفقه والتفسير المختلفة.
وبلا شك وكما سيمر معنا الكثير أن قولهم بالوجه والكفين هنا إنما هو في حال (الضرورة) و (الرخصة) كما هو كلامهم مرارا وتكرارا، وأنه كذلك القدر المختار (والأولى بالصواب) من أقوال السلف كما قال الطبري كونه الغالب مما تحتاجه، ولأنه يظهر في صلاتها إجماعا، فلم يكن عورة، وزاد بعضهم استدلاله بحديث أسماء استئناسا بالحديث الضعيف كما أشار لذلك ابن كثير في تحديد ذلك القدر أيضا وسيأتي، وقصد استئناس الفقهاء والمحدثين بالحديث الضعيف إذ لم يوجد في
стр. 190
الباب غيره، أو أنهم حملوا معناه على حالة الرخصة في صلاتها وعند الضرورة، ولم يستدلوا به على ما استدل به اليوم دعاة السفور، فهم احتاطوا حتى في حالات الضرورة المباحة شرعا، والشيخ الألباني ظن ما يريده من التكشف الدائم، أليسوا هم في وادٍ والشيخ في وادٍ آخر، لهذا اعترض عليهم جميعا ولم يفهم ما يقولون وما يرمون إليه مع أنه ظاهر لمن تأمل في كلامهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
ومن أعظم التقصير: نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس، ثم يُعتبر أحد الموضعين المتعارضين بالغلط دون الآخر ... ) (١).
وقال في موضع آخر: (والعلم يحتاج إلى نقل مصدق ونظر محقوق. والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه ومعرفة دلالته كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله) (٢) انتهى.
فإما أن هؤلاء لا يعرفون أن يعبروا عن مقاصدهم ومرادهم كما يقوله الشيخ الألباني عندما اعترض على إمامين جليلين وهما الطبري والقرطبي، والحقيقة أنه اعتراض على جميعهم، لهذا قال الشيخ: (وما علاقة ما يظهر في صلاتها بما يظهر خارج الصلاة؟ ) واعترض عليهم بقوله: (وهذا الترجيح غير قوي عندي) (وفي هذا التعقيب نظر أيضا) بمعني أنهم لا يحسنون التعبير عن حججهم ولا حسن الاستنباط، لأنهم
стр. 191
استدلوا في نظره على السفور بحجة ضعيفة وبعيده وهي (ما يظهر حال صلاتها) و (بما يظهر في العادة والعبادة) وكأنه أراد منهم أن يستدلوا بالأحاديث والآثار التي فهمها هو وغيره من المتأخرين اليوم على أنها تعني جواز كشف المرأة لوجهها، ولهذا قال: (لدليل بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه) فهل لم يكونوا مطلعين عليها؟ والحق أنهم يتكلمون في آية الرخصة وتحديد ما ينكشف من المراة عند الحاجة والصلاة، والشيخ يحسب أنهم يستنتجون أدلة لمذهب السفور.
ومن ضمن المتقدمين الذين قووا القول بتحديد هذا القدر بالوجه والكفين عند الحاجة.
١٧ - الإمام البيهقي ﵀ في سننه الكبرى (١):
فبعد إيراده لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ونَقلهُ لأقوال الصحابة فيها وحديث أسماء ثم تضعيفه للحديث قال كلاماً يقوى به ذلك التحديد فظنه الشيخ الألباني أنه يقصد تقوية الحديث وهو إنما قوى أصل المسألة في تحديد القدر الظاهر في الصلاة وعند الحاجة كغيره من الأئمة، فهذا غلط أيضا على البيهقي، لأن الألباني لو تابع كلامه إلى آخره لتبين له مقصده في "كتاب النكاح" ورؤية الخاطب حيث قال: ...
стр. 192
(باب تخصيص الوجه والكفين بجواز النظر إليها عند الحاجة) ثم قال بعده (باب من بعث بامرأة لتنظر إليها)! ثم قال بعده (باب تحريم النظر إلى الأجنبيات من غير سبب مبيح قال الله قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) انتهى.
وأنا أعلم أن الشيخ معذور بمشيئة الله تعالى ولكن قصدي بهذا أن أبين خطورة المجاملة لو صححنا مثل هذا الكلام، فسيظن الناس أن مقصد أولئك هو فعلاً ما قاله الشيخ وفهمه منهم فنحكم عليهم بضياع علمهم وتحريف قولهم وتبديل قصدهم ونسبة السفور لهم، وكيف لو علمنا أن أئمة كُثُر غير أولئك قد قالوا بقولهم فإما أن نخطئ الشيخ أو نحرف كلام كثير من أئمة الإسلام وننسب إليهم مثل هذا القول وأنهم لم يعرفوا أن يُبينوا عن حجتهم في السفور وهم يحملون أسفار العلم في صدورهم، فليست المسألة سهلة كما يعتقدها البعض اليوم.
فبالله عليكم مذهب لا يدري من أين شرعت فريضة الحجاب؟ ولا أوله نزولاً من آخره ألا يكون مذهبا شاذاً وبدعياً مخالفاً لإجماع الأمة في آيتي ﴿يدنين﴾ و ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وعلى فريضة عظيمه،
إنه ذلك الإجماع المنقطع النظير؟ فهل تمنعنا محبتنا للشيخ ونحن نعلم أنه أول من لو تبين له الحق في المسألة لقال أنه مذهب بدعي؟ والله ورسوله أحب إلينا مما سواهما وأن نحب المرء لا نحبه إلا لله وأنَّ هذا الدين أمانة في أعناق كل من بان له الحق ألا يداهن ولا يجامل في أعز ما لديه، بل عليه أن يغضب إذا انتهكت محارم الله، والألباني كما قال شيخ الإسلام عن زلة العلماء (مغفور لهم خطؤهم) ولكن بقي دورنا نحن لو كتمنا ما أنزل الله، رحم الله الجميع.
стр. 193
وقد سبق معنا تأكيد مذهب المتقدمين من السلف ومن بعدهم من علماء الأمة أنهم على ركن ثابت وخط مستقيم بحمد الله في مسألة فريضة الحجاب فلو رجعوا لكلام القرطبي مثلا لما شك فيه ولا في كلامه السابق أحد ولعلموا مقصده ومراده فهو مثلا في أول آية نزلت في شأن الحجاب قال: (في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مُسآلتهن من وراء حجاب في حاجةٍ تُعرض، أو مسألة يُستَفتَين فيها ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها كما تقدم، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها) (١) إلخ، وهذا بخلاف أيضا كلامه السابق معنا والصريح على آية الإدناء فليراجع.
وأيضا الإمام الطبري حيث مر معنا في آية الإدناء مستهلا تفسيره لها (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن. ولكن ليدنين عليهن ... ) ثم ذكر اختلاف طريقة الإدناء عن ابن عباس وغيره، سواء بطريقة السدل والإرخاء أو بطريقة التثبيت على الوجه بالضرب والشد على الجبين كالتقنع والنقاب والبرقع فحسبوه هناك أيضا أنه من خلاف التضاد.
стр. 194
وكذلك وضوح قول البغوي والجصاص في تفسيرهم لآية الإدناء وغيرها وقد سبق في موضعه فليراجع.
فكيف يشكك في نسبة هؤلاء وغيرهم وإيهام الناس على أنهم على مذهب السفور بأدنى الاحتمالات والتأويلات في مقابل أقوالهم الصريحة؟ وبالضبط فعلوا بنصوص الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم فصرفوها وحملوها بأدنى الاحتمالات والتأويلات الباردة، لتدل في نظرهم على مذهب السفور.
والآن نرجع لما كنا وقفنا عنده من قول الإمام البغوي: (جاز للرجل الأجنبي النظر إليه إذا لم يخف فتنة وشهوة فإن خاف شيئا غض البصر وإنما رخص في هذا القدر أن تبديه) وهذا يبين لكم أنهم يتكلمون في رخصة وليس في أمر مشروع ومباح أصلا إبداؤه، فقوله (للرجل الأجنبي إذا لم يخش فتنة أو شهوة) هو لناظر مخصوص ممن جاز له النظر إليها للحاجة أو الضرورة كالشاهد ونحوه، وليس كما فهمه الكثير أنه لعموم الناس، فهذا عندهم حرام إن لم يكن لأنه عورة عندهم فلأنه فتنة وشهوة فالاختلاف هو فقط في علة التحريم، أما تحريم كشف الوجه والكفين بلا حاجة فهم مجمعون عليه كما سترى، ولكن من نظر للأمر الشرعي لستر النساء لوجوههن لكون العلة الفتنة والشهوة قال بها ومن نظر أن العلة هي العورة قال بها.
والآن نكمل ما نحن بصدده من نقل أدلة الفقهاء.
стр. 195
بقية أدلة الأحناف والمالكية وغيرهم في تفسير الآية بأنها رخصة وتحديدهم القدر المرخص لها أن تبديه في الغالب وأن قولهم ليس بعورة لا يعني عدم وجوب ستره
١٨ - الإمام القدوري - الحنفي - (ت: ٤٢٨ هـ) قال في متنه الشهير بـ (الكتاب (:
(ولا يجوز أن ينظر الرجل من الأجنبية إلا إلى وجهها وكفيها، وإن كان لا يأمن الشهوة لا ينظر إلى وجهها إلا لحاجةٍ) انتهى.
ومع وضوح كلام المصنف رحمه الله تعالى، وقد مر معنا مثله وهو جواز نظر الأجنبي لها، إذا لم يخش فتنة وشهوة، فإن خشي فلا ينظر إلا إذا كانت الحاجة ماسة له شخصياً، وقد شرح هذا المتن لأهميته عدد من الأئمة والعلماء:
١٩ - أولهما: شرح العبادي الحدادي (ت: ٨٠٠ هـ) وسماه بـ (الجوهرة النيرة) يقول في شرح الفقرة السابقة:
(قوله: ) ولا يجوز أن ينظر الرجل من الأجنبية إلا إلى وجهها وكفيها (لأن في إبداء الوجه والكف ضرورة لحاجتها إلى المعاملة مع الرجال أخذا وإعطاء وقد يضطر إلى كشف وجهها للشهادة لها وعليها عند الحاكم فرخص لها فيه وفي كلام الشيخ دلالة على أنه لا يباح له النظر إلى قدمها وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يباح ذلك لأن المرأة تضطر إلى المشي فيبدو قدمها فصار كالكف ولأن الوجه يشتهى والقدم لا
стр. 196
يشتهى فإذا جاز النظر إلى وجهها فقدمها أولى قلنا الضرورة لا تتحقق في كشف القدم إذ المرأة تمشي في الجوربين والخفين فتستغني عن إظهار القدمين فلا يجوز النظر إليهما.
(قوله: (فإن كان لا يأمن الشهوة لا ينظر إلى وجهها إلا لحاجة) (لقوله ﷺ : من نظر إلى محاسن امرأة أجنبية بشهوة صب في عينيه الآنك يوم القيامة) الآنك هو الرصاص وقول: إلا لحاجة هو أن يريد الشهادة عليها فيجوز له النظر إلى وجهها وإن خاف الشهوة؛ لأنه مضطر إليه في إقامة الشهادة أصله شهود الزنا الذين لا بد من نظرهم إلى العورة إذا أرادوا إقامة الشهادة) انتهى كلامه.
وأنت أخي القارئ ترى عبارات القوم أنهم يتكلمون في تحديد قدر الرخصة وفي أمر في أصله كان مستورا وأن انكشافه أو إبداءه كان رخصة للضرورة والحاجة في ذلك وليس تشريعا دائماً، فتأمله وراجعه تعرف الحقيقة بادية في كلام المتقدمين كالشمس بلا خفاء.
٢٠ - وثانيهما: شرح عبد الغني الدمشقي الميداني (ت: ١٢٨٩ هـ)
وسماه بـ (اللباب في شرح الكتاب) -الأحناف- يقول في شرح الفقرة السابقة أيضا:
(ولا يجوز) للرجل (أن ينظر من الأجنبية) الحرة (إلا إلى وجهها وكفيها) ضرورة احتياجها إلى المعاملة مع الرجال أخذاً وإعطاءً وغير ذلك وهذا تنصيص على أنه لا يباح النظر إلى قدمها وعن أبي حنيفة أنه يباح لأن فيه بعض الضرورة.
стр. 197
وعن أبي يوسف أنه يباح النظر إلى ذراعها أيضا لأنه قد يبدو منها عادة، هداية. وهذا إذا كان يأمن الشهوة (فإن كان لا يأمن) على نفسه) الشهوة لم ينظر (١) إلى وجهها إلا لحاجة (ضرورية (٢) لقوله ﷺ : من نظر إلى محاسن امرأة أجنبية عن شهوة صب في عينيه الآنك (الآنك: الرصاص المذاب وهو حينئذ شديد الحرارة) يوم القيامة) هداية.
قال في الدر: فحل النظر مقيد بعدم الشهوة وإلا فحرام، وهذا في زمانهم وأما في زماننا فمنع من الشابة قهستاني وغيره. ا. هـ.
(ويجوز للقاضي إذا أراد أن يحكم عليها) أي المرأة (وللشاهد إذا أراد الشهادة عليها النظر إلى وجهها وإن خاف أن يشتهي) للحاجة إلى إحياء حقوق الناس بواسطة القضاء وأداء الشهادة ولكن ينبغي أن يقصد به أداء الشهادة أو الحكم عليها لا قضاء الشهوة تحرزا عما يمكنه التحرز عنه وهو قصد القبيح، وأما النظر لتحمل الشهادة إذا اشتهى قيل: يباح والأصح أنه لا يباح لأنه يوجد من لا يشتهي فلا ضرورة بخلاف حالة الأداء. هداية. (ويجوز) أيضا (للطبيب) أن ينظر إلى موضع المرض منها (وينبغي أن يُعلم امرأة مداواتها لأن نظر الجنس إلى الجنس أسهل فإن لم يقدر يستر كل موضع منها سوى موضع
стр. 198
المرض ثم ينظر ويغمض بصره ما استطاع لأن ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة وصار كنظر الخافضة والختان. هداية) (١) انتهى.
أقول وكلامهم واضح في عدم جواز كشف المرأة لوجهها إلا في حالة الضرورة، وأنهم لا يعنون الكلام في بيان مسألة مشروعية فريضة الحجاب، وإنما في الرخصة في كشف المرأة وجهها للأجنبي كحال الشهادة والعلاج ونحو ذلك، وأنه في بعض الحالات لو لم تأمن الفتنة والشهوة منه كأن كان فاسقا أو معروفا بالفحش أو خيف عليه لجمالها أو رقة دينه منعوه، ومثل هذا لا يقال في تشريع.
ولهذا قال في الدر: (فحل النظر مقيد بعدم الشهوة وإلا فحرام. وهذا في زمانهم وأما في زماننا فمنع من الشابة قهستاني وغيره) أي منعوا النظر للشابة بتاتاً ولو لحاجة وضرورة ولو بدون شهوة لأنها تختلف عن غيرها، وسداً للباب لكثرة الفساد في زمانهم، فكيف به في زماننا، ويقصد منعوه من ناظر مخصوص ممن جاز نظره لها للحاجة فتنبه! . وذلك في زمانهم لكثرة الفساد ولقلة الناظرين الورعين.
٢١ - ومثله كما قال العلامة ابن نجيم في البحر الرائق شرح كنز الدقائق: (واعلم أنه لا ملازمة بين كونه ليس بعورة وجواز النظر إليه فحل النظر منوط بعدم خشية الشهوة مع انتفاء العورة ولذا حرم النظر إلى وجهها ووجه الأمرد إذا شك في الشهوة ولا عورة، كذا في شرح
стр. 199
المنية قال مشايخنا: تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة) (١) انتهى.
٢٢ - وقال ابن عابدين (ت: ١٢٥٢ هـ) في حاشيته:
(والمعنى تمنع من الكشف لخوف أن يرى الرجال وجهها فتقع الفتنة لأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة) انتهى.
٢٣ - وبهذا المعنى وهو منع النساء في زمانهم من الكشف ولو لحاجة، قال السهارنفوري في بذل المجهود شرح سنن أبي داود:
(إن المرأة إذا بلغت لا يجوز لها أن تظهر للأجانب إلا ما تحتاج إلى إظهاره للحاجة إلى معاملة أو شهادة إلا الوجه والكفين، وهذا عند أمن الفتنة؛ وأما عند الخوف من الفتنة فلا. ويدل على تقييده بالحاجة: اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) (٢) انتهى.
فليس قولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) راجع إلى قولهم (اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه) كما يظنه البعض أنه من باب سد الذرائع، وكأن مسألة تغطية المرأة لوجهها لا دليل عليها من الكتاب والسنة، وجاء هؤلاء واتفقوا من عند أنفسهم على منعهن، ولو كان كذلك، لما كان هناك اتفاق من أصله بين المسلمين، لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولقام أئمة الإسلام ولفعلوا مثل ما فعل الشيخ الألباني بالرد على من حرم على النساء ما أباحه الله لهن من ظهور وجوههن وأكفهن وبيان السنة والمستحب، ولحصل من النزاع
стр. 200
بينهم كما هو الحاصل اليوم بين الفريقين، ولهذا فمن فهم قولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) راجع لإجماعهم واتفاقهم على منع النساء من الخروج سافرات، أخطأ خطأً ظاهراً وبيناً، وذلك بسبب عدم تمعنهم في قراءة كلامهم وبتر أوله، لأن قولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) وردت عند بعض المتقدمين وتعني وجود خلاف في مسألة جزئية من مسائل الحجاب، فهو راجع لما تقدم وأن ذكروه من التفصيل في بداية كلامهم لبعض تلك المسائل، فمنهم من تساهل فيها ومنهم من احتاط وشدد، فالذين احتاطوا ومنعوا استندوا (لاتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات) وقالوا (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) كما هو ظاهر من كلام الشيخ السهارنفوري هنا، بل ومن قبله من الائمة المتقدمين جداً، لمن تنبه لكلامهم، ومثله كثير مذكور هنا في عدة مواضع من كلامهم.
ومن أمثلة تلك الأمور والمسائل المختلفة بينهم والتي قد يذكرون فيها مثل تلك العبارات أو نحوها للاحتياط:
أأن منهم من منع من النظر للنساء مطلقاً ولو دعت لذلك حاجة أو ضرورة، وبعضهم منعه في حق الشابة بالذات؛ لأنها لا تسلم من الكشف أمام عدة أشخاص من شهود ومتعاقد وقاضٍ ونحوهم، وفي زمنهم رأوا أن الفتنة أكثر فمنعوا من ذلك، وبعضهم خص الشابة لأن الافتتان بها أكثر واستندلوا لذلك على اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره فقولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) راجع لحسم باب الخلاف احتياطاً وذلك بمنع الشابة وغيرها من كشف وجهها ولو لحاجة.
стр. 201
ب- اشتراط بعضهم أمن الفتنة والشهوة عند نظر من جاز نظره للمرأة، ولهذا فعند بيانهم لجواز نظر الأجنبي يقيدونه (عند أمن الفتنة والشهوة) فجائز عند أغلبهم (وأما عند الخوف من الفتنة والشهوة فلا). وذهب بعضهم لعدم اشتراط ذلك، وقالوا لا يسلم أحد من أن ينظر للمرأة ويأمن عدم تحرك شهوته، ولو لزم ذلك كل من جاز نظره عند الحاجة والضرورة لتعطلت حقوق ومصالح.
ولهذا فمن منع واحتاط قال ويدل على ذلك اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره فقولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) راجع لحسم باب الخلاف احتياطاً وذلك بمنع نظر من خُشي منه أو عليه الفتنة والشهوة.
ت- وهناك من الأئمة من شرطوا الحاجة الملحة والضرورية، لبيان أن النظر للمرأة لا يجوز إلا بذلك، بل وبعضهم منعوا من كشف النساء لوجوههن لكل حاجة يمكنها أن تستغني أو يُستغنى عنها بالتوكيل أو الإنابة أو بغيرها ونحو ذلك، ورجعوا في ذلك للأصل وهو اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره، فقولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) راجع لحسم باب الخلاف احتياطاً وذلك بمنع النظر للنساء إلا بعد تقييده بالحاجة والضرورة الملحة.
ث- وقد تأتي عبارتهم تلك ويقصدون بها معنى آخر عندهم وهو المنع أيضا مما رخص فيه بعض الفقهاء وهو جواز خروج المرأة كاشفة عن وجهها في الطريق الخالية، حيث لا يوجد رجال أو وجدوا
стр. 202
ولكن لا يمكنهم رؤيتها فأجازه البعض كالقاضي عياض وغيره، ومنعه آخرون لمجرد خروجها لأنه مع الكشف قد يقع النظر إليها بشهوة واستندوا لذلك باتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره، فقولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) راجع لحسم باب الخلاف احتياطاً وذلك بمنع المرأة من كشف وجهها في طريقها ولو لم يكن هناك من يمكنه النظر إليها. وهكذا في غير ذلك من الأمور الخلافية الجزئية الكثيرة فيما قد يتساهل فيه البعض استناداً للرخصة أو الجواز، ويحتاط فيه غيرهم للأصل والإجماع على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه.
وللحق فسواء قصدوا أي من المعاني السابقة أو بغيرها في المنع والاحتياط والتشديد أو بهم جميعاً، فليس هذا بغريب منهم، وقد سبق معنا نقل الطحاوي والقرطبي عن البعض ممن منع من نظر الخاطب للمخطوبة، وسيمر معنا المزيد حيث وردت عن مالك وغيره منع الخاطب والبائعات من كشف الوجه لأن أغلب تلك البيوع ليست بتلك الضرورية التي يتطلب فيها الأمر توثيقها ومعرفة شخص المرأة للرجوع لها أو عليها، أو لأنه يمكن للشابة توكيل أحد قرابتها، وهذا من ورعهم وليس بمستغرب منهم فكيف نقول عنهم أنهم يقولون بالسفور؟ ! ونحن نقول وكيف لو رأو زماننا، وأن قوما يقولون بجواز كشف المرأة لوجهها بدون سبب ولا ضرورة؟ والله المستعان.
ولهذا فلا يجوز أن يُفهم كلامهم على عكس ما أرادوه وقصدوه وكأن النساء كن يخرجن كاشفات، وجاء هؤلاء ومنعوهم من عند أنفسهم، كما
стр. 203
فهمه البعض اليوم، لا. هذا تحريف وتبديل وهدر ونسف وطمس للحقيقة التي في كتب المتقدمين ولا يجوز لأحد اليوم أن يقول مثل هذه العبارات المعكوسة وينسبها لهم، بل هم يعنون الرخصة وهذا من حق الأئمة والعلماء وفي مقدورهم أن يمنعوا مثله إذا رأو تساهل الناس في الأخذ بالرخص من غير ضرورة ولا حاجة أو لغلبة الفساد فهذا سائغ ومقبول ولا يعد من قبيل التحليل والتحريم، بل من رد الناس لضابط الرخصة وهي الضرورة وعدم الفتنة والشهوة، ولهذا جاء عندهم:
في حاشية الطحاوي على المراقي - حنفي - قال في الجنائز - فصل: " في حملها ودفنها ":
(قوله: للرجال ويقصدون بزيارتها وجه الله تعالى وإصلاح القلب ونفع الميت بما يتلى عنده من القرآن ولا يمس القبر ولا يقبله فإنه من عادة أهل الكتاب ولم يعهد الاستلام إلا للحجر الأسود والركن اليماني خاصة وتمامه في الحلبي قوله: وقيل تحرم على النساء وسئل القاضي عن جواز خروج النساء إلى المقابر فقال: لا تسأل عن الجواز والفساد في مثل هذا وإنما تسأل عن مقدار ما يلحقها من اللعن فيه واعلم بأنها كلما قصدت الخروج كانت في لعنة الله وملائكته وإذا خرجت تحفها الشياطين من كل جانب وإذا أتت القبور تلعنها روح الميت وإذا رجعت كانت في لعنة الله، كذا في الشرح عن التتارخانية قال البدر العيني في شرح البخاري: وحاصل الكلام أنها تكره للنساء بل تحرم في هذا الزمان لا سيما نساء مصر لأن خروجهن على وجه فيه فساد وفتنة).
стр. 204
ومثله في الاحتياط قال في الجوهرة النيرة - حنفي - (قوله: ويكره للنساء حضور الجماعات) يعني الشواب منهن، لما فيه من خوف الفتنة. (قوله: ولا بأس أن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء والجمعة والعيدين) وهذا عند أبي حنيفة أما عندهما فتخرج في الصلوات كلها؛ لأنه لا فتنة لقلة الرغبة فيهن وله أن شدة الغلمة حاملة على الارتكاب ولكل ساقطة لاقطة ... والفتوى اليوم على الكراهة في الصلوات كلها لظهور الفسق في هذا الزمان ولا يباح لهن الخروج إلى الجمعة عند أبي حنيفة، كذا في المحيط فجعلها كالظهر) انتهى.
ومثله قال في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع -حنفي-: في العيدين (فصل: في شرائط وجوبها وجوازها: (وأما النسوة فهل يرخص لهن أن يخرجن في العيدين؟ أجمعوا على أنه لا يرخص للشواب منهن الخروج في الجمعة والعيدين وشيء من الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ والأمر بالقرار نهي عن الانتقال ولأن خروجهن سبب الفتنة بلا شك، والفتنة حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام.
وأما العجائز فلا خلاف في أنه يرخص لهن الخروج في الفجر والمغرب والعشاء والعيدين، واختلفوا في الظهر والعصر والجمعة قال أبو حنيفة: لا يرخص لهن في ذلك وقال أبو يوسف ومحمد يرخص لهن في ذلك ... وأما صلاة العيد فإنها تؤدى في الجبانة فيمكنها أن تعتزل ناحية عن الرجال كي لا تصدم فرخص لهن الخروج والله أعلم.
стр. 205
ثم هذا الخلاف في الرخصة والإباحة، فأما لا خلاف في أن الأفضل أن لا يخرجن في صلاة، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة المرأة في دارها أفضل من صلاتها في مسجدها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في دارها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها») انتهي.
ونحو ذلك كثير جداً لا يحصى مما قالوه في الاحتياط ورجحوه (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره).
مثله كذلك قال في روضة الطالبين من "كتاب النكاح" - شافعي -الفصل الثالث في أحكام النظر: (الضرب الأول نظر الرجل إلى المرأة فيحرم نظره إلى عورتها مطلقا وإلى وجهها وكفيها إن خاف فتنة وإن لم يخف فوجهان قال أكثر الأصحاب لا سيما المتقدمون لا يحرم لقول الله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ وهو مفسر بالوجه والكفين لكن يكره قاله الشيخ أبو حامد وغيره والثاني يحرم قاله الإصطخري وأبو علي الطبري واختاره الشيخ أبو محمد والإمام وبه قطع صاحب المهذب والروياني ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات وبأن النظر مظنة الفتنة وهو محرك للشهوة فاللائق بمحاسن الشرع سد الباب فيه والإعراض عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبية) انتهى.
стр. 206
فقولهم (فاللائق بمحاسن الشرع سد الباب .. ) هو لمن رجح الوجه الثاني ومنع من النظر ولو عند الأمن من الفتنة والشهوة.
٢٤ - قال الشرنبلالي - الحنفي- في (متن نور الإيضاح):
(وجميع بدن الحرة عورة إلا وجهها وكفيها باطنهما وظاهرهما في الأصح وهو المختار). وقد كتب العلامة الطحطاوي عند هذه العبارة:
(ومَنْعُ الشابة من كشفه - أي الوجه - لخوف الفتنة، لا لأنه عورة) (١) انتهى. وهذا ظاهر في أن العلة من منع كشفه عندهم خوف الفتنة وفي
الشابة لم يرخصوا لها ولو لحاجة للفرق بينها وبين غيرها فالفتنة بها أكثر، وهذا قاله عدد من الأئمة كما سيمر معنا.
٢٥ - ومثله ما جاء في الدرر المباحة للنحلاوي - الأحناف -
الباب الثالث: في النظر والمس. (المسألة الأولى: نظر الرجل إلى المرأة).﴾ (القسم الأول) فينظر الرجل من الأجنبية الحرّة - ولو كافرةً - إلى وجهها وكفيها، فقط للضرورة، قيل: والقدم، والذراع، والمرفقِ إذا أجرت نفسها للخَبْزِ ونحوه من الطبخ، وغسل الثياب، لأنه يبدو منها عادة، وتمنع الشابة من كشف وجهها، لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة، وعبدُها كالأجنبي معها، إلا أنه يدخل عليها بلا إذنها إجماعاً. ولا يسافر بها إجماعاً. فإن خاف الشهوة، امتنع نظره إلى وجهها، إلا لحاجة كقاضٍ وشاهدٍ يحكم ويشهد عليها وكذا مريدُ نكاحها ولو عن شهوةٍ بنية السُّنة لا قضاء الشهوة ﴿انتهى كلامه.
стр. 207
وقوله: (وتمنع الشابة من كشف وجهها لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة) وهذا كما بيناه علة الأحناف والمالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة القائلين بتحريم كشف المرأة لوجهها بعلة الفتنة والشهوة لا علة العورة وأما الشابة فلان الفتنة بها أكثر وقد كره أحمد كشفها ولو لحاجة وهكذا مالك كما سيمر معنا. وقوله: (فإن خاف الفتنة) وانظر لصيغة المفرد والسياق العام فهي كما رأيت يعنون بها ناظر مخصوص لا أن تخرج فتعلم من ينظر لها نظر شهوة ومن ينظر لها نظرا عاديا والأمثلة على ذلك لاتحصى.
وهؤلاء أئمة الأحناف لماذا لم يستشهد أحدهم بأدلة السفور اليوم بدلا من أن يذكروا الحاجة والضرورة كعند القاضي والشاهد فلا نجد دليلا مما استشهد به مبيحو السفور اليوم، ولا تجد له ذكرا أصلا.
٢٦ - وقال شمس الأئمة السرخسي الحنفي
(حرمة النَّظر لخوف الفتنة، وخوف الفتنة في النَّظر إلى وجهها وعامة محاسنها في وجهها أكثر منه إلى سائر الأعضاء) (١) انتهى.
وهذا ما يبين لك علة التحريم عند من لم يقل بالعورة.
٢٧ - وجاء في فتح العناية لملا علي القاري - الأحناف -
(قال: ) والحرُّةُ) أي وعورة الحرةِ (بَدَنُهَا) أي جميع أعضائها لقوله عليه ﷺ : «المرأة عورةٌ». رواه الترمذيّ وصحّحه، وفي رواية
стр. 208
النَّسائي. (الحُرَّة) (إلا الوَجْهَ والكفَّ والقَدَمَ) لقوله تعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنْها﴾ أي إلا ما جَرَتْ به العادة على ظهورها للأجانب من الوجه والكف والقدم، إذ من ضرورة إبداء الزينة إبداء مواضعها، والكحلُ زينةُ الوجه والخاتم زينة الكف ولأن المرأة لا تجد بُدّاً من مزاولة الأشياء بيديها. ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً: الشهادةُ والمحاكمة. ويقول (وَ) ينظر (الرَّجل مِنَ الأجنبية و) من) السَّيِّدَةِ إلى الوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ) لأنها محتاجة إلى إبداء ذلك لحاجتهما إلى الإشهاد وإلى الأخذ والإعطاء، ومواضع الضرورة مستثناة من قواعد الشرع) انتهى.
٢٨ - وقال الإمام الكاساني -الحنفي- (ت: ٥٨٧) رحمه الله تعالى في بدائع الصنائع (١) من كتب الأحناف:
(حكم الأجنبيات الحرائر)
(وأما النوع السادس: وهو الأجنبيات الحرائر فلا يحل النظر للأجنبي من الأجنبية الحرة إلى سائر بدنها إلا الوجه والكفين لقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ إلا أن النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة وهي الوجه والكفان رخص بقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ والمراد من الزينة الظاهرة الوجه والكفان فالكحل زينة الوجه والخاتم زينة الكف ولأنها تحتاج إلى البيع والشراء والأخذ والعطاء
стр. 209
ولا يمكنها ذلك عادة إلا بكشف الوجه والكفين فيحل لها الكشف وهذا قول أبي حنيفة (١) ﵁ وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه يحل النظر إلى القدمين أيضا.
وجه هذه الرواية: ما روي عن سيدتنا عائشة ﵂ في قوله ﵎: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ القلب والفتخة وهي خاتم إصبع الرجل فدل على جواز النظر إلى القدمين ولأن الله تعالى نهى عن إبداء الزينة واستثنى ما ظهر منها والقدمان ظاهرتان ألا ترى أنهما يظهران عند المشي فكانا من جملة المستثنى من الحظر فيباح إبداؤهما.
وجه ظاهر الرواية: ما روي عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال في قوله عز شأنه: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ أنه الكحل والخاتم وروي عنه في رواية أخرى أنه قال: الكف والوجه فيبقى ما وراء المستثنى على ظاهر النهي ولأن إباحة النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها للحاجة إلى كشفها في الأخذ والعطاء ولا حاجة إلى كشف القدمين فلا يباح النظر إليهما (٢) ثم إنما يحل النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة منها من غير شهوة فأما عن شهوة فلا يحل لقوله ﷺ : «العينان تزنيان» وليس زنا العينين إلا النظر عن شهوة ولأن النظر عن شهوة سبب الوقوع
стр. 210
في الحرام فيكون حراما إلا في حالة الضرورة بأن دُعي إلى شهادة أو كان حاكما فأراد أن ينظر إليها ليجيز إقرارها عليها فلا بأس أن ينظر إلى وجهها، وإن كان لو نظر إليها لاشتهى أو كان أكبر رأيه ذلك لأن الحرمات قد يسقط اعتبارها لمكان الضرورة ألا ترى أنه خص النظر إلى عين الفرج لمن قصد إقامة حسبة الشهادة على الزنا؟ ومعلوم أن النظر إلى الفرج في الحرمة فوق النظر إلى الوجه ومع ذلك سقطت حرمته لمكان الضرورة فهذا أولى. وكذا إذا أراد أن يتزوج امرأة فلا بأس أن ينظر إلى وجهها وإن كان عن شهوة لأن النكاح بعد تقديم النظر أدل على الألفة والموافقة الداعية إلى تحصيل المقاصد على ما قال النبي ﷺ للمغيرة بن شعبة ﵁ حين أراد أن يتزوج امرأة «اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يدوم بينكما» دعاه ﵊ إلى النظر مطلقا وعلل ﵊ بكونه وسيلة إلى الألفة والموافقة) انتهى من بدائع الصنائع.
أرأيت كيف أن الإمام الحنفي ﵀ استدل بجواز النظر للفرج ليجوز النظر للوجه، ولو أرادوا سفور الوجه هل سيقارنه بنظر الفرج؟ ولهذا قال: (ومعلوم أن النظر إلى الفرج في الحرمة فوق النظر إلى الوجه ومع ذلك سقطت حرمته لمكان الضرورة فهذا أولى) وأين هم من أدلة أهل السفور اليوم؟ لتعلم أخي الكريم شدة أمر كشف النساء في زمنهم فكيف يتهمونهم بنسبة عكس ما يسطرونه بأيديهم؟ وبهذا يظهر لك مذهب الإمام المبجل أبي حنيفة النعمان ﵀. وفي صريح عباراتهم ما يغني عن التعليق.
стр. 211
٢٩ - وقال في البحر الرائق شرح كنز الدقائق - الحنفي -
لابن نجيم المصري (ت: ٩٧٠ هـ) تكملة البحر الرائق للطوري، كتاب الكراهية - فصل في النظر واللمس -
(والقسم الأول منها على أربعة أقسام:
نظر الرجل إلى الأجنبية, ونظره إلى زوجته, وأمته, ونظره إلى ذوات محارمه, ونظره إلى أمة الغير, والدليل على جواز النظر ما روي: «أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا, وأشار إلى وجهه وكفيه» قال ﵀: (لا ينظر إلى غير وجه الحرة وكفيها) قال الشارح (١) وهذا الكلام فيه خلل، لأنه يؤدي إلى أنه لا ينظر إلى شيء من الأشياء إلا إلى وجه الحرة وكفيها فيكون تحريضاً إلى النظر إلى هذين العضوين وإلى ترك النظر إلى كل شيء سواهما. ا. هـ.
ولا يخفى على متأمل عدم هذا الخلل، لأن حرف (إلى) بدل عن (من) الابتدائية التي إلى غايتها فهو في قوة المنطوق فالتقدير لا يجوز له النظر من المرأة إلى غير الوجه وكفيها، فقد أفاد منع النظر منها غير الوجه وكفيها لا التحريض فتدبره واستدل الشارح على جواز النظر إلى ما ذكر بقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال علي وابن
стр. 212
عباس ما ظهر منها الكحل والخاتم لا الوجه كله والكف فلا يفيد المدعي فتأمل والأصل في هذا أن المرأة عورة مستورة، لقوله ﷺ «المرأة عورة مستورة» إلا ما استثناه الشرع وهما عضوان، ولأن المرأة لا بد لها من الخروج للمعاملة مع الأجانب فلا بد لها من إبداء الوجه لتُعرف فتطالب بالثمن ويرد عليها بالعيب ولا بد من إبداء الكف للأخذ والعطاء وهذا يفيد أن القدم لا يجوز النظر إليه وعن الإمام أنه يجوز ولا ضرورة في إبداء القدم فهو عورة في حق النظر وليس بعورة في حق الصلاة كذا في المحيط) (١) انتهى كلامه.
قوله (فيكون تحريضاً إلى النظر إلى هذين العضوين وإلى ترك النظر إلى كل شيء سواهما) أرأيت كيف غضب الشارح لأنه فهم من كلام صاحب المتن وهو من نفس مذهبه أن في قوله ذلك تحريض ودعوة للتساهل في كشف المرأة لوجهها وكفيها؟ ولو كانت الحاجة مقتصرة كما يقول على كشف بعض الوجه أو كحل العينين من خلف النقاب، أو لكشف الكفين فقط، أو لكشف خاتمها، فلا داعي لفهم حديث أسماء بالضرورة لكشف الوجه عندهم، لأن المقصد منه عندهم في ذلك الوقت أنه لتحديد الرخصة فتقدر الحاجة بقدرها، كما قال بعدها مستشهد بأقوال السلف (ما ظهر منها الكحل والخاتم لا الوجه كله والكف ... والأصل في هذا أن «المرأة عورة مستورة»).
стр. 213
ولهذا لم يعجبه أن يطلق القول بحل النظر عند الحاجة للوجه والكفين مباشرة على ظاهر حديث أسماء، لأنهم فهموا منه عند الرخص والرخصة تقدر بقدرها، ورأى أن في ذلك تحريض وتوسع في كشف العورات بلا داعٍ ولا حاجة؛ فقد لا تحتاج لكشف الوجه كله ولا الكفين فيمكن أن يعرفها ببعض ذلك وقد صرحوا في أبواب الشهادة على أنه لو عرفها وهي منقبة أو ببعض وجهها جاز أن يشهد كما سيأتي قول كثير منهم، واعتبر ذلك تحريضا فكيف لو سمع بمقالة القوم اليوم وما فهموه من حديث أسماء وغيره، بدون وجود الضرورة للرخصة ماذا سيقولون فيهم؟ .
وسبق لنا عند تفسير أقوال الصحابة بيان الحالات التي قصدها كل صحابي من أقوالهم المختلفة وأنها تعني شيئا واحدا وهو أن الآية رخصة، فذكر كل واحد منهم مقداراً من الزينة الجائز إظهارها في بعض أحوال الضرورة وهذا ما فهمه منهم الشارح وغيره من أهل العلم رحمهم الله تعالى، ولهذا فيحسن بنا نقل الأصل والمتن لما فيه من مزيد فوائد.
٣٠ - فقال في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي الحنفي: (فصل في النظر والمس) قال ﵀: (لا ينظر إلى غير وجه الحرة وكفيها) وهذا كلام فيه خلل لأنه يؤدي إلى أنه لا ينظر إلى شيء من الأشياء إلا إلى وجه الحرة، وكفيها فيكون تحريضا على النظر إلى هذين العضوين، وإلى ترك النظر إلى كل شيء سواهما، وليس هذا
стр. 214
بمقصود في هذه المسألة، وإنما المقصود فيها أنه يجوز له النظر إلى هذين العضوين لا أنه لا يكفهما، وإنما جاز النظر إليهما لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال علي وابن عباس ﵃ ما ظهر منها الكحل والخاتم والمراد به موضعهما، وهو الوجه والكف كما أن المراد بالصلاة في قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ مواضعها؛ ولأن في إبدائهما ضرورة لحاجتها إلى المعاملة مع الرجال والإعطاء وغير ذلك من المخالطة فيها ضرورة كالمشي في الطريق ونحو ذلك والأصل أن لا يجوز النظر إلى المرأة لما فيه من خوف الفتنة ولهذا قال ﵇ «المرأة عورة مستورة» إلا ما استثناه الشرع) انتهى.
٣١ - ومثله قال العلامة ابن الهمام الحنفي (ت: ٨٦١ هـ) في شرح سماه "فتح القدير" وهو مشهور: على شرح الهداية للإمام المرغيناني (ت: ٥٩٣ هـ) صاحب أهم متون المذهب الشهير بـ"الهداية" وهو شرح لكتابه "بداية المبتدي" يقول في هذا المتن: (ولا يجوز أن ينظر الرجل إلى الأجنبية إلا وجهها وكفيها فإن كان لا يأمن الشهوة لا ينظر إلى وجهها إلا لحاجة (.
стр. 215
٣٢ - ولهذا فقال العلامة ابن الهمام (ت: ٨٦١ هـ) في شرحه للهداية أسماه "فتح القدير":
مسائل النظر أربعة أقسام:
نظر الرجل إلى المرأة، ونظر المرأة إلى الرجل، ونظر الرجل إلى الرجل، ونظر المرأة إلى المرأة:
والقسم الأول منها على أربعة أقسام أيضا: نظر الرجل إلى الأجنبية الحرة، ونظره إلى من يحل له من الزوجة والأمة، ونظره إلى ذوات محارمه، ونظره إلى أمة الغير: (قوله قال علي وابن عباس ﵄: ما ظهر منها الكحل والخاتم، والمراد موضعهما وهو الوجه والكف) أقول: الظاهر أن المقصود من نقل قول علي وابن عباس هاهنا إنما هو الاستدلال على جواز أن ينظر الرجل إلى وجه الأجنبية وكفيها بقولهما في تفسير قوله تعالى ﴿إلا ما ظهر منها﴾ فإن في تفسيره أقوالا من الصحابة لا يدل على المدعى هاهنا شيء منها سوى قولهما، لكن دلالة قولهما على ذلك غير واضح أيضا، إذ الظاهر أن موضع الكحل هو العين لا الوجه كله، وكذا موضع الخاتم هو الإصبع لا الكف كله، والمدعى جواز النظر إلى وجه الأجنبية كله وإلى كفيها بالكلية، فالأولى في الاستدلال على ذلك هو المصير إلى ما جاء من الأخبار في الرخصة في النظر إلى وجهها وكفيها) انتهى.