← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133379

كشف الأسرار عن القول التليد فيما لحق مسألة الحجاب من تحريف وتبديل وتصحيف

تركي بلحمر

Полный текст (558 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٢٩ - وقال في البحر الرائق شرح كنز الدقائق - الحنفي - لابن نجيم المصري (ت: ٩٧٠ هـ) تكملة البحر الرائق للطوري، كتاب الكراهية - فصل في النظر واللمس - (والقسم الأول منها على أربعة أقسام: نظر الرجل إلى الأجنبية, ونظره إلى زوجته, وأمته, ونظره إلى ذوات محارمه, ونظره إلى أمة الغير, والدليل على جواز النظر ما روي: «أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله ﷺ وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا, وأشار إلى وجهه وكفيه» قال ﵀: (لا ينظر إلى غير وجه الحرة وكفيها) قال الشارح (١) وهذا الكلام فيه خلل، لأنه يؤدي إلى أنه لا ينظر إلى شيء من الأشياء إلا إلى وجه الحرة وكفيها فيكون تحريضاً إلى النظر إلى هذين العضوين وإلى ترك النظر إلى كل شيء سواهما. ا. هـ. ولا يخفى على متأمل عدم هذا الخلل، لأن حرف (إلى) بدل عن (من) الابتدائية التي إلى غايتها فهو في قوة المنطوق فالتقدير لا يجوز له النظر من المرأة إلى غير الوجه وكفيها، فقد أفاد منع النظر منها غير الوجه وكفيها لا التحريض فتدبره واستدل الشارح على جواز النظر إلى ما ذكر بقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال علي وابن

стр. 212

عباس ما ظهر منها الكحل والخاتم لا الوجه كله والكف فلا يفيد المدعي فتأمل والأصل في هذا أن المرأة عورة مستورة، لقوله ﷺ «المرأة عورة مستورة» إلا ما استثناه الشرع وهما عضوان، ولأن المرأة لا بد لها من الخروج للمعاملة مع الأجانب فلا بد لها من إبداء الوجه لتُعرف فتطالب بالثمن ويرد عليها بالعيب ولا بد من إبداء الكف للأخذ والعطاء وهذا يفيد أن القدم لا يجوز النظر إليه وعن الإمام أنه يجوز ولا ضرورة في إبداء القدم فهو عورة في حق النظر وليس بعورة في حق الصلاة كذا في المحيط) (١) انتهى كلامه. قوله (فيكون تحريضاً إلى النظر إلى هذين العضوين وإلى ترك النظر إلى كل شيء سواهما) أرأيت كيف غضب الشارح لأنه فهم من كلام صاحب المتن وهو من نفس مذهبه أن في قوله ذلك تحريض ودعوة للتساهل في كشف المرأة لوجهها وكفيها؟ ولو كانت الحاجة مقتصرة كما يقول على كشف بعض الوجه أو كحل العينين من خلف النقاب، أو لكشف الكفين فقط، أو لكشف خاتمها، فلا داعي لفهم حديث أسماء بالضرورة لكشف الوجه عندهم، لأن المقصد منه عندهم في ذلك الوقت أنه لتحديد الرخصة فتقدر الحاجة بقدرها، كما قال بعدها مستشهد بأقوال السلف (ما ظهر منها الكحل والخاتم لا الوجه كله والكف ... والأصل في هذا أن «المرأة عورة مستورة»).

стр. 213

ولهذا لم يعجبه أن يطلق القول بحل النظر عند الحاجة للوجه والكفين مباشرة على ظاهر حديث أسماء، لأنهم فهموا منه عند الرخص والرخصة تقدر بقدرها، ورأى أن في ذلك تحريض وتوسع في كشف العورات بلا داعٍ ولا حاجة؛ فقد لا تحتاج لكشف الوجه كله ولا الكفين فيمكن أن يعرفها ببعض ذلك وقد صرحوا في أبواب الشهادة على أنه لو عرفها وهي منقبة أو ببعض وجهها جاز أن يشهد كما سيأتي قول كثير منهم، واعتبر ذلك تحريضا فكيف لو سمع بمقالة القوم اليوم وما فهموه من حديث أسماء وغيره، بدون وجود الضرورة للرخصة ماذا سيقولون فيهم؟ . وسبق لنا عند تفسير أقوال الصحابة بيان الحالات التي قصدها كل صحابي من أقوالهم المختلفة وأنها تعني شيئا واحدا وهو أن الآية رخصة، فذكر كل واحد منهم مقداراً من الزينة الجائز إظهارها في بعض أحوال الضرورة وهذا ما فهمه منهم الشارح وغيره من أهل العلم رحمهم الله تعالى، ولهذا فيحسن بنا نقل الأصل والمتن لما فيه من مزيد فوائد. ٣٠ - فقال في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي الحنفي: (فصل في النظر والمس) قال ﵀: (لا ينظر إلى غير وجه الحرة وكفيها) وهذا كلام فيه خلل لأنه يؤدي إلى أنه لا ينظر إلى شيء من الأشياء إلا إلى وجه الحرة، وكفيها فيكون تحريضا على النظر إلى هذين العضوين، وإلى ترك النظر إلى كل شيء سواهما، وليس هذا

стр. 214

بمقصود في هذه المسألة، وإنما المقصود فيها أنه يجوز له النظر إلى هذين العضوين لا أنه لا يكفهما، وإنما جاز النظر إليهما لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ قال علي وابن عباس ﵃ ما ظهر منها الكحل والخاتم والمراد به موضعهما، وهو الوجه والكف كما أن المراد بالصلاة في قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ مواضعها؛ ولأن في إبدائهما ضرورة لحاجتها إلى المعاملة مع الرجال والإعطاء وغير ذلك من المخالطة فيها ضرورة كالمشي في الطريق ونحو ذلك والأصل أن لا يجوز النظر إلى المرأة لما فيه من خوف الفتنة ولهذا قال ﵇ «المرأة عورة مستورة» إلا ما استثناه الشرع) انتهى. ٣١ - ومثله قال العلامة ابن الهمام الحنفي (ت: ٨٦١ هـ) في شرح سماه "فتح القدير" وهو مشهور: على شرح الهداية للإمام المرغيناني (ت: ٥٩٣ هـ) صاحب أهم متون المذهب الشهير بـ"الهداية" وهو شرح لكتابه "بداية المبتدي" يقول في هذا المتن: (ولا يجوز أن ينظر الرجل إلى الأجنبية إلا وجهها وكفيها فإن كان لا يأمن الشهوة لا ينظر إلى وجهها إلا لحاجة (.

стр. 215

٣٢ - ولهذا فقال العلامة ابن الهمام (ت: ٨٦١ هـ) في شرحه للهداية أسماه "فتح القدير": مسائل النظر أربعة أقسام: نظر الرجل إلى المرأة، ونظر المرأة إلى الرجل، ونظر الرجل إلى الرجل، ونظر المرأة إلى المرأة: والقسم الأول منها على أربعة أقسام أيضا: نظر الرجل إلى الأجنبية الحرة، ونظره إلى من يحل له من الزوجة والأمة، ونظره إلى ذوات محارمه، ونظره إلى أمة الغير: (قوله قال علي وابن عباس ﵄: ما ظهر منها الكحل والخاتم، والمراد موضعهما وهو الوجه والكف) أقول: الظاهر أن المقصود من نقل قول علي وابن عباس هاهنا إنما هو الاستدلال على جواز أن ينظر الرجل إلى وجه الأجنبية وكفيها بقولهما في تفسير قوله تعالى ﴿إلا ما ظهر منها﴾ فإن في تفسيره أقوالا من الصحابة لا يدل على المدعى هاهنا شيء منها سوى قولهما، لكن دلالة قولهما على ذلك غير واضح أيضا، إذ الظاهر أن موضع الكحل هو العين لا الوجه كله، وكذا موضع الخاتم هو الإصبع لا الكف كله، والمدعى جواز النظر إلى وجه الأجنبية كله وإلى كفيها بالكلية، فالأولى في الاستدلال على ذلك هو المصير إلى ما جاء من الأخبار في الرخصة في النظر إلى وجهها وكفيها) انتهى.

стр. 216

٣٣ - ومثله ما قاله ابن حجر الهيثمي - الشافعي - في التحفة: (ويحرم نظر فحل وخصي ومجبوب وخنثى إذ هو مع النساء كرجل وعكسه فيحرم نظره لهما ونظرهما له احتياطا ... (بالغ) ... عاقل مختار إلى عورة حرة ... (كبيرة) ولو شوهاء بأن بلغت حداً تشتهى فيه لذوي الطباع السليمة لو سلمت من مشوه بها كما يأتي (أجنبية) وهي ما عدا وجهها وكفيها بلا خلاف لقوله تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبصارهم﴾ [النور: ٣٠]، ولأنه إذا حرم نظر المرأة إلى عورة مثلها كما في الحديث الصحيح فأولى الرجل، (وكذا وجهها) أو بعضه ولو بعض عينها، أو من وراء نحو ثوب يحكي ما وراءه) وكفها) أو بعضه أيضا وهو من رأس الأصابع إلى الكوع (عند خوف الفتنة) إجماعاً من داعية نحو مس لها، أو خلوة بها وكذا عند النظر بشهوة بأن يلتذ به، وإن أمن الفتنة قطعاً (وكذا عند الأمن من الفتنة) فيما يظنه من نفسه وبلا شهوة (على الصحيح) ﴿انتهى كلامه. وانظر قوله: (كذا وجهها أو بعضه ولو بعض عينها وكفها أو بعضه) لتفهم أنهم يتكلمون في حالة الرخصة عند نظر الأجنبي للحاجة كما فسرها صحابة رسول الله ﷺ ، لا في تقرير مسألة تشريع الحجاب وما يجوز في أحوال المرأة العادية، فهذا مستحيل مع قولهم. ٣٤ - قال في البحر الرائق شرح كنز الدقائق - للأحناف - قال العلامة ابن نجيم - في أحكام المحرمة -: (وفي فتاوى قاضي خان: ودلَّت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير

стр. 217

ضرورة. ا. هـ. وهو يدل على أن هذا الإرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجبٌ عليها) (١) انتهى. فقوله (لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة) مما يبين لك أن الأئمة متفقون على وجوب ستر المرأة وجهها ولو كانت محرمة، فكيف في غيره، وأن اختلافهم فقط في علة تحريم كشفه بدون سبب مبيح فمن قائل لأنه عورة، ومن قائل لخشية الفتنة والشهوة. ٣٥ - قال العلامة المرغيناني في فتح القدير - الحنفي - عند كلامه عن إحرام المرأة في الحج: (وتكشف وجهها لقوله ﵇: إحرام المرأة في وجهها) قال العلامة المحقق الكمال بن الهمام تعليقًا على هذه العبارة: (ولا شك في ثبوته موقوفًا. وحديث عائشة ﵂ أخرجه أبو داود وابن ماجه، قالت: "كان الركبان يمرون ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا سَدَلَت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه". قالوا: والمستحب أن تسدل على وجهها شيئًا وتجافيه، وقد جعلوا لذلك أعوادًا كالقُبة توضع على الوجه يسدل فوقها الثوب. ودلت المسألة على أن المرأة منهية عن إبداء وجهها للأجانب بلا ضرورة وكذا دلَّ الحديث عليه) (٢) ا. هـ.

стр. 218

٣٦ ـ وقال العلامة الحصكفي (الدر المختار ورد المحتار) -الحنفي-: عند كلامه عن إحرام المرأة في الحج: (والمرأة كالرجل، لكنها تكشف وجهها لا رأسها، ولو سَدَلَت شيئًا عليه وَجَافَتهُ جاز (١)، بل يندب. قال خاتمة المحققين، العلامة ابن عابدين في حاشيته على (الدر المختار): عند قوله: (بل يُندب) قال: أي خوفًا من رؤية الأجانب، وعبَّر في الفتح بالاستحباب؛ لكنْ صرَّحَ في «النهاية» بالوجوب. وفي «المحيط»: "ودلَّت المسألة على أن المرأة منهية عن إظهار وجهها للأجانب بلا ضرورة، لأنها منهية عن تغطيته لحقِّ النُّسك لولا ذلك، وإلا لم يكن لهذا الإرخاء فائدة" ا. هـ. ونحوه في الخانية. ووفق في البحر بما حاصله: أن مَحْمَلَ الاستحباب عند عدم الأجانب، وأما عند وجودهم فالإرخاء واجب عليها عند الإمكان، وعند عدمه يجب على الأجانب غض البصر) (٢) انتهى. واختلافهم ليس في وجوب ستر وجهها عن الرجال كما هو ظاهر وإنما فيما هو الحكم والأفضل فيما لو خرجت في طريقها وهي محرمة ولا رجال، هل تستره أم لها أن تكشفه؟ وسنأتي لمزيد بيان في ذلك عند ردنا على الشبهة المثارة عن الإمام القاضي عياض.

стр. 219

٣٧ - وفي شرح الطحاوي- الحنفي - أيضا وعند كلامه عن المحرمة في الحج قال: (الأولى كشف وجهها ولكن في (النهاية) أن السدل أوجب ودلت المسألة على أن المرأة لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة) انتهى. وأما قوله (الأولى كشف وجهها) فهذا صحيح وهو باتفاق المذاهب عند عدم وجود الرجال، كما قالت عائشة ﵂: (إذا حاذانا الرجال سدلت إحدانا جلبابها على وجهها) وسيأتي ولكن السدل أوجب وهذا صحيح أيضا موافق لفعل السلف والصحابيات والتابعيات، ودال على فرض ستر الوجه، ولهذا لن تجد في كلامهم أنها تكشف أبدا. ٣٨ - قال الشيخ أحمد عزالدين البيانوني- الحنفي - (ت: ١٣٩٥ هـ) (قول الأئمة «عند خوف الفتنة» إنما يعلم في ناظر خاص وأما النظر إلى جماهير الناس الذين تبرز المرأة أمامهم فلا يتصور عدم خوف الفتنة منهم جميعا فيتحتم المنع من السفور أمامهم على هذا التعليل وبهذا يظهر مذهب أبي حنيفة وأصحابه في المسألة) (١). ٣٩ - قال في المعتصر من المختصر لمشكل الآثار للطحاوي (من أشهر كتب الأحناف): (فقال مُر أختك فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام وكان كشفها وجهها حراما فأمره رسول الله ﷺ بالكفارة لمنع الشريعة إياها منه، وهو

стр. 220

على ما زاده بعض الرواة من قوله ويكفر يمينه فيمن نذر أن يعصي الله وعليها مع ذلك الهدى لركوبها فيما نذرت من المشي) انتهى كلامه. وقوله (وكان كشفها وجهها حراما) وقد سبق أن قرر الإمام الطحاوي وهو من قدامى الأحناف أن الوجه والكفين ليسا عندهم بعورة، ومع ذلك لم يمنعهم هذا التقعيد أن يقرروا هناك وهنا تحريم الكشف. ٤٠ - وقال في الشرح الصغير للشيخ الدردير - المالكي - (عورة الحرة مع رجل أجنبي منها، أي ليس بِمَحْرَمٍ لَهَا جميع البدن غير الوجه والكفين وأما هما فليسا بعورة وإن وجب سترهما لخوف فتنة) (١) انتهى. ٤١ - قال في مواهب الجليل شرح مختصر الشيخ خليل - المالكي - كتاب النكاح (فصل نُدب لمحتاج ذي أهبَّة نكاحَ بكر) (فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَجُوزُ النَّظَرُ لِلشَّابَّةِ الأجنبية الْحُرَّةِ فِي ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ: لِلشَّاهِدِ وَلِلطَّبِيبِ وَنَحْوِهِ، وَلِلْخَاطِبِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ عَدَمُ جَوَازِهِ لِلْخَاطِبِ، وَلا يَجُوزُ لِتَعَلُّمِ عِلْمٍ وَلا غَيْرِهِ. انتهى. زَادَ الأقْفَهْسِيُّ فِي المواضع التي يَجُوزُ النَّظَرُ فِيهَا الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ (٢). ا. هـ. وَمُقْتَضَى كلام الْقَبَّابِ فِي مُخْتَصَرِ أحكام النَّظَرِ لِابن الْقَطَّان أنهُ لا يَجُوزُ النَّظَرُ إليهنَّ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فإنه قَالَ: مسألة: لَيْسَ مِنْ الضرورات احتياجها إلى أن تَبِيعَ وَتَبْتَاعَ، أو تَتَصَنَّعَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ

стр. 221

مَالِكٍ: أَرَى أن يُتَقَدَّمَ إلى الصُّنَّاعِ فِي قُعُودِ النِّسَاءِ إليهمْ وَلا تُتْرَكُ الشَّابَّةُ تَجْلِسُ إلى الصُّنَّاعِ، وَأما المتجالة وَالخادم الدُّونُ وَمَنْ لا يُتَّهَمُ عَلَى الْقُعُودِ عِنْدَهُ وَمَنْ لا يُتَّهَمُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَهُوَ كُلُّهُ صَوَابٌ فإن أكثر هَذِهِ لَيْسَتْ بِضَرُورَةٍ تُبِيحُ التَّكَشُّفَ فَقَدْ تَصْنَعُ وَتَسْتَصْنِعُ وَتَبِيعُ وَتَشْتَرِي وَهِيَ مُسْتَتِرَةٌ وَلا يُمْنَعْنَ مِنْ الخروج وَالمشي فِي حَوَائِجِهِنَّ وَلَوْ كُنَّ مُعْتَدَّاتٍ وَإلى المسجِدِ وإنما يُمْنَعْنَ مِنْ التَّبَرُّجِ وَالتَّكَشُّفِ وَالتَّطَيُّبِ لِلْخُرُوجِ وَالتَّزَيُّنِ بَلْ يَخْرُجْنَ وَهُنَّ مُنْتَقِبَاتٌ، وَلا يَخْفِقْنَ فِي المشي فِي الطُّرُقَاتِ، بَلْ يُلْصَقْنَ بِالْجُدْرَان انتهى مِنْ مُخْتَصَرِ أحكام النَّظَرِ. (تَنْبِيهٌ) مَنْ أبيحَ لَهُ النَّظَرُ (١) فَلا يَجُوزُ لَهُ قَصْدُ اللَّذَّةِ وَكَذَلِكَ النَّظَرُ إلى الأمردِ لا يَجُوزُ فِيهِ قَصْدُ اللَّذَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) انتهى كلامه. فأين غير (ثَلاثَةِ مَوَاضِعَ: لِلشَّاهِدِ وَلِلطَّبِيبِ وَنَحْوِهِ وَلِلْخَاطِبِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ عَدَمُ جَوَازِهِ لِلْخَاطِبِ) فكيف يقال أن مالك يجوز كشف المرأة لوجهها وهو لم يجوزه للخاطب لإمكان أن توصف له المرأة. ثم أرأيت كيف الحرص من إمام المذهب مالك ﵀ وأتباعه فلم يبيحوا لها ما أباحه غيرهم من الكشف للبيع أو الشراء ونحوه (فإن أكثر هَذِهِ لَيْسَتْ بِضَرُورَةٍ تُبِيحُ التَّكَشُّفَ) وكيف أيده أئمة المذهب (بَلْ يَخْرُجْنَ وَهُنَّ مُنْتَقِبَاتٌ).

стр. 222

٤٢ - قال الإمام أبو الليث السمرقندي (ت: ٣٧٥ هـ) -الحنفي- في تفسيره "بحر العلوم: (والنظر إلى النساء على أربع مراتب: في وجه يجوز النظر إلى جميع أعضائها وهي النظر إلى زوجته وأمته وفي وجه يجوز النظر إلى الوجه والكفين وهو النظر إلى المرأة التي لا يكون محرما لها ويأمن كل واحد منهما على نفسه فلا بأس بالنظر عند الحاجة) انتهى كلامه. ٤٣ - قال في جامع الأمهات لابن الحاجب - المالكي - (ولا يحل خلوة الرجل بامرأة إذا لم يكن زوجاً ولا محرماً ويحرم عليه النظر إلى شيء من بدنها إلا الوجه والكفين من المتجالة (١)، وأما الشابة فلا ينظر إليها إلا لضرورة لتحمل شهادة أو علاج وإرادة نكاح ويجوز لذي المحرم أن يرى منها الوجه والكفين وكذلك لعبدها إلا أن يكون له منظر فيكره أن يرى ما عدا وجهها) (٢) انتهى. يقول أن المحرم وعبدها يجوز أن يرى الوجه والكفين، وهل هذا يحتاج لبيان، وهم يرون كشفه لعموم الناس؟ ! وهذا من حرصهم في منع توسعها في الكشف عند محارمها من أمثال إخوانها وأعمامها، وأبناء الإخوان والأخوات ونحوهم، فالأولى عندهم عدم إظهار غير الوجه والكفين فقط، فكيف بغيرهم من الأجانب الذين سبق وتكلم عليهم (وأما الشابة فلا ينظر إليها إلا لضرورة لتحمل شهادة أو علاج وإرادة نكاح)!

стр. 223

٤٤ - وقال العلامة محمد بن أحمد المعروف بعليش في (منح الجليل شرح مختصر خليل) - المالكي - قال: (وهي أي العورة من حرة مع رجل أجنبي مسلم جميع جسدها غير الوجه والكفين ظهراً وبطناً، فالوجه والكفان ليسا عورة فيجوز لها كشفهما للأجنبي) انتهى. مما تفهم معه أن الأصل هو كونه مستوراً ولكن يجوز للأجنبي المخصوص ممن له حاجة وضرورة، لا يقصدون عموم الناس. ٤٥ - وقال في الرسالة للإمام القيرواني -المالكي- (ت: ٣٨٦ هـ) (ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بمحرم ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها أو نحو ذلك أو إذا خطبها وأما المتجالة فله أن يرى وجهها على كل حال) انتهى. ٤٦ - ومن شروحها: شرح الإمام المنوفي (ت: ٩٣٩ هـ) في كفاية الطالب الرباني - للمالكية -: ((و) كذلك (لا) حرج (في النظر إلى المتجالة) التي لا أرب فيها للرجال ولا يتلذذ بالنظر إليها (و) كذا (لا) حرج (في النظر إلى الشابة) وتأمل صفتها (لعذر من شهادة عليها) في نكاح أو بيع ونحوه ومثل الشاهد الطبيب والجرايحي وإليه أشار بقوله: (أو شبهه) أي شبه العذر من شهادة فيجوز لهما النظر إلى موضع العلة إذا كان في الوجه واليدين وقيل: يجوز وإن كان في العورة لكن يبقر الثوب قبالة العلة وينظر إليها (وقد أرخص في ذلك) أي في النظر إلى الشابة (للخاطب) لنفسه من غير استغفال للوجه والكفين فقط لما صح من أمره ﷺ بذلك

стр. 224

وقيدنا بنفسه احترازا من الخاطب لغيره فإنه لا يجوز له النظر اتفاقاً). انتهى كلامه. ومن صريح كلامهم ما يغني ويفي بالغرض. ٤٧ - وقال الإمام القرافي (ت: ٦٨٢ هـ) في الذخيرة في الفقه المالكي (وقوله تعالى: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ يقتضي العفو عن الوجه واليدين من الحرة لأنه الذي يظهر عند الحركات للضرورة) (١) انتهى. ٤٨ - وقال الإمام الدردير المالكي (ت: ١٢٠١ هـ) في أقرب المسالك: (ومع رجل أجنبي غير الوجه والكفين) وشرح كلامه في الشرح الصغير (وعورة الحرة مع رجل أجنبي: منها أي ليس بمحرم لها جميع البدن (غير الوجه والكفين): وأما هما فليسا بعورة. وإن وجب عليها سترهما لخوف فتنة) انتهى. وهذا هو نفسه ما مر معنا من قول الأحناف والمالكية المتقدمين بل وما سيأتي عن بعض الشافعية وبعض الحنابلة وهو أن الوجه والكفين ليسا بعورة (وإن وجب عليها سترهما لخوف فتنة). وهكذا درجوا يعبرون بصيغة المفرد الواحد (مع رجل أجنبي) (ليس بمحرم لها) لبيان جواز نظر ذلك منها في مثل الأحوال التي ذكروها للخاطب والشاهد والمتعاقد ونحوهم مما يلزم معه معرفة شخصها للرجوع لها أو عليها.

стр. 225

٤٩ - وقال في نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للنووي - شافعي - (فصل في تكفين الميت وحمله وتوابعهما): قال: (وممن استثنى الوجه والكفين المصنف في مجموعه لكنه فرضه في الحرة, ووجوب سترهما في الحياة ليس لكونهما عورة بل لكون النظر إليهما يوقع في الفتنة غالباً) انتهى. يقصد (المصنف في مجموعه) الإمام النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀ في كتابه المجموع، وكان من أعظم الداعين والمصرحين بفريضة ستر المرأة لوجهها، حتى أوجبه على الإماء كابن حزم ومع ذلك أصابته جناية المتأخرين اليوم بسبب قراءتهم السريعة والسطحية والمبتورة فألصقوا به مذهب السفور، فيا سبحان الله لو غير النووي (١)! . وكيف يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل ولكن عزاءنا وعزاءه أن يد الجناية بالتحريف والتبديل والتصحيف قد طالت - من غير قصد - قوماً غيره. ٥٠ - وقال في حاشية الجمل على المنهج لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (ت ٩٢٦ هـ) -شافعي-: عند كلامه عن الشهادة: (قوله منتقبة أي لابسة للنقاب وهو ما يغطي وجهها كالبرقع. انتهى. شيخنا وفي المصباح، ونقاب المرأة جمعه نقب مثل كتاب وكتب وانتقبت وتنقبت غطت وجهها بالنقاب وهو ما وصل إلى محجر عينها. انتهى. قوله فإن عرفها بعينها أي ولو بدون رفع

стр. 226

النقاب كما يقع لكثير من الناس أنهم يعرفون المرأة بعينها في نقابها. انتهى. شيخنا ولو شهد عليها من وراء نقاب خفيف صح وكذا لو تحقق صوتها من وراء النقاب ولازمها حتى أدى على عينها ... وله استيعاب وجهها بالنظر للشهادة عند الجمهور لكن الصحيح عند الماوردي أنه ينظر لما يعرفها به فلو حصل ببعض وجهها لم يجاوزه، ولم يزد على مرة إلا إن احتاج للتكرار) (١) انتهى. فكيف لو علمت أن الماوردي من أئمة الشافعية الذين لا يعدون الوجه والكفين من العورة ومع ذلك لم يمنعهم من القول بوجوب ستره. ٥١ - وانظر حيث قال في كتابه "الحاوي الكبير" للعلامة أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠ هـ): (مسألة: قال الشافعي: وإذا أراد أن يتزوج المرأة موضع النظر فليس له أن ينظر إليها حاسرة، وينظر إلى وجهها وكفيها وهي متغطية بإذنها وبغير إذنها، قال الله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١] قال: الوجه والكفان. قال الماوردي: (قد مضى الكلام أن وجه المرأة وكفيها ليسا بعورة في كتاب الصلاة: لقوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١]. قال الشافعي: الوجه والكفان، وهو قول الحسن وسعيد بن جبير وعطاء، وقال ابن عباس والمسور بن مخرمة: هو الكحل والخاتم عبارة عن الوجه بالكحل وعن اليدين بالخاتم، فإذا أراد الرجل أن يتزوج المرأة، جاز له أن ينظر إلى وجهها وكفيها لا غير.

стр. 227

وقال أبو حنيفة: ينظر مع الوجه والكفين إلى ربع الساق. وقال المغربي: لا يجوز أن ينظر إلى شيء منها (١). فأما أبو حنيفة فإنه اعتبر القدمين بالكفين: لأنه أحد الطرفين، فلم يجعلها عورة والكلام معه في حد العورة قد مضى. وأما داود: فاستدل بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فليولج بصره فيها فإنما هو مسر ... ودليلنا على داود قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر﴾ منها: يعني الوجه والكفين، ويدل عليها ما روي عن النبي ﷺ : أن أسماء دخلت على عائشة وعليها ثوب رقيق فقال لها النبي ﷺ : أما علمت أن المرأة إذا حاضت حرم كل شيء منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه. ودليلنا على المغربي رواية جابر أن النبي ﷺ قال: إذا أراد أحدكم خطبة امرأة فلينظر إلى وجهها وكفيها فإن في أعين الأنصار شيئا، أو قال: سوءاً ... ثم من مر الدليل على جواز أن ينظر المعقود عليه أبلغ في صحة العقد من فقده، فاقتصر على نظر الوجه والكفين: لخروجهما عن حكم العورة، وأن في الوجه ما يستدل به على الجمال وفي الكفين ما يستدل به على خصب البدن ونعمته فأغناه ذلك عن النظر إلى غيره) (٢) انتهى.

стр. 228

ومع قوله (قد مضى الكلام أن وجه المرأة وكفيها ليسا بعورة في كتاب الصلاة) وفي الرخص قوله (فاقتصر على نظر الوجه والكفين: لخروجهما عن حكم العورة) ومع ذلك أوجب ستره كما رأيت قبله قول صاحب حاشية الجمل على المنهج: (وله استيعاب وجهها بالنظر للشهادة عند الجمهور لكن الصحيح عند الماوردي أنه ينظر لما يعرفها به فلو حصل ببعض وجهها لم يجاوزه ولم يزد على مرة إلا إن احتاج للتكرار) انتهى. ٥٢ - الإمام أبو شجاع الأصفهاني - الشافعي- (ت: ٥٩٣ هـ) في متنه الشهير يقول: (ونظر الرجل إلى المرأة على سبعة أضرب: أحدها: نظره إلى أجنبية لغير حاجة فغير جائز ... ) انتهى. ٥٣ - وقال في المقدمة الحضرمية للعلامة بافضل الحضرمي (ت: ٩١٨ هـ): (والحُرَّةُ فِي صَلاَتِهَا وَعِنْدَ الأجانب جَميعُ بَدَنِهَا إلا الوَجْهَ والكَفَّيْنِ، وَعِنْدَ مَحَارِمِهَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ). ومن شروحها (الحواشي المدنية) للشيخ محمد بن سليمان الكردي. قال: (هذا لا ينافي قول من قال أن عورتها عند الأجانب جميع بدنها لأن حرمة نظر الأجانب إلى الوجه والكفين إنما هي من حيث أن نظرهما مظنة للشهوة لا من حيث كونهما عورة (١).

стр. 229

ولاحظ كيف فهم كلام المصنف أنه ليس عورة وأنه لا يعني عندهم عدم ستره وانظر للفظة (حرمة) عند قوله (حرمة نظر الأجانب ... من حيث أن نظرهما مظنة للشهوة لا من حيث كونهما عورة). ٥٤ - وقال الشيخ محمد علاء الدين الإمام في (الدر المنتقى في شرح الملتقى المطبوع بهامش مجمع الأنهر): (وجميع بدن الحرة عورة إلا وجهها وكفيها، وقدميها في رواية، وكذا صوتها، وليس بعورة على الأشبه، وإنما يؤدي إلى الفتنة، ولذا تمنع من كشف وجهها بين الرجال للفتنة) (١) انتهى. ٥٥ - وقال الشيخ الحصكفي في: (الدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين)) يعزر المولى عبده، والزوج زوجته على تركها الزينة الشرعية مع قدرتها عليها، وتركها غسل الجنابة أو على الخروج من المنزل لو بغير حق أو كَشفت وجهها لغير محرم) (٢) انتهى. فكيف يقولون أن هؤلاء على مذهب السفور ألمجرد أنهم يقولون الوجه والكفين ليسا من العورة؟ وإن يكن، ولكن ما فطنوا أن هذا دليل على أن الأصل عندهم ستره وأنهم لم يقولوا ذلك إلا ليدللوا على جواز كشفهما عند الحاجة كما فهموه من الآية الكريمة وحديث الخاطب وبدليل أنه لم يمنعهم قولهم ليس بعورة من القول بصريح العبارة على وجوب ستره عن الرجال، ألم يلحظوا هذا الحرص الشديد منهم حتى

стр. 230

أجازوا الشهادة من خلف النقاب أو ببعض وجهها، أين نذهب بهذه النصوص؟ فلو سألهم الله عن ذلك، ألن يقولوا يارب هذه ما كتبته أكفنا؟ أجاء فيها أن النقاب كان عندنا سنة أو مستحب؟ ثم يقال أن نساء رسول الله ﷺ وصحابته والتابعيات كن يخرجن سافرات الوجوه! والله لم يجرؤ أن يقلها منذ عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم وإلى قرون عديدة إلا المتأخرون اليوم من أهل السفور. ومن الفوائد وأهمها والتي تعنينا هنا هي فهمهم للآية على أنها رخصة لأن تبدي المرأة وجهها وكفيها عند الضرورة وما مثلوا به كالشهادة والخاطب والعلاج ونحو ذلك، وتكلموا في القدر الذي يجواز مما يظهر غالباً عند الحاجة، ولهذا اختلف الأحناف والمالكية وغيرهم في ظاهر الكف وباطنه، لدرجة أن أجاز بعضهم الباطن لأنه للأخذ والإعطاء ولم يجوزوا كشف الظاهر لعدم الحاجة لكشفه، فهل يقول دعاة السفور بمثل هذا التفصيل اليوم؟ وكذلك اختلفوا في القدمين هل يجوز كشفهما أم لا؟ وطولوا في مناقشة المسألة، وبيان الحجج لكلا الفريقين، أهذا لكونهم كانوا يقولون أن تغطية الوجه كان سنة ومستحب؟ فمن نسب لهم اليوم أنهم لا يعنون باختلافهم هذا ما يظهر عند الضرورة والرخصة، وإنما يعنون بيان ما يجوز كشفه في أحوالها العادية، هل هو باطن الكف أو ظاهره وهل هما القدمان أم لا؟ مع نسبته لهم أنهم يجوزون كشف الوجه والكفين بلا سبب مبيح، كان بذلك مسفها لهم كمن نسب لهم أنهم رأوا وأصابوا النملة وذهلوا فأخطأوا البعير، فكان معيباً لعقولهم صارفاً الناس عن علومهم.

стр. 231

ومع أن لدي من أقوالهم أكثر من ذلك إلا أني أرجئ نقلها حتى لا نخرج عن سياق نقل أئمة الفقه على كون الآية رخصة من الله لأن تظهر المرأة من زينتها ما تدعوا الحاجة والضرورة إليه.

стр. 232

(محاورة) حجة القائلين أن علة الأمر بستر الوجه والكفين لكونهما من العورة وذهب فريق إلى أن المرأة كلها عورة، ومن أشهر القائلين بذلك من أئمة المذاهب الأربعة مذهب إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (١)، ورواية عن الإمام الشافعي عليهما رحمة الله، وبعض أتباع أئمة المذاهب وحجة هؤلاء ظاهرة. - فإذا سُئلوا ومن أين لكم أن المرأة كلها عورة؟ . قالوا: من قول من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى حيث قال فيما رواه عنه عبدالله بن مسعود ﵁: (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها) أخرجه الترمذي وابن حبان بسند صحيح (٢). فكيف يصح لنا أن نقول بخلاف قول رسول الله ﷺ ، فيقول: (المرأة عورة) ولم يستثنِ منها شيئاً ونأتي ونقول إلا وجهها وكفيها.

стр. 233

- فإذا قيل وكيف جاز أن تكشف وجهها وكفيها في الصلاة وهما من العورة ولم تقولوا ببطلانها؟ . قالوا: لأننا نفرق بين عورتها في صلاتها وعورتها خارج الصلاة عند نظر الأجانب لها ولا يصح خلط الحالين والحكمين والقياس بينهما. فالرجل والمرأة يؤمران بستر أجزاء من جسمهما في الصلاة وهذا ما يسمي عورة الصلاة، في حين لا يلزمهما ذلك ولا يعد من العورة خارج الصلاة، فهل لو كانت المرأة خالية في بيتها وقامت تصلي أيجوز أن تصلي بدون ستر لشعرها وذراعها وساقها؟ فباتفاق الأئمة لا يجوز لها ذلك، وألزمناها بما ليس بلازم عليها عند خلو الرجال الأجانب، وذلك لعورة الصلاة فكيف يصح بعد ذلك أن نقيس عورتها خارج الصلاة بما ظهر منها حال صلاتها. وكذلك الرجل يجوز أن يظهر منه خاليا أو مع زوجته الفخذين والعاتقين، ولكن لو قام للصلاة وجب عليه سترهما، باتفاق في الفخذين وعند من يقول بستر المنكبين في الصلاة للحديث المروي في ذلك، وقولنا في اختلاف حكم عورتها في الصلاة عن عورتها خارجها عند نظر الأجانب، هو كذلك مختلف في حكم النهي عن لبسها للبرقع والقفازين حال الإحرام، ولا يمكن قياس هذا بذاك أو العكس فلكل شعيرة وفريضة أحكامها وشروطها وأركانها المتعلقة بها. وعلى هذا فلا يلزم عندنا أن يقال ببطلان صلاتها وهي مكشوفة الوجه لكوننا نقول هو عورة خارجها.

стр. 234

فإذا منعت من النقاب والقفازين حال الإحرام لم يعنِ هذا جواز كشفهما عند مرور الأجانب، وعليها تغطيته بالسدل والإرخاء دون النقاب ونحوه، كما ثبت تغطيته من الصحابيات والتابعيات حال الإحرام حين حاذهن الرجال، وهذا بإجماع أهل العلم قاطبة. ألم ترَ إلى الرجال حين مُنعوا من لبس المخيط في الإحرام أفيصح أن يقال بجواز خروجهم مكشوفين عراة؟ أم يفهم منه جواز لبس ما عدا المخيط كالرداء والإزار؟ فكذلك المنقبة ولابسة القفازين ففي الإحرام، لا يعنى النهي أن تتكشف بل تسدل وتُرخي على وجهها، وتدخل كفيها في كم جلبابها كما قال غيرنا من الفقهاء، فالممنوع هو لبس المفصل على هذين العضوين. - فإذا قيل لهم أن قولكم أن العلة والمقصد للشارع من ستر وجه المرأة وكفيها كونهما عورة، فكيف يجوز لها بالإجماع أن تكشف عورتها في مثل الأحوال الضرورية كالتي ذكرها الفقهاء؟ . قالوا: لا يمنع من كونهما من العورة ألا ينكشفان حال الضرورة، فمتى ما دعت لذلك حاجة أو ضرورة، جاز كشفهما ولا يغير ذلك من كونهما من عورتها وأبيح كشفهما، ألا ترى إلى جواز أكل الميتة عند الضرورة ولم يقل أحد أنه تغير حكمها للجواز والإباحة مطلقا. - فإذا قيل لهم أعطونا من نصوصكم ما يفيد ذلك. قالوا نعم:

стр. 235

١ - قال البهوتي في (كشَّاف القناع عن متن الإقناع) - حنبلي - (والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة حتى ظفرها وشعرها لقول النبي ﷺ «المرأة عورة» رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وعن أم سلمة أنها سألت النبي ﷺ : «أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها» رواه أبو داود، وصحح عبد الحق وغيره أنه موقوف على أم سلمة. (إلا وجهها (لا خلاف في المذهب أنه يجوز للمرأة الحرة كشف وجهها في الصلاة. ذكره في المغني وغيره. «قال جمع: وكفيها» واختاره المجد، وجزم به في العمدة والوجيز لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قال ابن عباس وعائشة: وجهها وكفيها. رواه البيهقي وفيه ضعف، وخالفهما ابن مسعود. (وهما) أي: الكفان. (والوجه) من الحرة البالغة (عورة خارجها) أي الصلاة (باعتبار النظر كبقية بدنها) كما تقدم من قوله ﷺ : «المرأة عورة») انتهى كلامه. وهنا كما ترى وسبق أن قلناه يستشهدون بآية الرخصة: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ في أبواب الصلاة لتحديد عورة المرأة في صلاتها، والعكس هناك فعند تفسيرهم لآية الرخصة يستشهدون بما ظهر من المرأة حال الصلاة لتحديد القدر الذي تكشفه عند الحاجة لنظر من جاز نظره إليها وهذا كله لتحديد القدر الظاهر في الحالتين في ذلك.

стр. 236

٢ - وقال في منتهى الإرادات - حنبلي - باب ستر العورة: (والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة) حتى ظفرها نصا (إلا وجهها) لحديث «المرأة عورة» رواه الترمذي وقال حسن صحيح. وهو عام في جميعها ترك في الوجه للإجماع. فيبقى العموم فيما عداه وقول ابن عباس وعائشة في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قالا: (الوجه والكفين) خالفهما ابن مسعود فقال: (الثياب) ولأن الحاجة لا تدعو إلى كشف الكفين كما تدعو إلى كشف الوجه, وقياسا لهما على القدمين. وأما عورتها خارج الصلاة: فيأتي بيانها في أول كتاب النكاح) انتهى. ٣ - وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي ـ رحمه الله تعالى ـ: (قال أحمد: ولا تبدي زينتها إلا لمن في الآية) ونقل أبو طالب: (ظفرها عورة، فإذا خرجت فلا تبين شيئًا ولا خُفَّها، فإنه يصف القدم، وأحبُّ إلىَّ أن تجعل لكمّها زرًا عند يدها). اختار القاضي قول من قال: المراد بـ ﴿مَا ظَهَرَ﴾ من الزينة: الثياب، لقول ابن مسعود وغيره، لا قول من فسَّرها ببعض الحلي أو ببعضها، فإنها الخفية، قال: وقد نصَّ عليه أحمد فقال: الزينة الظاهرة: الثياب، وكل شيء منها عورة حتى الظفر) (١) انتهى.

стр. 237

٤ - وقال في الفروع لابن مفلح أيضاً (كتاب النكاح مسألة النظر قبل الخطبة): (نظر رجل من حرة ما ليس بعورة صلاة، والمذهب: لا, نقل أبو طالب: ظفر المرأة عورة, فإذا خرجت فلا يبين منها شيء ولا خفها, فإن الخف يصف القدم, وأحب إلىَّ أن تجعل لكمها زرا عند يدها لا يبين منها شيء ويجوز غير عورة صلاة من أمة ومن لا تشتهى ... وللشاهد نظر وجه المشهود عليها، وكذا لمن يعاملها, ونصه وكفيها. وفي مختصر ابن رزين أنهما ينظران ما يظهر غالبا, ونقل حرب ومحمد بن أبي حرب في البائع ينظر كفيها ووجهها: إن كانت عجوزاً رجوت, وإن كانت شابة تشتهى أكره ذلك) (١) انتهى كلامه. وكراهة كشف الشابة ولو لحاجة قال مثله أئمة الأحناف والمالكية. ٥ - وقال الشيخ يوسف بن عبد الهادي المقدسي -الحنبلي- في "مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام" (ولا يجوز للرجل النظر إلى أجنبية، إلا العجوز الكبيرة التي لا تشتهى مثلها، والصغيرة التي ليست محلًا للشهوة، ويجب عليه صرف نظره عنها. ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت) (٢) انتهى.

стр. 238

٦ - وقال الشرواني (حاشية الشرواني على تحفة المحتاج) -شافعي-: (قال الزيادي في شرح المحرر: إن لها ثلاث عورات: ـ عورة في الصلاة، وهو ما تقدم ـ أي كل بدنها ما سوى الوجه والكفين. ـ وعورة بالنسبة لنظر الأجانب إليها: جميع بدنها حتى الوجه والكفين على المعتمد. ـ وعورة في الخلوة وعند المحارم: كعورة الرجل. ا. هـ - أي ما بين السرة والركبة -) (١) انتهى. ٧ - قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في المنهج - شافعي - (وعورة حُرَّة غير وجه وكفين .. ). قال الشيخ سليمان الجمل في حاشيته على الكتاب السابق عند قوله: (غير وجه وكفين: وهذه عورتها في الصلاة، وأما عورتها عند النساء المسلمات مطلقًا. وعند الرجال المحارم، فما بين السرة والركبة، وأما عند الرجال الأجانب فجميع البدن. وأما عند النساء الكافرات، فقيل: جميع بدنها، وقيل: ما عدا ما يبدو عند المهنة) (٢).

стр. 239

٨ - وقال في روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي - شافعي - عند كلامه على أحكام الشهادة (ويجوز النظر إلى وجهها لتحمل الشهادة وسماع كلامها وهذا عند الأمن من الفتنة فإن خاف فتنة فقد سبق أنه يحرم النظر إلى وجهها بلا خلاف فيشبه أن يقال لا ينظر الخائف للتحمل، لأن في غيره غنية، فإن تعين عليه نظر واحترز) انتهى. وهذا لتعرف أن مصطلح (إذا خشيت الفتنة أو الشهوة) هو لناظر مخصوص ممن جاز نظره للمرأة لسبب مباح. ٩ - وقال العلامة أبو بكر الدمياطي - الشافعي - في (إعانة الطالبين) حيث فسر ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الوجه والكفين على أنهما عورة المرأة في الصلاة وأما عند الأجنبي فكلها عورة فقال: (قوله: وستر حرة) معطوف على ستر رجل. (قوله: ولو صغيرة) أي مميزة أو غيرها. (قوله: غير وجه وكفين) مفعول ستر أي يجب أن تستر سائر بدنها حتى باطن قدمها ما عدا وجهها وكفيها وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس وعائشة: هو الوجه والكفان. ولأنهما لو كانا عورة في العبادات لما وجب كشفهما في الإحرام، ولأن الحاجة تدعو إلى إبرازهما. واعلم أن للحرة أربع عورات: فعند الأجانب جميع البدن، وعند المحارم والخلوة ما بين السرة والركبة، وعند النساء الكافرات ما لا يبدو عند المهنة، وفي الصلاة جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها) انتهى.

стр. 240

١٠ - قال الحافظ ابن حجر - الشافعي - في فتح الباري عند شرحه لما بوب له الإمام البخاري من حديث عائشة ﵂: "باب نظر المرأة إلى الحبشة ونحوهم من غير ريبة": (وظاهر الترجمة أن المصنف كان يذهب إلى جواز نظر المرأة إلى الأجنبي بخلاف عكسه، وهي مسألة شهيرة، واختلف الترجيح فيها عند الشافعية، وحديث الباب يساعد من أجاز، ويقوي الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال، ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء، فدل على تغاير الحكم بين الطائفتين، وبهذا احتج الغزالي على الجواز فقال: لسنا نقول أن وجه الرجل في حقها عورة كوجه المرأة في حقه بل هو كوجه الأمرد في حق الرجل فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط وإن لم تكن فتنة فلا إذ لم تزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأُمر الرجال بالتنقب أو منعن من الخروج) انتهى كلامه ﵀. فالقوم في درجة أنهم يختلفون في جواز نظر المرأة للرجل الأجنبي وليس العكس، فكيف يقال أنهم يقولون بجواز عكسه من سفور وجه المرأة للرجال، والله عجب! فهل لو كان سنة أو مستحب، أو أن نساء الصحابة في عهد رسول الله يخرجن كاشفات الوجوه هل كانوا ناقشوا جواز نظر المرأة للرجل الأجنبي عنها من أصله؟ بل قل لما شكوا أصلاً في جواز وإباحة النظر للرجال، وهم أصلا ينظرون للنساء مكشوفات الوجوه.

стр. 241

ألم أقل لكم كم سنجني على العلم والعلماء لو صدقنا مثل هذه الظنون الواهية والتي هي من أكذب الحديث كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ ، والتي تبين أن هؤلاء الأئمة في وادٍ وأهل السفور هدانا الله وإياهم في وادي آخر؟ . والأدلة من كلامهم كثيرة ولا تحصى، ولكن حتى لا نطيل نرجئها لموضع آخر بمشية الله تعالى.

стр. 242

قول أتباع كل مذهب بقول المذهب الآخر وتعدد الروايات في المذهب الواحد دليل على أن اختلاف المتقدمين في فريضة الحجاب كان من قبيل اختلاف التنوع ولهذا لما كان الأمر واسعاً وهو في ماهية العلة التي من أجلها حرم الشارع كشف المرأة لوجهها أمام الرجال الأجانب فمن قائل: لأنه عورة ومن قائل بل خشية من الفتنة والشهوة، واتفاقهم على أصل المسألة وأساسها وهي وجوب ستر المرأة لوجهها كما دلت عليه نصوصهم السابقة. ولهذا نجد أن في بعض المذاهب روايتان، بل ونجد بعض أتباع المذاهب يقول بقول المذهب الآخر، وبعضهم أخذ يفصل فيقول الوجه والكفين عورة، ولكن في حق من جاز نظره لها ليس بعورة، وبعضهم قال ليس بعورة في الصلاة ولكن خارجها عورة. فمثلا تجد عند بعض علماء الحنابلة والشافعية من يقول بقول أبي حنيفة ومالك وهو إن الوجه والكفين ليسا من العورة على أساس وجود قول ثانٍ في المذهب أو راي لبعض الأتباع ومثاله ما قاله في: ١ - الإنصاف -حنبلي-: (قوله: (والحرة كلها عورة, حتى ظفرها وشعرها, إلا الوجه) الصحيح من المذهب أن الوجه ليس بعورة، وعليه الأصحاب وحكاه القاضي إجماعا، وعنه الوجه عورة أيضا، قال الزركشي: أطلق الإمام أحمد القول بأن جميعها عورة, وهو محمول

стр. 243

على ما عدا الوجه, أو على غير الصلاة، انتهى. وقال بعضهم: الوجه عورة وإنما كشف في الصلاة للحاجة، قال الشيخ تقي الدين: والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة, وهو عورة في باب النظر, إذا لم يجز النظر إليه) (١)، انتهى من الأنصاف. ٢ - وقال في المغني لابن قدامة - حنبلي - " كتاب النكاح": "من أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر إليها" (فَصْلٌ: وَلا خِلَافَ بَيْنَ أهل الْعِلْمِ فِي إباحة النَّظَرِ إلى وَجْهِهَا، وَذَلِكَ لأنهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَهُوَ مَجْمَعُ المحاسن، وَمَوْضِعُ النَّظَرِ وَلا يُبَاحُ لَهُ النَّظَرُ إلى مَا لا يَظْهَرُ عَادَةً وَحُكِيَ عَنْ الأوزاعي أنهُ يَنْظُرُ إلى مَوَاضِعِ اللَّحْمِ وَعَنْ داود أنهُ يَنْظُرُ إلى جَمِيعِهَا، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵇ (انظر إليها) وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وَرُوِيَ عَنْ ابن عَبَّاسٍ أنهُ قَالَ: الْوَجْهُ، وَباطن الْكَفِّ. وَلأن النَّظَرَ مُحَرَّمٌ أبيحَ لِلْحَاجَةِ فَيَخْتَصُّ بِمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إليه، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا. وَالْحَدِيثُ مُطْلَقٌ، وَمَنْ نَظَرَ إلى وَجْهِ إنسان سُمِّيَ نَاظِرًا إليه، وَمَنْ رَآهُ وَعَلَيْهِ أَثْوَابُهُ سُمِّيَ رَائِيًا لَهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَإذا رَأيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجسامهم﴾ ﴿وَإذا رَآك الذين كَفَرُوا﴾ فَأما مَا يَظْهَرُ غَالِبًا سِوَى الْوَجْهِ، كَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تُظْهِرُهُ المرأة فِي مَنْزِلِهَا فَفِيهِ رِوَايتَان؛ إحداهما: لا يُبَاحُ النَّظَرُ إليه لأنهُ عَوْرَةٌ فَلَمْ يُبَحْ النَّظَرُ إليه، كَاَلَّذِي لا يَظْهَرُ، فإن عَبْد اللَّه رَوَى أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «المرأة عَوْرَةٌ» حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلأن الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِالنَّظَرِ

стр. 244

إلى الْوَجْهِ. فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالثانية: لَهُ النَّظَرُ إلى ذَلِكَ. قَالَ أحمد فِي رواية حَنْبَلٍ: لا بَأْسَ أن يَنْظُرَ إليها، وَإلى مَا يَدْعُوهُ إلى نِكَاحِهَا مِنْ يَدٍ أو جِسْمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) انتهى. وابن قدامة مع أنه مع من يقولون أن الوجه ليس بعورة فإنه يوجب ستره كما ترى وسترى قريبا أيضا، وهو هنا يتكلم في جواز القدر مما يظهر للخاطب وغيره. ٣ - وقال في المغني لابن قدامة "كتاب النكاح" من أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر إليها. "فصل نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب" (فصل: فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب، فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد. قال أحمد: لا يأكل مع مطلقته، هو أجنبي لا يحل له أن ينظر إليها، كيف يأكل معها ينظر إلى كفها؟ لا يحل له ذلك ... ولنا قول الله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ وقول النبي ﷺ : «إذا كان لإحداكن مكاتب، فملك ما يؤدي، فلتحتجب منه» وعن أم سلمة قالت: «كنت قاعدة عند النبي ﷺ أنا وحفصة فاستأذن ابن أم مكتوم فقال النبي ﷺ احتجبن منه» رواه أبو داود «وكان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ فجاءته الخثعمية تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فصرف رسول الله ﷺ وجهه عنها» وعن جرير بن عبد الله قال: «سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري» حديث صحيح وعن علي

стр. 245

رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله ﷺ «لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة» رواهما أبو داود. وفي إباحة النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها دليل على التحريم عند عدم ذلك، إذ لو كان مباحا على الإطلاق، فما وجه التخصيص لهذه؟ وأما حديث أسماء إن صح فيحتمل أنه كان قبل نزول الحجاب فنحمله عليه) انتهى كلام ابن قدامه. ٤ - وقال في المغني أيضا (كتاب النكاح): فصل: - في من يُباح له النظر من الأجانب - (ويباح للطبيب النظر إلى ما تدعو إليه الحاجة من بدنها, من العورة وغيرها, فإنه موضع حاجة, وقد روي «أن النبي ﷺ لما حكم سعدا في بني قريظة كان يكشف عن مؤتزرهم» وعن عثمان أنه أتي بغلام قد سرق, فقال: انظروا إلى مؤتزره فلم يجدوه أنبت الشعر, فلم يقطعه وللشاهد النظر إلى وجه المشهود عليها لتكون الشهادة واقعة على عينها قال أحمد: لا يشهد على امرأة إلا أن يكون قد عرفها بعينها وإن عامل امرأة في بيع أو إجارة فله النظر إلى وجهها ليعلمها بعينها فيرجع عليها بالدرك, وقد روي عن أحمد كراهة ذلك في حق الشابة دون العجوز. ولعله كرهه لمن يخاف الفتنة أو يستغني عن المعاملة فأما مع الحاجة وعدم الشهوة, فلا بأس) انتهى. ولاحظ قوله: (في من يباح له النظر من الأجانب) فليست مسألة النظر لوجهها عندهم لكل أحد أو بدون سبب مبيح كما يقوله أهل السفور اليوم، فابن قدامة ممن لم يعدوا الوجه عورة ومع ذلك يوجب ستره.

стр. 246

وقوله: (روي عن أحمد كراهة ذلك في حق الشابة دون العجوز ولعله كرهه لمن يخاف الفتنة, أو يستغني عن المعاملة). كأن توكل في أمور البيع والشراء ونحوها، أو يشهد غيرها، (فأما مع الحاجة وعدم الشهوة, فلا بأس) كأن لم يكن بد من فعل ذلك إلا بنفسها (فلا بأس) (مع الحاجة وعدم الشهوة) لتعرف حقيقة معنى قولهم إذا أمنت الشهوة ولم يخشى فتنة، أنه لناظر مخصوص ممن جاز نظره. ولتعلم أنهم متفقون مع بقية المذاهب في أن المسألة رخصة وفي الحرص والتشديد عند تعاطيها وذلك بتحديد القدر الذي يظهر منها غالباً بالوجه والكفين، (ومَنْعُ الشابة من كشفه - أي الوجه - لخوف الفتنة لا لأنه عورة) (١) وقولهم كذلك: (تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة) (٢) فلم يرخصوا لهن ما رخصه الشرع وما رخصوه لغيرهن، لغلبة الفساد وقلة الورعين ولغلبة الفتنة بهن وقد مر معنا أن هذا من حق الأئمة وهو رد الناس لضابط الشرع في الضرورات وحتى لا يتساهل الناس عند الرخص بتكشف الشابات اليافعات إلا فيما لا بد منه، ومثل ذلك كثير كقول الإمام أحمد فيما سيأتي معنا: (في الأمة إذا كانت جميلة: تنتقب) رحم الله الجميع. فسبحان الله! كيف يستشهد القائلون بسفور المرأة من نقلهم لبعض كلام ابن قدامة في المغني فينسبون له ذلك لمجرد قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أهل

стр. 247

الْعِلْمِ فِي إباحة النَّظَرِ إلى وَجْهِهَا، وَذَلِكَ لأنهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ) أو نحوه؟ ويهملون بقية أقواله، فلو أنهم أكملوا عبارات أهل العلم لفهموا مرادهم ومقصدهم من قولهم ليس بعورة ولهذا تجد عندهم - ومن غير قصد -كثرة النسب الباطلة والأقوال المحرفة والمصحفة والمبدلة عن كثير من الأئمة وذلك بسبب قراءتهم السطحية والسريعة لأقوالهم. ٥ - قال ابن قدامة ﵀: (فصل: والأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالباً، كالوجه والرأس واليدين والساقين؛ لأن عمر ﵁ رأى أمة متلثمة فضربها بالدرة وقال: يا لُكاع، تتشبهين بالحرائر. وروى أبو حفص بإسناده، أن عمر كان لا يدع أمة تقنع في خلافته، وقال: إنما القناع للحرائر. ولو كان نظر ذلك منها محرماً لم يمنع من ستره، بل أمر به وقد روى أنس: «أن النبي ﷺ لما أخذ صفية قال الناس: لا ندري، أجعلها أم المؤمنين، أَم أُم ولد؟ فقالوا: إن حجبها فهي أم المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلما ركب وطأ لها خلفه ومد الحجاب بينه وبين الناس» متفق عليه، وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضاً بينهم مشهوراً وأن الحجب لغيرهن كان معلوماً ... وسوى بعض أصحابنا بين الحرة والأمة لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية ولأن العلة في تحريم النظر الخوف من الفتنة والفتنة المخوفة تستوى فيها الحرة والأمة , فإن الحرية حكم لا يؤثر في الأمر الطبيعى، وقد ذكرنا ما يدل على التخصيص ويوجب الفرق

стр. 248

بينهما وإن لم يفترقا فيما ذكروه افترقا في الحرمة وفي مشقة الستر لكن إن كانت الأمة جميلة يخاف الفتنة بها حرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الغلام الذي تخشى الفتنة بالنظر إليه قال أحمد في الأمة إذا كانت جميلة: تنتقب ولا ينظر إلى المملوكة، كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل) انتهى كلامه. وانظر لقوله (وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضاً بينهم مشهوراً وأن الحجب لغيرهن كان معلوماً .. ) وغيره مما قاله. * * * خطأ الشيخ الألباني ﵀ في نسبته مذهب السفور للقائلين أن الوجه والكفين ليسا بعورة: ولهذا تعلم خطأ الشيخ الألباني حيث نسب لابن قدامة ولكل من قال إن الوجه والكفين ليسا بعورة أنهم يقولون مثله بجواز سفور المرأة لوجهها، واستنتج منه قولاً محدثاً بدعياً لم يسبقه إليه أحد وهو أن ستر المرأة لوجهها سنة ومستحب. فقال في رده المفحم: (وهو ما جاء في "الأنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل" للشيخ علاء الدين المرداوي (١/ ٤٥٢) قال: " الصحيح من المذهب أن الوجه ليس من العورة". ثم ذكر مثله في الكفين، وهو اختيار ابن قدامة المقدسي في " المغني" (١/ ٦٣٧) واستدل لاختياره بنهيه ﷺ المحرمة عن لبس القفازين" لو

стр. 249

كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء". وهو الذي اعتمده وجزم به في كتابه" العمدة" (٦٦). فما رأي الشيخ التويجري بهذا النص من هذا الإمام الحنبلي الجليل؟ ! أتظنُّه داعية للسفور أيضاً، وفاتحاً لباب التبرج على مصراعيه، و ... ؟ ! ) انتهى كلام الألباني ﵀. ولا يخفى على الشيخ الحنبلي المحدِّث التويجري مثل هذا وهم يحفظُّون طلابهم الصغار حفظ المتون من الفقه، والدربة على فهم كلامهم، ولو لاحظ الشيخ الألباني قول ابن قدامة: (لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء) فقصد ابن قدامة ظاهر وهو أنهما ليسا بعورة بدليل كشفهما في حال العبادة كصلاتها وحجها وهي محرمة وهذا جائز بالإجماع، وعند الحاجة كبيعها وشرائها وبالإجماع أيضاً، وجواز كشفهما في مثل ذلك هو استدلال لكثير من الأئمة على أنهما ليسا بعورة، وليس ابن قدامة وحده وإلا لعلم الشيخ الألباني أنهم يعنون بكونهما ليسا بعورة لأنهما ينكشفان في مثل تلك الأحوال من العبادات والضرورات وليس على كل حال من وجود الرجال الأجانب. ولهذا تحرج بعضهم من قول أنهما عورة فيقال كيف لم تبطل عبادتها بكشفهما وكيف جاز كشف العورة لِما لم يبلغ مبلغ الضرورات الحتمية؟ .

стр. 250

٦ - ولهذا قال في (منح الجليل شرح مختصر خليل) - المالكي - (قال: وهي أي العورة من حرة مع رجل أجنبي مسلم جميع جسدها غير الوجه والكفين ظهراً وبطناً، فالوجه والكفان ليسا عورة فيجوز لها كشفهما للأجنبي) انتهى. وانظر قوله (مع رجل أجنبي مسلم) وكيف أنه أتى بصيغة المفرد الواحد، له ولها، وقيده بالمسلم لتعلم أنهم يعنون حال الرخصة لناظر مخصوص ممن يؤمن منه الفتنة، ولو كانت كاشفة أمام الناس كما يقوله أهل السفور لرأها المسلم والكافر، ولكان هناك خلل في فهم العبارة على ما أرادوه، ولما استقامت لهم لا لفظاً ولا معنى، وقوله (فيجوز لها كشفهما للأجنبي) يدل على أنهما في الأصل عندهم كانا مستورين ولكن في حالات الحاجة والضرورة (فيجوز) للنصوص الشرعية في ذلك، ولهذا لم يناسب عند بعضهم أن يقال عنهما أنهما من العورة وقد أباحته الشريعة، وهذا خلاف تقعيدي بينهم في ما هو الأنسب من دلالة الأمر أو النهي للشارع في المسألة بتغطية المراة لوجهها والنهي عن إبداء شيء من زينتها، فمن قائل لان المراة كلها عورة، ومن قائل بل للفتنة والشهوة، واعترضوا أيضاً على القول بأن الوجه والكفان من العورة للأعتبارات السابقة معنا. وهذا أمر آخر غير ما فهمه الألباني ﵀، ولما كان تعجل في إيراده نصوصهم وكأنهم يعنون كشف الوجه، وقبل التأكد من بقية كلامهم وما يعنونه في كل موضع وبخاصة أنهم قرروا أن الأصل أنه مستور لولا (لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه) ولهذا تجد ابن قدامة أوضح رأي من قال في المذهب أنهما عورة:
следующие страницы →