← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133379

كشف الأسرار عن القول التليد فيما لحق مسألة الحجاب من تحريف وتبديل وتصحيف

تركي بلحمر

Полный текст (558 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقوله: (روي عن أحمد كراهة ذلك في حق الشابة دون العجوز ولعله كرهه لمن يخاف الفتنة, أو يستغني عن المعاملة). كأن توكل في أمور البيع والشراء ونحوها، أو يشهد غيرها، (فأما مع الحاجة وعدم الشهوة, فلا بأس) كأن لم يكن بد من فعل ذلك إلا بنفسها (فلا بأس) (مع الحاجة وعدم الشهوة) لتعرف حقيقة معنى قولهم إذا أمنت الشهوة ولم يخشى فتنة، أنه لناظر مخصوص ممن جاز نظره. ولتعلم أنهم متفقون مع بقية المذاهب في أن المسألة رخصة وفي الحرص والتشديد عند تعاطيها وذلك بتحديد القدر الذي يظهر منها غالباً بالوجه والكفين، (ومَنْعُ الشابة من كشفه - أي الوجه - لخوف الفتنة لا لأنه عورة) (١) وقولهم كذلك: (تمنع المرأة الشابة من كشف وجهها بين الرجال في زماننا للفتنة) (٢) فلم يرخصوا لهن ما رخصه الشرع وما رخصوه لغيرهن، لغلبة الفساد وقلة الورعين ولغلبة الفتنة بهن وقد مر معنا أن هذا من حق الأئمة وهو رد الناس لضابط الشرع في الضرورات وحتى لا يتساهل الناس عند الرخص بتكشف الشابات اليافعات إلا فيما لا بد منه، ومثل ذلك كثير كقول الإمام أحمد فيما سيأتي معنا: (في الأمة إذا كانت جميلة: تنتقب) رحم الله الجميع. فسبحان الله! كيف يستشهد القائلون بسفور المرأة من نقلهم لبعض كلام ابن قدامة في المغني فينسبون له ذلك لمجرد قوله: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أهل

стр. 247

الْعِلْمِ فِي إباحة النَّظَرِ إلى وَجْهِهَا، وَذَلِكَ لأنهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ) أو نحوه؟ ويهملون بقية أقواله، فلو أنهم أكملوا عبارات أهل العلم لفهموا مرادهم ومقصدهم من قولهم ليس بعورة ولهذا تجد عندهم - ومن غير قصد -كثرة النسب الباطلة والأقوال المحرفة والمصحفة والمبدلة عن كثير من الأئمة وذلك بسبب قراءتهم السطحية والسريعة لأقوالهم. ٥ - قال ابن قدامة ﵀: (فصل: والأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالباً، كالوجه والرأس واليدين والساقين؛ لأن عمر ﵁ رأى أمة متلثمة فضربها بالدرة وقال: يا لُكاع، تتشبهين بالحرائر. وروى أبو حفص بإسناده، أن عمر كان لا يدع أمة تقنع في خلافته، وقال: إنما القناع للحرائر. ولو كان نظر ذلك منها محرماً لم يمنع من ستره، بل أمر به وقد روى أنس: «أن النبي ﷺ لما أخذ صفية قال الناس: لا ندري، أجعلها أم المؤمنين، أَم أُم ولد؟ فقالوا: إن حجبها فهي أم المؤمنين، وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلما ركب وطأ لها خلفه ومد الحجاب بينه وبين الناس» متفق عليه، وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضاً بينهم مشهوراً وأن الحجب لغيرهن كان معلوماً ... وسوى بعض أصحابنا بين الحرة والأمة لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية ولأن العلة في تحريم النظر الخوف من الفتنة والفتنة المخوفة تستوى فيها الحرة والأمة , فإن الحرية حكم لا يؤثر في الأمر الطبيعى، وقد ذكرنا ما يدل على التخصيص ويوجب الفرق

стр. 248

بينهما وإن لم يفترقا فيما ذكروه افترقا في الحرمة وفي مشقة الستر لكن إن كانت الأمة جميلة يخاف الفتنة بها حرم النظر إليها كما يحرم النظر إلى الغلام الذي تخشى الفتنة بالنظر إليه قال أحمد في الأمة إذا كانت جميلة: تنتقب ولا ينظر إلى المملوكة، كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل) انتهى كلامه. وانظر لقوله (وهذا دليل على أن عدم حجب الإماء كان مستفيضاً بينهم مشهوراً وأن الحجب لغيرهن كان معلوماً .. ) وغيره مما قاله. * * * خطأ الشيخ الألباني ﵀ في نسبته مذهب السفور للقائلين أن الوجه والكفين ليسا بعورة: ولهذا تعلم خطأ الشيخ الألباني حيث نسب لابن قدامة ولكل من قال إن الوجه والكفين ليسا بعورة أنهم يقولون مثله بجواز سفور المرأة لوجهها، واستنتج منه قولاً محدثاً بدعياً لم يسبقه إليه أحد وهو أن ستر المرأة لوجهها سنة ومستحب. فقال في رده المفحم: (وهو ما جاء في "الأنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل" للشيخ علاء الدين المرداوي (١/ ٤٥٢) قال: " الصحيح من المذهب أن الوجه ليس من العورة". ثم ذكر مثله في الكفين، وهو اختيار ابن قدامة المقدسي في " المغني" (١/ ٦٣٧) واستدل لاختياره بنهيه ﷺ المحرمة عن لبس القفازين" لو

стр. 249

كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء". وهو الذي اعتمده وجزم به في كتابه" العمدة" (٦٦). فما رأي الشيخ التويجري بهذا النص من هذا الإمام الحنبلي الجليل؟ ! أتظنُّه داعية للسفور أيضاً، وفاتحاً لباب التبرج على مصراعيه، و ... ؟ ! ) انتهى كلام الألباني ﵀. ولا يخفى على الشيخ الحنبلي المحدِّث التويجري مثل هذا وهم يحفظُّون طلابهم الصغار حفظ المتون من الفقه، والدربة على فهم كلامهم، ولو لاحظ الشيخ الألباني قول ابن قدامة: (لو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء) فقصد ابن قدامة ظاهر وهو أنهما ليسا بعورة بدليل كشفهما في حال العبادة كصلاتها وحجها وهي محرمة وهذا جائز بالإجماع، وعند الحاجة كبيعها وشرائها وبالإجماع أيضاً، وجواز كشفهما في مثل ذلك هو استدلال لكثير من الأئمة على أنهما ليسا بعورة، وليس ابن قدامة وحده وإلا لعلم الشيخ الألباني أنهم يعنون بكونهما ليسا بعورة لأنهما ينكشفان في مثل تلك الأحوال من العبادات والضرورات وليس على كل حال من وجود الرجال الأجانب. ولهذا تحرج بعضهم من قول أنهما عورة فيقال كيف لم تبطل عبادتها بكشفهما وكيف جاز كشف العورة لِما لم يبلغ مبلغ الضرورات الحتمية؟ .

стр. 250

٦ - ولهذا قال في (منح الجليل شرح مختصر خليل) - المالكي - (قال: وهي أي العورة من حرة مع رجل أجنبي مسلم جميع جسدها غير الوجه والكفين ظهراً وبطناً، فالوجه والكفان ليسا عورة فيجوز لها كشفهما للأجنبي) انتهى. وانظر قوله (مع رجل أجنبي مسلم) وكيف أنه أتى بصيغة المفرد الواحد، له ولها، وقيده بالمسلم لتعلم أنهم يعنون حال الرخصة لناظر مخصوص ممن يؤمن منه الفتنة، ولو كانت كاشفة أمام الناس كما يقوله أهل السفور لرأها المسلم والكافر، ولكان هناك خلل في فهم العبارة على ما أرادوه، ولما استقامت لهم لا لفظاً ولا معنى، وقوله (فيجوز لها كشفهما للأجنبي) يدل على أنهما في الأصل عندهم كانا مستورين ولكن في حالات الحاجة والضرورة (فيجوز) للنصوص الشرعية في ذلك، ولهذا لم يناسب عند بعضهم أن يقال عنهما أنهما من العورة وقد أباحته الشريعة، وهذا خلاف تقعيدي بينهم في ما هو الأنسب من دلالة الأمر أو النهي للشارع في المسألة بتغطية المراة لوجهها والنهي عن إبداء شيء من زينتها، فمن قائل لان المراة كلها عورة، ومن قائل بل للفتنة والشهوة، واعترضوا أيضاً على القول بأن الوجه والكفان من العورة للأعتبارات السابقة معنا. وهذا أمر آخر غير ما فهمه الألباني ﵀، ولما كان تعجل في إيراده نصوصهم وكأنهم يعنون كشف الوجه، وقبل التأكد من بقية كلامهم وما يعنونه في كل موضع وبخاصة أنهم قرروا أن الأصل أنه مستور لولا (لأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه) ولهذا تجد ابن قدامة أوضح رأي من قال في المذهب أنهما عورة:

стр. 251

٧ - فقال في المغني: (وقال بعض أصحابنا: المرأة كلها عورة، لأنه قد روي في حديث عن النبي ﷺ : «المرأة عورة» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ولكن رخص لها في كشف وجهها وكفيها لما في تغطيته من المشقة وأبيح النظر إليه لأجل الخطبة لأنه مجمع المحاسن) انتهى. وهذا بخلاف كلامه الصريح الذي تقدم معنا. ولم يَفهم ابن قدامة أن قولهم أو قول إمام المذهب أحمد بن حنبل بالعورة يعني أو يخالف قوله ليس بعورة فالاختلاف سهل وواسع وليس في أصل المسألة وإنما هو في علة أمر الشارع للنساء بستر الوجه، وإلا فهم متفقون على وجوب ستره كما ترى، ولكن لما كان يلزم عند بعضهم من تلك العلة من لوازم جعلته يرفض القول بأن العلة العورة ويختار لذلك علة أخرى أنسب عندهم وهي الفتنة والشهوة، ولكن ظهر واشتهر اعتراضهم على أولئك (أن الوجه والكفان ليسا بعورة)، أكثر من ظهور علتهم في المسألة. * * * وبالعكس فمع ذلك قد تجد بعض أئمة الأحناف والمالكية وبعض الشافعية يقول أن المرأة عورة وذلك لأن الأمر واسع كما قلنا ومثاله: ٨ - قول الإمام السرخسي - الحنفي- كما في المبسوط من كتاب "الإستحسان": (والقرآن كله حسن ثم أمر باتباع الأحسن وبيان هذا أن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة هو القياس الظاهر وإليه أشار رسول الله ﷺ -

стр. 252

فقال: «المرأة عورة مستورة» ثم أبيح النظر إلى بعض المواضع منها للحاجة والضرورة فكان ذلك استحسانا لكونه أرفق بالناس كما قلنا) (١). ٩ - وقال ابن العربي رحمه الله تعالى - المالكي- عند قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾: (وهذا يدل على أن الله أذن في مساءلتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو مسألة يستفتى فيها والمرأة كلها عورة، بدنها، وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا لضرورة، أو لحاجة، كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يَعنُّ ويعرض عندها) (٢) انتهى. ١٠ - وقال الإمام القرطبي - المالكي - (في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مُساءلتهن من وراء حجاب في حاجةٍ تُعرض، أو مسألة يُستَفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها، كما تقدم، فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها) (٣). * * *

стр. 253

وهناك قسم آخر من بعض الأئمة أخذوا يفصلون بنوع آخر وهو أن الوجه والكفين من المرأة عورة، ولكنه في حق من جاز نظره إليها لا يكون بالنسبة لهم من العورة لورود الدليل المبيح في ذلك، وهذا يدلك أن الأمر فيه سعة ولا يترتب عليه في أصل المسألة شيء ومثاله: ١١ - ما قاله صاحب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح -حنفي- عند "باب النظر إلى المخطوبة وبيان العورات" في: (جواز النظر إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها فجوزه الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ﵏ مطلقا أذنت المرأة أم لم تأذن لحديثي جابر والمغيرة المذكورين في أول الحسان وجوزه مالك بإذنها وروى عنه المنع مطلقا) - ثم نقل كلام النووي -: (وفيه استحباب النظر إليها قبل الخطبة حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء بخلاف ما إذا تركها بعد الخطبة وإذا لم يمكنه النظر استحب أن يبعث امرأة تصفها له وإنما يباح له النظر إلى وجهها وكفيها فحسب لأنهما ليسا بعورة في حقه فيستدل بالوجه على الجمال وضده، وبالكفين على سائر أعضائها باللين والخشونة) انتهى كلامه. وقوله: (وإذا لم يمكنه النظر) كيف لا يمكنه النظر وهو خاطب وعلى أمر مباح يجوز للنساء كشفه؟ بالله هل تصدق ما يقوله دعاة السفور، هل لدرجة (استحب أن يبعث امرأة تصفها له) هل لدرجة أنهم ينكحون المرأة بمجرد الوصف؟ هل هذا كله لشدة تمسكهم وتمسك نسائهم بسنة ومستحب النقاب، يصعبن أمر الزواج لترك واجب العفاف والإحصان والنكاح.

стр. 254

(وجوزه مالك بإذنها وروى عنه المنع مطلقا) مما تعلم معه أن النقل عن مالك في منع الخاطب مستفيض، فكيف ينقلون حسب فهمهم السطحي للنصوص أن مالكاً يقول بجواز أن تأكل المرأة مع الأجنبي بالفهم الذي أرادوه؟ . ١٢ - ثم نقل صاحب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح -حنفي- عن النووي - الشافعي -: (وأما المرأة في حق الرجل الأجنبي فجميع بدنها عورة إلا وجهها وكفيها عند الحاجة كسماع إقرار أو خطبة كما مر. قال النووي ﵀: نظر الرجل إلى المرأة الأجنبية حرام من كل شيء من بدنها وكذلك نظر المرأة إلى الرجل سواء كان بشهوة أو بغيرها وكذلك يحرم النظر إلى الأمرد وإذا كان حسن الصورة أمن من الفتنة أم لا هذا هو المذهب الصحيح المختار عند المحققين نص عليه الشافعي وحذاق أصحابه) انتهى. فكيف لو تذكرت أن الإمام النووي فضلا عن أئمة الأحناف هم ممن لا يعدون الوجه والكفين من العورة. وذهب بعضهم إلى التفريق بين عورتها في الصلاة وبهذا رأوا أنها عورة خارج الصلاة فقط ومثاله: ١٣ - قول الإمام البيضاوي- الشافعي - في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منه﴾: (والمستثنى هو الوجه والكفان لأنهما ليستا من العورة، والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر، فإن كل بدن الحرة عورة، لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل شهادة) انتهى.

стр. 255

١٤ - وقال ابن تيمية: (في اللباس في الصلاة ... والذي يسميه الفقهاء باب ستر العورة في الصلاة فإن طائفة من الفقهاء ظنوا أن الذي يستر في الصلاة هو الذي يستر عن أعين الناظرين وهو العورة). وقال كذلك: (اختلفت عبارة أصحابنا في وجه الحرة فقال بعضهم ليس بعورة وقال بعضهم عورة وإنما رخص في كشفه في الصلاة للحاجة والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذ لم يَجز النظر إليه ... وحينئذ فتصلي في بيتها وإن بدا وجهها ويداها وقدماها كما كن يمشين أولا قبل الأمر بإدناء الجلابيب عليهن فليست العورة في الصلاة مرتبطة بعورة النظر لا طرداً ولا عكساً) انتهى. وتأمل قوله: (اختلفت عبارة أصحابنا في وجه الحرة فقال بعضهم ليس بعورة وقال بعضهم عورة) ولم يلزم من ذلك اختلافهم في أصل وجوب ستر المرأة لوجهها. ١٥ - قال ابن القيم ﵀ (ت: ٧٥١ هـ) في أعلام الموقعين (٢/ ٨٠): (العورة عورتان: عورة النظر وعورة في الصلاة؛ فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك، والله أعلم) (١) انتهى. ١٦ - وقال الإمام السيوطي ﵀ في الأشباه والنظائر، في قواعد وفروع فقه الشافعي عند كلامه في أحكام الأنثى وأحوال عورتها: (وحالة مع الأجانب وعورتها كل البدن حتى الوجه والكفين في الأصح ... وحالة في الصلاة وعورتها كل البدن إلا الوجه والكفين) (٢).

стр. 256

١٧ - ونقل الحافظ ابن حجر - الشافعي - في تحفة المحتاج عن الزيادي أنه قال: (عورة المرأة أمام الأجنبي جميع بدنها حتى الوجه والكفين على المعتمد) (١) انتهى. وتلاحظ أنهم لم يقولوا أن من قال من نفس المذهب أو من خارجه أنهما ليسا بعورة أن ذلك يعني عكس قولهم بالعورة فيلزم منه كشفهما، لتفهم أن خلافهم ونزاعهم فقط هو في تعليل أمر الشارع في فرض الحجاب، وإن بدأ الأمر نحو التحريف والتبديل لمقصد المتقدمين شيئاً فشيئاً فظنه البعض من المتأخرين خلافاً، حتى وصل الأمر إلى ما وصل إليه اليوم.

стр. 257

خلاصة أقوال أئمة المذاهب الأربعة في مسألة هل الوجه والكفين عورة أم لا ؟ وبهذا نرى أن الأئمة من المذاهب الأربعة وإن اختلفوا في هل الوجه والكفان من العورة أم لا؟ فإن هذا لا يؤثر كما رأينا في اتفاقهم وإجماعهم على فريضة ستر المرأة للوجه والكفين، وإجماعهم على أن قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ هي رخصة عند نظر الرجل الأجنبي لها للضرورة من شهادة أو بيع أو تقاضي أو علاج ونحوه، ولم يرد عن أحد منهم أنه استشهد بها لجواز أن تخرج المرأة مكشوفة الوجه أمام الرجال هكذا بلا سبب، فصار خلافهم واضحاً كالشمس أنه من قبيل خلاف التنوع. فهذه الروايات في المذهب الواحد، والتفصيل من بعضهم، وقول أتباع هذا المذهب بقول المذهب الآخر والعكس لهو أبلغ معنى لأولي الإفهام، أنه ليس خلافا حقيقيا بينهم، وأنه من خلاف التنوع، الذي الخلاف والمعنى فيه واسع ولا أثر له فيظهر، بل يمكن القول أنه صوري، لأنه كله حق وصواب ومؤداه لشيء واحد والتفصيل فيه سائغ كما رأينا وكما مر معنا، فكل واحد وصف الأمر والنهي من الشارع بصفة وعلة صحيحة تدل على الأمر بفرض ستر المرأة لوجهها وتحريم كشفه بلا سبب مبيح، فالمرأة حق أنها (عورة) و (فتنة) و (شهوة) وكلها جاءت

стр. 258

بها نصوص الشرع المطهر، لما أودع الله في نفوس الرجال من محبة وتعظيم وميل لهن. وقد مر معنا قول الإمام الزركشي في اختلاف السلف: (يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم، ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ، ويظن من لا فهم عنده أن في ذلك اختلافاً فيحكيه أقوالاً وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى ظهر من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل، أو لكونه أليق بحال السائل وقد يكون أحدهم يخبر عن الشيء بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكل يؤول إلى معنى واحد غالباً، والمراد الجميع، فليتفطن لذلك، ولا يفهم ثَمَّ اختلاف العبارات اختلاف المرادات) (١) انتهى. ووالله لولا خشية التطويل والملل والخروج عن المقصد الذي نحن بصدده وهو نقل إجماع بقية المفسرين والفقهاء على الآية أنها رخصة وليست تشريعاً لفريضة الحجاب، كما توهمه البعض لنقلت المزيد وعندي من أقوالهم واتفاقهم على وجوب ستر المرأة لوجهها ما لو جمع لصار مجلداً لوحده ولكن الله يهدي من يشاء ولا هادي سواه.

стр. 259

سبب ذكرنا لتأصيل المذاهب لمسألة الحجاب: ولهذا أحببت قبل البدء بذكر بقية أقوال أئمة التفسير المنتسبين لتلك المدارس الفقهية المتنوعة على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أن أبين اصطلاحات أئمة وعلماء تلك المذاهب، لأن القارئ الكريم سيلحظ تباين واختلاف في كلامهم على مسألة علة الأمر، وسيجد أقوالهم واصطلاحاتهم، وبخاصة من يقول أنهما ليسا بعورة فإذا لم يكن قد علم معناها ومرادها عندهم وإلا سيختلط عليه الأمر وسيقع في كثير من التناقضات والإشكاليات عند قراءته لكلامهم، كما وقع فيها الكثير وسيجد أن هناك شيئاً غير واضح في كلامهم. فمثلا كيف يقولون أن الوجه والكفين ليسا بعورة ثم يشترطون لجواز كشفه حالة الضرورة والحاجة ويمثلون بالبيع والشهادة ونحو ذلك، فقولهم: بجواز كشفه في حال الضرورة فهذا مما يعكر على من نسب إليهم أنهم على مذهب سفور الوجه اليوم، وقولهم: الوجه والكفين ليسا من العورة. يعكر على من نسب إليهم أنهم على مذهب وجوب ستر الوجه، وهذا بسبب ما يعتقده البعض من أن قولهم ليسا بعورة يلزم منه قولهم بكشف الوجه في أحوالها العادية، والحق أنه ليس بلازم كما رأيت، فهم يوجبون ستره ولكن بعلة أخرى أنسب لديهم وهي علة الفتنة والشهوة. وأما من لم يفهم قواعد الفقهاء المتقدمين واصطلاحاتهم وتأصيلهم للمسألة فقد نسب إليهم خلاف التضاد.

стр. 260

وأما هم فما مثلهم إلا كمثل أخوين دُعيا إلى وليمة نكاح، فقال أحدهما للآخر: من أي طريق ستسلك؟ فقال: من طريق كذا، فلم يعجب أخاه ذلك وقال: إن الأفضل سلوك طريق كذا لأن الأول طويل ومزدحم ويلزم من سلوكه إشكالات، فخرجا هذا في طريق وهذا في طريق، فرأى ذلك شخص وقال: لا بد أن أحدهما لن يذهب لدعوة الوليمة، فإذا قيل له: وكيف عرفت ذلك؟ قال: ألا ترى لسلوك كل واحد منهما طريقا مختلفا عن الآخر، فاستنتج ثم قال: وأغلب ظني أن من سلك الطريق الفلاني هو من يرغب حضور الوليمة، ثم ذهب وأخبر والد الأخوين والناس أن فلأنا لن يحضر الوليمة فشاع في الناس ذلك الظن، وعلى أن خلافا حقيقيا حصل بينهما، والحقيقة أنهما مجتمعان في مجلس الوليمة يتحادثان، والدليل هذه النصوص التي بين أيدينا عنهم وكأنها تخرج من مشكاة واحدة. وهنا ظن البعض وبكل بساطة أن الاختلاف بينهم في العلة هو اختلاف تضاد في أصل المسألة، وأن من قال أن المرأة عورة فأولئك الموجبون لتغطية المرأة لوجهها، ومن قالوا أن وجهها وكفيها ليس بعورة فأولئك المجوزون لها كشف وجهها ﴿وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [النجم: ٢٨] وقال ﷺ : (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) (١).

стр. 261

فهذه بدعة حديثه لم يعرفها العالم الإسلامي إلا في عصوره المتأخرة اليوم، حيث لم يكن لها أول بداياتها ذكر حتى تطورت شيئاً فشيئاً في بعض المسائل الجزئية ثم ظنه البعض خلاف تضاد بينهم فاشتهرت أخيراً من قبل الذين شذوا في المسألة وخالفوا قواعد الأئمة الأربعة بل وسواد الأمة الأعظم كما شذوا في مسائل أخرى ولهذا لم يلتفت إليهم أحد، ولم يعرجوا على كثير من عجائبهم ولا غرائبهم؛ لأنها مخالفة للإجماع الذي تم وانعقد كما سيأتي بيان أصوله، من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (١). وأجدني قد رميت زبدة القول في المسألة ومع ذلك سوف أرمي بجمع لا يحصي من أقوالهم التي تؤيد إجماعهم في المسألة الموافق لمراد الله ورسوله ﷺ وصحابته الكرام وسلفهم الصالح من كونها رخصة.

стр. 262

(المبحث الخامس) إكمال نقل إجماع أهل العلم من المفسرين على أن الآية رخصة وليست تشريعاً لفريضة الحجاب

стр. 263

(المبحث الخامس) إكمال نقل إجماع المفسرين على أن الآية رخصة وليست تشريعاً لفريضة الحجاب ١ - الإمام الخازن في تفسيره (ت: ٧٤١ هـ): قال في قوله تعالى: (﴿ولا يبدين﴾ يعني لا يظهرن ﴿زينتهن﴾ يعني لغير المحرم ... فما كان من الزينة الظاهرة يجوز للرجل الأجنبي النظر إليه للضرورة مثل تحمل الشهادة ونحوه من الضرورات إذا لم يخف فتنة وشهوة فإن خاف شيئا من ذلك غض البصر وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة وسائر بدنها عورة) انتهى. وقوله: (وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة) هو نفس استدلال الطبري في قوله (وأولى الأقوال) أي من قال الوجه والكفان لأنه ليس بعورة ولأنه ينكشف بالإجماع في صلاتها، ولأنه الغالب فيما تحتاجه عند الضرورة فلا يزاد عليه ولم يقصدوا التحديد المطلق فقد تحتاج في الضروريات لكشف شيء من زينتها أكثر من الوجه والكفين أو أقل. كما أن كلامه يوضح لك أمورا عديدة مما سبق وقلناه في معنى قولهم خوف الفتنة والشهوة وأنه لناظر مخصوص يجوز نظره كالشاهد

стр. 264

ونحوه، لا أنهم يعنون خوف الفتنة من عموم الناس فهذا متعذر ولا قائل به بهذا المعنى. فتأمل كلامه تفهم مقاصد الأئمة. كما أن كلامه واضح في عدم جواز كشف المرأة لوجهها وكفيها إلا في حال الضرورات وكررها مرتين، والإمام الخازن كما رأيت مذهبه ممن لا يعدون الوجه عورة ومع ذلك لم يجوز ظهورهما إلا للضروريات، لأن علة التحريم وإن لم تكن العورة فلخشية الفتنة والشهوة، فكان فهمهم للآية الكريمة كما فهمها من قال الوجه عورة، لا فرق بينهم البتة في أنها رخصة سومح للمرأة في إظهار زينتها مؤقتا في بعض الأحوال. وحتى لا يتوسع الناس عند الرخصة فتظهر المرأة ساعدها أو بعض شعرها أو نحرها وغير ذلك مما تظهره اليوم الفاسقات بدون حاجة قالوا: (وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة وسائر بدنها عورة) وقوله: (ليس بعورة) كما قلنا هذا بناء على أصولهم، وجاء بها هنا ليحدد ما الذي تكشفه وليحتاطوا في الأخذ بالرخص وبعضهم حدد هذا القدر بأمور أخرى منها (ما يظهر منها عادة وعبادة) واستئناسهم بحديث (أسماء وعائشة).

стр. 265

٢ - تفسير القشيري (ت: ٤٦٥ هـ): (قوله: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾: ما أباح الله سبحانه على بيان مسائل الفقه فمستثنى من الحظر، وما وراء ذلك فالواجب عليهن حفظ أنفسهن عن العقوبات في الآجل، والتصاون عن أن يكون سببا لفتنة قلوب عباده. والله سبحانه يتصل منهم نفع بالخلق فلا تصيب أحدا بهم فتنة. وفي الجملة ما فيه زينة العبد لا يجوز إظهاره؛ فكما أن للنساء عورة ولا يجوز لهن إبداء زينتهن فكذلك من ظهر للخلق ما هو زينة سرائره من صفاء أحواله وزكاء أعماله انقلب زينه شيئا إلا ظهر على أحد شيء - لا بتعمده ولا بتكلفه - فذلك مستثنى لأنه غير مؤاخذ بما لم يكن بتصرفه وتكلفه، فذوات المحارم على تفصيل بيان الشريعة يستثنى حكمهن عن الحظر) انتهى كلامه. وقوله: (وما وراء ذلك فالواجب عليهن حفظ أنفسهن عن العقوبات في الأجل، والتصاون عن أن يكون سببا لفتنة قلوب عباده) أي ما وراء ما حدد على بيان مسائل الفقه وهو الوجه والكفان مما يجوز لها أن تبديه، وقد نص على ذلك الفقهاء في أكثر من باب من أبواب الفقه كأبواب الشهادة والبيوع والنكاح وغير ذلك فما وراء ذلك مما ذكروه في الغالب لمعرفة شخصها فالواجب التصون حتى لا يفهم من إطلاق إبداء الزينة أنه يجوز غير ذلك في مثل تلك الأحوال.

стр. 266

٣ - تفسير الكشف والبيان للثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ): ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ ولا يظهرن لغير محرم زينتهن، وهما زينتان: إحداهما ما خفي كالخلخالين والقرطين والقلائد والمعاصم ونحوها، والأخرى ما ظهر منها، واختلف العلماء في الزينة الظاهرة التي استثنى الله سبحانه ورخّص فيها فقال ابن مسعود: هي الثياب، وعنه أيضا: الرداء، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] أي ثيابكم. وقال ابن عباس وأصحابه: الكحل والخاتم والسوار والخضاب، الضحّاك والأوزاعي: الوجه والكفان، الحسن: الوجه والثياب. روت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلا وجهها ويدها إلى هاهنا» وقبض على نصف الذراع، وإنما رخّص الله سبحانه ورخّص رسوله في هذا القدر من بدن المرأة أن تبديها لأنه ليس بعورة، فيجوز لها كشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة فيلزمها ستره) انتهى. وقوله: (وإنما رخّص الله سبحانه ورخّص رسوله في هذا القدر من بدن المرأة أن تبديها لأنه ليس بعورة، فيجوز لها كشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة فيلزمها ستره) والرخصة لا تكون إلا عن فرض، وعلى قدر الحاجة من ناظر أجنبي له غرض في النظر إليها ولهذا درج الفقهاء والمفسرون على تحديده ذلك القدر بالوجه والكفين لأنهما ليسا بعورة عندهم ولأنه يجوز كشفه في الصلاة، ولحديث أسماء وعائشة

стр. 267

وكيف كان فهمهم له أنه عند الرخص، (تبديها) فهو ليس بادياً في كل وقت، وقال بذلك أيضاً جمع من أهل العلم لا يحصى، فتنبه ولا تحسب أنهم يتكلمون في سفور المرأة لوجهها. ٤ - تفسير السراج المنير للعلامة الخطيب الشربيني (ت: ٩٧٧ هـ): قال: (﴿إلا ما ظهر منها﴾ أي: من الزينة الظاهرة، واختلف أهل العلم في هذه الزينة التي استثناها الله تعالى فقال سعيد بن جبير وجماعة: هي الوجه والكفان، وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: هي الثياب، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي الكحل والخاتم والخضاب في الكف. فما كان من الزينة الظاهرة، يجوز للأجنبي النظر إليها إن لم يخف فتنة في أحد وجهين: وعليه الأكثر وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة في الصلاة وسائر بدنها عورة فيها، ولأن سترها فيه حرج، فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشي في الطرقات وخاصة الفقيرات. والوجه الثاني: يحرم، لأنه محل الفتنة ورجح حسماً للباب) انتهى. وقوله (وإنما رخص في هذا القدر ... ) فهذا أيضا لتعلم فيما يتكلمون فيه فلا يأتي أحد ويستشهد من الرخص التي تباح في حالات الحاجة والضرورة لتكون حكماً أصلياً فيما فرضه الله من الحجاب على النساء في أحوالهن العادية.

стр. 268

قوله: (والوجه الثاني يحرم) وهو إذا ما خاف الفتنة فلم يجوزوا له النظر ولو لحاجة وضرورة (لأنه محل الفتنة ورجح حسماً للباب) فلا يُفهم من قوله (حسماً للباب) ومثله ما مر معنا (والمنع في زماننا أوجب) ونحو ذلك أن النساء من الصحابة وغيرهن كن في السابق سافرات وجاء قوم ومنعوه خشية الفتنة وحسما للباب، لا. هذا غلط فاحش وتحريف وتبديل وتصحيف للحقائق ولم يُعرف في دين الله أن كل واحد يشرع فيه بهواه وما يناسبه فهذا ليس مقصد الأئمة المتقدمين بتاتاً، وحاشاهم من ذلك، بل لا يعتقد ذلك منهم من يعرف قدرهم ومكانتهم، وإنما قصدوا ترجيح جزئية خلافية احتياطاً وحسماً للباب وأخذاً بالأصل العام وهو (لأنه محل الفتنة) باتفاق، أو كما قالوا هناك (اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) فقولهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) ليس راجعاً كما بينا عند مبحث الفقهاء لاتفاقهم بل هو راجع إلى ما اختلفوا فيه من جزئيات قبل قولهم بالاتفاق فمن احتاط ومنع وشدد أستند لأصل (اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه) أو للأصل الآخر (لأنه محل الفتنة) ثم بعدها قالوا نحو عباراتهم (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) أو (ورجح حسماً للباب). وهنا كذلك فقد مر معنا كثيراً، أنهم كانوا يشترطون لرؤية الأجنبي شرطاً زائداً على الضرورة وهو شرط (أمن الفتنة والشهوة) عند النظر، ففصل كما في الوجه الأول الذي قدم ذكره وهو إذا لم يخف فتنة فيجوز، ولاحظ قوله (وعليه الأكثر) فمع أمن الفتنة والحاجة لم

стр. 269

يجوزه كلهم كما قال! فإن من المتقدمين من منع الخاطب من النظر لمن أراد خطبتها ومنهم من منع الشابات من التكشف عند التبايع ونحو ذلك لأن الفتنة بهن أكثر ولأن أكثر تلك البيوع ونحوها ليست بالضرورية الملحة أو يمكن أن يستغنى فيها بغيرها، ثم أيد قول (الأكثر) وبين أمثلة على الأسباب المبيحة للجواز كمثل (الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح) ثم ذكر القدر الذي يجوز في غالب تلك الأحوال وهو الوجه والكفان كما ذكرها الطبري والقرطبي والبغوي وغيرهم كثير، ودلل على هذا القدر لمن طالبه بالدليل (لأنه ليس بعورة في الصلاة وسائر بدنها عورة فيها). ثم ذكر الوجه الثاني وهو في ما لو خُشي منه أو عليه الفتنة (يحرم لأنه محل الفتنة ورجح حسماً للباب) لأن هناك من أجازه كما لو لم يكن هناك غيره لأداء الحقوق والمصالح أو إظهار الحق لصاحبه فلا بأس مع خشية الفتنة والشهوة للعذر الأشد إذا لو أمكن بغيره لم يجوزه بعضهم، وهذه مسألة أخرى أيضا في باب النظر عندهم. فلا يجوز أن يفهم من مثل عباراتهم تلك كقولهم (ورجح حسماً للباب) و (لا سيما عند كثرة الفساد وظهوره) أختلافهم في أصل فريضة الحجاب أو جواز من يحلل ويحرم في دين الله من عند نفسه فهذا الدين صالح في كل زمان ومكان، وهو الذي ارتضاه الله لنا كما ارتضاه لمن قبلنا محمد ﷺ وصحابته الكرام.

стр. 270

٥ - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ): (﴿ولا يبدين زينتهن﴾ أي كالحلي والفاخر من الثياب فكيف بما وراءها ﴿إلا ما ظهر منها﴾ أي كان بحيث يظهر فيشق التحرز في إخفائه فبدا من غير قصد كالسوار والخاتم والكحل فإنها لا بد لها من مزاولة حاجتها بيدها ومن كشف وجهها في الشهادة ونحوها) انتهى. قوله (ومن كشف وجهها في الشهادة ونحوها) ومن صريح العبارة ما يغني عن الإطالة لتفهم أخي الكريم فيما يتكلمون وأنهم يتكلمون في مستورِ رُخِص في كشفه كمثل عند الشهادة ونحوها، وهذا ما فهموه من الآية الكريمة، لا أنه في أصله مكشوف فتنبه. ٦ - تفسير النسفي (ت: ٧١٠ هـ): قال: (وإنما قدم غض الأبصار على حفظ الفروج لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور فبذر الهوى طموح العين .... . ﴿إلا ما ظهر منها﴾ إلا ماجرت العادة والجبلة على ظهوره وهو الوجه والكفان والقدمان ففى سترها حرج بين فإن المرأة لا تجد بدا من مزاولة الأشياء بيديها ومن إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشى في الطرقات وظهور قدميها وخاصة الفقيرات) انتهى. وقوله: (ففى سترها حرج بين) وهذا من رحمة الله بعباده أن رفع عنهم الحرج والعنت بهذه الآية الكريمة، حيث لم يكن بعد نزول أول آيات الحجاب في سورة الأحزاب أي رخصة أو عذر لأن تكشف المرأة شيئا من زينتها حتى أنزل الله هذه الآيات الكريمات رخصة للعباد.

стр. 271

٧ - قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: (وَقَوْله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي لا يُظْهِرْنَ شَيْئًا مِنْ الزِّينَة للأجانب إلا مَا لا يُمْكِن إخفاؤه قَالَ ابن مَسْعُود: كَالرِّدَاءِ وَالثِّيَاب يَعْنِي عَلَى مَا كان يَتَعَاطَاهُ نِسَاء الْعَرَب مِنْ المقنعة التي تُجَلِّل ثِيَابهَا وَمَا يَبْدُو مِنْ أَسَافِل الثِّيَاب فَلَا حَرَج عَلَيْهَا فِيهِ لأن هَذَا لا يُمْكِنهَا إخفاؤه وَنَظِيره فِي زِيّ النِّسَاء مَا يَظْهَر مِنْ إِزَارهَا وَمَا لا يُمْكِن إخفاؤه وَقَالَ بِقَوْلِ ابن مَسْعُود الْحَسَن وَابن سِيرِينَ وَأبو الْجَوْزَاء وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَغَيْرهمْ وَقَالَ الأعمش عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ ابن عَبَّاس: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قَالَ: وَجْههَا وَكَفَّيْهَا وَالخاتم. وَرُوِيَ عَنْ ابن عُمَر وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَأبي الشَّعْثَاء وَالضَّحَّاك وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَغَيْره نَحْو ذَلِكَ وَهَذَا يَحْتَمِل أن يَكُون تَفْسِيرًا لِلزِّينَةِ التي نُهِينَ عَنْ إبدائها كَمَا قَالَ أبو إِسْحَاق السَّبِيعِيّ عَنْ أبي الأحوص عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ فِي قَوْله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزِّينَة الْقُرْط وَالدُّمْلُوج وَالخلخال وَالْقلادَة وَفِي رواية عَنْهُ بِهَذَا الإسناد قَالَ: الزِّينَة زينتان فَزِينَة لا يَرَاهَا إلا الزَّوْج: الخاتم وَالسِّوَار وَزِينَة يَرَاهَا الأجانب وَهِيَ الظَّاهِر مِنْ الثِّيَاب وَقَالَ الزُّهْرِيّ: لا يُبْدِينَ لِهَؤُلاءِ الذين سَمَّى اللَّه مِمَّنْ لا يَحِلّ لَهُ إلا الأسْوِرَة وَالأخمِرَة وَالأقْرِطَة مِنْ غَيْر حَسْر وَأما عامة النَّاس فلا يَبْدُو مِنْهَا إلا الخوَاتِم وَقَالَ مَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: الخاتم وَالخلخال. وَيُحْتَمَل أن ابن عَبَّاس وَمَنْ تَابَعَهُ أرادوا تَفْسِير مَا ظَهَرَ

стр. 272

مِنْهَا بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَهَذَا هُوَ المشهور عِنْد الْجُمْهُور وَيُسْتَأنس لَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أبو داود فِي سُنَنه حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن كَعْب الأنطَاكِيّ وَمُؤَمَّل بْن الْفَضْل الْحَرَّانيّ قَالا: حَدَّثَنَا الْوَلِيد عَنْ سَعِيد بْن بَشِير عَنْ قَتَادَة عَنْ خَالِد بْن دُرَيْك عَنْ عَائِشَة ﵂: أن أسماء بِنْت أبي بَكْر دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيّ ﷺ وَعَلَيْهَا ثِيَاب رِقَاق فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَقَالَ: «يَا أسماء أن المرأة إذا بَلَغَتْ المحيض لَمْ يَصْلُح أن يُرَى مِنْهَا إلا هَذَا وَأَشَارَ إلى وَجْهه وَكَفَّيْهِ» لَكِنْ قَالَ أبو داود وَأبو حَاتِم الرَّازِيّ هُوَ مُرْسَل. خَالِد بْن دُرَيْك لَمْ يَسْمَع مِنْ عَائِشَة ﵂، وَاَللَّه أَعْلَم) انتهى كلام ابن كثير. وقوله: (وَهَذَا هُوَ المشهور عِنْد الْجُمْهُور وَيُسْتَأنس لَهُ بِالْحَدِيثِ) نعم فقد مر معنا أن أغلب المفسرين والفقهاء حددوا الوجه والكفين فيما يظهر من المرأة في الغالب من الحالات التي تحتاج النساء فيها للكشف عن زينتهن كما مثل لها الفقهاء في الشهادة وعند التقاضي وفي البيوع لمعرفة شخصها ونحو ذلك، ليحتاطوا من تساهل الناس في الرخصة لهذا قال الإمام ابن كثير: (وَيُسْتَأنس لَهُ بِالْحَدِيثِ) أي في تحديد القدر بالوجه والكفين بحديث عائشة مع أسماء، وهو بنفس الاستدلال مع من قبله، وقوله: (ويُسْتَأنس) لأن الحديث حسب فهم المتقدمين حملوه في باب الرخص وفي الصلاة فلا: (يَصْلُح أن يُرَى مِنْهَا إلا هَذَا) كما أنه ليس بصحيح سندا كما بينة ابن كثير، ولهذا فيحمل على ما فهمه المتقدمون من أهل العلم وأئمة الإسلام على مر عصورهم وهو ما يباح أن يظهر منها حين الضرورة الغالبة كالتي مثل لها الفقهاء أو في ما

стр. 273

يظهر منها في الصلاة، لأنه لم يأتِ عنهم أن أحدا قال فيه أنه دليل لجواز أن تكشف المرأة عن وجهها في أحوالها العادية كما يقوله اليوم أهل السفور. وقوله: (وَجْههَا وَكَفَّيْهَا ... وَهَذَا يَحْتَمِل أن يَكُون تَفْسِيرًا لِلزِّينَةِ التي نُهِينَ عَنْ إبدائها) فهو بعد أن فرغ من ذكر أن الآية جاءت رخصة (أي لا يُظْهِرْنَ شَيْئًا مِنْ الزِّينَة للأجانب إلا مَا لا يُمْكِن إخفاؤه) ثم ذكر الأقوال عن ابن مسعود وابن عباس أيضا ثم لما انتهى، أتى بعد ذلك بالاحتمال الآخر (أن يَكُون تَفْسِيرًا لِلزِّينَةِ التي نُهِينَ عَنْ إبدائها) والحق أنه وإن كان احتمالاً ممكناً ولا يخرج ولا يضاد المعنى العام من الآية إلا أنه ضعيف كما ألمح هو بقوله: (يحتمل)؛ لأنه مخالف لمعنى الآية ودلالتها القطعية من كونها جاءت رخصة وتوسعة ولو صح هذا الاحتمال الذي قاله لا يكون هناك رخصة ولا توسعة، بل يكون فيه شدة وعنت كمن منع النظر للنساء عند الحاجة والضرورة، وأيضا لا تكون الآية بهذا الاحتمال قد أضافت شيئا على ما سبق ونزل في أول شأن الحجاب من الأمر بستر الزينة وهو بالطبع نهي عن إبدائها، فكيف يكون هنا كذلك نهي عن إبدائها؟ لهذا قدم ﵀ القول الأول من كونها رخصة.

стр. 274

٨ - قال في تفسير الكشاف للزمخشري - الحنفي - (ت: ٥٣٨ هـ): (فإن قلت: لم سومح مطلقاً في الزينة الظاهرة؟ (١)، قلت: لأن سترها فيه حرج فإن المرأة لا تجد بدّاً من مزاولة الأشياء بيديها، ومن الحاجة إلى كشف وجهها، خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها، وخاصة الفقيرات منهنّ، وهذا معنى قوله: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يعني إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره والأصل فيه الظهور. وإنما سومح في الزينة الخفية، أولئك المذكورون (٢)، لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالطتهم، ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم، ولما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك) انتهى كلامه رجمه الله.

стр. 275

٩ - قال في إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود (ت: ٩٥١ هـ): ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ عند مزاولة الأمور التي لا بُدَّ منها عادةً كالخاتم والكُحلِ والخضاب ونحوها فإن في سترِها حَرَجاً بيناً. وقيلَ: المراد بالزِّينةِ مواضعُها على حذفِ المضافِ أو ما يعمُّ المحاسن الخلقية والتَّزينيةَ. والمستثنى هو الوجهُ والكفان لأنها ليستْ بعورةٍ ... ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ كرر النهي لاستثناء بعضِ موادِّ الرُّخصةِ عنه باعتبار النَّاظرِ بعد ما استُثني عنه بعضُ موادِّ الضَّرورةِ باعتبار المنظور ﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ فإنهم المقصودون بالزِّينة ولهم أن ينظرُوا إلى جميع بدنهنَّ حتَّى الموضع المعهودِ ﴿أو آبائهن أو آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أبنائهن أو ... ﴾ لكثرةِ المخالطة الضَّروريَّةِ بينهم وبينهنَّ وقلة توقع الفتنةِ من قبلهم لما في طباعِ الفريقينِ من النَّفرة عن مماسة القرائبِ ولهم أن ينظرُوا منهنَّ ما يبدُو عند المهنةِ والخدمة. وعدمُ ذكرِ الأعمام والأخوالِ لما أن الأحوط أن يتسترن عنهم حذاراً من أن يصفوهنَّ لأبنائهم) انتهى. قوله (كرر النهي لاستثناء بعضِ موادِّ الرُّخصةِ عنه باعتبار النَّاظرِ بعد ما استُثني عنه بعضُ موادِّ الضَّرورةِ باعتبار المنظور) وهذا كلام في غاية البلاغة والدقة والإيجاز منه ﵀، وهو أن قوله تعالى في النهي الأول: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كان استثناء عن بعض مواد الضرورة باعتبار المنظور. وكرر النهي الثاني: ﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو

стр. 276

آبائهن أو آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أبنائهن أو ... ﴾ لاستثناء بعض مواد الرخصة عنه باعتبار الناظرين. قوله: (وقلة توقع الفتنةِ من قبلهم) وهنا يبين لك العلة في التحريم عند من قال أن الوجه والكفان ليسا من العورة، فهم يوجبون ستره لعلة أخرى وهي الفتنة والشهوة. ١٠ - قال في تفسير غرائب القرآن للنيسابوري (ت: ٧٢٨ هـ): (قال الفقهاء: العورات على أربعة أقسام: أما عورة المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبية حرة فجيمع بدنها عورة لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إخراج الكف للأخذ والإعطاء. ويعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين. وقيل: ظهر الكف عورة. وفي هذا المقام تفصيل: قال العلماء: لا يجوز أن يعمد النظر إلى وجه الأجنبية بغير غرض فإن وقع بصره عليها بغتة غض بصره لقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ ولقوله ﷺ : «يا علي لا تتبع النظرة النظرة» فإن كان هناك غرض ولا شهوة ولا فتنة فذاك والغرض أمور منها: (١)

стр. 277

- أن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفها. روى أبو هريرة «أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله ﷺ : انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً». - ومنها إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها. - ومنها أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة. - ومنها أنه ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلا إلى الوجه لأن المعرفة تحصل به. - ومنها يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إلى بدن الأجنبية للمعالجة. كما يجوز للخاتن أن ينظر إلى فرج المختون لأنه محل ضرورة. وكما يجوز أن ينظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة، وإلى فرجها لتحمل شهادة الولادة إذا لم تكن نسوة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع. فإن كان هناك شهوة وفتنة فالنظر محظور قال ﷺ : «العينان تزنيان» وقيل: مكتوب في التوراة: النظر يزرع الشهوة في القلب ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً. - ويستثنى منه ما لو وقعت في حرق أو غرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها. قوله: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ إلا ما يظهره الإنسان على العادة الجارية وذلك في النساء الحرائر الوجه والكفان، وفي الإماء كل ما يبدو عند

стр. 278

المهنة. وفي صوتها خلاف الأصح أنه ليس بعورة لأن نساء النبي ﷺ يروين الأخبار للرجال ... ) انتهى من تفسير النيسابوري. وانظر قوله (إبراز) و (إخراج) (ولا ينظر إلا إلى الوجه لأن المعرفة تحصل به) كلها تدل أن هذه الأشياء تكون عند الرجال مستورة لا مكشوفة، وإلا ما قالوا إبراز ولا إخراج ولا المعرفه تحصل به، وهو في الأصل مكشوف، فاتقوا الله يا من لبِّس عليهم الأمر لا ترموا بهذه النصوص والآثار والمعاني وتنسبوا لأهل العلم ما هم منه براء. ١١ - تفسير مفاتيح الغيب للإمام الرازي (م: ٥٤٣ - ت: ٦٠٦ هـ): (أما عورة المرأة مع الرجل فالمرأة أما أن تكون أجنبية أو ذات رحم محرم، أو مستمتعة، فإن كانت أجنبية فإما أن تكون حرة أو أمة فإن كانت حرة فجميع بدنها عورة، ولا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين، لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه في البيع والشراء، وإلى إخراج الكف للأخذ والعطاء، ونعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين، وقيل ظهر الكف عورة (١). واعلم أنا ذكرنا أنه لا يجوز النظر إلى شيء من بدنها، ويجوز النظر إلى وجهها وكفها، وفي كل واحد من القولين استثناء. أما قوله: يجوز النظر إلى وجهها وكفها، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام: - إما أن لا يكون فيه غرض ولا فيه فتنة.

стр. 279

- وإما أن يكون فيه فتنة ولا غرض فيه. - وإما أن يكون فيه فتنة وغرض. أما القسم الأول: فاعلم أنه لا يجوز أن يتعمد النظر إلى وجه الأجنبية لغير غرض (١) وإن وقع بصره عليها بغتة يغض بصره، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ وقيل يجوز مرة واحدة إذا لم يكن محل فتنة، وبه قال أبو حنيفة ﵀ ولا يجوز أن يكرر النظر إليها لقوله تعالى: ﴿إن السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أولائِكَ كان عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ ... ولأن الغالب أن الاحتراز عن الأولى لا يمكن فوقع عفواً قصد أو لم يقصد. أما القسم الثاني: وهو أن يكون فيه غرض ولا فتنة فيه فذاك أمور: أحدها: بأن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفيها، روى أبو هريرة ﵁: «أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله ﷺ : انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً» ... فكل ذلك يدل على جواز النظر إلى وجهها وكفيها للشهوة إذا أراد أن يتزوجها، ويدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النّسَاء مِن بَعْدُ وَلاَ أن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] ولا يعجبه حسنهن إلا بعد رؤية وجوههن. وثانيها: إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها.

стр. 280

وثالثها: أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة إليه. ورابعها: ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى غير الوجه لأن المعرفة تحصل به. أما القسم الثالث: وهو أن ينظر إليها للشهوة فذاك محظور، قال ﵊: «العينان تزنيان» ... . أما الكلام الثاني: وهو أنه لا يجوز للأجنبي النظر إلى بدن الأجنبية فقد استثنوا منه صوراً: إحداها: يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إليها للمعالجة، كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون، لأنه موضع ضرورة. وثانيتها: يجوز أن يتعمد النظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة على الزنا، وكذلك ينظر إلى فرجها لتحمل شهادة الولادة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع، وقال أبو سعيد الاصطخري لا يجوز للرجل أن يقصد النظر في هذه المواضع، لأن الزنا مندوب إلى ستره، وفي الولادة والرضاع تقبل شهادة النساء فلا حاجة إلى نظر الرجال للشهادة. وثالثتها: لو وقعت في غرق أو حرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها) انتهى كلام الرازي.

стр. 281

١٢ - زاد المسير لابن الجوزي - حنبلي - (ت: ٥٩٧ هـ): قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قال القاضي أبو يعلى والقول الأول أشبه وقد نص عليه أحمد فقال الزينة الظاهرة الثياب وكل شيء منها عورة حتى الظفر ويفيد هذا تحريم النظر إلى شيء من الأجنبيات لغير عذر فإن كان لعذر مثل أن يريد أن يتزوجها أو يشهد عليها فإنه ينظر في الحالين إلى وجهها خاصة فأما النظر إليها بغيرعذر فلا يجوز لا لشهوة ولا لغيرها وسواء في ذلك الوجه والكفان وغيرهما من البدن. فإن قيل فلم لا تبطل الصلاة بكشف وجهها فالجواب أن في تغطيته مشقة فعفي عنه) انتهى من زاد المسير. وكلامه هو نفس كلام الفقهاء والمفسرين ممن يقولون أن الوجه والكفين ليسا بعورة لا تجد فيه أي اختلاف حقيقي. قوله (فإن قيل فلم لا تبطل الصلاة ... ) يَرُدُ ابن الجوزي على سؤال للمعترضين عليهم بكون العلة أن الوجه عورة مفاده كيف تقولون أن الوجه عورة، والمعروف أن العورة لو كشفت في الصلاة بطلت؟ (فالجواب أن في تغطيته مشقة فعفي عنه). والحق أن هذا أيضا لا يُسلم له كما لا يُسلم لمن استدل على أنهما ليسا من العورة لكونهما ينكشفان في الصلاة. لأن عورة الصلاة تختلف عن عورة النظر، فالمرأة ولو كانت خالية في بيتها وأرادت الصلاة فالواجب عليها تغطية شعرها وساقيها، ومعلوم أن ذلك ليس بعورة عند خلو الأجانب، وكذلك الرجل لو كان خاليا لوحده لم يجب عليه ستر فخذيه ولا ركبتيه، ولكن لو قام يصلي فإنه مأمور

стр. 282

بستر ذلك في صلاته، فأحكام العورة في الصلاة أو الحج لا يمكن قياسها على عورتها عند النظر من الأجانب، لا طرداً ولاعكساً، ولشيخ الإسلام وتلميذه ابن قيم الجوزية كلام نفيس في ذلك. ١٣ - روح المعاني للإمام الألوسي: قال: (وأيضا لو كان المراد من الزينة موقعها للزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من ما وقع الزين الظاهرة وهذا باطل لأن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة ... قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ رقعة الوجه وباطن الكف، وأخرجا عن ابن عمر أنه قال: الوجه والكفان ولعل القدمين عندهما كالكفين إلا أنهما لم يذكراهما اكتفاء بالعلم بالمقايسة فإن الحرج في سترهما أشد من الحرج في ستر الكفين لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء العرب الفقيرات اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات، ومذهب الشافعي عليه الرحمة كما في الزواجر أن الوجه والكفين ظهرهما وبطنهما إلى الكوعين عورة في النظر من المرأة ولو أمة على الأصح، وإن كانا ليسا عورة من الحرة في الصلاة ... وذكر في الزواجر حرمة نظر سائر ما انفصل من المرأة لأن رؤية البعض ربما جر إلى رؤية الكل فكان اللائق حرمة نظره أيضا بل قال: حرم أئمتنا النظر لقلامة ظفر المرأة المنفصلة ولو

стр. 283

من يدها (١)، وذهب بعض الشافعية إلى حل النظر إلى الوجه والكف إن أمنت الفتنة وليس بمعول عليه عندهم، وفسر بعض أجلتهم ما ظهر بالوجه والكفين بعد أن ساق الآية دليلا على أن عورة الحرة ما سواهما وعلل حرمة نظرهما بمظنة الفتنة فدل ذلك على أنه ليس كل ما يحرم نظره عورة ... ويكون المعنى أن ما ظهر منها من غير إظهار كأن كشفته الريح مثلا فهن غير مؤاخذات به في دار الجزاء، وفي حكم ذلك ما لزم إظهاره لنحو تحمل شهادة ومعالجة طبيب ... وقال ابن بحر: الزينة تقع على محاسن الخلق التي فعلها الله تعالى وعلى ما يتزين به من فضل لباس، والمراد في الآية النهي عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم واستثنى ما لا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف) انتهى تفسير الألوسي. وهذا الكلام من ابن بحر هو ما عليه إجماع العلماء من المفسرين والفقهاء كما مر بنا، وكلام الألوسي هو في مجرد مناقشته لاصطلاحاتهم في العلل والمقاصد فمن قائل بعورة ومن قائل بمظنة خشية الفتنة. وقوله: (وعلل حرمة نظرهما بمظنة الفتنة فدل ذلك على أنه ليس كل ما يحرم نظره عورة) وهذه علة التحريم عند من لم يقل أن الوجه والكفين عورة فلا يلزم من عدم كونهما من العورة جواز كشفهما، لأن العلة عندهم هي الفتنة والشهوة وهذه كافية للتحريم.

стр. 284

١٤ - تفسير الجواهر الحسان للثعالبي (ت: ٨٧٥ هـ): (قال ابن العربي في «أحكامه»: وكما لا يَحِلُّ للرجل أن ينظر إلى المرأة، لا يحل للمرأة أن تنظر إلى الرجلِ، فإن عَلاَقَتَهُ بها كعلاقتها به وقصدَه منها كقصدها منه، ثم استدل بحديث أم سلمة المتقدم، انتهى. وحفظ الفرج يَعُمُّ الفواحش، وسترَ العورة، وما دون ذلك مِمَّا فيه حفظ ثم أمر تعالى بألا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما يظهر من الزينة؛ قال ابن مسعود: ظاهر الزينة: هو الثياب. وقال ابن جبير وغيره: الوجه والكفان والثيابُ. وقيل: غير هذا. قال: زينتها *ع*: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبديَ، وأن تجتهدَ في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كُلِّ ما غلبها، فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بُدَّ منه أو إصلاح شأن، فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفو عنه) انتهى. ١٥ - تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (ت: ٧٤١ هـ): ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ نهى عن إظهار الزينة بالجملة ثم استثنى الظاهر منها، وهو ما لا بد من النظر إليه عند حركتها أو إصلاح شأنها وشبه ذلك فقيل: إلا ما ظهر منها يعني الثياب؛ فعلى هذا يجب ستر جميع جسدها، وقيل: الثياب والوجه والكفان، وهذا مذهب مالك لأنه أباح كشف وجهها وكفيها في الصلاة، وزاد أبو حنيفة القدمين) انتهى.

стр. 285

نُسب لمن يقولون في تفسير الآية (الثياب) أو من يقولون (العورة) وكأنهم لا يرخصون في كشف الوجه ولو للضرورة ولهذا نُقل عنهم أنهم يقولون بمنع نظر الخاطب لمن أراد خطبتها فظنه المتأخرون أن كل من قال في تفسير الآية بالثياب وكأنهم هم من منع من ذلك وتشدد وقد سبق معنا عند تفسير أقوال الصحابة أن هذا لا يصح وإنما ذكر الثياب نوع من أنواع الزينة التي يجوز إظهارها عند الضرورة وإلا فمالك ﵀ وغيره منع الخاطب من النظر وهو ممن لا يعدون الوجه عورة، فقد يكون فيمن يقول الوجه والكفان ليسا بعورة ويكون أشد وأحرص في باب الرخص ممن قال بالعورة أو فسرها بالثياب. ١٦ - وقال في تفسير بحر العلوم للسمرقندي (ت: ٣٧٥ هـ): (﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: وجهها وكفيها وهكذا قال إبراهيم النخعي وروي أيضا عن عائشة ﵂ أنها قالت: الوجه والكفان وهكذا قال الشعبي وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: الوجه والكفان وقال مجاهد الكحل والخضاب وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: الكحل والخاتم وروي عن ابن عباس في رواية أخرى إلا ما ظهر منها أي: فوق الثياب وروى أبو إسحاق عن ابن مسعود أنه قال ثيابها وروي عن ابن مسعود رواية أخرى أنه سئل عن قوله ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فتقنع عبد الله بن مسعود وغطى وجهه وأبدى عن إحدى عينيه) انتهى.
следующие страницы →