← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133379

كشف الأسرار عن القول التليد فيما لحق مسألة الحجاب من تحريف وتبديل وتصحيف

تركي بلحمر

Полный текст (558 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

١٢ - زاد المسير لابن الجوزي - حنبلي - (ت: ٥٩٧ هـ): قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قال القاضي أبو يعلى والقول الأول أشبه وقد نص عليه أحمد فقال الزينة الظاهرة الثياب وكل شيء منها عورة حتى الظفر ويفيد هذا تحريم النظر إلى شيء من الأجنبيات لغير عذر فإن كان لعذر مثل أن يريد أن يتزوجها أو يشهد عليها فإنه ينظر في الحالين إلى وجهها خاصة فأما النظر إليها بغيرعذر فلا يجوز لا لشهوة ولا لغيرها وسواء في ذلك الوجه والكفان وغيرهما من البدن. فإن قيل فلم لا تبطل الصلاة بكشف وجهها فالجواب أن في تغطيته مشقة فعفي عنه) انتهى من زاد المسير. وكلامه هو نفس كلام الفقهاء والمفسرين ممن يقولون أن الوجه والكفين ليسا بعورة لا تجد فيه أي اختلاف حقيقي. قوله (فإن قيل فلم لا تبطل الصلاة ... ) يَرُدُ ابن الجوزي على سؤال للمعترضين عليهم بكون العلة أن الوجه عورة مفاده كيف تقولون أن الوجه عورة، والمعروف أن العورة لو كشفت في الصلاة بطلت؟ (فالجواب أن في تغطيته مشقة فعفي عنه). والحق أن هذا أيضا لا يُسلم له كما لا يُسلم لمن استدل على أنهما ليسا من العورة لكونهما ينكشفان في الصلاة. لأن عورة الصلاة تختلف عن عورة النظر، فالمرأة ولو كانت خالية في بيتها وأرادت الصلاة فالواجب عليها تغطية شعرها وساقيها، ومعلوم أن ذلك ليس بعورة عند خلو الأجانب، وكذلك الرجل لو كان خاليا لوحده لم يجب عليه ستر فخذيه ولا ركبتيه، ولكن لو قام يصلي فإنه مأمور

стр. 282

بستر ذلك في صلاته، فأحكام العورة في الصلاة أو الحج لا يمكن قياسها على عورتها عند النظر من الأجانب، لا طرداً ولاعكساً، ولشيخ الإسلام وتلميذه ابن قيم الجوزية كلام نفيس في ذلك. ١٣ - روح المعاني للإمام الألوسي: قال: (وأيضا لو كان المراد من الزينة موقعها للزم أن يحل للأجانب النظر إلى ما ظهر من ما وقع الزين الظاهرة وهذا باطل لأن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة ... قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ رقعة الوجه وباطن الكف، وأخرجا عن ابن عمر أنه قال: الوجه والكفان ولعل القدمين عندهما كالكفين إلا أنهما لم يذكراهما اكتفاء بالعلم بالمقايسة فإن الحرج في سترهما أشد من الحرج في ستر الكفين لا سيما بالنسبة إلى أكثر نساء العرب الفقيرات اللاتي يمشين لقضاء مصالحهن في الطرقات، ومذهب الشافعي عليه الرحمة كما في الزواجر أن الوجه والكفين ظهرهما وبطنهما إلى الكوعين عورة في النظر من المرأة ولو أمة على الأصح، وإن كانا ليسا عورة من الحرة في الصلاة ... وذكر في الزواجر حرمة نظر سائر ما انفصل من المرأة لأن رؤية البعض ربما جر إلى رؤية الكل فكان اللائق حرمة نظره أيضا بل قال: حرم أئمتنا النظر لقلامة ظفر المرأة المنفصلة ولو

стр. 283

من يدها (١)، وذهب بعض الشافعية إلى حل النظر إلى الوجه والكف إن أمنت الفتنة وليس بمعول عليه عندهم، وفسر بعض أجلتهم ما ظهر بالوجه والكفين بعد أن ساق الآية دليلا على أن عورة الحرة ما سواهما وعلل حرمة نظرهما بمظنة الفتنة فدل ذلك على أنه ليس كل ما يحرم نظره عورة ... ويكون المعنى أن ما ظهر منها من غير إظهار كأن كشفته الريح مثلا فهن غير مؤاخذات به في دار الجزاء، وفي حكم ذلك ما لزم إظهاره لنحو تحمل شهادة ومعالجة طبيب ... وقال ابن بحر: الزينة تقع على محاسن الخلق التي فعلها الله تعالى وعلى ما يتزين به من فضل لباس، والمراد في الآية النهي عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم واستثنى ما لا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف) انتهى تفسير الألوسي. وهذا الكلام من ابن بحر هو ما عليه إجماع العلماء من المفسرين والفقهاء كما مر بنا، وكلام الألوسي هو في مجرد مناقشته لاصطلاحاتهم في العلل والمقاصد فمن قائل بعورة ومن قائل بمظنة خشية الفتنة. وقوله: (وعلل حرمة نظرهما بمظنة الفتنة فدل ذلك على أنه ليس كل ما يحرم نظره عورة) وهذه علة التحريم عند من لم يقل أن الوجه والكفين عورة فلا يلزم من عدم كونهما من العورة جواز كشفهما، لأن العلة عندهم هي الفتنة والشهوة وهذه كافية للتحريم.

стр. 284

١٤ - تفسير الجواهر الحسان للثعالبي (ت: ٨٧٥ هـ): (قال ابن العربي في «أحكامه»: وكما لا يَحِلُّ للرجل أن ينظر إلى المرأة، لا يحل للمرأة أن تنظر إلى الرجلِ، فإن عَلاَقَتَهُ بها كعلاقتها به وقصدَه منها كقصدها منه، ثم استدل بحديث أم سلمة المتقدم، انتهى. وحفظ الفرج يَعُمُّ الفواحش، وسترَ العورة، وما دون ذلك مِمَّا فيه حفظ ثم أمر تعالى بألا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما يظهر من الزينة؛ قال ابن مسعود: ظاهر الزينة: هو الثياب. وقال ابن جبير وغيره: الوجه والكفان والثيابُ. وقيل: غير هذا. قال: زينتها *ع*: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبديَ، وأن تجتهدَ في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كُلِّ ما غلبها، فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بُدَّ منه أو إصلاح شأن، فما ظهر على هذا الوجه فهو المعفو عنه) انتهى. ١٥ - تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي (ت: ٧٤١ هـ): ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ نهى عن إظهار الزينة بالجملة ثم استثنى الظاهر منها، وهو ما لا بد من النظر إليه عند حركتها أو إصلاح شأنها وشبه ذلك فقيل: إلا ما ظهر منها يعني الثياب؛ فعلى هذا يجب ستر جميع جسدها، وقيل: الثياب والوجه والكفان، وهذا مذهب مالك لأنه أباح كشف وجهها وكفيها في الصلاة، وزاد أبو حنيفة القدمين) انتهى.

стр. 285

نُسب لمن يقولون في تفسير الآية (الثياب) أو من يقولون (العورة) وكأنهم لا يرخصون في كشف الوجه ولو للضرورة ولهذا نُقل عنهم أنهم يقولون بمنع نظر الخاطب لمن أراد خطبتها فظنه المتأخرون أن كل من قال في تفسير الآية بالثياب وكأنهم هم من منع من ذلك وتشدد وقد سبق معنا عند تفسير أقوال الصحابة أن هذا لا يصح وإنما ذكر الثياب نوع من أنواع الزينة التي يجوز إظهارها عند الضرورة وإلا فمالك ﵀ وغيره منع الخاطب من النظر وهو ممن لا يعدون الوجه عورة، فقد يكون فيمن يقول الوجه والكفان ليسا بعورة ويكون أشد وأحرص في باب الرخص ممن قال بالعورة أو فسرها بالثياب. ١٦ - وقال في تفسير بحر العلوم للسمرقندي (ت: ٣٧٥ هـ): (﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: وجهها وكفيها وهكذا قال إبراهيم النخعي وروي أيضا عن عائشة ﵂ أنها قالت: الوجه والكفان وهكذا قال الشعبي وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: الوجه والكفان وقال مجاهد الكحل والخضاب وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: الكحل والخاتم وروي عن ابن عباس في رواية أخرى إلا ما ظهر منها أي: فوق الثياب وروى أبو إسحاق عن ابن مسعود أنه قال ثيابها وروي عن ابن مسعود رواية أخرى أنه سئل عن قوله ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فتقنع عبد الله بن مسعود وغطى وجهه وأبدى عن إحدى عينيه) انتهى.

стр. 286

١٧ - تفسير حقائق التفسير للسلمي (ت: ٤١٢ هـ): قال: (قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال الحسين: زينة الدنيا، وما فيها بالنسيان، والتأويل والشهوة، والنفس، والعدو، وأشباه ذلك فهذه زينة الدنيا فلا يبدين ولا يخفين شيئًا من هذه الأحوال إلا ما ظهر منها على حد الغفلة. قال بعضهم: الحكمة في هذه الآية لأهل المعرفة أنه من أظهر شيئًا من أفعاله إلا ما ظهر عليه من غير قصد له ... ) انتهى كلامه. وإن كنا لا نقر على مثل هذا التفسير ولدينا من تفاسير المتقدمين والمتأخرين في بيان أن الآية رخصة ولهذا قال صاحب تفسير النكت والعيون للإمام الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ): (وتأول بعض ... أصحاب الخواطر هذه الزينة بتأويلين: أحدهما: أنها الدنيا فلا يتظاهر بما أوتي منها ولا يتفاخر إلا بما ظهر منها ولم ينستر. الثاني: أنها الطاعة لا يتظاهر بها رياءً إلا ما ظهر منها ولم ينكتم. وهما بعيدان) انتهى كلامه. ولكني أحببت أن أسوق بعض أقوال المتقدمين جداً، وعلى اختلاف مذاهبهم ومشاربهم في فهمهم للآية حتى يعلم الجميع حقيقة الإجماع فيها، وأنها رخصة فيما ظهر منها عند الضرورة ورغماً عنها.

стр. 287

١٨ - تفسير البحر المحيط لأبي حيان (ت: ٧٥٤ هـ): قال: (وسومح في الزينة الظاهرة لأن سترها فيه حرج فإن المرأة لا تجد بُداً من مزاولة الأشياء بيدها ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصا في الشهادة والمحاكمة والنكاح، وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها خاصة الفقيرات منهن وهذا معنى قوله: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ يعني إلا ما جرت العادة والجبلة على ظهوره، والأصل فيه الظهور. وسومح في الزينة الخفية أولئك المذكورون (١)، لما كانوا مختصين به من الحاجة المضطرة إلى مداخلتهم ومخالطتهم ولقلة توقع الفتنة من جهاتهم (٢)، ولما في الطباع من النفر عن مماسة القرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم في الأسفار للنزول والركوب وغير ذلك ... وقال ابن بحر: الزينة تقع على محاسن الخلق التي فعلها الله وعلى ما يتزين به من فضل لباس، فنهاهن الله عن إبداء ذلك لمن ليس بمحرم واستثنى ما لا يمكن إخفاؤه في بعض الأوقات كالوجه والأطراف على غير التلذذ. وأنكر بعضهم إطلاق الزينة على الخلقة والأقرب دخوله في الزينة وأي زينة أحسن من خلق العضو في غاية الاعتدال والحسن) انتهى.

стр. 288

١٩ - قال صاحب فتح القدير الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: (وقال ابن عطية أن المرأة لا تبدي شيئا من الزينة وتخفي كل شيء من زينتها ووقع الاستثناء فيما يظهر منها بحكم الضرورة، ... قال القرطبي في تفسيره: الزينة على قسمين: خَلقية ومكتسبة فالخَلقية وجهها فإنه أصل الزينة والزينة المكتسبة ما تحاوله المرأة في تحسين خَلقها كالثياب والحُلي والكحل والخضاب ومنه قوله تعالى: ﴿خذوا زينتكم﴾ وقول الشاعر: يأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطلن فهن خير عواطل) انتهى. ٢٠ - وقال الشوكاني أيضاً في نيل الأوطار: (والحاصل: أن المرأة تبدي من مواضع الزينة ما تدعو الحاجة إليه عند مزاولة الأشياء والبيع والشراء والشهادة فيكون ذلك مستثنى من عموم النهي عن إبداء مواضع الزينة وهذا على فرض عدم ورود تفسير مرفوع وسيأتي في الباب الذي بعد هذا ما يدل على أن الوجه والكفين مما يستثني) انتهى كلامه. وانظر لفهم الإمام الشوكاني (هذا على فرض عدم ورود تفسير مرفوع) حيث فهموا من تفاسير السلف بالوجه والكفين أنها للرخصة والحاجة. وقصده بالباب الذي بعده قول المجد بن تيمية - حنبلي -: (باب أن المرأة عورة إلا الوجه والكفين وأن عبدها كمحرمها في نظر ما يبدو منها غالباً).

стр. 289

فالمجد ﵀ حنبلي المذهب ومع ذلك يقول أن الوجه والكفين ليسا بعورة كابن قدامة الحنبلي ومع ذلك أوجبوا على المرأة ستر وجهها كما مر معنا قوله في المغني. وهنا قوله: (وأن عبدها كمحرمها) حيث اختلف العلماء في جواز أن يرى العبد من سيدته أكثر من الوجه والكفين، فإذا كان محرمها وعبدها ينظران للوجه والكفين فهل يكون الأجنبي بدون حاجة ولا سبب ينظر لها كذلك؟ لتفهم قولهم ليس بعورة وما يبدو منها غالباً أو عادة أو عبادة هو تحديد القدر مما يظهر عند الحاجة للأجنبي أو عبدها كما عند بعضهم وليس معناه أن تخرج للناس كاشفة الوجه فتأمل كلامهم. ٢١ - قال الشيخ الشعراوي ﵀، وفيما أستشعره من معاني الآية: (ومن رحمة الله بالنساء أن قال بعد: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ .. ﴾ قال: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا .. ﴾ [النور: ٣١] يعني: الأشياء الضرورية فالمرأة تحتاج لأن تمشي في الشارع فتظهر عينيها وربما فيها كحل مثلاً، وتظهر يدها وفيها خاتم أو حناء فلا مانع أن تُظهر مثل هذه الزينة الضرورية) (١).

стр. 290

٢٢ - قال أبو هشام الأنصاري: كما في مجلة الجامعة السلفية عدد مايو، يونيو ١٩٧٨ م نقلاً عن كتاب عودة الحجاب حيث قال: (ومن هنا يُعرف أن كل زينة يمكن للمرأة إخفاؤها فهي مأمورة بإخفائها، سواء كان الوجه والكفان أو الكحل والخاتم والسواران، وأنها لو قصرت في إخفاء مثل هذه الزينة، وكشفتها تعمداً تؤاخذ عليها، وأن كل زينة لا يمكن إخفاؤها مثل الثياب الظاهرة أو يمكن إخفاؤها ولكنها انكشفت من غير أن تتعمد المرأة لكشفها أو تشعر بانكشافها، فإنها لا تؤاخذ عليها، ولا تستحق عتاباً ما كما أنها لا تؤاخذ إذا كشفتها عمداً لأجل حاجة أو مصلحة الجأتها إلى كشفها، فكان المرأة لم تباشر ولم تتعمد كشفها، وإنما الحاجة أو المصلحة هي التي كشفتها، فلا عتاب على المرأة، فقوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ في معنى قوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]) (١) انتهى. ٢٤ - تفسير أيسر التفاسير للعلامة أبو بكر الجزائري قال: (﴿إلا ما ظهر منها﴾: أي بالضرورة دون اختيار وذلك كالكفين لتناول شيئاً، والعين الواحدة أو الاثنتين للنظر بهما، والثياب الظاهرة كالخمار والعباءة) انتهى.

стр. 291

٢٥ - قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (وبهذا يعلم وجوب تحجب المرأة وسترها لوجهها وأنه يحرم عليها إخراج شيء من بدنها وما عليها من أنواع الزينة مطلقا إلا ما ظهر من ذلك كله في حالة الاضطرار أو عن غير قصد كما سلف بيان ذلك وهذا التحريم جاء لدرء الفتنة. ومن قال بسواه أو دعا إليه فقد غلط وخالف الأدلة الشرعية ولا يجوز لأحد اتباع الهوى أو العادات المخالفة لشرع الله . لأن الإسلام هو دين الحق والهدى والعدالة في كل شيء، وفيه الدعوة إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والنهي عما يخالفها من مساوئ الأخلاق وسيئ الأعمال) (١) انتهى وأجدني أكتفي بما نقلته وإن كان فيه شيء من التطويل والنقل ولكن ليعلم الجميع اتفاق أهل العلم من الفقهاء والمفسرين على مر عصورهم على هذا الفهم لمعنى الآية، ولهذا فلو رجعوا لأقوالهم عند قوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ لرأوا أنهم يقولون بالأمر بوجوب ستره، ولما شك في كلامهم أحد، فضلا عما قالوه عند قوله تعالى: ﴿وَالقواعد مِنَ النِّسَاءِ﴾ وغير ذلك، فكيف يتساهل البعض في أن يستبيح بعدها مخالفة أهل العلم كلهم وتحريف كلام الله ورسوله بأدنى التأويلات والاحتمالات؟ وكيف وسياق الآية وتاريخ نزولها وكونها جاءت بعد آية الإدناء وإجماع السلف وأهل التفسير على أنها الأمر

стр. 292

للنساء بتغطية وجوههن، ثم ما جاء بعدها من الرخصة للقواعد، أكبر شاهد على أنها قد جاءت بالرخصة لغيرهن من النساء لأن يبدين من زينتهن ما تدعو الحاجة والضرورة إليه؟ ولا يمكن أن يقال أنها متعارضة مع ما قبلها مما في سورة الأحزاب أو أنها مجرد تكرار وكأنها لم تأتِ بشيء جديد عما جاء في آية الإدناء كما يلزم من قول أهل السفور اليوم هدانا الله وإياهم.

стр. 293

فائدة في حكمة التكرار في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾: حيث تكررت مرتين: فمرة بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. ومرة ثانية بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهنَّ أو .. ﴾ [النور: ٣١]. ففي كلا الحالتين نهي عن إبداء الزينة، فمن فسرها في المرة الأولى بالوجه والكفين فقط على مذهب أهل السفور وأنه هو ما تبديه للناس في أحوالها العادية لزمه أن يفسرها في المرة الثانية بالوجه والكفين ولا يزيد على ذلك فالزينة الأولى هي عين الزينة الثانية كما هو معروف في الأسلوب العربي: أنهم إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه فهو هو فإذا كان الأمر كذلك فهل الزوج والأب والأبناء ومن ذكروا معهم في الآية لا يجوز لهم أن يرو من النساء إلا الوجه والكفين فقط؟ (١) قطعا لا. فمعلوم أنه يجوز للمرأة أن تكشف أكثر من الوجه والكفين للزوج والأب والأبناء وغيرهم من المذكورين في الآية، وحينئذ لا مفر لهم ولا يستقيم لهم الأمر بما يليق بكلام الخالق العظيم المبين، إلا بما ذكرناه من تفسير السلف لها وما نقله أئمة التفسير من أن مراد الله فيها هو بيان الأحوال المؤقتة التي تحتاج أو تضطر المرأة فيها لأن

стр. 294

تبدي عن زينتها، أي زينة كانت، حسب ظروفها وأحوالها الضرورية لأن تلك الأحوال والحالات غير ثابتة ولا دائمة وتتغير من حين لآخر ولا يمكن ضبطها حتى يقال هي الوجه والكفين ليس إلا؟ فقد تضطر لإظهار أكثر من ذلك كالمعالجة ونحوه، أو أقل منه كمن كشفت عينيها من خلف النقاب تبصر بهما الطريق أو كشفت اليدين لتفحص الأشياء التي ترغب بشرائها وكل ذلك يقدر بقدره. فستقام لهم حينئذ في الاستثناء الثاني في أحوالها العادية مع أولئك المذكورين: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاء بُعُولَتِهِنَّ .. ﴾ أن تظهر لهم أكثر من الوجه والكفين من زينتها كلا بحسب حاله وقدره ومكانته معها أيضا. قال ابن عطية: (ثم ثنى به المحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة ولكنهم تختلف مراتبهم في الحرمة بحسب ما في نفوس البشر، فلا مرية أن كشف الأب والأخ على المرأة أحوط من كشف ولد زوجها، وتختلف مراتب ما يبدي لهم فيبدى للأب ما لا يجوز إبداؤه لولد الزوج) انتهى. فسبحانه من قائل: ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ [هود: ٢].

стр. 295

حكمة عدم التحديد في قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾: وبهذا يظهر أيضاً الحكمة من عدم التحديد في قوله تعالى: ﴿إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١]، فلما كان لأحوالها الاضطرارية جعله استثناءً مفتوحاً للرخصة بدون تحديد للزينة، لأن هذا راجع لما تدعو الحاجة والضرورة إلى إظهاره بحسب ما يطرأ لها من ظروف وضروريات مؤقتة. ولكن لما جاء في أحوالها العادية والدائمة ناسب أن يحدد المستثنين ﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو ... ﴾ [النور: ٣١]، ولهذا ذكرهم واحداً واحداً بأوصافهم الدقيقة والمانعة للجهالة حتى يعلم الناس ما أمروا به في غالب حالاتهم فلا يلتبس الأمر عليهم.

стр. 296

لو لم تنزل آية الرخصة ؟ : ولهذا نقول هذه آية الرخصة كما فهمها السلف ومن بعدهم ولو لم تنزل هذه الآية بهذا الاستثناء الرحيم لتشدد البعض حتى في حالات الضرورة، لأنه وإن كان هناك ضرورة فهناك إجماع ونقل مستفيض لا يحصى بعدم جواز أن تظهر المرأة شيئا من زينتها، وهناك أيضا أحاديث كقوله ﷺ : (تداووا ولا تداووا بحرام) (١). وقوله ﷺ : (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) (٢)، فربما أشكل مثل هذا على الكثير، ولهذا فإننا نسأل من في قلبه شك في هذا الإجماع هداهم الله، إن لم تكن هذه هي أدلة الرخصة لأن تبدي المرأة من زينتها عند الحاجة والضرورة كما مثل لها أئمة الإسلام من المفسرين والفقهاء كعند الشهادة والتقاضي والمعالجة وغير ذلك بل والتي بعضها لم يبلغ مبلغ الضرورات الحتمية فمن أين إذاً استدلوا على جواز ذلك إن لم تكن في هذه الآية يا رعاكم الله؟ . فإذا كان السلف وأئمة الإسلام المتقدمين فهموا منها الرخصة فذكروا الطبيب والمعالج والمنقذ من الغرق والشاهد والقاضي والمتبايع وغير

стр. 297

ذلك مما تدعو الحاجة إليه، ومع ذلك مرت بنا نصوص عن بعضهم في المنع والكراهة من كشف النساء للخاطب والمتعاملين معها وعند الشهادة فيما لو عرفها من خلف النقاب أو ببعض وجهها، ولو كان لوقت يسير لمعرفة شخصها أو نكاحها، فكيف سيكون قولهم لو لم تنزل هذه الآية أو الأثر عن رسول الله ﷺ بجواز نظر الخاطب؟ . بل قال كثير من الأئمة كما قال الزمخشري: (فإن قلت: لِم لم يذكر الله الأعمام والأخوال؟ قلت: سئل الشعبي عن ذلك؟ فقال: لئلا يصفها العم عند ابنه والخال كذلك. ومعناه: أن سائر القرابات يشترك الأب والابن في المحرمية إلا العمّ والخال وأبناءهما. فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم فيداني تصوّره لها بالوصف نظره إليها وهذا أيضا من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهن في التستر) انتهى كلامه. وقال في تفسير أبي السعود: (وعدمُ ذكرِ الأعمام والأخوالِ لما أن الأحوط أن يتسترن عنهم حذاراً من أن يصفوهنَّ لأبنائهم) انتهى. والحقيقة أن هذا يقوله بعض الأئمة احتياطاً كما احتاطوا في تفسيرهم لآية ﴿إلا ما ظهر منها﴾ فحددوا القدر المرخص كشفه في الغالب عند الأجنبي بالوجه والكفين، مع اتفاقهم على جواز أن تكشف أكثر من ذلك عند الضرورة كالعلاج ونحوه، وهنا كذلك فهم متفقون على كشف المرأة لخالها أو عمها ولو كان من الرضاع. وهذا يقولونه احتياطاً مع نزول آية الرخصة وصريح كلامهم فيها، وورود الأدلة عن رسول الله ﷺ بجواز نظر الخاطب لمن أراد خطبتها، فهل هؤلاء بالله عليكم يشك

стр. 298

أحد في أنهم يرون أن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن يخرجن مكشوفات الوجوه؟ أو أن ستر الوجه في حقهن أمام الرجال الأجانب كان سنة ومستحب؟ . وأهل السفور اليوم هداهم الله يريدون المرأة أن تكشف وجهها للأجانب وتختلط بالرجال لتعلم خطورة أننا لو فهمنا كلام المتقدمين وقلنا بما يقوله أهل السفور اليوم نكون بذلك قد مسخنا الحقيقة والتاريخ والسيرة وما كانت عليه حياتهم من عهد السلف الصالح وإلى من بعدهم من أئمة الإسلام، والتي سطروها في مؤلفاتهم ونكون قد فرغناها من معناها ومضمونها الحقيقي، من فرض الحجاب الذي من قوة فريضته شددوا في الحرص لمجرد رؤية خالها وعمها، أو من جواز نظر الخاطب لها، وغير ذلك ولعله لأنه لم يترجح عندهم الضرورة لكشفها في مثل بعض تلك الأحوال، والله لم يجعل في الدين من حرج فكان من رحمته التوسعة على العباد. فسبحان العالم بشئون عباده الخبير بما يحتاجون الرحيم بهم حيث أوجز ذلك بألطف عبارة وأبلغ كلمة وأوسع معنى فقال جل من قائل: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: ٣١].

стр. 299

مخالفة الألباني للإجماع في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الشيخ محمد الألباني ﵀ في كتابه حجاب المرأة صفحة (٥٧): (ويلاحظ القراء الكرام أن هذا البحث القيم الذي وقفت عليه بفضل الله من كلام هذا الحافظ ابن القطان يوافق تمام الموافقة ما كنت ذكرته اجتهاداً مني وتوفيقاً بين الأدلة: أن الآية مطلقة كما ستراه مصرحاً به (ص ٨٧) فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات). ثم قال هناك في صفحة (٨٧): (هذا ولا دلالة في الآية على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره بل غاية ما فيها الأمر بإدناء الجلباب عليها وهذا كما ترى أمر مطلق فيحتمل أن يكون الإدناء على الزينة ومواضعها التي لا يجوز لها إظهارها حسبما صرحت به الآية الأولى وحينئذ تنتفي الدلالة المذكورة ويحتمل أن يكون أعم من ذلك فعليه يشمل الوجه. وقد ذهب إلى كل من التأويلين جماعة من العلماء المتقدمين وساق أقوالهم في ذلك ابن جرير في (تفسيره) والسيوطي في (الدر المنثور) ولا نرى فائدة كبرى بنقلها هنا فنكتفي بالإشارة إليها ومن شاء الوقوف عليهما فليرجع إليهما، ونحن نرى أن القول الأول أشبه بالصواب لأمور:

стр. 300

الأول: أن القرآن يفسر بعضه بعضا. وقد تبين من آية النور المتقدمة أن الوجه لا يجب ستره فوجب تقييد الإدناء هنا بما عدا الوجه توفيقاً بين الآيتين ... ) انتهى كلام الألباني من كتابه جلباب المرأة. وسبق لنا بيان أن آية النور متأخرة وليست متقدمة، فالشيخ غفر الله لنا وله أخذ من آية الرخص والاستثناءات، ما جعله حكماً لفريضة الحجاب، كمن يأخذ بأدلة الفطر للمسافر والمريض، ويقول الفطر في رمضان سنة ومستحب، وبناء على فهمه لاختلاف أقوال الصحابة والسلف في الآية، وكذلك كلام أهل العلم المتقدمين على لفظة العورة فظنه منهم أنه اختلاف تضاد بينهم، بل ولتقدير أكثرهم للزينة المرخص إظهارها من الآية بالوجه والكفين كونهما الغالب مما يظهر من المرأة عادة وعبادة، وفي صلاتها، فظنهم يتكلمون في الآية المشرعة للحجاب وجواز كشف المرأة للوجه والكفين في أحوالها العادية، واختلط عليه الأمر ﵀، ولا شك أنها شذوذ منه وزلة العالم غفر الله لنا وله، وجمعنا به في مستقر رحمته. كما وأنه سبق لنا بيان فهم الإمام ابن جرير وغيره لكلام وأقوال الصحابة والسلف على الآية وهذه من النسب المغلوطة والمتسرعة، والمعتمدة على موضع واحد ولا يدل بصراحة على رأيه في المسألة، من بقية أقوالهم الصريحة، وكذلك فقد سبق لنا نقل أقوال الإمام السيوطي في أكثر من موضع من كتابنا هذا فلتراجع. ولولا الخشية من التطويل لذكرت بقية أقوال أهل العلم من المفسرين والفقهاء التي تبين أنهم مجمعون على أن الآية رخصة لأن تبدي المرأة

стр. 301

من زينتها ما تدعو الحاجة والضرورة إليه، كإجماعهم في آية الإدناء التي سبقت في سورة الأحزاب على أنها أول ما أنزل في شأن الحجاب وأنها الواصفة والمشرعة لفريضته وشكله وطريقة لبسه كما جاءت بذلك الآثار عن السلف. فهذه الآية من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، استشهد بها اليوم القائلون بسفور وجه المرأة وكأنها هي الأصل في مسألة الحجاب وكأنها أول ما أنزل فيه، وبالتالي فسروها على ظاهرها وبدون معرفة التسلسل التاريخي لنزولها، وهي أنها متأخرة على فريضة الحجاب والغوص في معانيها ومعرفة مراد الصحابة من تفسيرها كما فهموه وأخذوه عن رسول الله ﷺ ، وهي أنها رخصة وتوسعة من الله لعباده المؤمنين والمؤمنات في أن تظهر المرأة زينتها عند الحاجة والضرورة بقدرها، كما فهموه من رسول الله من جواز نظر الخاطب وغيره، وكما جاء في نفس السورة بعدها الرخصة للعجائز وللقواعد من النساء أن يضعن ثيابهن، فهذه الاستثناءات جاءت بعد الأصل السابق والعام في فرض الحجاب والذي نزل متقدماً في سورة الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة كما مر معنا وقبل سورة النور والتي كانت بعد غزوة بني المصطلق وحادثة الإفك في السنة السادسة من الهجرة، فكان بينهما ما يقارب السنة تقريباً. فإن كانت هذه الآية أول ما نزل فكيف يصح عدم البيان وتحديده من أصله، وبخاصة في معرض البيان لفريضة إلهية أول مرة نزلت كما

стр. 302

يدعون من قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فلماذا لم يبينها الله حتى لا يختلط الأمر على الناس؟ والحق أنه لم يحددها لحكمة منه أراد منها عدم التحديد المطلق لأنها رخصة فتركه استثناء مفتوحاً جعل تقديره للظروف والاحتياجات التي تواجه العباد حتى لا تقع المرأة والرجال في مشقة وعنت وحيرة من أمرهم. كما قال تعالى: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ [الأنعام: ١١٩]، ولم يحدد المستثنى الذي يأكلونه مما حرم عليهم، لأنه قصد هنا أحوال الضرورات وهي غير ثابتة بشئ وغير مستدامة، فما يجدونه ويحتاجونه مما حرم عليهم وقت الضرورة فمرخص لهم أكله. فمن استشهدوا بها وكأنها أول ما نزل من مسائل الحجاب وكأنها المشرعة لفريضته الواصفة لشكله وحدوده، كان لقولهم ذلك أبلغ الأثر في خلط الأمور وتحريف وتبديل مسألة الحجاب حتى بدت أحكامه غريبة، وظهر فيها من التناقضات والاختلافات بين نصوصه من الكتاب والسنة وأقوال السلف الشيء الكثير، بل وبين أقوالهم أنفسهم؛ فوقعوا في كثير من التناقضات والإشكالات والتجاوزات أنتجت آراء غير معقولة وغير منطقية وغير واقعية، وغير مسبوقة ومخالفة للإجماع، ولهذا لم يزرع حجابهم - تغطية الرأس- في نفوس الآخذات به أي فضيلة أو حبا للسنة، وهذا في حال غالبيتهن كما هو شاهد الحال، فتبعه التبرج والسفور والانحلال، وإلى الله المشتكى.

стр. 303

ولو جمعت أقوال الصحابة والتابعين وأئمة التفسير حسب مدارسهم الفقهية وحللت ونظر لها بنوع من التتبع والاستقراء الفقهي لفهمت حسب مقاصدهم التي نص عليها أهل العلم السابقين في كل مذهب ولتبين لنا بلا شك ولا ريب أنها لمعنى واحد ومقصد متحد ولو كان بعضهم يقول بالعورة وبعضهم لا يقول بها ولعلمنا أن جميعهم يقولون بالتحريم إما بسبب العورة أو بسبب الفتنة والشهوة، ولما احتجنا لترجيح أو طرح قول على قول، ولما تطرق لدينا الاضطراب والتناقض والاختلاف الذي وقع فيه البعض فنسبوه للصحابة وأئمة المذاهب الأربعة وأهل التفسير ليبرروا اختيارهم من بين أقوالهم. ولهذا فمن أمانة أهل العلم اليوم والمجامع الفقهية وولاة أمور المسلمين بيان كلام الله ورسوله ﷺ وأهل العلم كما أرادوه وقصدوه ونفي التحريف والتبديل والتصحيف الواقع على كلامهم ونصوصهم من المتأخرين. وبخاصة في فريضة من فرائض الإسلام، وشعيرة ظاهرة جلية بين الأنام يتساءل أحدنا كيف لم ينقل لنا خلاف السلف والمتقدمين فيها أو نزاع المذاهب الأربعة عليها؟ . والسبب لأنه لم يكن بينهم خلاف أصلا في وجوب ستر النساء لوجوههن، وإنما كان خلافهم على علة الأمر وهو من قبيل خلاف التنوع لا خلاف التضاد.

стр. 304

وهنا كان نقلنا الطويل والمسهب لتفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]، من كتب أهل التفسير وأهل الفقه من المذاهب الأربعة لنبين أنه لم يأت أو ينقل عن أحد من السلف أو أئمة التفسير والفقه قاطبة على مر عصورهم لما يقارب الأربعة عشر قرنا أن قال فيها أحد منهم - أي أحد - أنها بيان لتشريع فريضة الحجاب وبيان شكله وطريقته وما يظهر من المرأة في أحوالها العادية كما قال بذلك الألباني وبعض متأخري هذا العصر غفر الله لنا ولهم، فضلاً أن يقال أنها دليل لجواز كشف النساء لوجوههن عند الرجال الأجانب بلا سبب مبيح، وإنما هو مبني على فهم مغلوط لمقصد ومراد أولئك المتقدمين عند تقعيدهم وتأصيلهم للمسائل ولهذا لم يقل به أحد منهم كما رأينا فهو يخالف قول الله ورسوله ﷺ وصحابته وتابعيهم ومن تبعهم بإحسان من أئمة أهل العلم وأعلام الإسلام الذين امتلأت كتبهم ومؤلفاتهم ببيانه ونقله وشرحه على مر عصورهم. قال الشيخ ابن باز ﵀ مبينا الإجماع في ذلك: ... (والتبرج ليس تحرراً من الحجاب فقط بل هو والعياذ بالله تحرر من الالتزام بشرع الله وخروج على تعاليمه ودعوة للرذيلة، والحكمة الأساسية في حجاب المرأة هي درء الفتنة، فإن مباشرة أسباب الفتنة ودواعيها وكل وسيلة توقع فيها من المحرمات الشرعية ومعلوم أن

стр. 305

تغطية المرأة لوجهها ومفاتنها أمر واجب دل على وجوبه الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالح) (١). أفبعد هذا يقال خالف في المسألة بعد القرون المفضلة ومن بعدهم وإلى القرون المتأخرة واحد أو اثنان فلا إجماع، هذه هرطقة، ولو جازت هذه، لما كان هناك معنى ولا فائدة لقوله ﷺ وحاشاه-: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ولو أُخذ بشذوذ وزلة كل عالم متأخر لما سلم لنا من الدين شيء، ولحق للعلمانيين والعصرانيين الذين يتكلمون في ثوابت الدين بتفسيرات من عند أنفسهم، ثم يقولون نحن رجال كما أولئك رجال. ولهذا فلا عبرة بمن خالف الإجماع هذا فيمن كانوا بعد عصر الصحابة والتابعين فكيف بمن بعدهم؟ . قال شيخ الإسلام: (وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئاً في ذلك بل مبتدعاً وإن كان مجتهداً مغفوراً له خطؤه) (٢). وقال أيضاً: (فمن اتبع السابقين الأولين كان منهم وهم خير الناس بعد الأنبياء فإن أمة محمد خير أمة أخرجت للناس وأولئك خير أمة محمد كما ثبت في الصحاح من غير وجه أن النبي ﷺ قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيراً وأنفع من معرفة أقوال

стр. 306

المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك; فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم؛ وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوماً وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه، قال تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾. وأما المتأخرون الذين لم يتحروا متابعتهم وسلوك سبيلهم ولا لهم خبرة بأقوالهم وأفعالهم بل هم في كثير مما يتكلمون به في العلم ويعملون به لا يعرفون طريق الصحابة والتابعين في ذلك من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف. فهؤلاء تجد عمدتهم في كثير من الأمور المهمة في الدين إنما هو عما يظنونه من الإجماع وهم لا يعرفون في ذلك أقوال السلف البتة أو عرفوا بعضها ولم يعرفوا سائرها فتارة يحكون الإجماع ولا يعلمون إلا قولهم وقول من ينازعهم من الطوائف المتأخرين ; طائفة أو طائفتين أو ثلاثا وتارة عرفوا أقوال بعض السلف والأول كثير في "مسائل أصول الدين وفروعه".

стр. 307

كما تجد كتب أهل الكلام مشحونة بذلك يحكون إجماعاً ونزاعاً ولا يعرفون ما قال السلف في ذلك البتة; بل قد يكون قول السلف خارجاً عن أقوالهم كما تجد ذلك في مسائل أقوال الله وأفعاله وصفاته; مثل مسألة القرآن والرؤية والقدر وغير ذلك. وهم إذا ذكروا إجماع المسلمين لم يكن لهم علم بهذا الإجماع فإنه لو أمكن العلم بإجماع المسلمين لم يكن هؤلاء من أهل العلم به; لعدم علمهم بأقوال السلف فكيف إذا كان المسلمون يتعذر القطع بإجماعهم في مسائل النزاع بخلاف السلف فإنه يمكن العلم بإجماعهم كثيراً. وإذا ذكروا نزاع المتأخرين لم يكن بمجرد ذلك أن يجعل هذه من مسائل الاجتهاد التي يكون كل قول من تلك الأقوال سائغاً لم يخالف إجماعاً; لأن كثيراً من أصول المتأخرين محدث مبتدع في الإسلام مسبوق بإجماع السلف على خلافه والنزاع الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعا كخلاف الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة ممن قد اشتهرت لهم أقوال خالفوا فيها النصوص المستفيضة المعلومة. وإجماع الصحابة بخلاف ما يعرف من نزاع السلف فإنه لا يمكن أن يقال: أنه خلاف الإجماع وإنما يرد بالنص وإذا قيل: قد أجمع التابعون على أحد قوليهم فارتفع النزاع. فمثل هذا مبني على مقدمتين: إحداهما: العلم بأنه لم يبق في الأمة من يقول بقول الآخر وهذا متعذر الثانية: أن مثل هذا هل يرفع النزاع مشهور، فنزاع السلف يمكن القول به إذا كان معه حجة; إذ على خلافه, ونزاع المتأخرين لا يمكن لأن

стр. 308

كثيراً منه قد تقدم الإجماع على خلافه كما دلت النصوص على خلافه ومخالفة إجماع السلف خطأ قطعاً. وأيضاً فلم يبق مسألة في الدين إلا وقد تكلم فيها السلف فلا بد أن يكون لهم قول يخالف ذلك القول أو يوافقه وقد بسطنا في غير هذا الموضع أن الصواب في أقوالهم أكثر وأحسن وأن خطأهم أخف من خطأ المتأخرين وأن المتأخرين أكثر خطأ وأفحش وهذا في جميع علوم الدين ولهذا أمثلة كثيرة يضيق هذا الموضع عن استقصائها والله سبحانه أعلم) (١) انتهى. وقال شيخ الإسلام بن تيمية في موضع آخر: (الصحابة أخذوا عن الرسول لفظ القرآن ومعناه كما أخذوا عنه السنة وإن كان من الناس من غير السنة فمن الناس من غير بعض معاني القرآن; إذ لم يتمكن من تغيير لفظه وأيضا: فقد يخفى على بعض العلماء بعض معاني القرآن كما خفي عليه بعض السنة; فيقع خطأ المجتهدين من هذا الباب. والله أعلم) (٢) انتهى. ومن فطن لما قلناه كفاه وانتظم له عقد المسألة وأصلها وفرعها فنظر لكلام المفسرين والفقهاء على مر عصورهم واختلاف مذاهبهم بعين الفاهم الناقد البصير.

стр. 309

تفسير قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ وقول الألباني أن الخمار لا يأتي لستر الوجه ولهذا جاء بعد الإذن بالرخصة التنبيه والحرص على عدم الفهم من إباحة إظهار الزينة عند الحاجة والضرورة أن يتساهل النساء والرجال في إظهار المرأة لزينتها فجاء بأمر جديد يدعوهن فيه للحرص على ستر بعض الأماكن بالذات من زينتها فقال تعالى بعدها: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ [النور: ٣١]. والغريب أن بعض أهل السفور أخذ يبحث في هذه الآية عن الأمر بتغطية المرأة لوجهها ويقول ليس فيها شيء عن تغطية المرأة لوجهها وإنما هو مجرد أمر بستر الجيوب؟ وسبحان الله ما كفاهم آية الإدناء فلم يبصروا ما فيها من أقوال للمفسرين وأئمة أهل الإسلام مع كثرتها وصراحة قولهم فيها على الأمر بستر المرأة لوجهها وتحريم كشفه، وما كفاهم ما في سورة النور من قوله تعالى: ﴿ولايبدين زينتهن﴾ والنهي هنا جاء تأكيد على الأمر السابق في الأمر بالإدناء وعام في النهي عن إبداء أي زينة منها ﴿إلا ما ظهر منها﴾ في حال الضرورة، وكذلك جاء النهي الثاني ﴿ولايبدين زينتهن إلا لبعولتهن ... ﴾ [النور: ٣١]، وهو تأكيد ثالث أعقبه استثناء لأصناف محدودين جداً فقط، فهل الأجانب منهم، وهذا في أحوالها العادية، فدل أن ما سواهم لا يجوز أن تبدي لهم

стр. 310

زينتها، بل وآية القواعد دليل آخر كما سيأتي في أن غيرهن من الشابات مأمورات بستر وجوههن. وأحاديث ستر الوجه والتي يثبتونها ثم يصرفونها للسنة والمستحب بدون أن يكون لهم سلف، وما بحثهم عن أدلة فرض ستر المرأة لوجهها بعد هذا كله إلا كقول القائل: كالعِيس في البيداء يقتلها الظمأ ... والماء فوق ظهورها محمول ومع ذلك فقوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ جاءت للتنبيه على مواضع معينة كما ذكر أهل التفسير في سبب نزولها كما قال النسفي ﵀: (﴿بِخُمرهنَّ﴾ جمع خمار ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ بضم الجيم: مدني وبصري وعاصم. كانت جيوبهن واسعة تبدو منها صدورهن وما حواليها وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة فأمرن بأن يسدلنها من أقدامهن حتى تغطيها) (١) انتهى. وإن لم يكن فيها الدلالة ظاهرة على ستر الوجه كغيرها من بقية الآيات والأحاديث، إلا أنه لا يمنع من وجود معنى قوي لتستر به المرأة وجهها، ولا مانع من ذلك أبداً، لأن الخمار في الرأس ويلتف حوله ويمكن أن يستخدم طرفه وذيله لو كان واسعا ليستر الوجه بالسدل والإرخاء أو بالتقنع والنقاب واللثام ونحوه كما قاله أهل اللغة:

стр. 311

قال في لسان العرب عند (سدل): (وفي حديث عائشة أنها سدلت طرف قناعها على وجهها وهي محرمة أي أسبلته) انتهى. وقال أيضا في (ذ ي ل) الذيل: آخر كل شيء كما في المحكم قال شيخنا: هذا هو الحقيقي وما بعده مجاز. والذيل من الإزار والثوب: ما جر منه إذا أسبل. زاد الصاغاني: فأصاب الأرض من ثوبها من نواحيها كلها قال: ولا ندعو للرجل ذيلا، فإن كان طويل الثوب فذلك الإرفال في القميص والجبة، والذيل في درع المرأة أو قناعها إذا أرخت شيئاً منهما) انتهى. وسبق معنا المزيد عند كلامنا على القناع في بداية نقلنا لكلام الإمام الطبري عند تفسيره لآية الإدناء فليراجع هناك (١)، فما المانع أن يأتي الخمار يستر الرأس ويستر الوجه ويستر الجيوب وغير ذلك وهذا هو الصحيح فليس هو مقتصرا على الرأس فقط، بدليل أنه هنا لم يقتصر على ستر الرأس كما يقوله أهل السفور بل ورد الأمر بالضرب به على الجيوب بنص الآية وهي غير الرأس فلماذا إذا لما أتى ليستر الوجه منعوه وحجروا واسعا؟ فيمكن أن تستخدمه المرأة لو شاءت لستر وجهها وشعرها وصدرها وعنقها في آن واحد، ويمكن في حالة رغبتها بستر وجهها بالنقاب أو البرقع أن تكتفي بجعل الخمار يستر الرأس والعنق والصدر، والنقاب والبرقع للوجه خاصة، فالأمر واسع وهذه أقمشة لها عدة استخدامات ومعاني اللغة واسعة وتسمح بذلك؛ لأن

стр. 312

المقصد هو حصول أمر الشارع وهو ستر الوجه وتخميره والمقصد أن كل أنواع الستر جائزة كما لو بالبرقع أو بالجلباب أو نحو ذلك فالتخمير يأتي بمعنى الستر فلا مانع أن يستر الوجه، ولا شك أن الخمار هنا أخص في معنى ستر رأس المرأة، ولهذا كان مقصد الشارع من الآية هو التنبيه على هذه المنطقة بالذات وما حولها، ولكن أدلة كثيرة ذكرت لفظ التخمير وأنه يستر الوجه غير ما ذكرناه آنفا وأكثر من أن تحصى في اللغة والأحاديث وكتب أهل العلم وكلام العرب: ١ - قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ في قصة حادثة الإفك (فخمرت وجهي بجلبابي) متفق عليه. ٢ - أخرج الإمام مالك في الموطأ "باب تخمير المحرم وجهه" عن فاطمة بنت المنذر التابعية الجليلة أنها قالت: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق) (١)، وأسماء بنت أبي بكر الصديق تكون جدتها صحابية جليلة، وهما ليستا من أمهات المؤمنين. ٣ - قال العباس في معاهد التنصيص على شواهد التلخيص: (والخمار بالكسر النصيف، وهو ما ستر الرأس، وكل ما ستر شيئا فهو خمار) (٢).

стр. 313

٤ - وقال في غريب الحديث للخطابي: (ولهذا المعنى سميت الخمر وذلك لأنها تخمر في إنائها أي تغطى ويقال إنما سميت خمرا لأنها تخمر عقل شاربها أي تستره وتغطيه) (١) انتهى. ٥ - قال في معجم الأفعال المتعدية بحرف: (رجع) (وترجع في صدري كذا تردد وارتجعت المرأة جلبابها ردته على وجهها وتجللت به وارتجع على الغريم طالبه واسترجع منه الشيء طلب منه رجوعه) (٢) انتهى. ٦ - قال ابن عادل في تفسيره اللباب: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ أنها سميت بذلك؛ لأنها تخمر العقل، أي: تستره، ومنه: خمار المرأة لستره وجهها) انتهى. ٧ - ونقل صاحب عون المعبود في - باب الصلاة على الخُمرة - قول الإمام الخطابي: (هي سجادة يسجد عليها المصلي ثم ذكر حديث ابن عباس في الفأرة التي جرت الفتيلة حتى ألقتها على الخمرة التي كان النبي ﷺ ... الحديث. قال: ففي هذا تصريح بإطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه قال وسميت خمرة لأنها تغطى الوجه) انتهى. ٨ - قال القرطبي: (والخمر مأخوذة من خمر، إذا ستر، ومن خمار المرأة لأنه يستر وجهها. وكل شيء غطى شيئا فقد خمره. ومنه: خمروا آنيتكم أي: غطوها) انتهى

стр. 314

٩ - وقال في كتاب - مراقي الفلاح - (وتزاد المرأة) على ما ذكرناه للرجل (في) كفنها على جهة (السنة خمارا لوجهها) ورأسها) (١) انتهى. ١٠ - وقال الإمام الصنعاني في سبل السلام شرح بلوغ المرام من كتاب الحج عند شرحه لحديث «ما يلبس المحرم من الثياب»: (فكذلك المرأة المحرمة تستر وجهها بغير ما ذكر كالخمار والثوب) انتهى. ١١ - وقال الإمام الشافعي في الأم: كتاب الحج «باب ما تلبس المرأة من الثياب» (ولا أحب لها أن تلبس نعلين وتفارق المرأة الرجل فيكون إحرامها في وجهها وإحرام الرجل في رأسه فيكون للرجل تغطية وجهه كله من غير ضرورة ولا يكون ذلك للمرأة، ويكون للمرأة إذا كانت بارزة تريد الستر من الناس أن ترخى جلبابها أو بعض خمارها أو غير ذلك من ثيابها من فوق رأسها وتجافيه عن وجهها حتى تغطي وجهها متجافياً كالستر على وجهها ولا يكون لها أن تنتقب، أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: تدلى عليها من جلبابها ولا تضرب به قلت: وما لا تضرب به فأشار إلى كما تجلبب المرأة ثم أشار إلى ما علي خدها من الجلباب فقال: لا تغطيه فتضرب به على وجهها فذلك الذي يبقى عليها ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولاً ولا تقلبه ولا تضرب به ولا تعطفه. أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه قال: لتدلِ المرأة المحرمة ثوبها على وجهها ولا تنتقب. قال الشافعي: ولا ترفع

стр. 315

الثوب من أسفل إلى فوق ولا تغطى جبهتها ولا شيئا من وجهها إلا مالا يستمسك الخمار إلا عليه مما يلي قصاص شعرها من وجهها مما يثبت الخمار ويستر الشعر لأن الخمار لو وضع على قصاص الشعر فقط انكشف الشعر، ويكون لها الاختمار ولا يكون للرجل التعميم) انتهى. ١٢ - وقال الشافعي في الأم أيضاً عن المحرمة: (وتلبس المرأة الخمار والخفين ولا تقطعهما والسراويل من غير ضرورة والدرع والقميص والقباء وحرمها من لبسها في وجهها فلا تخمر وجهها وتخمر رأسها، فإن خمرت وجهها عامدة افتدت (١) وإن خمر المحرم رأسه عامدا افتدى وله أن يخمر وجهه وللمرأة أن تجافى الثوب عن وجهها تستتر به وتجافي (٢) الخمار ثم تسدله على وجهها لا يمس وجهها) (٣) انتهى. ١٣ - قال الشوكاني في نيل الأوطار - باب ما يتخذ منه الخمر وأن كل مسكر حرام - (لكن اختلف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمراً فقال ابن الأنباري: لأنها تخامر العقل أي تخالطه وقيل لأنها تخمر العقل أي تستره ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها وهذا أخص من التفسير الأول لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية وقيل سميت خمراً لأنها تخمر أي تترك كما يقال خمرت العجين أي تركته ولا مانع

стр. 316

من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمر) انتهى. ولا أريد أن أطيل، فهل هؤلاء الأئمة ما كانوا يعرفون أن الخمار لا يستر الوجه كما يقوله أهل السفور اليوم؟ . وهم قالوا الخمار لا يعني ولا يأتي لستر الوجه كلفظة التقنع عندما قالوا: (أنها لا تأتي لستر الوجه وإلا لما رأى المقاتل الطريق فضلا عن القتال) ولهذا أخطؤوا خطأ كبيرا جدا هنا أيضا عندما قالوا أن الخمار لا يعنى أو لا يأتي بمعنى ستر الوجه! هذا عجيب والله. ولهذا وقعوا في إشكالات أكبر عندما ردوا الحق والصواب في المسألة. قال الشيخ الألباني ﵀ في رده المفحم: (البحث الرابع: الخمار والاعتجار قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾. ذكرنا فيما يأتي من الكتاب (ص ٧٢) (١) أن الخمار: غطاء الرأس فقط دون الوجه، واستشهدت على ذلك بكلام بعض العلماء: كابن الأثير وابن كثير، فأبى ذلك الشيخ التويجري- ومن تبعه من المذهبيين والمقلدين- وأصر على أنه يشمل الوجه أيضا، وكرر ذلك في غير موضع، وتشبّث في ذلك ببعض الأقوال التي لا تعدو أن تكون من باب زلة عالم، أو سبق قلم (٢)، أو في أحسن الأحوال تفسير مراد وليس تفسير لفظ، مما لا ينبغي الاعتماد عليه في محل النزاع

стр. 317

والخلاف، وفي الوقت نفسه أعرض عن الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة، وأقوال العلماء والأئمة من المفسرين والمحدثين والفقهاء واللغويين المخالفة له وبعضها مما جاء في كتابه هو نفسه، ولكنه مر عليها وكتم دلالتها مع الأسف الشديد ... وهذا كله يدل على أن هؤلاء الأفاضل من علماء السلف والخلف يرون أن الخمار لا يستر الوجه، وإنما الرأس فقط كما هو قولنا ومن يتأمل في بعض أجوبة الشيخ (١) التكلفة يتأكد من أنه يرى ذلك معنا، ولكنه يجادل ويكابر ويتكتم ... وأما مخالفته للسنة فهي كثيرة، ومنها قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». فهل يقول الشيخ بأنه يجب على المرأة البالغة أن تستر وجهها في الصلاة؟ ! ... ومن ذلك قول العلامة الزبيدي في" شرح القاموس" (٣/ ١٨٩) في قول أم سلمة ﵄: إنها كانت تمسح على الخمار. أخرجه ابن أبي شبيبة في " المصنف" (١/ ٢٢): " وأرادت بـ (الخمار): العمامة، لأن الرجل يغطي بها رأسه، كما أن المرأة تغطيه بخمارها". وكذا في " لسان العرب". وفي "المعجم الوسيط" - تأليف لجنة من العلماء تحت إشراف" مجمع اللغة العربية" - ما نصه: " الخمار: كل ما ستر ومنه خمار المرأة، وهو ثوب تغطي به رأسها، ومنه العمامة، لأن الرجل يغطي بها رأسه، ويديرها تحت الحنك".

стр. 318

فهذه نصوص صريحة من هؤلاء العلماء على أن الخمار بالنسبة للمرأة كالعمامة بالنسبة للرجل، فكما أن العمامة عند إطلاقها لا تعني تغطية وجه الرجل، فكذلك الخمار عند إطلاقه لا يعني تغطية وجه المرأة به) انتهى كلامه. - ثم بعد أن ساق الشيخ الألباني أقوال بعض أهل اللغة في معنى أنه يستر الرأس قال ﵀: - (وعلى هذا جرى العلماء على اختلاف اختصاصاتهم من: المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، واللغويين، وغيرهم، سلفاً وخلفاً، وقد تيسر لي الوقوف على كلمات أكثر من أربعين واحداً منهم، ذكرت نصوصها في البحث المشار إليه في المقدمة، وقد أجمعت كلها على ذكر الرأس دون الوجه في تعريفهم للخمار، أفهؤلاء الأساطين- أيها الشيخ! - مخطئون وهم القوم لا يشقى متبعهم- وأنت المصيب؟ ! ) انتهى إلخ كلام الشيخ الألباني وهجومه على من قال أن الخمار يأتي لستر الوجه أيضاً. أمر عجيب من الشيخ الألباني: والعجيب أن الشيخ الألباني في كتابه "السلسلة الصحيحة" صحح: ١٤ - حديث تخمير الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ لوجهه (كان يخمر وجهه وهو محرم) (١)، ثم ذكر بعده. ١٥ - حديث مسلم بزيادة لفظ الوجه: (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه) كما أخرجها مسلم عن ابن عباس (أن رجلا أوقصته راحلته وهو محرم

стр. 319

فمات فقال رسول الله ﷺ : (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبه ولا تمسوه طيباً ولا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) وهو مذكور في عدة مواضع من كتب الشيخ الألباني ﵀ كما في "الإرواء" وكما في كتابه "تلخيص أحكام الجنائز" وكذلك أيضا في كتابه "صحيح وضعيف سنن ابن ماجة" وغيرها من كتبه، وفيها كلها ذِكره للحديثين وبلفط الخمار لوجه الرجل، فكيف يقول أن معنى الخمار لا يغطي الوجه وقد أمكن وكان يغطي وجه الرجل فسبحان الله؟ . أقول ولم يتفرد مسلم بلفظ (وجهه) بل أخرجه النسائي بلفظ - باب تخمير المحرم وجهه ورأسه- والشافعي والطبراني في المعجم الكبير وبأسانيد وروايات كثيرة والبيهقي ومسند الحميدي، وبمثل هذا تستغرب أن الشيخ ينفي كل ما تقدم ومما سطره هو بنفسه. بل أعجب العجب أن الشيخ الألباني دافع وبقوة لإثبات لفظة تخمير الوجه التي عند مسلم (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه) وكان مع من أثبتها من المتقدمين رادين على الإمام البيهقي قوله في ذلك فقال في إرواء الغليل: (أخرجه مسلم وابن عوانة والبيهقي تعليقاً وقال: «وذكر الوجه فيه غريب ورواية الجماعة الذين لم يشكوا وساقوا المتن أحسن سياقة أولى بأن تكون محفوظة». - قال الألباني- ويرد عليه ما سبق من الطرق والمتابعات التي لا شك فيها أصلا، ولهذا تعقبه ابن التركماني بقوله: "قلت: قد صح النهي عن تغطيتهما فجمعهما بعضهم، وأفرد بعضهم الرأس، وبعضهم الوجه، والكل صحيح، ولا وهم في شاء منه في متنه وهذا أولى من تغليط مسلم". يعني في إخراجه

стр. 320

للرواية التي فيها ذكر الوجه وهو كما قال فإنه يبعد جداً أن يجتمع أولئك الثقات على ذكر هذه الزيادة في الحديث خطأ منهم جميعاً فهي زيادة محفوظة إن شاء الله تعالى) (١) انتهى كلام الشيخ الألباني. ١٦ - ولهذا قال ابن القيم في أعلام الموقعين عن رب العالمين: (وقد روى الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة عثمان وابن عباس وعبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت وجابر أنهم كانوا يخمرون وجوههم محرمون؛ فإذا كان هذا في حق الرجل وقد أمر بكشف رأسه فالمرأة بطريق الأولى والأحرى) انتهى. وما ذكره الألباني في كتابه عن بعض أهل اللغة من أن الخمار يستر الرأس فهل هم قالوا مثله (فقط) أو كقوله: (وقد أجمعت كلها على ذكر الرأس دون الوجه في تعريفهم للخمار)؟ فهل مجرد قولهم في مكان أنه يستر الرأس يعني أنهم أنكروا مثله ستره لغيره؟ أو أنه لم يأتِ عنهم أنه يستر الوجه؟ وكما قلنا سابقاً فلو نُقل عن ألف رجل أنهم رأوا فلاناً يشرب بالكاسة لبناً، هل معناه أنهم قالوا أن الكاسة لا تستعمل لشرب العصير أو الماء أو نحو ذلك؟ . فهذا دليل على أن الشيخ لم يستوعب أقوال أهل العلم، والجميع يدرك مدى اتساع معاني اللغة واشتقاقاتها لا كما فعله ﵀ في لفظة التقنع من قبل. فهذا الإمام الصنعاني مثلا في كتابه "سبل السلام" وعند -باب اللباس أي ما يحل منه وما يحرم- قال: وعن علي رضي الله
следующие страницы →