من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمر) انتهى.
ولا أريد أن أطيل، فهل هؤلاء الأئمة ما كانوا يعرفون أن الخمار لا يستر الوجه كما يقوله أهل السفور اليوم؟ .
وهم قالوا الخمار لا يعني ولا يأتي لستر الوجه كلفظة التقنع عندما قالوا: (أنها لا تأتي لستر الوجه وإلا لما رأى المقاتل الطريق فضلا عن القتال) ولهذا أخطؤوا خطأ كبيرا جدا هنا أيضا عندما قالوا أن الخمار لا يعنى أو لا يأتي بمعنى ستر الوجه! هذا عجيب والله. ولهذا وقعوا في إشكالات أكبر عندما ردوا الحق والصواب في المسألة.
قال الشيخ الألباني ﵀ في رده المفحم:
(البحث الرابع: الخمار والاعتجار قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾. ذكرنا فيما يأتي من الكتاب (ص ٧٢) (١) أن الخمار: غطاء الرأس فقط دون الوجه، واستشهدت على ذلك بكلام بعض العلماء: كابن الأثير وابن كثير، فأبى ذلك الشيخ التويجري- ومن تبعه من المذهبيين والمقلدين- وأصر على أنه يشمل الوجه أيضا، وكرر ذلك في غير موضع، وتشبّث في ذلك ببعض الأقوال التي لا تعدو أن تكون من باب زلة عالم، أو سبق قلم (٢)، أو في أحسن الأحوال تفسير مراد وليس تفسير لفظ، مما لا ينبغي الاعتماد عليه في محل النزاع
стр. 317
والخلاف، وفي الوقت نفسه أعرض عن الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة، وأقوال العلماء والأئمة من المفسرين والمحدثين والفقهاء واللغويين المخالفة له وبعضها مما جاء في كتابه هو نفسه، ولكنه مر عليها وكتم دلالتها مع الأسف الشديد ... وهذا كله يدل على أن هؤلاء الأفاضل من علماء السلف والخلف يرون أن الخمار لا يستر الوجه، وإنما الرأس فقط كما هو قولنا ومن يتأمل في بعض أجوبة الشيخ (١) التكلفة يتأكد من أنه يرى ذلك معنا، ولكنه يجادل ويكابر ويتكتم ... وأما مخالفته للسنة فهي كثيرة، ومنها قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار».
فهل يقول الشيخ بأنه يجب على المرأة البالغة أن تستر وجهها في الصلاة؟ ! ... ومن ذلك قول العلامة الزبيدي في" شرح القاموس" (٣/ ١٨٩) في قول أم سلمة ﵄: إنها كانت تمسح على الخمار. أخرجه ابن أبي شبيبة في " المصنف" (١/ ٢٢): " وأرادت بـ (الخمار): العمامة، لأن الرجل يغطي بها رأسه، كما أن المرأة تغطيه بخمارها". وكذا في " لسان العرب".
وفي "المعجم الوسيط" - تأليف لجنة من العلماء تحت إشراف" مجمع اللغة العربية" - ما نصه: " الخمار: كل ما ستر ومنه خمار المرأة، وهو ثوب تغطي به رأسها، ومنه العمامة، لأن الرجل يغطي بها رأسه، ويديرها تحت الحنك".
стр. 318
فهذه نصوص صريحة من هؤلاء العلماء على أن الخمار بالنسبة للمرأة كالعمامة بالنسبة للرجل، فكما أن العمامة عند إطلاقها لا تعني تغطية وجه الرجل، فكذلك الخمار عند إطلاقه لا يعني تغطية وجه المرأة به) انتهى كلامه.
- ثم بعد أن ساق الشيخ الألباني أقوال بعض أهل اللغة في معنى أنه يستر الرأس قال ﵀: -
(وعلى هذا جرى العلماء على اختلاف اختصاصاتهم من: المفسرين، والمحدثين، والفقهاء، واللغويين، وغيرهم، سلفاً وخلفاً، وقد تيسر لي الوقوف على كلمات أكثر من أربعين واحداً منهم، ذكرت نصوصها في البحث المشار إليه في المقدمة، وقد أجمعت كلها على ذكر الرأس دون الوجه في تعريفهم للخمار، أفهؤلاء الأساطين- أيها الشيخ! - مخطئون وهم القوم لا يشقى متبعهم- وأنت المصيب؟ ! ) انتهى إلخ كلام الشيخ الألباني وهجومه على من قال أن الخمار يأتي لستر الوجه أيضاً.
أمر عجيب من الشيخ الألباني:
والعجيب أن الشيخ الألباني في كتابه "السلسلة الصحيحة" صحح:
١٤ - حديث تخمير الخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁ لوجهه (كان يخمر وجهه وهو محرم) (١)، ثم ذكر بعده.
١٥ - حديث مسلم بزيادة لفظ الوجه: (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه) كما أخرجها مسلم عن ابن عباس (أن رجلا أوقصته راحلته وهو محرم
стр. 319
فمات فقال رسول الله ﷺ : (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبه ولا تمسوه طيباً ولا تخمروا رأسه ولا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) وهو مذكور في عدة مواضع من كتب الشيخ الألباني ﵀ كما في "الإرواء" وكما في كتابه "تلخيص أحكام الجنائز" وكذلك أيضا في كتابه "صحيح وضعيف سنن ابن ماجة" وغيرها من كتبه، وفيها كلها ذِكره للحديثين وبلفط الخمار لوجه الرجل، فكيف يقول أن معنى الخمار لا يغطي الوجه وقد أمكن وكان يغطي وجه الرجل فسبحان الله؟ .
أقول ولم يتفرد مسلم بلفظ (وجهه) بل أخرجه النسائي بلفظ - باب تخمير المحرم وجهه ورأسه- والشافعي والطبراني في المعجم الكبير وبأسانيد وروايات كثيرة والبيهقي ومسند الحميدي، وبمثل هذا تستغرب أن الشيخ ينفي كل ما تقدم ومما سطره هو بنفسه.
بل أعجب العجب أن الشيخ الألباني دافع وبقوة لإثبات لفظة تخمير الوجه التي عند مسلم (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه) وكان مع من أثبتها من المتقدمين رادين على الإمام البيهقي قوله في ذلك فقال في إرواء الغليل: (أخرجه مسلم وابن عوانة والبيهقي تعليقاً وقال: «وذكر الوجه فيه غريب ورواية الجماعة الذين لم يشكوا وساقوا المتن أحسن سياقة أولى بأن تكون محفوظة». - قال الألباني- ويرد عليه ما سبق من الطرق والمتابعات التي لا شك فيها أصلا، ولهذا تعقبه ابن التركماني بقوله: "قلت: قد صح النهي عن تغطيتهما فجمعهما بعضهم، وأفرد بعضهم الرأس، وبعضهم الوجه، والكل صحيح، ولا وهم في شاء منه في متنه وهذا أولى من تغليط مسلم". يعني في إخراجه
стр. 320
للرواية التي فيها ذكر الوجه وهو كما قال فإنه يبعد جداً أن يجتمع أولئك الثقات على ذكر هذه الزيادة في الحديث خطأ منهم جميعاً فهي زيادة محفوظة إن شاء الله تعالى) (١) انتهى كلام الشيخ الألباني.
١٦ - ولهذا قال ابن القيم في أعلام الموقعين عن رب العالمين: (وقد روى الإمام أحمد عن خمسة من الصحابة عثمان وابن عباس وعبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت وجابر أنهم كانوا يخمرون وجوههم محرمون؛ فإذا كان هذا في حق الرجل وقد أمر بكشف رأسه فالمرأة بطريق الأولى والأحرى) انتهى.
وما ذكره الألباني في كتابه عن بعض أهل اللغة من أن الخمار يستر الرأس فهل هم قالوا مثله (فقط) أو كقوله: (وقد أجمعت كلها على ذكر الرأس دون الوجه في تعريفهم للخمار)؟ فهل مجرد قولهم في مكان أنه يستر الرأس يعني أنهم أنكروا مثله ستره لغيره؟ أو أنه لم يأتِ عنهم أنه يستر الوجه؟ وكما قلنا سابقاً فلو نُقل عن ألف رجل أنهم رأوا فلاناً يشرب بالكاسة لبناً، هل معناه أنهم قالوا أن الكاسة لا تستعمل لشرب العصير أو الماء أو نحو ذلك؟ .
فهذا دليل على أن الشيخ لم يستوعب أقوال أهل العلم، والجميع يدرك مدى اتساع معاني اللغة واشتقاقاتها لا كما فعله ﵀ في لفظة التقنع من قبل. فهذا الإمام الصنعاني مثلا في كتابه "سبل السلام" وعند -باب اللباس أي ما يحل منه وما يحرم- قال: وعن علي رضي الله
стр. 321
عنه قال: «كساني النبي ﷺ حلة سيراء فخرجت فيها فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي». متفق عليه، ... وقوله: فشققتها أي قطعتها ففرقتها خمراً، وهي بالخاء المعجمة مضمومة وضم الميم، جمع خمار بكسر أوله والتخفيف ما تغطي به المرأة رأسها) انتهى من سبل السلام.
فهل يصح أن نقول أن الخمار لا يأتي لستر الوجه وننسب للإمام الصنعاني هذا الإنكار لأنه لم يذكر في هذا الموضع أنه لستر الوجه أيضاً، وقد مر معنا وقبل أسطر من هذا، قوله في موضع آخر: (فكذلك المرأة المحرمة تستر وجهها بغير ما ذُكر كالخمار والثوب) (١)، مما تعلم منه أن لكل موضع معناه ومراده.
وعندما استشهد الألباني بحديث: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) قال: (فهل يقول الشيخ (٢) بأنه يجب على المرأة البالغة أن تستر وجهها في الصلاة؟ ! ) انتهى كلام الألباني.
ونقول بالطبع ليس عليها أن تستر وجهها في الصلاة بخمارها لأن معناه هنا طلب ستر رأسها به، ولكن هل هناك مانع لو مر بها الرجال أن تلقي طرف خمارها على وجهها كما تفعل المحرمة إذا حاذاها الرجال؟ فلكل موضع حكمه المعروف، كما قال الشيخ صديق خان في "فتح العلام" عند كلامه عن شروط الصلاة: (ويباح كشف وجهها حيث
стр. 322
لم يأتِ دليل بتغطيته والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراه أجنبي فهذه عورتها في الصلاة وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة) انتهى. ومثل هذا لا يحتاج للتدليل.
بل ولا شك أنه باتفاق أهل العلم أن ستر المرأة لوجهها عن الرجال أوجب من كشفه في الصلاة أو حال الإحرام كما نَقل الإجماع على ذلك الحافظ ابن المنذر وابن عبد البر وكما سيمر معنا عند ردنا لشبهة نقل أهل السفور لكلام القاضي عياض في سير المرأة في طريقها.
١٧ - وسبق معنا قول الإمام أبي بكر بن العربي: (وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئا من خمارها على وجهها غير لاصق به وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها) انتهى. من عارضة الأحوذي.
١٨ - وقال في الثمر الداني في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبى زيد القيرواني - المالكي - وفي بيان كيفية (غسل الميت):
(والعمامة إنما تستحب للرجل ويترك منها قدر الذراع ذؤابة تطرح على وجهه، وأما المرأة فلا تعمم وإنما يجعل على رأسها خمار يترك منه ذؤابة تطرح على وجهها) انتهى.
وهذا مما يدل على قولنا أن الخمار يُطلق على كل ما يستر، سواء الرأس أو الوجه أو الإناء أو العقل أو غيره، كما جاء في كلام أهل العلم ﵏، وهذا مما يدل على اتساع معاني اللغة، وهكذا كان فهم ومراد السلف لكلمة الخمار في كل موضع ولهذا لم يختلط عليهم الأمر ولم يشكل عليهم أبداً، بل كان جلياً وواضحاً من سياق وعبارة
стр. 323
ذكر لفظة الخمار في كل موضع، فمرة يطلق ويراد منه ستر الرأس كما في قوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) ومرة يطلق ويراد منه ستر الوجه ومرة يطلق ويراد منه الجميع من ستر الرأس والوجه، إذ إمكان ذلك حاصل لغة وفعلاً، لان الخمار هو كل ما ستر شيئا، فكما أنه أمكن ستره للرأس مع ستره لغيره مما حوله من الجيوب والعنق ونحو ذلك فكذلك الوجه، كما فهمه أهل العلم واللغة فلم يستنكروه.
١٩ - قال الشوكاني ﵀: (ومن ذلك قوله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمرهنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت قالت عائشة رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله وليضربن بخمرهم على جيوبهن شققن مروطهم فاختمرن بها أي وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها) (١).
وأما لو كانت معاني اللغة ومفرداتها جامدة كما أرادها الشيخ الألباني ﵀ في اللغة والحديث الذي ساقه، لقلنا أن الخمار في الصلاة للمرأة التي تحيض (فقط) أما من لا تحيض أو اللائي يئسن من المحيض فإنهن يصلين مكشوفات الشعور وبلا خمار، ولجاز أيضاً لآخرين أن يفهموا من الحديث جواز صلاة الحائض.
стр. 324
ولَبَدَا لنا في كل مرة استنتاج جديد، خارج عن الإجماع متعارض مع بقية النصوص، مبتور عن مراده ومعناه، ولأفسدنا في الشريعة واللغة وكلام أهل العلم والعربية أكثر مما أصلحنا.
فهل أخطأ رسول الله ﷺ وحاشاه - عندما أطلق لفظة التخمير على تغطية الوجه فقال: (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه)؟ ! أو عائشة، أو فاطمة بنت المنذر، أو مالك إمام دار الهجرة، أو الشافعي، أو الخطابي، أو القرطبي، أو ... ، ﵃ أجمعين؟ ! .
ولولا التطويل فيما هو مفروغ منه أصلا عند أهل العلم لذكرت جمعاً من أقوالهم على أن الخمار يأتي بمعنى ستر الوجه أيضاً.
قال شيخ الإسلام في مقدمة تفسيره: (فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام وأن ينبه على الصحيح منها ويبطل الباطل وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته فيشتغل به عن الأهم فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص إذ قد يكون الصواب في الذي تركه أو يحكى الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضا فإن صحح غير الصحيح عامداً فقد تعمد الكذب أو جاهلا فقد أخطأ، كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالاً متعددة لفظاً ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبي زور والله الموفق
стр. 325
للصواب) (١). والحق أنه لما نزلت آية الإدناء بالأمر بلبس النساء من جلابيبهن وهي العباءات الواسعة التي كالملحفة ونحوها لتستر جميع الثياب والزينة التي على المرأة بلا استثناء سواء الزينة الخَلقية أو المكتسبة وكانت الجلابيب مفتوحة من الأمام فلعل بعضهن كن يكتفين في أول الأمر بإدناء الجلابيب ولم يكن بعد قد وضعن الخمار على رؤوسهن أو أن بعضهن وضعنه - ولعل هذا هو الأقرب - ولكن دون تثبيته بالضرب والعطف على الجيوب لتستمسك وكن يرمينه من خلفهن فجاء التنبيه لرميها على أمامهن والتأكيد بعطفه وضربه على الجيوب وهو بمعنى الشد والتثبيت ما يؤدي بالطبع لعدم انكشاف أجزاء من مقدمتهن كبعض أجزاء نحورهن وبعض الصدر أو الشعر كما لو كان بدون خمار أو بدون الضرب على الجيوب فقد تنكشف تلك المناطق فجاء الأمر هنا بالتنبيه عليها بالضرب خاصة على الجيوب فتكون أثبت وأبلغ في ستر ما قد ينكشف من تلك المنطقة وبخاصة عند الحركة بعكس ما لو وضع الخمار على الرأس وألقي طرفاه للخلف، والله أعلم.
ولهذا كان مقصد الشارع من الآية هنا هو التنبيه على هذه المنطقة بالذات وما حولها ولا يمنع كما قلنا لو كان واسعاً ورمته على وجهها ليستره، فالأمر واسع كما قلنا لغة وإمكانا وشرعا، فذلك ما قد حصل ويحصل فعليا من النساء المحجبات ولهذا فإن ورود الآية هنا كما فهمها أهل العلم هي لستر تلك المناطق بالذات بسبب ما أسلفنا وكما سيأتي
стр. 326
من أقوال أهل العلم، وإنما لم يذكر بعضهم أنها لستر الوجه لأن ذلك مذكور منهم من قبل في سورة الأحزاب، ومما قد سبق بيانه منهم.
قال البغوي: (﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمرهنَّ﴾ أي: ليلقين بمقانعهن ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ وصدورهنّ ليسترن بذلك شعورهنّ وصدورهنّ وأعناقهن وقراطهن. قالت عائشة: رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله : ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخمرهن عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهنّ فاختمرن بها) انتهى.
وقال في زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ):
(قوله تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن﴾ وهي جمع خِمار، وهو ما تغطى به المرأة رأسها، والمعنى: وليُلْقِين مقانعهن ﴿على جيوبهن﴾ ليسترن بذلك شعورهن وقرطهن وأعناقهن) انتهى.
وقال في تفسير أبي السعود (ت: ٩٥١ هـ):
(﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمرهنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ إرشادٌ إلى كيفيَّة إخفاءِ بعضِ مواضع الزِّينة بعد النَّهي عن إبدائها. وقد كانت النِّساءُ على عادةِ الجاهلية يسدُلْن خُمرهنَّ من خلفهنَّ فتبدُو نحورُهنَّ وقلائدهُنَّ من جيوبِهنَّ لوسعِها فأمرن بإرسالِ خمرهن إلى جيوبهنَّ ستراً لما يبدُو منها وقد ضُمِّن الضَّربُ معنى الإلقاء فعُدِّي بعَلَى. وقُرئ بكسرِ الجيمِ كما تقدَّم) انتهى.
فكل من نقلنا قوله هنا من المفسرين وغيرهم قد صرحوا جميعهم في تفسيرهم لآية الإدناء وغيرها من الآيات بأنها الأمر بستر المرأة لوجهها، وبهذا تعلم أن قولهم هنا أنه لستر الرأس أو الجيوب ونحو ذلك
стр. 327
وعدم ذكرهم ستر الوجه لا يعني عند أحد منهم أبدا عدم قولهم بستر المرأة لوجهها أو أنها تخرج للرجال مكشوفة، كما يستغل ذلك أهل السفور ويحاولون إيهامنا أن في المسألة خلاف، بالطبع لا. هذا تناقض مع بقية أقوالهم، فهم أرادوا بيان المراد من الآية وهو المزيد من الحرص والتنبيه والستر المطلوب سابقا وبخاصة على هذه المناطق.
فهو سبحانه وبعد أن أمر وأرشد لطريقة ستر المرأة لزينتها بشكل عام وذلك بلبس الجلابيب أرشد بعدها أيضا لطريقة ستر بعض تلك المواضع من الزينة تأكيدا وخشية من انكشافها، كما جاء بعدها: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ فدل بنص القرآن القطعي أن الزينة قد كانت في أصلها الذي سبق هذا مخفية، فكان أمره بضرب الخمر على جيوبهن وعدم الضرب
بأرجلهن وغير ذلك كله سدا لكل ما يخل بهذا الأصل السابق، ومن حكمته أن جاء ببعض ذلك بعد رخصته ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ حتى يحذروا عند تعاطيهم للرخص من التساهل في حدود الله.
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في جلباب المرأة: (هذا وقد ذكر القرطبي (١٢/ ٢٣٠) وغيره في سبب نزول هذه الآية: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ [النور: ٣١] (أن النساء كن في ذلك الزمان إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة وهي المقانع سدلنها من وراء الظهر كما
стр. 328
يصنع النَّبط فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك. فأمر الله تعالى بلَي الخمار على الجيوب) (١) انتهى.
وهذا يقوله الشيخ في موضع سرده لأدلة السفور وأن الآية ليس فيها تصريح بستر المرأة لوجهها وإنما جاءت بستر الرأس والجيوب فقط، فيكون الوجه على هذا عنده مكشوفا، وتأييده لذلك بنقله بعض أقوال أهل العلم في الآية، فما الذي تفهمه من نقله لهذا الكلام ومن قوله: (وقد ذكر القرطبي)؟ .
تفهم أنه لم يَرد عن القرطبي أنه يدين الله بستر النساء لوجوههن مع أن أقوال القرطبي وغيره في وجوب ذلك ظاهرة وصريحة كالشمس كما مرت بنا، فلماذا يعرضون عنها وينقلون لنا غيرها؟ فهل عندما لم ينص الإمام القرطبي هنا أن الآية تعني تغطية المرأة لوجهها، أن يفهم الواحد منه أنه أنكر ذلك كما هو قول أهل السفور اليوم؟ وكأنه لم يصرح بما قاله إجماع أهل العلم من وجوب ستر المرأة لوجهها؟ سبحانك ربي! .
فهل حقاً لم يقرؤوا كلام القرطبي في عدة مواضع كما عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وراءحِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٣٥] حيث قال: (في هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن في مُسآلتهن من وراء حجاب في حاجةٍ تُعرض أو مسألة يُستَفتين فيها ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى وبما تضمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها
стр. 329
عورة بدنها وصوتها كما تقدم فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها) (١).
وهل غاب عنهم كذلك قوله وهو الإمام المشهور عند قول الله تعالى في آية الإدناء: (الثانية: لما كانت عادة العربيات التبذل، وكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر الله رسوله ﷺ أن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج إلى حوائجهن ... .
الرابعة: واختلف الناس في صورة إرخائه:
- فقال ابن عباس وعبيدة السلماني: ذلك أن تلويه المرأة حتى لا يظهر منها إلا عين واحدة تبصر بها.
- وقال ابن عباس أيضا وقتادة: ذلك أن تلويه فوق الجبين وتشده ثم تعطفه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه. وقال الحسن: تغطي نصف وجهها) انتهى كلام القرطبي.
وهذا لتعرف حقيقة ما قلناه من أن اقتصار بعض أهل العلم على تحديد معنى الآية بستر تلك المناطق وعدم ذكرهم للوجه لا يعنى عندهم ولا عند غيرهم عدم وجوب ستر النساء لوجوههن من آيات وأحاديث مخصوصات.
стр. 330
تصحيف الشيخ الألباني لكلام الحافظ ابن حجر
وتكملة لما سبق فممن فسر أن الخمار يأتي بمعنى ستر الوجه أيضاً الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
٢٠ - أخرج البخاري في كتاب التفسير: باب ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ [النور: ٣١] عن عائشة ﵂ قالت: (يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها) انتهى.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (فاختمرن أي غطين وجوههن وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع قال الفراء كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار والخمار للمرأة كالعمامة للرجل) انتهى.
قال الشيخ الألباني ﵀: (وهنا لا بد لي من الوقفة - وإن طال الكلام أكثر مما رغبت - لبيان موقف للشيخ التويجري غير مشرف له في استغلاله لخطأ وقع في شرح الحافظ لحديث عائشة الاتي ... فقوله: "وجوههن"، حتماً أن يكون خطأ من الناسخ، أو سبق قلم من المؤلف، أراد أن يقول: "صدورهن" فسبقه القلم! ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازياً أي: ما يحيط بالوجه ... ) انتهى إلى آخر كلام الشيخ الألباني حيث ينسب التصحيف والخطأ للنُساخ وللحافظ ابن حجر وفي أشهر كتاب معروف ومتداول بين الناس في شرح صحيح البخاري وذلك
стр. 331
لمجرد أنه قال كما قال غيره أن الخمار يأتي بمعنى ستر الوجه، فكيف وقد سبق معنا قول عائشة ﵂: (فخمرت وجهي بجلبابي) وقول فاطمة بنت المنذر: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات) وغير ذلك ممن نقلنا أقوالهم كالشافعي وغيره فهل في ذلك غرابة حتى ينسب بهذه السهولة التصحيف والخطأ للنساخ وللحافظ ابن حجر، وهل من حققوا نسخ فتح الباري ذكروا مثل هذا الكلام؟ ثم لو كان غير الحافط ابن حجر المعروفة أقواله في وجوب تحجب النساء عن الرجال لأمكن قبول ذلك ولو رجعنا فقط لأقواله فيما نقلناه عنه هنا وهي كثيرة، لرأينا مدى التساهل في إصدار الأحكام ونسبة مذهب السفور للائمة عليهم رحمة الله أو إيهام الناس بذلك، وليس لهم إلا هذا، لانه ليس عندهم سلف من الأئمة يقول بصريح قولهم بتاتاً.
٢١ - قال الحافظ ابن حجر في الفتح عند "كتاب الأشربة" - باب مَا جَاءَ فِي أَنَّ الْخَمْرَ مَا خَامرَ الْعَقْلَ مِنْ الشَّرَابِ-: (فقال أبو بكر بن الأنباري: سميت الخمر خمرا لأنها تخامر العقل أي تخالطه، قال: ومنه قولهم خامره الداء أي خالطه، وقيل: لأنها تخمر العقل أي تستره، ومنه الحديث الآتي قريبا «خمروا آنيتكم» ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية) انتهى كلامه ﵀.
٢٢ - وقال الحافظ في الفتح عند شرحه لقول عائشة ﵂ في قصة الإفك: (فخمرت وجهي) قال: (قوله: فخمرت أي غطيت وجهي بجلبابي أي الثوب الذي كان عليها) انتهى.
стр. 332
٢٣ - وقال أيضاً في الفتح: (النقاب: الخمار الذي يشد على الأنف أو تحت المحاجر) (١).
٢٤ - وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: (استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار منتقبات لئلا يراهن الرجال ولم يؤمر الرجال قط بالانتقاب لئلا يراهم النساء) (٢).
٢٥ - وقال أيضاً: (ولم تزل عادة النساء قديماً وحديثاً يسترن وجوههن عن الأجانب) (٣) انتهى.
فهل قوله في هذه المواضع وغيرها - مما مر معنا وسيمر- هو أيضا كما يقوله الشيخ الألباني: (حتماً أن يكون خطأ من الناسخ أو سبق قلم من المؤلف أراد أن يقول: "صدورهن" فسبقه القلم! ويحتمل أن يكون أراد معنىً مجازياً أي: ما يحيط بالوجه ... ).
أو كقوله في آخر مبحثه الرابع من كتابه الرد المفحم: (وجملة القول: إن الخمار والاعتجار عند الإطلاق إنما يعني: تغطية الرأس فمن ضمَّ إلى ذلك تغطية الوجه فهو مكابر معاند لما تقدم من الأدلة، وعلى ذلك يسقط استدلال الشيخ (٤) ومن قلده ... على دعواه الباطلة شرعاً ولغةً ويسلم لنا في الوقت نفسه استدلالنا بآية (الخمار) وحديث فاطمة الآتي على أن وجه المرأة ليس بعورة) انتهى كلامه ﵀.
فكيف وآخرون غير من ذكرناهم يصرحون أن الخمار يستر الوجه؟ ! .
стр. 333
تفسير قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بأرجلهن لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور ٣١]
فدل بنص القرآن أن الزينة في أصلها مخفية، حتى أنها لا تُعلم إلا بشد الانتباه ولفت الأنظار والضرب على أرجلهن ولهذا من يقول بجواز كشف المرأة لوجهها مستدلا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ يكون قد تفاجأ بعدها بآيات نهت عن الضرب بالأرجل حتى لا يسمع الرجال صوت خلخالها أو ما تخفيه من الزينة كما أجمع عليه المفسرون! كيف وهي كاشفة لوجهها أصلا وهو أعظم الزينة فيها، فماذا بقي بعد هذا ليتصوروه، أيريدون كشف الشعر والنحر والصدر؟ والوجه أعظم من ضربها برجلها وسماع خلخالها والنظر لزينتها المخفية بل وأعظم من خضوعها بصوتها أو أمرها بالقرار في بيتها (١) أو لبسها للقفازين وأعظم من قوله ﷺ : (أيما امرأة خرجت متعطرة فهي زانية) (٢)، والنهي عن اختلاطها بالرجال أو أمرها بأن تستأخر وتبتعد
стр. 334
عنهم وغير ذلك مما منعت منه الشريعة أو حثت عليه وهو أهون بكثير من كشفها لوجهها، ولا يرضى بهذا الفهم السقيم إلا من يأتي بالعجائب والغرائب وتسفيه الأئمة بنسبة مذهب السفور لهم بمثل هذه التناقضات الغير منطقية، ولهذا تجد أهل السفور اليوم يعرضون ولا يتحدثون عن التحذير أو الترغيب على مثل هذه الأمور التي هي أهون من كشفها لوجهها، لأنه لا يجتمع القول بجواز كشفه مع القول بمثل تلك النصوص الشرعية مما دونه، ولهذا يأتون بما هو أسوأ كمثل جواز أكل الأجنبي مع الأجنبية ويستدلون بالمتشابهات والاحتمالات، فكم أماتوا من سنة وأحيوا من بدعة وشبهة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد (خرج النبي ذات يوم من المسجد وقد اختلط النساء مع الرجال في الطريق، فقال النبي: ﷺ استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق، فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى أن ثوبها ليتعلق به من لصوقها) (١).
ولو أردنا أن نتكلم عن أقوال أهل العلم في الضرب بأرجلهن أو في صوت المرأة، أو في غير ذلك لرأينا العجب العجاب والفرق الشاسع بين أقوال أولئك الأئمة، وهؤلاء المنتسبين لهم اسماً والمخالفين لهم قولاً وعملاً.
وأما بالسياق المنقول عن السلف وأهل العلم فلا يكون هناك أي تعارض ولا تشويش بل تكون كل الأدلة مما جاء به الكتاب والسنة
стр. 335
وأقوال سلف الأمة ومفسريها وفقهائها مناسبة للسياق العام السابق منه واللاحق، والله الهادي لا رب سواه.
قال العلامة الشيخ ابن عثيمين ﵀: (وإني لأعجب من قوم يقولون: أنه يجب على المرأة أن تستر قدمها، ويجوز أن تكشف كفيها! فأيهما أولى بالستر؟ ! أليس الكفان؛ لأن نعمة الكف وحسن أصابع المرأة وأناملها في اليدين أشد جاذبية من ذلك في الرجلين.
وأعجب أيضا من قوم يقولون: أنه يجب على المرأة أن تستر قدميها ويجوز أن تكشف وجهها! فأيهما أولى بالستر؟ ! هل من المعقول أن نقول أن الشريعة الإسلامية الكاملة التي جاءت من لدن حكيم خبير توجب على المرأة أن تستر القدم، وتبيح لها أن تكشف الوجه؟ ! .
الجواب: أبدا هذا تناقض؛ لأن تعلق الرجال بالوجوه أكثر بكثير من تعلقهم بالأقدام ... .
إلى أن قال ﵀: (أنا أعتقد أن أي إنسان يعرف مواضع الفتن ورغبات الرجال لا يمكنه إطلاقاً أن يبيح كشف الوجه مع وجوب ستر القدمين وينسب ذلك إلى شريعة هي أكمل الشرائع وأحكمها) (١) ... انتهى كلامه.
قال الشيخ محمد الألباني غفر الله لنا وله: (ثم إن قوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ [النور: ٣١] يدل على أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن أيضاً. وإلا لاستطاعت إحداهن أن
стр. 336
تبدي ما تخفي من الزينة (وهي الخلاخيل) ولاستغنت بذلك عن الضرب بالرجل ولكنها كانت لا تستطيع ذلك لأنه مخالفة للشرع مكشوفة ومثل هذه المخالفة لم تكن معهودة في عصر الرسالة ولذلك كانت إحداهن تحتال (١) بالضرب بالرجل لتُعلم الرجال ما تخفي من الزينة فنهاهن الله تعالى عن ذلك) (٢) إلى آخر كلامه يرحمه الله.
فهل يعقل أن في الآية ما (يدل على أن النساء يجب عليهن أن يسترن أرجلهن) حتى لا (تبدي ما تخفي من الزينة وهي الخلاخيل) مع القول بجواز أن يكون وجهها مكشوفاً؟ .
وإذا لم تكن هذه المخالفة من كشفهن للخلاخل التي في أرجلهن (معهودة في عصر الرسالة)، فهل كان (معهوداً) قوله ﵀ بعده: (ويجوز لهن الكشف عن الوجه والكفين فقط، لجريان العمل بذلك في عهد النبي ﷺ مع إقراره إياهن على ذلك) (٣)؟ .
стр. 337
(المبحث السادس)
خصوصية أمهات المؤمنين في فرض الحجاب عليهن وما لحقها من التحريف والتصحيف والتبديل قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أولَى بِالمؤمنين مِنْ أنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أمهاتهم﴾ [الأحزاب: ٦]
стр. 338
(المبحث السادس)
خصوصية أمهات المؤمنين في فرض الحجاب عليهن وما لحقها من التحريف والتصحيف والتبديل
قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أولَى بِالمؤمنين مِنْ أنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أمهاتهم وَأولُو الأرْحَام بَعْضُهُمْ أولَى بِبَعْضٍ﴾ [الأحزاب: ٦].
لقد سبق لنا الكلام باختصار عن هذه الآية عند حديثنا عن التمهيد قبل نزول أول آية في شأن الحجاب، وبينا هناك أن الله بدأ السورة بجعل زوجات نبيه ﷺ أمهات للمؤمنين، تشريفاً وتكريماً لنبيه ﷺ ولزوجاته الطيبات الطاهرات، فأعلى بذلك قدرهن ورفع به شأنهن، بل ومن العجيب أنه أتى بها وبما فيها من التشريف والتكريم وكان قبلها بآية واحدة فقط قد ألغى التبني وظهار الجاهلية كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴿١﴾ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴿٢﴾ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴿٣﴾ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴿٤﴾ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً
стр. 339
رَّحِيماً ﴿٥﴾ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴿٦﴾ [الأحزاب].
وكأنه حين أن جاء بهذا التشريف بعد أن ألغى قبله التبني وظهار الجاهلية، عني به أمومتهن بأعلى درجاتها وأسمى غاياتها، ولهذا فكان الصحابة في بداية الأمر وقبل نزول آيات الحجاب يتوافدون لبيوت النبي ﷺ لسؤاله عن بعض قضاياهم وشئونهم وحاجاتهم، أو إجابة دعوة من أب كريم، وخلاف ذلك مما يعنُّ لهم فكانوا يكثرون المجيء ويطيلون المكث والحديث، مطمئنين عند من هو أولى بهم من أنفسهم وعند أمهات لهم كما قرره من فوق سبع سماوات.
فكان عمر يقول: (يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب) ولم يكن لأحد بعد قول الله تعالى أن يحجب الأبناء عن الدخول على أمهاتهم، قالت عائشة ﵂: (كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ احجب نساءك قالت: فلم يفعل وكان أزواج النبي ﷺ يخرجن ليلا إلى ليل قِبل المناصع فخرجت سودة بنت زمعة وكانت امرأة طويلة فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس فقال: عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل الله آية الحجاب) متفق عليه.
стр. 340
ومن ذلك ما رواه أنس قَالَ عُمَرُ ﵁: (يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَلَوْ أمرتَ أمهات المؤمنين بِالحِجَابِ، فأنزل اللَّهُ آية الحِجَابِ) (١).
وهي التي أخبر عنها الصحابي أنس بن مالك ﵁ وما بعدها من الآيات في الأمر بإدناء الجلابيب، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (وطريق الجمع بينها أن أسباب نزول الحجاب تعددت وكانت قصة زينب آخرها للنص على قصتها في الآية، والمراد بآية الحجاب في بعضها قوله تعالى ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾)] الأحزاب ٥٩ [(٢) انتهى.
قال أنس ابن مالك ﵁: (كنت ابن عشر سنين مقدم رسول الله ﷺ وكان أمهاتي يواظبنني على خدمة رسول الله فخدمته عشر سنين وتوفي ﷺ وأنا ابن عشرين سنة وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله بزينب بنت جحش أصبح النبي بها عروساً فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا وبقي رهطٌ منهم عند النبي ﷺ فأطالوا المكث - وفي رواية - ورسول الله ﷺ جالسٌ وزوجته موليةٌ وجهها إلى الحائط فقام النبي فخرج وخرجتُ معه لكي يخرجوا فمشى ومشيت حتى جاء عتبة حجرة عائشة -وفي رواية - فانطلق إلى حجرة عائشة فقال السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته فقالت وعليك السلام ورحمة الله كيف وجدت أهلك
стр. 341
بارك الله لك؟ فتقرَّى حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة - إلى أن قال - فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي بيني وبينه بالستر - وفي رواية - فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه وأنزل الحجاب فخرج رسول الله ﷺ وقرأهن على الناس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً ﴿٥٣﴾ [الأحزاب] (١).
وبذلك نزلت أول آية في الحجاب وهي في منع الدخول على النساء من الرجال الأجانب في البيوت ولم يسمح بالدخول إلا لمن استثناهم الله بعدها بقوله تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ﴿٥٥﴾ [الأحزاب]. وأما غير هؤلاء ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وراء حِجَابٍ﴾.
ولهذا تفهم لماذا كان عمر يصر على ذكر حجب أمهات المؤمنين بالذات؟ .
стр. 342
لأنهن كان يدخل عليهن الرجال أكثر من غيرهن وفي أكثر من وقت، بحكم مكانة رسول الله ﷺ وكونهن أمهاتهم، فكان هذا من حكمة الله أن رتب الأمر على ذلك فبدأ بجعلهن أمهات للمؤمنين ثم حجبهن عن أبنائهن ليبين عظيم فريضة الحجاب على المؤمنات حتى لم يستثنِ منه أحدا، حتى أمهات المؤمنين، فكن بذلك مخصوصات دون أمهات العالمين عن الحجاب من أبنائهن.
ثم لما كان لابد للنساء من الخروج من بيوتهن أرشدهن الله بعدها مباشرة إلى كيفية الحجاب من الرجال حال الخروج من البيوت وذلك بطريقة إدناء الجلابيب عليهن كما هو قوله تعالى بعدها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٩].
فاستقام الأمر واستوى حجابهن عن الأجانب داخل البيوت بسؤالهن من وراء حجاب، وخارجها بلبسهن وإدناء الجلابيب عليهن، وجاءت الروايات العديدة والمتواترة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان في بيان طريقة ووصف وشكل ذلك الإدناء.
وجاء إجماع أهل العلم من المفسرين وغيرهم، كما مر معنا، أنها الأمر بستر النساء لوجوههن عن الرجال، دون أي مخالف.
ولهذا لما كانت سورة النور متأخرة في السنة السادسة للهجرة عن سورة الأحزاب التي كانت في السنة الخامسة هجريا، جاء في النور الرخص لإظهار المرأة زينتها عند الحاجة والضرورة، والرخص
стр. 343
للقواعد من النساء أن يضعن ثيابهن، وكذلك زِيد في الأصناف الذين استثناهم الله من الدخول للبيوت ورؤية زينة المرأة في أحوالها العادية توسعة على العباد ورخصة من الله، قال تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أبنائهن أو أبناء بُعُولَتِهِنَّ أو إخوانهن أو بَنِي إخوانهن أو بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أو نِسَائِهِنَّ أو مَا مَلَكَتْ أيمَانهُنَّ أو التَّابِعِينَ غَيْرِ أولِي الإربة مِنَ الرِّجَالِ أو الطِّفْلِ الذين لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عورات النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بأرجلهن لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيها المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
التمهيد لنزول فريضة الحجاب:
فقد كان هناك تمهيد وتدرج بخصوص ذلك، حيث نجد أنه قد نزل قبل فرض الحجاب وبعد أن أكرمهن الله بكونهن أمهات للمؤمنين وقدوات لغيرهن في الخيرات كما قال ابن كثير: (فلما كانت محلتهن رفيعة، ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظاً؛ صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع، ولهذا قال تعالى: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾) [الأحزاب: ٣٠] انتهى.
وقال البيضاوي: (﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه، لأن الذنب منهن أقبح فإن زيادة قبحه تتبع زيادة فضل المذنب والنعمة عليه ولذلك جعل حد الحر ضعفي حد العبد، وعوتب الأنبياء بما لا يعاتب به غيرهم) انتهى.
стр. 344
وقال الإمام الرازي: (فقال: ﴿لَسْتُنَّ كَأحد﴾ [الأحزاب: ٣٢] ومعنى قول القائل ليس فلأن كآحاد الناس، يعني ليس فيه مجرد كونه إنساناً، بل وصف أخص موجود فيه، وهو كونه عالماً أو عاملاً أو نسيباً أو حسيباً، فإن الوصف الأخص إذا وجد لا يبقى التعريف بالأعم، فإن من عرف رجلاً ولم يعرف منه غير كونه رجلاً يقول رأيت رجلاً فإن عرف علمه يقول رأيت زيداً أو عمراً، فكذلك قوله تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأحد مّنَ النّسَاء﴾ يعني فيكن غير ذلك أمر لا يوجد في غيركن وهو كونكن أمهات جميع المؤمنين وزوجات خير المرسلين، وكما أن محمداً ﵇ ليس كأحد من الرجال، كما قال ﵇: «لست كأحدكم» كذلك قرائبه اللاتي يشرفن به وبين الزوجين نوع من الكفاءة) (١) انتهى.
وقال الإمام القرطبي (﴿إن اتَّقَيْتُنَّ﴾ أي خفتن الله. فبيّن أن الفضيلة إنما تتم لهن بشرط التقوى؛ لما منحهن الله من صحبة الرسول وعظيم المحل منه، ونزول القرآن في حقهن) انتهى.
ولهذا فبعد هذا التشريف جاء التمهيد للجميع وبدأ بهن وهن من هن، أمهات المؤمنين وزوجات خير المرسلين وذلك بالتحذير لهن من الإخلال بكل ما يزعزع هذه المكانة السامية، حيث جاءت آيات بعد تشريفهن وقبل نزول الحجاب تنهي أمهات المؤمنين فضلا عن غيرهن عن الخضوع بالقول حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، وأمرن أن يقلن للرجال قولا معروفاً مختصراً لا توسع فيه ولا تبسط أي لا كما
стр. 345
تخاطب المرأة زوجها، ثم جاء الأمر بقرارهن في البيوت وأن لا يخرجن إلا لحاجة، وأن لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وأن يقمن الصلاة ويؤتين الزكاة ويطعن الله ورسوله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت وأن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وغير ذلك حتى نزلت أول الآيات في شأن الحجاب بداية من منع الدخول عليهن وسؤالهن من وراء حجاب، وحتى الأمر لهن ولبنات رسول الله ﷺ ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن إذا خرجن من بيوتهن أو خاطبن الرجال بدون حائط أو ساتر.
وقال ابن كثير: (هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي ﷺ ونساءُ الأمة تبع لهن في ذلك، فقال تعالى مخاطباً لنساء النبي ﷺ بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة) انتهى.
موقف الصحابة من آيات الحجاب وأمهات المؤمنين:
وبعد هذا التمهيد الذي سبق ثم ما تلاه من أمر أمهات المؤمنين بالحجاب من أبنائهن كبقية النساء الأجنبيات، تأكد للصحابة حينئذ أن أمومتهن التي ذكرها الله في بداية الآيات هي كما كانت قبل الحجاب أمومة تشريف وتوقير واحترام، فقد كن قبل الحجاب يجوز الزواج ببناتهن وأخواتهن ثم لما حُجبن أراد سبحانه أن يؤكد بقاء حكم معنى أمومتهن وأنها لم تتغير بحجبهن من أبنائهن فأنزل بعدها آيات تحريم النكاح بهن بعد رسول الله ﷺ ، كما يحرم النكاح بالأمهات وذوات المحارم، وأما فيما سوى ذلك فكما الأجنبيات كما نصت عليه
стр. 346
الآيات، فكانت أمومتهن في معنى دون معنى، وعلى هذا إجماع أهل العلم كما سيأتي ذكره مفصلاً.
فالصحابة ومن بعدهم وكونهم عاصروا نزول القران وكانوا قريبي عهد بنزوله كانوا أعلم الناس فهماً لمعناه، فلم يختلط عليهم الأمر في ذلك ولم يجهلوا سبب ذكر بيوت النبي ﷺ بالذات من منع الدخول عليهن أو أن أمهات المؤمنين قد أمرن بمخاطبة الرجال من وراء حجاب وأنهن وغيرهن من النساء قد أمرن قبلها بطاعة الله ورسوله وعدم الخضوع بالقول والأمر بالقرار في بيوتهن وعدم تبرج الجاهلية الأولى وإقام الصلاة وغير ذلك، حتى نزلت الآيات في الأمر بعدم الدخول لبيوت النبي ﷺ والأمر لهن جميعاً بإدناء الجلابيب عليهن حال الخروج، فُعلم أنهن كبقية النساء في ذلك وأن أمومتهن في معنى دون معنى كما كانت في السابق وبهذا فلا تعنى عدم حجبهن، بل أن غيرهن بلا شك أولى بذلك وأحرى من أهل بيت رسول الله ﷺ وممن هن في حكم الامهات، لهذا لم يقل أحد من أهل العلم أبداً أنهن مختصات بالحجاب أو بستر الوجه دون غيرهن فضلاً عما دونه من الأوامر والنواهي، أو أنه ليس على بقية النساء ما أمرت به أمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ من عدم الخضوع بالقول ومن القرار في البيوت وغير ذلك، وكذلك لم يقل أحد أن بقية النساء غير مأمورات بالصلاة والزكاة وطاعة الله ورسوله وتبليغ رسالة الله، إلا ما حصل اليوم من بعض المتأخرين في فهم الخصوصية فهماً معكوساً وشاذاً، عما قصده بعض أهل العلم من المتقدمين. كما سنأتي له قريباً بمشيئة الله تعالى.
стр. 347
طريقة حجاب النساء داخل البيوت والإجماع في ذلك:
قال شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى:
(﴿وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وراء حِجَابٍ﴾ يقول: وإذا سألتم أزواج رسول الله ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعًا ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وراء حِجَابٍ﴾ يقول: من وراء ستر بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن. ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ يقول تعالى ذكره: سؤالكم إياهن المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها، التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل) انتهى.
قال الإمام الجصاص رحمه الله تعالى عند هذه الآية: (وهذا الحكم وأن نزل خاصاً في النبي ﷺ وأزواجه، فالمعنى عام فيه وفي غيره، إذ كنا مأمورين باتباعه، والاقتداء به، إلا ما خصه الله به دون أمته) انتهى.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: (الحجاب كان أول الإسلام غير مفروض على المرأة، وكانت تبدي وجهها وكفيها عند الرجال، ثم شرع الله سبحانه الحجاب للمرأة وأوجب ذلك عليها صيانة لها وحماية لها من نظر الرجال الأجانب إليها، وحسماً لمادة الفتنة بها، وذلك بعد نزول آية الحجاب، وهي قوله تعالى في الآية من سورة الأحزاب: ﴿وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وراء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]
стр. 348
الآية. والآية المذكورة وإن كانت نزلت في زوجات النبي ﷺ فالمراد منها: هن وغيرهن من النساء لعموم العلة المذكورة والمعنى في ذلك. وقال في السورة نفسها: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الآية. فإن هذه الآية تعمهن وغيرهن بالإجماع) (١) انتهى.
وسنأتي لتأييد كلام أهل العلم في الإجماع قريباً.
لماذا ذكرت بيوت النبي ﷺ بالذات ؟ :
وقد سبق لنا بيان لماذا جاء ذكر بيوت النبي ﷺ في آية الحجاب والمنع من الدخول على النساء في البيوت؟ وقلنا هنالك أن السبب في ذكر بيوت النبي ﷺ بالذات لأنه لو نزلت في البيوت عامة، لأمتنع الرجال من الدخول على بيوت بعضهم البعض، إلا من بيوت النبي ﷺ لأنهم سيرون أن الآية لا تعنيهم كونهم أبناء لزوجاته والله يقول: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي ءابائِهِنَّ وَلا أبنائهن .. ﴾ [الأحزاب: ٥٥] ولكن لما بين في أولها ﴿يَا أيها الذين أمنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعام غَيْرَ نَاظِرِينَ أناهُ وَلَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانتشروا وَلا مُسْتَأنسِينَ لِحَدِيثٍ أن ذَلِكُمْ كان يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْييِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْييِ مِنْ الْحَقِّ وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ
стр. 349
مِنْ وراء حِجَابٍ ﴿٥٣﴾ [الأحزاب].
فهم الجميع منها المعنى والمقصد وهو تحريم الدخول عليهن وعدم الأُنس بالجلوس في بيوتهن، والأمر بسؤالهن من وراء حجاب وكذلك لأنهن من كان يُكثرُ الرجال الدخول عليهن بحكم مكانة رسول الله ﷺ وأمومتهن بعكس غيرهن من النساء فناسب أن يكون الخطاب خاصا ببيوت النبي ﷺ ، قال الإمام السيوطي في لباب النقول في أسباب النزول: (قال الحافظ بن حجر يمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب فلقربه منها أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب ولا مانع من تعدد الأسباب، وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا نهض إلى بيته بادروه فأخذوا المجالس فلا يعرف ذلك في وجه رسول الله ﷺ ولا يبسط يده إلى الطعام استحياء منهم فعوتبوا في ذلك فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي﴾ الآية) (١) انتهى.
وكان من المفهوم للصحابة وغيرهم من باب أولى عدم دخول الرجال على بيوت غيرهن من النساء ممن لسن لهن بأمهات ولا محارم وبخاصة بعد أن نزل قبلها أوامر ونواهي لهن جميعا على السواء وبخاصة أيضا أنه حدد المستثنين بالدخول تحديداً جلياً من الآباء والأبناء ونحوهم، فكان هذا حجاباً لهن ولغيرهن عن الرجال الأجانب، وليس خاصاً بهن، كما يقوله البعض اليوم.
стр. 350
طريقة حجاب النساء خارج البيوت والإجماع في ذلك:
ولهذا فلما جاءت الآيات بعدها مباشرة ذكرت حال خروجهن من البيوت ولم يكن هناك حائل أو ساتر من جدار أو باب ونحوه، لانه لا بد لهن من الخروج، فكيف يكون الحجاب؟ ولما لم يكن في ذكر نساء النبي ﷺ هنا حاجة، لاستوائهن في الخروج مع غيرهن من النساء، بعكس البيوت كما بيناه آنفاً، لهذا ذكر الله هنا الجميع وبين طريقة الحجاب عليهن حال الخروج فقال تعالى: ﴿قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذَلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكان اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿٥٩﴾ [الأحزاب].
لهذا جاءت الرواية الثانية عن عائشة ﵂ في خروج سودة مرة أخرى بعد نزول الأمر بإدناء الجلابيب فقالت: (خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة تفرع النساء جسما لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قال فانكفأت راجعة ورسول الله ... ﷺ في بيتي وأنه ليتعشى وفي يده عرق فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت فقال لي عمر: كذا وكذا قالت فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وأن العرق في يده ما وضعه فقال أنه قد أُذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) متفق عليه.
فبعد نزول آيات الحجاب أراد عمر ﵁ أن يزيد ويحجب أشخاص النساء ولكن لم يُجب في هذا الأمر، وقال ﷺ : (قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) قال الحافظ ابن حجر: (قال الكرماني فإن قلت وقع
стр. 351
هنا أنه كان بعد ما ضرب الحجاب وتقدم في الوضوء أنه كان قبل الحجاب، فالجواب لعله وقع مرتين، قلت بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني والحاصل أن عمر ﵁ وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرح بقوله له ﷺ ، احجب نساءك وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلا ولو كن مستترات فبالغ في ذلك فمنع منه وأذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعا للمشقة ورفعا للحرج) (١) انتهى.
وبهذا تطابق الأمر بالحجاب من أعين الرجال داخل البيوت وخارجها ولم يكن الحجاب لا في البيوت ولا خارجها خاصاً بزوجات رسول الله ﷺ دون غيرهن من النساء، وهذا مع أنه لم يقل به أحد من المتقدمين بتاتا، فهو أيضا ظاهر كالشمس من أكثر من وجه سبق بعضها، وأيضا في الحديث المتأخر لعائشة لمن تأمله فيه دلالة على عدم اختصاصهن بستر الوجه لقول عائشة في وصف سودة ﵄: (وكانت امرأة جسيمة تفرع النساء جسما لا تخفى على من يعرفها) وقول عمر: (يا سودة أما والله ما تخفين علينا) ولو كان ستر الوجه خاص بهن لعرفهن بذلك، بل وعلى هذا إجماع أهل العلم والتفسير قاطبة ولم يشذ منهم أحد، وهو تعظيم زوجات رسول الله ﷺ كونهن أمهات للمؤمنين مع وجوب الحجاب عليهن وتحريم النظر إليهن كبقية النساء الأجنبيات لا فرق بينهن في ذلك، وإنما الخصوصية التي لهن لا تعنى عند أحد من السلف خلاف الإجماع الذي ذكروه، وإنما تعنى عندهم ما سنأتي لبيانه بالتفصيل آنفاً.
стр. 352
معنى الخصوصية في حجاب أمهات المؤمنين عند المتقدمين وما لحقها من التحريف والتبديل والتصحيف
لقد كان للمتقدمين عند إطلاقهم لمعنى الخصوصية لحجاب أمهات المؤمنين معنىً مختلفاً ومغايراً عن الذي أراده وفهمه اليوم فريق من دعاة السفور، وذلك لأن المتقدمين قصدوا به أمرين اثنين:
الأول: وهو مختلف فيه بين أهل العلم:
حيث ذهب بعضهم، إلى أن أمهات المؤمنين قد شُدد وغُلِظ عليهن في مسألة الحجاب وذلك تعظيماً لحق رسول الله ﷺ ولحقهن ومكانتهن وقدرهن على من سواهن من النساء، فكن مختصات بعدم جواز ظهور أشخاصهن ولو كن مستترات، وعدم جواز كشفهن لوجوههن ولو عند الحاجة كما هي الرخصة لغيرهن من النساء، فحمله أهل السفور من المتأخرين اليوم على أن فرض ستر الوجه خاص بهن وسنة على من سواهن، دون أن يترَوَّوا في فهم معنى ومقصد كلام أولئك المتقدمين بالكامل، مع أنه ظاهر كالشمس كما سيأتي بيانه بمشيئة الله تعالى.
الثاني: متفق عليه عند المتقدمين:
وهو إطلاق لفظة الخصوصية في حجاب أمهات المؤمنين ويقصدون بها اختصاصهن بالحجاب من أبنائهن دون بقية الأمهات ودون من يَحرُمُ النكاح بهن.
وقد يأتي في كلام أحدهم، وهو يقصد كلا المعنيين.
стр. 353
وتلاحظ أنه ليس في أي من المعنيين السابقين أن ستر الوجه ليس فرض على من سواهن من النساء، وما سنذكره من أقوال أهل العلم العديدة، ما سيبين لنا مدى التحريف والتبديل والتصحيف في فريضة الحجاب، وهي أيضا فوق ذلك زيادة وتأكيد آخر، في بيان وجوب ستر المرأة المسلمة لوجهها عن الرجال، وليس كما ادعاه البعض من أنه سنة ومستحب، وفيه أيضا الإجماع على أن فريضة الحجاب لم تفرق بين أمهات المؤمنين وغيرهن من النساء.
стр. 354
الخصوصية الأولى
الأدلة على أن معنى الخصوصية التي قصدها بعض المتقدمين لأمهات المؤمنين هي في تغليظ حجابهن بعدم جواز ظهور أشخاصهن أو الرخصة لهن في كشف الوجه والكفين كغيرهن
ذهب فريق من أهل العلم المتقدمين إلى أنه قد فرض على نساء النبي ﷺ أن لا تظهر شخوصهن وأن يحتجبن من الناس فلا تظهر أجسادهن ولو كن مستترات، وهذا تعظيماً لحقهن وقدرهن، وبالتالي فمن باب أولى فليس لهن أن يكشفن وجوههن أو أكفهن لشهادة أو معاملة ونحو ذلك، بعكس غيرهن من النساء في جواز ظهور أشخاصهن وهن مستترات وكشفهن عند الضرورة والحاجة.
وممن قال بهذه الخصوصية من نوع التغليظ:
١ - جاء في سنن البيهقي الكبرى قال الإمام الشافعي ﵀ عند كلامه على مسألة العبد المكاتب مع سيدته وهو قوله ﷺ : (إذا كان
لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) (١). حيث جاءت أحاديث أخرى كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: (أيما عبد كوتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أوقيات فهو رقيق) (٢)
стр. 355
وفي لفظ: (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) (١)، ولهذا اختلف الأئمة في الجمع بين الأحاديث، ولكن الذي يهمنا هنا هو:
قول الإمام الشافعي ﵀: (وقد يجوز أن يكون أمر رسول الله ﷺ أم سلمة إن كان أمرها بالحجاب من مكاتبها إذا كان عنده ما يؤدي، على ما عظم الله به أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين رحمهن الله وخصهن به وفرق بينهن وبين النساء أن اتقين ثم تلا الآيات في اختصاصهن، بأن جعل عليهن الحجاب من المؤمنين وهن أمهات المؤمنين ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها، وكان في قوله ﷺ إن كان قاله إذا كان لإحداكن يعني أزواجه خاصة - ثم ساق الكلام إلى أن قال - ومع هذا إن احتجاب المرأة ممن له أن يراها واسع لها وقد أمر النبي ﷺ يعني سودة أن تحتجب من رجل قضى أنه أخوها وذلك يشبه أن يكون للاحتياط وأن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح.
وقال أبو العباس بن سريج في معناه، هذا ليحركه احتجابهن عنه على تعجيل الأداء والمصير إلى الحرية ولا يترك ذلك من أجل دخوله عليهن) (٢).
فهنا الإمام الشافعي جزم بخصوصية واحدة وهي (اختصاصهن، بأن جعل عليهن الحجاب من المؤمنين وهن أمهات المؤمنين، ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها) وبهذا تعلم أن