هنا أنه كان بعد ما ضرب الحجاب وتقدم في الوضوء أنه كان قبل الحجاب، فالجواب لعله وقع مرتين، قلت بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني والحاصل أن عمر ﵁ وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي حتى صرح بقوله له ﷺ ، احجب نساءك وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلا ولو كن مستترات فبالغ في ذلك فمنع منه وأذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعا للمشقة ورفعا للحرج) (١) انتهى.
وبهذا تطابق الأمر بالحجاب من أعين الرجال داخل البيوت وخارجها ولم يكن الحجاب لا في البيوت ولا خارجها خاصاً بزوجات رسول الله ﷺ دون غيرهن من النساء، وهذا مع أنه لم يقل به أحد من المتقدمين بتاتا، فهو أيضا ظاهر كالشمس من أكثر من وجه سبق بعضها، وأيضا في الحديث المتأخر لعائشة لمن تأمله فيه دلالة على عدم اختصاصهن بستر الوجه لقول عائشة في وصف سودة ﵄: (وكانت امرأة جسيمة تفرع النساء جسما لا تخفى على من يعرفها) وقول عمر: (يا سودة أما والله ما تخفين علينا) ولو كان ستر الوجه خاص بهن لعرفهن بذلك، بل وعلى هذا إجماع أهل العلم والتفسير قاطبة ولم يشذ منهم أحد، وهو تعظيم زوجات رسول الله ﷺ كونهن أمهات للمؤمنين مع وجوب الحجاب عليهن وتحريم النظر إليهن كبقية النساء الأجنبيات لا فرق بينهن في ذلك، وإنما الخصوصية التي لهن لا تعنى عند أحد من السلف خلاف الإجماع الذي ذكروه، وإنما تعنى عندهم ما سنأتي لبيانه بالتفصيل آنفاً.
стр. 352
معنى الخصوصية في حجاب أمهات المؤمنين عند المتقدمين وما لحقها من التحريف والتبديل والتصحيف
لقد كان للمتقدمين عند إطلاقهم لمعنى الخصوصية لحجاب أمهات المؤمنين معنىً مختلفاً ومغايراً عن الذي أراده وفهمه اليوم فريق من دعاة السفور، وذلك لأن المتقدمين قصدوا به أمرين اثنين:
الأول: وهو مختلف فيه بين أهل العلم:
حيث ذهب بعضهم، إلى أن أمهات المؤمنين قد شُدد وغُلِظ عليهن في مسألة الحجاب وذلك تعظيماً لحق رسول الله ﷺ ولحقهن ومكانتهن وقدرهن على من سواهن من النساء، فكن مختصات بعدم جواز ظهور أشخاصهن ولو كن مستترات، وعدم جواز كشفهن لوجوههن ولو عند الحاجة كما هي الرخصة لغيرهن من النساء، فحمله أهل السفور من المتأخرين اليوم على أن فرض ستر الوجه خاص بهن وسنة على من سواهن، دون أن يترَوَّوا في فهم معنى ومقصد كلام أولئك المتقدمين بالكامل، مع أنه ظاهر كالشمس كما سيأتي بيانه بمشيئة الله تعالى.
الثاني: متفق عليه عند المتقدمين:
وهو إطلاق لفظة الخصوصية في حجاب أمهات المؤمنين ويقصدون بها اختصاصهن بالحجاب من أبنائهن دون بقية الأمهات ودون من يَحرُمُ النكاح بهن.
وقد يأتي في كلام أحدهم، وهو يقصد كلا المعنيين.
стр. 353
وتلاحظ أنه ليس في أي من المعنيين السابقين أن ستر الوجه ليس فرض على من سواهن من النساء، وما سنذكره من أقوال أهل العلم العديدة، ما سيبين لنا مدى التحريف والتبديل والتصحيف في فريضة الحجاب، وهي أيضا فوق ذلك زيادة وتأكيد آخر، في بيان وجوب ستر المرأة المسلمة لوجهها عن الرجال، وليس كما ادعاه البعض من أنه سنة ومستحب، وفيه أيضا الإجماع على أن فريضة الحجاب لم تفرق بين أمهات المؤمنين وغيرهن من النساء.
стр. 354
الخصوصية الأولى
الأدلة على أن معنى الخصوصية التي قصدها بعض المتقدمين لأمهات المؤمنين هي في تغليظ حجابهن بعدم جواز ظهور أشخاصهن أو الرخصة لهن في كشف الوجه والكفين كغيرهن
ذهب فريق من أهل العلم المتقدمين إلى أنه قد فرض على نساء النبي ﷺ أن لا تظهر شخوصهن وأن يحتجبن من الناس فلا تظهر أجسادهن ولو كن مستترات، وهذا تعظيماً لحقهن وقدرهن، وبالتالي فمن باب أولى فليس لهن أن يكشفن وجوههن أو أكفهن لشهادة أو معاملة ونحو ذلك، بعكس غيرهن من النساء في جواز ظهور أشخاصهن وهن مستترات وكشفهن عند الضرورة والحاجة.
وممن قال بهذه الخصوصية من نوع التغليظ:
١ - جاء في سنن البيهقي الكبرى قال الإمام الشافعي ﵀ عند كلامه على مسألة العبد المكاتب مع سيدته وهو قوله ﷺ : (إذا كان
لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه) (١). حيث جاءت أحاديث أخرى كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: (أيما عبد كوتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أوقيات فهو رقيق) (٢)
стр. 355
وفي لفظ: (المكاتب عبد ما بقي عليه درهم) (١)، ولهذا اختلف الأئمة في الجمع بين الأحاديث، ولكن الذي يهمنا هنا هو:
قول الإمام الشافعي ﵀: (وقد يجوز أن يكون أمر رسول الله ﷺ أم سلمة إن كان أمرها بالحجاب من مكاتبها إذا كان عنده ما يؤدي، على ما عظم الله به أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين رحمهن الله وخصهن به وفرق بينهن وبين النساء أن اتقين ثم تلا الآيات في اختصاصهن، بأن جعل عليهن الحجاب من المؤمنين وهن أمهات المؤمنين ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها، وكان في قوله ﷺ إن كان قاله إذا كان لإحداكن يعني أزواجه خاصة - ثم ساق الكلام إلى أن قال - ومع هذا إن احتجاب المرأة ممن له أن يراها واسع لها وقد أمر النبي ﷺ يعني سودة أن تحتجب من رجل قضى أنه أخوها وذلك يشبه أن يكون للاحتياط وأن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح.
وقال أبو العباس بن سريج في معناه، هذا ليحركه احتجابهن عنه على تعجيل الأداء والمصير إلى الحرية ولا يترك ذلك من أجل دخوله عليهن) (٢).
فهنا الإمام الشافعي جزم بخصوصية واحدة وهي (اختصاصهن، بأن جعل عليهن الحجاب من المؤمنين وهن أمهات المؤمنين، ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها) وبهذا تعلم أن
стр. 356
الإمام الشافعي وغيره من المتقدمين لا يرون فرقاً بين حجاب أمهات المؤمنين عن الرجال وغيرهن من النساء.
ولهذا توقف عن الجزم بصحة خصوصية حجابهن من العبد إذا كان عنده ما يؤديه ولم يؤده، وذلك متوقف عنده على صحة الحديث عن رسول الله: (- إن كان قاله - إذا كان لإحداكن يعني أزواجه خاصة) فلو صح فيحمل على ما خصهن به من نوع أنهن وكونهن أمهات حجبن عن أبنائهن، وبعضهم كالقرطبي وغيره حمله على نوع التغليظ عليهن كعدم ظهور أشخاصهن ورؤيتهن للأعمى، كما سيمر معنا، وقد قلنا أن هذا النوع ليس متفقاً عليه عند العلماء كاتفاقهم على خصوصيتهن في التحجب وهن أمهات، كما قالها الشافعي لأنها بنص القرآن، لهذا فمنهم من لم يثبت خصوصية حجب أشخاصهن أبداً وقال أنهن كبقية نساء المسلمين، وكما ترى في هذه الخصوصية التي قصدوها فليس فيها أن النساء ليس عليهن الحجاب كأمهات المؤمنين وكل ما فيها هو مزيد تغليظ في سترهن وحجابهن من العبد إذا كان عنده ما يؤديه ولم يؤده، وذلك لمكانتهن من رسول الله ﷺ ، ولعلو قدرهن، وفي كلام الإمام الشافعي ما يدل أن الحجاب وستر الوجه كان عاما لنساء النبي ﷺ ونساء المسلمين (ولم يجعل على امرأة سواهن أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها).
وأما هنا فلأن العتق لا يكون إلا عند أداء ما اتفق مع العبد المكاتب عليه، ولو بقي عليه درهم لم يعتق كما نصت بذلك أحاديث ذكرنا بعضها، وهنا قال: (إذا كان لإحداكن) مجرد كون لديه ما يؤديه فقد
стр. 357
صار في حكم المعتق الحر الذي وجب الحجاب منه، ففهم منه البعض على فرض صحة الحديث أنه يحمل عليهن، كما هو شأن ما فهموه من التغليظ عليهن، وحمله بعض الأئمة على أن العبيد مع أمهات المؤمنين خاصة قد يمتنعون عن الأداء، وذلك لمكانتهن من رسول الله ﷺ كما قاله أبو العباس بن سريج.
قوله: (وإن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح) فانظر ما يقوله هذا الإمام العظيم، ثم كيف ينسب إليه أنه يقول بسفور المرأة لوجهها، وهو يقول أن للمرأة أن تحتجب ممن يجوز له أن يراها، وهذا أكثر ما يمكن التمثيل به في أمر المحارم من الرضاعة أو نحو ذلك كمثل ما مثل له من أمر أم المؤمنين سودة ﵂، بالحجاب من رجل قيل أنه أخوها فقال: (ومع هذا إن احتجاب المرأة ممن له أن يراها واسع لها وقد أمر النبي ﷺ يعني سودة أن تحتجب من رجل قضى أنه أخوها وذلك يشبه أن يكون للاحتياط وأن الاحتجاب ممن له أن يراها مباح).
فكيف لو رأيت أيها الإمام من يريد من المرأة اليوم العكس وأن تختلط بالأجانب وأن لا تحتجب منهم جميعاً، وينعتونا (بالمتشددين) على المرأة ليس لأننا نقول بحجابها ممن له أن يراها بل بحجابها ممن ليس له أن يراها، وأنت تقول (لها أن تحتجب ممن له أن يراها) (وذلك يشبه أن يكون للاحتياط) فهل في السنة والمستحب يقال (للاحتياط) وممن يُحتاط (من رجل قضى أنه أخوها)؟ .
стр. 358
٢ - ومثله في الاحتياط والخصوصية قول ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" -:
(وأما وجه قوله لزوجته ميمونة وأم سلمة إذا جاء ابن أم مكتوم «احتجبا منه فقالتا أليس بأعمى؟ فقال رسول الله ﷺ أفعمياوان أنتما». فإن الحجاب على أزواج النبي ﷺ ليس كالحجاب على غيرهن، لما هن فيه من الجلالة ولموضعهن من رسول الله ﷺ : بدليل قول الله تعالى: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتُنَّ .. ﴾ الآية. وقد يجوز للرجل أن ينظر لأهله من الحجاب بما أداه إليه اجتهاده حتى يمنع منهن المرأة فضلا عن الأعمى) (١) انتهى.
ثم ينسبون إليهم بفهمهم وقراءتهم السطحية المتسرعة جواز أن تخرج المرأة كاشفة عن وجهها أمام الرجال الأجانب، وينسبون أن في فريضة ستر النساء لوجوههن سنة ومستحب، فيا سبحان الله ما أعظم الجناية على العلم والعلماء! وما أبعد غربة الإسلام وما أبعد ما يدعيه المنتسبون لهؤلاء الأئمة، فإذا رأيت كلامهم، ثم قارنته بكلام الأئمة السابقين وما سطروه في كتبهم عرفت أنهم معذورون بجهله بعيدون عنه بعد المشرق عن المغرب.
فهنا يقصد أنهن مختصات من عدم جواز اطلاع حتى الأعمى لهن وليس في كلامهم ما يقوله فريق من أهل السفور هدانا الله وإياهم.
стр. 359
٣ - القاضي عياض (ت: ٥٤٤ هـ) يقول بخصوصية التغليظ لأمهات المؤمنين وأهل السفور ينقلوه شبه على جواز سفور المرأة:
نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري قول القاضي عياض: (فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز. ثم استدل بما في الموطأ أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يُرى شخصها؛ وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها) (١) انتهى كلام القاضي.
٤ - قال الحافظ ابن حجر في رده عليه وعلى من ذهب لنفس قول القاضي عياض: (وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كن بعد النبي ﷺ يحججن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص، وقد تقدم في الحج قول ابن جريج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة: أقَبل الحجاب أو بعده؟ قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب. وسيأتي في آخر الحديث الذي يليه مزيد بيان لذلك) (٢) انتهى من الفتح.
٥ - وقال أيضا في معرض رده على هذا القول في موضع آخر من فتح الباري: (وفي دعوى وجوب حجب أشخاصهن مطلقاً إلا في حاجة البراز نظر، فقد كنَّ يُسافرنَ للحج وغيره، ومن ضرورة ذلك الطواف
стр. 360
والسعي وفيه بروز أشخاصهن، بل وفي حالة الركوب والنزول لا بدَّ من ذلك، وكذا في خروجهن إلى المسجد النبوي وغيره) (١) انتهى.
٦ - قال القسطلاني في إرشاد الساري راداً على من قال بذلك:
(وفيه تنبيه على أن المراد بالحجاب التستر حتى لا يبدو من جسدهن شيء، لا حجب أشخاصهن في البيوت) (٢) انتهى.
٧ - وكذلك نقل النووي في شرح مسلم قال: (القاضي عياض ... وقد كن إذا قعدن للناس جلسن من وراء الحجاب، وإذا خرجن حجبن وسترن أشخاصهن كما جاء في حديث حفصة يوم وفاة عمر، ولما توفيت زينب ﵂ جعلوا لها قبة فوق نعشها تستر شخصها) (٣) انتهى.
٨ - وقد نقل الألوسي في تفسيره روح المعاني: (واختلف في حرمة رؤية أشخاصهن مستترات فقال بعضهم بها، ونسب ذلك إلى القاضي عياض، وعبارته فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن وإن كنَّ مستترات ... ) - إلى أن قال - (وأنا أرى أفضلية ستر الأشخاص فلا يبعد القول بندبه لهن وطلبه منهن أزيد من غيرهن، وفي البحر ذهب عمر رضي الله تعالى عنه إلى أنه لا يشهد جنازة زينب إلا ذو محرم منها مراعاة للحجاب فدلته
стр. 361
أسماء بنت عميس على سترها في النعش بقبة تضرب عليه وأعلمته أنها رأت ذلك في بلاد الحبشة فصنعه عمر رضي الله تعالى عنه وروى أنه صنع ذلك في جنازة فاطمة بنت رسول الله ﷺ ) انتهى.
٩ - وقال السيوطي في الخصائص الكبرى: (باب اختصاصه ﷺ بتحريم رؤية أشخاص أزواجه في الأزر وسؤالهن مشافهة قال الله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ قال في الروضة تبعاً للرافعي والبغوي: لا يحل لأحد أن يسألهن إلا: ﴿من وراء حجاب﴾ الآية وأما غيرهن فيجوز أن يسألهن مشافهة ... وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن عوف قال أرسلني عمر وعثمان بأزواج النبي ﷺ السنة التي توفي فيها عمر يحج بهن فكان عثمان يسير أمامهن فلا يترك أحدا يدنو منهن ولا يراهن إلا من مد البصر وعبد الرحمن خلفهن يفعل مثل ذلك وهن في الهوادج وكانا ينزلان بهن في الشعاب ولا يتركان أحدا يمر عليهن، وأخرج ابن سعد عن أم معبد بنت خالد بن خليف قالت: رأيت عثمان وعبد الرحمن بن عوف في خلافة عمر حجا بنساء رسول الله ﷺ فرأيت على هوادجهن الطيالسة الخضر وهن حجرة من النساء يسير أمامهن عثمان على راحلته يصيح إذا دنا منهن أحد إليك إليك، وابن عوف من ورائهن يفعل مثل ذلك، وأخرج ابن سعد عن المسور بن مخرمة قال قد رأيت عثمان وهو أمام أزواج النبي ﷺ يلقي الناس مقبلين في وجهه فينحيهم حتى يكونوا مد البصر حتى يمضين) انتهى.
стр. 362
أقول وهذا لعظم مكانتهن وقدرهن عليهن أفضل الصلاة والسلام، فهل يعقل من هذه حالهن وأمرهن إذا كان أمرهن الله بستر شخوصهن أن يكون جائزاً أن يسير نساء الصحابة بينهن سافرات الوجوه؟ .
هل قال بذلك أحد من العالمين فضلا عن علماء الشريعة وورثة الأنبياء؟ . وهذا لنفهم معنى الخصوصية التي ذكرها بعض أهل العلم من المتقدمين.
١٠ - قال في أسنى المطالب - شافعي -:
(وهن أمهات المؤمنين) أي مثلهن لا في حكم الخلوة والنظر والمسافرة والظهار والنفقة والميراث بل في تحريم نكاحهن ووجوب احترامهن وطاعتهن (إكراما) له، ولقوله تعالى ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ ... (فائدة) ذكر البغوي عن الخطابي عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان نساء رسول الله ﷺ في معنى المعتدات وللمعتدة السكنى فجعل لهن سكنى البيوت ما عشن، ولا يملكن رقابها) (١) انتهى.
стр. 363
١١ - الإمام الطحاوي يقول بخصوصية التغليظ لأمهات المؤمنين وأهل السفور ينقلوه شبه على جواز سفور المرأة
ومثله قول الإمام الطحاوي وهو مما نقله عنه أهل السفور في تأيد مذهبهم الباطل، فنقلوه نقلا مغلوطاً ومبتوراً وناقصاً عن سياقه العام وعن مقصد الإمام الطحاوي وغيره من العلماء ﵏، كما في مسألة خصوصية أمهات المؤمنين التي سبقت معنا من قول القاضي عياض وغيره، وذلك عند قوله في شرح معاني الآثار: (أبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرّم عليهم من النساء، إلى وجوههن وأكفهن، وحرم ذلك عليهم من أزواج ﷺ وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، رحمهم الله تعالى) (١) انتهى.
فهو ﵀ أراد بيان خصوصية أمهات المؤمنين التي مرت معنا ولهذا أمل من القارئ الكريم أن يقرأ هذا النص بجوار النص السابق والذي ذكرناه له، في منع البعض نظر الخاطب لمخطوبته، وذلك عند بداية نقلنا لكلام الفقهاء القائلين أن الوجه والكفين ليس بعورة وأن هذا لا يعني عندهم كشفه بلا سبب مبيح، لنرى مقصد ومراد الإمام الطحاوي من كلامه هنا، ونفهم أسلوب المتقدمين وعباراتهم في الاستنباط والاستدلال ولنتأكد من شناعة البتر والاختصار، فهذا ليس هو سياق الطحاوي بتمامه أبدا، كما جاء النقل عنه، وإنما فيه بتر ظاهر، فهو أراد أن يبين ما قاله الشافعي والقاضي عياض والسيوطي
стр. 364
والقسطلاني وابن حجر وغيرهم ممن سبق معنا آنفا، كما هو ظاهر كلامه لمن تأمله، فهو مما له تعلق بمسألتنا في خصوصية أمهات المؤمنين ولهذا يحسن بنا نقله هنا بتمامه ليتضح الأمر.
فقال: ("باب نظر العبد إلى شعور الحرائر" ... أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه» (١) قال أبوجعفر: فذهب قوم من أهل المدينة إلى أن العبد لا بأس، أن ينظر إلى شعور مولاته ووجهها، وإلى ما ينظر إليه ذو محرمها منها ... وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا ينظر العبد من الحرة إلا إلى ما ينظر إليه منها الحر الذي لا محرم بينه وبينها وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول النبي ﷺ الذي ذكروا في حديث أم سلمة، لا يدل على ما قال: أهل تلك المقالة، لأنه قد يجوز أن يكون أراد بذلك حجاب أمهات المؤمنين، فإنهن قد كن حجبن عن الناس جميعا، إلا من كان منهم ذو رحم محرم. فكان لا يجوز لأحد أن يراهن أصلا إلا من كان بينهن وبينه رحم محرم، وغيرهن من النساء لسن كذلك لأنه لا بأس أن ينظر الرجل من المرأة التي لا رحم بينه وبينها، وليست عليه بمحرمة إلى وجهها وكفيها، وقد قال الله ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ ... فأبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء (٢) إلى وجوههن
стр. 365
وأكفهن، وحرم ذلك عليهم من أزواج النبي ﷺ لما نزلت آية الحجاب، ففضلن بذلك على سائر الناس ... قال أبو جعفر: فكن أمهات المؤمنين قد خصصن بالحجاب ما لم يجعل فيه سائر الناس مثلهن.
، فهذا هو النظر في هذا الباب وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، رحمهم الله تعالى) انتهى.
وكم فيه من البون الشاسع بين ما أراده الطحاوي ﵀ من الخصوصية لأمهات المؤمنين وما أراده دعاة السفور.
فهو قصد نفس مقوله القاضي عياض: (فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز. ثم استدل بما في الموطأ أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها؛ وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها) (١) انتهى كلام القاضي.
وفي قول الطحاوي: (وغيرهن من النساء لسن كذلك لأنه لا بأس أن ينظر الرجل من المرأة التي لا رحم بينه وبينها وليست عليه بمحرمة إلى وجهها وكفيها) فمن المعلوم أن ذوات الأرحام ومن حُرِم النكاح بهن يجوز النظر إلى وجوههن وأكفهن، وليس في هذا خلاف لتفهم أنه يقصد الرجل الأجنبي عند الرخصة فتنبه، كما أن قوله: (لأنه لا بأس
стр. 366
أن ينظر الرجل من المرأة) فلا يُقال (لا بأس) في أمر في أصله مشروع وإنما في رخصة كما يُقال لا بأس الفطر في رمضان ونحو ذلك.
وفي هذا إثبات الحجاب كما هو ظاهر على غيرهن من نساء المسلمين، كما أنه حين ذكر جواز نظر العبد لمولاته أراد نظره لوجهها وكفها فقط، لا شعرها وغيره كما يقوله البعض حيث جعلوا العبد في النظر لها كالمحرم منها، وقال آخرون: إنما هو كما ينظر الأجنبي لها عند الحاجة أي للوجه والكفين، واستشهد بآية الرخصة في ذلك، وكلامه الذي نقلناه سابقاً في جواز نظر الخاطب لمخطوبته ومناقشته، ورده على من منع من ذلك في زمانهم، لهو أعظم دليل على أنهم لا يعرفون في ذلك الوقت جواز نظر الرجال الأجانب للنساء بلا سبب مبيح ولهذا قال: (فأبيح للناس أن ينظروا إلى ما ليس بمحرم عليهم من النساء إلى وجوههن وأكفهن). والمُحرم عليهم الغير مباح لهم كما اوضحه سابقاً (١) هو النظر بلا حاجة ولا سبب مباح من شهادة ونكاح وبيع ونحوه.
стр. 367
١٢ - الإمام ابن بطال (ت: ٤٤٩ هـ) يقصد خصوصية أمهات المؤمنين وأهل السفور ينقلونه شبهة على جواز سفور المرأة
حيث نَقل عنه الحافظ ابن حجر في الفتح كلاما عند حديث الخثعمية التي عرضها أبوها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها.
قال الحافظ ابن حجر: (وقال ابن بطال: في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة، ومقتضاه أنه إذا أمنت الفتنة عليه لم يمتنع. قال: ويؤيده أنه ﷺ لم يحول وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لإعجابه بها، فخشي الفتنة عليه، وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء والإعجاب بهن، وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يَلزم أزواج النبي ﷺ ، إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبي ﷺ الخثعمية بالاستتار، ولمَا صرف وجه الفضل، قال: وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضاً، لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ولو رآه الغرباء وأن قوله: ... ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ على الوجوب في غير الوجه) (١) انتهى كلامه ﵀.
ويجدر التنبيه:
أن كلام ابن بطال هذا والذي ينقله أهل السفور في كتبهم، ليس هو بنفس نظمه، وإنما الحافظ ابن حجر جمع أقواله من مجموع ما قاله ابن بطال عند شرحه للحديث من كتابه: "شرح ابن بطال على صحيح
стр. 368
البخاري" ولم يفهم منه الحافظ ولا غيره سفور ولا شيء من ذلك، كما يقوله وفهمه أهل السفور منه، فابن بطال ظاهر كلامه أنه أراد خصوصية أمهات المؤمنين كما عناها الأئمة غيره، وكما نقله الحافظ ابن حجر بنفسه عن القاضي عياض وغيره، وهكذا فعل عندما نقل كلام ابن بطال.
وقوله: (وأن قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ على الوجوب في غير الوجه) انتهى.
فهذا والله من فهمهم الدقيق لآية الرخصة ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ لأنها جاءت بعد النهى عن غض البصر، ففهم السلف أن غض البصر إذا لم يكن هناك حاجة ولا ضرورة واجب في جميع بدن المرأة فلا يبدو منها شيء، وأما عند وجود حاجة أو ضرورة فالغض واجب في جميع بدنها غير الوجه، فيرخص في نظره ويستثنى من الأمر بغض البصر وإبداء الزينة، فتحديد قدر الرخصة بالوجه فقط، هو للغالب كما رجحه الكثير من أئمة أهل العلم والتفسير كما مر معنا حتى لا يتوسع الناس عند الأخذ بالرخص بأكثر من ذلك بلا حاجه، ولهذا لم يعده أكثرهم من العورة.
وممن مر معنا قولهم في تحديد قدر ما يظهر من المرأة عند الضرورة الإمام الرازي حيث قال: (ورابعها: ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى غير الوجه لأن المعرفة تحصل به).
стр. 369
وقال الواحدي في تفسيره لآية الرخصة: (فلا يجوز للمرأة أن تُظهر إلا وجهها ويديها إلى نصف الذِّراع).
وقال صاحب تفسير السراج المنير وقد سبق معنا: (وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأنه ليس بعورة في الصلاة وسائر بدنها عورة فيها).
وقال في حاشية الجمل على المنهج للإمام زكريا الأنصاري: (وله استيعاب وجهها بالنظر للشهادة عند الجمهور لكن الصحيح عند الماوردي أنه ينظر لما يعرفها به فلو حصل ببعض وجهها لم يجاوزه).
وقال في المغني: (وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أهل الْعِلْمِ فِي إباحة النَّظَرِ إلى وَجْهِهَا، وَذَلِكَ لأنهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ).
وقال البيهقي في السنن الكبرى: (باب تخصيص الوجه والكفين بجواز النظر إليها عند الحاجة).
وقال أيضا عند حديث جابر في نظر الخاطب: (قال الشافعي: ينظر إلى وجهها وكفيها ولا ينظر إلى ما وراء ذلك ثم قال: وأما النظر بغير سبب مبيح لغير محرم فالمنع منه ثابت بآية الحجاب، ولا يجوز لهن أن يبدين زينتهن إلا للمذكورين في الآية من ذوي المحارم، وقد ذكر الله تعالى معهم ما ملكت أيمانهن) انتهى.
وأنت ترى أن كلام ابن بطال بنفس السياق والمنهج المتحد عن المفسرين والفقهاء في عدم النظر لغير الوجه، وإن اختلفت طريقة ومنهج وعبارات الاستنباط والاستدلال التي بينهم، فهو لما كان في
стр. 370
سياق شرحه لحديث الخثعمية من صحيح البخاري، ولم يكونوا يعرفون القول بالسفور ولا شيئا من ذلك بلا سبب مبيح، ولهذا دلل وحمل الحديث على جواز كشفه بقوله: (ليس فرضاً، لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة) أي ليس فرضا لا يجوز كشفه أبدا، كأمهات المؤمنين ولو في حالات الحاجة والضرورة كالشاهدة ونحوها، كما قاله القاضي عياض وغيره فدل أنهم يعنون بقولهم (فرضا) غير معنى قولهم (واجب) كما تلاحظ من كلامهم وبخاصة عند ذكرهم لأمرين وفيهما ما هو أقوى في الحكم من غيره، كما في قول القاضي أبو بكر بن العربي المالكي ﵀: (المسألة الرابعة عشرة: قوله في حديث ابن عمر: (لا تنتقب المرأة) وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئاً من خمارها على وجهها غير لاصق به، وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها) (١)، وكما في بيان الفرق فيما يخص حجاب أمهات المؤمنين وما فيه من التشديد وعدم الرخصة، بعكس غيرهن، كما هو كلام القاضي عياض: (فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز) فدل على أن غير أمهات المؤمنين يكن مثلهن مغطيات، ولكن للشهادة ونحوها لهن كشف ذلك، فكلام ابن بطال مثله وعلى منهج واحد مع
стр. 371
غيره من الأئمة القائلين بهذه الخصوصية، فليس معنى فرضا أن يكون في حق غيرهن سنة، بل المناسب أن يكون ما بعده واجب لغيرهن ولكن يستثنى عند الحاجة.
أما لو لم يكن الأمر في معرض بيان الفرق بين الأمرين، فإن ستر وجه المرأة لا شك أنها فريضة ربانية، فهم في كل الأحوال أوجبوا عليها ستره، إلا عند الضرورة والحاجة.
وإلا فلو أراد ابن بطال سفور المرأة لوجهها بمثل هذا الاستدلال الذي ينقله عنه أهل السفور (ليس فرضاً، لإجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة) لَعُورِض أول ما عورض من أهل السفور أنفسهم كما مر معنا عندما قالوا معترضين على الطبري والقرطبي وغيرهما من الأئمة: (وما علاقة ما تظهره في الصلاة بما تظهره خارج الصلاة).
فصار مفهوماً حمل كلام ابن بطال على منهج أمثاله من كثير من المفسرين والفقهاء المتقدمين والذين مرت معنا نقولاتهم في بيان تحديد القدر الظاهر من المرأة في صلاتها وعند الرخصة في كشف وجوههن للأجانب عند الحاجة والضرورة بعكس أمهات المؤمنين، وإلا لما كان استدلاله صوابا بظهور الوجه في الصلاة، ولكان بدلا من ذلك استدل على السفور بأصل حديث الخثعمية أو غيره كما يفعله أهل السفور اليوم.
ولهذا فقول ابن بطال: (وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء والإعجاب بهن) فقوله هذا من أدل
стр. 372
الأمور على أنه يعني كشفه عند الحاجة، وأنه رأى في كشف الخثعمية سبباً مباحاً، كما سنبينه قريباً، من روايات الحديث وكلام أهل العلم على الحديث، فهو أراد بيان خصوصية حجاب أمهات المؤمنين وعدم جواز كشفهن لوجوههن ولو لحاجة أو سبب مبيح كما هو جائز لغيرهن، ولا أدل على ذلك من ذكره لعبارته السابقة والدالة على خطورة كشف المرأة لوجهها، فلا يمكن من أئمة كأولئك أن يقولوا كلاماً متناقضاً ككلام أهل السفور اليوم، فكلامه ظاهر يقصد به الرخصة لغيرهن لقوله فيه أيضا: (إذا أمنت الفتنة) كما دلت عليه أقوال أهل العلم عند اشتراطهم لجواز نظر الأجنبي عند الضرورة، أن يؤمن منه وعليه الفتنة عند النظر إليها، وكلامه هذا بإجماع أهل العلم لا يجوز النظر للمرأة بلذة وشهوة وفتنة ولو لحاجة أو ضرورة ولو إلى الأمة العبدة، حيث مر معنا منعهم للشاهد وغيره من النظر بلذة ولو لحاجة، فكيف يصح إذا أن نحمل كلام ابن بطال على الجواز دوما وفي الأحوال العادية ومن غير ضرورة ولا حاجة ولعموم الناس وهو في كلامه قد بين خطورة الأمر غاية بيان، وهذه مصيبة المصائب إلا أن يَفهم أهل السفور من كلام ابن بطال أيضا، جواز أن يخرج الرجال والنساء يتلذذون ببعضهم البعض ويمذون عياذا بالله.
كما أن قول ابن بطال: (وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي ﷺ )، فهذه وحدها كافية لفهم مراده ومعناه، وتأكيد لما قلناه من أنه أراد خصوصية أمهات المؤمنين وبيان الرخصة لغيرهن فيما يظهر عند الضرورة.
стр. 373
لأن استنتاج بعض أهل العلم السابقين من حديث الخثعمية أنها كانت كاشفة لوجهها، أن ذلك منها كان لسبب مبيح، وهذا على فرض إنها كانت فعلا كاشفة عن وجهها وهو ما لم يرد أبدا في أي رواية من روايات الحديث وطرقه العديدة، ولهذا لم يُحفظ عن أحد من المتقدمين أنه فهم من حديث الخثعمية وغيره أنه لجواز خروج النساء سافرات بين الرجال، هذا مالم يقله أحد.
أ- قال الحافظ ابن حجر في المطالب العالية: (باب عرض المرأة على الرجل الصالح) عن ابن عباس عن الفضل بن عباس (كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأعرابي مَعَهُ ابنةٌ لَهُ حَسْنَاءُ، فَجَعَلَ يَعْرِضُهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رَجَاءَ أن يَتَزَوَّجَهَا، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إليها، وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْخُذُ بِرأسي فَيَلْوِيهِ، وَكان رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) (١) انتهى.
ب- وقال صاحب كتاب: إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري، قال: (باب فيمن عرض ابنته على من يتزوجها وما جاء فيمن أذن في زواجها ثم أنكر أو زوجها ويقول كنت لاعباً).
ت- وقال الإمام الهيثمي في مجمع الزوائد: (باب عرض الرجل ولِيَّتَه على أهل الخيرة).
стр. 374
وهذا ما فهمه ابن بطال فأراد أن يميز حجاب أمهات المؤمنين عن حجاب غيرهن من النساء عند الحاجة والرخصة.
فكيف لو علمت أيضا أن ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري من كتاب الحج وعند "باب وجوب الحج وفضله" قال عن نفس الحديث كلاما بتمامه يبين مقصده: (وفى نظر الفضل إلى المرأة مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من شهوات النساء، وفيه أن على العالم أن يغير من المنكر ما يمكنه إذا رآه) انتهى.
وقوله: (أن يغير من المنكر ما يمكنه إذا رآه) دل أنه لم يفهم من الحديث جواز السفور للنساء دوما، وأنه في حالة الجواز والرخصة يُشترط الحاجة، ومتى ما كان النظر بلا حاجة لم يجز، أو كان لحاجة ولكن صادف خشية الوقوع في الفتنة أو الشهوة مُنع منه، وهذا ما كان من الفضل ﵁ حيث نظر للمرأة وهي تعرض نفسها لرسول الله ﷺ وليس له هو، فلما شعر به ﵊، صرف وجهه عنها، وإلا لو كانت وجوه النساء مكشوفة وما يعرف من طبيعة البشر وميلهم للنساء حتى كاد أن يقع بسببها نبي من أنبياء الله في الفاحشة ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴿٢٤﴾ [يوسف]، أو هذا الصحابي الجليل وهو ملاصق لأفضل رسل الله عليهم أفضل الصلاة والسلام، فكيف يُعقل أن ابن بطال قصد الكشف بدون حاجة، ثم طالب بالإنكار وهو يَعرِفُ: (مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من شهوات النساء) هذا تناقض ولما أمكنهم إنكاره على عموم الناس.
стр. 375
فإن جاز لابن بطال القول من نفسه بأن الخثعمية كاشفة وجهها مع أن الحديث لم يصرح بذلك بتاتاً، ولكن للاستدلال به، لبيان مسألة خصوصية أمهات المؤمنين عن غيرهن من النساء في كشف وجوههن عند الحاجة والضرورة المؤقتة ولأمر مباح كما فهمه أئمة الإسلام وهو عرض الأعرابي ابنته لرسول الله ﷺ فهذا يمكن، أما أن يفتروا بأنها كاشفة وجهها، لينصروا مذهبهم الباطل، ويقولوا أن كشفها كان بدون سبب أو احتمال من تلك الاحتمالات القوية والتي ذكرها أهل العلم المتقدمين، والتي سنأتي لذكرها تفصيلا عند ردنا على شبهاتهم من السنة بمشيئة الله تعالى، ودون أن يفهموا روايات الحديث وأقوال أهل العلم فيها، ليردوا فريضة الله وحجابه المنزل على عباده من المؤمنات بمثل هذه الاحتمالات المبتورة والمحرفة والمصحفة والتي نقلوها عن بعض العلماء، دون أن ينظروا لبقية كلامهم ونحن نرى الإجماع والنقول عن أهل العلم على اختلاف مذاهبهم ومعارفهم، فلا يلقوا لها بالاً، فهذه والله مصيبة المصائب، إلا أن نرمي بكلامهم لنأخذ اليوم بكلام وفهم هؤلاء في المتشابهات والظنون.
ولهذا رجحنا هنا أبسط الردود، فكيف ببقية الردود المحكمة والمقنعة والتي عندما سنأتي لسردها بمشيئة الله تعالى ستعلم حينها أن الله لا يضيع هذا الدين، وإنما نحن من ضيعه، والله سائلنا جميعا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 376
وممن قال أيضاً بالخصوصية من نوع تغليظ الحجاب على أمهات المؤمنين
١٣ - الإمام القرطبي عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: (الثانية: روى الترمذِي عن نَبْهان مولى أم سلمة أن النبي ﷺ قال لها ولميمونة وقد دخل عليها ابن أم مَكْتُوم: (احتجِبا) فقالتا: إنه أعمى، قال: «أفَعَمْيَاوان أنتما ألستما تُبصرانه؟ » فإن قيل: هذا الحديث لا يصحُّ عند أهل النقل لأن راويه عن أم سلمة نبهان مولاها وهو ممن لا يحتج بحديثه، وعلى تقدير صحته فإن ذلك منه ﵇ تغليظ على أزواجه لحرمتهن كما غلظ عليهن أمر الحجاب؛ كما أشار إليه أبو داود وغيره من الأئمة) انتهى كلام القرطبي.
وقوله: (تغليظ على أزواجه لحرمتهن)، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴿٢٨﴾ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴿٢٩﴾ يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ﴿٣٠﴾ [الأحزاب].
وقوله: (كما غلظ عليهن أمر الحجاب) وهو حجابهن عن الرجال وهن في حكم الأمهات لهم، وكما في حديث المكاتب الذي مر معنا، وعدم ظهور شخوصهن، وغير ذلك مما قاله بعض أهل العلم.
وقصده: (كما أشار إليه أبو داود وغيره من الأئمة).
стр. 377
١٤ - حيث قال أبو داود عند تخريجه للحديث: (هذا لأزواج النبي ﷺ خاصة ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم) انتهى.
فهو يقصد أن رسول الله ﷺ سمح لفاطمة بنت قيس بأن تعتد عند ابن أم مكتوم الأعمى، ولم يسمح لزوجتيه ميمونة وأم سلمة بمجرد النظر إليه.
١٥ - قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كان حديث نبهان لأزواج النبي ﷺ خاصة وحديث فاطمة لسائر الناس؟ قال: نعم) (١).
١٦ - وقال الإمام السيوطي في الخصائص الكبرى:
"باب اختصاصه ﷺ بوجوب جلوس أزواجه من بعده في بيوتهن وتحريم خروجهن ولو لحج أو عمرة في أحد القولين":
(قال الله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ أخرج ابن سعد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لنسائه في حجة الوداع: «هذه الحجة ثم ظهور الحُصر» قال: وكن يحججن كلهن إلا سودة وزينب قالتا: لا تحركنا والله دابة بعد رسول الله ﷺ ، وأخرج ابن سعد عن ابن سيرين قال: قالت سودة: حججت واعتمرت فأنا أقعد في بيتي كما أمرني الله وكانت قد أخذت بقول رسول الله ﷺ عام قال: «هذه الحجة ثم ظهور الحُصر» فلم تحج حتى توفيت، وأخرج ابن سعد عن عطاء بن يسار أن النبي ﷺ قال لأزواجه: «أيتكن اتقت الله ولم تأتِ بفاحشة مبينة ولزمت ظهر
стр. 378
حصيرها فهي زوجتي في الآخرة» وأخرج ابن سعد من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أبي جعفر أن عمر بن الخطاب منع أزواج النبي ﷺ الحج والعمرة، وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: منعنا عمر الحج والعمرة حتى إذا كان آخر عام أذن لنا فحججنا معه فلما ولي عثمان استأذناه فقال: افعلن ما رأيتن، فحج بنا إلا امرأتين منا زينب وسودة لم تخرج من بيتها بعد النبي ﷺ وكنا نستتر، وقال: سفيان بن عيينة كان نساء النبي ﷺ في معنى المعتدات وللمعتدة السكنى فجعل لهن سكنى البيوت ما عشن ولا يملكن رقابها) انتهى من الخصائص.
وقوله: (في أحد القولين) كما مر معنا من وجود خلاف في مسألة حجب شخوصهن، وأنهن كبقية النساء في جواز خروجهن مستترات الوجوه كما رد على هذا الحافظ ابن حجر وغيره، ولعل ما روي عن أم المؤمنين سودة وزينب ﵄، يمكن أن يكون عن رغبة وورع منهما، والله أعلم.
١٧ - وقال في تفسير معالم التنزيل للإمام البغوي (ت: ٥١٦ هـ)
﴿وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْئَلُوهُنَّ مِن وراء حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أي: من وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء رسول الله ﷺ متنقبة كانت أو غير متنقبة، ﴿ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ من الريب) انتهى كلامه.
стр. 379
١٨ - قال في مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل:
("فوائد الأولى" قال: الشيخ جلال الدين الأسيوطي في حاشية البخاري في كتاب الوضوء في "باب خروج النساء إلى البراز" ذكر القاضي عياض وغيره أن من خصائص النبي ﷺ تحريم رؤية أشخاص أزواجه ولو في الأزر تكريماً له ولذا لم يكن يصلي على أمهات المؤمنين إذا ماتت الواحدة منهن إلا محارمها؛ لئلا يرى شخصها في الكفن حتى اتخذت القبة على التابوت. ا. هـ. والظاهر أن هذا ليس متفقاً عليه فقد حكى القرطبي في كون نسائه ﵇ كالأمهات في الحرمة وإباحة النظر، أو في الحرمة فقط، قولين ولكن الظاهر منهما الثاني والله أعلم) (١) انتهى.
بالله عليكم انظروا لما يقوله هذا الإمام لترَوا العجب العجاب ومدى التحريف الحاصل اليوم في مسألة خصوصية الحجاب لأمهات المؤمنين، ولهذا فلو قال أهل السفور بخصوصية أمهات المؤمنين بأنه يجوز النظر إليهن، وأن لهن أن يكشفن وجوههن بعكس بقية النساء فيجب عليهن أن يسترن وجوههن لكان هذا وجيها، ولهم سلف كما ذكره المصنف هنا: (كالأمهات في الحرمة وإباحة النظر) وذلك لحرمتهن كونهن امهاتهم وممن يحرم النكاح بهن، وهذا وإن كان ضعيفا كما قال المصنف لمخالفته لنصوص الشرع، ولهذا أيد القول الثاني، لأن الله لم يستثنِ من فرض الحجاب أمهات المؤمنين، لكن مع
стр. 380
ذلك يمكن القول به، أما أن يفهموا الخصوصية بأن تحتجب الأمهات ومن يحرم النكاح بهن عن الأبناء ولا تحتجب النساء الأجنبيات عن الأجانب، فهذا والله العكس تماماً لمعنى الخصوصية الحقيقية التي إمامنا وهي أنهن خصصن عن غيرهن من الأمهات بالتحجب من أبنائهن، أو عن تلك الخصوصية التي فهمها السلف وتكلموا عنها من التشديد والتغليظ عليهن أكثر من غيرهن من النساء، فلا يدخل في عقل أحد سليم الفطرة صافي الطوية جليل التعظيم لبيت النبوة أن يقول مثل هذا، أو أن الله يُنْزِل الآيات في ستر الوجه خاصة لزمن محدود جداً، بعمر حياة أمهات المؤمنين فقط، ألا جعلهم لو صدقوا كبقية نساء المسلمين؟ وهن أولى وأحرى والفتنة منهن وإليهن أبعد، ولو سكتوا لكان أولى بهم من هذا التخريف والتحريف والتبديل والتصحيف لمراد الله ومراد رسوله ﷺ ومراد أهل العلم، فأهل العلم يتكلمون في شيء وهم يفهمونه في شيء آخر.
وقوله: (والظاهر أن هذا ليس متفقاً عليه فقد حكى القرطبي في كون نسائه ﵇ كالأمهات في الحرمة وإباحة النظر أو في الحرمة فقط قولين ولكن الظاهر منهما الثاني) وأيد الثاني وهو حرمة أمهات المؤمنين مع عدم إباحة النظر إليهن فهن كبقية نساء العالمين مع كونهن في حكم الأمهات أي في معنى دون معنى، وهذا بإجماع أهل العلم كما ترى هنا، وسيأتي المزيد عند كلامنا على الخصوصية الثانية المتفق عليها بمشيئة الله تعالى.
стр. 381
والحافظ ابن حجر في الفتح وغيره لم يردوا على القاضي عياض أو ابن بطال وغيرهم ممن قالوا بخصوصية حجب شخوص أمهات المؤمنين على أنهم دعاة سفور، بل ردوا عليهم فيما فهموا منهم من مسألة خصوصيتهن في عدم ظهور شخوصهن ولو كن مستترات الوجوه، وهذا ما فهمه الحافظ ابن حجر من كلام القاضي عياض وغيره أيضا. وليس فيه بتاتا ما يقوله اليوم دعاة السفور، فاستنتجوا من خلاف الحافظ ابن حجر ورده على أولئك فهما مغلوطاً، وهو أن بينهم خلافا في أصل المسألة وذلك بسبب ما عشعش في عقولهم من أن كل خلاف بين المتقدمين، هو خلاف في أصل فريضة الحجاب؛ فابتدعوا قولاً لم يقل به أحد من السابقين.
فبالله عليكم قوم يقولون: (تحريم رؤية أشخاص أزواجه ولو في الأزر) يعني ولو مستترات في ثيابهن، ويريدون منهن أن يقرن في بيوتهن كحكم المعتدات، وإذا خرجن أحطن بالخيام أو الهوادج ونحوها، وهذه درجة كبيرة جداً من الستر، فهل يمكن أن يتساهلوا لدرجة القول بخروج غيرهن من النساء سافرات الوجوه؟ هذا قياس يبعد القول به بل أقوالهم هنا تدل على أن غيرهن من النسوة يخرجن بشخوصهن ويكشفن عند الضرورة كالشهادة ونحو ذلك، فكان في موضع ما ادعاه أهل السفور من الباطل رد على باطلهم لو يعلمون.
стр. 382
الخصوصية الثانية
الأدلة على أن معنى الخصوصية الثانية والتي عناها المتقدمون لأمهات المؤمنين هي أنهن حجبن عن أبنائهن فكن بذلك مخصوصات عن بقية الأمهات وكن كالأجنبيات
فالمتقدمون قصدوا معنىً ثانياً متفقاً عليه بينهم وهو أنه مع كونهن أمهات للمؤمنين وجاء تحريم النكاح بهن فقد فرض عليهن الحجاب كبقية النساء، فكن بذلك مخصوصات دون أمهات العالمين ومن يحرم النكاح بهن، في الحجاب من أبنائهن وممن يحرم النكاح بهن، فهذه هي الخصوصية الثانية التي قصدوها، وهي ظاهرة كالشمس لأنها بنص القرآن، وكان من الطبيعي القول بجواز كشفهن لوجوههن، ولكن أوجب الله عليهن الحجاب كبقية النساء، ولهذا فإنك لو قلت عبارة: (أن أمهات المؤمنين مخصوصات بالحجاب) أو نحو قولك: (تغطية الوجه مما اختصت به أمهات المؤمنين) لكان قولك حقاً وصواباً، لأنك تعنى أنهن لسن كبقية الأمهات اللاتي لا يلزمهن الحجاب من أبنائهن.
ولكن جاء من لم يفهم المعنى والمقصد الذي أراده الله وبينه أهل العلم، ففهموه بعكس ذلك وقالوا فرض تغطية الوجه خاص بأمهات المؤمنين وسنة على غيرهن، مع أن الإجماع وكلام أهل العلم في ذلك دال على أنهن كبقية النساء الأجنبيات فكان في قولهم تحريف وتبديل وتصحيف دون أن يكون لهم سلف في ذلك إلا الظن والمتشابهات مما
стр. 383
فهموه مبتورا من كلام بعض أهل العلم وصدق الله: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله تعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦]. ولهذا حذر رسول الله ﷺ فقال: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث) متفق عليه.
ولم يأتِ هذا الفهم السقيم عن أحد من العالمين، بل جاء من بعض المتأخرين اليوم، وقد ذكرنا مقصد المتقدمين في خصوصيتهن المختلف فيها وسنزيد هنا جمهرة من كلام أهل العلم في مسألة خصوصيتهن المتفق عليها، تدل كتلك على وجوب ستر المسلمات لوجوههن أيضا:
١ - قال الإمام القرطبي في تفسيره: (الثالثة: قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ شرف الله تعالى أزواج نبيه ﷺ بأن جعلهن أمهات المؤمنين أي في وجوب التعظيم والمبرة والإجلال وحرمة النكاح على الرجال وحجبهن رضي الله تعالى عنهن بخلاف الأمهات) انتهى.
٢ - وقال البيضاوي في تفسيره: (﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ منزلات منزلتهن في التحريم واستحقاق التعظيم وفيما عدا ذلك فكما الأجنبيات) انتهى.
٣ - وقال في تفسير المحرر الوجيز لابن عطية المحاربي: (قال الفقيه الإمام القاضي: وشرف تعالى أزواج النبي ﷺ بأن جعلهن أمهات المؤمنين في حرمة النكاح وفي المبرة وحجبهن ﵅ بخلاف الأمهات) انتهى.
стр. 384
٤ - وقال في لباب التأويل في معاني التنزيل للإمام الخازن: (قوله تعالى ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ يعني أمهات المؤمنين في تعظيم الحرمة وتحريم نكاحهن على التأبيد لا في النظر إليهن والخلوة بهن، فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب) انتهى.
٥ - وقال صاحب تفسير الكشاف: (﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ تشبيه لهن بالأمهات في بعض الأحكام، وهو وجوب تعظيمهن واحترامهن وتحريم نكاحهن قال تعالى: ﴿ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾ [الأحزاب: ٥٣] وهن فيما وراء ذلك بمنزلة الأجنبيات ولذلك قالت عائشة ﵂ «لسنا أمهات النساء» تعني أنهن إنما أمهات الرجال لكونهن محرمات عليهم كتحريم أمهاتهم، والدليل على ذلك: أن هذا التحريم لم يتعد إلى بناتهن وكذلك لم يثبت لهن سائر أحكام الأمهات) انتهى.
٦ - قال البغوي في تفسيره: (قوله ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ وفي حرف أُبي: "وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم"، وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأبيد، لا في النظر إليهن والخلوة بهن، فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب، قال الله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب﴾ انتهى.
٧ - وقال في تفسير النيسابوري: (﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي في هذا الحكم فإنهن فيما وراء ذلك كالأجنبيات ولهذا لم يتعد التحريم إلى بناتهن. ومن كمال عناية الله سبحانه بأمة محمد ﷺ إن لم يقل وهو أب
стр. 385
لهم وأن جاءت هذه الزيادة في قراءة ابن مسعود، وإلا حرم زوجات المؤمنين عليه أبدا، إلا أن يراد الأبوة والشفقة في الدين كما قال مجاهد: كل نبي فهو أبو أمته. ولذلك صار المؤمنون أخوة) انتهى.
٨ - وقال في روح المعاني للألوسي: (﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي منزلات منزلة أمهاتهم في تحريم النكاح واستحقاق التعظيم وأما فيما عدا ذلك من النظر إليهن والخلوة بهن وإرثهن ونحو ذلك فهن كالأجنبيات) انتهى.
٩ - وقال في زاد المسير لابن الجوزي: (قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي في تحريم نكاحهن على التأبيد ووجوب إجلالهن وتعظيمهن ولا تجري عليهن أحكام الأمهات في كل شاء، إذ لو كان كذلك لما جاز لأحد أن يتزوج بناتهن ولوَرِثن المسلمين ولجازت الخلوة بهن وقد روى مسروق عن عائشة أن امرأة قالت: يا أماه فقالت: لست لكِ بأم إنما أنا أم رجالكم فبان بهذا الحديث أن معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط وقال مجاهد وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم، وما بعد هذا مفسر) انتهى.
١٠ - وقال في أحكام القرآن للجصاص: (﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ قيل فيه وجهان: أحدهما: أنهم كأمهاتهم في وجوب الإجلال والتعظيم.
والثاني: تحريم نكاحهن وليس المراد أنهن كالأمهات في كل شيء لأنه لو كان كذلك لما جاز لأحد من الناس أن يتزوج بناتهن لأنهن يكن أخوات للناس وقد زوج النبي ﷺ بناته، ولو كن أمهات في الحقيقة ورثن
стр. 386
المؤمنين، وقد روي في حرف عبدالله، وهو أب لهم، ولو صح ذلك كان معناه أنه كالأب لهم في الإشفاق عليهم وتحري مصالحهم كما قال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز
عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]) انتهى.
١١ - وقال في أحكام القرآن لابن العربي: (المسألة الثالثة: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ ولسن لهم بأمهات، ولكن أُنزلن منزلتهن في الحرمة، كما يقال: زيد الشمس، أي أنزل في حسنه منزلة الشمس، وحاتم البحر أي أنزل في عموم جوده بمنزلة البحر؛ كل ذلك تكرمة للنبي ﷺ وحفظا لقلبه من التأذي بالغيرة) انتهى.
١٢ - وقال أبو السعود: (﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي منزلات منزلة الأمهات في التحريم واستحقاق التعظيم وأما فيما عدا ذلك فهن كالأجنبيات) انتهى.
١٣ - وقال الإمام ابن كثير: (وقوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي: في الحرمة والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم) انتهى.
стр. 387
١٤ - وقال في معرفة السنن والآثار للبيهقي " كتاب النكاح" - باب ما جاء في أمر رسول الله ﷺ وأزواجه - (قال الشافعي: وكان مما خص الله نبيه ﷺ قوله: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ وقال: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾ فحرم نكاح نسائه من بعده على العالمين، وليس هكذا نساء أحد غيره، وقال الله: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن﴾ فأبانهن به ﷺ من نساء العالمين، وقوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ مثل ما وصفت من اتساع لسان العرب، وأن الكلمة الواحدة تجمع معاني مختلفة، ومما وصفت من أن الله أحكم كثيرا من فرائضه بوحيه، وسن شرائع، واختلافها على لسان نبيه ﷺ وفي فعله، فقوله: ﴿أمهاتهم﴾ يعني في معنى دون معنى، وذلك أنه لا يحل لهم نكاحهن بحال، ولا يحرم عليهم نكاح بنات لو كن لهن، كما يحرم عليهم نكاح بنات أمهاتهم اللاتي ولدنهم أو أرضعنهم) (١) انتهى.
١٥ - وقال صاحب روضة الطالبين: (الضرب الرابع: ما اختص به من الفضائل والإكرام ما اختص به ﷺ من الفضائل والإكرام فمنه أن زوجاته اللاتي توفي عنهن ﵅ محرمات على غيره أبدا ... وقال الواحدي من أصحابنا قال بعض أصحابنا: لا يجوز أن يقال هو أبو المؤمنين لقول الله تعالى: ﴿ما كان محمد أبآ أحد من
стр. 388
رجالكم﴾ [الأحزاب: ٤]، قال نص الشافعي على أنه يجوز أن يقال هو أبو المؤمنين أي في الحرمة ومعنى الآية ليس أحد من رجالكم ولد صلبه والله أعلم) (١) انتهى.
١٦ - وقال في الدر المنثور للإمام جلال الدين السيوطي:
(أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن قتادة ﵁ في قوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ قال يعظم بذلك حقهن.
وأخرج ابن أبى حاتم عن قتادة ﵁ في قوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ يقول أمهاتهم في الحرمة لا يحل لمؤمن أن ينكح امرأة من نساء النبي ﷺ في حياته إن طلق ولا بعد موته، هي حرام على كل مؤمن، مثل حرمة أمه) انتهى.
١٧ - وقال في أضواء البيان للإمام محمد الأمين الشنقيطي (قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ وما ذكر من أن المراد بكون أزواجه ﷺ أمهات المؤمنين هو حرمتهن عليهم، كحرمة الأم، واحترامهم لهن كاحترام الأم إلخ. واضح لا إشكال فيه، ويدل له قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣] لأن الإنسان لا يسأل أمه الحقيقة من وراء حجاب وقوله تعالى: ﴿إن أمهاتهم إلا اللائي
стр. 389
ولدنهم﴾ [المجادلة: ٢]، ومعلوم أنهن ﵅، لم يلدن جميع المؤمنين الذين هن أمهاتهم، ويفهم من قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أنه هو ﷺ أب لهم، وقد روى عن أبي بن كعب وابن عباس أنهما قراء: وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم، وهذه الأبوة أبوة دينية، وهو ﷺ أرأف بأمته من الوالد الشفيق بأولاده، وقد قال جل وعلا في رأفته ورحمته بهم: ﴿عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] وليست الأبوة أبوة نسب كما بينه تعالى بقوله: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ [الأحزاب: ٤] ويدل لذلك أيضا حديث أبي هريرة عند أبي دأود والنسائي وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها) (١) انتهى كلامه ﵀.
والأدلة غير ما ذكرناه لا يمكن حصرها، كما أنها متيسرة، فلا داعي لنقلها، فبعد قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: ٦] ونزولها وبخاصة بعد الآيات التي ألغت التبني وظهار الجاهلية فهم الصحابة أن الله عني بذلك أمومتهن بأسمى درجاتها وهذا هو ما كان قبل الحجاب فكثر دخول الناس عليهن ولهذا (قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب) (٢)،
стр. 390
و (كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ احجب نساءك قالت: فلم يفعل) (١)، فكانت هناك فترة، حتى نزلت بعدها آيات كريمات في نفس سورة الأحزاب تمهد لفريضة الحجاب على الجميع وتنهى وبخاصة أمهات المؤمنين عن الخضوع بالقول حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، وعدم تبرج الجاهلية الأولى وأمرهن بالقرار في بيوتهن، ثم نزلت تلك الآيات التي في فرض الحجاب عليهن داخل البيوت كما في قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراءحجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣]، أو تلك التي في حال خروجهن من البيوت كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ [الأحزاب: ٥٩]. كل تلك الآيات بينت للصحابة ودلت بالإجماع على أن غيرهن في ذلك أولى وأحرى وأنهن في باب تحريم النظر إليهن وغير ذلك هن كبقية النساء الأجنبيات لا كالأمهات من كل وجه، والله أعلم وهو الهادي لسواء السبيل.