← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133379

كشف الأسرار عن القول التليد فيما لحق مسألة الحجاب من تحريف وتبديل وتصحيف

تركي بلحمر

Полный текст (558 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المؤمنين، وقد روي في حرف عبدالله، وهو أب لهم، ولو صح ذلك كان معناه أنه كالأب لهم في الإشفاق عليهم وتحري مصالحهم كما قال تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨]) انتهى. ١١ - وقال في أحكام القرآن لابن العربي: (المسألة الثالثة: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ ولسن لهم بأمهات، ولكن أُنزلن منزلتهن في الحرمة، كما يقال: زيد الشمس، أي أنزل في حسنه منزلة الشمس، وحاتم البحر أي أنزل في عموم جوده بمنزلة البحر؛ كل ذلك تكرمة للنبي ﷺ وحفظا لقلبه من التأذي بالغيرة) انتهى. ١٢ - وقال أبو السعود: (﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي منزلات منزلة الأمهات في التحريم واستحقاق التعظيم وأما فيما عدا ذلك فهن كالأجنبيات) انتهى. ١٣ - وقال الإمام ابن كثير: (وقوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أي: في الحرمة والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي في المختصر، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم) انتهى.

стр. 387

١٤ - وقال في معرفة السنن والآثار للبيهقي " كتاب النكاح" - باب ما جاء في أمر رسول الله ﷺ وأزواجه - (قال الشافعي: وكان مما خص الله نبيه ﷺ قوله: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ وقال: ﴿وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا﴾ فحرم نكاح نسائه من بعده على العالمين، وليس هكذا نساء أحد غيره، وقال الله: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن﴾ فأبانهن به ﷺ من نساء العالمين، وقوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ مثل ما وصفت من اتساع لسان العرب، وأن الكلمة الواحدة تجمع معاني مختلفة، ومما وصفت من أن الله أحكم كثيرا من فرائضه بوحيه، وسن شرائع، واختلافها على لسان نبيه ﷺ وفي فعله، فقوله: ﴿أمهاتهم﴾ يعني في معنى دون معنى، وذلك أنه لا يحل لهم نكاحهن بحال، ولا يحرم عليهم نكاح بنات لو كن لهن، كما يحرم عليهم نكاح بنات أمهاتهم اللاتي ولدنهم أو أرضعنهم) (١) انتهى. ١٥ - وقال صاحب روضة الطالبين: (الضرب الرابع: ما اختص به من الفضائل والإكرام ما اختص به ﷺ من الفضائل والإكرام فمنه أن زوجاته اللاتي توفي عنهن ﵅ محرمات على غيره أبدا ... وقال الواحدي من أصحابنا قال بعض أصحابنا: لا يجوز أن يقال هو أبو المؤمنين لقول الله تعالى: ﴿ما كان محمد أبآ أحد من

стр. 388

رجالكم﴾ [الأحزاب: ٤]، قال نص الشافعي على أنه يجوز أن يقال هو أبو المؤمنين أي في الحرمة ومعنى الآية ليس أحد من رجالكم ولد صلبه والله أعلم) (١) انتهى. ١٦ - وقال في الدر المنثور للإمام جلال الدين السيوطي: (أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن قتادة ﵁ في قوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ قال يعظم بذلك حقهن. وأخرج ابن أبى حاتم عن قتادة ﵁ في قوله: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ يقول أمهاتهم في الحرمة لا يحل لمؤمن أن ينكح امرأة من نساء النبي ﷺ في حياته إن طلق ولا بعد موته، هي حرام على كل مؤمن، مثل حرمة أمه) انتهى. ١٧ - وقال في أضواء البيان للإمام محمد الأمين الشنقيطي (قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ وما ذكر من أن المراد بكون أزواجه ﷺ أمهات المؤمنين هو حرمتهن عليهم، كحرمة الأم، واحترامهم لهن كاحترام الأم إلخ. واضح لا إشكال فيه، ويدل له قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣] لأن الإنسان لا يسأل أمه الحقيقة من وراء حجاب وقوله تعالى: ﴿إن أمهاتهم إلا اللائي

стр. 389

ولدنهم﴾ [المجادلة: ٢]، ومعلوم أنهن ﵅، لم يلدن جميع المؤمنين الذين هن أمهاتهم، ويفهم من قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ أنه هو ﷺ أب لهم، وقد روى عن أبي بن كعب وابن عباس أنهما قراء: وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم، وهذه الأبوة أبوة دينية، وهو ﷺ أرأف بأمته من الوالد الشفيق بأولاده، وقد قال جل وعلا في رأفته ورحمته بهم: ﴿عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [التوبة: ١٢٨] وليست الأبوة أبوة نسب كما بينه تعالى بقوله: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾ [الأحزاب: ٤] ويدل لذلك أيضا حديث أبي هريرة عند أبي دأود والنسائي وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها) (١) انتهى كلامه ﵀. والأدلة غير ما ذكرناه لا يمكن حصرها، كما أنها متيسرة، فلا داعي لنقلها، فبعد قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: ٦] ونزولها وبخاصة بعد الآيات التي ألغت التبني وظهار الجاهلية فهم الصحابة أن الله عني بذلك أمومتهن بأسمى درجاتها وهذا هو ما كان قبل الحجاب فكثر دخول الناس عليهن ولهذا (قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب) (٢)،

стр. 390

و (كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ احجب نساءك قالت: فلم يفعل) (١)، فكانت هناك فترة، حتى نزلت بعدها آيات كريمات في نفس سورة الأحزاب تمهد لفريضة الحجاب على الجميع وتنهى وبخاصة أمهات المؤمنين عن الخضوع بالقول حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، وعدم تبرج الجاهلية الأولى وأمرهن بالقرار في بيوتهن، ثم نزلت تلك الآيات التي في فرض الحجاب عليهن داخل البيوت كما في قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراءحجاب﴾ [الأحزاب: ٥٣]، أو تلك التي في حال خروجهن من البيوت كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ قُل لأزواجك وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن﴾ [الأحزاب: ٥٩]. كل تلك الآيات بينت للصحابة ودلت بالإجماع على أن غيرهن في ذلك أولى وأحرى وأنهن في باب تحريم النظر إليهن وغير ذلك هن كبقية النساء الأجنبيات لا كالأمهات من كل وجه، والله أعلم وهو الهادي لسواء السبيل.

стр. 391

خلاصة الكلام في خصوصية أمهات المؤمنين ولهذا فسواء قصد المتقدمون بخصوصية الحجاب عليهن بالمعنيين المشار إليهما وهما: الأول: أنهن مخصوصات بعدم ظهور شخوصهن فضلا عن عدم جواز ظهور الوجه والكفين منهن ولو عند الحاجة كما هو جائز لغيرهن ، فهذا فيه زيادة في توقيرهن وحقهن وحق رسول الله ﷺ ، وليس فيه جواز كشف المسلمات بل فيه ما يدل على وجوب ستر الوجه على جميع النساء أيضا كما مر معنا من كلام أهل العلم. والثاني: أنهن مخصوصات بالحجاب من أبنائهن ومن يحرم النكاح بهم فكن بذلك دون بقية الأمهات ومن يحرم النكاح بهن اللاتي لم يفرض عليهن ذلك . وهذا كما ترى وإن كان في خصوصية أمهات المؤمنين فيدلك كيف وقع التحريف من المتأخرين في هذه الأمة لكل ما يزعزع يقين المؤمنين والمؤمنات بفريضة الحجاب، ولترى مدي البتر والتحريف والتبديل لأقوال أهل العلم، ليدللوا على وجود خلاف بينهم في فريضة الله للنساء المسلمات بستر الوجه وقد نقلنا بإسهاب أقوال أهل العلم لترى أنهم على صراط مستقيم ولم يأتِ عن أحد منهم ما يقوله أهل السفور اليوم هدانا الله وإياهم، ولتعلم مدى الإعجاز الرباني حيث حفظ

стр. 392

كتابه وسنة نبيه ﷺ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ونختم بما ختم به صاحب روضة الطالبين فقال: (ولنختم الباب بكلامين أحدهما قال إمام الحرمين قال: المحققون ذِكر الاختلاف في مسائل الخصائص خبط غير مفيد، فإنه لا يتعلق به حكم ناجز تمس إليه حاجة وإنما يجري الخلاف فيما لا نجد بدا من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص وما لا نص فيه فتقدير اختيار فيه هجوم على الغيب من غير فائدة، والكلام الثاني قال الصيمري: منع أبو علي بن خيران، الكلام في الخصائص لأنه أمر انقضى فلا معنى للكلام فيه، وقال سائر أصحابنا: لا بأس به وهو الصحيح لما فيه من زيادة العلم، فهذا كلام الأصحاب، والصواب الجزم بجواز ذلك بل باستحبابه بل لو قيل بوجوبه لم يكن بعيدا لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتة في الحديث الصحيح فعمل به أخذا بأصل التأسي فوجب بيانها لتعرف فلا يعمل بها وأي فائدة أهم من هذه وأما ما يقع في ضمن الخصائص مما لا فائد فيه اليوم فقليل لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتدرب ومعرفة الأدلة وتحقيق الشئ على ما هو عليه والله أعلم) (١) انتهى كلامه.

стр. 393

تناقض أهل السفور واختلافهم في معنى الخصوصية المحدثة وما أوردوه من شبهات بخصوصها حيث ذهب فريق منهم أن فرض تغطية المرأة لوجهها خاص بأمهات المؤمنين ولا يجب على من سواهن ذلك فهذا والله فوق أنه سوء أدب وسوء ظن في حق بيت النبوة فإنه يدلك على مدى الأفهام المعكوسة والمتسرعة، والتي لا ترجع لأهل العلم السابقين، ومدى التحريف والتبديل والتصحيف الذي وقع في فريضة الحجاب، فلو قالوا أن أمهات المؤمنين لا يحتجبن ويجوز النظر إليهن، فهذا يمكن قوله لكونهن أمهات ويحرم النكاح بهن بنص القرآن، وقد قيل، أما غيره مما فهمه فريق من دعاة السفور اليوم فلا يدخل في عقل أحد حتى ينسب لإمام من أئمة الشرع أنه عناه بقوله، فعلم أنهم لم يفهموا قولهم وغلطوا وعكسوا مرادهم والله بصير بعباده. ولهذا لم يوافقهم فريق آخر من دعاة السفور، ولكن العجيب أنهم رفضوا قول الأولين بوجود خصوصية ووجوب التغطية على أمهات المؤمنين، وقالوا لا دليل على ذلك، وصدقوا، ولكنهم قالوا هو سنة ومستحب على أمهات المؤمنين وعلى غيرهن من نساء المسلمين كافه، كما قاله الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، ولكن ليس العجب هنا بل العجب حين استشهد ﵀، بأدلة وأقوال الفريق الأول فنقل أدلتهم المفهومة عندهم على فرض ستر الوجه على أمهات المؤمنين فقط والمعكوسة والمبتورة من كلام ومراد المتقدمين، كابن بطال، والقاضي

стр. 394

عياض، والطحاوي، وغيرهم وأي شئ آخر يؤيد سفور المرأة لوجهها ولو على فهم أولئك المحرف والمبدل والمصحف، ودون أن يعترض عليهم فيما يخالفهم فيه، فهو أصلاً لا يوافقهم على معنى الخصوصية التي ابتدعوها من أن ستر الوجه فرض مخصوص بأمهات المؤمنين دون غيرهم، لأن مذهبه أنه سنه ومستحب للجميع. فيذكرني بقول الألباني ﵀ عندما فهم كلام الإمام الطبري وغيره من أهل العلم بعكس ما أرادوه من تحديد القدر الظاهر من المرأة عند الرخصة بما يظهر في صلاتها وهو الوجه والكفان بقوله: (لإجماع الجميع على أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها ... ) إلخ. فظنه الألباني أنه يستدل بذلك لسفور الوجه، ولهذا اعترض على هذا الاستدلال فقال ﵀: (وهذا الترجيح غير قوي عندي ... لأن للمخالف (١) أن يقول: جواز كشف المرأة عن وجهها في الصلاة أمر خاص بالصلاة فلا يجوز أن يقاس عليه الكشف خارج الصلاة لوضوح الفرق بين الحالتين، هذا مع عدم مخالفتنا له في جواز كشفها وجهها وكفيها في الصلاة وخارجها لدليل بل لأدلة أخرى غير هذه كما يأتي بيانه وإنما المناقشة هنا في صحة هذا الدليل بخصوصه لا في صحة الدعوى) إلى آخر كلام الألباني ﵀. ومع ذلك أخذ من كلامه ما استشهد به على سفور الوجه والكفين، وهم إنما كانوا يقصدون بالقياس تحديد قدر الرخصة.

стр. 395

وهنا نقل كلام القاضي عياض والطحاوي وابن بطال وغيرهم على فهم ومراد من قال أن ستر الوجه فرض على أمهات المؤمنين فقط، بالمعنى الذي فهمه أولئك المبتدعة - هدانا الله وإياهم - مع أن الشيخ الألباني لا يقول بذلك، بل يقول هو سنة ومستحب لهن ولجميع النساء، ولا شك أن هذا القول بدعة أيضاً، فأين هذا من قول جمهرة من العلماء ممن قال بعدم ظهور حتى أشخاصهن أصلاً، وما قالوه من نوع خصوصية التشديد والتغليظ عليهن في امر الحجاب، فضلا عمن قال - على أقل الأحوال - إنهن في باب النظر ونحو ذلك كالأجنبيات، فأين السلف الذي له ويدعي ﵀ متابعتهم؟ فتركهم جميعاً وترك الإجماع من فحول أهل العلم والفضل ممن ألفوا وصنفوا ونقلوا وحققوا طوال أربعة عشر قرناً، وفي أكثر من موضع، وأستشهد بنقولات حديثي الأفهام المتعارضة مع كلامه، حيث تبعهم بفهمهم المعكوس والمحرف والمبدل والمصحف عن معناه ومقصده عند أصحابة من أهل العلم الأجلاء، فكيف رفض الاستدلال بنصفه وقبل نصفه الآخر؟ . ولا شك أنها زلة منه رحمه الله تعالى، لا يقصد إلا الخير وبيان السنة، وهكذا هي الأمور فمن بدأ الطريق خطأ وخرج عن دائرة الحق في مسألة من المسائل، فلا يزيده السير فيها إلا زيادة في الأخطاء، حتى ظن أن من قال أن الوجه ليس بعورة، فهو يعنى كشف المرأة لوجهها، فكان في كتابه الأخير، "الرد المفحم" من ... كثرة الأخطاء والنسب المغلوطة، وغير ذلك مالا يحصى ولا يعد، ... وليس الغرض عندي تتبع أخطاء الشيخ بقدر الحرص على الإلمام

стр. 396

بقواعد مسألة فريضة الحجاب، فما مر معنا مما يحتاج لبيانه اقتصرت عليه، غفر الله لنا وله ولجميع المسلمين، وجمعنا به في مستقر رحمته. وإني والله لأعلم أنهم يريدون الحق، ولكن ليس كل مريد للحق يصيبه، ولهذا فليلتمسوا لي العذر، وإنما هي لبيان شناعة هذا القول وما يترتب عليه من آثارٍ وفتنٍ وبدعٍ بدأت تطل برأسها، حمى الله بلاد الإسلام والمسلمين، ووفق ولاة أمرهم لكل خير.

стр. 397

رد شبهة عن الإمام القاضي عياض كثيراً ما نجد أهل السفور - هدانا الله وإياهم - ينقلون للعوام قول القاضي عياض ﵀: (قال العلماء رحمهم الله تعالى: وفي هذا حجة على أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي) انتهى. وكلام القاضي هو في حال عدم وجود الرجال، وهذا خلاف قديم جداً بين العلماء، وهو فيما إذا كان يجب على المرأة أن تستر وجهها لمجرد أن خرجت في طريقها وهي تعلم خلوه من إمكان نظر الرجال لها؟ أم أن واجب الستر ليس لذاته وليس على كل حال وإنما هو واجب فقط عند تحققها من وجود الرجال الأجانب والذين يمكنهم أن ينظرون لها؟ وهذا خلاف قائم كما قلنا قديماً بين العلماء، وسنأتي هنا لبيانه بإسهاب إن شاء الله تعالى، ولهذا كان من أسباب اختلاف بعض المتقدمين في كون الوجه والكفين من العورة أم لا؟ هو مثل هذا التأصيل حيث كان اعتراضهم على من قال أن الوجه والكفين عورة، أن ذلك يستلزم من المرأة ستره على كل حال، والذي جاء هو الأمر بالستر من أعين الرجال فقط، ففي عدمهم أو عدم تمكنهم من النظر لها انتفاء للفتنة والشهوة، والتي هي علة وجوب الستر عندهم، ولهذا قالوا معترضين

стр. 398

(الوجه والكفان ليسا بعورة) فظهر أعتراضهم على اولئك أكثر من ظهور علتهم في المسألة. ولهذا لا المتقدمون ولا أحد ممن جاء بعدهم فهموا من كلام القاضي عياض ما فهمه أهل السفور اليوم، فبحثوا في كتب السلف وكلامهم على مثل هذه العبارات من المتشابهات ثم حرفوها وبدلوها وصحفوها - من غير أن يقصدوا - بأدنى التأويلات وقذفوها في قلوب الناس، ولو وجدوا في صريح أقوالهم ما يدل على السفور لما تمسكوا بنقل مثل هذه الشبهات والأحتمالات، وهذا ما لن يجدوه لان صريح أقوالهم قد مرت معنا وستمر في وجوب ستر المرأة لوجهها عن الرجال. فالقاضي عياض يشرح حديث نظر الفجأة وقوله ﷺ عندما سأله جرير بن عبد الله ﵁ قال: «سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة: فأمرني أن أصرف بصري» رواه مسلم. فاستدل به ﵀ على أصل المسألة وهو أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها أونحو ذلك، متى ما تيقنت من عدم وجود الرجال الأجانب أو في حال وجودهم ولكن لا يمكنهم النظر إليها وكلام القاضي عياض مبني على أساس أصل المسألة وما فهمه من الحديث، وهو أنه كيف يمكن أن يُتصور تحقق نظر الفجأة الذي قصده الصحابي وسأل عنه لو كانت النساء لا يكشفن وجوههن بتاتاً ولو عند عدم وجود من ينظر لهن من الرجال؟ فدل عنده على أنها قد تسير في بعض الأحيان كاشفة عن وجهها لرؤية الطريق وقد تمر بالرجال ممن لا يمكنهم مشاهدة وجهها، ونحو ذلك كما لو كانت الطريق خالية، فاستنتج

стр. 399

من فهمه عند شرحه للحديث ولغيره من الأحاديث الأتية معنا كتغطية المحرمة لوجهها عندما يحاذيها الرجال أنه يجوز لها ذلك ولا يجب على المرأة ستر وجهها على كل حال، وإنما لو فعلت فهذا سنة ومستحب لها، لأن الأصل ستره عن الرجال فلو سترته لمجرد خروجها احتياطاً، فهذا من ورعها وزهدها وله أصل فيكون كما قال سنة ومستحب. كشف المُحْرِمَة وجهها في طريقها عند عدم وجود الرجال الناظرين لها وتناقص أهل السفور فيه: ولهذا فأكثر ما استدلوا به العلماء -على ما قاله القاضي عياض- من جواز كشف المرأة في طريقها ولا رجال، هو ما اتفقوا عليه من حال المرأة المحرمة، فعند خلو الطريق من الرجال حرم كثير من الفقهاء عليها تغطية وجهها لأنه على قول أكثرهم إحرام المرأة في وجهها، في حين أجمعوا على جواز السدل على وجهها إذا حاذاها الرجال، ومن هنا ففي حال خلو الطريق أوجبوا على المحرمة كشفه وأباحوه لغيرها كما قاله القاضي عياض وغيره، وذلك لأنتفاء الفتنة من وجود الرجال الناظرين لها، فالمحرمة تكشف وجهها في طريقها فإذا حاذاها الرجال سدلت عليه ما يستره، فعُلم من ذلك أنهم يعنون بوجوب كشفه عند عدم وجود الرجال الأجانب كما هو الظاهر من نصوصهم التي ستمر معنا وكما قصده القاضي عياض في غير المحرمة، لا أن

стр. 400

تكشفه على كل حال كما يريده أهل السفور اليوم فتناقضوا وناقضوا كلام أهل العلم وحاروا في الجمع بين أقوالهم، إذ كيف يوجب الفقهاء على المحرمة كشف وجهها ثم يجمعون مع ذلك على ستره والستر كما ينسبونه لهم سنة ومستحب؟ فكيف تغلب السنة والمستحب ما هو واجب وهو كشفها لوجهها حال الأحرام؟ هذا عجيب لا يمكن أن يمر على المتقدمين وبخاصة أن منهم من حرم تغطية المرأة لوجهها لدرجة الفدية وذلك في حال أن سترته لا تريد ستراً من أعين الرجال، ثم يفهمون من قول عائشة عند البيهقي (إن شاءت) الاختيار في ستر وجهها ويستدلون بمثل هذه الزيادة المتفردة - إن صحت - على أن المرأة كانت في عهد رسول الله ﷺ سافرة بين الرجال، فهل قالت عائشة ﵂ (إن شاءت) وهي بين الرجال؟ وهل فعلت عائشة ما فهموه ولو لمرة واحدة أم كان فعلها وقولها حين سترت وجهها وهي محرمة مع أختها أسماء ونساء المسلمين مخبراً عموم الناس بعكس ما فهموه، إنما قالت: (المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبا مسه ورس أو زعفران ولا تتبرقع ولا تلثم وتسدل الثوب على وجهها إن شاءت) (١)، فلعلها أرادت (إن شاءت) جواز الستر ولو لم يكن هناك رجال، كما حققه كثير من أهل العلم وهو أن المحرمة إنما نهيت عن النقاب ونحوه ولم تُنهى عن مطلق ستره، ولم تؤمر بكشف وجهها في الإحرام، وحتى لا

стр. 401

يُفهم من النهي عن لبس النقاب للمحرمة تحريم ستره، أخبرت بقولها: (إن شاءت) فلها ستره مطلقا ولو لم يكن هناك رجال، مادام بغير نقاب ونحوه. ومن الاحتمالات أيضاً أن أحد الرواة ممن دون عائشة ﵂ أراد أن يقول (المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت) فكررها مرة أخرى في آخره (إن شاءت)، أو قصد أن المحرمة (تسدل الثوب على وجهها) «بما شاءت» من خمار أو جلباب أو نحو ذلك من ملابسها سوى النقاب ونحوه، فنُقِل بدلا من ذلك (إن شاءت)، بدليل أن قول عائشة ﵂ هذا مروي من عدة طرق عديدة ومخرج في أكثر من كتاب كما عند ابن أبي شيبة (١) والبخاري تعليقا (٢) وغيرهما وليس فيها هذه الزيادة (إن شاءت) لمن تأمله، ثم إن صحت هذه الزياد فكما قلنا، لها محامل كثيرة ذكرنا بعضها أنفا. بل ولا أدل على بطلان قولهم من كل وجه، أن نتساءل هل قال - بمثل هذا الاستدلال الذي فهموه من كلام عائشة عند البيهقي - أحد قبلهم، ممن مروا بالحديث منذ أربعة عشر قرناً مضت؟ لا والله. فالإمام البيهقي نفسه ذكر بعده (باب المحرمة تلبس الثوب من علو فيستر وجهها وتجافي عنه) ولم يفهم من تلك الزيادة ما فهموه من

стр. 402

التخيير في كشف المرأة لوجهها أو ستره أمام الرجال، بل إن اقواله وتبويباته كما في كتبه صريحة في وجوب ذلك كما سيمر معنا النقل عنه رحمه الله تعالى (١). وهذا سبيل من تمسك بالمتشابهات والشواذ من الأقوال تناقض في المحكمات من الأمور العظيمة والجليلة، وأما من تمسك بالمحكمات أمكنه حمل مثل هذه المتشابهات وغيرها على محامل كثيرة واحتمالات قوية سديدة، وبهذا تعلم غلط فهم أهل السفور لكلام العلماء المتقدمين، وأنهم ينقلون الشبهات لعموم الناس دون فهم وتمحيص فكانوا كحاطب ليل قد يجمع ما يضره وما قد يكون ضده كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن فإنه وقع أيضا في تفسير الحديث فالذين أخطؤوا في الدليل والمدلول مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهباً يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة كسلف الأمة وأئمتها وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم، تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأوّلون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه ومن هؤلاء فرق الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة وغيرهم .... .

стр. 403

والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة وذلك من جهتين: تارة من العلم بفساد قولهم وتارة من العلم بفساد ما فسروا به القرآن إما دليلا على قولهم أو جوابا على المعارض لهم ... ) انتهى كلام شيخ الإسلام. ولهذا فالحق أن أئمة الإسلام متفقون على أن ستر وجه المرأة المحرمة عند الرجال هو أوجب من قولهم لها بوجوب كشفه حال الإحرام، لهذا لم يتناقضوا، فمن نقل الإجماع على كشفه كابن عبد البر نقل أيضا في ذات المكان الإجماع على وجوب ستره سدلاً عن الرجال، ولا يمكن أن يكون لأن ستره عن الرجال، سنة ومستحب ومثله: ١ - قال ابن عبد البر - المالكي -: (وأجمعوا أن إحرامها في وجهها دون رأسها، وأنها تخمر رأسها وتستر شعرها وهي محرمة، أجمعوا أن لها أن تسدل الثوب على وجهها من فوق رأسها سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال إليها، ولم يجيزوا لها تغطية وجهها أي وهي محرمة بنحو خمار إلا ما ذكرنا عن أسماء) (١) انتهى ٢ - ونقل الحافط ابن حجر في الفتح: (وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستر به عن نظر

стр. 404

الرجال ولا تخمره إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت «كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر» تعني جدتها، قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلاً كما جاء عن عائشة قالت «كنا مع رسول الله ﷺ إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات فإذا جاوزنا رفعناه») (١) انتهى. وهنا كان مقصد العلماء هو نفسه ما قصده القاضي عياض وغيره ممن قالوا بجواز كشف المرأة في طريقها وحيث أمنت من نظر الرجال لها. ٣ - قال الشوكاني رحمه الله تعالى: عند حديث: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله محرمات، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه» (٢) قال: تمسك به أحمد فقال: إنما لها أن تُسدل على وجهها من فوق رأسها. واستدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها، فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها. لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره مطلقًا كالعورة) (٣) انتهى كلامه. وانظر لقوله: (تحتاج إلى ستر وجهها) وكلام ابن عبد البر، وابن المنذر في سترها عن أعين الناس، هذه لوحدها عبارات مفهومة لا تقال

стр. 405

في أمر في أصله سنة ومستحب، فكيف مع إجماعهم على وجوب كشفه؟ أفيقال: (تحتاج إلى ستر وجهها) ويكون أيضا بعد ذلك سترُهُ سنة ومستحب؟ ٤ - وعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: (كنا نغطي وجوهنا من الرجال وكنا نمتشط قبل ذلك في الإحرام) (١). وقولها (من الرجال) تعليل يدل على اللزوم والفرض ولو في الحج وهي ليست من أمهات المؤمنين، ويدل على أن تغطيته ليست على كل حال وإنما عند وجود الرجال. ٥ - وأخرج الإمام مالك في "الموطأ" (باب تخمير المحرم وجهه) عن هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر التابعية أنها قالت: (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصديق) (٢). ٦ - وقال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي: (المسألة الرابعة عشرة: قوله في حديث ابن عمر: «لا تنتقب المرأة» وذلك لأن سترها وجهها بالبرقع فرض إلا في الحج، فإنها ترخي شيئاً من خمارها على وجهها غير لاصق به وتعرض عن الرجال ويعرضون عنها) (٣) انتهى. فكل ما سبق يدل على أن الستر ليس واجباً لذاته وعلى كل حال وإنما يجب عند وجود الرجال وخاصة في حق المحرمة، وأن قولهم للفظة

стр. 406

(فرض) هو عند كلامهم في حكم أشد وألزم من غيره، كما قالوا في حجاب أمهات المؤمنين وعدم ظهور شخوصهن وعدم الرخصة لهن في كشف وجوههن وأكفهن عند الشهادة ونحوها، بعكس ما هو جائز لغيرهن من النساء، كما تقدم معنا في مبحث الخصوصية. مذهب القائلين بوجوب ستر المرأة لوجهها لمجرد خروجها: وذهب فريق آخر من أهل العلم المتقدمين على وجوب ستر المرأة لوجهها وذلك بمجرد خروجها في طريقها، ولو كانت الطريق خالية، لأن في كشفها في طريقها مظنة لأن يراها الرجال، ولقوله ﷺ : (المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون من رحمة ربها وهي في قعر بيتها) (١). قال الإمام الطبراني (ت: ٣٦٠ هـ) عند تفسيره لآية الإدناء: (قال المفسِّرون: يُغطِّين رؤُوسَهن ووجوههن إلا عَيناً واحدة. وظاهرُ الآية يقتضي أنْ يكُنَّ مأمورات بالسَّتر التام عند الخروجِ إلى الطُّرق، فعليهن أن يَستَتِرْنَ إلا بمقدار ما يعرفنَ به الطريق) (٢) انتهى. وسنأتي لمزيد نقل لأقوالهم لاحقاً. وما سننقله الأن هو تأكيد جديد لما قلناه سابقاً من الإجماع على وجوب ستر وجه المرأة وما فهمه أهل العلم من كلام القاضي عياض لترى كيف أنهم لم يناقشوه او يفهموا منه ما فهمه اليوم دعاة السفور:

стр. 407

٧ - فهم الإمام النووي لكلام القاضي عياض: الإمام النووي هو من نقل كلام القاضي عياض ومع ذلك قال بعده كلاما فسره به يدل على خطأ فهم دعاة السفور اليوم لقوله أو بترهم لكلامه ولعلهم - من غير قصد - لهذا لم ينقلوه بتمامه واقتصروا على نقل كلام القاضي بفهمهم الخاطئ له. ولهذا سنورده كما جاء في شرح النووي لصحيح مسلم عند شرحه لحديث جرير ﵁: (قال القاضي: قال العلماء: وفي هذا حجة أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة مستحبة لها، ويجب على الرجال غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض صحيح شرعي). فقال النووي عقبه مباشرة: (وهو حالة الشهادة والمداواة وإرادة خطبتها، أو شراء الجارية أو المعاملة بالبيع والشراء وغيرهما ونحو ذلك، وإنما يباح في جميع هذا قدر الحاجة دون ما زاد والله أعلم) (١) انتهى كلامه. فهذا هو فهمهم لكلام القاضي عياض، كما أن النووي مشهور بقوله بوجوب تحجب حتى الإماء ولو شعر أن في كلام القاضي شيء مما يقوله أهل السفور اليوم لما سكت عنه فما قاله بعد نقله لكلامه لهو من أدل الأمور على أنهم لم يفهموا من كلام القاضي سفور ولا شيء مما ينسبه إليه أهل السفور اليوم.

стр. 408

وقوله: (وفى هذا حجة أنه لايجب على المرأة أن تستر وجهها فى طريقها) وهذا كما سترى فيه خلاف، كما هو ظاهر من قوله، حيث ان بعضهم لم يعتبره حجة وأوجب عليها ستره في طريقها ولمجرد خروجها ولو لم يكن هناك بالطريق رجال؛ لأنهم قالوا أن في خروجها مظنة لأن يراها الرجال من غير أن تشعر فتقع الفتنة بها وردوا على هذا الكلام بأن نظر الفجأة الذي في حديث جرير لا يلزم من وقوعه أن يكون بسبب أنه يجوز للمرأة كشف وجهها في طريقها الخالي، فقد يحصل لها ذلك أثناء سقوطها أو بسبب ريح أو من فوق سطح أو وهي في بيتها أو غير ذلك ونحوه كثير، فلا يفهم من وقوع نظر الفجأة أنه يجوز للنساء كشفهن لوجوههن في الطريق الخالية. ولهذا لما كثر الفساد في الناس وتهاونت النساء في الستر منع من ذلك كثير من الأئمة والفقهاء ممن كانوا يرون جواز ذلك احتياطاً وورعاً من فساد الناس وتساهلهم. ٨ - وهذا ما نقله الشوكاني عن ابن رسلأن: (ويدل على تقييده بالحاجة اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه وبخاصة عند فساد الناس) (١) انتهى. ومعناه ظاهر فلا يجوز النظر للنساء أو كشفهن للوجوه إلا لحاجة. ويزيدك تأكيدا على أنهم قصدوا ذلك. ٩ - ما قاله الشوكاني في "السيل الجرار": (وأما تغطية وجه المرأة - يعني في الإحرام - فلما روي أن إحرام المرأة في وجهها، ولكنه لم

стр. 409

يثبت ذلك من وجه يصلح للاحتجاج به، وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة من حديث عائشة قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه» وليس فيه ما يدل على أن الكشف لوجوههنَّ كان لأجل الإحرام بل كنّ يكشفن وجوههن عند عدم وجوب من يجب سترها منه، ويسترنها عند وجود من يجب سترها منه) (١). ١٠ - وقال الصنعاني: (يباح كشف وجهها حيث لم يأتِ دليل بتغطيته والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها الأجنبي، فهذه عورتها في الصلاة وأما عورتها بالنظر إلي أجنبي إليها فكلها عورة) (٢). ١٢ - قال في حاشية الشرواني على تحفة المحتاج - شافعي-: (من تحققت من نظر أجنبي لها يلزمها ستر وجهها عنه وإلا كانت معينة له على حرام فتأثم) (٣). فهل يقول أحد أن المصنف يقول بسفور وجه المرأة بين الرجال ودون أن يكمل العبارة أو يفهم مقصده ومراده بتمامه ومما قاله بعده في حال لو تيقنت من نظر أجنبي لها أنه (يلزمها ستر وجهها عنه وإلا كانت معينة له على حرام فتأثم)؟ . ١٣ - ومثله قال ابن حجر في التحفة: (نعم من تحققت نظر أجنبي لها يلزمها ستر وجهها عنه وإلا كانت معينة له على حرام فتأثم) انتهى.

стр. 410

وهذا ما عنيه تماماً القاضي عياض وهو كشفها في طريقها ولا ناظرَ لها من الرجال. وكأنهم اعتبروها رخصة يجوز لها كشف وجهها عند خلو الطريق ولكن عند فساد الناس لم يتساهلوا فيه كما لم يتساهلوا من قبل في كشف الشابة لوجهها عند الرخصة ولو لحاجة، وكما منعوا الخاطب من النظر للمخطوبة، وهكذا شددوا حتى لا يتساهل الناس وبخاصة عند ظهور الفساد وهذا من حق الأئمة وفي مقدورهم فعله وهو رد الناس لضابط الرخص كما تقدم معنا. ١٤ - وقال في فتح العلام بشرح مرشد الأنام قوله: (نقل عن القاضي عياض المالكي عن العلماء: أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها وإنما ذلك سنة وعلى الرجال غض البصر عنها، وضعَّفَ الرملي كلام القاضي وذكر أن الستر واجب لذاته، ثم قال: وحيث قيل بالجواز كره وقيل: خلاف الأولى. وحيث قيل بالتحريم وهو الراجح حرم النظر إلى المنقبة التي لا يبين منها غير عينيها ومحاجرها، أي ما دار بهما كما بحثه الأذرعي لا سيَّما إذا كانت جميلة) (١) انتهى. وانظر كيف يحتاطون وبخاصة عند جمال المراة أو شبابها أو وهي منقبة وبخاصة عند فساد الأزمان، وانظر كيف فهم الرملي مقصد القاضي عياض وكيف كان رده ونقاشه معه، فقوله (خلاف الأولى) أي أنه من الأولى خروجها مستترة ولو في عدم وجود الرجال وعلى هذا فيكون غض البصر في الحديث هو عن المرأة المنقبة، كما قال:

стр. 411

(وحيث قيل بالتحريم وهو الراجح حرم النظر إلى المنقبة التي لا يبين منها غير عينيها ومحاجرها) فالتحريم حتى في النظر للمنقبة، ولا يلزم منه ما فهمه القاضي عياض لكيفية حصول نظرة الفجأة حتى يقال بجواز خروجهن مكشوفات الوجوه عند خلو الطريق من الرجال. ١٥ - قال في مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج من "كتاب النكاح": (وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إلى عَوْرَةِ حُرَّةٍ كَبِيرَةٍ أجنبيةٍ وَكَذَا وَجْهُهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ وَكَذَا عَنْدَ الأمن عَلَى الصَّحِيحِ) (١) قال الشارح: (عَلَى الصَّحِيحِ) وَوَجَّهَهُ الإمام بِاتِّفَاقِ المسلمين عَلَى مَنْعِ النِّسَاءِ مِنْ الخروج سافرات الْوُجُوهِ، وَبِأن النَّظَرَ مَظِنَّةٌ لِلْفِتْنَةِ وَمُحَرِّكٌ لِلشَّهْوَةِ ... وَظَاهِرُ كلام الشَّيْخَيْنِ (٢) أن السِّتْرَ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ فَلا يَتَأَتَّى هَذَا الْجَمْعُ وَكلام الْقَاضِي ضَعِيفٌ، وَحَيْثُ قِيلَ بِالْجَوَازِ كُرِهَ وَقِيلَ: خِلَافُ الأولى، وَحَيْثُ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ وَهُوَ الرَّاجِحُ هَلْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلى المنتقبة التي لا يَتَبَيَّنُ مِنْهَا غَيْرُ عَيْنَيْهَا وَمَحَاجِرِهَا أو لا؟ . قَالَ الأذرَعِيُّ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ أنهُ لا فَرْقَ (٣)، لا سِيَّمَا إذا كانت جَمِيلَةً فَكَمْ فِي المحاجر مِنْ خَنَاجِر) انتهى. ١٦ - وقال الشيخ يوسف بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي: (ولا يجوز للرجل النظر إلى أجنبية إلا العجوز الكبيرة التي لا تشتهى

стр. 412

مثلها والصغيرة التي ليست محلًا للشهوة ويجب عليه صرف نظره عنها، ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت) (١) انتهى. وقوله: (ويجب عليه صرف نظره عنها) هو تماماً نفس كلام القاضي: (ويجب على الرجل غض البصر عنها في جميع الأحوال إلا لغرض شرعي) أي سواء خرجت كاشفة معتقدة خلو الطريق من نظر الرجال إليها أو كانت مستترة فلا يجوز أيضا النظر إليها وتأملها من خلف جلبابها ولو بدون شهوة، كما قاله الكثيرون من أهل العلم، أما مع الشهوة يتأملها من خلف حجابها فهذا باتفاق عندهم حرام. ومع ذلك قال هنا بعده: (ويجب عليها ستر وجهها إذا برزت) ولتعلم أن مقصد القاضي هو نفسه ما قاله غيره في سير المرأة في طريقها حيث لا يوجد رجال ولا فتنة ولا شهوة ومثله: ١٧ - قال في البحر الرائق شرح كنز الدقائق - حنفي- في المحرمه (والمراد بكشف الوجه عدم مماسة شيء له فلذا يكره لها أن تلبس البرقع لأن ذلك يماس وجهها، كذا في المبسوط، ولو أرخت شيئا على وجهها وجافته لا بأس به، كذا ذكر الأسبيجابي، لكن في فتح القدير أنه يستحب وقد جعلوا لذلك أعوادا كالقبة توضع على الوجه وتستدل من فوقها الثوب، وفي فتاوى قاضي خان، ودلت المسألة على أنها لا تكشف وجهها للأجانب من غير ضرورة. ا. هـ. وهو يدل على أن هذا الإرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها إن كان المراد لا يحل أن تكشف فمحمل الاستحباب عند عدمهم وعلى أنه عند عدم

стр. 413

الإمكان فالواجب من الأجانب غض البصر, لكن قال النووي في شرح مسلم قبيل كتاب السلام في قوله: «سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري» قال العلماء وفي هذا حجة أنه لا يجب على المرأة أن تستر وجهها في طريقها, وإنما ذلك سنة مستحبة لها ويجب على الرجال غض البصر عنها إلا لغرض شرعي. ا. هـ. وظاهره نقل الإجماع فيكون معنى ما في الفتاوى لا ينبغي كشفها, وإنما لا تجهر بالتلبية لما أن صوتها يؤدي إلى الفتنة على الصحيح أو عورة على ما قيل كما حققناه في شروط الصلاة) (١) انتهى. وانظر لقول الإمام من أتباع أبي حنيفة النعمان - عليهم رحمة الله - حيث قال: (وهو يدل على أن هذا الإرخاء عند الإمكان ووجود الأجانب واجب عليها) فدل على ما سبق وقلناه من أن قول من قال أن الوجه ليس بعورة لا يلزم منه عندهم عدم وجوب ستره، وكذلك يدل على أن الإجماع على ستر المحرمة لوجهها عند وجود الأجانب أوجب من إجماعهم على كشفه للإحرام وهذا باتفاقهم جميعا. ١٨ - وقال في المنتقى شرح الموطأ للإمام الباجي المالكي: (مسألة: إذا ثبت ذلك فعلى المرأة أن لا تلبس مواضع الإحرام منها مخيطا يختص به والذي يختص بالوجه من المخيط النقاب والبرقع والذي يختص بالكفين القفازان فوجب على المرأة أن تعريهما من ذلك ويستحب لها أن تعريهما من غير ذلك من اللباس فإن أدخلت يديها في قميصها فلا شيء عليها؛ لأن ذلك لا يختص بها ولا سبيل إلى

стр. 414

الاحتراز منه وبالله التوفيق. قولها: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات تريد أنهن كن يسترن وجوههن بغير النقاب على معنى التستر؛ لأن الذي يُمنع النقاب أو ما يجري مجراه على ما ذكرناه، وإضافة ذلك إلى كونهن مع أسماء بنت أبي بكر؛ لأنها من أهل العلم والدين والفضل وأنها لا تقرهن إلا على ما تراه جائزا عندها ففي ذلك إخبار بجوازه عندها وهي ممن يجب لهن الاقتداء بها وإنما يجوز أن يخمرن وجوههن على ما ذكرنا بأن تسدل ثوبا على وجهها تريد الستر ولا يجوز أن تسدله لحر ولا لبرد فإن فعلت ذلك فعليها الفدية) انتهى. والمقصد مما تقدم هو التنبيه فيما يختلفون وحديث عائشة وأسماء وفاطمة بنت المنذر وغيرها دليل على كشفهن في الطريق ولا رجال وهو كافٍ لبيان مقصد ومراد الأئمة كالقاضي عياض وغيره ودليل لمن ذهب لمثل هذا القول من جواز كشف المرأة لوجهها حيث لا رجال يرونها وهو أيضا رد لشبهة أهل السفور ولم يقل أحد من المتقدمين أن حديث جرير أو عائشة أو كلام القاضي عياض يدل على عدم وجوب ستر المرأة لوجهها أو أن سترها لوجهها عند الرجل سنة ومستحب، وإنما قالوا في طريقها. أو كما قال ابن مفلح للأجنبيات كنحو إماء الغير أو الأجنبيات من الكافرات، فتنبه للفرق الشاسع بين ما يختلفون فيه وبين ما يقوله وينسبه لهم دعاة السفور اليوم، حيث أنهم لو قصدوا وأرادو النساء المسلمات الحرائر لما صعب عليهم ذلك ولما أستدل ابن مفلح بمثل ما استدلوا به من إنكار عمر بن الخطاب ﵁ على الإماء التستر والتشبه بالحرائر أو استدلالهم في المسألة بحديث المكاتب ونحو ذلك، مما هو

стр. 415

بعيد جداً عن استدلالات أهل السفور اليوم، ولصرحوا به أبلغ تصريح كما صرحوا في آية الإدناء وغيرها بأنها الأمر للنساء الحرائر بستر وجوههن وهذا غاية ما عند أهل السفور من الأدلة لينصروا مذهبهم بأدنى الاحتمالات والأوهام والشبه، أليس في أقوال المتقدمين قول صريح لما يريدونه حتى لووا أعناق الأدلة وأقوال أهل العلم لتوافق أهوائَهم، ولو أدى ذلك لتحريفها وتبديلها وتصحيفها من غير أن يشعروا. ويكفيك أن تعلم أن كل ما قالوه وفهموه وفسروه على أنها أدلة من الكتاب والسنة على سفور وجه المرأة المسلمة لم يكن لهم في ذلك القول والفهم والتفسير سلف. ولم تُثَرْ هذه البلبلة والشبه إلا حديثا، فليس في أقوال المتقدمين ما يخالف وجوب ستر المرأة لوجهها بل العكس كما هي النقول عنهم هنا عن أجلة الأعلام فمن بقي لهم؟ فكان في موضع ما ادعاه القوم رد على باطلهم لو يعلمون.

стр. 416

الشبهة المثارة من أهل السفور عن مالك في جواز مؤاكلة المرأة للرجل قال الشيخ الألباني في الرد المفحم: (سئل مالك: هل تأكل المرأة مع غير ذي محرم منها أو مع غلامها؟ فقال مالك: ليس بذلك بأس إذا كان ذلك على وجه ما يُعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال قال: وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله) انتهى كلامه. وطبقه على ما يقوله الشيخ محمد الألباني غفر الله لنا وله كما في كتابه الآخر جلباب المرأة) جزء ١ صفحة ٧٨) فقال: (ويؤيد ذلك قوله تعالى في صدر الآية المتقدمة: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ... وقل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ... ﴾ [النور: ٣١ - ٣٢]. فإنها تشعر بأن في المرأة شيئاً مكشوفاً يمكن النظر إليه فلذلك أمر تعالى بغض النظر عنهن وما ذلك غير الوجه والكفين (إلخ كلام الشيخ الألباني. وسبحان الله أتؤخذ أحكام الله وكشف عورات المسلمات بمثل هذه الأدلة من الاستشعارات؟ وترد وتُأوَّل الآيات والأحاديث المحكمات وأقوال الأئمة العظماء والمفسرين الكبار حتى لا نعلم أحدا من أهل العلم - أي أحد - قال بقولهم في السفور. فكيف ينقل مثل هذا الكلام بهذا الفهم الخطير ثم يقول بغض البصر هذه مصيبة، هذا والله هو نفس ما يدعو له أهل الفساد، فكيف يفهم من كلام

стр. 417

الإمام مالك أنه يأكل مع المرأة الأجنبية والتي يجب عليه أن يغض بصره عنها هذا فهم خاطيء وخطير لكلام الأئمة ومتناقض مع بقية أقوالهم جميعا، فهل معناه أن يأكل من قفاه ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقول الإمام الشاطبي ﵀: (إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال، والدليل على ذلك أمور ... - ثم ذكرها - إلى أن قال: وهذا الموضع كثير الفائدة عظيم النفع بالنسبة إلى المتمسك بالكليات إذا عارضتها الجزئيات وقضايا الأعيان، فإنه إذا تمسك بالكلّي كان له الخيرة في الجزئي في حمله على وجوه كثيرة، فإن تمسك بالجزئي لم يمكنه مع التمسك الخيرة في الكلي فثبت في حقه المعارضة ورمت به أيدي الإشكالات في مهأو بعيدة، وهذا هو أصل الزيغ والضلال في الدين؛ لأنه اتباع للمتشابهات وتشكك في القواطع المحكمات) (١). هذا والله قول لا سلف له بل هو الشذوذ والغرابة وزلة منه ﵀، كقوله في تحريم الذهب المحلق (٢)، وكقوله في أن المحرم لو تحلل يوم العاشر وخلع إحرامه ولم يطف بالبيت في نفس يومه ذلك، رجع عليه

стр. 418

إحرامه مرة أخرى ووجب عليه لبسه كما كان محرما، وهذا بناء على حديث ليس عليه العمل عند أهل العلم كما قال ذلك ابن حزم الظاهري في كتابه المُحَلى "من كتاب الحج" - مع ظاهريته - ولم يأخذ به ولا بمذهب السفور لمخالفته للإجماع. وكأن الشيخ الألباني كلما قرأ شيئا من خلاف المتقدمين حمله على فهمه ولو كان يعارضه من وجه آخر، فهو يقول بغض البصر عن وجه المرأة الكاشفة ثم يستدل بجواز مؤاكلتها ويفهم من سؤال مالك أنها كاشفة عن وجهها أو تؤاكل من لا يحل له النظر إليها! . وبالتالي فكلام الألباني في الحجاب نظري متناقض من وجوه عديدة لا يمكن تطبيقه أبداً وفيه من النقولات والنسب الغير صحيحة الكثير جداً ولا داعي هنا لذكرها إلا إذا طمسنا كلام أهل العلم مجاملة لخطأ الشيخ ﵀. وطبقه على أقوال رسول الله ﷺ وأهل العلم عند شرحهم لحديث نظر الفجأة السابق والمعروف وغيره حيث قالوا: (أي البغتة) (وفاجأه إذا جاء بغتة من غير تقدم سبب) (اصرف بصرك والصرف أن يفتله إلى الشق الآخر والناحية الأخرى) (أي النظرة الأولى إذا كانت من غير قصد) (١) وطبقه على أقوال مالك الذي اشتهرت عنه من منع الخاطب من النظر لمن أراد خطبتها وغيره ممن مروا معنا هل هذا ما قصده أولئك الأئمة الأعلام ممن ألَّفوا وكتبوا وشرحوا وحققوا طوال أربعة

стр. 419

عشر قرناً هل جاء عنهم أن غض البصر في الآية والأحاديث لأن وجه النساء مكشوف وعلى الرجال غض البصر منه؟ لو كان كذلك لظهر لنا أناس رقابهم معكوسة وأعينهم محولَّة، لأنه إن كان الصحابي الفضل بن عباس ينظر للنساء وهو برفقة رسول الله ﷺ فلا يحملوه إلا على أن وجوه النساء مكشوفة، ونحن نرى اليوم أننا ما سلمنا والنساء مغطيات وجوههن من الرجال ووقعت من العجائب والغرائب القبيحة من غازل في طريقه العجائز بل وذوي أرحامه وهو لا يدري، وأما لو طبقناه اليوم على قول الألباني من جواز كشف النساء لوجوههن وأنه ألزم الرجال بغض البصر عنهن فكم من حوادث المركبات والطرقات وجرائم الاغتصاب والفواحش التي ما سلمت منها بلاد الغرب مع كامل الحرية والإباحية التي عندهم ومع ذلك فإلاحصائيات مفجعة ومرعبة! كما أن في سؤال مالك ذكر (غلامها) وقوله: (وقد تأكل المرأة مع زوجها ومع غيره ممن يؤاكله) فيمكن أن يكون أيضا غلام زوجها أو غلامها أو غيره من العبيد العاملين معه أو ابن زوجها ونحو ذلك، كما يدل عليه نص السوال الموجه لمالك، أو يكون من الرجال غير ذوي الإربة بدليل قوله: (على وجه ما يُعرف للمرأة أن تأكل معه من الرجال)، فعن عائشة ﵂ قالت: (كان يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث، قالت: وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي ﷺ يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة، قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال النبي ﷺ : أرى هذا يعرف ما ههنا لا يدخُلَنَّ عليكم هذا فحجبوه) رواه أحمد ومسلم.

стр. 420

وهذا من دقة وعلم الأئمة في الإفتاء واستحضارهم للنصوص الشرعية العديدة، حتى أنه ذكر (زوجها)! ! فكيف بغيره ممن ذكرهم الله في قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبَائِهِنَّ أو آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أبنائهن أو أبناء بُعُولَتِهِنَّ أو إخوانهن أو بَنِي إخوانهن أو بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أو نِسَائِهِنَّ أو مَا مَلَكَتْ أيمَانهُنَّ أو التَّابِعِينَ غَيْرِ أولِي الإربة مِنَ الرِّجَالِ أو الطِّفْلِ الذين لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عورات النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بأرجلهن لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيها المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. كما أن المرأة في بعض الأوقات تكون مع زوجها ومع ضيق البيوت أو سفرهم للحج أو نحو ذلك فتجمعهم الحاجة في مكان مزدحم مع إخوانه أو قرابته أو خارج البيت ويصعب تفرقهم في الأكل فيأكلون جميعا لضيق البيوت أو الأماكن أو الوقت فما المانع وهي مستترة مغطية وجهها، هذا يحصل في أحيان كثيرة في بيوتنا وبين أسرنا وفي حلنا وترحالنا فتأكل المرأة من تحت نقابها مرة من المرات وحينا من الأحيان بسبب بعض الظروف، فمن قال أن مالكا لم يقصد ممن جاز له أن يرى وجهها بدليل قوله مع زوجها وغلامها أو غيرهم من العبيد أو الرجال الجائز أن تكشف المرأة وجهها لهم كابن زوجها أو نحوه، أو قصد أنها وهي مستترة الوجه كما تضطر المرأة لذلك في بعض الأحيان، فكل ذلك جائز وممكن أفلا يكون إلا ما حرمه الله ورسوله ﷺ وما يناقض أقوال مالك نفسه وما نقلت عنه بكثرة؟ .

стр. 421

أ- كما قال في مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل - المالكي- "كتاب النكاح" (فصل: نُدب لمحتاج ذي أهبة نكاح بكر): (فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَجُوزُ النَّظَرُ لِلشَّابَّةِ الأجنبية الْحُرَّةِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: لِلشَّاهِدِ وَلِلطَّبِيبِ وَنَحْوِهِ وَلِلْخَاطِبِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ عَدَمُ جَوَازِهِ لِلْخَاطِبِ) انتهى. وقد سبق معنا بتمامه. ب- وقال صاحب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - حنفي- في (جواز النظر إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها فجوزه الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ﵏ مطلقاً أذنت المرأة أم لم تأذن لحديثي جابر والمغيرة المذكورين في أول الحسان وجوزه مالك بإذنها وروى عنه المنع مطلقاً) انتهى. ونحن نعلم أن مالكا لا يصل به القول بالمنع مطلقاً ولكن حرص ﵀ على عدم تساهل الناس بالرخص وكشفهم لحرمات الله لكل عابث ولَاهٍ ونحو ذلك من مقاصد العلماء الأجلاء، فكيف يقال عنه جواز مؤاكلة المرأة الأجنبية بلا سبب مبيح؟ . أفيقال أن مالكاً عالم المدينة وتلميذ الصحابة يقول بمخالطة الأجنبيات ومؤاكلتهن بالمعنى الفاسد والمريب الذي يقوله أهل السفور اليوم وينقلون أن الباجي قال: "يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها"، وهذا غلط على الباجي ... فقد أشار العبدري أنها عبارة ابن القطان وأبقاها الباجي على ظاهرها وبكل الأحوال نقول سبحان الله أتترك الشريعة وكلام المئات من الأئمة

стр. 422

بمثل هذه الشبه أو لمثل كلام قاله الباجي ﵀ أو غيره، غير واضح الدلالة، لا ندري ما قصد صاحبه وما مراده، وهل هو يقصد في حالة الحاجة والضرورة أو يقصد الرجال ممن جاز نظرهم لها كغلامها وابن زوجها ونحوهم كما قاله مالك بنفسه وهل نقله النساخ عنهم بتمامه، يا سبحان الله؟ ! والحق ان نحمل كلامهم على من ذكرهم الله في الآية الكريمة السابقة أو عند الحاجة والضرورة أو بما عناه صاحب الكلام الأصلي الإمام مالك شيخ المذهب بنص العبارة (زوجها) و (من يؤاكله) و (غلامها) ونحوهم ممن (يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال)، ولو فهم مالك من السائل الأجانب لما قال (زوجها) و (من يؤاكله) و (غلامها) وسكت فلم يزد وهو يريد بيان جواز مؤكلة الأجنبي كما يدعيه أهل السفور، فأين ورد قوله الأجانب؟ . فمقصدهم على ظاهره من جاء في سؤال مالك وجوابه وهم (غلامها) و (زوجها) ونحوهم (على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال) ولو سمحوا اليوم للأجنبي بمؤكلة المرأة فمن الذي أبقوه لا (يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال)، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولهذا فإنه لا يسلم ولا يستقيم لهم ما أرادوه، إلا بتحريف وتبديل كلام أهل العلم ليبدو متناقضاً من وجوه، فردوا المحكمات بمثل هذه من قضايا الأعيان وحكايات الأحوال فرمت بهم أيدي الإشكالات في مهاو بعيدة، وقد مر معنا مثل هذه الشبهات، وبينا بحمد الله تهافتها.

стр. 423

قول أهل السفور نتيجة حتمية لما هو الحاصل اليوم: ومن ذا يرضى أن تؤاكل ابنته أو زوجته أو أخته أجنبياً عنها، هذا أقل ما يقال فيه أنه ديوث لا يبالي بأحكام الشرع أو لا يعرف أحكامه ومقاصده ومراميه، وهذه نتيجة حتمية لما يقوله اليوم دعاة السفور تشاهدها فيهم وفي غالب النساء السالكات لطريقتهم، من تساهلهم وانفلاتهم عن كثير من أحكام الشريعة الظاهرة والمُحكمة كالأمر لهن بلبس الجلابيب فوق الثياب، وشيئاً فشيئاً إلى وقوعهم في كثير من المنكرات الواضحات من كشفهن لمقدمة شعورهن والاختلاط بالرجال وغير ذلك على اختلاف درجاتها، وصار حجابهن أُلعوبة في أيدي مصممات الأزياء في بلاد الكفر يصممون للمرأة المسلمة حجاباً خاصاً لتسبح به بين الرجال وحجاباً لتلعب به كرة القدم وبقية الألعاب الرياضية كالجمباز وغيرها أمام ناظر الرجال وبحجة أنها غطت رأسها، وخرج منهن أخريات للشوارع بالبنطلونات والتنورات بحجة أنهن مغطيات لرؤوسهن بالحجاب الشرعي، وأحوال الكاشفات لوجوههن ومآلهن للأسوأ والضعف فتجدهن لا يشعرن بلذة الطاعة ولا بطمأنينة المسلمة ولهذا فأغلب الكاشفات لشعورهن عندما يهتدين لمثل هذا الحجاب فإنهن أسرع ما ينتكسن تدريجياً ومن ثم يرمين بهذه الخرقة من فوق رؤوسهن، بعكس غالب المنقبات فمآلهن لحب الستر والتصون والطمأنينة والسكون، حتى أنه يُذكر عن إحدى الأخوات المصريات المنقبات عندما لبست قفازها وصادف أنه في أحد أصابعه قطع فظهر بنانها فقالت بلهجتها: أنه كلما ظهر بنانها تحسُ وكأنها تسير

стр. 424

عارية، فانظر كيف أوصل الحجاب الشرعي المسلمة لمحبته ووجود السكينة والطمأنينة التي تشعر بها وتفرح لها مصداقا لقوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ قال الإمام البغوي: (قرأ أهل المدينة وعاصم بفتح القاف (وقَرن) بمعنى اقررن أي الزمن بيوتكن، وقرأ الآخرون بكسرها (وقِرن) وهو أنه أمر من الوقار أي كن أهل وقار وسكون إذا سكن واطمأن) انتهى كلامه بتصرف. والمعنيان حق وإعجاز، وهو أن يكون البيت هو الغالب من حال المسلمة، ليكون ذلك سببا لتنعم بالسكون والوقار والطمأنينة. ولهذا والله لو سردنا أقوال أهل العلم في مثل تحريم النظر وما دونه لأطرقتَ حياء وخجلا مما يقوله أهل السفور اليوم عن مالك إمام دار الهجرة فضلا عن غيره، ولا حول ولا قوة إلا بالله: ١ - قال في الثمر الدانى في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبى زيد القيرواني - مالكي-: (ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام فيستحب له أن يصليها منفردا، وإذا خرجت المرأة إليها لا تلبس المشهور من الثياب وهو ما شأنه أن ترقب الناس له ولا تتطيب خوف الفتنة أي يحرم فعل ذلك إن كان الخوف ظنا، ويكره إن كان شكا والعجوزة وغيرها في هذا سواء) (١) انتهى.

стр. 425

وانظر قوله في ثيابها (ترقب الناس له) هل يلتفت لهذا ويقوله من يعتقد أن المرأة تخرج كاشفة عن وجهها فضلاً عن أن تأكل معهم (ولا تتطيب خوف الفتنة أي يحرم) (والعجوزة وغيرها في هذا سواء). ٢ - وقال أيضاً في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني المالكي: (تنبيهات): (الأول: ما ذكره المصنف إنما هو في حق العاطس الرجل المسلم والمرأة المَحَرمُ أو الأجنبية المتجالَّة (١) أو ما في معناها مما لا تميل إليها النفوس، وأما الشابة التي يخشى منها الفتنة إذا سمعها الرجل الأجنبي تعطس وسمع حمدها فلا يشمتها كما لا يرد سلامها) انتهى. قوله (إذا سمعها الرجل الأجنبي) لم يقل إذا رآها، فلم يكونوا يتصورون شيئا اسمه سفور وكشف للمرأة وجهها بين الرجال. ٣ - وقال في حاشية الطحاوي على المراقي - حنفي - (كتاب الحج): (وفي الفتاوى: الغلام إذا كان صبيح الوجه لا يخرجه الأب من بيته وإن كان بالغاً، كما لا يخرج بنته لأن البنت يشتهيها الرجال فقط والأمرد إن كان صبيح الوجه يشتهيه الرجال والنساء معاً فالفتنة فيه من الجانبين). ٤ - وقال أيضاً في حاشية الطحاوي على المراقي - حنفي - فصل: في كيفية ترتيب أفعال الحج عند كلامه على التلبية: (قوله: ولا ترفع صوتها بل تسمع نفسها للفتنة) انتهى. وهم يريدونها تجلس مع الرجل تحرك فمها وتؤاكله وتباشره وتحادثه!
следующие страницы →