أ- كما قال في مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل - المالكي- "كتاب النكاح" (فصل: نُدب لمحتاج ذي أهبة نكاح بكر):
(فَرْعٌ) قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: يَجُوزُ النَّظَرُ لِلشَّابَّةِ الأجنبية الْحُرَّةِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: لِلشَّاهِدِ وَلِلطَّبِيبِ وَنَحْوِهِ وَلِلْخَاطِبِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ عَدَمُ جَوَازِهِ لِلْخَاطِبِ) انتهى. وقد سبق معنا بتمامه.
ب- وقال صاحب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - حنفي-
في (جواز النظر إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها فجوزه الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق ﵏ مطلقاً أذنت المرأة أم لم تأذن لحديثي جابر والمغيرة المذكورين في أول الحسان وجوزه مالك بإذنها وروى عنه المنع مطلقاً) انتهى.
ونحن نعلم أن مالكا لا يصل به القول بالمنع مطلقاً ولكن حرص ﵀ على عدم تساهل الناس بالرخص وكشفهم لحرمات الله لكل عابث ولَاهٍ ونحو ذلك من مقاصد العلماء الأجلاء، فكيف يقال عنه جواز مؤاكلة المرأة الأجنبية بلا سبب مبيح؟ .
أفيقال أن مالكاً عالم المدينة وتلميذ الصحابة يقول بمخالطة الأجنبيات ومؤاكلتهن بالمعنى الفاسد والمريب الذي يقوله أهل السفور اليوم وينقلون أن الباجي قال: "يقتضي أن نظر الرجل إلى وجه المرأة وكفيها مباح لأن ذلك يبدو منها عند مؤاكلتها"، وهذا غلط على الباجي ... فقد أشار العبدري أنها عبارة ابن القطان وأبقاها الباجي على ظاهرها وبكل الأحوال نقول سبحان الله أتترك الشريعة وكلام المئات من الأئمة
стр. 422
بمثل هذه الشبه أو لمثل كلام قاله الباجي ﵀ أو غيره، غير واضح الدلالة، لا ندري ما قصد صاحبه وما مراده، وهل هو يقصد في حالة الحاجة والضرورة أو يقصد الرجال ممن جاز نظرهم لها كغلامها وابن زوجها ونحوهم كما قاله مالك بنفسه وهل نقله النساخ عنهم بتمامه، يا سبحان الله؟ ! والحق ان نحمل كلامهم على من ذكرهم الله في الآية الكريمة السابقة أو عند الحاجة والضرورة أو بما عناه صاحب الكلام الأصلي الإمام مالك شيخ المذهب بنص العبارة (زوجها) و (من يؤاكله) و (غلامها) ونحوهم ممن (يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال)، ولو فهم مالك من السائل الأجانب لما قال (زوجها) و (من يؤاكله) و (غلامها) وسكت فلم يزد وهو يريد بيان جواز مؤكلة الأجنبي كما يدعيه أهل السفور، فأين ورد قوله الأجانب؟ .
فمقصدهم على ظاهره من جاء في سؤال مالك وجوابه وهم (غلامها) و (زوجها) ونحوهم (على وجه ما يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال) ولو سمحوا اليوم للأجنبي بمؤكلة المرأة فمن الذي أبقوه لا (يُعرفُ للمرأة أن تأكل معه من الرجال)، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولهذا فإنه لا يسلم ولا يستقيم لهم ما أرادوه، إلا بتحريف وتبديل كلام أهل العلم ليبدو متناقضاً من وجوه، فردوا المحكمات بمثل هذه من قضايا الأعيان وحكايات الأحوال فرمت بهم أيدي الإشكالات في مهاو بعيدة، وقد مر معنا مثل هذه الشبهات، وبينا بحمد الله تهافتها.
стр. 423
قول أهل السفور نتيجة حتمية لما هو الحاصل اليوم:
ومن ذا يرضى أن تؤاكل ابنته أو زوجته أو أخته أجنبياً عنها، هذا أقل ما يقال فيه أنه ديوث لا يبالي بأحكام الشرع أو لا يعرف أحكامه ومقاصده ومراميه، وهذه نتيجة حتمية لما يقوله اليوم دعاة السفور تشاهدها فيهم وفي غالب النساء السالكات لطريقتهم، من تساهلهم وانفلاتهم عن كثير من أحكام الشريعة الظاهرة والمُحكمة كالأمر لهن بلبس الجلابيب فوق الثياب، وشيئاً فشيئاً إلى وقوعهم في كثير من المنكرات الواضحات من كشفهن لمقدمة شعورهن والاختلاط بالرجال وغير ذلك على اختلاف درجاتها، وصار حجابهن أُلعوبة في أيدي مصممات الأزياء في بلاد الكفر يصممون للمرأة المسلمة حجاباً خاصاً لتسبح به بين الرجال وحجاباً لتلعب به كرة القدم وبقية الألعاب الرياضية كالجمباز وغيرها أمام ناظر الرجال وبحجة أنها غطت رأسها، وخرج منهن أخريات للشوارع بالبنطلونات والتنورات بحجة أنهن مغطيات لرؤوسهن بالحجاب الشرعي، وأحوال الكاشفات لوجوههن ومآلهن للأسوأ والضعف فتجدهن لا يشعرن بلذة الطاعة ولا بطمأنينة المسلمة ولهذا فأغلب الكاشفات لشعورهن عندما يهتدين لمثل هذا الحجاب فإنهن أسرع ما ينتكسن تدريجياً ومن ثم يرمين بهذه الخرقة من فوق رؤوسهن، بعكس غالب المنقبات فمآلهن لحب الستر والتصون والطمأنينة والسكون، حتى أنه يُذكر عن إحدى الأخوات المصريات المنقبات عندما لبست قفازها وصادف أنه في أحد أصابعه قطع فظهر بنانها فقالت بلهجتها: أنه كلما ظهر بنانها تحسُ وكأنها تسير
стр. 424
عارية، فانظر كيف أوصل الحجاب الشرعي المسلمة لمحبته ووجود السكينة والطمأنينة التي تشعر بها وتفرح لها مصداقا لقوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾ قال الإمام البغوي: (قرأ أهل المدينة وعاصم بفتح القاف (وقَرن) بمعنى اقررن أي الزمن بيوتكن، وقرأ الآخرون بكسرها (وقِرن) وهو أنه أمر من الوقار أي كن أهل وقار وسكون إذا سكن واطمأن) انتهى كلامه بتصرف.
والمعنيان حق وإعجاز، وهو أن يكون البيت هو الغالب من حال المسلمة، ليكون ذلك سببا لتنعم بالسكون والوقار والطمأنينة.
ولهذا والله لو سردنا أقوال أهل العلم في مثل تحريم النظر وما دونه لأطرقتَ حياء وخجلا مما يقوله أهل السفور اليوم عن مالك إمام دار الهجرة فضلا عن غيره، ولا حول ولا قوة إلا بالله:
١ - قال في الثمر الدانى في تقريب المعاني شرح رسالة ابن أبى زيد القيرواني - مالكي-: (ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام فيستحب له أن يصليها منفردا، وإذا خرجت المرأة إليها لا تلبس المشهور من الثياب وهو ما شأنه أن ترقب الناس له ولا تتطيب خوف الفتنة أي يحرم فعل ذلك إن كان الخوف ظنا، ويكره إن كان شكا والعجوزة وغيرها في هذا سواء) (١) انتهى.
стр. 425
وانظر قوله في ثيابها (ترقب الناس له) هل يلتفت لهذا ويقوله من يعتقد أن المرأة تخرج كاشفة عن وجهها فضلاً عن أن تأكل معهم (ولا تتطيب خوف الفتنة أي يحرم) (والعجوزة وغيرها في هذا سواء).
٢ - وقال أيضاً في الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني المالكي: (تنبيهات):
(الأول: ما ذكره المصنف إنما هو في حق العاطس الرجل المسلم والمرأة المَحَرمُ أو الأجنبية المتجالَّة (١) أو ما في معناها مما لا تميل إليها النفوس، وأما الشابة التي يخشى منها الفتنة إذا سمعها الرجل الأجنبي تعطس وسمع حمدها فلا يشمتها كما لا يرد سلامها) انتهى.
قوله (إذا سمعها الرجل الأجنبي) لم يقل إذا رآها، فلم يكونوا يتصورون شيئا اسمه سفور وكشف للمرأة وجهها بين الرجال.
٣ - وقال في حاشية الطحاوي على المراقي - حنفي - (كتاب الحج): (وفي الفتاوى: الغلام إذا كان صبيح الوجه لا يخرجه الأب من بيته وإن كان بالغاً، كما لا يخرج بنته لأن البنت يشتهيها الرجال فقط والأمرد إن كان صبيح الوجه يشتهيه الرجال والنساء معاً فالفتنة فيه من الجانبين).
٤ - وقال أيضاً في حاشية الطحاوي على المراقي - حنفي -
فصل: في كيفية ترتيب أفعال الحج عند كلامه على التلبية: (قوله: ولا ترفع صوتها بل تسمع نفسها للفتنة) انتهى.
وهم يريدونها تجلس مع الرجل تحرك فمها وتؤاكله وتباشره وتحادثه!
стр. 426
٥ - وقال في شرح مختصر خليل للخرشي - مالكي - عند كلامه على الإحرام: (وكذلك يسن له أن يتوسط في التلبية فلا يكثرها جداً حتى يلحقه الضجر ولا يتركها جدا حتى يفوت المقصود منها وهو الشعيرة وهذا في حق الرجل وأما المرأة فإنها تسمع نفسها؛ لأن صوتها عورة يخاف منه الفتنة).
ثم يقولون أن شيخ المذهب يقول بمؤكلة المرأة للاجنبي عنها.
٦ - وقال في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع - حنفي - (فصل): وأما بيان شرائط الجمعة: (وأما المرأة فلأنها مشغولة بخدمة الزوج ممنوعة عن الخروج إلى محافل الرجال لكون الخروج سببا للفتنة؛ ولهذا لا جماعة عليهن ولا جمعة عليهن أيضا) انتهى.
٧ - وقال في تحفة الفقهاء - حنفي - "كتاب أدب القاض"
(وينبغي أن يقدم الرجال على حدة، والنساء على حدة، الأول فالأول. ولا يخلط النساء بالرجال لأنه سبب للفتنة) انتهى.
٨ - وكذلك قال في المبسوط - حنفي - "كتاب أدب القاضي"
(قال وينبغي للقاضي أن يقدم النساء على حدة والرجال على حدة؛ لأن الناس يزدحمون في مجلسه، وفي اختلاط النساء مع الرجال عند الزحمة من الفتنة والقبح ما لا يخفى ولكن هذا في خصومة يكون بين النساء فأما الخصومة التي تكون بين الرجال والنساء لا يجد بدا من أن يقدمهن مع الرجال وأن يجعل لكل فريق يوما على قدر ما يرى من كثرة الخصوم فلا بأس بذلك؛ لأنه إذا تركهم يزدحمون على بابه وربما
стр. 427
يقتتلون على ذلك وفيه من الفتنة ما لا يخفى فيجعل ذلك مناوبة بينهم بالأيام ليعرف كل واحد يوم نوبته فيحضر عند ذلك) انتهى.
ولا أدري كيف يكون الرجال على حدة، وأهل السفور ينسبون لهم أنهم قالوا بجواز مؤكلة الرجال الأجانب للمرأة، فكم بينهم من البون الشاسع؟ .
٩ - تحفة المحتاج لشرح المنهاج للإمام النووي - شافعي - ... "كتاب النكاح" (قال السبكي وعند نكاحها لا بد أن يعرفها الشاهدان بالنسب، أو يكشف وجهها، لأن التحمل عند النكاح منزل منزلة الأداء. ا. هـ. وفي ذلك بَسطٌ ذَكرته في الفتاوى ويأتي بعضه, ولو عرفها الشاهدان في النقاب لم يحتج للكشف فعليه يحرُم الكشف حينئذ إذ لا حاجة إليه ومتى خشي فتنة أو شهوة لم ينظر إلا إن تعين قال السبكي ومع ذلك يأثم بالشهوة وإن أثيب على التحمل; لأنه فعل ذو وجهين وقال بعضهم: ينبغي الحل مطلقا; لأن الشهوة أمر طبيعي لا ينفك عن النظر فلا يكلف الشاهد بإزالتها ولا يؤاخذ بها كما لا يؤاخذ الزوج بميل قلبه لبعض نسوته والحاكم بميل قلبه لبعض الخصوم ... فلا يجوز أن يجاوز ما يحتاج إليه; لأن ما حل لضرورة يقدر بقدرها ومن ثم قال الماوردي: لو عرفها الشاهد بنظرة لم تجز ثانية أو برؤية بعض وجهها لم يجز له رؤية كله) انتهى.
стр. 428
١٠ - وقال أيضا في تحفة المحتاج لشرح المنهاج - شافعي - ... " كتاب النكاح") تنبيه كل ما حرُم نظره منه أو منها متصلا حرم نظره منفصلا (قوله كقلامة يد أو رجل) ... وقياس وجوب مواراة قلامة ظفر قدم المرأة لحرمة النظر إليه، وجوب مواراة قلامة ظفر الرجل لحرمة نظر المرأة إليها، قال في الأنوار ولو أبين شعر الأمة أو ظفرها ثم عتقت لم يحرم النظر إليه، لأن العتق لا يتعدى إلى المنفصل. ا. هـ. وهو مبني على أن الأمة لا يحرم النظر إليها إلا بين السرة والركبة منها، وهو ما جزم به قبل، قال وقيل هي كالحرة) انتهى.
وقوله (كالحرة) وهذا مذهب ابن حزم والنووي وأبو حيان المفسر وهو عدم التفريق بين الحرة والأمة في وجوب لبس الجلابيب وستر الوجوه.
١١ - وقال في البحر الرائق شرح كنز الدقائق - حنفي -
"باب شروط الصلاة": (وكل عضو هو عورة من المرأة إذا انفصل منها هل يجوز النظر إليه فيه روايتان إحداهما يجوز كما يجوز النظر إلى ريقها ودمعها والثانية لا يجوز وهو الأصح) انتهى.
١٢ - وقال في حاشية الطحاوي على المراقي - حنفي -
(قوله: أن صوتها عورة هو ما في النوازل وجرى عليه في المحيط والكافي حيث علَّلا عدم جهرها بالتلبية بأن صوتها عورة قال في الفتح: وعلى هذا لو قيل إذا جهرت بالقراءة في الصلاة فسدت كان متجهاً لكن قال ابن أمير حاج: الأشبه أنه ليس بعورة وإنما يؤدي إلى الفتنة واعتمده في النهر أفاده السيد، وظاهر هذا أن الخلاف في الجهر
стр. 429
بالصوت فقط لا في تمطيطه وتليينه وهو ينافي ما قاله المصنف ونقله المقدسي عن أبي العباس القرطبي في كتابه في السماع (١). ونصه: ولا يظن من لا فطنة له أنّا إذا قلنا صوت المرأة عورة أنّا نريد بذلك كلامها لأن ذلك ليس بصحيح فإنا نجيز الكلام من النساء الأجانب ومحأورتهن عند الحاجة إلى ذلك ولا نجيز لهن رفع أصواتهن ولا تمطيطها ولا تليينها وتقطيعها لما في ذلك من استمالة الرجال إليهن وتحريك الشهوات منهن ومن هذا لم يجز أن تؤذن المرأة) (٢) انتهى.
١٣ - وقال البخاري في صحيحه عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء إذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال. قال: كيف تَمنعهن وقد طاف نساء النبي ﷺ مع الرجال؟ قلت: أبعد الحجاب أو قبل؟ قال: أي لعمري. لقد أدركته بعد الحجاب. قلت: كيف يُخالِطن الرجال؟ قال: لم يكن يخالطن، كانت عائشة ﵂ تطوف حَجْرة (٣) من الرجال ...
стр. 430
لا تخالطهم، فقالت امرأة: انطلقي نستلم يا أم المؤمنين قالت: عنكِ وأَبَتْ) (١) انتهى.
فأين أنتِ يا أمنا ترين ما يقوله اليوم البعض من جواز اختلاط النساء بالرجال بل ومؤاكلة الرجال لهن؟ .
١٤ - قال الحافظ في الفتح: (وظاهر هذا أن ابن هشام أول من منع ذلك لكن روى الفاكهي من طريق زائدة عن إبراهيم النخعي قال: نهى عمر أن يطوف الرجال مع النساء قال: فرأى رجلا معهن فضربه بالدرة) انتهى.
١٥ - ولما دخلت مولاة لعائشة قالت لها: يا أم المؤمنين طفت بالبيت سبعا واستلمت الركن مرتين أو ثلاثا، فقالت لها عائشة ﵂: لا آجرك الله لا آجرك الله، تُدافعين الرجال؟ ألا كبّرتِ ومَررتِ) رواه الشافعي والبيهقي.
أين أنت يا أمنا ترين ما يقوله اليوم البعض من اختلاط النساء بل ومؤاكلة الرجال لهن؟ .
١٦ - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ): (لا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة) (٢).
стр. 431
١٧ - وقال في روضة الطالبين للنووي الشافعي: فصل: كل عمل جاز الاستئجار عليه جاز جعله صداقا: (أصدقها تعلُّم سورة فعلمها ثم طلقها إن كان بعد الدخول فذاك وإلا فيرجع عليها بنصف أجرة التعليم وإن طلقها قبل التعليم فقد استحقت جميع التعليم إن دخل وإلا فتعليم النصف وفيه وجهان أحدهما يعلمها وراء حجاب بغير خلوة وأصحهما وهو المنصوص في المختصر أنه قد تعذر التعليم لأنها قد صارت أجنبية ولا تؤمن مفسدة فعلى هذا ترجع بمهر المثل على الأظهر إن دخل وإلا فنصفه وعلى الآخر ترجع بأجرة التعليم أو نصفها) انتهى.
١٨ - قال الشيخ علي الطنطاوي: (أما الجانبُ الآخر من المصيبة الذي وقفتُ في آخر الحلقة الماضية عنده فهو نزعُ حجابِ البنات والسعي الدائب لاختلاط الشبان بالشابات ... هذا هو باب الشهوات وهو أخطرُ الأبواب عرف ذلك خصوم الإسلام فاستغلوه وأول هذا الطريق هو الاختلاط) (١).
١٩ - قال في المبسوط - باب النفقة -: (وبالنساء عجز ظاهر عن الاكتساب وفي أمرها بالاكتساب فتنة؛ فإن المرأة إذا أُمرت بالاكتساب اكتسبت بفرجها، فإذا لم يكن لها زوج فهي بمنزلة الصغيرة ونفقتها في صغرها على الوالد لحاجتها، فكذلك بعد بلوغها ما لم تتزوج) (٢).
стр. 432
٢٠ - وعن مالك بن ربيعة ﵁: (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله ﷺ للنساء: استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن (١) الطريق، عليكن بحافات الطريق، فكانت المرأة تلتصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به) أخرجه أبو دأود (٢).
٢١ - وعن نافع عن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﷺ قال: لو تركنا هذا الباب للنساء. قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات) (٣) أخرجه أبو دأود.
٢٢ - وكان عمر ﵁: (ينهى أن يدخل المسجد من باب النساء) أخرجه أبو دأود، وهو مما يتقوى بما قبله.
٢٣ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا سلم مكث قليلا، وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل الرجال. قال ابن شهاب ﵀: فنرى - والله أعلم - لكي ينفذ من ينصرف من النساء قبل أن يدركهن من انصرف من القوم) أخرجه البخاري.
فهل هذا معناه أنهم يختلطون؟ سبحان الله وأهل السفور يريدون كشف الوجه ثم مخالطة االنساء بالرجال ثم مواعدتهن للأكل سويا.
٢٤ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: (كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ ) أخرجه البخاري.
стр. 433
٢٥ - وقال عطاء أشهد على ابن عباس: (أن النبي ﷺ خرج ومعه بلال فظن أنه لم يُسمع النساء فوعظهن وأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم والشيء وبلال يأخذ في طرف ثوبه) (١).
ولا أدري كيف (ظن أنه لم يسمع النساء)؟ أو كما جاء في بعض الروايات (حتى أتى النساء مع بلال) هل هذا يدل على أنهن مختلطات بالرجال كما يريدهم أهل السفور اليوم أم على ماذا تدل هذه؟ .
٢٦ - فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت يارسول الله ذهب الرجال بحديثك - وفي رواية - قال النساء للنبي ﷺ غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا من نفسك يوماً نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله فقال ﷺ اجتمعن في يوم كذا وكذا في مكان كذا فاجتمعن فأتاهن فعلمهن مما علمه الله) رواه البخاري.
ولنا أن نتساءل لماذا لم يطالبن رسول الله ﷺ بحضور مجالس الرجال بدل أن يجعل لهن يوماً يجتمعن فيه؟ أتراهن رأين ذلك مباحاً أو ممكناً فلم يطلبوه؟ .
٢٧ - وقال تعالى: ﴿ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ماخطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير﴾ [القصص: ٢٣].
стр. 434
٢٨ - قال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بعد سرده لبعض الأدلة السابقة: (ولا يدخل في ذلك ما تدعو إليه الضرورة وتشتد الحاجة إليه ويكون في مواضع العبادة كما يقع في الحرم المكي والحرم المدني، نسأل الله تعالى أن يهدي ضال المسلمين وأن يزيد المهتدي منهم هدى وأن يوفق ولاتهم لفعل الخيرات وترك المنكرات والأخذ على أيدي السفهاء إنه سميع قريب مجيب وصلى الله على محمد وآله) (١).
وغير ذلك كثير مما لا يمكن حصره.
أفيقال بعد ذلك أن مالكاً عالم المدينة وتلميذ الصحابة وإمام من بعده من الأئمة يقول بمخالطة الأجنبيات ومؤاكلتهن بالمعنى الذي يريده أهل السفور اليوم، وهو قد روي عنه منع الأجنبي من مجرد النظر لمخطوبته أو لمن أراد أن يبايعهن من النساء! .
ألم أقل لك لأطرقتَ حياء وخجلا مما يقوله البعض عن مالك إمام دار الهجرة فضلا عن غيره، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 435
منهج الإمام ابن حزم الظاهري في مسالة الحجاب وما لحقه من تحريف وتبديل وتصحيف
قال ابن حزم الظاهري "بقية كتاب النكاح"
(مسألة: وَمَنْ أراد أن يَتَزَوَّجَ امرأة حُرَّةً أو أمةً فَلَهُ أن يَنْظُرَ مِنْهَا مُتَغَفِّلاً لَهَا وَغَيْرَ مُتَغَفِّلٍ إلى مَا بَطن مِنْهَا وَظَهَرَ، وَلاَ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي أمةٍ يُرِيدُ شِرَاءَهَا. وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أن يَنْظُرَ مِنْهَا إلا إلى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ فَقَطْ، لَكِنْ يَأمر امرأة تَنْظُرُ إلى جَمِيعِ جِسْمِهَا وَتُخْبِرُهُ.
برهان ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبصارهم وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ فَافْتَرَضَ اللَّهُ غَضَّ الْبَصَرِ جُمْلَةً كَمَا افْتَرَضَ حِفْظَ الْفَرْجِ، فَهُوَ عُمُومٌ لاَ يَجُوزُ أن يُخَصَّ مِنْهُ إلا مَا خَصَّهُ نَصٌّ صَحِيحٌ وَقَدْ خَصَّ النَّصُّ نَظَرَ مَنْ أراد الزَّوَاجَ فَقَط.
- وقال بعده أيضا -
مسألة: وَلاَ يَحِلُّ لأحد أن يَنْظُرَ مِنْ أجنبيةٍ لا يُرِيدُ زَوَاجَهَا أو شِرَاءَهَا إن كانت أمةً لِتَلَذُّذٍ إلا لِضَرُورَةٍ.
فإن نَظَرَ فِي الزِّنَا إلى الْفَرْجَيْنِ لِيَشْهَدَ بِذَلِكَ فَمُبَاحٌ لَهُ؛ لأنهُ مَأمورٌ بِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ، قَالَ : ﴿كُونُوا قَوَّامينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ وَلاَ سَبِيلَ لَهُمْ إلى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا إلا بِصِحَّةِ النَّظَرِ إلى الْفَرْجَيْنِ وَالتَّثَبُّتِ فِي ذَلِكَ، وَأما فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ وَالكفان كَمَا قَدَّمْنَا آنفا عِنْدَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا أو لَهَا أو مِنْهَا.
стр. 436
برهان ذَلِكَ: قَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ... ﴾ الآيَةَ. فَذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ: زِينَتَهُنَّ زِينَةً ظَاهِرَةً تُبْدَى لِكُلِّ أَحَدٍ وَهِيَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فَقَطْ، وَزِينَةً بَاطِنَةً حَرَّمَ إبْدَاءَهَا إِلاَّ لِمَنْ ذَكَرَ فِي الآيَةِ ... وَقَدْ أوضَحْنَا فِي " كِتَابِ الصَّلاَةِ " أن المرأة كُلَّهَا عَوْرَةٌ إلا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ فَحُكْمُ الْعَوْرَةِ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا) انتهى كلام ابن حزم ﵀.
وقوله: (فَحُكْمُ الْعَوْرَةِ سَوَاءٌ) قصده أي في الصلاة وخارج الصلاة فيجوز للأجنبي النظر إليه، وأنت ترى أنه لم يعد الوجه والكفين من العورة وهو نفس الاستنتاج الذي قال به من حدد القدر مما ينكشف من المرأة حال الضرورة والصلاة وهم كثير من المفسرين والفقهاء، وإن كانت استدلالات أولئك أكثرها قياسية، بعكسه هو فإنه لا يأخذ به، ولهذا ذكر حديث الخثعمية مرة أخرى في المُحَلى من - كتاب الصلاة - وقال إنها كانت كاشفة لوجهها: (فَلَوْ كان الْوَجْهُ عَوْرَةً يَلْزَمُ سَتْرُهُ لَمَا أَقَرَّهَا ﵇ عَلَى كَشْفِهِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَلأمرها أن تُسْبِلَ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقٍ، وَلَوْ كان وَجْهُهَا مُغَطًّى مَا عَرَفَ ابن عَبَّاسٍ أحَسْنَاءُ هِيَ أم شَوْهَاءُ فَصَحَّ كُلُّ مَا قُلْنَاهُ يَقِينًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرا).
ولأنه ظاهري يريد أن يستدل بهما على أن الوجه والكفين ليسا بعورة في الصلاة ولا عند الحاجة فيجوز ظهورهما في هذين الحالين للخاطب والشاهد وغيرهم، وقد ثبت معنا مما تقدم أنه وإن جاء عن بعض أهل العلم ممن مر بحديث الخثعمية واستنتج أنها كانت كاشفة عن وجهها،
стр. 437
فكان لفهمهم أن ذلك لسبب مبيح، وهو عرضها من أبيها رجاء أن يتزوجها رسول الله ﷺ ولم يفهموا أو يقولوا أن ذلك دليل على جواز أن تخرج المرأة سافرة بين الرجال أو أن النساء في عهده ﷺ كن يخرجن مكشوفات الوجوه سافرات أو نحو ذلك من العبارات المحدثة مما يقوله اليوم ويبثه أهل السفور، وإنما قالوا ليس بعورة، فلا (يَلْزَمُ سَتْرُهُ) على كل حال كما هو الحال في حق أمهات المؤمنين ولكن عند الحاجة من خاطب وشهادة فيجوز.
ولهذا قال ابن حزم في "كتاب النكاح" أيضاً: (إلا أنهُ لاَ يَحِلُّ لأحد أن يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إلى شَيْءٍ مِنْ امرأة لاَ يَحِلُّ لَهُ: لاَ الْوَجْهَ، وَلاَ غَيْرَهُ إلا لِقِصَّةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، لاَ يُقْصَدُ مِنْهَا مُنْكَرٌ بِقَلْبٍ أو بِعَيْنٍ) انتهى.
وهو ما يعبر عنه غيره بأمن الشهوة والفتنة، بالإضافة لما سبق وذكرناه عنه أولاً والأقوال في مثل ذلك لا تحصى ولا تستقصى.
ثم يفهمون من بعض كلام ابن حزم في المُحَلى من "كتاب الصلاة" وهو يتكلم عن عورة المرأة في الصلاة وخارجها ما يدلل على كونهما ليسا بعورة وإباحة كشفهما عند الحاجة والصلاة (وَأما المرأة فإن اللَّهَ تعالى يَقُولُ: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخمرهن عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بأرجلهن لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ فَأمرهن اللَّهُ تعالى بِالضَّرْبِ بِالخمار عَلَى الْجُيُوبِ وَهَذَا نَصٌّ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالْعُنُقِ وَالصَّدْرِ، وَفِيهِ نَصٌّ عَلَى إباحة كَشْفِ الْوَجْهِ
стр. 438
لاَ يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ أصلاً) انتهى كلام ابن حزم من "كتاب الصلاة". وهو يتكلم في عورة المرأة في الصلاة.
وهكذا غيرهم من الأئمة الذين ينقلون أقوالهم مبتورة خارج سياقها العام أو لعدم معرفتهم بطريقة ومنهج كل مذهب بدليل أنهم لا يهتمون ولا يبالون بتعارضها مع أقوالهم الأخرى أو بالجمع بينها، ثم يفهمونها من نوع الفهم الذي قالوه وأفسدوا على الناس الحياء والدين.
* * *
نَقلُ أهل السفور هجوم ابن حزم على من فرق بين الأَمة والحرة في لبسهن للجلابيب في الصلاة وخارجها:
حيث قال جمهور العلماء على أن عورة الأمة في الصلاة وخارجها غير عورة الحرة في الصلاة وخارجها، فالأمة في الصلاة وخارجها عند عامة أهل العلم يجوز لها أن تصلي وتخرج مكشوفة الرأس، ولهذا اعترض عليهم ابن حزم بشدة في "كتاب الصلاة" فقال: (وَأما الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالأمة فَدِينُ اللَّهِ تعالى واحد وَالخلقةُ وَالطَّبِيعَةُ واحدة، كُلُّ ذَلِكَ فِي الْحَرَائِرِ وَالإماء سَوَاءٌ حَتَّى يأتي نَصٌّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي شَيْءٍ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ. فإن قيل: أن قَوْلَ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو ابَائِهِنَّ﴾ يَدُلُّ عَلَى أنهُ تعالى أراد الْحَرَائِرَ.
فَقُلْنَا: هَذَا هُوَ الْكَذِبُ بِلاَ شَكٍّ لأن الْبَعْلَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ: السَّيِّدُ وَالزَّوْجُ وَأيضا فَالأمة قَدْ تَتَزَوَّجُ؛ وَمَا عَلِمْنَا قَطُّ أن الإماء لاَ يَكُونُ لَهُنَّ: أبناء وَآبَاءٌ وَأخْوَالٌ وَأَعْمَام كَمَا لِلْحَرَائِرِ.
стр. 439
وَقَد ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ وَهَلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن ذَلِكَ اَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، إلى أنهُ إنمَا أمر اللَّهُ تعالى بِذَلِكَ لأن الْفُسَّاقَ كانوا يَتَعَرَّضُونَ لِلنِّسَاءِ لِلْفِسْقِ فَأمر الْحَرَائِرَ بِأن يَلْبَسْنَ الجلابيب لِيَعْرِفَ الْفُسَّاقُ أنهُنَّ حَرَائِرُ فَلاَ يَعْتَرِضُوهُنَّ.
قَالَ عَلِيٌّ: وَنَحْنُ نَبْرَأ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ الْفَاسِدِ الَّذِي هُوَ: إما زَلَّةُ عَالم وَوَهْلَةُ فَاضِلٍ عَاقِلٍ أو افْتِرَاءُ كَاذبٍ فَاسِقٍ؛ لأن فِيهِ أن اللَّهَ تعالى أطْلَقَ الْفُسَّاقَ عَلَى أَعْرَاضِ إماءِ المسلمين وَهَذِهِ مُصِيبَةُ الأبدِ وَمَا اختلف اثْنَان مِنْ أهل الإسلام فِي أن تَحْرِيمَ الزِّنَا بِالْحُرَّةِ كَتَحْرِيمِهِ بالأمة وَأن الْحَدَّ عَلَى الزَّاني بِالْحُرَّةِ كَالْحَدِّ عَلَى الزَّاني بالأمة وَلاَ فَرْقَ، وَأن تَعَرُّضَ الْحُرَّةِ فِي التَّحْرِيمِ كَتَعَرُّضِ الأمة وَلاَ فَرْقَ وَلِهَذَا وَشِبْهِهِ وَجَبَ أن لاَ يُقْبَلَ قَوْلُ أحد بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ إلا بِأن يُسْنِدَهُ إليه ﵇.
حدثنا - ثم ساق بالسند - عَنْ عَائِشَةَ أم المؤمنين أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ.
وأنت ترى أن اعتراضه على من فرق بين الحرة والأمة في لبس الجلابيب في الصلاة وخارجها ولهذا اعترض على من قال أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ هو أن الجلابيب للحرائر وليست للإماء.
فهل في هذا أن النقاب وستر الوجه ليس على المسلمات كما هو الإجماع الذي مر معنا؟ وابن حزم يقصد أنه لا دليل على وجود فرق في وجوب الستر بالجلابيب لهن جميعا حرائر وإماء، وإن زاد هو هنا فأدخل الإماء في وجوب سترهن للوجوه كالحرائر، وزاد في الصلاة خلافا للجمهور أن لا يبدو من الأمة إلا وجهها وكفيها كما هو الاتفاق في صلاة الحرة.
فكيف لدعاة السفور أن يستدلُوا بمثل هذا الكلام فينقلوا كلام ابن حزم للعوام وكأنه يؤيد مذهب السفور؟ أو وكأنه ينقض الإجماع على آية الإدناء؟ وكأن هجومه السابق على من يقولون بفرض ستر المرأة لوجهها؟ .
هذه مغالطة كبيرة ونوع من أنواع التدليس على العباد، أليس كلامه الذي نقلوه عنه هو في اعتراضه على من لم يوجب على الإماء لبس الجلابيب كالحرائر، سواء في الصلاة أو خارجها؟ فلماذا إذا ينقلون هذا المقطع من كلام ابن حزم بالذات؟ .
وقد ذهب جمع من الأئمة لمثل ما ذهب إليه ابن حزم من وجوب ستر
стр. 442
الوجه على الإماء ومنهم:
- الإمام أبو حيّان الأندلسي ﵀ في تفسيره المحيط حيث قال: (والظاهر أن قوله: ﴿ونساء المؤمنين﴾ يشمل الحرائرَ والإماء والفتنة بالإماء أكثر لكثرةِ تصرفهن بخلاف الحرائر فيحتاج إخراجهن من عموم النساء إلى دليل واضح) انتهى.
وسبق لنا أن نقلنا قوله مطولا عند تفسيره للآية.
- والنووي كما قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: (فائدة: اختار النووي أن الأمة كالحرة في تحريم النظر إليها لكن يعكر عليه ما في الصحيحين في قصة صفية فقلنا: إن حجبها فهي زوجته وإن لم يحجبها فهي أم ولد كذا اعترضه ابن الرفعة، وتعقب بأنه يدل على أن الأمة تخالف الحرة فيما تبديه أكثر مما تبديه الحرة، وليس فيه دلالة على جواز النظر إليها مطلقا) (١) انتهى.
وقال بنوع من التفصيل القريب من هذا بعض أهل العلم فقد نقل عن الإمام أحمد قال ابن قدامة ﵀: (فصل: والأمة يباح النظر منها إلى ما يظهر غالباً كالوجه والرأس ... قال أحمد في الأمة إذا كانت جميلة: تنتقب ولا ينظر إلى المملوكة، كم من نظرة ألقت في قلب صاحبها البلابل) انتهى.
وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: (وكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب،
стр. 443
ووجب غض البصر عنها ومنها ... وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن، ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر الحرائر والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء واستثنى القرآن من النساء الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن احتجابا واستثنى بعض الرجال وهم غير أولي الإربة فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء، فأن يستثنى بعض الإماء أولى وأحرى وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها) (١) انتهى.
وقال ابن القيم: - فصل: الفرق بين النظر إلى الحرة والأمة -
(وأما تحريم النظر إلى العجوز الحرة الشوهاء القبيحة وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال فكذب على الشارع فأين حرم الله هذا وأباح هذا والله سبحانه إنما قال: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب، وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شرع للحرائر أن يسترن وجوههن عن الأجانب وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن، فأين الله ورسوله لهن أن يكشفن وجوههن في الأسواق والطرقات ومجامع الناس وأذن للرجال
стр. 444
في التمتع بالنظر إليهن فهذا غلط محض على الشريعة وأكد هذا الغلط أن بعض الفقهاء سمع قولهم إن الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وعورة الأمة ما لا يظهر غالبا كالبطن والظهر والساق فظن أن ما يظهر غالبا حكمه حكم وجه الرجل وهذا إنما هو في الصلاة لا في النظر فإن العورة عورتان: عورة في النظر وعورة في الصلاة فالحرة لها أن تصلي مكشوفة الوجه والكفين وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك والله أعلم) (١) انتهى.
وغيرهم كثير وبمثل هذا وغيره كان اعتراض ابن حزم كما هو أمامنا على من قال أن سبب نزول آية الإدناء: (أنمَا أمر اللَّهُ تعالى بِذَلِكَ لأن الْفُسَّاقَ كانوا يَتَعَرَّضُونَ لِلنِّسَاءِ لِلْفِسْقِ؛ فَأمر الْحَرَائِرَ بِأن يَلْبَسْنَ الجلابيب .. لأن فِيهِ أن اللَّهَ تعالى أطْلَقَ الْفُسَّاقَ عَلَى أعْرَاضِ إماءِ المسلمين، وَهَذِهِ مُصِيبَةُ الأبدِ).
وهذا كما هو ظاهر أنه رد على أولئك الذين فرقوا بينهما كما قلنا وهو خارج عن موضع النزاع الذي بيننا اليوم، فإن كان ابن حزم قد خالف المفسرين والفقهاء حين فرقوا بين الأمة والحرة في عورة الصلاة والحجاب وحين ذكروا أحد الأسباب في نزول الآية كما مر معنا والحق أنه لم يكن هذا هو السبب الأوحد الذي ذكروه في سبب نزولها حيث ذكروا أيضا حديثي أنس في مبتنى رسول الله بزينب وقوله الآخر أن عمر ﵁ قال يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر وقول
стр. 445
عائشة في خروج سودة وقول عمر لها عرفناك يا سودة، قال الحافظ ابن حجر: (يمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب فلقربه منها أطلق نزول آية الحجاب بهذا السبب ولا مانع من تعدد الأسباب) وقد مر معنا كذلك نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في إمكان تعدد الأسباب في الآية الواحدة أو الحديث الواحد.
وعلى العموم فابن حزم اعترض على جزئية، فهذا شأنه ورأيه ولا علاقة له بمسألتنا لينقلوه وكأنه نص في النزاع، فهذا باب من أبواب التدليس فيه إيهام للعوام أن هناك من يوافقهم في بدعة السفور، وكأن هناك من عارض الإجماع على أن معنى آية الإدناء هي ستر النساء الحرائر لوجوههن، وهكذا يفعلون عندما يمرون على كل خلاف فرعي في مسألة الحجاب أو لا يجدون أحدا من الأئمة يقول بقولهم تجدهم يكثرون من الإشادة بهم وبأقوالهم الجزئية وبخاصة في فريضة الحجاب فيظنه من لا يعرف رأيهم في المسألة أن لهم سلف وأنهم يقولون بمثل قول هؤلاء اليوم في السفور، وقد يكون فعلهم هذا ونقلهم لكلام أهل العلم مرة إما عن جهل منهم بأقوال أولئك الأئمة ومرة عن تعمد وتساهل عياذا بالله.
وكلام ابن حزم أمامكم وإنما فيه بيان منهجه ﵀ في زيادة حرصه على ستر عورات المسلمات فأوجبه حتى على الإماء مخالفا بذلك جماهير أهل العلم من المفسرين والفقهاء بل وما صح عنده عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من التفريق بينهن وبين الحرائر في لبس الجلابيب وسترهن لوجوههن كما قال في موضع آخر بعده من
стр. 446
"كتاب النكاح": (لأن المخالفين لَنَا هَهُنَا بِأَهْوَائِهِمْ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي أنهُ لاَ يَحِلُّ النَّظَرُ إلى زِينَةِ شَعْرِ الْعَجُوزِ السَّوْدَاءِ الْحُرَّةِ وَلَعَلَّ النَّظَرَ إليها يَقْذِي الْعَيْنَ وَيُمِيتَ تَهْيِيجَ النَّفْسِ، وَيُجِيزُونَ النَّظَرَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ (١) إلى وَجْهِ الْجَارِيَةِ الْجَمِيلَةِ الْفَتَاةِ وَيَدَيْهَا) انتهى.
ولهذا فنقلهم كلام ابن حزم السابق عليهم لا لهم لو كانوا يعقلون وليس في صالحهم نقله لو كانوا يعلمون، وما مثلهم في نقل كلام أهل العلم إلا كحاطب ليل فقد يجمع ما يضره، وهم يدعون إلى تبرج وسفور النساء وابن حزم يدعو حتى لتستر الإماء، فلماذا هذا الخلط والعجن والكلام فيما لا يحسنونه من أقوال أهل العلم ومناهجهم ألا يتقون الله ويتثبتون مما ينقلونه فيفسدوا كلام العلماء بمثل هذا البتر والإيهام، وقد مر معنا الكثير مما لحق كلام المتقدمين من تحريف وتبديل وتصحيف.
معنى الجلابيب عند الإمام ابن حزم موافق لإجماع أهل العلم:
والمفيد هنا أن نعلم معنى الجلابيب عند ابن حزم لنعرف هل يقصد منها أنها تستر الجسم كله إلا الوجه والكفين كما يقوله أهل السفور اليوم؟ أم أنها تعنى عنده سترها لجميع الجسم بلا استثناء كما هو عليه إجماع الصحابة والمفسرين وأهل العلم؟ وأترك الجواب له رحمه الله تعالى حيث يقول في المحلى من "كتاب الصلاة": (قال علي: وهذا أمر
стр. 447
بِلُبْسِهِنَّ الجلابيب لِلصَّلاَةِ وَالْجِلْبَابُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ التي خَاطَبْنَا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُوَ مَا غَطَّى جَمِيعَ الْجِسْمِ لاَ بَعْضَهُ) انتهى.
ولهذا أتى بعده بأدلة في كشفهن للوجه والكفين وأنهما ليستا بعورة فيجوز استثناؤهما حال الصلاة وعند الخاطب والشاهد وغيرها من الرخص كما قال هو وكما عليه الإجماع في تفسير الآية الكريمة، وبهذا يكون (مخرجاً) كما قال وأراد من كون الجلابيب تستر الجسم كله، فهل دعاة السفور اليوم يقولون في تعريف الجلباب بقوله وأنه يستر الجسم كله؟ وهل فهموا ما فهمه المتقدمون من حديث أسماء والخثعمية؟ .
ولهذا جاء بعد ذلك بحديث الخثعمية وصلاة العيد حين إلقاء النساء صدقاتهن من أكفهن، لأنه ظاهري لا يأخذ بالقياس ليدلل أن الوجه والكفين ليسا بعورة ليخرجهما في غير أحوالها العادية بمعنى يجوز كشفهما في الصلاة وخارج الصلاة عند الضرورة كما قال وبينه مرارا: (وَلاَ يَحِلُّ لأحد أن يَنْظُرَ مِنْ أجنبيةٍ لاَ يُرِيدُ زَوَاجَهَا أو شِرَاءَهَا إن كانت أمةً لِتَلَذُّذٍ إلا لِضَرُورَةٍ ... وَأما فِي غَيْرِ ذَلِكَ، فَالْوَجْهُ وَالكفان كَمَا قَدَّمْنَا آنفا عِنْدَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا أو لَهَا أو مِنْهَا ... فَذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الآية: زِينَتَهُنَّ زِينَةً ظَاهِرَةً تُبْدَى لِكُلِّ أحد وَهِيَ الْوَجْهُ وَالكفان عَلَى مَا بَيَّنَّا فَقَطْ) والذي بينه فقط (وَأما فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَالْوَجْهُ وَالكفان كَمَا قَدَّمْنَا آنفا عِنْدَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا أو لَهَا أو مِنْهَا) وقوله: (إلا أنهُ لاَ يَحِلُّ لأحد أن يَتَعَمَّدَ النَّظَرَ إلى شَيْءٍ مِنْ امرأة لاَ يَحِلُّ لَهُ: لاَ الْوَجْهَ وَلاَ غَيْرَهُ، إلا لِقِصَّةٍ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، لاَ يُقْصَدُ مِنْهَا مُنْكَرٌ بِقَلْبٍ أو بِعَيْنٍ)
стр. 448
وبهذه الأدلة التي ذكرها كحديث الخثعمية وصلاة العيد وجد (مخرجاً) للوجه والكفين عن معنى الجلابيب التي تستر كامل الجسم في الصلاة وخارجها عند الضرورة من نظر شاهد أو خاطب أو نحوه كما قال، فهل لو كان يرى في دين الله خروج المرأة سافرة عن وجهها سيقول مثل هذا الكلام ويدلل بما قاله ليجد (مخرجاً) لعورة المرأة لأن تكشف وجهها وكفيها في الصلاة وعند الضرورة من شهادة ونكاح؟ لتعلم أن السبب من إيراده الحديث عن الجلابيب في "كتاب الصلاة" عند باب ستر عورة المرأة في الصلآة، وكذلك في "كتاب النكاح" عند نظر الخاطب، إنما ليبين أن الوجه والكفين ليسا بعورة فيجوز ظهورهما في الصلاة وخارجها عند الضرورة، ومن هنا بين عورة الأمة وأنها كعورة الحرة فعليها لبس الجلباب في الصلاة وخارجها خلافا لقول عامة أهل العلم.
فسبحان الله! ابن حزم يغضب ويشتد خلافه في مسألة جزئية ومعينة لا علاقة لها بموضوعنا وهي فيمن ميز بين الحرائر والإماء عند كلامهم على آية الإدناء فخالفهم، لأنه يوجب على الإماء بذلك ما أوجبه غيره على الحرائر من لبس الجلابيب في الصلاة وخارجها، فيأتي هؤلاء عن جهل أو عمد ويوهمون الناس أن ابن حزم يرد ويهجم على القائلين بستر المرأة لوجهها، فالمتقدمون عندما حددوا القدر الظاهر من المرأة في الصلاة والرخصة كما في قوله تعالى: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالوجه والكفين قياساً (لأنه هو ما يظهر في صلاتها إجماعاً) ولأنه (ما يظهر عادة وعبادة) ولأنهما (ليسا بعورة) ولحديث أسماء الذي هو قياس
стр. 449
أيضا، لأنه لا علاقة له بالصلاة، ولأن ابن حزم ظاهري لا يقبل بالقياس ولا بالحديث الضعيف أو البعيد عن معنى الباب لهذا استدل بحديث الخثعمية وبحديث صلاة العيد الصحيحين فقط، وقال أن فيهما كشف للوجه والكفين ليكونا (مخرجاً) كما قال من معنى الجلابيب التي هي لستر الجسم كله، فإن جاز له ذلك للاستدلال به على أمر جائز إجماعا وهو ظهور الوجه والكفين في الصلاة وعند الشهادة والخاطب والحاجة لنزع الحُلي من أكفهن للتصدق بها فهذا يمكن وهو على فرض أن كان ذلك أمام أحد من الرجال، والخثعمية كان معلوماً عندهم على فرض أنها كانت كاشفة عن وجهها أيضاً أن ذلك كان لسبب مبيح وهو عرضها من أبيها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها كما قاله جمع من أهل العلم المتقدمين كما سبق معنا وسيأتي أيضاً، ولكن أن يفهموا منها ما يناقض ويخالف قوله الصريح الآخر ثم لا يبالون في الجمع بينهما.
قال صاحب كتاب "حراسة الفضيلة" الشيخ بكر أبو زيد عليه ﵀: (وإن من الخيانة في النقل نسبةَ هذا القول إلى قائل به مطلقاً غير مقيد لتقوية الدعوة إلى سفور النساء عن وجوههن في هذا العصر مع ما هو مشاهد من رقة الدين والفساد الذي غَشِيَ بلاد المسلمين) انتهى.
فمن البعيد أو قل من المستحيل أن لا يُنقل لنا طوال القرون الغابرة من الإسلام كتابٌ أو كلام أو سطر أو إشارة أو عبارة فضلاً عن مناظرة أو استدلال أو ترجيح أو مؤلف أو رد وبخاصة من ابن حزم الظاهري أو غيره من أئمة المذاهب الأربعة تدل على نزاع بينهم أو إنكار لمنكر أو تعريف بسنة ومستحب.
стр. 450
(المبحث السابع)
استدلالاتهم بالسنة على شبهاتهم
стр. 451
(المبحث السابع)
استدلالات أهل السفور بالسنة على شبهاتهم
وسأكتفي بذكر أشهر شبهاتهم لأن فيما ذكرته سابقا غنية في رد كثير مما يتوهمونه أدلة على السفور، أو لأن ما سنذكره بعد قليل مشابه لشبهاتهم الأخرى والله ولي التوفيق.
أولاً: حديث الفضل بن عباس ومخالفتهم لفهم السلف له:
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (أردف ﷺ الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته وكان الفضل رجلا وضيئاً فوقف النبي ﷺ للناس يفتيهم وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ﷺ فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها فالتفت النبي ﷺ والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة فهل يقضي عنه أن أحج عنه. قال: نعم) أخرجه البخاري وغيره.
الوجه الأول: في رد هذه الشبهة وهي عدم وجود ما ادعوه أصلا من كشف الوجه في الحديث:
أ- وهذه حقيقة ظاهرة فليس في الحديث ما يدل على دعواهم من أنها كانت كاشفة عن وجهها حتى يستدلوا به، ومجرد نظره لها أو العكس
стр. 452
أو قوله إنها حسناء أو جميلة أو صبيحة لا يدل على ما ادعوه بتاتاً، وهذا تجني واستدلال ظاهر البطلان سطحي الدلالة، فقد يجد المرء إحدى النساء المنقبات ويلحظ عليها علامات الجمال والحسن والقوام فتستهوي قلبه وهي في كامل الستر وهذا معلوم ومفهوم ألم تسمع قول القائل:
طافت أمامه بالركبان آونة ... يا حسنها من قوام ما ومنتقبا
فهو قال إنها حسناء فهل نحكم بمجرد قوله هذا أنها كانت كاشفة عن وجهها؟ أم أنه يقصد قوامها وما يبدو له من خلف نقابها؟ أم أن قولهم هذا لأن النقاب ليس هو ما يعرفه الناس أنه يستر الوجه أم ماذا؟ ! .
وقول الآخر:
قل للمليحة في الخمار الأسود ... أفسدت نسك أخي التقى المترهب
نور الخمار ونور وجهك تحته ... عجبا لوجهك كيف لم يتلهب
وبالتالي فليس لهم حجة في هذا الحديث ولا بأي كلمة، في كون الخثعمية أو غيرها كانت كاشفة عن وجهها بتاتاً حتى يأتوا بالدليل المقنع للناس، وعليهم أن ينقبوا على شبهات غيرها، وبخاصة أن الكل يعلم أن نفوس البشر تتوق للنظر إلى النساء ولو من خلف العباءات والجلابيب، بل وحتى في النساء السافرات لشعورهن تجد إحداهن إذا رآها أحدهم من خلفها حكم عليها بأنها جميلة، فإذا تلفتت بوجهها لم
стр. 453
تكن كذلك، وبالتالي بطل استدلالهم من أساسه ومن كل وجه لعدم ورود ما ادعوه واحتجوا به أصلاً.
ويمكن إلى هنا أن نغلق الباب بخصوص هذه الشبهة، ونقول اتقوا الله في شرعه فهل جاء ما تقولونه من عموم السفور وبلا سبب عن أحد من السلف قبلكم؟ فحتى من قال من بعض المتقدمين إن الخثعمية كانت كاشفة عن وجهها لم يفهموا منه ما فهمتموه من السفور، وإنما استنتجوا منه على فرض كونها كانت كاشفة أمورا شرعية مباحة كجواز كشف المسلمات وجوههن عند الحاجة والفرق بينهن وبين حجاب أمهات المؤمنين اللاتي لا يجوز لهن الكشف لشهادة ونحوها، ولم يأتي عنهم بتاتاً أن في الحديث دليل على أن النساء كن في زمن رسول الله ﷺ يخرجن سافرات الوجوه.
ومع ذلك فلا بأس أن نورد بقية الاحتمالات القوية لتعلم مدى وهن وضعف ما استدلوا به من كل وجه من الوجوه، حتى لم يجدوا في شِرعتهم لفظة واحدة تدل على مذهبهم الباطل.
ب- ومما يدل على أن الخثعمية لم تكن كاشفة عن وجهها روايات الحديث العديدة من أن الفضل كان يلحظ النساء وينظر إليهن، وبالتالي لم يكن نظره مقتصرا عليها، بدليل أن ابن عباس ﵄ قال: (كان الفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ يوم عرفة، قال: فجعل الفتى يلحظ النساء وينظر إليهن، قال وجعل رسول الله ﷺ يصرف وجهه بيده من خلفه مرارا، قال وجعل الفتى يلاحظ إليهن، قال: فقال رسول الله ﷺ : ابن أخي أن هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه
стр. 454
غفر له) (١). فإذا عجزوا عن إثبات كون الخثعمية كانت كاشفة مع قربها من الفضل ورسول الله ﷺ وسؤالها له ومع ذلك لم يقل أحد من رواة الحديث مع كثرة طرقه ورواياته المختلفة إنها كانت كاشفة فكيف بهم ليثبتوا أن غيرها من النساء كن كاشفات أمام الرجال؟ .
مع ما هو معروف ومفطور به الرجال بنص القران والسنة من الفتنة بحب النساء والميل لهن، وقد تكلم في ذلك أهل اللغة والشعر، وهذا وهن مستترات كما مر معنا بعض نصوصهم، ولهذا ذهب جمع من أهل العلم بالقول: (حَرُم النظر إلى المنقبة التي لا يبين منها غير عينيها ومحاجرها، أي ما دار بهما كما بحثه الأذرعي لا سيَّما إذا كانت جميلة) (٢)، وكيف عرف أنها جميلة وهو يقول منقبة؟ ! لتعلم أن ما قصدوه من كون الخثعمية (حسناء) و (وضيئة) ونحو ذلك، هو كمثل هذا الفهم وهو ما يظهر على المرأة من دلائل الجمال في القوام والعيون من خلف النقاب والهيئة والشباب ونحو ذلك.
وهذا كاف لرد شبهاتهم ونسفها من أساسها، وسواء كانت هناك امرأة خثعمية أو أخرى غير الخثعمية أو هي نفسها أو ألف غيرها فكل ذلك
стр. 455
لا حجة فيه أيضاً ولا دليل على ما يريدونه ويقولونه، فلا يمكن قبول قولهم والتساهل معه بمثل هذه الأدلة من الظنون والتوقعات، وبخاصة في فريضة عظيمه كفريضة الحجاب جاءت نصوصها صريحة من الكتاب والسنة وأقوال صحابة رسول الله ﷺ الكرام وأهل العلم من المفسرين والفقهاء والمحققين على ستر النساء لوجوههن، حتى لا نعلم أحداً من أهل العلم قال بقولهم في السفور، ثم لا يجدون لذلك دليلاً إلا مثل هذه الاحتمالات من كونها كانت كاشفة لأنها حسناء أو وضيئة او ينظر لها أو تنظر إليه ونحو ذلك.
والمفروض بنا هنا أن لا نزيد في الرد حتى يثبتوا لنا كونها كانت كاشفة عن وجهها بنص صحيح صريح كما اعترفوا هم بصراحة وكثرة ورود أدلة النقاب عن فضليات الصحابيات ومن بعدهن.
ومع ذلك سنورد من الاحتمالات القوية ما يدل على بطلان مذهبهم من كل وجه وأن أدلتهم أوهى من خيوط العنكبوت.
الوجه الثاني: وهو على فرض كونها كانت كاشفة عن وجهها:
أ- فالقول إنها كانت كاشفة احتمال لبعض المتقدمين من أهل العلم وحسب فهمهم واستنباطهم من الحديث، فهذا منهم كان لبيان بعض الأمور الفقهية، فإنه وإن فهمها بعضهم على ذلك، فالمفروض بنا أن نفهم قوله ومقصده كاملاً وبتمامه، كما هو في الحقيقة والواقع كما مر معنا عند كلام ابن بطال والقاضي عياض وغيرهم في بيان
стр. 456
خصوصية أمهات المؤمنين وأنه لا يجوز لهن كشف وجوههن لشهادة ولا غيرها كما هو جائز لغيرهن من النساء، كما مر معنا سابقاً، أو ابن حزم عندما فهم ذلك لاحتياجه للدليل الصحيح بدل القياس ليكون ما استدل به (مخرجاً) له من معنى الجلابيب التي تعني ستر الجسم كله كما قال لبيان أن الوجه والكفين ليسا بعورة فيجوز كشفهما في الصلاة وعند الأجنبي كالخاطب والشاهد وغير ذلك من الضرورات، فهذا كله بعيد كل البعد عن فهم ومراد أهل السفور اليوم، ولهذا فقولنا إنها كانت كاشفة عن وجهها هو تقوُّل في حديثه ﷺ بما لم يرد فيه، فإن جاز لبعض أهل العلم عند مرورهم بالحديث أو شرحهم له أن يفهموا منه ذلك ليبينوا بعض المسائل المعروفة أو المتفق عليها حسب مناهجهم وقواعدهم الفقهية، فهذا يمكن القبول به ولكن أن نفترض ذلك ونظن احتماله وحدوثه ثم نحمله على ما حمله أهل السفور اليوم من جواز خروج النساء للأسواق والطرقات سافرات الوجوه، فهذا مما لم يقل به أحد أنه من دلالة الحديث وفوائده، بل هو مما يتعارض مع قول الله وقول رسوله ﷺ وأقوال الصحابة وأهل العلم وفعل نساء السلف، فهذا غير سديد ولا مسبوق لأنه يجب أن يكون لنا سلف في فهم كلام الله ورسوله ﷺ ، فكيف لو كانت أفهامهم تلك فوق أنها لم يقل بها أحد من السلف أو شراح الحديث، هي بعيدة عمَّا يدعونه ويقولونه بل ليس فيها أصلاً ما يريدونه من كونها كانت كاشفة، فلا يكون لنا حينئذ بحال من الأحوال مخالفتهم أو ابتداع قول لم يسبق لهم قوله وبخاصة
في فريضة إلهية قد أحكم الله بيانها.
стр. 457
ب- أنه على فرض أنها كانت كاشفة عن وجهها فقد ثبت أيضاً بالدليل من عدة روايات أن الخثعمية عرضها أبوها للنبي ﷺ رجاء أن يتزوجها فعن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال: (كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وأعرابي مَعَهُ ابنةٌ لَهُ حَسْنَاءُ، فَجَعَلَ يَعْرِضُهَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رَجَاءَ أن يَتَزَوَّجَهَا قَالَ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إليها وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْخُذُ بِرأسي فَيَلْوِيهِ وَكان رَسُولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) انتهى.
والحديث صحيح أخرجه أبو يعلى وأبو بكر بن أبي شيبة وصححه جمع من المتقدمين والمتأخرين.
١ - قال الحافظ ابن حجر بعد أن عزاه إلى أبي يعلى: (إسناده قوي) (١).
٢ - وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح) (٢).
٣ - وذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية ثم قال محقق الكتاب المحدث حبيب الرحمن الأعظمي وبعد أن رمز له بعلامة الصحة: (إسناده لا بأس به).
٤ - وذكر الحديث الحافظ البوصيري وسكت عنه ولو وجد فيه ما يقدح لبينه كعادته كما في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة.
٥ - وصحح الحديث الشيخ المحدث عبد القادر بن حبيب السندي في رسالته "الحجاب".
٦ - وقال محقق مسند أبي يعلي، حسين سليم أسد: (إسناده صحيح).
стр. 458
وهذا أولى وأقوى من تضعيف غيرهم، فتصحيح هؤلاء فضلاً عن غيرهم ممن صححه هو وحده مقنع وكاف، فكيف لو لم يكن إلا الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى؟ .
ولأن من ضعفه إنما ضعفه بالشذوذ وهي مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، والحقيقة أن الحديث ليس فيه شيء من القاعدة السابقة أبداً ولا من المخالفة لشيء من هذا أصلاً، بل فيه زيادة الثقة وزيادة العلم بالشيء وهي مقبولة باتفاق عند المحدثين.
كما يؤيد صحة حديث عرض الأعرابي ابنته لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها ما جاء في الصحاح والمسانيد وغيرها من أن الرجل كان (يسايره) و (دفع معنا رجل) و (عرض له) أي لرسول الله ﷺ وهو في مسيره فقد جاءت هذه كلها في روايات الحديث العديدة كما في صحيح ابن خزيمة ومسند البزار وأحمد عن الفضل ﵁ قال: (كنت رديف رسول الله من جمع إلى منى فبينا هو يسير إذ عَرض له أعرابي مردفاً ابنة له جميلة وكان يسايره قال: فكنت أنظر إليها فنظر إلي النبي ﷺ فقلب وجهي عن وجهها ثم أعدت النظر فقلب وجهي عن وجهها حتى فعل ذلك ثلاثاً وأنا لا أنتهي فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة) (١) انتهى. وهذا شاهد يقوي أنهم (سايروه) و (عرض له أعرابي مردفاً ابنة له جميلة) و (دفع معنا رجل) وكون إبيها جعلها هي من تستفتي رسول الله ﷺ كلها أمور مشعرة أنها لسبب عرض الأعرابي
стр. 459
إبنته لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها ولهذا أنكر على الفضل نظره لما راه ينظر فيما لا غرض له فيه من إرادة الزواج ونحوه، فما كان إلا خشية الفتنة والشهوة عليه وعليها كما قاله ﵊.
بل جاء في رواية عند الطبراني في المعجم الكبير: (قال: ودفع معنا رجل من الأعراب وهو معه ابنة له صبيحة وهو يساير النبي ﷺ فأمال وجهي عنها، فلم يزل يلبي حتى رمى الجمرة) (١)، فالأعرابي دفع مع رسول الله وكان ملازماً له لحاجة السؤال ولكي يعرض ابنته له ولهذا جعلها تستفتيه بنفسها.
ومثل هذا كله لا يمكن أن يكون لمجرد السؤال فقط، فهذه الروايات شواهد على حديث عرض الأعرابي ابنته لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها، والله أعلم.
فكيف لو كان هذا أيضاً ما فهمه من الحديث كما قلنا سابقاً كبار الحفاظ ومنهم:
أ- الحافظ ابن حجر في المطالب العالية حيث قال: (باب عرض المرأة على الرجل الصالح).
ب- وقال الحافظ أحمد البوصيري صاحب كتاب إتحاف الخيرة المهرة: (باب فيمن عرض ابنته على من يتزوجها).
ت- وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: (باب عرض الرجل وليته على أهل الخيرة).
стр. 460
ولم يفهموا منه شيئاً آخر سواه، ولم يبوبوا باب جواز خروج المرأة كاشفة عن وجهها أمام الرجال، أو باب كشف المرأة وجهها كان معروفا في عهد رسول الله ﷺ وصحابته الكرام، أو نحو ذلك مما يقوله اليوم دعاة السفور هدانا الله وإياهم، بل جاء عنهم عكس ذلك تماماً كما رأينا، ولهذا فهموا منه هنا أنه للخاطب فكيف وروايات الحديث وسياقه تؤيد هذا بدليل ما يظهر من أنها كشفته للحظات قصيرة أو وهي داخل هودجها مارين برسول الله ﷺ فأراد الفضل أن ينتهز الفرصة القصيرة وينظر لها وهو خلف رسول الله ودون علمه، فأخذ يتلفت ويحاول النظر ولهذا لما تنبه له ﵊ حين (طفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها فالتفت النبي ﷺ والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها) أو كما في الرواية الأخرى (فكنت أنظر إليها، فنظر إلي النبي ﷺ ) ولهذا نفهم أن نظره لم يكن بعلم رسول الله ﷺ أو أمامه وإنما كانت محاولاته المتكررة وهو خلف رسول الله ﷺ معتقدا أنه لا يراه ولهذا عندما التفت ونظر إليه (فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها) وإنما أنكر عليه فقط ولم ينكر عليها إما لكونها لم تكن كاشفة أصلاً كما أثبتناه سابقاً، وإما لأنها ممن قال الله تعالى فيهن: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها .. ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، بدليل حديث عرضها من أبيها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها، ولو كانت النساء كلهن يكشفن أو كانت أمام الناس كاشفة كما يقوله أهل السفور وأنه واقع