← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

جاء جبار بن صخر فتوضأ ثم جاء فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ رسول الله ﷺ بأيدينا جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفه» (١). وعن أنس أن رسول الله ﷺ صلى بهم نافلة فجعل أنساً عن يمينه وجعل أم أنس وأختها أم حرام خلفهم (٢). وفي حديث آخر لأنس أنه وقف هو واليتيم خلف النبي ﷺ والعجوز من ورائهم، وهو في «الصحيح» أيضاً (٣). قال ﵀: (وإمامةُ النساءِ وسط الصفِّ) ليس في هذا حديث صحيح، وإنما صحّ عن أم سلمة وعائشة أنهما فعلتا ذلك (٤). جاء عن عائشة من طرق يصح بمجموعها، وجاء عن أم سلمة من طريقين يصح بهما، ولا يوجد ما يخالف فعلهما. قال: (وتُقَدَّمُ صُفوفُ الرِّجالِ، ثم الصبيانِ، ثم النساءِ) اعتمد المؤلف في تفريقه صفوف الصبيان عن صفوف الرجال على حديث أبي مالك الأشعري، «أن النبي ﷺ كان يجعل الرجال قدّام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان» (٥). ويخالفه حديث أنس المتقدم، أنه وقف خلف النبي ﷺ هو واليتيم، وأم سليم من خلفهم وهو في «الصحيحين». فيدل ذلك على أن الصبيان يصفّون مع الرجال، والنساءُ من خلفهم. قال ﵀: (والأحقُّ بالصفِّ الأوَّلِ أولو الأحلامِ والنُّهى)

стр. 107

لقوله ﷺ : «ليَليَني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١). وأولو الأحلام والنهى، هم البالغون العقلاء، ليأخذوا عنه، وكذلك ليصحّحوا للإمام ويستخلف أحدهم إذا احتاج إلى ذلك. وهذا يدل على أن الصبيان لا يكونون في الصف الأول. قال ﵀: (وعلى الجماعةِ أن يسوّوا صفوفَهم وأن يَسُدّوا الخَلَلَ) يجب على المصلين تسوية الصفوف وتعديلها، لأمر النبي ﷺ وتحذيره من مخالفة ذلك باختلاف الوجوه. فقد قال ﵇: «سوّوا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» متفق عليه (٢). وقال: «لتسوّون صفوفكم أو ليخالفنَّ اللهُ بين وجوهكم» متفق عليه (٣). قال ﵀: (وأن يُتِمّوا الصفَّ الأولَ، ثم الذي يليه ثم كذلك) لأمره ﷺ بذلك، فقد قال: «أتّموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر» (٤). فيجب إتمام الصف الأول فالأول. وكذلك يجب المقاربة بينها لقوله ﵇: «رصّوا الصفوف وقاربوا بينها وحاذوا بالأعناق ... » (٥) الحديث. قال المؤلف ﵀: (باب سجودِ السهوِ، وهو سجدتانِ قبل التسليمِ أو بعدهُ، وبإحرامٍ، وتشهدٍ، وتحليلٍ) سجود السهو سجدتان آخر الصلاة، إما قبل التسليم أو بعده.

стр. 108

ويكون سجود السهو لجبر ما حصل في الصلاة من زيادة أو نقص أو شك وإرغاماً للشيطان. وأما التسليم في سجود السهو فصح عن النبي ﷺ في «الصحيحين» وغيرهما. وأما قوله: (وبإحرام) أي بتكبير، فقد صح ذلك عنه ﷺ في حديث أبي هريرة في ذكر قصة ذي اليدين، قال: «فرجع فصلى الركعتين الباقيتين ثم كبّر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه» (١). وأما قوله (وبتشهد) فوردت بذلك ثلاثة أحاديث كلها ضعيفة لا يصحّ منها شيء، والأحاديث التي في «الصحيحين» ليس فيها ذكر التشهد. وأما قوله (وتحليل) يعني وتسليم، فقد ورد في «الصحيحين» وغيرهما، أنه سلّم بعد سجود السهو، منها: حديث عبد الله بن مسعود، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ خمساً، فقالوا: إنك صليت خمساً، فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم، ثم قال: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» (٢) متفق عليه قال المؤلف ﵀: (ويُشْرَعُ لتركِ مسنونٍ، وللزيادةِ - ولو ركعةً - سهواً، وللشكِّ في العدد) متى يشرع سجود السهو؟ الصحيح أنه يشرع عند كل سهو لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: «فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين»، سواء كان السهو بزيادة شيء من جنس الصلاة أو بنقصان. وكذلك يشرع عند الشك في عدد الركعات، فإذا شككت ولم تدر أصليت أربعاً أم ثلاثاً، فاجعلها ثلاثاً ثم أكمل الرابعة ثم اسجد سجدتين قبل أن تسلّم. لحديث أبي سعيد في «الصحيحين»، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى، ثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين

стр. 109

قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان» (١). وهذا إذا لم يغلب على ظنه شيء بعد الشك، وأما إذا غلب على ظنه شيء فيعمل بغلبة الظن ثم يسجد بعد السلام وذلك لحديث ابن مسعود في «الصحيحين»: قال: قال رسول الله ﷺ : «وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم ليسلّم، ثم يسجد سجدتين» (٢). قال المؤلف ﵀: (وإذا سجدَ الإمامُ تابعهُ المؤتمُّ) وذلك لما ورد بالأمر بمتابعة الإمام. ولا يسجد المؤتم وحده إذا سها خلف الإمام، لقوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» (٣). أما موضع السجود، فالصحيح أن المصلي مخيّر بين أن يسجد قبل السلام أو بعده فقد جاءت الأحاديث بهذا وهذا، واتفق العلماء على أن من سجد قبل السلام أو بعده، فصلاته صحيحة، وإنما اختلفوا في الأفضل (٤). قال المؤلف ﵀: (بابُ القضاءِ للفوائتِ) (القضاء) لغة: الحكم، ويأتي بمعنى الأداء. واصطلاحا - أي عند الأصوليين -: «إيقاع العبادة خارج وقتها الذي عينه الشرع لمصلحة فيه». و(الأداء) عندهم: إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعاً. و(الإعادة): ما فعل في وقت الأداء لخلل في الفعل الأول. و(الفائتة): هي التي خرج وقتها ولم تؤدَّ فيه.

стр. 110

ولكن، هل تقضى الصلاة الفائتة؟ ! قال المؤلف ﵀: (إن كان التركُ عَمْداً -لا لِعُذْرٍ - فَدَيْنُ اللهِ تعالى أحقُّ أن يُقْضى) الفائتة إما أن تكون فاتت لعذر كما سيأتي، وإما أن تكون فاتت لغير عذر كتكاسل مثلاً، أو كما يقول بعض الناس كنت في السوق أو كنت في سهرة أو ماشابه، فهل تقضى الصلاة الفائتة لغير عذرٍ؟ هذه المسألة مبنية على مسألة أصولية وهي، هل القضاء يكفي فيه دليل وجوب العبادة، أم لا بد من دليل جديد يطلب القضاء؟ ! أي حين أمر الله بصلاة الظهر في وقت معين، ثم أخرجتها أنت عن وقتها، وفعلتها خارجه، فهل فعلها خارج وقتها مبني على أنه أمرك بفعلها في وقتها، أم لابد أن يكون عندك دليل جديد يطلب منك عملها خارج وقتها؟ الراجح: الثاني، أي أنه لا بد من دليل جديد يطلب منك عملها خارج وقتها - وهو قول الأكثر - وذلك لأن اقتران العبادة بوقت معين يدلُّ على أن مصلحة العبادة مختصة بذلك الوقت، إذ لو كانت المصلحة في غيره لما خصصت به، فيحتاج القضاء إلى أمر جديد كي يدل على بقاء المصلحة خارج الوقت. واختلف القائلون بالأمر الجديد، هل الصلاة الفائتة لها أمر جديد أم لا؟ الذين قالوا: لها أمر جديد، استدلوا بحديث ابن عباس ﵁، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: «نعم، فدين الله أحق أن يُقضى» متفق عليه (١). قالوا: الصلاة الفائتة من دَيْنِ الله. وأجاب الآخرون: بأن هذا الحديث في حق المعذور، والنبي ﷺ قال هذا في صيام النذر المطلق الذي ليس له وقت محدد الطرفين، كما في رواية في «الصحيحين». وقد أشبع ابن القيم المسألة بحثاً وتحقيقاً في «الصلاة وأحكام تاركها».

стр. 111

والقول الصواب، هو أن غير المعذور إن أخرج الصلاة عن وقتها لغير عذر لا ينفعه قضاؤها. قال المؤلف ﵀: (وإن كان لعُذْرٍ، فليسَ بقضاءٍ، بل أداءٌ في وقتِ زوالِ العُذْرِ، إلا صلاةَ العيدِ، ففي ثانيهِ) يقول المؤلف: (إذا كان) ترك أداء الصلاة في وقتها المعين لها شرعاً (لعذر) من نوم مثلاً أو سهو أو نسيان (فليس بقضاء) بل يكون وقت الصلاة في حقه قد انتقل، فتكون صلاته أداءً، لقوله ﷺ : «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها، فليصلِّها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾» متفق عليه (١) وفي رواية في الصحيحين: «لا كفارة لها إلا ذلك» (٢). وفي رواية يُستدل بها للمؤلف: «فوقتها حين يذكرها». وثبت عنه أنه قال: : «ليس في النوم تفريط». فالرواية الأولى تدل على وجود تقصير في ترك الصلاة بالنوم كفارته أن تصلى بعد الاستيقاظ، ولكن هذا إذا حملنا الكفارة على أن قضاء الصلاة كفارة، ولكن إذا قلنا إن معنى الحديث: لا يلزمه في تركها صدقة ولا غيرها كما يلزم في ترك الصوم مثلا، اجتمع مع قوله: «ليس في النوم تفريط» (٣). أما الرواية الثانية فتدل على أن وقت صلاة النائم حين يستيقظ. والرواية الثالثة تدل على أن النوم ليس فيه تقصير. وأما الرواية التي استدل بها المؤلف فرواها البيهقي في الخلافيات، قال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٦٥٩): ورواه البيهقي في خلافياته باللفظ الذي ذكره المصنف من رواية حفص بن أبي العطاف عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يرفعه: من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها. لكن إسنادها ضعيف، قال البيهقي: حفص لا يحتج به ... إلخ

стр. 112

قال: (إلا صلاة العيد)، لأن صلاة العيد إذا فاتت لعدم رؤية الهلال مثلاً، ففواتها لعذر، فهذه لا تقضى متى تبين الهلال، بل تُقضى في اليوم التالي في نفس الوقت، لحديث ورد في ذلك سيأتي في موضعه إن شاء الله. قال المصنف ﵀: (بابُ صلاةِ الجمعةِ، تَجِبُ على كُلِّ مُكَلَّفٍ إلا المرأةَ والعبدَ والمسافرَ والمريضَ) صلاة الجمعة، معروفة، وهي فريضة من فرائض الله ﵎، قال ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾. وقال ﷺ : «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة، عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض» (١). وهؤلاء الذين ذكر لا تجب عليهم الجمعة. ولم يذكر المصنف الصبي، لأنه غير مكلف لا بجمعة ولا بغيرها، فإنه مرفوع عنه القلم حتى يحتلم. أما المسافر، فالصواب أنه لا جمعة عليه كما قال المؤلف، ودليله أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر في حجة الوداع يوم عرفة وكان يوم جمعة (٢). انظر «المغني» (٢/ ١٩٣). قال المؤلف ﵀: (وهي كسائرِ الصَّلواتِ لا تُخالِفُها إلا في مشروعيةِ الخطبتينِ قَبْلَها) صلاة الجمعة ركعتان كركعتي الفجر، لا فرق سوى أنه يشرع قبلها خطبتان. والخطبتان من صلاة الجمعة، وحكمهما أنهما واجبتان، لأن النبي ﷺ حرم الكلام والإمام يخطب (٣)، وهذا يدل على وجوب الاستماع إليهما، فيدل ذلك على وجوبهما.

стр. 113

ثم لو لم تجب لها الخطبتان لكانت كغيرها من الصلوات، ولا يستفيد الناس من التجمع لها، والمراد من التجمع لهذه الصلاة الموعظة وتذكير الناس. ثم إنه ﵇ واظب على الخطبتين في الجمعة، وهذا بيان لصفة صلاة الجمعة. وقول المصنف: (وهي كسائر الصلوات) يدل على أنها لا يشترط لها الإمام الأعظم كما يقول البعض، ولا العدد المخصوص، ولا المِصْرُ الجامع، فكل هذا لا دليل عليه، ولكن يشترط لها الجماعة للحديث المتقدم. قال المصنف: (ووقتُها وَقْتُ الظُّهْرِ) لكونها بدلاً عن الظهر. واختلف أهل العلم، هل يجوز أن تصلى قبل زوال الشمس؟ جمهور أهل العلم على أن وقتها وقت الظهر ولا تصحّ قبل الزوال. وهو الصواب، فالأحاديث التي يستدل بها المخالفون محتملة وليست واضحة فيما ذهبوا إليه، فلا تفيد غلبة ظن، ومنها ما هو ضعيف. وبوب البخاري في «صحيحه»: «باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس» قال: وكذا يُذكر عن عمر وعلي والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث، وذكر أحاديث. قال المؤلف ﵀: (وعلى من حَضَرَها ألا يَتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ) لنهي النبي ﷺ عن ذلك، قال عبد الله بن بُسر: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فقال له رسول الله ﷺ : «اجلس فقد آذيت» (١) وأذيّة المؤمن محرمة. ويستثنى من ذلك الإمام إذا لم يمكنه الوصول إلى مكانه إلا بذلك، ومكانه متقدم فلابد له منه.

стр. 114

ويجوز كذلك التخطي لمن وجد فرجة ولم يجد مكاناً، لأن التقصير لا يكون منه، ولكنه ممن ترك الفرجة، فهو سبب التخطي وليس المتخطي. قال المؤلف: (وأن يُنْصِتَ حال الخطبتين) لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: انصت، والإمام يخطب، فقد لغوت». متفق عليه (١) وعن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول الله ﷺ : «من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه، ثم لم يتخط رقاب الناس، ولم يلغ عند الموعظة كانت كفارة لما بينهما، ومن لغا وتخطى رقاب الناس، كانت له ظهراً» (٢). فالكلام أثناء الخطبة محرم ومبطل لأجر الجمعة، وتعدّ لصاحبها ظهراً. والمقصود باللغو: الباطل المردود، فهو كل ما يشغل عن الإنصات إلى الخطيب، فقد قال ﷺ : «من مس الحصا فقد لغا» (٣). وكما تقدم، إذا قال لصاحبه انصت فقد لغا، فدل ذلك على أن المراد باللغو هنا كل ما يشغل عن الإنصات إلى الخطيب، وأصله الباطل المردود. قال المؤلف ﵀: (ونُدِبَ له التَّبْكِيرُ) أي استحب له أن يأتي إلى الجمعة مبكراً لقوله ﷺ : «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» متفق عليه (٤).

стр. 115

والظاهر - والله أعلم - أن الساعة الأولى من بعد طلوع الشمس، لأن الوقت قبل ذلك وقت لصلاة الفجر. قال: (والتطيّبُ والتجُّملُ والدُّنوّ من الإمامِ) أي، ويستحب أيضاً لمن يأتي الجمعة أن يتطيّب، وهو الذي نسميه اليوم: العطر، فيستحب له أن يتعطّر، ويلبس جميل ثيابه، ويقترب من الإمام. - أما الطيب، فقد تقدم في حديث عبد الله بن عمرو ما يدل على استحبابه. وجاء في «الصحيح» عن سلمان الفارسي أن النبي ﷺ قال: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهّر ما استطاع من طهر، ويدّهن من دهنه، أو يمسّ من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرّق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» (١). والمراد بالدهن هنا: الطيب. - وأما دليل التجمل، فحديث عبد الله بن عمرو المتقدّم، قال: قال رسول الله ﷺ : «من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها، ولبس من صالح ثيابه»، ... إلى أن قال: «كانت كفارة لما بينهما ... » إلخ - وأما دليل استحباب الدنو من الإمام، فقوله ﷺ : «من غسّل يوم الجمعة واغتسل، ثم بكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغُ، كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها» (٢). وأما (غسل واغتسل)، فمعناهما واحد كقوله: (ومشى ولم يركب). ومعنى (بكّر وابتكر) أي خرج إلى الجمعة باكراً. قال المؤلف: (ومَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً منها فَقَدْ أدْرَكَها)

стр. 116

أي من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فقد أدرك الجمعة، ومن لم يدرك ركعة أكمل صلاته أربع ركعات فيصلي ظهراً، لأنه لم يدرك الجمعة، ودليل ذلك قول النبي ﷺ : «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» متفق عليه (١). وإدراك الركعة يكون بإدراك الركوع، ويدلّ على ذلك حديث أبي بكرة (٢). قال المؤلف ﵀: (وهي في يومِ العيدِ رخصةٌ) أي إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد، فصلاة الجمعة في يوم العيد رخصة، أي رُخّص في تركها لمن صلى العيد، لحديث زيد بن أرقم أن النبي ﷺ قال: «من شاء أن يُجَمِّعَ فليُجمِّع». وذلك أن معاوية سأل زيد بن أرقم: شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا؟ قال: نعم، صلى العيد أول النهار، ثم رخّص في الجمعة، فقال: «من شاء أن يجمّع فليجمّع» (٣). فمن صلى العيد سقط عنه وجوب حضور الجمعة، ولكن يجب على الإمام أن يُقِيمَها. قال ﵀: (بابُ صلاةِ العيدينِ) أي صلاة عيد الفطر وعيد الأضحى قال: (هي ركعتانِ، في الأولى: سَبْعُ تكبيراتٍ قَبْلَ القِراءةِ، وفي الثانيةِ: خَمْسٌ كذلك، ويَخْطُبُ بَعْدَها) أولا: حكم صلاة العيد.

стр. 117

صلاة العيد سنة مؤكدة على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو قول جمهور أهل العلم، والدليل على عدم وجوبه، حديث الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ في الصلاة: هل عليّ غيرها، قال ﵇: «لا إلا أن تطّوّع» (١). صفتها: وردت أحاديث في «الصحيحين» تدل على أنه ﷺ صلاها ركعتين. يبدأ في الركعة الأولى بسبع تكبيرات مع تكبيرة الإحرام، وفي الثانية يبدأ بخمس تكبيرات وليس منها تكبيرة القيام - لأنها تكون قبل أن يقوم - فيكبر خمساً بعدما يقوم، لحديث عبد الله بن عمرو قال: «إن النبي ﷺ كبّر في عيد اثنتي عشرة تكبيرة، سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية» (٢). خطبتها: خطبة العيد، خطبة واحدة بعد صلاة العيد لا قبلها، هكذا جاء في الصحيح. قال أبو سعيد الخدري: كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم ... إلخ (٣). قال المصنف: (ويُسْتَحَبُّ التَّجّمُّلُ) جاء في «الصحيحين» أن عمر وجد حُلّة في السوق فأتى بها النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ابتع هذه فتجمل بها للعيد والوفد، فقال: «إنما هذه لباس من لا خلاق له» (٤). وكانت الحلة من حرير، فأقرّه النبي ﷺ على التجمّل للعيد والوفد، ولم يقرّه على لبس الحرير. قال: (والخروجُ إلى خارجِ البَلَدِ)

стр. 118

أي، ويستحب أن تُصلى صلاة العيد في المصلى لا في المسجد، لمواظبته ﵇ على ذلك. قال: (ومخالفةُ الطريقِ) فقد كان ﷺ إذا كان يوم العيد خالف الطريق (١). قال ﵀: (والأكلُ قَبْلَ الخُروجِ في الفِطْرِ دونَ الأضْحَى) أي ويستحب ذلك. قال أنس بن مالك: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل التمرات، قال: ويأكل وتراً» (٢). وجاء من حديث بريدة، قال: «كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع» (٣). وأرجو أنه حسن. قال: (ووَقْتُها بَعْدَ ارتِفاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ إلى الزَّوالِ) وقتها كصلاة الضحى، وقد تقدم بيان وقت الضحى أنه من ارتفاع الشمس قدر رمح، ويقدر بربع ساعة بعد طلوع الشمس إلى الزوال، أي إلى دخول وقت الظهر. ودليل ذلك أن النبي ﷺ والخلفاء من بعده كانوا يصلونها بعد ارتفاع الشمس قيد رمح (٤)، كما جاء في الأحاديث، وقبل ارتفاع الشمس وقت نهي فلا تجوز الصلاة فيه. وتنتهي بدخول وقت صلاة أخرى وهي الظهر. فإن لم ير الناس الهلال ولم يعلموا بالعيد إلا بعد الزوال، خرجوا إلى العيد في اليوم الثاني، لحديث أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الصحابة، أن ركباً جاءوا إلى النبي ﷺ فشهدوا

стр. 119

أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يفطروا، فكانوا إذا شهدوا عنده من آخر النهار يأمرهم أن يفطروا، فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم (١). قال المصنف: (ولا أذانَ فيها ولا إقامةَ) قال ابن عباس وجابر بن عبد الله: لم يكن يؤذّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى. متفق عليه (٢). وقال عطاء: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعدما يخرج، ولا إقامة، ولا نداء ولا شيء، ولا نداء يومئذ ولا إقامة (٣). وليس بعدها صلاة ولا قبلها صلاة، ولا تحية مسجد في المصلى، فقد قال ابن عباس: إن النبي ﷺ خرج يوم الفطر فصلى ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها. متفق عليه (٤) وأما التكبير في يوم العيد فالثابت عن الصحابة أنهم كانوا يكبرون يوم الفطر إذا خرجوا إلى صلاة العيد. وأما في الأضحى فيبدأ من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، هكذا قال غير واحد من الصحابة. قال المؤلف- ﵀: (بابُ صلاةِ الخوفِ) أي الخوف من العدو، فهي صلاة تشرع في كل قتال مباح، كقتال الكفار والبغاة والمحاربين وكل من جاز قتاله، وفي حال الخوف من أي عدو كان حتى السباع. قال الله ﵎ ﴿وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم﴾. وصلاها النبي ﷺ وأجمع الصحابة على فعلها.

стр. 120

وأما صفتها، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلاها على كيفيات مختلفة موجودة في الصحيح وغيره. ومنها حديث سهل بن أبي حثمة في «صحيح مسلم». وصفتها، صفت طائفة مع النبي ﷺ ووقفت طائفة مواجهة للعدو، ثم صلى بهم النبي ﷺ ركعة ثم ثبت قائما للركعة الثانية، فأتم المؤتمون لأنفسهم، ثم انصرفوا، وصفّوا في مواجهة العدو، وجاءت الطائفة الأخرى وصلوا مع النبي ﷺ ، ثم ثبت جالسا وأتموا هم ركعة ثم سلّم بهم (١). ولها صور أخرى كما ذكر، يصلي الإمام بالمسلمين بالصورة التي تناسب المعركة. قال المؤلف ﵀: (وإذا اشتَدَّ الخوفُ والَتَحَم القِتالُ صلاها الراجلُ والرَّاكِبُ، ولو إلى غيرِ القِبْلَةِ، ولو بالإيماءِ) وهذه الحالة هي التي تسمى عند أهل العلم صلاة المسايفة التي يلتقي فيها المسلم مع عدوه، فلا يمكن في هذه الحالة أن تُصلى الصلاة على صورتها المعروفة، فخُفّف فيها، في عددها وفي هيئتها. فتصلى ركعة واحدة كما صحّت بذلك الأحاديث، ولو إلى غير القبلة، وتصلى إيماء، أي تحرك رأسك إلى الأسفل عند الركوع والسجود. وقوله (الراجل والراكب) أي الماشي على قدميه أو الراكب على دابته. عن ابن عمر قال: «فإن كان خوف هو أشد من ذلك، صلوا رجالاً قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. قال مالك: قال نافع: لا أُرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله ﷺ (٢). وأما الركعة الواحدة، فلقول ابن عباس: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة» (٣).

стр. 121

قال المؤلف ﵀: (باب صلاةِ السَّفَرِ، يَجِبُ القَصْرُ) صلاة السفر لها أحكام خاصة بها. منها القصر: لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية قصر الصلاة الرباعية في السفر، وهي الظهر والعصر والعشاء، يصليها المسافر ركعتين. دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع قال الله ﵎: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ قال يعلى بن أمية: قلت لعمر بن الخطاب: فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (١). أي قصر الصلاة في السفر. قال ابن المنذر: «أجمع أهل العلم على أن لمن سافر سفراً يُقْصَرُ في مثله الصلاة، وكان سفره في حج أو عمرة أو جهاد، أن يقصر الظهر والعصر والعشاء، فيصلي كل واحدة منها ركعتين ركعتين» (٢). وأجمعوا على أن لا تقصير في صلاة المغرب، وصلاة الصبح (٣). قال ابن حزم: «واتفقوا على أن من حج أو اعتمر أو جاهد المشركين أو كانت مدة سفره ثلاثة أيام فصاعداً فصلى الظهر والعصر ركعتين فقد أدى ما عليه» (٤). ولكن اختلف أهل العلم في حكم القصر للمسافر، هل هو واجب أم مستحب؟

стр. 122

ذهب بعض أهل العلم إلى الوجوب واستدلوا بقول عائشة: «أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر» متفق عليه (١). وعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (٢). وقال بوجوب القصر غير واحد من الصحابة وغيرهم. وأما من قال بأن للمسافر أن يتم ويقصر، فاحتج بفعل عثمان، فقد أتم وهو مسافر وصلى خلفه الصحابة وتابعوه على ذلك، ومنهم ابن مسعود (٣)، ولو كان الإتمام غير جائز ما أتموا خلفه وإن كان إماماً، لأنه زاد في الصلاة ما ليس منها. وكذلك احتجوا بالآية المتقدمة، ففي قوله ﴿فليس عليكم جناح﴾ نفي للجناح الذي هو الإثم، ونفي الجناح لا يدل على الوجوب. قال ويدل على أنها رخصة قول النبي ﷺ : «صدقة تصدق الله بها عليكم» (٤) فالصدقة تكون رخصة. ثم إن عائشة التي روت الحديث ثبت عنها أنها أتمت في السفر (٥). فالذي يظهر أن القصر ليس واجباً، والفريقان حجتهما قوية. قال المؤلف: (على مَنْ خَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ قاصِداً للسَفَرِ) أي يجب القصر على من خرج من بلده قاصداً للسفر، فهذا هو المسافر، فهو الذي خرج من محل إقامته قاصداً السفر.

стр. 123

قال: (وإن كان دونَ بَرِيِدٍ) أي وإن كانت مسافة السفر أقل من بريد، والبريد نصف يوم، أربعة فراسخ، أي ما يقارب عشرين كيلو. والصحيح أنه لا حد للسفر بالمسافة، لأن التحديد يحتاج لدليل شرعي صحيح ولا يوجد، وإذا ورد حكم شرعي يحتاج إلى حد ولم نجد له حداً في الشرع، رجعنا إلى اللغة، فإن لم نجد له حداً في اللغة، نرجع إلى العرف. فنظرنا في حد السفر الذي يعتبر به المسافر مسافراً له أحكام السفر في الشرع، فلم نجد، ونظرنا في اللغة فلم نجد، فرجعنا إلى العرف. وقد جاء عن أنس قال: «كان النبي ﷺ إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين» (١). وثلاثة أميال تساوي خمسة كيلو مترات تقريباً. وثلاثة فراسخ، الفرسخ الواحد ثلاثة أميال، فثلاثة فراسخ تساوي خمسة عشر كيلو تقريباً. فهذا يرد قول من حدد السفر بخمس وثمانين كيلو، فالعبرة بالعرف. قال المؤلف: (وإذا أقامَ ببلَدٍ مُتَرَدِّداً قَصَرَ إلى عشرين يوماً) يريد أن من بقي متردداً ولم يعزم الإقامة في بلد ما مدة معينة، فإنه يبقى يقصر إلى عشرين يوماً ثم يتم. وأخذ هذا العدد من أن النبي ﷺ أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة (٢). ولكن هذا لا يدل على التحديد، لأننا لا ندري إن بقي ﷺ أكثر من ذلك هل سيقصر أم سيتم؟ ! والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم.

стр. 124

والصحيح أن المسافر مسافر ما لم ينو واحداً من أمرين: الإقامة المطلقة: وهي أن ينوي الإقامة في البلد الذي نزله دون أن يقيد إقامته بزمن أو بعمل كسفراء البلدان مثلاً. الاستيطان: وهو أن ينوي أن يتخذ البلد الذي نزله وطناً له، فلا نية له في الخروج منه. قال المؤلف ﵀: (وإذا عزمَ على إقامةِ أربعٍ أتمَّ بَعْدَها) يستدلون لذلك بأن النبي ﷺ قدم مكة في حجة الوداع وأقام في مكة أربعة أيام يقصر الصلاة ثم خرج. وكان ﵇ قد عزم على الإقامة في مكة أربعة أيام لأنه قدم إلى الحج ولا ينصرف قبل الحج. وهذا الدليل لا يصلح للاستدلال به لما ذكروا، لأن النبي ﷺ قدم مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة اتفاقاً، وبقي فيها الرابع والخامس والسادس والسابع وصلى الصبح في اليوم الثامن ثم خرج إلى مِنى، فما أدرانا أنه لو قدم في اليوم الثالث أو الثاني أتمَّ؟ فما حصل اتفاقاً لا يصلح أن يستدلّ به. فالصواب ما ذكرنا سابقاً. قال المؤلف: (وله الجَمْعُ تَقْديماً وتَأخِيراً) كان النبي ﷺ إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب. متفق عليه (١) فهذا فيه جمع تأخير. وفي حديث معاذ «أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار» (٢).

стр. 125

وهذا فيه جمع التقديم والتأخير فكله جائز، وفيه أحاديث أخر. قال المؤلف ﵀: (باب صلاة الكسوفين) يعني بصلاة الكسوفين، صلاة الخسوف والكسوف، خسوف القمر وكسوف الشمس، ويقال أيضاً خسوف الشمس وكسوف القمر، فلا فرق بينهما. والكسوف هو انحجاب الشمس أو القمر بسبب غير معتاد. وكما ذكرنا فالكسوف والخسوف بمعنى واحد. وهما تخويف من الله لعباده كما جاء في الحديث وسيأتي. وأما دليل مشروعية صلاة الكسوف، فحديث «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، فإذا رأيتموهما فصلوا، وادعوا حتى يكشف ما بكم» (١). وثبت عنه ﷺ أنه صلى عندما خسفت الشمس في عهده ﷺ (٢). وقال ابن قدامة: «صلاة الكسوف ثابتة بسنة رسول الله ﷺ على ما سنذكره ولا نعلم بين أهل العلم في مشروعيتها لكسوف الشمس خلافاً، وأكثر أهل العلم على أنها مشروعة لخسوف القمر. انتهى (٣). قلت: والسنة ثبتت بكسوف الشمس والقمر، فلا عبرة بمخالفة من خالف بعد ذلك. قال المؤلف: (هي سُنَّةٌ) قال النووي ﵀: صلاة كسوف الشمس والقمر سنة مؤكدة بالإجماع (٤). قلت: والأمر الوارد في الحديث بالصلاة، مصروف عن الوجوب بحديث الأعرابي وبالإجماع.

стр. 126

قال: (وأصحُّ ما وَرَدَ في صِفَتِها رَكْعتانِ في كُلِّ رَكْعَةٍ رُكوعانِ، وورد ثلاثة وأربعة وخمسة) لما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة، قالت: «خسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ ، فصلى وقام الناس وراءه فقام قياما طويلا ثم ركع ركوعا طويلا ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى ثم انصرف» (١). وثبتت هذه الصفة عن ابن عمرو وابن عباس في «الصحيحين» وغيرهما (٢). هذه الصفة المتفق عليها، والنبي ﷺ لم يصل صلاة الخسوف إلا مرة واحدة، فعلى ذلك تكون الصفات الأخرى التي فيها أكثر من ركوعين إما شاذة أو منكرة، وإن أخرج بعضها مسلم فهي منتقدة. قال المصنف ﵀: (يقرأ بينَ كُلِّ رُكُوعينِ، ووردَ في كلِّ ركعةٍ ركوعٌ) القراءة ثابتة في أحاديث «الصحيحين»، ويجهر بها وينادى قبل ذلك: الصلاة جامعة. جاءت القراءة في «الصحيحين» من حديث عائشة، قالت: فصفَّ الناس وراءه فكبر فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم قال: سمع الله لمن حمده، فقام ولم يسجد وقرأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ... إلخ (٣). وأما الجهر بها فجاء في حديث عائشة في «الصحيح» أيضاً، أنها قالت: «جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته» (٤). وقوله (وورد في كل ركعة ركوع) ورد في «صحيح مسلم» من حديث سمرة، وأنكر عروة على أخيه ذلك وقال: أخطأ السنة. وهو في «صحيح البخاري».

стр. 127

قالوا لعروة: إن أخاك يوم خَسَفَت الشمس بالمدينة لم يزد على ركعتين مثل الصبح، قال: أجل، لأنه أخطأ السنة (١). ثم بعد ذلك يخطب، لأن النبي ﷺ خطب بهم بعد الصلاة وذكرهم وحثهم على الدعاء والصدقة والاستغفار والصلاة، كما في «الصحيحين»، فقد بوّب عليها الإمام البخاري باباً (٢). قال ﵀: (ونُدِبَ الدُّعاءُ والتَّكْبيرُ والتَّصَدُّقُ والاستغفارُ) أي ويستحب ذلك لقوله ﷺ : «هذه الآيات التي يرسل الله لاتكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوّف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره» وهو في «الصحيح» (٣). وفي رواية «فافزعوا إلى الصلاة» وهو في «الصحيحين» (٤). وفي رواية: «فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا» وهي في «الصحيحين» أيضاً (٥). قال المؤلف ﵀: (باب صلاة الاستسقاء) و(الاستسقاء)، طلب السُقيا من الله تعالى عند قَحْط المطر. ودليل مشروعيتها، فعل النبي ﷺ لها كما سيأتي في الحديث. قال المؤلف: (يُسَنُّ عِنْدَ الجَدْبِ ركعتانِ بَعْدَهُما خُطْبَةٌ تتضمن الذِّكْرَ والتَّرْغيبَ في الطاعةِ، والزَّجْرَ عن المعصيةِ، ويَسْتَكْثِرُ الإمامُ ومَنْ مَعَهُ مِنَ الاستغفارِ والدعاءِ برفعِ الجَدْبَ) صلاة الاستسقاء سنة، لأن النبي ﷺ فعلها ولا يوجد ما يدل على الوجوب. وتسن عند الجدب أي عند انقطاع المطر، ويبس الأرض (٦).

стр. 128

وهي ركعتان، لأن النبي ﷺ صلاها ركعتين (١). وخطب بعد الركعتين خطبة، جاء ذلك في حديث أبي هريرة، قال: «خرج النبي ﷺ يوماً يستسقي بنا، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا ودعا الله ، وحوّل وجهه نحو القبلة رافعاً يديه، ثم قلب رداءه جاعلاً الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن» (٢). وهي خطبة واحدة كخطبة العيد، وردت أحاديث تدل على أنه يبدأ بالدعاء والخطبة قبل الصلاة، والأمر في ذلك واسع. وكان يرفع يديه في دعاء الاستسقاء، وكذلك يفعل الناس خلفه (٣). وأما الترغيب بالطاعة والزجر عن المعصية، لأن ترك الطاعة وكثرة المعاصي هي سبب الجدب. قال ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ [الأعراف: ٩٦]. قال المؤلف: (ويُحَوِّلونَ جميعاً أرديتهم) تعميم الحكم خطأ، فالثابت أن النبي ﷺ هو الذي قلب رداءه (٤) ولم يرد في حديث صحيح أن الناس حوّلوا أرديتهم. فنقتصر على ما ورد، والحديث الوارد في تحويل الناس عند أحمد شاذ. وأما وقتها، ففي أي وقت ما عدا وقت الكراهة فقط، فلم يأت عن النبي ﷺ أنه عيّن لها وقتاً مُعيّناً.

стр. 129

كتاب الجنائز (الجنائز)، جمع جنازة، يقال جِنازة بكسر الجيم، وجَنازة بفتحها، والكسر أفصح، ومعناها النعش، أو الميت، وتطلق على النعش والميت معا. قال المؤلف ﵀: (مِنَ السنة عيادةُ المريضِ) (من السنة): أي من طريقة النبي ﷺ ومن هديه عيادة المريض. ومعنى عيادة المريض زيارته. ودليل سنية عيادة المريض، قول النبي ﷺ : «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس». متفق عليه (١). وقد ذكرنا معنى المتفق عليه، أي أن هذا الحديث أخرجه البخاري في «صحيحه» وأخرجه مسلم في «صحيحه». والشاهد منه قول النبي ﷺ : «وعيادة المريض»، فحق المسلم على المسلم عيادة المريض: أي زيارته. وفي رواية عند مسلم زاد «النصيحة» (٢). وفي رواية أخرى عند البخاري «نصر المظلوم وإبرار القسم» (٣).

стр. 130

وعيادة المريض مشروعة بالاتفاق (١)، ولكن اختلف أهل العلم في حكمها، فقد نقل النووي ﵀ الإجماع على أنها ليست واجبة وجوباً عينياً (٢). والواجب في شرع الله هو ما أمر به الشارع أمراً إلزامياً، أي أمراً جازماً، أي أن الله أمرنا بالفعل وألزمنا بفعله فمن لم يفعله فهو مُعِّرض نفسه للعقاب. والواجب ينقسم إلى قسمين: واجب عيني وواجب كفائي. ونعني بالواجب العيني، أن كل مسلم مكلف مطلوب منه أن يعمل هذا العمل مثل الصلاة والصيام وغيرها، فهذا يسمى واجباً عينياً. أما الواجب الكفائي، فنعني به أنه الذي إذا قام به البعض سقط عن الباقين. أي أن يطلب الله منا أو يأمرنا بفعل ليس المقصود أن يفعله زيد أو بكر لكن المقصود أن يُفعل هذا الفعل، مثل دفن الميت. فدفن الميت واجب كفائي، واجب على جميع الأمة أن تدفن هذا الميت، فإذا لم يدفنه أحد أثم كل من علم به ولم يفعله، لكن إذا دفنه واحد سقط هذا الوجوب عن جميع الأمة، فالمطلوب الأساسي من الأمر هو الفعل، أن يُفعل بغض النظر عن فاعله. هذا معنى الواجب الكفائي. طلب العلم الشرعي ووجود علماء في الأمة واجب كفائي، إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإذا لم يقم به أحد أو قام به بعض لا يكفون يبقى هذا الحكم معلقاً في رقاب الأمة حتى يقوموا به وإلا أثموا عند الله ﵎. هذا معنى الواجب الكفائي أنه إذا قام به بعض الأمة سقط عن جميع الأمة. فهنا نقل النووي ﵀ الاتفاق على أن عيادة المريض ليست واجباً عينياً، يعني إذا سمعنا بأن فلاناً مريض، فلا يجب على كل واحد منا أن يذهب ليزوره، فلو ذهب واحد وزاره سقط هذا الواجب لأن الصحيح أنه واجب كفائي. هذا من حيث الوجوب، لكن إذا ذهب جمع فهو مستحب لا بأس به، فهو واجب كفائي لأن النبي ﷺ جعله من حقوق المسلم على المسلم، فمن حق المسلم على المسلم، أن يزوره

стр. 131

بعض المسلمين. والمراد بالمريض هنا الذي مرض مرضاً يحبسه عن الخروج إلى الناس، ليس الذي جرحته مثلاً زجاجة أو ما شابه. فالسنة في مثل هذا المرض عيادة صاحبه، لأن المراد بالعيادة هو مواساة المريض وأن يستأنس بالناس ولا يشعر بالوحدة والانقطاع عنهم وتذكيره بالصبر على البلاء إلى أن يرفع عنه وهذا يحصل برؤيته. قال المؤلف ﵀: (وتلقين المحتضَر الشهادتين) (التلقين): تقول لقّنْتُه الشيء فتلقنه إذا أخذه من فيك مباشرة، فهو إعطاؤه الشهادتين مشافهة تقول له يا فلان: قل لا إله إلا الله محمد رسول الله، هذا معنى التلقين. و(المحتَضَر) بفتح الضاد الذي حضره الموت فهو في النزع. (الشهادتين) أي أن تقول له: قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. بعض الناس يقول لك: لا تقل له: «قل»، بل نقول له: «قل»، فهكذا علمنا النبي ﷺ وهكذا فعل، فقد قال لأحد من كان على وشك الموت: «قل لا إله إلا الله» (١)، لكن لا ترددها عليه، فإذا قالها فاسكت، فإن عاد وتكلم فأعدها عليه، لأن النبي ﷺ قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (٢). فنحن عندما نلقن هذا المحتضَر الشهادتين نريد أن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله كي يكون من أهل الجنة فإذا قالها تسكت، وإذا بقي عليها فلا تعيدها عليه، لكن إن عاد وتكلم بكلام آخر تعيدها عليه كي تكون آخر ما يقول. فتلقين المحتضر سنة ثابتة عن النبي ﷺ ، قال أبو سعيد الخدري، قال رسول الله ﷺ : «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» (٣). ومعناه من حضره الموت لا الميت، لأن النبي ﷺ لقّن من حضره الموت لا الميت. قال ﵀: (وتَوْجيهُهُ) أي ومن السنة توجيه المحتَضر إلى القبلة، ولكن هل هذا من السنة كما قال المؤلف أم لا؟

стр. 132

في المسألة خلاف بين أهل العلم، فبعضهم يقرر ما قرره المؤلف ويقول إنه من السنة، لكنهم يعتمدون على أحاديث ضعيفة لا يصح منها شيء، ولم يثبت عن النبي ﷺ في حديث صحيح أنه كان يوجه المحتضر إلى القبلة، وهو حديث عبيد بن عمير عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال وقد سأله رجل عن الكبائر، قال: «هي تسع» يعني الكبائر، وذكر منها «استحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً» (١) قالوا: قال: «قبلتكم أحياءً وأمواتاً»، فمن أراد أن يموت نستقبل به القبلة. وهذا خطأ، خطأ من ناحية أن الحديث نفسه ضعيف لا يصح. والأمر الثاني: قوله أمواتاً، فالمحتضر ليس ميتاً ما زال حياً فلا يدخل فيه. وإنما المقصود أنكم تستقبلون البيت في الصلاة، وكذلك أمواتاً في القبر، فالميت في قبره يكون متجهاً إلى القبلة. واستدلوا أيضاً بحديث عند الحاكم عن أبي قتادة أن البراء بن معرور أوصى أن يوجه إلى القبلة إذا احْتُضِر، فقال رسول الله ﷺ : «أصاب الفطرة»، وهو حديث ضعيف، فهو مرسل وفيه نعيم بن حماد، وهو ضعيف (٢). وكان سعيد بن المسيب وهو أحد أئمة التابعين الكبار من فقهاء المدينة السبع يُنكر هذا الفعل، فقد وجهوه إلى القبلة وكان يحتضر فلما استيقظ قال من فعل بي ذلك، قالوا فلان فأنكره وقال: أليس الميت أمرأً مسلماً، فلماذا توجهونه إلى القبلة (٣). فالعبرة بالدليل على كل حال، وبما أنه لم يرد في السنة شيء صحيح عن النبي ﷺ في ذلك، فليس هذا من السنة وخاصة أنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه حضر أكثر من واحد كانوا يحتَضَرون ومع ذلك لم يثبت عنه في حديث واحد أنه أمر بهم أن يوجهوا إلى القبلة، فالصحيح إذاً أن هذا الفعل ليس من السنة.

стр. 133

قال ﵀: (وتَغْمِيِضُهُ إذا مات) أي من السنة تغميض عيني الميت إذا مات، لحديث أم سلمة قالت دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه النبي ﷺ ، أي بعدما مات فتح أبو سلمة عينيه فأغمضه النبي ﷺ ثم قال: «إن الروح إذا قبض تبعه البصر» فضجّ ناس من أهل أبي سلمة، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» (١). فليكن العبد حذراً في هذه اللحظة أن يدعو على نفسه بشيء فيهلك في دنياه وآخرته فإن الملائكة تؤمن على ما يقول، ثم قال رسول الله ﷺ : «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وأخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه». وشاهِدنا من الحديث قول أم سلمة: أن النبي ﷺ دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه يعني فأغمض عينيه. قال المؤلف: (وقراءة يس عليه) أي من السنة أن تقرأ سورة يس على الميت، بعد موته وقبل وضعه في القبر. واستدل المصنف ﵀ بعد أنّ ذكر هذا بقوله ﷺ : «اقرأوا على موتاكم يس» (٢). أخرجه أبو داود وغيره، وضعفه الدارقطني، وقال: «لا يصح في هذا الباب حديث»، وضعفه ابن القطان الفاسي وغيرهما. وقد ذكرنا فيما مضى أن أي حديث تذكره تذكر مصدره الأساسي، من خرّج هذا الحديث من كتب السنة المعتمدة، ثم إذا كان خارج «الصحيحين» يلزمك أن تذكر من صححه أو ضعفه من العلماء، لأن أحاديث «الصحيحين» قد اتفق علماء الإسلام على صحة ما فيهما إلا أحاديث يسيرة صححها البخاري وصححها مسلم، أما ما كان خارج «الصحيحين»، فنحتاج إلى معرفة مصدر الحديث ومعرفة من صححه أو ضعفه.

стр. 134

فالحديث السابق ضعيف وإذا كان ضعيفاً فلا يعمل به، لأن العمل لا يكون إلا بالحديث الصحيح، والحديث الصحيح هو ما ثبت أن النبي ﷺ قاله، أما الحديث الضعيف فأنه ما لم يثبت أن النبي ﷺ قاله. فهذا الحديث، ضعفه الدارقطني وهو إمام كبير من علماء الحديث ومتخصص في علم العلل، وكذلك ضعفه ابن القطان الفاسي وهو من علماء هذا الشأن الكبار. فقراءة سورة يس على الميت لا تصح، لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه حضر أقواماً يحتضرون ومع ذلك لم يصحّ عنه أنه قرأ القرآن عليهم ولا أمر بذلك ولا رغب فيه. قال المؤلف ﵀: - (والمبادَرَةُ بتَجْهيِزِهِ إلا لتَجْويزِ حياته) أي من السنة الإسراع في تجهيز الميت بتغسيله وتكفينه ودفنه إلا إذا احتملنا أن يكون حيّاً، ولم نتأكد من موته، فلا نسرع في تجهيزه لئلا ندفنه وهو حي. والأحاديث التي استدل بها المؤلف ضعيفة لا تصح، ولا يحتج بها، ضعفها الترمذي والحافظ وغيرهما. ولكن الإسراع بتجهيزه أفضل خشية أن يتغير الميت. وأصح ما استدل به من قال بسنية الإسراع قول النبي ﷺ : «أسرعوا بالجنازة»، والمراد بذلك عند حمله والذهاب به إلى قبره لا الإسراع من البداية وإن كان الحديث يحتمل ذلك، لكن سياقه يدل على أن المراد من الإسراع بالجنازة بعد حملها على الرقاب فإن النبي ﷺ قال: «فإنه إما أن يكون خيراً فتقدمونها إليه أو أن يكون شراً فتضعونه عن رقابكم» (١)، فقوله تضعونه عن رقابكم» قرينة تدل على أن الأمر بالإسراع عند الحمل على الرقاب. وهذا المعنى هو الذي ذكره القرطبي والنووي. قال المؤلف ﵀: (والقضاءُ لدينه) أي من السنة أيضاً المبادرة بالقضاء لدينه لأن النبي ﷺ امتنع من الصلاة على الميت الذي عليه دين حتى التزم بذلك بعض الصحابة فصلى عليه، كما جاء في حديث سلمة بن الأكوع في «الصحيح» قال: كنا جلوساً عند النبي ﷺ إذ أُتي بجنازة فقالوا: صلِّ عليها، فقال: «هل عليه دين؟ » قالوا: لا، قال: «فهل ترك شيئاً» قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أُتي بجنازة

стр. 135

أخرى فقالوا: يا رسول الله صلِّ عليه، قال: «هل عليه دين؟ » قيل: نعم، قال: «فهل ترك شيئاً؟ » قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليه. لأنه وإن كان عليه دين لكن وجِد ما يقضى به دينه. ثم أتي بثالثة فقالوا: صلِّ عليها، قال: «هل ترك شيئاً؟ »، قالوا: لا، قال: «فهل عليه دين؟ » قالوا: ثلاثة دنانير - أي عليه ثلاثة دنانير-، قال: «صلوا على صاحبكم»، قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله، وعليّ دينه، فصلى عليه ﷺ (١). فمن هذا الباب قال المؤلف ﵀ من السنة المبادرة لقضاء دين الميت حتى يرفع عنه الإثم وتبرأ ذمته منه. وقد كان هذا في أول الأمر، ولما فتح الله على رسول الله ﷺ ، قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً، فعليّ قضاءه، ومن ترك مالاً فلورثته» (٢). فيستحب الإسراع بقضاء دين الميت عنه. قال المؤلف ﵀: (وتَسْجِيَته)، أي تغطيته. ويسن تغطيته بعد أن تخرج روحه بثوب يستر جميع بدنه، إلا إذا كان محرماً، لحديث عائشة: «أنه ﵇ حين توفي سُجِّي ببردة حبرة» (٣) وهي ثوب يماني مخطط. وأما المحرم فقد قال ﵇: «ولا تخمروا رأسه ووجهه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» (٤). يعني لا تغطوا وجهه ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً وقوله (وجهه) انفرد بها مسلم. قال المؤلف ﵀: - ويجوز تقبيله) أي يجوز تقبيل الميت ففي «الصحيح» أن أبا بكر الصديق ﵁ قبّل النبي ﷺ بعد موته (٥).

стр. 136

قال المؤلف ﵀: (وعلى المريض أن يُحْسِنَ الظَّنَّ بربِّهِ) وذلك لقوله ﷺ : «لا يموتَنَّ أحدُكُم إلا وهو يحسن الظن بربه» (١). وذلك - أي إحسان الظن بالله - بأن يوقن بأن الله ﵎ لا يظلم أحداً، وأنه إذا تاب ورجع إلى الله ﵎ أن الله سيقبل توبته، وأن الله غفور رحيم، ولا يقنط من رحمة الله فهي واسعة تسعُه وتَسعُ غيره. قال المؤلف: (ويتوب إليه) التوبة لغة: الرجوع، وفي الشرع: الرجوع عن معصية الله تعالى إلى طاعته. ولها شروط: الشرط الأول: الإخلاص، بأن تكون التوبة ابتغاء وجه الله ﵎. والثاني: الندم، أي أن يندم على فعل ما مضى من معاصٍ وذنوب. والثالث: الإقلاع عن الذنب الذي تاب منه، فلا تنفع توبة وأنت باق على فعل الذنب، فمن كان يشرب الخمر ويقول أستغفر الله وأتوب إليه، فلا يصلح منه ذلك وإنما يجب ترك هذا الذنب، ورد الحقوق لأصحابها إن كانت معصيتك هذه بسرقة أو غصب أو ما شابه، فوجب عليك أن ترد الحقوق لأصحابها لتقبل التوبة. والرابع: العزم على عدم العودة إلى هذا الذنب. والخامس: أن تكون توبته في زمن قَبول التوبة، فإن لها زمناً تقبل فيه، زمن عام يشترك الناس جميعاً فيه وهي أن تطلع الشمس من مغربها، ، كما قال ﷺ (٢)، ووقت خاص بكل عاصٍ ومذنب وهو قبل الغَرْغَرَةِ - أي عند خروج الروح - فإذا وصل العبد إلى درجة الغرغرة لا تُقْبَل منه توبة كما جاء في الأحاديث الصحيحة (٣). قال المؤلف ﵀: (ويَتَخَلَّصُ عن كُلِّ ما عليه) أي يتخلص من كل ما عليه من حقوق، من دَين أو وَدِيعَةٍ أو غَصْبٍ أو غيرها من حقوق العباد، يتخلص منها كلها، إما برَدِّها مباشرة إلى أصحابها أو بكتابة وصية بذلك، فإن لكل شخص حقّاً سيطالب به أمام الله ﵎ فلابد إذن من التخلص من الحقوق لتبرأ ذمتك ولا يطالبك أحد بشيء بين يدي الله ﵎.

стр. 137

هذه كلها أفعال تُفعل ويُسنُّ فعلها في بداية حال الميت، إما عند الاحتضار أو بعد الموت وقبل البدء بالتغسيل، ثم بعد ذلك يُبدء بالتغسيل. قال المؤلف ﵀: (فصلٌ: غسل الميت) قال ﵀: (ويجبُ غَسْلُ الميِّتِ على الأحياء) وجوبه مأخوذ من أمره ﷺ في المُحرِم الذي وقصته ناقته - أي كسرته فمات -، قال: «اغسلوه بماء وسدر» (١). وقال في ابنته زينب: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، أو أكثر من ذلك» (٢). فأمره هنا بالغسل يدل على الوجوب، لكن الوجوب هنا وجوب كفائي، فالمراد هو إيقاع الفعل فإذا وقع من البعض سقط عن الباقين، ووجوب غسله مجمع عليه كما قال النووي وغيره (٣). قال المؤلف ﵀: (والقريبُ أولى بالقريبِ إذا كان من جنسه) أي الذكر أولى بالذكر من أقربائه، والأنثى أولى بالأنثى من قريباتها، هذا معنى كلام المؤلف ﵀ فهو يشير إلى أن الأولى في تغسيل الميت هم أقرباؤه. ودعوى الأولوية هنا تحتاج إلى دليل، ولا نعلم دليلاً صحيحاً يدل على ما ذكره المؤلف ﵀، وإنما هو الاستحسان فقط، وحديث ضعيف أخرجه أحمد وغيره أن النبي ﷺ قال: «ليليه أقربكم إن كان يُعلم، فإن لم يكن يُعلم فمن ترون عنده حظّاً من ورعٍ وأمانة» (٤).

стр. 138

قال ﵀: (وأحد الزوجين بالأخر) يريد المؤلف هنا أن أحد الزوجين أولى بتغسيل الزوج الآخر، فالمرأة أولى بتغسيل زوجها والزوج أولى بتغسيل زوجته من غيرهم، هذا ما يذكره المؤلف ﵀. أما الجواز فنعم - وهو جواز أن تغسل المرأة زوجها والزوج زوجته -، فإن علياً ﵁ هو الذي غسّل فاطمة (١)، وصحّ عن عائشة أنها قالت: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسّل رسولَ الله ﷺ إلا نساؤه» (٢). فهذا يدل على الجواز. لكن الأولوية أمر زائد عن الجواز، وهذا يحتاج إلى دليل خاص، ولا نعرفه، فلا يوجد دليل صحيح يدل على هذه الأولوية، وقد مات في عهد النبي ﷺ الكثير وما كان ﷺ يحث على ذلك ولا يرشد إلى أنّ الزوج أولى بتغسيل زوجته أو أنّ الزوجة أولى بتغسيل زوجها. قال المؤلف ﵀: (ويكون الغسل ثلاثاً أو خمساً أو أكثر بماء وسدر) أما السدر فهو ورق شجر النبق، يُدق ويُخلط مع الماء، فيعمل عمل الصابون إلا أنه أفضل من الصابون. أما كون الميت يُغسَّل ثلاثاً فأكثر، فهذا لحديث أم عطية، قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته، فقال: «اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن فآذنني»، فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه فقال: «أشعرنها إياه» - تعني إزاره (٣). فهذا الحديث يدل على أن أقل الغَسْلِ ثلاث مرات، لأن النبي ﷺ بدأ بالثلاث، فيدل على سنية هذا الأمر، والزيادة إذا احتاج الميت لذلك، أي إذا احتاج جسد الميت إلى غسل أكثر من ثلاث فيُغسَّل، ولكن يحافظ المُغَسِّلُ على الوتر فإذا احتاج إلى أربع غسلات غسّله خمس وإذا احتاج إلى ست غسلات غسّله سبع، وهكذا.

стр. 139

قال المؤلف: (وفي الآخرة كافور) لحديث أم عطية المتقدم فقد قال ﵇: « ... واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور». والكافور نبت طيب الرائحة، من خواصه أنه يُصلِّب الجسد. ويجوز أيُّ طيبٍ في هذا الموضع، إلا أن الكافور أفضل، لأن النبي ﷺ أرشد إليه وفيه خواص زائدة عن الطيب. قال ﵀: (وتُقدّم الميامن) أي جهة اليمين، فيبدأ بغسل الجهة اليمنى، لحديث أم عطية في رواية عنه ﷺ أنه قال: «ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها» وهذه الزيادة متفق عليها (١). ومعنى ذلك أن يبدأ بغسل أعضاء الوضوء والجهة اليمنى، ثم الجهة اليسرى بعد ذلك. وكان ابن سيرين- وهو راوي الحديث عن أم عطية - يبدأ بمواضع الوضوء، ثم بالميامن. قال المؤلف ﵀: (ولا يُغَسَّلُ الشهيدُ) المراد بالشهيد هو قتيل المعركة الذي يقتله الكفار، هذا هو الشهيد الذي تتعلق به الأحكام المذكورة الآن وفيما سيأتي من مسائل الجنائز, فمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الشهيد (٢). لكن أمر النيات لا يعلمه إلا الله ﵎، وما لنا إلا الظاهر، فمن قاتل من المسلمين في صفوف المسلمين ضد الكفار وقتله الكفار فيعتبر شهيداً في الحكم، ويُعطى أحكام الشهداء، فلا يُغسَّل ولا يُكفَّن ولا يُصلى عليه كما سيأتي، فقد فعل ﷺ ذلك بشهداء أحد (٣). فهذا يدل على أن الشهيد لا يُغسَّل، وهذا مذهب جمهور علماء الإسلام.

стр. 140

وأما من أطلق عليه اسم شهيد من غير شهداء المعارك، كالغريق والمبطون - وهو الذي يموت بمرض في بطنه - وصاحب الهدم والمطعون - وهو من مات في الطاعون -، فهؤلاء يغسَّلون ويكفنون ويصلى عليهم بالاتفاق (١). قال المؤلف ﵀: (فصلٌ: تكفينُ الميت) التكفين في اللغة: هو التغطية والسَترُ. ومنه سمي كفن الميت لأنه يستره. ومنه تكفين الميت أي تغطيته بالكفن. فالمعنى الاصطلاحي موافق للمعنى اللغوي. قال المؤلف ﵀: (ويجبُ تكفينه) أي يجب تكفين الميت وجوباً كفائياً، إذا قام به البعض سقط عن الباقين كما في الغَسل تماماً، لأن النبي ﷺ أمر به في حديث المحرم الذي وقصته ناقته - أي كسرته فمات- فقال فيه ﷺ : « ... وكفنوه في ثوبين» (٢) وهذا أمر، فتكفين الميت واجب. قال المؤلف ﵀: (بما يستره) وهو أقل ما يكفن به الميت، أن يُكّفن بشيء يستره، فيغطيه تغطية كاملة. والأفضل والأكمل أن يكفن بثلاثة أثواب، فقد ثبت أن النبي ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية من كُرْسُفٍ ليس فيهن قميص ولا عمامة، وهو في الصحيحين (٣)، وهو الأكمل. والرجل والمرأة في ذلك سواء. وقد فرق بعض أهل العلم بين المرأة والرجل، فقال المرأة تُكفن بخمسة أثواب، لكنهم احتجوا في ذلك بحديث ضعيف لا يصح (٤) والصحيح هو ما ذكرناه، وهو أن الرجال والنساء على السواء في التكفين بثلاثة أثواب بيض، وهذا أكمل ما يذكر في تكفين الميت.

стр. 141

وأما الإجزاء فيجزئ ولو بثوب واحد يستر الميت كله. وقوله هنا (بما يستره) جاء في الحديث أنّ النبي ﷺ قال: «إذا كَفَّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (١). قال العلماء والمراد بإحسان الكفن نظافته وكثافته وستره وتوسطه، وليس المراد السَّرْفُ فيه والمغالاة ونفاسته، بل أن يكون الكفن نظيفاً، كثيفاً يستر الميت، ساتراً مغطيّاً لجميع جسد الميت، فهكذا يكون الكفن حسناً. ويكون التكفين بأثواب بيض وهو الأفضل، فقد أرشد ﵇ إلى اللباس الأبيض وقال: «كفِّنوا فيه موتاكم» (٢). ولا يعني ذلك أن غيره لا يجوز لكن الأفضل هو الأبيض. فأفضل ما يكون التكفين بثلاثة أثواب بيض. قال ﵀: (ولو لم يَمْلِك غيره) إذا مات الميت ولا يملك إلا قطعة قماش، فيكفن بقطعة القماش تلك، لأن الكفن يكون من رأس مال الميت، أي من ماله الخاص. ودليل ذلك أن النبي ﷺ أمر بتكفين مصعب بن عمير في نمرة - وهي ثياب مخططة، كأنها أخذت من النمر - فلم يترك غير هذه النمرة، فيقول خباب بن الأرت راوي الحديث: كنا إذا غطينا بها رأسه كشفت قدماه، وإذا غطينا بها قدميه كشف رأسه، فأمرهم النبي ﷺ بتغطية رأسه ووضع الإذخر على قدميه (٣). والإذخر: حشيشة طيبة الرائحة. قال ﵀: (ولا بأس بالزيادة مع التَّمَكُّنِ من غير مُغَالاةٍ)

стр. 142

أي ولا بأس بالزيادة على ما يستر مع التمكن، أي مع القدرة على وجود الزيادة، من غير مغالاة وغلو في الكفن، فإنه سيدخل في إضاعة المال وقد نهى ﷺ عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال (١). فالواجب هو ثوب واحد يستر جميع الجسد، والأكمل هو ما كُفِّنَ به النبي ﷺ ، فقد ورد أنه كُفِّنَ في ثلاثة أثواب يمانية بيض سَحُولِيَّةٍ من كُرْسُفٍ ليس فيهن قميص ولا عمامة (٢). واليمانية، هي من صنع اليمن. والسحولية، أي بيض نقية، وقيل نسبة إلى مدينة في اليمن. والكرسف، قطن هذا أكمل شيء، أما مجاوزة الثلاثة في الكفن والزيادة والمغالاة، فإنها من إضاعة المال. قال: (ويُكَفَّنُ الشهيدُ في ثِيابِهِ التي قُتل فيها) فقد فعل النبي ﷺ ذلك بشهداء أحد، كفنّهم بثيابهم التي قُتلوا فيها. قال ابن قدامة في المغني: مسألة؛ قال: (ودفن في ثيابه، وإن كان عليه شيء من الجلود والسلاح نحي عنه) أما دفنه بثيابه، فلا نعلم فيه خلافاً، وهو ثابت بقول النبي ﷺ : «ادفنوهم بثيابهم». وروى أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم، بدمائهم. وليس هذا بحتم، لكنه الأولى ... انتهى باختصار. قال ﵀: (ونُدِبَ تَطْيِيبُ بَدَنِ الميِّتِ وكَفَنُهُ) أي ويستحب تطييب جسد الميت وتطييب كفنه إلا إذا كان الميت محرماً، فقد جاء في حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم فقتلته، قال: «ولا تمسوه بطيب فإنه يُبعث ملبياً» (٣)، فنهى أن يُطيّبوا من كان مُحرِماً، لأن الطيب يَحرُم على المُحرِم، فلا يجوز استخدامه واستعماله له، فإنه سيبعث يوم القيامة ملبياً.

стр. 143

وفي هذا إشارة إلى أنهم كانوا يستعملون الطيب للميت. فمن هنا أخذ المؤلف الكلام الذي ذكر. وقد ورد فيه حديث آخر، ولكنه ضعيف، وهو قوله: «إذا جمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً» (١). ويُستحب وضع الإذخر في القبر، لقول العباس لما نهى النبي ﷺ عن قطع ما ينبت في مكة من الأعشاب والأشجار، قال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله فإنّا نجعلها في بيوتنا وقبورنا، فقال ﷺ : «إلا الإذخر إلا الإذخر» (٢). والإذخر: حشيشة طيبة الرائحة. قال المؤلف ﵀: فصل صلاة الجنازة . قال: (وتجِبُ الصلاةُ على الميِّتِ) وجوباً كفائياً، فقد أمر بها ﷺ في غير ما حديث، قال لأصحابه: «صلّوا على صاحبكم» (٣)، وثبت في «الصحيح» أن الصحابة صلّوا على المرأة التي كانت تقم المسجد، ولم يُعلموا النبي ﷺ (٤). فدلّ ذلك على أن هذا الواجب كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين ولا يجب على جميع من سمع به أن يصلي عليه. قال المؤلف: (ويقومُ الإمامُ حِذاءَ رأسِ الرَّجلِ ووَسَطِ المرأةِ) أي أن الإمام عندما يريد أن يصلي على الميت، فإن كان الميت رجلاً، فيقوم الإمام عند رأسه، وإن كانت امرأة فيقوم عند وسطها، لحديث أنس أنه صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه، فلمّا رُفعت أُتي بجِنازة امرأة فقام عند وسطها، فلمّا سألوه عن فعله هذا، وقالوا

стр. 144

له أهكذا كان رسول الله ﷺ يقوم من الرجل حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم (١). وفي حديث سمرة بن جندب، أن امرأة ماتت في بطن، فصلى عليها النبي ﷺ فقام وسطها (٢). فدلّ ذلك على أن هذا الفعل سنة عن النبي ﷺ . قال المؤلف ﵀: (ويُكَبِّرُ أربعاً أو خمساً) الصحيح الثابت عنه ﷺ هو ما ذكره المؤلف فقط لا زيادة وهو التكبير أربعاً أو خمساً. أما الأربع فأحاديثها في «الصحيحين» (٣). وأما الخمس فورد فيه حديث عن زيد بن أرقم في «صحيح مسلم» أنه كان يُكبر على الجنائز أربعاً، قال: ثم إنه كبر على جنازة خمساً، فسُئل عن ذلك فقال: كان رسول الله ﷺ يُكبرها (٤). فعمل زيد بن أرقم من تكبيره خمساً، يدل على أن هذا الحكم غير منسوخ وإنما هو سنة ثابتة، لأن زيد بن أرقم علم الأربع وعلم الخمس، فدلّ ذلك على أنه من اختلاف التنوع الذي يفعل تارةً على صورةٍ، وتارةً على صورةٍ ثانيةٍ. أما الست والسبع فلم يرد فيها حديث مرفوع، بل وردت بعض الموقوفات عن بعض الصحابة منها ما هو صحيح ومنها ما ليس بصحيح، والحجة فيما فعله ﷺ لا فيما فعله غيره. وأما الثمان فلا أعرف شيئاً يثبت فيها. وأما التسع فورد فيها حديث: أن النبي ﷺ صلى على حمزة بتسع تكبيرات (٥).

стр. 145

لكن أحاديث الصلاة على حمزة قد استنكرها غير واحد من العلماء، ذكروا أنها منكرة مخالفة لما هو أصح منها، فلا يصح في التكبيرات إلا الأربع والخمس فقط. قال المؤلف ﵀: (ويقرأُ بعد التكبيرةِ الأولى الفاتحة وسورة) أما قوله (الفاتحة) فنعم، فقد ورد فيها حديث عن ابن عباس أنه صلى على جِنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال بعدما قرأها: ليعلموا أنها سنة (١)، أي سنة عن النبي ﷺ ، فيكبر المرء التكبيرة الأولى ويقرأ بعدها فاتحة الكتاب. وأما قوله (وسورة)، فلا يصحُّ فيها شيءٌ، جاء ذكرها في حديث ابن عباس السابق في «صحيح البخاري» الذي فيه ذكر قراءة الفاتحة، جاءت رواية خارج «صحيح البخاري» قال فيها: «إنه قرأ فيها بفاتحة الكتاب وسورة وجهر»، قال البيهقي ﵀: ذكر السورة غير محفوظ - أي هي زيادة شاذة - أي أنها شاذة - والصواب خلافها. وكذلك قوله في نفس هذا الحديث: «وجهر» أي جهر بفاتحة الكتاب , وهي أيضا زيادة غير محفوظة. والمحفوظ هو الذي في «الصحيح»: «أن ابن عباس قرأ بفاتحة الكتاب وقال: ليعلموا أنها سنة». قال ﵀: (ويدعو بين التكبيرات بالأدعية المأثورة) انتقل المؤلف ﵀ من التكبيرة الأولى مع الفاتحة إلى التكبيرات الثلاث مع ذكر الدعاء، إشارة منه إلى أن الصلاة على النبي ﷺ لا تثبت في هذا الموضع، ولذلك لم يذكرها أصلاً، وهذا محل خلاف بين أهل العلم.
следующие страницы →