← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأما الإجزاء فيجزئ ولو بثوب واحد يستر الميت كله. وقوله هنا (بما يستره) جاء في الحديث أنّ النبي ﷺ قال: «إذا كَفَّن أحدكم أخاه فليحسن كفنه» (١). قال العلماء والمراد بإحسان الكفن نظافته وكثافته وستره وتوسطه، وليس المراد السَّرْفُ فيه والمغالاة ونفاسته، بل أن يكون الكفن نظيفاً، كثيفاً يستر الميت، ساتراً مغطيّاً لجميع جسد الميت، فهكذا يكون الكفن حسناً. ويكون التكفين بأثواب بيض وهو الأفضل، فقد أرشد ﵇ إلى اللباس الأبيض وقال: «كفِّنوا فيه موتاكم» (٢). ولا يعني ذلك أن غيره لا يجوز لكن الأفضل هو الأبيض. فأفضل ما يكون التكفين بثلاثة أثواب بيض. قال ﵀: (ولو لم يَمْلِك غيره) إذا مات الميت ولا يملك إلا قطعة قماش، فيكفن بقطعة القماش تلك، لأن الكفن يكون من رأس مال الميت، أي من ماله الخاص. ودليل ذلك أن النبي ﷺ أمر بتكفين مصعب بن عمير في نمرة - وهي ثياب مخططة، كأنها أخذت من النمر - فلم يترك غير هذه النمرة، فيقول خباب بن الأرت راوي الحديث: كنا إذا غطينا بها رأسه كشفت قدماه، وإذا غطينا بها قدميه كشف رأسه، فأمرهم النبي ﷺ بتغطية رأسه ووضع الإذخر على قدميه (٣). والإذخر: حشيشة طيبة الرائحة. قال ﵀: (ولا بأس بالزيادة مع التَّمَكُّنِ من غير مُغَالاةٍ)

стр. 142

أي ولا بأس بالزيادة على ما يستر مع التمكن، أي مع القدرة على وجود الزيادة، من غير مغالاة وغلو في الكفن، فإنه سيدخل في إضاعة المال وقد نهى ﷺ عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال (١). فالواجب هو ثوب واحد يستر جميع الجسد، والأكمل هو ما كُفِّنَ به النبي ﷺ ، فقد ورد أنه كُفِّنَ في ثلاثة أثواب يمانية بيض سَحُولِيَّةٍ من كُرْسُفٍ ليس فيهن قميص ولا عمامة (٢). واليمانية، هي من صنع اليمن. والسحولية، أي بيض نقية، وقيل نسبة إلى مدينة في اليمن. والكرسف، قطن هذا أكمل شيء، أما مجاوزة الثلاثة في الكفن والزيادة والمغالاة، فإنها من إضاعة المال. قال: (ويُكَفَّنُ الشهيدُ في ثِيابِهِ التي قُتل فيها) فقد فعل النبي ﷺ ذلك بشهداء أحد، كفنّهم بثيابهم التي قُتلوا فيها. قال ابن قدامة في المغني: مسألة؛ قال: (ودفن في ثيابه، وإن كان عليه شيء من الجلود والسلاح نحي عنه) أما دفنه بثيابه، فلا نعلم فيه خلافاً، وهو ثابت بقول النبي ﷺ : «ادفنوهم بثيابهم». وروى أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم، بدمائهم. وليس هذا بحتم، لكنه الأولى ... انتهى باختصار. قال ﵀: (ونُدِبَ تَطْيِيبُ بَدَنِ الميِّتِ وكَفَنُهُ) أي ويستحب تطييب جسد الميت وتطييب كفنه إلا إذا كان الميت محرماً، فقد جاء في حديث الذي وقصته ناقته وهو محرم فقتلته، قال: «ولا تمسوه بطيب فإنه يُبعث ملبياً» (٣)، فنهى أن يُطيّبوا من كان مُحرِماً، لأن الطيب يَحرُم على المُحرِم، فلا يجوز استخدامه واستعماله له، فإنه سيبعث يوم القيامة ملبياً.

стр. 143

وفي هذا إشارة إلى أنهم كانوا يستعملون الطيب للميت. فمن هنا أخذ المؤلف الكلام الذي ذكر. وقد ورد فيه حديث آخر، ولكنه ضعيف، وهو قوله: «إذا جمرتم الميت فأجمروه ثلاثاً» (١). ويُستحب وضع الإذخر في القبر، لقول العباس لما نهى النبي ﷺ عن قطع ما ينبت في مكة من الأعشاب والأشجار، قال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله فإنّا نجعلها في بيوتنا وقبورنا، فقال ﷺ : «إلا الإذخر إلا الإذخر» (٢). والإذخر: حشيشة طيبة الرائحة. قال المؤلف ﵀: فصل صلاة الجنازة . قال: (وتجِبُ الصلاةُ على الميِّتِ) وجوباً كفائياً، فقد أمر بها ﷺ في غير ما حديث، قال لأصحابه: «صلّوا على صاحبكم» (٣)، وثبت في «الصحيح» أن الصحابة صلّوا على المرأة التي كانت تقم المسجد، ولم يُعلموا النبي ﷺ (٤). فدلّ ذلك على أن هذا الواجب كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين ولا يجب على جميع من سمع به أن يصلي عليه. قال المؤلف: (ويقومُ الإمامُ حِذاءَ رأسِ الرَّجلِ ووَسَطِ المرأةِ) أي أن الإمام عندما يريد أن يصلي على الميت، فإن كان الميت رجلاً، فيقوم الإمام عند رأسه، وإن كانت امرأة فيقوم عند وسطها، لحديث أنس أنه صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه، فلمّا رُفعت أُتي بجِنازة امرأة فقام عند وسطها، فلمّا سألوه عن فعله هذا، وقالوا

стр. 144

له أهكذا كان رسول الله ﷺ يقوم من الرجل حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم (١). وفي حديث سمرة بن جندب، أن امرأة ماتت في بطن، فصلى عليها النبي ﷺ فقام وسطها (٢). فدلّ ذلك على أن هذا الفعل سنة عن النبي ﷺ . قال المؤلف ﵀: (ويُكَبِّرُ أربعاً أو خمساً) الصحيح الثابت عنه ﷺ هو ما ذكره المؤلف فقط لا زيادة وهو التكبير أربعاً أو خمساً. أما الأربع فأحاديثها في «الصحيحين» (٣). وأما الخمس فورد فيه حديث عن زيد بن أرقم في «صحيح مسلم» أنه كان يُكبر على الجنائز أربعاً، قال: ثم إنه كبر على جنازة خمساً، فسُئل عن ذلك فقال: كان رسول الله ﷺ يُكبرها (٤). فعمل زيد بن أرقم من تكبيره خمساً، يدل على أن هذا الحكم غير منسوخ وإنما هو سنة ثابتة، لأن زيد بن أرقم علم الأربع وعلم الخمس، فدلّ ذلك على أنه من اختلاف التنوع الذي يفعل تارةً على صورةٍ، وتارةً على صورةٍ ثانيةٍ. أما الست والسبع فلم يرد فيها حديث مرفوع، بل وردت بعض الموقوفات عن بعض الصحابة منها ما هو صحيح ومنها ما ليس بصحيح، والحجة فيما فعله ﷺ لا فيما فعله غيره. وأما الثمان فلا أعرف شيئاً يثبت فيها. وأما التسع فورد فيها حديث: أن النبي ﷺ صلى على حمزة بتسع تكبيرات (٥).

стр. 145

لكن أحاديث الصلاة على حمزة قد استنكرها غير واحد من العلماء، ذكروا أنها منكرة مخالفة لما هو أصح منها، فلا يصح في التكبيرات إلا الأربع والخمس فقط. قال المؤلف ﵀: (ويقرأُ بعد التكبيرةِ الأولى الفاتحة وسورة) أما قوله (الفاتحة) فنعم، فقد ورد فيها حديث عن ابن عباس أنه صلى على جِنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال بعدما قرأها: ليعلموا أنها سنة (١)، أي سنة عن النبي ﷺ ، فيكبر المرء التكبيرة الأولى ويقرأ بعدها فاتحة الكتاب. وأما قوله (وسورة)، فلا يصحُّ فيها شيءٌ، جاء ذكرها في حديث ابن عباس السابق في «صحيح البخاري» الذي فيه ذكر قراءة الفاتحة، جاءت رواية خارج «صحيح البخاري» قال فيها: «إنه قرأ فيها بفاتحة الكتاب وسورة وجهر»، قال البيهقي ﵀: ذكر السورة غير محفوظ - أي هي زيادة شاذة - أي أنها شاذة - والصواب خلافها. وكذلك قوله في نفس هذا الحديث: «وجهر» أي جهر بفاتحة الكتاب , وهي أيضا زيادة غير محفوظة. والمحفوظ هو الذي في «الصحيح»: «أن ابن عباس قرأ بفاتحة الكتاب وقال: ليعلموا أنها سنة». قال ﵀: (ويدعو بين التكبيرات بالأدعية المأثورة) انتقل المؤلف ﵀ من التكبيرة الأولى مع الفاتحة إلى التكبيرات الثلاث مع ذكر الدعاء، إشارة منه إلى أن الصلاة على النبي ﷺ لا تثبت في هذا الموضع، ولذلك لم يذكرها أصلاً، وهذا محل خلاف بين أهل العلم.

стр. 146

والصحيح إن شاء الله أنها ثابتة لحديث أبي أمامة: «أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يُكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سراً في نفسه، ثم يصلي على النبي ﷺ , ويُخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات الثلاث، لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سراً في نفسه» (١). ثم يدعو بعد ذلك بما ورد عن النبي ﷺ . فقول أبي أمامة هنا «ثم يصلي على النبي ﷺ »، أُخذ منه أن الصلاة على النبي ﷺ بعد التكبيرة الثانية مسنونة وتفعل، خلافاً لما ذهب إليه المؤلف ﵀ , ثم بعد ذلك في التكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة - إن كبّرها - يكون الدعاء. وأفضل الدعاء، الدعاء بما ورد عن النبي ﷺ ، والحديث الوارد في ذلك حديث عوف بن مالك، وهو قوله ﷺ : «اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار» (٢). وأما الأدعية الواردة في أحاديث أخرى، فقال الإمام البخاري ﵀: «حديث أبي هريرة وأبي قتادة وعائشة غير محفوظ , وأصح شيء في الباب حديث عوف بن مالك» (٣). أي أنها أحاديث ليست بصحيحة، وحديث عوف بن مالك هو الحديث الذي قدمناه. وإن دعا بما فتح الله عليه فلا بأس إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: (ولا يُصلَّى على الغّال) الغّال: هو الذي سرق من الغنيمة - غنائم الحرب - قبل قسمتها على أصحابها.

стр. 147

ورد في ذلك أن النبي ﷺ امتنع من الصلاة على الغّال في غزوة خيبر، وهذا الحديث هو الذي استدل به المؤلف على ما ذكر. لكن في نفس الحديث قال ﷺ : «صلوا على صاحبكم» (١) , فيدل هذا على أن الغّال لا تترك الصلاة عليه مطلقاً، بل لابد أن يُصلى عليه كبقية المسلمين, بل أمر النبي ﷺ بالصلاة عليه. وأما امتناعه ﷺ من الصلاة عليه، فيُدل على أنه يشرع في هذه الحالة للإمام أو لمن كانت له مكانة في نفوس الناس أن يترك الصلاة على الغّال وعلى من فعل كبيرة من الكبائر ومعصية من المعاصي وبقي عليها، ليكون زاجراً لغيره عن هذا الفعل، فإذا عُرف أن مثل هذا الإمام أو الرجل الصالح لم يُصلِ عليه ولم يدعُ له بعد موته، فربما يكون هذا زاجراً لغيره عن فعلته. قال: (وقاتلِ نفسه). لما أخرجه مسلم في «صحيحه»: «أن النبي ﷺ , أُتي برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يُصلِّ عليه» (٢). المشاقص، جمع مِشْقَص: وهي نصل السهم، أي الحديدة التي هي رأس السهم الجارح. وهذا كالذي قبله تماماً، فإن قاتل نفسه مسلم - وإن كان قتل نفسه - ولكنه ارتكب عظيمة من العظائم، وجريمة كبيرة في حق نفسه، وإثم عظيم عند الله , وقد توعَّد الله فاعل ذلك بعذاب جهنم. وورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: «من قتل نفسه بشيء عُذب به يوم القيامة» (٣). وقال في حديث آخر: «من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوّجأ بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً» (٤).

стр. 148

ومعنى يتوجأ - أي يطعن -. فقاتل نفسه لا يزال يعذب في جهنم بما قتل نفسه به , ومن تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في جبل في نار جهنم ويعذب فيه خالداً مخلداً فيها أبداً - نسأل الله العافية والسلامة. فهذه جريمة عظيمة ينبغي أن يكون الناس على حذر منها. ولكن قاتل النفس يبقى مسلماً فالصلاة عليه واجبة كبقية المسلمين , ولكن - كما ذكرنا في الغال - من كان إماماً أو رجلاً صالحاً معروفاً بين الناس وله مكانة في نفوس الناس , فهذا يشرع له أن يترك الصلاة على هذا الشخص كي يكون ذلك رادعاً لغيره. قال المؤلف ﵀: (والكافرِ) أي ولا تجوز الصلاة على الكافر , فالصلاة عليه غير مشروعة , إذ لا تشرع إلا على المسلم فقط , قال الله ﵎: ﴿ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره﴾ , فهذا نهي من الله ﵎ عن الصلاة على غير المسلم، وكذلك الترحم عليه والاستغفار له محرم أيضاً لقوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ , فالكافر لا يجوز الاستغفار له ولا الترحم عليه بنص هذه الآية , ولا يجوز أيضاً أن نصلي عليه، فالصلاة عليه فيها استغفار وترحم على الكافر، والكافر لا يجوز الترحم عليه ولا الاستغفار له. وأما اليوم فهناك تجاوزات شديدة جداً في هذه المسائل، نسأل الله السلامة والعافية. قال ﵀: (والشهيدِ) أي ولا يُصلى أيضاً على الشهيد.

стр. 149

لكن هناك فرق بين عدم الصلاة على هذا وعدم الصلاة على الذي سبق، فهذا لا يصلى عليه لعظيم منزلته ولمكانته الرفيعة العالية , ولعدم حاجته لشفاعة أحدٍ، فهو الذي يشفع في الناس، وذاك لا يُصلى عليه لخسة منزلته وقلتها، وليكون ترك الصلاة عليه رادعاً له. والصلاة هي شفاعة من المصلين للمُصلَّى عليه وترحم له، والشهيد هو الذي يَشفع في الناس، وليس بحاجة لشفاعتهم. ولا يُصلى على الشهيد، لأن النبي ﷺ لم يُصل على شهداء أحد (١). قال ﵀: (ويُصَلَّى على القبرِ وعلى الغائبِ) المقصود بالصلاة على القبر هنا صلاة الجنازة، وأما الصلاة التي نهى النبي ﷺ عن صلاتها إلى القبر، إنما هي تلك الصلاة المعروفة، التي هي الأفعال والأقوال المخصوصة التي تؤدى في أوقات مخصوصة، صلاة الظهر أو العصر أو غيرها من الصلوات التي فيها ركوع وسجود, فهذه لا يجوز أن تُصلى لا على قبر ولا إلى قبر ولا في مقبرة كل ذلك قد نهى عنه النبي ﷺ , وكفى نهياً في ذلك قول النبي ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢). أما صلاة الجنازة فصلاة أخرى ليس فيها ركوع ولا سجود, وهذه تُشرع على القبر لأن النبي ﷺ ثبت عنه في «الصحيحين» (٣) أنه صلى على قبر المرأة التي كانت تقمُّ المسجد - أي تنظفه - وكان الصحابة قد دفنوها بليل وكان ﵇ يريد الصلاة عليها , وكان نائماً، فخشي أصحابه أن يزعجوه لو أيقظوه، فتركوه نائماً وصلوا عليها في الليل ودفنوها , فلما علم النبي ﷺ ذهب وصلى على قبرها، وقد صحّ عنه ذلك في الصحيحين وغيرهما، وصلى معه أيضاً بعض الصحابة كما جاء في أحاديث أخرى (٤).

стр. 150

وأما الصلاة على الغائب فلم يحفظ عنه ﵊ أنه صلى على غائب إلا على النجاشي (١) , والسبب أن للنجاشي صفة خاصة، وهي أنه لم يصلِّ عليه أحد، فصلى عليه رسول الله ﷺ صلاة الغائب. أما التوسُّعُ الذي نراه اليوم في صلاة الغائب , فكل من أراد أن يصلّيِ على آخر صلى صلاة الغائب، فهذا توسع غير مَرْضِيٍّ، فالنبي ﷺ لم يصلِّ على أحد صلاة الغائب إلا على النجاشي , وإلا فقد مات كثير من المسلمين بعيداً عنه ﷺ ولم يصلِّ عليهم لا حاضراً ولا غائباً , وإنما صلى على النجاشي لأنه هو الوحيد الذي لم يُصلَّ عليه، فصلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب. فصلاة الغائب تُشرَعُ، ولكن لمن لم يصلَّ عليه, وليس مطلقاً. قال المؤلف ﵀: (فصل: ويكون المشي بالجِنازةِ سريعاً) هذا لما تقدم معنا من قوله ﷺ : «أسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة فخير تقدمونها إليه وإن يَكُ سِوى ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم» (٢). فإذا حُملت الجنازة على الرقاب فمن السنة الإسراع بها. قال النووي ﵀: «واتفق العلماء على استحباب الإسراع بالجنازة إلا أن يخاف من الإسراع انفجار الميت أو تغيره ونحوه فيتأنى» (٣). أي إذا خشينا من مفسدة تعود على الميت فلا يُسرع بها وإلا فالسنة أن يُسرع بها. قال ابن القيم ﵀: «وأما دبيب الناس اليوم خطوةً خطوة - يعني مشيهم في الجنازة خطوة خطوة كما نرى اليوم - فبدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب اليهود» (٤). فهذا العمل وهو المشي بالجنازة خطوة خطوة، ليس من عمل المسلمين , بل السنة أن يسرع بها كما أمر ﷺ .

стр. 151

قال ﵀: (والَمشْيُ معها والحَمْلُ لها سُنَّةٌ) المشي معها سنة، لأن النبي ﷺ كان يمشي هو وأصحابه مع الجنائز (١) , بل قال ﷺ : «من اتَّبَعَ جِنَازةَ مسلم إيماناً واحتساباً وكان معه حتى يُصلى عليها ويَفْرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أُحُدٍ ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تُدفَن فإنه يرجع بقيراط» (٢). فالمشي معها سنة وأجرها عظيم. وحَمْلُها كذلك سنة , لقوله ﵇: «أسرعوا بالجنائز فان كانت صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (٣). فقوله: «فشرٌّ تضعونه عن رقابكم» دليل على الحمل على الرقاب. وفي رواية عند البخاري (٤): «إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت قدموني قدموني ... »، فهذا يدل على سنية حملها على الرقاب. وأجمع العلماء على أن حمل الجنازة فرض على الكفاية (٥). وقد سبق وقلنا الفرض فرضان، فرض كفاية وفرض عين , ففرض العين هو الذي يجب على كل مسلم بعينه أن يعمل العمل , وأما الفرض الكفائي فهو واجب على الأمة ككل , فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، فالعمل لا يُطلب من كل شخص ولكن يُطلب أن يُعَمل ولابد أن يُعمل , فإذا عمله البعض سقط عن الباقين , وإذا لم يعمله أحد أثِم كل من علم به ولم يفعله. ولعل المؤلف يشير أيضاً إلى حديث ابن مسعود: «من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإنه من السنة ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليَدع» (٦).

стр. 152

فيه انقطاع فهو ضعيف لا يصح ولا يعمل به. ولا يصح في كيفية حملها ولا عدد الذين يحملونها حديث. قال: (والمُتَقَدِّمُ عليها والمُتَأخِّرُ عنها سواءٌ) أي لا فرق بين من مشى أمام الجنازة وهي محمولة , ومن مشى خلفها أو عن يمينها أو عن شمالها كله سواء وكله جائز إن شاء الله، فإنه لم يصح في تفضيل من مشى أمامها حديث عن النبي ﷺ ، فيبقى الأمر على أصله في أن الكل واسع وجائز، والكل يعد متبعاً لها. وقد ثبت المشي أمامها عن جمع من الصحابة. قال المؤلف ﵀: (ويُكْرَهُ الرُّكوبُ) وقد ورد في ذَمِّه أحاديث لا تصح، فيبقى على الجواز، ولكن المشي وعدم الركوب هو الأفضل، فإنه الذي كان يفعله النبي ﷺ وأصحابه. فالسنة إذاً المشي مع الجِنازة لا الركوب. وأما الحديث الوارد عن النبي ﷺ أنه مشى مع الجنازة حتى دفنت ثم بعد ذلك أُتي بفرس وركب (١)، فإنه يدل على أن السنة هي المشي لا الركوب في أثناء حمل الجنازة. قال المؤلف: (ويَحرُم النَّعيُ) النعي في اللغة: هو الإخبار بموت الميت. وقد ذهب المؤلف إلى تحريم النعي لحديث حذيفة بن اليمان عند الترمذي وغيره: «كان إذا مات له الميت قال: لا تؤذنوا به أحداً - أي: لا تعلموا به أحداً - إني أخاف أن يكون نعياً إني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن النعي» (٢).

стр. 153

وورد حديث عن ابن مسعود كذلك (١)، لكنه أيضا ضعيف لا يصح. والصحيح أنه يجوز الإخبار بموت الميت، فقد أخبر النبي ﷺ أصحابه بموت النجاشي (٢) , وكذلك لما مات جعفر بن أبي طالب ومن معه في المعركة أخبر الصحابة بأنه قد قُتل جعفر وقتل من معه (٣) , فدلَّ ذلك على جواز الإخبار وجواز النعي المذكور - بمعنى الإخبار بموت الميت -، خصوصاً إذا كان المُخبَر سيشارك في الصلاة على الميت أو في تكفينه أو في دفنه، فلابد من إعلامه. فالخلاصة أن أحاديث النهي عن النعي لا تصح , والصحيح هو أن النبي ﷺ أخبر بموت غير واحد من الصحابة. قال المؤلف ﵀: (والنِّياحَةُ) أي وتَحرُم النياحة. والنياحة، هي رفع الصوت بالندب - أي بتعديد محاسن الميت - , كما نسمع من بعض النساء عندما يموت لها ميت، تولول وتقول ... يا جبلي, يا حافظي, يا كذا ... إلخ، فهذه هي النياحة. وقيل هو البكاء مع صوت، أي مع رفع الصوت ... يا ويلاه ... يا ويلاه ... كهذه الكلمات، فهذا من النياحة. والنياحة محرمة لما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب» (٤). وقال ﷺ : «الميت يعذب في قبره بما نِيحَ عليه» (٥).

стр. 154

لكن هذا إذا كان مُقراً لهذا الفعل في حياته وراضياً به. وقال ﷺ : «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن، الفَخْرُ في الأحساب، والطَّعْنُ في الأنساب، والاسْتِسْقاءُ بالنجوم، والنِّياحَة» (١). فأما الفخر في الأحساب، فمعناه ما يَعُدُّه الرجل لنفسه من الخصال الحميدة، كالشجاعة والكرم وغير ذلك، فيفتخر لنفسه ولآبائه ولأجداده بهذه الأفعال. والطعن في الأنساب، إدخال العيب في أنساب الناس والطعن والغمز فيها، والتقليل من شأنها، وتحقير الرجل آباء الآخرين، فهذه من أعمال الجاهلية التي ستبقى كما أخبر النبي ﷺ ، وهي محرمة بالطبع كونها من أعمال الجاهلية، وذكرها ﵇ تحذيراً منها فهي محرمة. والاستسقاء بالنجوم، أي طلب السُّقيا بالنجم، كما جاء في الحديث، فكانوا يقولون «مُطرنا بنوء كذا وكذا»، أي مطرنا بالنجم الفلاني , فهو الذي يمطرهم، وهذا أيضاً من أعمال الجاهلية. وأما النياحة، فتقدم تعريفها. تقول أم عطية: «أخذ علينا رسول الله ﷺ مع البيعة أن لا ننوح» (٢). أي أخذ عليهم ﷺ عندما جاءت النساء يردن مبايعته، اشترط عليهن أن لا ينحن. ونقل النووي ﵀ الإجماع على تحريم النياحة (٣). قال ﵀: (واتِّباعُها بِنارٍ، وشَقِّ الجَيْبِ، والدُّعاء بالوَيْلِ والثُّبورِ) أي ويَحرمُ اتِّباعُ الجِنازة بنار, ورد في ذلك حديث ضعيف عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : «لا تُتَّبَعُ الجنازة بصوت ولا نار» (٤).

стр. 155

لكن قد صحَّ من قول عمرو بن العاص أنه نهى عن اتِّباعِه بصوت أو نار (١)، وقال ابن المنذر: «وكره كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن يتبع الميت بنارٍ تُحمَلُ معه، أو أُحْمِلَ» ثم ذكر من روي عنه النهي عن ذلك وأوصى به من السلف (٢). وأما تحريم شق الجيب، فلقوله ﷺ : «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٣). وضرب الخدود، هو اللطم، أي الضرب على الخدين وأما شق الجيوب , فالجيب، هو المكان الذي يدخل منه الرأس في الثوب، وكانت المرأة إذا أصابتها مصيبة أمسكت ثوبها وقطَّعته, وهذا محرَّم. ودعوى الجاهلية، كالدعاء بالويل والثبور والنياحة وغيرها من أنواع الدعاء التي نهى عنها النبي ﷺ . وأما تحريم الدعاء بالويل والثبور، فداخل في دعوى الجاهلية المتقدمة في الحديث الماضي. والويل هو العذاب، والثبور هو الهلاك. وجاء في حديث عند ابن ماجة وابن حبان «أن رسول الله ﷺ لعن الخامشة وجهها - التي تخمش وجهها بأظفارها - والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور» (٤)، وهو من رواية أبي أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وهو حديث ضعيف. وعِلَّتُه أن أبا أسامة روى عن عبد الرحمن بن يزيد وظنَّه ابن جابر، والحقيقة أن رواية أبي أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد هي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم الضعيف، لا عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر , وقد خفيت هذه العلة على بعض أهل العلم الأفاضل فحسّنوا الحديث , ولكن هذا الحديث ضعيف بعلته هذه.

стр. 156

قال المؤلف: (ولا يَقْعُدُ المُتَّبِعُ لها حتى تَوْضَعَ) أي أن من مشى مع الجنازة لا يجلس حتى توضع الجنازة في قبرها. وهذا الحكم، الصحيح أنه منسوخ , فإنه كان بداية ثم نسخ بعد ذلك. جاء في «الصحيحين» أن النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع» (١)، وهو ظاهر فيما ذكره المؤلف , لكن ناسخه عند مسلم من حديث علي بن أبي طالب قال: «قام النبي ﷺ يعني في الجنازة - ثم قعد» (٢). وفي رواية في المسند: «ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس» (٣)، أي أن الحكم كان بدايةً ثم نسخ ورُفع، وأُذِنَ لهم بالجلوس حتى قبل أن توضع. قال ﵀: (والقيامُ لها مَنْسوخٌ) لما تقدم. وقد فرَّق المؤلف ﵀ بين القيام للجنازة وعدم القعود للمتبع حتى توضع الجنازة، فجعل الثاني وهو القيام للجنازة منسوخاً، بينما جعل الجلوس قبل أن توضع ثابتاً وليس بمنسوخ وهذا التفريق غير صحيح، والصحيح أن هذه الأحكام كلها منسوخة كانت بدايةً ثم رفع الحكم. ودليل النسخ ما أخرجه الطحاوي ﵀ من حديث علي بن أبي طالب أنه أجلس أقواماً كانوا ينتظرون الجنازة أن توضع، فقال لهم اجلسوا، ثم قال: «إن النبي ﷺ قد أمرنا بالجلوس بعد القيام» (٤)، فهذا يدل على أن النسخ لاحق بالأمرين، للقيام عند مرور الجنازة أو عند المشي معها, وأيضاً للأمر بالقيام قبل أن توضع، فكله منسوخ، فيجوز أن تجلس قبل أن توضع أو بعدها، فالحكم بالقيام منسوخ على الصحيح. قال- ﵀: (فصلٌ: دَفْنُ الميت، ويجبُ دفن الميتِ في حفرة تَمْنَعُهُ السِّباعَ)

стр. 157

السباع: هي الحيوانات المفترسة التي تأكل الجثث. وهذا الذي ذكره المؤلف - وهو وجوب دفن الميت - أمرٌ مجمع عليه (١) , لا خلاف فيه البتة بين العلماء، قال ﷺ : «ادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر» (٢)، وجاء أيضاً عنه ﷺ أنه قال: «احفروا وأعمقوا وأحسنوا» (٣). والتعميق: هو أن يكون القبر عميقاً، ليكون بعيداً عن متناول السباع. والإحسان هو أن يكون القبر واسعاً على قدر الميت بحيث يسعه. قال المؤلف ﵀: (ولا بأس بالضَّرْح، واللحْدُ أولى) القبر قبران، قبر ضرح وقبر لحد. فأما الضَّرْحُ: فهو الشق في الأرض، وغالب قبور الناس اليوم من الشق، فيفتح القبر بشكل مستقيم وينتهي الأمر، ويسمى هذا ضرحاً. وأما اللحد: وهو الشق في جانب القبر - يعني أن يحفر القبر وتنزل فيه مسافة ثم من جهة القبلة في آخره تحفر إلى جهة القبلة - فهذا يسمى لحداً. وقول المؤلف: (لا بأس بالضرح) أي أنه جائز. وقوله: (واللحد أولى)، أي هو المستحب والأفضل، لأنه الأقرب لإكرام الميت من الشق. وجاء في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص أنه قال في مرضه الذي هلك فيه: « ... الحدوا لي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً كما صنع برسول الله ﷺ » (٤). فاللحد أولى وأفضل، لأنه الذي فعله الصحابة مع النبي ﷺ , فقد حفروا له لحداً ونصبوا عليه اللبن نصباً، وهو أكمل الصور وأجودها.

стр. 158

فيحفر القبر أولاً شقا كالقبور التي نراها اليوم، ثم نأتي إلى جدار القبر الذي من جهة القبلة، فنترك من حافة القبر إلى مسافة شبر تقريباً من هذا الجدار، ثم نحفر في الجدار شقاً واسعاً يكفي الميت، فيوضع الميت فيه على شقه الأيمن، ثم ينصب اللبن فيكون مائلاً ويغلق عليه، ثم بعد ذلك يُهال التراب عليه. وجاء أيضاً في حديث البراء عند أبي داود « ... خرجنا في جنازة مع رسول الله ﷺ , فانتهينا إلى القبر ولم يُلحَد بعد» (١)، فهذا يدل على أن القبور التي كانت تفعل في عهد النبي ﷺ هو اللحد , لكن كما ذكر المصنف فهذا جائز وهذا جائز لكن الأفضل والأولى أن يكون لحداً. وكذلك الحديث المتقدم - حديث سعد - يبين لنا أن نصب اللَبِنِ مشروع وهو الذي فُعل بالنبي ﷺ . ونقل النووي ﵀ الإجماع - إجماع العلماء - على جواز اللحد والشق (٢) بالاتفاق، أن هذا جائز وهذا جائز ولكن المسألة مسألة أفضل وأولى فقط. قال المؤلف: (ويُدخَل الميِّتُ من مُؤَخَّرِ القبر) يريد بذلك أنك عندما تدخل الميت القبر تأتي من عند رجلي القبر وتدخله. والحديث الذي ورد في هذه الصفة أختُلف في صحته، والراجح أنه صحيح (٣)، فمن السنة إدخال الميت من رجلي القبر، وهو منقول عن أنس بن مالك أيضاً. وقد اختلف أئمة الفقهاء في هذه المسألة، فقال البعض: الأفضل أن يُدْخَلَ من رجلي القبر، والبعض الآخر يقول: بل الأمر واسع، والمسألة مبنيّة على صحة الحديث. قال ﵀: (ويُوْضَعُ على جَنْبِهِ الأيْمَن مُسْتَقْبِلاً) أي يوضع الميت في قبره على جنبه الأيمن مستقبلاً القبلة , أي إلى ناحية القبلة.

стр. 159

ولم أجد في هذا دليلاً، لا في الكتاب ولا في السنة. ولكن الأدلة عندنا ثلاثة، الكتاب والسنة والإجماع، وقد نقل العلماء الاتفاق في هذه المسألة (١)، أنه لا يزال هذا عمل المسلمين، أنهم يضعون الميت في لحده على جنبه الأيمن. فالاتفاق حجة في هذا الباب وهو كاف إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: (ويُسْتَحَبُّ حَثْو التُّرابِ من كل من حَضَرَ ثلاث حَثَيات) اختلف العلماء في هذه المسألة، فالبعض قال هذه سنة مستحبة واستدل بحديث أبي هريرة، قال: إن النبي ﷺ صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثاً (٢). لكن هذا الحديث أعلَّه أبو حاتم الرازي ﵀ بالإرسال فقال هو حديث مرسل, وله علة أخرى أيضاً بينَّهَا الدارقطني ﵀ في كتابه «العلل». وورد حديث آخر من حديث عامر بن ربيعة، أن النبي ﷺ حثا على قبر عثمان بن مظعون ثلاثاً (٣). فلا يصح في هذا الباب شيء والله أعلم قال ﵀: (ولا يُرفع القبرُ زيادةً على شِبْرٍ) لحديث علي عند مسلم في «صحيحه» (٤)، قال علي لأبي الهياج الأسدي « ... ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ , قال بلى, قال: «ألّا تدع تمثالاً إلا طَمَسْتَهُ - وفي رواية: ولا صورةً إلا طمستها - ولا قبراً مُشْرِفاً إلا سَوَّيْتَهُ».

стр. 160

والشاهد قوله: «ولا قبراً مشرفاً إلا سويته»، أي لا تجد قبراً مرتفعاً عن الأرض إلا جعلته مستوياً بالأرض. ولكن جاء في الحديث الصحيح ما يدل على جواز رفع القبر عن الأرض قَدْرَ شبر, وأن قبور الصحابة كانت مُسَنَّمَةً، أي أنها مصنوعة كالسنام. فنقول: نعم ولكنها لا تُرْفَعُ أكثر من شبرٍ واحدٍ فقط، وهذا هو المشروع في القبور. أما ما نراه اليوم من بناء عالٍ كالغرف، أو أن تزرع الأشجار والزهور فيكون القبر كالحديقة فليس أمراً مشروعاً البتة ولم يأمرنا به ﷺ . قال- ﵀: (والزيارة للموتى مَشْروعَةٌ) لقوله ﷺ : «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (١) أي أن زيارة الميت كانت بدايةً محرمة , ثم بعد ذلك نسخ هذا الحكم وأُمر بها , والأمر يكون هنا على الجواز لا على الوجوب، لأنه جاء بعد تحريم. وقد استأذن نبينا ﷺ رب العزة في زيارة قبر أمه فأَذن له (٢)، فيدلُّ ذلك على أن زيارة القبور جائزة. وقد بيَّن لنا رسول الله ﷺ حكمة زيارة القبور، فقد جاء في «صحيح مسلم» (٣): «زوروا القبور فإنها تذكر الموت». وذلك لأن المرء إذا ذهب هناك ورأى القبور وتذكر أن الأموات كانوا يوماً ما أحياء يعيشون كما يعيش هو، تذكر أن مآله هو مآلهم، وسيكون من أصحاب القبور , وإما أن يكون في حفرة من حفر النار, أو في روضة من رياض الجنة، فيعمل لما هو آت. مسألة: هل الرجال والنساء في مشروعية زيارة القبور سواء؟

стр. 161

الصحيح أن الرجال والنساء سواء في ذلك، وقد اختلف أهل العلم في زيارة المرأة للقبور هل هي جائزة أم لا؟ والصحيح أنها جائزة بشرط أن لا يبدر منها ما يخالف شرع الله من لطم الخدود وشق الجيوب أو غير ذلك من المحظورات. وسبب الخلاف في جوازه للمرأة، وجود بعض الأحاديث التي تدل على التحريم وهو قوله ﷺ : «لعن الله زائرات القبور» (١)، بينما جاء حديث آخر يدل على الإباحة، وهو أن النبي ﷺ مرَّ بامرأة جالسة عند قبر وتبكي، فقال لها: «اتقي الله واصبري» (٢)، ولم ينهها عن زيارة القبر. والجمع بين هذه الأحاديث أن الكثرة هي المحرمة لا أصل الزيارة. فالصحيح كما ذكرنا، أن زيارة القبور جائزة للنساء بشرط ألا يبدر منها مخالفة لشرع الله، هذا أولاً. أما الأمر الثاني، أن لا تكون هذه الزيارة بشكل متكرر كثير، لأن الصحيح في الحديث الذي ذكروه واستدلوا به على التحريم لفظة «زوّارات» في قوله ﷺ : «لعن الله زوارات القبور» (٣)، وزوارات هذه تفيد الكثرة , أي كثرة الزيارة. فيكون المُحَرَّمُ هو الكثرة لا أصل الزيارة. مسألة: هل يجوز تخصيص العيد بزيارة القبور. الصحيح عدم جواز تخصيص العيد بزيارة القبور، لأن زيارة القبور أمر قد شرعه الله وزيارة القبور يوم العيد أمر لم يشرعه الله، وكل عمل تعبُّديٍّ لم يشرعه الله ﵎ فلا يجوز، فتخصيص زيارة القبر بيوم العيد تشريع جديد يحتاج إلى دليل من كتاب أو سنة، فمن لم يتمكن من الإتيان بدليل من الكتاب أو السنة فيكون عمله هذا بدعة محدثة.

стр. 162

نعم أصل الزيارة جائز، لكن تخصيصها بيوم العيد لم يفعله رسول الله ﷺ ولا فعله صحابة رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين، فلو كان هذا العمل مشروعاً لفعلوه وهم أحرص منا على الخير بكثير. وفعلنا لهذا الأمر مع علمنا بعدم فعلهم له يدخل في قول النبي ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، لأن تخصيص العبادة في زمن معين أمر تشريعي من عند الله لا من عند أنفسنا، فلا يجوز لنا أن نخصص أي عبادة من العبادات بوقت معين في يوم معين أو شهر معين إلا أن يكون عندنا دليل من الكتاب أو السنة وإلا كان العمل مردوداً على صاحبه كما قال ﷺ . قال ﵀: (ويقفُ الزائرُ مستقبلاً القبلةَ) لِما صحّ من حديث البراء: «أنه جلس ﷺ مستقبل القبلة لمَّا خرج إلى المقبرة» (٢). وكان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنَّا إن شاء الله بكم للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية» (٣). فهذا الحديث يدل على سنية هذا الذكر عند الخروج إلى المقابر. قال: (ويَحْرُمُ اتِّخاذُ القبورِ مساجدَ) الأحاديث التي تدل على ذلك كثيرة، منها قوله ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٤). قالت عائشة - بعد أن روت هذا الحديث - «يحذِّر ما صنعوا»، أي احذروا من أن تتخذوا قبور أنبيائكم مساجد. وقال ﷺ : «أولئك قوم إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوَّروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله» (٥).

стр. 163

وقال ﵊: «اللهم لا تجعل قبري وثناً» (١) وفي «مسلم»: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ولا عليها» (٢). فهذا كله يدل على تحريم اتخاذ القبور مساجد. قال أهل العلم: الصلاة في المقبرة باطلة، لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك , وبما أنه نهى عنها في المقبرة، إذاً فالصلاة لا تصح ولا تجوز في المسجد الذي في المقبرة، سواء كان القبر قبل المسجد أو المسجد قبل القبر، كله لا يجوز الصلاة فيه، لأنها أصبحت مقبرة، فقبر ومسجد لا يجتمعان البتة، إما قبر أو مسجد. وكل هذا، لئلا نقع فيما وقع فيه أولئك من غلو في الصالحين، فإنه أول الشرك. قال ﵀: (وزَخْرَفَتُها) أي: وتحرم زخرفة القبور، لأنه ﷺ نهى عن البناء عليها وتجصيصها. قال جابر بن عبد الله: «نهى رسول الله ﷺ أن يُجَصَّصَ القبرُ وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه» (٣). و«التجصيص»، هو التبييض, أي استعمال الجص - وهو الجبس - في تبيض القبور. فهذا يدل على تحريم تزيين وزخرفة القبور. وكل هذا سداً لذريعة الغلو في القبور، لأن أصل الشرك بالله كان سببه الغلو في الصالحين , ومجاوزة الحد فيهم، وذلك أنَّ ابن عباس ﵁ قال: «صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما وّدًّ كانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواعَ كانت لهذيل، وأما يَغوثَ فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجوف، عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نّسْر فكانت لحِمْيَر لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعْبَد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبِدَت» (٤).

стр. 164

أي كان قوم نوح على التوحيد، وكان فيهم رجال صالحون، فلما ماتوا جاءهم الشيطان وقال لهم صوروا لهم صوراً تتذكرونهم بها وتعبدون الله كعبادتهم فصوروا لهم صوراً وجعلوها في ناديهم، فلما مات هؤلاء القوم ونُسي العلم - وهذه مسألة مهمة جداً - فلما لم يعد بينهم علماء يبينون لهم الحق من الباطل، جاءهم الشيطان وقال لهم بأن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوها فوقع الشرك في الناس. ثم أرسل الله ﵎ نوحاً لهؤلاء القوم كي يردهم إلى التوحيد بعد أن حصل فيهم الشرك. ثم عادت الكرة من جديد، واتخذ الناس كثيراً من القبور - في زماننا هذا - آلهة تعبد مع الله ﵎ , تجدهم يطوفون حول القبر, يذبحون لصاحب القبر, يتضرعون له وكأنهم يدعون الله، بل لعلهم لا يخلصون في أدعيتهم لهم كإخلاصهم لله أو أشد، فيعبدون القبر كأنهم يعبدون الله تماماً، وهذا هو الشرك بعينه، وهذا الذي كان النبي ﷺ يحذِّر منه فقال: «اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد» (١)، فكان يخشى ﷺ من هذا الشيء. فلابد من الحذر من هذا الأمر، فكل هذه الأوامر التي جاءت عن النبي ﷺ في القبور، خشية أن يقع الناس في الغلو ومجاوزة الحد فيها, ومع ذلك فلا يمنع ذلك من احترامها وتقديرها وإعطائها حقها كما سيأتي. قال: (وتَسْرِيجِها) تسريجها: يعني إضاءة السُرُجِ، جمع سراج وهو الضوء , سواء كان بطرق الإضاءة التي كانت عندهم قديماً كالفوانيس وغيرها أو كالطرق الموجودة عندنا اليوم وما شابه. فأية طريقة من طرق الإضاءة هذه لا تجوز على القبر، بناءً على حديث عند أبي داود (٢)، لكنه ضعيف. قال ابن قدامة تعليقاً على عدم جواز اتخاذ السُّرُجِ على القبور: «لأن فيه تضييعاً للمال في غير فائدة، وإفراطاً في تعظيم القبور أشيه تعظيم الأصنام» (٣).

стр. 165

قال المؤلف ﵀: (والقعودُ عليها) مسألة ثانية، وهي احترام القبور وتقديرها احتراماً لأهلها، فشريعة الله دائماً بين الإفراط والتفريط، واعتدال في كل الأمور، ولا يمكن أن تكون معتدلاً إلا إذا تقيدت بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . قال: والقعود عليها، أي القعود على القبور محرم، لقول النبي ﷺ : «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتَخْلُصَ إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر» (١). وقد تقدم أنه نهى أيضاً عن القعود على القبور احتراماً لأصحابها كما جاء في الحديث المتقدم من حديث جابر، قال: «نهى الرسول ﷺ أن يُجصّص القبر وأن يُقعد عليه وأن يُبنى عليه» (٢) , فهذه ثلاثة أمور نهى ﷺ عنها. قال المؤلف: (وسَبُّ الأمواتِ) لقول النبي ﷺ : «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (٣). أي قد ذهبوا إلى ما قدموه من خير أو شر. وقال ﷺ : «لا تذكروا هلكاكم إلا بخير» (٤). وقال ﷺ : «لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء» (٥). مسألة: إن احتجنا إلى ذكر الميت بسوء لمصلحة شرعية معتبرة، فهل يجوز؟ نعم يجوز , ودليل ذلك ما جاء عن أبي هريرة، أنه قال: مُرّ على النبي ﷺ بجنازة، فأثني عليها خيراً في مناقب الخير، فقال: «وجبت» ثم مروا عليه بأخرى، فأثني عليها شراً في مناقب الشر، فقال: «وجبت، إنكم شهداء الله في الأرض» (٦).

стр. 166

والشاهد قوله «فذكروها بشر»، والذي ذُكِرَ بالشر ميت، ومع ذلك أقرهم النبي ﷺ فقال: «وجبت، إنكم شهداء الله في الأرض». فإذا لو كان هناك مصلحة شرعية معتبرة فلا بأس، فلو قال أهل الحديث مثلاً: هذا الحديث ضعيف في سنده فلان كذاب، هالك ... إلخ، فهل هذا داخل في النهي؟ الجواب: لا، لأن هذا إنما ذكر لأجل حفظ الشريعة، لحفظ دين الله وتمييز الحديث الصحيح من الحديث الضعيف. كذلك الكلام في أهل البدع والضلال الذين انحرفوا في دين الله عن الجادَّة، لابد من بيان ما عندهم من أخطاء كي يحذر الناس من الوقوع في هذه البدع والضلالات والأخطاء. قال المؤلف ﵀: (والتعزيةُ مشروعة) لحديث أسامة بن زيد قال: كنا عند النبي ﷺ فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبياً لها - أو ابناً لها - في الموت فقال للرسول: «ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى, فمُرها فلتصبر ولتحتسب» (١). والتعزية: هي التصبير, أي الحث على الصبر بذكر ما يُسَلّي المصاب ويخفف حزنه ويهون عليه مصيبته. وتكون بكلمات كالكلمات التي قالها ﷺ لابنته، فإنه ﵊ لم يجمع الناس ويصنع الطعام ولم يفعل شيئاً من هذا، فكله لا أصل له في شرع الله، إنما التعزية كما فعل ﷺ ، إذ أرسل إليها رسولاً يخبرها بكذا وكذا, ولكنها لم تقبل بالمُرْسَلِ حتى جاءها ﷺ , ووقف عليه ورأى روحه تفيض فبكى ﷺ وذكر أنها رحمة جعلها الله في قلوب عباده, ولكنه كما ذكرنا لم يفعل ما يفعل الناس ولم يتكلف تكلف الناس اليوم ولم يقع في الإسراف والتبذير وفي مجاوزة الحد الذي يقع فيه الناس اليوم , فهذه الأشياء التي تحصل فيها منكرات عظيمة وكثيرة جداً من إسراف وتبذير ورياء وسمعة وغير ذلك من الأشياء التي لم يشرعها الله ﵎. قال: (وكذلك إهداءُ الطعامِ لأهلِ الميتِ)

стр. 167

لحديث عبد الله بن جعفر، قال: جاء نعي جعفر حين قتل فقال النبي ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم» (١) وهو ضعيف. وقد احتج بعض الناس بهذا الحديث على الاجتماع المنهي عنه وصنعة الطعام فيه، واحتجوا بقول النبي ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم» , واحتجاجهم خطأ، فمعنى الحديث أن أهل البيت عندهم ما يشغلهم، فيحتاجون أن يدفنوا ميتهم، ويشتغلوا بما مع الدفن من تغسيل وتكفين وما شابه , فانشغلوا بذلك عن صنع طعامٍ يأكلونه، فيُصنع الطعام فقط لأهل البيت الذين انشغلوا، لا أن يُصنع الطعام لكل داخل وخارج ولكل من جاء ليعزي، هذا لم يشرعه الله . مع أن هذا الحديث الذي يحتجون به حديث ضعيف لا يصح.

стр. 168

كتاب الزكاة الزكاة لغة: هي النماء والزيادة تقول زكا الزرع إذا نما. وأما الزكاة شرعاً: فهي حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة بوقت مخصوص. «حق واجب» على صاحب المال، المسلم الحر. «في مال خاص» وليس في جميع ماله، فمثلاً الرقيق والخيل لا زكاة فيها إذا لم يُعِدَّها للتجارة، وهذه المذكورات من الأموال. فالزكاة تؤخذ من مال خاص، كالذهب والفضة والدنانير الورقية وما شابه. ويؤخذ هذا المال ليعطى لطائفة مخصوصة من الناس، وهم الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله في كتابه الكريم. ويؤخذ هذا المال في وقت مخصوص، إذا حال الحول على بعضه، أي مَرَّت عليه سنة كاملة، وفي وقت حصاد البعض الآخر. قال المؤلف ﵀: (تَجِبُ في الأموالِ التي ستأتي، إذا كان المالكُ مُكَلَّفاً) أي سيأتي ذكر الأموال التي تجب فيها الزكاة على صاحب المال، إذا كان هذا المالك مكلّفاً، ولا إشكال في أن الزكاة تجب إذا كان صاحب المال المسلم حرّاً، لأن العبد لا يملك أصلاً، فمال العبد ملك لسيده. وهل تجب الزكاة في مال غير البالغ ومال المجنون، فإنهما غير مكلّفين؟ والمؤلف يذهب إلى عدم وجوبها في مال الصغير والمجنون، لأنه قال: (إذا كان المالك مكلفاً). وأما الخلاف في كون الزكاة واجبة في مال غير المكلف كالصغير والمجنون - كما قال المؤلف (إذا كان المالك مكلّفاً) - أن بعض العلماء جعلها من العبادات المحضة، فقال: إن الصغير والمجنون ليسا من أهل العبادة كالصلاة.

стр. 169

وأما البعض الآخر فجعل الزكاة من حق المال، أي، أنها واجبة في المال لأهل الزكاة، فقال: لا يشترط البلوغ والعقل، لأنها حكم رتب على وجود سببه وهو بلوغ النصاب، فجعلوا الزكاة كقيم المتلفات، فلو أن صبيّاً كسر زجاج سيارة وجب تصليح الزجاج في مال الصبي، وإن لم يكن الصبي مكلّفاً. لكن الصحيح، أن الزكاة واجبة في مال المسلم الحرّ، سواء كان صغيراً أو كبيراً، مجنوناً أو عاقلاً، فإنها متعلّقة بالمال، لأن الله قال: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ فالمدار على المال، ولم يفرِّق بين مال ومال سواء كان لكبير أو صغير مجنون أو عاقل، فكلُّه تجب فيه الزكاة. وقال ﷺ في حديث معاذ: «أعْلِمْهُم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» (١) فالزكاة متعلّقة بالمال بغض النظر عن حال المالك. وهذا القول هو قول الصحابة ﵃، عمر وعلي وابن عمر وعائشة وغيرهم، فإنهم يوجبون الزكاة على مال الصغير اليتيم وغيره، بناء على أن الزكاة تجب في المال. الزكاة فرض وركن بإجماع المسلمين وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة لا يخفى على أحد وأدلته كثيرة منها قول الله ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾، وقول رسول الله ﷺ لمعاذ عندما أرسله إلى اليمن، قال: «وأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم». وهي من أركان الإسلام لقوله ﷺ : «بني الإسلام على خمس» فذكر منها: «إيتاء الزكاة» (٢). قال المؤلف (باب زكاةِ الحيوانِ) . قال: (إنما تَجِبُ في النَّعَم، وهي الإبلُ والبقرُ والغنمُ) النوع الأول من الأموال التي تجب فيها الزكاة، الحيوانات المملوكة، ولا تجب في جميع الحيوانات، بل في النعَّم فقط، والنعم فسّرها المؤلف بقوله: (الإبل والبقر والغنم). ودليل وجوبها في هذه الثلاث دون غيرها، حديث أنس الذي سيأتي ذكره مفرّقاً.

стр. 170

قال المؤلف ﵀: (فصل: إذا بلغت الإبلُ خمساً، ففيها شاةٌ، ثم في كلِّ خمسٍ شاةٌ، فإذا بلغت خمساً وعشرين، ففيها ابنة مَخاضٍ، أو ابن لبونٍ، وفي ستٍّ وثلاثين ابنة لبون، وفي ستٍّ وأربعين حِقّة، وفي إحدى وستين جَذَعة، وفي ستٍّ وسبعين بنتا لبون، وفي إحدى وتسعين حِقّتان إلى مئة وعشرين، فإذا زادت، ففي كل أربعين، ابنة لبون، وفي كل خمسين، حِقّة) بدأ المؤلف بزكاة الإبل، لأن أبا بكر الصديق بدأ بها كتابه الذي بين فيه فرائض الصدقة، وهي أنفس أموال العرب. أولاً: الزكاة واجبة في هذه الحيوانات بثلاثة شروط ١ - أن تبلغ النِّصابَ. ٢ - أن يَحولَ عليها الحَوْلُ. ٣ - أن تكون سائِمَةً. ومعنى النصاب: هو القَدْرُ المُعْتَبَرُ من المال لوجوب الزكاة، وجمعه أنْصِبَةٌ، بمعنى أنك إن ملكت رأساً من الإبل، فلا زكاة فيها، فإن ملكت اثنتين لا زكاة فيها وهكذا حتى تصل إلى خمسة، فإن بلغت خمسة رؤوس من الإبل ففيها زكاة. فهذا يسمى نصاب زكاة الإبل، أي القدر الذي إذا بلغه المال عندك وجب فيه الزكاة، فنِصابُ الإبل خمسة وأقل منها لا زكاة فيه، ومتى بلغت الخمسة فقد بلغت النصاب ووجب فيها الزكاة. والدليل قوله ﷺ : «ليس فيما دُونَ خمسِ ذَوْدٍ صدقة، وليس فيما دون خمس أَوْسُقٍ صدقة» (١). وقوله «خمس ذَوْدٍ» يعني خمساً من الإبل، فهذا الحديث يبيِّن لنا نصاب الإبل، وهي خمس منه بغضّ النظر عن كونها صغيرة أو كبيرة. ومعنى أن يحول عليها الحول: أي أن يمضي عام كامل وهذا النصاب موجود عندك، فلو ملكت خمساً من الإبل فما فوق ومضى عام كامل وهي عندك، فقد وجبت عليك زكاتها، لكن إن مرّت بك فترة من الحول وفقدت فيها الخمس، ثم عدت بعد ذلك وجمعتها، فإنك ستبدأ بالحساب من يوم جمعتها في المرة الثانية وما مضى انتهى.

стр. 171

فلا بد أن يحول عليها الحول، أي تمضي عليها سنة هجرية كاملة. والسنة المقصودة هنا هي الهجرية لا الميلادية، لأن الميلادية في شرع الله غير معتبرة، فإذا تكلمت مع أحد أهل العلم فلا بد من نسيان التاريخ الميلادي، فهذا التاريخ ليس لنا، ولا بد من الرجوع إلى التاريخ الهجري الذي عيّنه عمر بن الخطاب ﵁. وهذا التاريخ الميلادي كان موجودا في عهد الصحابة، فلماذا أعرضوا عنه وأتوا بالتاريخ الهجري؟ لو كان مشروعاً لأخذوا به، ولكن هذا من شعائر الكفار وليس من شعائر المسلمين، فكل أعمالنا لا بد أن تكون بناء على التاريخ الهجري، وكل ما تريد أن تسأل عنه وكل فتوى شرعية سمعتها لابد أن يذهب ذهنك فيها إلى التاريخ الهجري لا الميلادي. الشرط الثالث أن تكون سائمة، ونعني به أنها ترعى من العشب المباح أكثر العام وليس عشباً مزروعاً من عملك وكدك، فإن علفها صاحبها نصف الحول أو أكثره فليست بسائمة. أما المعلوفة، وهي ما اشتريت لها العلف أنت وأطعمتها منه، فهذه لا زكاة فيها. فإذا توفّرت هذه الشروط الثلاثة، وجبت الزكاة في الإبل. وكل من هذه الشروط له دليل سيأتي ذكره إن شاء الله. ثانياً: كم المقدار الذي يجب أن يخرج إذا بلغت الإبل النصاب . قال (إذا بلغت الإبل خمساً، ففيها شاة) أي إذا بلغت الإبل خمسة رؤوس وحال عليها الحول وكانت سائمة وجب أن يخرج شاة زكاة عن هذه الإبل. ثم قال: (ثم في كل خمس شاة) فإذ ملكت خمساً فتخرج عليها شاة، وإذا ملكت ستاً تخرج شاة وكذا سبعاً وثمانية وهكذا حتى تصل إلى العشرة، وتسمى هذه الأرقام مابين الخمسة إلى العشرة: (أوقاصاً) وسيأتي تفسيره، وهذه لا شيء فيها، إنما الواجب فيما عيّن، في الخمس شاة ثم في العشر شاتان، والخمس عشرة ثلاث شياه، والعشرون أربع شياه، إلى أربع وعشرين ففيها أربع. ثم قال: (فإذا بلغت خمساً وعشرين، ففيها ابنة مخاض، أو ابن لبون) أي إذا صار عندك خمس وعشرون من الإبل ترعى من العشب الذي خلقه الله تعالى وليس لك فيه عمل، وهو العشب المباح، ومضى عليها عام، فكم يُخرج عليها؟

стр. 172

قال (ففيها ابنة مخاض)، هي الأنثى من الإبل التي أكملت سنة. أو (ابن لبون)، وهو الذكر الذي أكمل سنتين. فأنت مخيَّر بين ابنة المخاض أو ابن اللبون إن ملكت الاثنين. ثم يبقى مقدار الزكاة كما هو حتى يبلغ ستّاً وثلاثين وتسمى هذه الأوقاص فلا شيء فيها. قال: (وفي ست وثلاثين ابنة لبون) أي إذا بلغت الإبل ستاً وثلاثين فيخرج ابنة لبون، وهي أنثى أكملت سنتين، ثم يبقى يخرج هذه الأنثى التي أكملت سنتين إلى خمس وأربعين. ثم قال: (وفي ستٍّ وأربعين حِقّة) أي إذا بلغت إبله ستاً وأربعين فيجب عليه أن يخرج حِقّة، وهي الأنثى التي أكملت ثلاث سنوات. وسُمِّيت حِقّة لأنها صارت في سن تستحق أن يطرقها الجمل، بمعنى يجامعها. ثم مابين ست وأربعين وإحدى وستين أوقاص. قال: (وفي إحدى وستين جَذَعَة) إلى خمس وسبعين. والجذعة هي الأنثى التي أكملت أربع سنين. ثم قال: (وفي ست وسبعين بنتا لبون) إلى التسعين فإنه يخرج بنتا لبون، أي اثنتين قد أكملت كل واحدة عامين. قال: (وفي إحدى وتسعين حِقَّتانِ إلى مائة وعشرين) أي إذا زاد العدد عن مائة وعشرين، فإنه يقسم إبله إلى خمسين وأربعين، ويخرج عن كل أربعين ابنة لبون وعن كل خمسين حِقة. فسيكون الأمر هكذا: ٥ رؤوس من الإبل إلى ٢٤ = في كل خمس شاة ثم: ٢٥ - ٣٥ = بنت مخاض أو ابن لبون. ٣٦ - ٤٥ = بنت لبون. ٤٦ - ٦٠ = حِقّة.

стр. 173

٦١ - ٧٥ = جَذَعة. ٧٦ - ٩٠ = ابنتا لبون. ٩١ - ١٢٠ = حِقَّتان. ١٢١ - فأكثر من ذلك، في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حِقّة. فلنقل إنَّ عنده مائتي رأس من الإبل، فكم يكون عليه؟ الجواب: أننا نستطيع أن نقسم كيف نشاء إما أربعينات أو خمسينات، فإما أن نخرج خمس بنات لبون، أو أربع حقاق. وهذا كله جاء مفصلاً في حديث أنس بن مالك في «صحيح البخاري» على هذه الصورة (١). قال المؤلف ﵀: (ويجبُ في ثلاثينَ من البقرِ تَبِيِعٌ أو تَبِيِعَةٌ، وفي أربعين مُسِنَّةٌ، ثم كذلك) فنِصاب البقر ثلاثون، وأقل من ذلك لا شيء فيه، ودليله حديث معاذ، قال: «أمره رسول ﷺ أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة» (٢). والتبيع: ولد البقرة الذي يتبع أمه من يوم ميلاده إلى أن يكمل سنة ثم يكون جذعاً، فما دام دون السنة فهو تبيع، فإذا بلغ السنة صار جذعاً والذكر والأنثى سواء لا فرق. قال (وفي أربعين مسنة) وما بعد الثلاثين من إحدى وثلاثين إلى تسع وثلاثين، كلها أوقاص لا شيء فيها، فإذا بلغت أربعين ففيها مسنة. والمسِنَّة: مالها سنتان وطلع سنها، وهي الأنثى. فَبَيِّنَ ﷺ القَدْرَ الذي يؤخذ في زكاة البقر من كل ثلاثين تبيع أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنّة.

стр. 174

فالستون فيها تبيعان أو تبيعتان، والسبعون فيها تبيع أو تبيعة ومسنة، والثمانون فيها مسنّتان، وهكذا. وأما الجواميس فحكمها حكم البقر بالإجماع، نقله ابن المنذر (١)، فتعد البقرة والجاموس شيئاً واحداً، كما أن الجمل العربي والجمل ذو السنامين الأفريقي يُعَدُّ شيئاً واحداً. قال: (ويجبُ في أربعينَ من الغَنَمِ شاةٌ إلى مائة وإحدى وعشرين، وفيها شاتان إلى مئتين وواحدةٍ، وفيها ثلاث شياهٍ إلى ثلاث مئةٍ وواحدةٍ، وفيها أربعٌ، ثم في كلِّ مائةٍ شاةٌ) يبين المؤلف الآن نصاب الغنم، وهي أربعون شاة، وتكون زكاتها شاة واحدة، وتبقى شاة إلى المئة وعشرين، فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين، قال: (وفيها شاتان إلى مائتين وواحدة) فمن المائة وإحدى وعشرين إلى المائتين فيها شاتان. قال (وفيها ثلاث شياه إلى ثلاث مائة وواحدة، وفيها أربع - إذا زادت عن ثلاث مائة -، ثم في كل مائة شاة). ففي ٤٠ - ١٢٠ = شاة. ثم: ١٢١ - ٢٠٠ = شاتان. ثم: ٢٠١ - ٣٠٠ = ثلاث شياه. ثم في كل مائة شاة. وهذا التفصيل هو المذكور في «صحيح البخاري» (٢)، في كتاب أبي بكر لأنس. وكثير من هذه المسائل مُجْمَعٌ عليها.

стр. 175

ويشمل الغنم، الماعز والضَّأن. والماعز ما له شعر أسود، وأما الضَّأن فهو الخروف ذو الصوف الأبيض. وهكذا يكون قد انتهى من ذكر نِصابِ الإبل والبقر والغنم وذكر المقادير. قال ﵀: (ولا يُجْمَعُ بين مُفْتَرِق من الأنعام، ولا يُفَرّق بين مجتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ) يعني بذلك أن يكون لزيد أربعون رأساً من الغنم، ولعمرو أربعون رأساً، ولبكر أربعون رأساً، وهي متفرّقة، فكل واحد من هؤلاء عليه شاة في الصدقة، فيجمعون شياههم، فيصير عددها مائة وعشرين رأساً، والمائة وعشرون هذه فيها شاة واحدة، فيسقطون عن أنفسهم شاتين، وهذا تحايل على شرع الله ولهذا نهى عنه النبي ﷺ . وأما الصورة الثانية، وهي تفريق المُجْتَمِعِ، أن يكون لك عشرون شاة ولي عشرون شاة مجتمعة، فتكون زكاتُها مجتمعة شاة واحدة، فإذا فرَّقناها لم يكن على أي منا شيء، وهذا منهِيٌّ عنه أيضاً. فما كان مجتمعاً فلا يفرَّق خشية الصدقة وما كان مفرَّقاً فلا يجمع خشية الصدقة، وقد جاء هذا في «صحيح البخاري» من حديث أنس قال، قال رسول الله ﷺ : «ولا يَجْمَعَ بين متفرّق، ولا يُفَرّقُ بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فيتراجعا بالسوية» (١) والجملة الأخيرة سيأتي الحديث عنها من كلام المؤلف، وسيأتي ضابط الاجتماع والتفريق، متى تكون مجتمعة ومتى تكون مفترقة. وأما قول المؤلف: (ولا يجمع بين مفترق من الأنعام) أي أن الخلطة مؤثرة في الأنعام فقط، لا في بقية الأموال، فالأموال الثانية كالدنانير والفضة والذهب، فهذه لا علاقة لها بالاختلاط، وكل واحد وماله منفصل عن الآخر، سواء كان مجتمعاً أو متفرقاً، والاختلاط يؤثر فقط في الحيوانات المذكورة، وهو الصحيح من كلام أهل العلم، ودليله أن الجمع والتفريق مؤثر قِلّة وكثرة في الماشية ولا يؤثر في غيرها، والخلط يؤثر في الماشية بالنفع تارة، وبالضرر تارة أخرى، وأما في غيرها فيؤثر دائماً بالضرر على صاحب المال، فلا تعتبر في غير الماشية لأنها دائماً مضرة على صاحب المال. قال ﵀: (فصلٌ: ولا شيء فيما دُونَ الفريضةِ، ولا في الأوْقاصِ)

стр. 176

(لاشيء فيما دون الفريضة): أي فيما دون النصاب، أي ما هو أقل من النصاب لا شيء فيه، وقد ذكرنا أن الإبل نصابها خمس، فإذا ملك الشخص أربعاً من الإبل أو أقل فلا شيء عليه، وأما البقر فنصابها ثلاثون فإذا ملك الشخص تسعاً وعشرين أو أقل فلا شيء عليه، وأما نصاب الغنم فأربعون فإذا ملك الشخص تسعاً وثلاثين أو أقل فلا شيء فيها. وقوله: (ولا في الأوقاص): أي ولا شيء فيما بين الفريضتين، والأوقاص، جمع وَقَص، وأصله في اللغة قِصَر في العنق، وسمي وَقَص الزكاة، لنقصه عن الزكاة، أي لأنه لا يصل إلى النصاب. ففي الإبل مثلاً من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين بنت مخاض أو ابن لبون، وأما من ملك ستاً وعشرين أو سبعاً وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين، فلا شيء فيه سوى ما تقدم، فتسمى أوقاصاً، ويُخْرِجُ كما يُخْرِجُ من ملك خمساً وعشرين، لأنها جاءت بين الفريضة الأولى وهي خمس وعشرون والفريضة الثانية وهي ست وثلاثون. وهذا ما يدل عليه حديث أنس ﵁. قال المؤلف ﵀: (وما كان مِنْ خَلِيطَيْنِ فيتراجعان بالسَّويّةِ) لحديث أنس في «صحيح البخاري»، قال: «وما كان من خليطين فيتراجعا بالسوية» (١) مثلاً: لي ولك أربعون رأساً من الشياه مختلطة، فجاء عامل الصدقة وأخذ من هذه الشياه الأربعين المختلطة شاة واحدة - وهي زكاة نصاب الغنم -، فهذه الشاة المأخوذة زكاة للنصاب تحسب على مَنْ، عليك أم عليّ؟ الجواب: أن النبي ﷺ قال في هذا: «فليتراجعا بالسويّة»، أي يدفع كل واحد النسبة التي عليه، فلو كان كل واحد منّا يملك عشرين شاة، فعلى كل منّا نصف ثمن الشاة، ولو كنت تملك الثلثين وأملك الثلث، فعليك ثلثا ثمن الشاة وعلي الثلث. ما هو ضابط المجتمِع والمتفَرِّق الاجتماع نوعان، اجتماع أعيان واجتماع أوصاف. فأما اجتماع الأعيان: فهو الاشتراك بالتملك في أعيان بهيمة الأنعام، فلا يتميز ملك أحدهما عن الآخر.

стр. 177

مثلاً: أشترك أنا وأنت في أربعين شاة، لا تتميز شياهي عن شياهك، وهذا اشتراك شيوع لا تمييز فيه، هي أربعون شاة لي ولك، ليس فيها أن تلك الشاة الحمراء مثلاً لك والبيضاء لي، بل كلها لي ولك، فهذا اجتماع الأعيان. ويحدث في حالات الميراث، فمثلاً مات رجل وترك ولدين ذكرين وعنده أربعون رأساً من الشياه، فللأول عشرين وللثاني عشرين، لكنها غير متميزة. وأما الاجتماع الثاني، وهو اجتماع الأوصاف، وتكون الشياه فيها متميِّزة، فأنا وأنت مشتركون، لكن شياهك معروفة لها أوصاف معلومة وشياهي معروفة لها أوصاف وعلامات معلومة. فإن اجتمعت هذه الشياه - التي جاء النهي من النبي ﷺ في تفريق المجتمع وتجميع المفترق - فما هو ضابط الاجتماع الذي تعدّ فيه مجتمعة أو تعد متفرقة؟ بالنسبة لاجتماع الأعيان فلا إشكال فيها لأنها غير متميزة أصلاً. لكن الإشكال في اجتماع الأوصاف، متى تعدّ مجتمعة ومتى تعد متفرقة؟ قال أهل العلم: إذا اشتركت في أشياء تعتبر مجتمعة، فما هي هذه الأشياء؟ أن تشترك: ١. في المُراح: وهو مأواها ليلاً، فإن كانت تأوي إلى مكان واحد تكون قد اشتركت في المُراح. ٢. في المسرح: وهو المرتع الذي ترعى فيه. ٣. في المَحْلَب: وهو الموضع الذي تُحلب فيه. ٤. في المشرب: وهو مكان شربها، بأن تسقى من ماء واحد، نهر أو عين أو بئر أو حوض أو غير ذلك. ٥. في الفَحْلِ: وهو الذكر الذي يجامع الإناث. ٦. في الراعي

стр. 178

فإذا اشتركت في هذه الأوصاف الستة كانت هذه الأنعام مجتمعة لا يجوز تفريقها، وهذه الأشياء التي ذكرت فيها تخفيف مؤنة على الطرفين، لذلك اعتبرت عند التجميع والتفريق. قال المؤلف ﵀: (ولا تُؤخَذ هَرِمَة، ولا ذاتَ عَوَار، ولا عَيْبٍ، ولا صغيرةٍ، ولا أكولَةٍ، ولا رُبَّى، ولا ماخِض، ولا فَحْل غنم) لا يجوز أخذ هذه الأشياء في الزكاة، لأن فيها ضرراً على صاحب المال أو على الفقير. (الهرمة): هي الكبيرة التي سقطت أسنانها. (ذات عوار) تُقال بالفتح: عَوار، وبالضم: عُوار، وقيل هي العوراء، وقيل هي المَعيبة التي فيها عيب. (ولا عيب): وهي ما فيها عيب يُعَدُّ عند العارفين بالمواشي نقصاً، فالنَّعم التي فيها هذا العيب لا تؤخذ في الزكاة. (الصغيرة): أي في السن. (الأكولة): وهي الشاة التي يسمّنها أهلها لأكلها، وقيل هي الخصي والهرمة والعاقر من الغنم. (الرُبّى): التي تربّى في البيت ليأخذ أهلها لبنها، وقيل: هي التي وضعت حديثاً. (الماخض): التي أخذها المخاض لتضع، والمخاض الطلق عند الولادة. (فحل الغنم): الذكر الذي أُعد لضراب الإناث، أي لجماعهنَّ. وهذه الأشياء التي ذكرها وردت فيها آثار ضعيفة لا تصحّ. وقد ورد حديث في «صحيح البخاري» من حديث أنس، قال: قال ﵇: «ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المُصَّدِّقُ» (١). فالهرمة وذات العوار أي ذات العيب - فتدخل فيها أي شاة معيبة بعيب معروف عند أهل العلم بالمواشي أنه عيب مؤثر -، وكذلك التيس الذي هو الفحل، لا تأخذ في الزكاة.

стр. 179

وقوله: «إلا أن يشاء المصدق» أي إلا أن يشاء المُصّدِّقُ - وهو صاحب المال - إخراج التيس، لأن في أخذه ضرراً على المصَّدِّق، والمنع من أخذه لمصلحته، فإن أذن فيه أو رأى أن لا ضرر عليه في ذلك، أُخِذ. وتقاس عليه الأشياء التي ذكرها المصنّف مما يعود بالضرر على صاحب المال. وقد ورد أيضا في «البخاري» و «مسلم» من حديث معاذ المعروف، قال: قال النبي ﷺ : «وأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ... » ثم قال في نهاية الحديث: «وإياك وكرائم أموالهم» (١). هذا يدل على أن الكريم من مال الشخص لا يُؤخذ في الزكاة، بل يُؤخذ الشيء المعتدل المتوسط، لا النفيس ولا الرديء. وأما بالنسبة للهرمة وذات العوار، فلا تؤخذ لأن الضرر فيها عائد على الفقير. وأما الصغيرة فقد بوب البخاري في «صحيحه»: «باب أخذ العناق في الصدقة» وذكر فيه حديث أبي بكر قوله: «والله لو منعوني عَنَاقاً لقاتلتهم عليه» (٢). والعناق من أولاد المعز، وهي التي لم تستكمل السنة. قال الحافظ: «وكأن البخاري أشار بهذه الترجمة السابقة إلى جواز أخذ الصغيرة في الصدقة». فالصحيح أنها تؤخذ. مسألة: إذا لم يوجد عند صاحب الإبل السن المطلوبة، فماذا يفعل؟ جاء في نفس حديث أنس في «صحيح البخاري» ما يفعل عند ذلك، فقال في الحديث بأنه يؤخذ منه الأعلى أو الأدنى. فلنقل مثلاً بأن مالكاً قد ملك أربعين رأساً من الإبل، ووجبت عليه بنت لبون، ولا يملكها، فإنه بالخيار بين أمرين، إما أن يخرج ما هي أعلى من بنت اللبون، وهي الحقة، وهنا لا بد على جامع الصدقة - وهو الشخص الذي يخرجه ولي الأمر ليجمع الصدقة - يجب عليه

стр. 180

أن يرد على المصّدّق الجبران، وهو ما جاء تحديده في الحديث، إما شاتان أو عشرون درهماً وهذا جبر لفرق السن، إن أخرج الأكبر. أما إن أخرج المصّدّق الأصغر سناً، كأن يخرج بنت مخاض وهي أصغر من بنت اللبون، فهنا يجب عليه أن يجبر النقص، فيخرج هذا المصدق شاتين أو عشرين درهماً، يدفعها لجامع الصدقة تعويضاً عن فرق السن، لإخراجه الأصغر. والدرهم المقصود هنا، ما كانوا يتعاملون به وهو درهم الفضة، وأما الدينار فدينار الذهب. وعند وزن الدرهم من الفضة وُجِدَ أنه يساوي غرامين وتسعمائة وخمساً وسبعين، أي ثلاثة غرامات إلا قليلاً، فبناء على هذا فإن عشرين درهماً تساوي من الغرامات: ٢٠× ٢.٩٧٥ = ٦٠ غم تقريباً، ثم ٦٠× سعر غرام الفضة اليوم = المبلغ بالأوراق النقدية في زمننا هذا. وهو ما يعادل العشرين درهماً التي ستخرجها لتعوض فرق السن، وهذا إن أخرجت دراهم، أما إن أخرجت شاتين، فلا تحتاج لهذا الحساب، وهكذا يكون دفع الفارق تأخذه من جامع الصدقة أو تدفعه له. قال المؤلف ﵀: (باب زكاة الذهب والفضة) قال: (هي - إذا حالَ على أحدهما الحولُ - رُبْعُ العُشْرِ) بدأ المؤلف أول ما بدأ في مسألة زكاة الذهب والفضة بالقَدْرِ الواجب فيها، فقال هو ربع العشر. زكاة الذهب والفضة مُجْمَعٌ عليها إذا بلغت النِّصابَ وحال عليها الحولُ (١)، فهي واجبة.
следующие страницы →