← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

(لاشيء فيما دون الفريضة): أي فيما دون النصاب، أي ما هو أقل من النصاب لا شيء فيه، وقد ذكرنا أن الإبل نصابها خمس، فإذا ملك الشخص أربعاً من الإبل أو أقل فلا شيء عليه، وأما البقر فنصابها ثلاثون فإذا ملك الشخص تسعاً وعشرين أو أقل فلا شيء عليه، وأما نصاب الغنم فأربعون فإذا ملك الشخص تسعاً وثلاثين أو أقل فلا شيء فيها. وقوله: (ولا في الأوقاص): أي ولا شيء فيما بين الفريضتين، والأوقاص، جمع وَقَص، وأصله في اللغة قِصَر في العنق، وسمي وَقَص الزكاة، لنقصه عن الزكاة، أي لأنه لا يصل إلى النصاب. ففي الإبل مثلاً من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين بنت مخاض أو ابن لبون، وأما من ملك ستاً وعشرين أو سبعاً وعشرين إلى خمسٍ وثلاثين، فلا شيء فيه سوى ما تقدم، فتسمى أوقاصاً، ويُخْرِجُ كما يُخْرِجُ من ملك خمساً وعشرين، لأنها جاءت بين الفريضة الأولى وهي خمس وعشرون والفريضة الثانية وهي ست وثلاثون. وهذا ما يدل عليه حديث أنس ﵁. قال المؤلف ﵀: (وما كان مِنْ خَلِيطَيْنِ فيتراجعان بالسَّويّةِ) لحديث أنس في «صحيح البخاري»، قال: «وما كان من خليطين فيتراجعا بالسوية» (١) مثلاً: لي ولك أربعون رأساً من الشياه مختلطة، فجاء عامل الصدقة وأخذ من هذه الشياه الأربعين المختلطة شاة واحدة - وهي زكاة نصاب الغنم -، فهذه الشاة المأخوذة زكاة للنصاب تحسب على مَنْ، عليك أم عليّ؟ الجواب: أن النبي ﷺ قال في هذا: «فليتراجعا بالسويّة»، أي يدفع كل واحد النسبة التي عليه، فلو كان كل واحد منّا يملك عشرين شاة، فعلى كل منّا نصف ثمن الشاة، ولو كنت تملك الثلثين وأملك الثلث، فعليك ثلثا ثمن الشاة وعلي الثلث. ما هو ضابط المجتمِع والمتفَرِّق الاجتماع نوعان، اجتماع أعيان واجتماع أوصاف. فأما اجتماع الأعيان: فهو الاشتراك بالتملك في أعيان بهيمة الأنعام، فلا يتميز ملك أحدهما عن الآخر.

стр. 177

مثلاً: أشترك أنا وأنت في أربعين شاة، لا تتميز شياهي عن شياهك، وهذا اشتراك شيوع لا تمييز فيه، هي أربعون شاة لي ولك، ليس فيها أن تلك الشاة الحمراء مثلاً لك والبيضاء لي، بل كلها لي ولك، فهذا اجتماع الأعيان. ويحدث في حالات الميراث، فمثلاً مات رجل وترك ولدين ذكرين وعنده أربعون رأساً من الشياه، فللأول عشرين وللثاني عشرين، لكنها غير متميزة. وأما الاجتماع الثاني، وهو اجتماع الأوصاف، وتكون الشياه فيها متميِّزة، فأنا وأنت مشتركون، لكن شياهك معروفة لها أوصاف معلومة وشياهي معروفة لها أوصاف وعلامات معلومة. فإن اجتمعت هذه الشياه - التي جاء النهي من النبي ﷺ في تفريق المجتمع وتجميع المفترق - فما هو ضابط الاجتماع الذي تعدّ فيه مجتمعة أو تعد متفرقة؟ بالنسبة لاجتماع الأعيان فلا إشكال فيها لأنها غير متميزة أصلاً. لكن الإشكال في اجتماع الأوصاف، متى تعدّ مجتمعة ومتى تعد متفرقة؟ قال أهل العلم: إذا اشتركت في أشياء تعتبر مجتمعة، فما هي هذه الأشياء؟ أن تشترك: ١. في المُراح: وهو مأواها ليلاً، فإن كانت تأوي إلى مكان واحد تكون قد اشتركت في المُراح. ٢. في المسرح: وهو المرتع الذي ترعى فيه. ٣. في المَحْلَب: وهو الموضع الذي تُحلب فيه. ٤. في المشرب: وهو مكان شربها، بأن تسقى من ماء واحد، نهر أو عين أو بئر أو حوض أو غير ذلك. ٥. في الفَحْلِ: وهو الذكر الذي يجامع الإناث. ٦. في الراعي

стр. 178

فإذا اشتركت في هذه الأوصاف الستة كانت هذه الأنعام مجتمعة لا يجوز تفريقها، وهذه الأشياء التي ذكرت فيها تخفيف مؤنة على الطرفين، لذلك اعتبرت عند التجميع والتفريق. قال المؤلف ﵀: (ولا تُؤخَذ هَرِمَة، ولا ذاتَ عَوَار، ولا عَيْبٍ، ولا صغيرةٍ، ولا أكولَةٍ، ولا رُبَّى، ولا ماخِض، ولا فَحْل غنم) لا يجوز أخذ هذه الأشياء في الزكاة، لأن فيها ضرراً على صاحب المال أو على الفقير. (الهرمة): هي الكبيرة التي سقطت أسنانها. (ذات عوار) تُقال بالفتح: عَوار، وبالضم: عُوار، وقيل هي العوراء، وقيل هي المَعيبة التي فيها عيب. (ولا عيب): وهي ما فيها عيب يُعَدُّ عند العارفين بالمواشي نقصاً، فالنَّعم التي فيها هذا العيب لا تؤخذ في الزكاة. (الصغيرة): أي في السن. (الأكولة): وهي الشاة التي يسمّنها أهلها لأكلها، وقيل هي الخصي والهرمة والعاقر من الغنم. (الرُبّى): التي تربّى في البيت ليأخذ أهلها لبنها، وقيل: هي التي وضعت حديثاً. (الماخض): التي أخذها المخاض لتضع، والمخاض الطلق عند الولادة. (فحل الغنم): الذكر الذي أُعد لضراب الإناث، أي لجماعهنَّ. وهذه الأشياء التي ذكرها وردت فيها آثار ضعيفة لا تصحّ. وقد ورد حديث في «صحيح البخاري» من حديث أنس، قال: قال ﵇: «ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المُصَّدِّقُ» (١). فالهرمة وذات العوار أي ذات العيب - فتدخل فيها أي شاة معيبة بعيب معروف عند أهل العلم بالمواشي أنه عيب مؤثر -، وكذلك التيس الذي هو الفحل، لا تأخذ في الزكاة.

стр. 179

وقوله: «إلا أن يشاء المصدق» أي إلا أن يشاء المُصّدِّقُ - وهو صاحب المال - إخراج التيس، لأن في أخذه ضرراً على المصَّدِّق، والمنع من أخذه لمصلحته، فإن أذن فيه أو رأى أن لا ضرر عليه في ذلك، أُخِذ. وتقاس عليه الأشياء التي ذكرها المصنّف مما يعود بالضرر على صاحب المال. وقد ورد أيضا في «البخاري» و «مسلم» من حديث معاذ المعروف، قال: قال النبي ﷺ : «وأعلمهم أن الله افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ... » ثم قال في نهاية الحديث: «وإياك وكرائم أموالهم» (١). هذا يدل على أن الكريم من مال الشخص لا يُؤخذ في الزكاة، بل يُؤخذ الشيء المعتدل المتوسط، لا النفيس ولا الرديء. وأما بالنسبة للهرمة وذات العوار، فلا تؤخذ لأن الضرر فيها عائد على الفقير. وأما الصغيرة فقد بوب البخاري في «صحيحه»: «باب أخذ العناق في الصدقة» وذكر فيه حديث أبي بكر قوله: «والله لو منعوني عَنَاقاً لقاتلتهم عليه» (٢). والعناق من أولاد المعز، وهي التي لم تستكمل السنة. قال الحافظ: «وكأن البخاري أشار بهذه الترجمة السابقة إلى جواز أخذ الصغيرة في الصدقة». فالصحيح أنها تؤخذ. مسألة: إذا لم يوجد عند صاحب الإبل السن المطلوبة، فماذا يفعل؟ جاء في نفس حديث أنس في «صحيح البخاري» ما يفعل عند ذلك، فقال في الحديث بأنه يؤخذ منه الأعلى أو الأدنى. فلنقل مثلاً بأن مالكاً قد ملك أربعين رأساً من الإبل، ووجبت عليه بنت لبون، ولا يملكها، فإنه بالخيار بين أمرين، إما أن يخرج ما هي أعلى من بنت اللبون، وهي الحقة، وهنا لا بد على جامع الصدقة - وهو الشخص الذي يخرجه ولي الأمر ليجمع الصدقة - يجب عليه

стр. 180

أن يرد على المصّدّق الجبران، وهو ما جاء تحديده في الحديث، إما شاتان أو عشرون درهماً وهذا جبر لفرق السن، إن أخرج الأكبر. أما إن أخرج المصّدّق الأصغر سناً، كأن يخرج بنت مخاض وهي أصغر من بنت اللبون، فهنا يجب عليه أن يجبر النقص، فيخرج هذا المصدق شاتين أو عشرين درهماً، يدفعها لجامع الصدقة تعويضاً عن فرق السن، لإخراجه الأصغر. والدرهم المقصود هنا، ما كانوا يتعاملون به وهو درهم الفضة، وأما الدينار فدينار الذهب. وعند وزن الدرهم من الفضة وُجِدَ أنه يساوي غرامين وتسعمائة وخمساً وسبعين، أي ثلاثة غرامات إلا قليلاً، فبناء على هذا فإن عشرين درهماً تساوي من الغرامات: ٢٠× ٢.٩٧٥ = ٦٠ غم تقريباً، ثم ٦٠× سعر غرام الفضة اليوم = المبلغ بالأوراق النقدية في زمننا هذا. وهو ما يعادل العشرين درهماً التي ستخرجها لتعوض فرق السن، وهذا إن أخرجت دراهم، أما إن أخرجت شاتين، فلا تحتاج لهذا الحساب، وهكذا يكون دفع الفارق تأخذه من جامع الصدقة أو تدفعه له. قال المؤلف ﵀: (باب زكاة الذهب والفضة) قال: (هي - إذا حالَ على أحدهما الحولُ - رُبْعُ العُشْرِ) بدأ المؤلف أول ما بدأ في مسألة زكاة الذهب والفضة بالقَدْرِ الواجب فيها، فقال هو ربع العشر. زكاة الذهب والفضة مُجْمَعٌ عليها إذا بلغت النِّصابَ وحال عليها الحولُ (١)، فهي واجبة.

стр. 181

قال : ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]. وجاء كذلك في حديث رسول الله ﷺ «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» (١). وقيمة ما يُخرَج منها ربع العشر، وذلك لقوله ﷺ : «ليس عليك شيء» - يعني في الذهب - «حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كانت لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك» (٢). فبيَّن بهذا الحديث نصاب الذهب، وأنه يجب أن يحول عليه الحول وبيَّن القيمة الواجبة فيها. فالنصاب عشرون ديناراً. وُزِن الدينار من الذهب فوجد أن وزنه أربعة غرامات وربع (٢٥. ٤ غم). هذا الدينار الواحد الذي يزن (٤.٢٥) × ٢٠ ديناراً الذي هو النصاب = ٨٥ غم، وهذا أصل نصاب الذهب. فإذا بلغ الذهب خمساً وثمانين غراماً، فقد بلغ النصاب، وإذا حال عليه الحول وجبت فيه الزكاة. والقيمة الواجبة في هذه العشرين ديناراً من الذهب على ما في الحديث هي نصف دينار، وهذه تساوي ربع عشر العشرين ديناراً، فالواجب ربع العشر من قيمة الذهب الذي تملكه وحال عليه الحول.

стр. 182

قال المؤلف ﵀: (ونصاب الذهب عشرون ديناراً، ونصاب الفضة مائتا درهم) ونصاب الذهب عشرون ديناراً للحديث الذي تقدم، وأما نصاب الفضة فمائتا درهم. ووزن الدرهم فوجِدَ أنه يزن (٢.٩٧٥) غم (٢.٩٧٥) غم × ٢٠٠ درهم نصاب الفضة = ٥٩٥ غم نصاب الفضة. ودليله قوله ﷺ : «قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرِّقة من كل أربعين درهماً درهماً، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم» (١). وقوله: «قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق» يدل على أن الخيل والرقيق لا زكاة فيهما إلا إذا اتُّخِذَت للتجارة. و«الرقة» هي الفضة. فهذا الحديث بين لنا نصاب الفضة والقدر الواجب فيها. والقدر الواجب في الفضة هو نفسه القدر الواجب في الذهب، وهو ربع العشر، لأن عُشر المائتين عشرون درهماً، وربع العشرين خمسة دراهم، فربع عُشر المائتين خمسة دراهم. وفي «صحيح البخاري»: «ليس فيما دون خمس أواق من الوَرِق صدقةٌ» (٢). «الوَرِق»: الفضة. والأوقية: تساوي أربعين درهماً. والخمس أواق: مائتا درهم. فنصاب الفضة ٢٠٠ درهم، وتساوي ٥٩٥ غراماً، فهذا أصل نصاب الفضة. والخلاصة، نحتاج إلى حفظ شيئين اثنين: نصاب الذهب ٨٥ غم، ونصاب الفضة ٥٩٥ غم.

стр. 183

قال المؤلف: (ولا شيء فيما دون ذلك) أي لا شيء فيما هو أقل من عشرين ديناراً من الذهب والذي يساوي ٨٥ غم. ولا شيء فيما هو أقل من مائتي درهم من الفضة والذي يساوي ٥٩٥ غم. قال: (ولا زكاة في غيرِهِما من الجَواهِرِ) كالدُّرِّ والياقوتِ والماسِ واللؤلؤ، ونحوها، فلا زكاة فيها، لعدم ورود دليل يدل على وجوب الزكاة فيها، والبراءة الأصلية مستصحبة، فالأصل عدم الزكاة إلا فيما ثبت به الدليل. مسألة: وأما الحلي من الذهب والفضة، فاختلف أهل العلم فيه والصحيح أن فيه زكاة لأمرين: الأول: دخوله في عموم الأدلة التي توجب الزكاة في الذهب والفضة، ولم يخرجه شيء، فإن الله لما قال: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة .. ﴾ لم يخرج هذا الحلي من هذه الآية. ثانياً: حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مَسَكَتان غليظتان من ذهب، فقال: «أتؤدّين زكاة هذا؟ » قالت: لا، قال: «أيسُرُّك أن يسوّرك الله سوارين من نار؟ » فخلعتهما وألقتهما إلى النبي ﷺ . والمَسَكَتان: سواران غليظان. أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما وهو صحيح (١). رواه ثلاثة عن عمرو بن شعيب، وله شواهد. فهذا دليل على وجوب زكاة الحلي. ولا يصحّ حديث في نفي الزكاة عن الحلي، ورويت أحاديث في نفيه، لكنّها ضعيفة. مسألة: الأوراق النقدية التي بين أيدينا اليوم، فإنهم كانوا يتعاملون فيما مضى بالذهب والفضة، ولا وجود لها اليوم إلا ما ندر، وإنما يتعاملون بالأوراق النقدية، فهل في هذه الأوراق النقدية زكاة؟

стр. 184

في هذه الأوراق النقدية زكاة أيضاً، لأنها أموال الناس اليوم، وقد قال الله ﵎ ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وقال ﷺ لمعاذ: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» (١). والأوراق النقدية اليوم هي أثمان الأشياء وهي أموالنا، فلو أبطلنا الزكاة فيها، لبطلت الزكاة والحكمة التي من أجلها شرع الله الزكاة، ولبقي الفقير فقيراً والغني ازداد غناً على غناه. مسألة: كم نصاب الأوراق النقدية. اختلف أهل العلم في نصابها، هل هو نصاب الذهب أم نصاب الفضة، أم يؤخذ بأعلى النصابين، أم يؤخذ بأدناهما؟ أما الذين قالوا يؤخذ بنصاب الفضة، فقالوا هو أرفق بالفقير، وأنفع له، فنعتبر مصلحة الفقير. وأما الذين قالوا بأدنى النصابين، فنظروا أيضاً إلى ما هو أنفع للفقير، فاجتماع الأدنى عند الغني يوجب عليه الزكاة، بخلاف لو أخذوا بالأعلى، فإنها لن تجب الزكاة إلا عند من اجتمع عنده النصاب الأعلى، لذا قالوا هو الأنفع للفقير. وبناء على أن الأوراق النقدية غير مغطاة بالذهب والفضة. وأما الذين قالوا يؤخذ بنصاب الذهب، فقالوا هو الأصل في التعامل، وهو غطاء النقود، وهو أساس تقدير الدِّياتِ. والذي يترجّح عندي أنه نصاب الذهب، لأن الأصل براءة الذمّة، ولا نستطيع أن نحكم بالإيجاب فيما هو أدنى، ولكن ما هو أعلى اسْتَيْقَنَّا أن فيه زكاة، فتبقى براءة الذمّة مُسْتَصْحَبَةً حتى يأتي دليل واضح، فلا نحمل الأمور على ما هو مشكوك فيه، بل على ما استيقنّا منه، فإنه أولى. ثم إن قيمة الذهب ثابتة، وهو أصل في التعامل، لذلك رجّحنا هذا القول. والله أعلم.

стр. 185

وعلى كل، فالأوراق النقدية وأحكامها سواء كانت في الربا أو كانت في الزكاة، فيها بحث طيب نفيس لهيئة كبار العلماء في كتاب أبحاث هيئة كبار العلماء، بحثوا هذا الأمر وذكروا أقوال أهل العلم فيه، وناقشوه نقاشاً طويلاً، حتى وصلوا فيه إلى أن الأوراق النقدية يدخلها الربا وفيها الزكاة كذلك، وهو الصحيح إن شاء الله. وغالباً تكون الأبحاث الجماعية أدق وأقوى، وإن كان لا يلزم لهم أن يرجّحوا الصواب دائماً، لأن الحجة في الإجماع لا في الكثرة. ثم إن هذه الأبحاث قامت بعد استشارة خبراء في الأموال والأوراق، ثم نظروا في الأدلة الشرعية، ثم استخرجوا الأحكام منها. قال المؤلف ﵀: (وأموال التجارة) أي ولا زكاة في أموال التجارة - فهي معطوفة على التي قبلها: «ولا زكاة في غيرهما من الجواهر» -، فقال، لا زكاة في أموال التجارة، وهذا ما ذهب إليه المؤلف تبعاً لبعض أهل الظاهر، لكن بعض العلماء قد نقلوا الاتفاق على أن أموال التجارة فيها زكاة، إلا أن هذا الإجماع فيه خلاف. والصحيح عندنا أن عروض التجارة فيها زكاة. والعُرُوض: جمع عَرَض أو عَرْض بفتح الراء أو بإسكانها. وسميت عروض تجارة، لأنها تعرض وقتاً ثم تزول. وهي كل ما أُعِدّ للبيع والشراء لأجل الربح. وأخذ الزكاة منها واجب - خلافاً للمؤلف -، لأنها داخلة تحت عموم قوله تعالى ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، وعروض التجارة أموال، وهي أغلب أموال التجار. واستَدَلّ البخاري بحديث: «أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتُده في سبيل الله» (١) وهو عندي أصح دليل في هذه المسألة. ووجه الدلالة في هذا الحديث، أن جامعي الزكاة جاءوا إلى النبي ﷺ فشكوا إليه أن خالداً لم يدفع زكاة ماله، ومال خالد هو عتاد وأدرع غنمها في الحرب.

стр. 186

ومما عرفناه أن الحديد لا زكاة فيه، فبأي وجه تؤخذ الزكاة من خالد على أدرعه وعتاده التي هي حديد؟ لا وجه لذلك إلا أن يكون جامعي الزكاة قد ظنوا أنها قد أعدت للتجارة، فقال لهم رسول الله ﷺ : «أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتُده في سبيل الله» لذا استدلّ البخاري ﵀ على أن في عروض التجارة زكاة. ويشترط لوجوب الزكاة في عروض التجارة شروط: ١. أن تبلغ النصاب. ٢. أن يحول عليها الحول. ٣. أن يملك العروض بفعله كشراء العروض، فتدخل في ملكه باختياره. أما ما ورثه من أموال فليست من عروض التجارة، لأنها دخلت في ملكه من غير فعله، فبمجرد أن مات المورّث انتقلت إلى ملكه. ١. أن يملكها بنية التجارة، فلو ملكها بنية الاقتناء فلا زكاة فيها، وكذا لو ملكها بنية الاقتناء أو بإرث ثم طرأت عليه نية التجارة فلا زكاة فيها، لأن الأصل القنية والتجارة عارض، فلا يصار إليها بمجرد النية. وإن اشترى عَرَضاً للتجارة، فنوى الاقتناء، صار للقنية، وسقطت الزكاة فيه، لأنه اتخذه ليقتنيه ولم يعد يريد بيعه، فتحوّل من عرض للتجارة إلى شيء مقتنى. فإذا بلغت عروض التجارة النصاب - ونصابها كنصاب الأوراق النقدية - وحال عليها الحول، قوّمه - أي قدَّرَ ثمنه - آخر الحول بقيمته وقت التقويم، وأخرج ربع عشر قيمته. فلو كان عند تاجر بضاعة بلغت النصاب وحال عليها الحول، يبدأ بتقويم بضاعته في ذلك الوقت، ولا عبرة بقيمتها حين اشتراها، بل المهم هو قيمتها حين حال عليها الحول، فيقوّمها ثم يخرج ربع عشر قيمتها الحالية. مسألة: هل يخرج زكاة عروض التجارة بضاعة أم مالاً؟

стр. 187

تخرج زكاتها أوراقاً نقدية من أوراق أهل البلد، لأنها الأصل المطلوب له، فقصده ومراده القيمة، لا هذه العروض، وهذه العروض لم تشتر إلا ابتغاء قيمتها وهو المال. تضم قيمة عروض التجارة إلى الأوراق النقدية وتُتمِّم بها النصاب. ولنقل إن شخصاً يملك ألفي دينار، - ونصاب المال اليوم هو ٣٣٤٣ دينار، لأن قيمة غرام الذهب اليوم (٣٩.٣٣ ديناراً) (١) فنضربه بـ نصاب الذهب وهو ٨٥ غراماً فيكون النصاب ٣٣٤٣ دينارا -، فلو ملك هذا الشخص هذه ألألفي دينار وعروض تجارة قيمتها ألفا دينار، فهل عليه زكاة؟ نعم عليه زكاة، لأنه يجب أن يضم قيمة العروض إلى قيمة الأوراق النقدية، لأن أصل العروض أوراق نقدية فتضم إليها، بخلاف الذهب والفضة فلا يضمان إليه. قال المؤلف ﵀: (والمُسْتَغَلات) أي أنه لا زكاة في المستغلات وهي: الأشياء التي ينتفع بها ويستغلها، فإنه لا زكاة فيها، كالدور التي تؤجر - أما الأجرة، فإنها إذا حال عليها الحول وبلغت النصاب، كان فيها زكاة، لأنها تصبح من زكاة الأموال النقدية -، وكذلك السيارات والدواب، وما يستعمل من الأثاث والآلات الصناعية كالمنشار والمطرقة، وآلات المصانع، فلا زكاة فيها، لقوله ﷺ : «ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه» (٢)، إلا إذا اتخذ شيئاً من ذلك للتجارة فتجب فيها الزكاة، لأنها تصير عندئذٍ من عروض التجارة. قال المؤلف ﵀: (باب زكاة النبات) زكاة النباتات تشمل الزروع والثمار ونعني بالزروع: الحب، كالقمح والشعير وغيرها مما يزرع ثم يحصد. ونعني بالثمار: ما أنبتته الأشجار كالتمر والزبيب وما شابه.

стр. 188

وأصل وجوب الزكاة في النبات قول الله ﵎ ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيّبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ [البقرة: ٢٦٧]. تدل هذه الآية على وجوب الإنفاق مما أخرج الله لنا من خيرات الأرض. وكذلك قوله تعالى: ﴿وآتوا حقّه يوم حصاده﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقال ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثريّاً العشر، وفيما سُقيَ بالنّضح نصف العشر» (١). فيدل ذلك على وجوب الزكاة فيما سقت السماء، وفيما سُقي بالنضح من الزروع. والمراد بـ «العَثري» الذي يشرب بعروقه من غير سقي أو بواسطة المطر أو عن طريق السيول والأنهار، والمهم أن لا تكلفة في سقيه. والمراد بـ «النّضح» يعني الإبل التي يُحمل عليها الماء لسقي الزرع، والمراد به الزرع الذي في سقيه تكلفة، وتستعمل فيه الآلات. قال ﵀: (يجبُ العُشرُ في الحنطة والشعير والذرة والتمر والزبيب) قال ابن المنذر وابن عبد البر: «وأجمع العلماء على أن الصدقة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب» (٢). والحنطة، هي القمح. وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما عن موسى بن طلحة قال: «عندنا كتاب معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه إنما أخذ الصدقة من الحنطة والشعير والتمر والزبيب» (٣) قال البيهقي: رواته ثقات وهو متصل. وعلى ما ذكر البيهقي، فإن ثلاثة شروط من شروط الصحة قد تحققت، فبقي عدم الشذوذ وعدم العلة، والظاهر أن الحديث صحيح إن شاء الله.

стр. 189

والعُشْر واجب فيما سقي بدون آلة - والعشر قسيم النصف والربع والثلث وغيرها من تقسيمات الواحد الصحيح -، وأما ما سقي بالآلة أو بماء مشترى، ففيه نصف العشر، فالواجب في هذا أقل من الذي سقي بماء الأمطار، لأن في سقي الزرع بالآلة تكلفة، فيجب في مثل هذا نصف العشر، أي نصف القيمة الواجبة على من سقى زرعه من غير آلة، وهذا للحديث المتقدم. والحكم للغالب، فإن كان السقي تارة بآلة وتارة بدونها، فإن تساوت، ففيه ثلاثة أرباع العشر. قال ﵀: (ونصابها خمسَة أوسُق) لقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (١). أي ليس في أقل من خمسة أوسق زكاة. والأوسُق: جمع وَسْق، والوسق حمل البعير وقدره ستون صاعاً بالاتفاق، والصاع أربعة أمداد (أي أربع حفنات). (٦٠) صاعاً × (٥) أوسق = ٣٠٠ صاع وهي تساوي تقريباً (٦١٢) كيلو من البر الجيد. هذا هو نصاب الحبوب والثمار. قال المؤلف ﵀: (ولا شيء فيما عدا ذلك، كالخضروات وغيرها) يحصر المؤلف ﵀ زكاة النباتات في الأجناس الخمسة (الذرة والقمح والشعير والتمر والزبيب). وقد اعتمد المؤلف ﵀ على رواية زائدة على الحديث الذي تقدم، «أن معاذاً إنما اخذ الصدقة من الحنطة والشعير والتمر والزبيب» وذكر فيها الذرة، ولكنها رواية منكرة لا تصح، والصواب عدم ذكرها (٢).

стр. 190

وهذه الأصناف الأربعة - غير الذرة - هي التي حصل الإجماع عليها وورد فيها النص. لكن المصنف وبناء على تصحيحه للرواية التي فيها زيادة ذكر الذرة، حصر الزكاة في خمس. وبحصر الزكاة في هذه الأصناف الأربعة قال جمع من العلماء، منهم: ابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، والحسن البصري، والثوري، والشعبي وغيرهم، قالوا: إن الزكاة في النباتات لا تجب إلا في هذه الأصناف الأربعة، وهو الصحيح، وبه نأخذ، لأن حديث معاذ المتقدم يدل على ذلك فإنه لما ذهب إلى اليمن، لم يأخذ الزكاة إلا من هذه الأربع، فتخصّص عموم الأدلة به. وقاس بعض العلماء على هذه الأربعة غيرها، فقال: كل ما يقتات ويدّخر ففيه زكاة. وفي هذه المسألة خلاف كبير بين العلماء، فمنهم من جعل الزكاة في الأصناف الأربعة بناء على حديث معاذ، والبعض صحح الحديث وزاد الذرة، والبعض الآخر قاس عليها غيرها وجعلوا فيه زكاة، ولكنهم اختلفوا في العلة. والمذاهب في هذه المسألة كثيرة فمذهب أبي حنيفة يختلف عن مذهب مالك ومذهب مالك يختلف عن مذهب الشافعي، ومذهب الشافعي يختلف عن مذهب أحمد وهكذا. أما بالنسبة للزيتون، فقد اختلفوا فيه، فالشافعي في أحد قوليه قال: لا زكاة فيه، لأنه ليس قوتاً، أما مالك، فقال: فيه زكاة، لأنه قوت. فكلاهما قال: ما يقتات فيه زكاة، لكنهم اختلفوا، هل الزيتون قوت أم لا؟ والصحيح أنه ليس قوتاً، لأنه لا يُكتفى به في إقامة الجسم، وإنما هو إدام، وبناء عليه، فلا زكاة فيه، حتى مع التعليل الذي ذكروه. ولا ينظر إلى الحول في زكاة النباتات، وإنما تجب الزكاة في الزروع إذا اشتد الحبّ، أي قوي وصار شديداً لا ينضغط بضغطه، ويجب في الثمار إذا بدا صلاحها، ويعرف ذلك باحمرار البلح، وجريان الحلاوة في العنب. فإذا تحقق ذلك انعقد سبب وجوب الزكاة، فتجب، ولا يجب عليه أن يخرجها في الحال على تلك الحال.

стр. 191

قال المؤلف ﵀: (ويجب في العسل العُشْرُ) ورد في ذلك أحاديث ضعيفة لا تثبت ولا يُبنى عليها حكم شرعي، والصحيح أنه لا شيء في العسل، لعدم وجود الدليل الصحيح. قال المؤلف ﵀: (ويجوز تعجيل الزكاة) يجوّز بعض أهل العلم تعجيل الزكاة بمعنى أن تخرج مال الزكاة قبل إتمام الحول. ويستدلّون على جواز ذلك بحديث علي: «أن العباس سأل النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تَحُلّ، فرخّص له في ذلك» أخرجه أحمد وأبو داود (١)، ورجّح أبو داود والدارقطني وغيرهما المرسل، وقال ابن المنذر: «لا يثبت». وفي حديث آخر: «أن النبي ﷺ أخذ من العباس صدقة عامين» وهو ضعيف أيضاً (٢). فلا يثبت في ذلك شيء، فلا يجوز إخراجها قبل وقت وجوبها كبقية العبادات المؤقتة. والله أعلم. قال المؤلف ﵀: (وعلى الإمامِ أن يَرُدّ صدقات أغنياء كل محل في فقرائهم) لحديث معاذ، قال له النبي ﷺ عندما أرسله إلى أهل اليمن: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وتردّ على فقرائهم» (٣). اتفق العلماء على جواز نقل الزكاة إلى مَن يستحقها من بلد إلى آخر، إذا استغنى أهل بلد المزكّي عنها. فلنقل مثلًا إننا في عمان قد أخرج أغنياء البلد زكاة أموالهم، فاستغنى فقراء البلد عن الزكاة وفاض، فعندئذ تُخْرَجُ إلى مكان آخر، وجواز هذا مُجْمَع عليه. وأما إذا لم يستغن أهل بلد المزكي، فهل يجوز نقلها إلى بلد آخر أم لا؟ حصل في هذا الأمر خلاف.

стр. 192

فحديث معاذ المتقدم يدلّ على أن الزكاة تصرف في أهل بلد المزكي، لكن هل هو على الوجوب؟ اختلف أهل العلم في ذلك، فقال بعضهم: «يكره تنزيهاً نقل الزكاة من بلد إلى آخر إلا أن ينقلها إلى قرابته المحاويج ليسد حاجتهم أو إلى قوم هم أحوج إليها من قومه أو إلى طالب علم شرعي، فلا يكره». وذلك لأن مصرف الزكاة محدد في كتاب الله بالفقراء والمساكين ومن ذكر معهم، والكل من أهلها، فيجوز صرفها لهؤلاء وهؤلاء، وهذا القول أصح الأقوال عندي. وقال البعض: لا يجوز نقلها حتى يستغني أهل البلد، والصواب الأول والله أعلم. والعبرة بمكان المال، فإذا كان الشخص في بلد وماله في بلد آخر، فما المعتبر في بلده، البلد التي فيها المال أم التي فيها الشخص؟ الجواب: أنها تصرف في البلد الذي فيه المال لأن الواجب معلق بالمال لا بالشخص، فأينما وجد المال وجب إخراجه في تلك البلد. قال المؤلف: (ويَبْرَأُ ربُّ المال بدفعها إلى السلطان، وإن كان جائراً) إذا طلب السلطان زكاة المال، فدفع صاحب المال الذي وجبت عليه الزكاة زكاته للإمام، وكان الإمام جائراً، أي من الجور الذي هو الظلم - وهو عدم وضع الأشياء مواضعها - فإن دفعها للإمام الجائر، برئت ذمته، وسقط الوجوب عنه، وأدّى ما عليه، ولا يلزمه دفعها مرة ثانية. وذلك لقوله ﷺ في حديث ابن مسعود: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها» قالوا: يا رسول الله! فما تأمُرُنا؟ قال: «تؤدّون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» (١). ولم يقل خذوا الذي لكم بالسلاح، أو اخرجوا على الحاكم، أو أضربوا، ولا غير ذلك من مسيرات وغيرها، ولكن قال: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض» (٢)، وفي رواية: «وتسألون الله الذي لكم».

стр. 193

هذه هي الحلول النبوية. وأخرج مسلم في «صحيحه» من حديث وائل بن حجر، قال: سمعت رسول الله ﷺ ورجل يسأله، فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقّنا، ويسألونا حقّهم؟ ! قال: «اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حُمّلوا وعليكم ما حمّلتم» (١)، وهذا أمر من الله بالصبر، وعدم جواز الخروج على الحاكم بأي نوع من أنواع الخروج، سواء بالكلمة أو بالإضراب أو بغيرها، والسبب المفاسد التي ستترتب على ذلك، من سفك الدماء وانتهاك الأعراض وذهاب الأموال وغيرها من المفاسد العظيمة، وهي تضعف شوكة المسلمين حتى يكونوا لقمة سائغة في أفواه الأعداء. ولكن من يكون بعيداً عن السياسة والأمور العسكرية وما شابه، لا يدرك أبعاد المخاطر التي يعيش فيها، فتجدهم يتلاعب بهم شخص أو اثنان من أصحاب الأهواء أو من أصحاب المصالح الخاصة، وحقيقة الأمر أن من وراء هذا مكيدة لا يدرون عنها. ولكن سبحان الله! العامة أتباع كل ناعق وزاعق، وخصوصاً إذا نعق بما يوافق أهواءهم فينبغي أن يكون الشخص فطيناً فهيماً لما يفعل، فلا يضيع نفسه وأهله ومن حوله في لحظة تهوّر. وهذا يدل على أن كل مسلم سيحاسب على ما أوجب الله عليه، فعليه أن يؤدي ما وجب عليه ولا دخل له بالحاكم، فإنه مسؤول أمام الله عما استرعاه. ولكن يعطي الزكاة للحاكم إن طلبها الحاكم، وأما إذا لم يطلبها فيصرفها بنفسه إلى من يستحقُّها. قال المؤلف ﵀: (باب مصارف الزكاة) المصارف: جمع مَصْرِف، وهي الجهة التي تُعطى لها الزكاة، أي الذين يستحقون الزكاة. وقد تولّى الله ﵎ بيانهم في كتابه العزيز، فقال ﴿إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠]. قال المؤلف ﵀: (هي ثمانية كما - في الآية -)

стр. 194

فهؤلاء الأصناف الثمانية هم الذين يُعْطَون من مال الزكاة فأما (الفقراء) فهم الذين لا مال لهم ولا حرفة عندهم يقدرون بها على التكسّب. وأما (المساكين) فهم الذين لهم مال أو حرفة، ولكنهم لا يملكون ما يكفي نفقاتهم ونفقات من يعولون، قال الله : ﴿وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر﴾ [الكهف: ٧٩]، فهؤلاء ملكوا سفينة ومع ذلك سماهم مساكين. والفقير والمسكين كلمتان إذا اجتمعتا افترقتا وإذا افترقتا اجتمعتا، وبعبارة أسهل، فإن كلمة الفقير تطلق تارة ويراد بها معنى غير معنى المسكين، وتطلق تارة أخرى ويراد بها نفس معنى المسكين، فكما قال الله في هذه الآية ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين .. ﴾ فلما اجتمعت في هذه الآية كلمتا الفقير والمسكين، دلّ هذا على أنه يوجد فرقٌ بينهما في المعنى، فكان الفقير هو المُعْدَمُ الذي لا مال عنده، والمسكين الذي عنده أصل المال ولكنه لا يكفيه، كأصحاب السفينة في سورة الكهف، فإن الله قد ذكر أنهم كانوا يملكون سفينة يتكسّبون بها، ولكنها لا تكفيهم، فوصفهم الله بأنهم مساكين. أما لو ذكر الفقير وحده، أو المسكين وحده كان المعنى واحداً، وهو من لا يملك كفايته، سواء عنده أصل المال أو لا. وقال بعض أهل العلم: إن المسكين هو المعدم، والفقير من لا يملك كفايته، وهو عكس القول السابق، والصواب هو أن الفقير المعدم والمسكين من لا يملك الكفاية. هل هناك درجة وسطى بين الفقير والغني، أم أنه من ليس بفقير فهو غني، ومن ليس بغني فهو فقير؟ اختلف أهل العلم في ذلك، فقال البعض ضابط الفرق بين الغني والفقير «ملك النصاب»، فإذا ملك النصاب فهو غني تجب عليه الصدقة، وإذا لم يملك النصاب فهو فقير تجوز عليه الصدقة. والصحيح، والذي عليه الجمهور، أن هناك درجة وسطى ما بين الفقير والغني، فإما فقير يستحق الصدقة، أو غني تجب عليه الصدقة - وهو الذي ملك النصاب -، أو مكتف وهو المالك للكفاية، وهذا لا تجب عليه الزكاة ولا تجوز له الزكاة.

стр. 195

والدليل على هذا الصنف، أنه قد ورد عن النبي ﷺ في أكثر من حديث أنه كان يستعيذ من الفقر (١) وفي نفس الوقت كان يدعو ويقول: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً» (٢) وفي رواية: «كفافاً»، والرواية عند مسلم (٣)، والمعنى كما قال أهل العلم: «ما يسد الرمق»، وقالوا: هو ما تُكَفُّ به الحاجات ويَدْفَعُ الضرورات والفاقات، ولا يلحق بأهل الترفهات، فلا يكون فيه فضول يخرج إلى الترف. فاستعاذته ﷺ من الفقر مع طلب الكفاية يدل على أن من ملك الكفاية ليس بفقير. فأثبتنا بذلك درجة وسطى ما بين الفقير والغني. فالضابط عندنا في الفقير الذي تجوز عليه الزكاة، هو من لم يملك كفايته. هل يجوز أن يكون الشخص له راتب مقداره أربعمائة أو خمسمائة دينار، ويكون مسكيناً مستحقاً للزكاة؟ نعم يجوز، فإن من أرباب العائلات من يتقاضى مثل هذا الراتب ولكنه لا يساوي شيئاً بالنسبة لحاجات عائلته، فهذا يُعطى من الزكاة. فالضابط إذن ليس بالقدر الذي يتقاضاه الشخص، ولكن الضابط بالكفاية حسب العرف. أي لا يصح للشخص أن يبذر ويسرف ثم يقول ليس عندي كفايتي، ولكن ينظر مثله كم ينفق عادة، ويحدد على حسبه. (والعاملين عليها) وهم العاملون على الزكاة كما قال الله تعالى في الآية، وهم الذين يوليهم الإمام أو نائب الإمام جمع الزكاة أو صرفها في مصارفها، فإنهم يُعْطَون أجرة عملهم وهو جمعهم للزكاة، سواء كانوا أغنياء أو فقراء. (والمؤلفة قلوبهم) وهم قوم يراد جمع قلوبهم على الإيمان، إما أن يكونوا ضعاف الإيمان وفي تقوية إيمانهم خير ومنفعة للإسلام، أو أن يكونوا فقراء كفاراً وفي إيمانهم خير للإسلام والمسلمين، فيعطون من هذه الزكاة لتأليف قلوبهم للإسلام.

стр. 196

(وفي الرقاب) أي في العتق، والمراد العبد المسلم أو الأمة يُشترى ويعتق، أو يكون مكاتباً، فيعطى من مال الزكاة ما يسدُّ به كتابته ليصير حرّاً. والمكاتب هو الذي يكاتب سيده، أي يعقد عقداً مع سيده بأن يدفع له مبلغاً من المال مقابل أن يتحرّر، فبعد أن يدفع العبد المبلغ كاملاً لسيده يصير حراً. وفي جعل الله العبد والأمة المكاتبين من مصارف الزكاة، دليل على تشوّف الإسلام للعتق وتحرير الناس من الرِّقّ، فإن الإسلام عندما جاء وجد باب الرق مفتوحاً بشكل كبير، فضيّق سبله ووسّع سبل العتق، ولكن ليس على الإطلاق بالصورة التي توجد اليوم عند الناس. ولكن لو قال قائل: لماذا لم يُغلَق باب الرق بالكليّة؟ قلنا لأن هناك مصلحة في صورة معيّنة، لا بد أن تبقى، وهي محقّقة في قول النبي ﷺ «عجب ربنا من أناس يُقادون إلى الجنة بالسلاسل» (١). صورة الرق الباقية هي في الجهاد، فعند القتال يؤخذ النساء والصبيان رقيقاً، فما المصلحة في ذلك: أولاً: إدخالهم في الإسلام وهي أعظم مصلحة، فيكسبون برقهم في الدنيا آخرتهم فَرِقٌّ في الدنيا يقابل سعادة الآخرة الأبدية لاشيء. ثانياً: حفظهم في الدنيا، ففي حال الحروب والقتال فإن أكثر من يضيع النساء والأطفال، جوع وقتل وعذاب واعتداء، وصف ما تشاء في النساء والأطفال. فإذا أخذوا رقيقاً حفظوا، فقد جعل الشارع لهم حقوقاً، فلا يجوز الاعتداء عليهم بأي نوع من أنواع العذاب ولا الإهانة، ويجدون لهم مكاناً يحفظهم ويؤويهم، فيأكلون ويشربون وينامون ويستريحون ولا يشرّدون ويضيعون كالحال الموجود اليوم، والمصالح كثيرة هذه منها. (والغارمين) جمع غارم، وهو الذي تحمّل ديناً من غير معصية، سواء كان تحمّله هذا لنفسه أو لغيره، كإصلاح بين الناس، فيعطى الغارم من الزكاة ليسد دينه. (وفي سبيل الله) وهذا المصرف قد توسّع فيه بعض الناس ليبيحوا لأنفسهم التصرّف في أموال الله، فجعلوا في سبيل الله كلمة واسعة يدخل تحتها أي شيء أرادوه، وزعموا أنه لله،

стр. 197

وهذا الزعم باطل، لأنه لو كان هذا صحيحاً لما احتيج أن يذكر من ذكر من الأصناف، لأنهم كلهم في سبيل الله، ولما قال الفقراء والمساكين وغيرهم، ولقال من أول الأمر في سبيل الله. ولكن (في سبيل الله) هنا كما فسّرها السلف قاطبة، هو الجهاد في سبيل الله، أي المجاهدون في سبيل الله، سواء كانوا المحاربين أو طلبة العلم الشرعي فكله جهاد في سبيل الله، فهؤلاء يجاهدون بالسيف، وطلبة العلم الشرعي جهادهم جهاد في سبيل الله باللسان والقلم، ولا يقلُّ فضله ومكانته عن الجهاد بالسيف، ويحتاج لصبر وهمم عالية، وهو أعظم الجهادين على الصحيح. ومما يدل على أن هذا جهاد، قول الله : ﴿وجاهدهم به جهاداً كبيراً﴾ [الفرقان: ٥٣]، ومعناه جاهدهم بالقرآن، أي بالعلم الشرعي، فهو إذن جهاد، فطالب العلم الشرعي يُعطى كفايته من مال الزكاة ليستمر في طلبه، ولا يشغل نفسه في طلب الرزق وليتمكن من نصرة دين الله بالعلم الشرعي. وقد نص على هذا غير واحد من العلماء، كالنووي وغيره. (وابن السبيل) وهو المسافر المنقطع عن بلده وأهله وماله، الذي يحتاج المال، فيُعطى ما يوصله إلى بلده إذا لم يجد من يقرضه. أما إذا وجد من يقرضه، فهو غني بهذا القرض، وعندما يرجع يرد القرض. ولا يجب أن تصرف الزكاة في كل هذه الأصناف، فلو كان لشخص ألف دينار زكاة ماله، فلا يجب عليه أن يبحث عن شخص من كل صنف من هذه الأصناف لينفق عليهم من مال زكاته فلا يوجد دليل على ذلك، ولو أنه صرفها في صنف واحد لجاز وأجزأت عنه. والآية بينت جنس من يستحق الزكاة فقط، فهؤلاء من يستحقون الزكاة، فلك أن تنفق زكاتك في الصنف الأول أو الثاني أو الثالث، إلى آخره. وفي حديث معاذ: «تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» دليل على ما قلنا، فإنه لم يذكر كل الأصناف.

стр. 198

وقال ﷺ لقبيصة: «أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» (١)، فكان يريد ﷺ أن يأمر بالصدقة كلها لقبيصة، فإنه هنا صرفها في مصرف واحد، وهذا يدل على جواز صرفها في مصرف واحد. قال المؤلف ﵀: (وتحرم على بني هاشم ومواليهم) بنو هاشم الذين منهم النبي ﷺ ، تحرم عليهم زكاة الأموال، لقول النبي ﷺ : «إنها لا تحلّ لمحمد ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» (٢). وأدخل بعض أهل العلم بني المطلب مع بني هاشم في تحريم الزكاة عليهم، لقول النبي ﷺ فيهم بعد أن أعطاهم سهم ذوي القربى، قال: «لا نفترق في جاهلية ولا في إسلام» (٣) أي بني هاشم وبني المطلب. أما بنو هاشم، فقد أجمع العلماء على تحريم الزكاة عليهم (٤). وأما (مواليهم) فهم عتقاءهم، وهم العبيد الذين يكونون عندهم ثم يعتقونهم، فيسمون موالي، فتحرم عليهم أيضاً، لقوله ﷺ : «إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم» (٥). ومعنى من أنفسهم أي كأنهم منهم، فحكمهم كحكمهم. قال المؤلف ﵀: (وعلى الأغنياء، والأقوياء المكتسبين) أي وتحرم زكاة المال على الغني، وكل من وجد كفايته، لقوله ﷺ : «لا حظ فيها لغني ولا لذي مرة سوي» (٦) وفي رواية: «ولا لقوي مكتسب» (٧). و(المِرَّة) هي القوة وشدة العقل.

стр. 199

ويستثنى من ذلك، العامل عليها، ومن تقدّم ذكرهم، كالمجاهد في سبيل الله، فإنهم وإن كانوا أغنياء أو أقوياء، فإن الزكاة تحلّ لهم. ولا تُعْطى الزكاة لمن تجب على المزكي نفقته، كالزوجة والأولاد والآباء، لأن دفع الزكاة لهؤلاء يغنيهم عن النفقة الواجبة عليه، فيحفظ ماله بزكاته، فكأنه لم يزك، ثم إن هؤلاء يعتبرون أغنياء بغناه هو، فكونه هو المنفق عليهم وهو غني فيعتبرون أغنياء مكتفين بنفقته. وكذلك لا يجوز إعطاؤها للكفار غير المؤلفة قلوبهم، لقوله ﷺ : «تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» أي المسلمين، ومن مقاصد الزكاة، إغناء المسلمين لا الكفار. ولا يجوز إعطاؤها للعبد، فنفقته على سيده، فهو غني بغنى سيده ومكتفٍ باكتفائه، ولأن العبد لا يملك، بل ماله لسيده، لقوله ﷺ : «من ابتاع عبداً وله مال، فماله للذي باعه، إلا أن يشترط المبتاع» (١). وأما قوله في الحديث «وله مال» فاللام هنا للاختصاص والانتفاع، أي له مال يختص وينتفع به، وليست لام الملك، كقولنا السرج للفرس، ولو كانت اللام للملك لما كان المال من حق سيده عند بيعه. قال المؤلف ﵀: (باب صدقة الفطر) أي الصدقة التي تجب بالفطر من رمضان. وهي واجبة على كل مسلم صغير وكبير، ذكر وأنثى، حر وعبد. وأصل وجوبها قول ابن عمر ﵁: «فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين» (٢). وقوله: «فرض رسول الله ﷺ » يدل على أنها فريضة واجبة على كل من ذُكِرَ في الحديث.

стр. 200

والحكمة من صدقة الفطر، أنها طعمة للمساكين، وطهرة للصائم من اللغو والرفث. واللغو: هو ما لا فائدة منه من القول والفعل. والرفث: الكلام الفاحش. قال ابن عباس ﵁: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أدّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات» (١). قال الدارقطني في رجاله: «ليس فيهم مجروح» (٢) ولا يلزم من هذا تصحيح الحديث أو توثيق رواته، فقد يكون فيهم المجهول وإن لم يكن مجروحاً. ولكن هذا الحديث حسن الإسناد. قال المؤلف ﵀: (هي صاع من القوت المعتاد عن كل فردٍ) هذا هو القدر الواجب في صدقة الفطر، وهو صاع من قوت أهل البلد. و(الصاع) مكيال يَسَع أربعة أمداد، والمدّ حفنة بكَفَّي الرجل المعتدل الكفين، فلا تكون كفاه كبيرتين ولا صغيرتين بل وسطاً، ولا يضم كفيه كثيراً ولا يبسطهما كثيراً بل يكونان متوسطتين في المد والضم. و(القوت) هو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام، كالقمح والشعير والأرز والعدس والذرة ونحو ذلك. وقوله (المعتاد) أي الذي اعتاد أهل البلد أن يكون هو قوتهم، كالأرز عندنا، فإنه قوت بلادنا اليوم، ودليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري، قال: «كنا نخرجها في عهد رسول الله ﷺ صاعاً من طعام، وكان طعامنا يومئذٍ التمر والزبيب والشعير» (٣). فيدل هذا الحديث على أنها تُخْرَج من غالب قوت أهل البلد، وهو في بلدنا هذا الأرز.

стр. 201

ولا يجوز أخراج القيمة، لأن النبي ﷺ عيّن الطعام، فلا عدول عنه إلى غيره إلا بدليل صحيح، وهذا قول جمهور علماء الإسلام. وقد انتشر اليوم القول الآخر، وهو جواز إخراج القيمة، وهو قول أبي حنيفة، لضعف تعظيم السنة والحديث عند كثير من المفتين في هذا الزمن، فأخذوا يفتون بآرائهم، وصار عندهم المعتمد هو ما ترجِّحُه عقولهم لا ما يرجّحه الدليل من الكتاب والسنة. إنما يفعلون هذا بدعوى أنها مصلحة الفقير. ويرد عليهم، بأن المعتبر في زكاة الفطر هي مصلحة الفقير في الإشباع فقط، وليست مصلحة الفقير مطلقاً، وجاء هذا في قوله ﷺ : «وطعمة للمساكين» (١) فيدل هذا على أن المراد من صدقة الفطر، هو عدم حاجته للطعام، وهذه المصلحة تتحقق بإخراج القوت. أما مصلحة الفقير العامة، فهي متحققة بإخراج زكاة المال وغيرها من الصدقات، وفي وجوب النفقات على من تجب عليهم، فلا داعي للتوسّع الذي لا معنى له، ومصلحته متحققة في إخراج صدقة الفطر طعاماً وإخراجها هكذا يغنيه عن طلب الطعام في ذلك اليوم. وهذا هو قول أئمة الإسلام وأهل الحديث، وإنما خالف في هذا أهل الرأي. وقوله (عن كل فرد) أي صاعاً عن كل واحد ممن تجب عليه نفقته. أي إذا كان رب العائلة ينفق على خمسة أولاد، فيجب عليه أن يخرج صدقة الفطر عن نفسه وعن هؤلاء الخمسة. قال ﵀: (والوجوب على سيد العبد، ومِنْفِقِ الصغير ونحوه) قوله (والوجوب على سيد العبد) أي أن وجوب صدقة الفطر على سيد العبد، لأن العبد - كما قدّمنا - لا يملك، والذي يجب أن ينفق عليه هو سيده. قوله (ومنفق الصغير) أي تجب صدقة الفطر على من ينفق على الصغير، إذا لم يكن له مال، فتجب صدقة الفطر على من وجبت عليه النفقة.

стр. 202

وقوله (ونحوه) كالزوجة، لأن نفقتها على الزوج فتجب على زوجها، هذا إذا لم يكن للزوجة مال خاص، فإن كان لها مال فصدقة الفطر عليها. قال: (ويكون إخراجها قبل صلاة العيد) بدأ المؤلف ﵀ بوقت إخراج صدقة الفطر. الأصل في وقت إخراجها أنه من غروب شمس ليلة الفطر، لأنه وقت الفطر من رمضان إلى صلاة العيد، لحديث ابن عباس المتقدم معنا: «فمن أدّاها قبل الصلاة» أي صلاة العيد «فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات»، أي ليست صدقة الفطر وإنما صدقة مطلقة. وقال البعض: وقت وجوبها من طلوع الفجر، ولكن الأول أقوى عندي والله أعلم. مسألة: هل يجوز تعجيل صدقة الفطر قبل وقتها. اختلف العلماء في ذلك، فجمهور العلماء على جواز تعجيلها قبل العيد بيوم أو يومين، لأن ابن عمر كان يؤدّيها قبل ذلك بيوم أو يومين (١). وهذا هو السبب الذي جعلهم يجيزون إخراجها قبل وقتها. ثم إنه في كثير من الأحيان لا يكفي الوقت لمن أراد إخراجها في وقتها المعيّن. وإذا أخّرها عن وقت صلاة العيد، فهي صدقة من الصدقات ولا تكون صدقة فطر. قال ﵀: (ومن لا يجدُ زيادةً على قوتِ يومِهِ وليلتِهِ فلا فطرةَ عليه) على من تجب زكاة الفطر؟ هي واجبة على كل من وجد قوت يومه وليلته من يوم العيد. فمن زادت نفقته أو طعامه الذي عنده عن قوت يومه وليلته، فقد وجبت عليه الزكاة، فهذا هو الضابط، أن تزيد عن طعامه ونفقته، وإذا لم تزد عليه ولم يملك إلا قوت يومه وليلته أوأقل من ذلك من يوم العيد، فلا صدقة فطر عليه.

стр. 203

لأن المراد من صدقة الفطر إغناء الفقراء عن طلب القوت في يوم العيد، فلا يصحّ أن نقول لمن لا يملك إلا قوته وقوت من يعول أخرج ما عندك، فهذا معارض للحكمة التي لأجلها فرضت هذه الزكاة. قال المؤلف ﵀: (ومصرفها، مصرف الزكاة) أراد بذلك أنها تعطى لمن تعطى لهم زكاة المال. ولا يظهر لي ذلك، لعدم ورود ما يدلّ على ذلك، ومجرّد تسميتها زكاة لا يفيد ذلك، فلها أحكام تخصّها، وقول النبي ﷺ : «طعمة للمساكين» يدل على أن مصرفها الفقراء والمساكين فقط، والله أعلم. كتاب الخُمُس قال المؤلف ﵀: (كتاب الخُمُس) المراد بالخمس خمس المال، وسيبدأ المؤلف ببيان أحكام الخمس، ومتى يؤخذ؟ قال المؤلف ﵀: (يَجِبُ فيما يُغْنَمُ في القِتالِ) أي يؤخذ الخمس من مال الغنيمة، والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار في الحرب. فيؤخذ هذا المال ويقسم خمسة أقسام، ثم يؤخَذُ قسم من هذه الأقسام الخمس ويقسم إلى خمسة أقسام أخرى، فيصير عندنا خُمْسَ الخُمُسِ.

стр. 204

قسم منه لله ولرسوله ﷺ ، وهذا القسم يرجع إلى بيت مال المسلمين ويُنفق في مصالحهم لقوله ﷺ : «والذي نفسي بيده مالي مما أفاء الله إلا الخمس، والخمس مردود فيكم» (١)، فبين بذلك أن الخمس الأول الذي هو لله ولرسوله يرجع إلى بيت مال المسلمين وينفقه ولي أمر المسلمين في مصالحهم. وأما القسم الثاني فيُعطى لذوي القربى وهم قرابة رسول الله ﷺ وهم بنو هاشم وبنو المطلب. وقسم يعطى لليتامى، واليتيم هو الذي مات أبوه وهو دون سن البلوغ، فإذا بلغ لم يعد يتيماً، وإذا ماتت أمه وأبوه باق فليس بيتيم. وقسم يُعطى للمساكين، والمسكين هو الذي لا يملك كفايته وكفاية من يعول. وقسم يعطى لابن السبيل، وابن السبيل هو المسافر الذي انقطعت به السبل. وأما باقي السهام الأربعة، فتقسم على الجيش ممن شهد الوقعة، فيُعطى الراجل سهماً واحداً، ويُعطى الفارس ثلاثة أسهم، واحداً له واثنين لفرسه. وأصل ذلك قول الله ﵎: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [الأنفال: ٤١]، هذه الآية هي أصل هذا الذي ذكرناه. قال المؤلف ﵀: (وفي الرِّكازِ) هذا هو الشيء الثاني الذي يؤخذ منه الخُمُسُ، وهو الرِّكاز. والركاز، دَفْنُ الجاهلية سواءً كان ذهباً أو فضةً أو نحاساً أو حديداً أو غير ذلك، على ظاهر قول النبي ﷺ : «وفي الركاز الخمس» (٢). ويُعْرَفُ دَفْنُ الجاهليَّة، إما بكتابة أسمائهم عليه، أو بنقوش معينة لهم تكون منقوشة عليه، أو صور وعلامات، فأما إن كان عليه علامات المسلمين فهذا لا يعتبر رِكازاً بل يدخل في حكم اللقطة وهذه سيأتي حكمها منفصلاً إن شاء الله.

стр. 205

فدفن الجاهلية هذا إذا أُخرج ففيه الخمس وهذا يسمى الركاز وسواء كان الذي وجده حراً أو عبداً أو امرأة أو صبياً أو ذمياً، فيُخرج منه الخمس، وسواء وجد منه في موات أرض المسلمين أي أرض هي لأهل الإسلام ولكنها ليست ملكاً لأحدٍ، أو وُجد في أرض الحرب كله فيه الخمس، وأربعة أخماسه لمن وجده. قال الإمام مالك ﵀: «الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا والذي سمعت أهل العلم يقولون، إن الركاز إنما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية ما لم يُطلب بمال ولم يُتكلف فيه نفقة ولا كبير عمل ولا مؤنة، فأما ما طُلب بمال وتُكُلِّف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطأ مرة فليس بركاز» (١). فالذهب الذي يُستخرج اليوم غير داخل في حكمنا الذي نذكره بناءً على ما ذكر الإمام مالك ﵀، فالذين يستخرجون الذهب الآن يتكلفون له تكلفة كبيرة وتصيب تارة وتخيب تارات كثيرة. ثم إن كثيراً من هذا الذهب هو عبارة عن دفن تركي والأتراك مسلمون فحكمه حكم اللقطة وليس حكم الركاز. قال ﵀: (ولا يَجِبُ فيما عدا ذلك) يعني أنَّ الخُمُسَ إنما هو واجب في الأمرين اللذين ذكرناهما فقط ولا يجب فيما عدا ذلك. قال ﵀: (ومَصْرِفُهُ مَنْ في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾) أي أين يصرف الخُمس؟ أما خُمْسُ الغنيمة، فنسلِّم به لأن الآية وردت فيه أصلاً. وأما خمس الركاز ففيه خلاف، فالبعض قال: مصرفه كمصرف خمس الغنيمة، والبعض قال: لا، مصرفه مصرف الزكاة، وهذا ما ذهب إليه الشافعي ﵀، وأما مالك وأحمد وغيرهما فقالوا: مصرف الركاز كمصرف الغنيمة تماماً، أي مصرف خمس الركاز كمصرف خمس الغنيمة تماماً.

стр. 206

ولعل هذا هو الراجح، والله أعلم. كتاب الصيام قال ﵀: - (كتاب الصيام) الصيام لغة، الإمساك. قال النابغة الذبياني: خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ... تَحْتَ العَجاجِ وأخرى تَعْلِكُ اللُّجُما. والشاهد قوله: (خيل صيام)، أي ممسكة عن الاعتلاف، وقيل ممسكة عن السير، وقيل ممسكة عن الصهيل. والمهم أنها ممسكة، فأصل الصيام هو الإمساك. قال تعالى إخباراً عن مريم: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ أي صمتا وإمساكاً عن الكلام. قال أبو عبيد - وهو من أئمة اللغة -: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير، صائم. فهذا أصل الاشتقاق اللغوي للكلمة. أما في الشرع فالصيام، التعبد لله بالإمساك عن المُفَطِّرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. (التعبد لله)، لا بد أن يكون الإمساك بنية القربة إلى الله ﵎. (بالإمساك عن المُفَطِّرات) أي يجب أن تمسك عن كل المُفَطِّرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. أما حكمه، فقال المؤلف ﵀: (يجب صيام رمضان) وجوبه ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة. أما الكتاب فقول الله ﵎: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ١٨٣]. (كتب عليكم): أي فُرِض عليكم.

стр. 207

وقال تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، وهذا أمر والأمر يقتضي الوجوب. وأما السنة فقول النبي ﷺ : «بني الإسلام على خمس ... » قال منها: «وصيام رمضان» (١). وفي حديث الأعرابي الذي سأل رسول الله ﷺ عما يجب عليه، فقال: « ... وصيام رمضان»، قال هل علي غيره؟ قال: «لا إلا أن تطّوع» (٢). وأما الإجماع، فقال ابن قدامة في «المغني»: «وأجمع المسلمون على وجوب صيام شهر رمضان» (٣). وقال النووي في «المجموع»: «إن صوم رمضان ركن وفرض بالإجماع». وقال: «ودلائل الكتاب والسنة والإجماع متظاهرة عليه، وأجمعوا على أنه لا يجب غيره» (٤). أي لا يجب غير صيام رمضان بغض النظر عن مسألة النذر، فالنذر في أصله ليس واجباً، لكن الشخص الناذر هو الذي أوجبه على نفسه بنذره. أول ما فُرض من الصيام صيام يوم عاشوراء وكان صيام يوم عاشوراء واجباً على الصحيح وكان في السنة الثانية من الهجرة النبوية. أخرج الشيخان عن عائشة ﵂ قالت: «كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يُفرض رمضان وكان يوماً تستر فيه الكعبة فلما فَرض الله رمضان، قال رسول الله ﷺ : «من شاء أن يصومه فليصمه ومن شاء أن يتركه فليتركه» (٥)، أي أن عاشوراء كان واجباً إلى أن فُرض صيام شهر رمضان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى»: «وهو ﷺ لم يصم رمضان إلا تسع مرات، فإنه فرض في العام الثاني من الهجرة بعد أن صام يوم عاشوراء وأمر الناس بصيامه مرة واحدة، فإنه قدم المدينة في شهر ربيع الأول من السنة الأولى وقد تقدم عاشوراء فلم يأمر ذلك العام بصيامه - يعني عاشوراء كان قد سبق مجيئه المدينة -،

стр. 208

فلما أهلّ العام الثاني أمر الناس بصيامه، وهل كان أمر إيجاب أم أمر استحباب؟ على قولين لأصحابنا - أي الحنابلة - وغيرهم، والصحيح أنه كان أمر إيجاب، ابتُدئ في أثناء النهار، لم يؤمروا به من الليل - يعني فرض صيامه في أثناء النهار، أي أنهم لم يؤمروا به من الليل ويبيتوا الصيام ثم بعد ذلك صاموا في النهار، بل جاءهم فرضه في أثناء النهار -، فلما كان في أثناء الحول - في أثناء السنة - رجب أو غيره فرض شهر رمضان» (١). أول ما فُرض صيام شهر رمضان كان الناس مخيرين بين أن يصوموا أو أن يطعموا، ثم نُسخ هذا الحكم وصار صيام رمضان واجباً على القادر. قال سلمة بن الأكوع: «كنا في رمضان على عهد رسول الله ﷺ من شاء صام ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى أنزلت هذه الآية: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ (٢) [البقرة: ١٨٥]، وفي رواية: «لما نزلت: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾، كان من أراد منا أن يُفطر ويفتدي حتى نزلت هذه الآية التي بعدها فنسختها» (٣). فكانوا في البداية مخيرين، من أراد أن يصوم صام، ومن أراد أن يترك فله ذلك بشرط أن يفتدي ويُطعم مسكيناً عن كل يوم يفطره، ثم بعد ذلك أنزل الله ﵎: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾، فصار صيام رمضان واجباً على الجميع وليس لأحد أن يفتدي ويتركه لغير عذر. قال المؤلف ﵀: - (لرؤية هلاله من عدل) أي أن وقت بدء صيام رمضان دخول الشهر، والشهر يدخل برؤية هلاله لقوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» (٤). أي، صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤية الهلال. والرؤية المقصودة هنا الرؤية العينية، يقدر عليها أي أحد من المسلمين، فإن خطابه ﷺ لم يكن للمتعلمين والمثقفين، بل كان يُخاطب كل أحد، البدوي والحضري، المتعلم والجاهل، الرجل والمرأة، وليس الخطاب لمن يدرس الحسابات الفلكية، فإنها غير معتبرة، فإن الله ﵎ إذا وضع علامة من العلامات على وجوب عبادة من العبادات يضع علامة

стр. 209

واضحة يشترك كل الناس في معرفتها، فالرؤية التي أمر بها النبي ﷺ ها هنا هي رؤية عينية، حتى جاء في الحديث أنه قال: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين» (١). فالاعتماد في رؤية الهلال يجب أن يكون على البصر، على العين، إن رأيناه صُمنا وإن لم نره أكملنا عدة الشهر ثلاثين يوماً كما جاء في الحديث الآخر. وقوله هنا: (من عدل) أي، يكفي في ثبوت رمضان إخبار عدل واحد مسلم موثوق بدينه بأنه رأى الهلال، فإذا جاء شخص واحد وأثبت هذه الرؤية مباشرة صام الناس جميعاً بناء على رؤيته وعلى خبره، ولا يشترط عدلان، والمسألة فيها خلاف بين أهل العلم، هل يشترط اثنان لرؤية الهلال أم تكفي شهادة واحدٍ؟ والصحيح أن واحداً يكفي لحديث ابن عمر، قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه» (٢). وقوله «تراءى الناس الهلال»، أي اجتمعوا لرؤية الهلال. فثبت عمل النبي ﷺ برؤية ابن عمر للهلال وهو واحد عدل، وهذا ظاهر ودلالته واضحة إن شاء الله. قال الترمذي بعد أن ساق حديث الأعرابي أنه شهد عند النبي برؤية هلال رمضان، وأنه ﵇ أمر أن ينادي بلال بالصيام من الغد (٣) - وهو حديث ضعيف -، قال ﵀: «والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم، قالوا: تقبل شهادة رجل واحد في الصيام، وبه يقول ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وأهل الكوفة .. » (٤) أي يكفي في ثبوت شهر رمضان شهادة رجل واحد وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد، وقال النووي وهو الأصح. قال المؤلف ﵀: (أو إكْمال عِدَّةِ شعبان) يجب صيام رمضان إما برؤية الهلال من عدل أو بإكمال عدة شعبان، فالشهر العربي لا

стр. 210

يكون إلا تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً، ولا يكون واحداً وثلاثين يوماً أبداً، فإن لم نتمكن من رؤية هلال رمضان أكملنا عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صمنا، لقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» (١). «فإن غُّمَ عليكم» أي سُتِرَ وغُطِّيَ بالغيم أو بغيره بحيث أنكم لا تستطيعون رؤية الهلال، فأكملوا عدة الشهر ثلاثين يوماً. فالشهر يدخل برؤية الهلال، أو بإكمال شهر شعبان ثلاثين يوماً، والرؤية تثبت برؤية عدل واحد من المسلمين. قال ﵀: (ويصوم ثلاثين يوماً ما لم يظهر هلال شوال قبل إكمالها) أي، يكون انتهاء شهر رمضان برؤية هلال شوال أو بإكمال رمضان ثلاثين يوماً إذا لم نر هلال شوال قبل ذلك، ودليله حديث ابن عمر: «لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له» (٢)، وفي رواية: «فاقدروا له ثلاثين»، وفي رواية «فأكملوا العدة ثلاثين». وجميع العلماء على أن هلال شوال يُشترط له عدلان ولا يكفي واحد كما هو الحال في دخول شهر رمضان، إلا أبا ثور، ووافقه ابن المنذر والشوكاني فذهبوا إلى أنه يُكتفى بواحد هنا قياساً على هلال رمضان، واحتج الجمهور بحديث أمير مكة الحارث بن حاطب قال: «عهد إلينا رسول الله ﷺ أن نَنسُك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما» (٣). فهذا الحديث يدل على أن الأصل في أمر الهلال شهادة عدلين، وأن المدار فيه على شاهدي عدل، ويستثنى منه هلال رمضان، لحديث ابن عمر المتقدم فمنطوقه أقوى دلالة من مفهوم هذا الحديث فيقدم عليه. أي أن منطوق حديث ابن عمر يدل على أن الواحد العدل يُكتفى به في إثبات هلال رمضان، وهذا الحديث يُفهم منه بمفهوم المخالفة أن الواحد لا يُكتفى به، فالمنطوق يُقدم على المفهوم عند التعارض، هذا هو الصحيح، والله أعلم.

стр. 211

قال المصنف: (وإذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة) فإذا رُئي في الأردن هنا مثلاً، لزم جميع دول الإسلام أن تصوم معنا، وإذا رُئي في مصر لزم جميع البلاد أن تصوم معهم، هذا مقتضى كلام المؤلف ﵀. والأحاديث المتقدمة التي فيها الأمر بالصيام والفطر لرؤية الهلال تدل على ما ذكره المصنف، فإن قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، خطاب لأمة محمد ﷺ كلها، فإذا رُئِيَ في أي بلد لزمنا أن نصوم وأن نفطر. وخالف البعض، فقالوا لكل أهل بلد رؤيتها، واستدل هؤلاء بحديث كُرَيب عند مسلم وغيره: «أنه استهل عليه هلال رمضان وهو بالشام، فرأى الهلال ليلة الجمعة فقدم المدينة فأخبر بذلك ابن عباس، فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، ثم قال هكذا أمرنا رسول الله ﷺ » (١)، أي أن كريباً كان في الشام واستهل عليه الهلال - أي رآه - ليلة الجمعة - أي الخميس ليلاً، وهو ما يسمى ليلة الجمعة، فإن الليل يسبق النهار - فلما أخبر ابن عباس، قال إنا رأيناه ليلة السبت، ففهم البعض من هذا الحديث أن ابن عباس قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ، أي أن كل بلد يعمل برؤيته ولا يلزمه أن يعمل برؤية البلاد الأخرى. وهذا الحديث ليس فيه أن النبي ﷺ أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأمصار، وكلامه ليس صريحاً أنه من قول النبي ﷺ ، والظاهر أنه استدلال من ابن عباس، فذهب ﵁ إلى أن المراد بالرؤية رؤية أهل المحل. والظاهر أن قوله «هكذا أمرنا النبي ﷺ » إشارة إلى قوله: «فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه»، هذا الذي وردت به الأحاديث. أما الشطر الأول، فلم يرد فيه حديث عن النبي ﷺ فحمل كلام ابن عباس في معرفة المرفوع من كلامه على المعنى الأول خطأ، لأن المعنى الثاني هو الذي وردت الأحاديث في تصديق أنه عن النبي ﷺ ، فحمل الكلام على ما هو موجود ومروي أولى من حمله على شيء محتمل، وإذا ثبت عندنا أن هذا اجتهاد من ابن عباس، فلا يكون محل دلالة، والصحيح هو الأخذ بظاهر الأحاديث المتقدمة «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».

стр. 212

واحتمال أن يكون عند ابن عباس حديث في المنع من العمل برؤية غيرهم من أهل الأقطار، ضعيف، لأنه لو وجد حديث كهذا لما خفي حتى لا يعلم إلا في كلام محتمل كهذا. إذن يلزم قول المؤلف أنه (إذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة)، وجمهور أهل العلم على هذا. قال المؤلف ﵀: (وعلى الصائم النِّية قبل الفجر) أي تجب النية على من أراد الصيام قبل طلوع الفجر الصادق، فلا يصح العمل إلاّ بنية لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .. » (١) الحديث. والصحيح التفريق في ذلك بين الفريضة والنافلة، فالفريضة يجب أن ينوي لها قبل الفجر، وأما النافلة فيجوز أن ينوي في أثناء النهار بشرط أن لا يكون أكل أو شرب قبل ذلك. ودليل وجوب تبييت النية في الفريضة، أن جميع الزمان - من أول اليوم إلى آخره - يجب فيه الصوم، والنية يجب أن تكون قبل البدء بالعمل كما في جميع العبادات، فيجب أن تكون النية سابقة للعمل، وبما أن الصيام واجب في كل جزء من أجزاء اليوم، فلا يصح أن تكون النية في أثناء النهار، إذ النية لا تنعطف على الماضي، بمعنى أنك إذا أردت أن تصوم اليوم الأول فيجب أن تبدأ الصيام من أوله، ومن نوى بعد طلوع الفجر لا يقال صام يوماً، هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بالمعنى (٢). وأما ما يستدل به الجمهور الذين يقررون بأن الفريضة يجب أن ينوى لها قبل طلوع الفجر الصادق، وهو حديث حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من لم يُبَيِّتِ الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (٣) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، فَرَجَّح وقفه أبو داود والترمذي والنسائي، رجَّحوا وقفه على حفصة، وضعفه الإمام أحمد والبخاري وغيرهم. والصحيح أنه من قول حفصة، صح عنها وصح أيضاً عن ابن عمر من قوله، وهو قول صحيح، لكنه ليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ .

стр. 213

وأما دليل صحة النية في أثناء النهار في النافلة فحديث عائشة أن النبي ﷺ دخل عليها فقال: «هل عندكم شيء؟ »، قالت: قلنا: لا، قال: «فإني إذاً صائم» (١). وتجويز عقد نية صيام النافلة في أثناء النهار توسيع على العباد للإكثار من التطوع. مسألة: هل تكفي نية واحدة من أول شهر رمضان إلى آخره أم يجب لكل يوم نية؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والراجح - إن شاء الله - أنها تكفي بشرط أن لا ينقطع الصيام في أثناء الشهر لعذر ما، فإذا انقطع الصيام في أثناء الشهر وجب تجدد النية. ودليل جواز عقد نية واحدة للشهر كله أن شهر رمضان بالكامل عبادة واحدة فيكفي له نية واحدة. والدليل على أن شهر رمضان ككل عبادة واحدة قول الله ﵎: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] والشهر اسم زمان لشيء واحد فكان الصوم من أوله إلى آخره عبادة واحدة كالصلاة والحج. وتظهر فائدة هذه المسألة في صورة رجل نام في نهار يوم من أيام رمضان، ولم يستيقظ إلا في اليوم التالي في النهار، فعلى قول من قال تجب لكل يوم نية مستقلة، فهذا صيامه لليوم الثاني غير صحيح، لأنه لم ينو قبل الفجر الصادق. وأما على قولنا - وهو الصحيح إن شاء الله - فصيامه صحيح، لأن نيته من أول الشهر تكفيه. وهذه مسألة فرعية متفرعة عن الأصل الذي ذكرناه. قال المؤلف رحمه: (يبطل بالأكل والشرب) يبطل الصيام بالأكل والشرب عمداً لقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] الشاهد قوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ أي كلوا واشربوا إلى أن يتبين لكم الفجر الصادق، فإذا تبيّن الفجر الصادق فلا تأكلوا ولا تشربوا. وقال ﷺ في الحديث القدسي: «يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» (٢).

стр. 214

فالصيام يقتضي أن تدع الطعام والشراب، فإن لم تدعهما فصيامك غير صحيح. والأكل هو إدخال الشيء إلى المعدة عن طريق الفم، فيشمل ما ينفع وما يضر، وما لا ينفع ولا يضر، فكل هذا يسمى أكلاً. أما من أكل أو شرب ناسياً فصيامه صحيح لا يبطل ويجب عليه أن يُمسك بقية يومه لقوله ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» (١)، فهو رزق من الله ﵎، ولا يُفسد ذلك عليه صيامه فصيامه صحيح، فالأكل أو الشرب نسياناً لا يُفسد الصيام. ولكن على من أكل أو شرب ناسياً أن يمسك عن الأكل أو الشرب حين تَذَكُّرِهِ. قال الترمذي ﵀: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق (٢). ومن أكل أو شرب عمداً بَطُلَ صومه ووقع في إثم عظيم لا ينفعه معه القضاء، إنما تنفعه التوبة الصادقة فقط، فلا تنفعه كفارة ولا يقبل منه قضاء. وبعدم القضاء قال الإمام الشافعي والأوزاعي ومِن قبلهما علي وابن مسعود وأبو هريرة. وبعدم الكفارة قال الشافعي وهي إحدى الروايتين عن أحمد وهو الصحيح إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: (والجِماعُ) أي والجماع يُبطل الصيام لقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ فأحل الرفث إلى النساء في ليلة الصيام، وأمّا في نهاره فلا. وكذلك جاء في الحديث القدسي: «يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» (٣). قال ابن قدامة: «لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن من جامع في الفرج فأنزل أو لم يُنزل أو دون الفرج فأنزل أنه يفسد صومه إذا كان عامداً، وقد دلّت الأخبار الصحيحة على ذلك» (٤). انتهى

стр. 215

فالذي يُفسد الصيام أن يُجامع في الفرج بغض النظر عن الإنزال أو عدمه، فمجرد الجماع في الفرج يفسد الصيام، ثم إن جامع خارج الفرج وأنزل يفسد صيامه أيضاً، فيفسد في حالتين الإنزال والجماع سواء أنزل أو لم ينزل. وسيأتي حديث من جامع في نهار رمضان وأمره النبي ﷺ بالكفارة على فعله مما يدل على أن الجماع يفسد الصيام، بالكتاب والسنة والإجماع. مسألة: إذا جامع شخص في نهار رمضان وهو صائم وجبت عليه الكفارة الواردة في حديث أبي هريرة ﵁: قال إن رجلاً وقع بامرأته في رمضان فاستفتى رسول الله ﷺ عن ذلك فقال له النبي ﷺ : «هل تجد رقبة؟ » قال: لا، قال: «هل تستطيع صيام شهرين؟ » قال: لا، قال: «فأطعم ستين مسكيناً» (١) وفي رواية قال: «اجلس»، فجلس، فأُتيَ النبيُ ﷺ بعَرَقٍ فيه تمر - والعَرَق: المِكْتَلُ الضخم -، قال: «خذ هذا فتصدق به» قال: أعلى أفقر مني يا رسول الله، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجِذُهُ، ثم قال: «أطعمه عيالك» (٢). «العرق» هو المكتل، يسع خمسة عشر صاعاً فيكون لكل مسكين مد من تمر. هذا هو القَدْرُ الذي يجب عليه في إطعام الستين مسكيناً. وقوله (أعلى أفقر مني): أي، لمن أطعمه وهل يوجد أفقر مني، فإني أفقر الموجود. مسألة: وهل على هذا الذي جامع زوجته في نهار رمضان قضاء ذلك اليوم؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والصحيح أنه لا قضاء عليه، لأن النبي ﷺ لم يأمره بذلك، وإن ورد ذلك في رواية ضعيفة لا تصح، فكونها ضعيفة وكونه لم يرد عن النبي ﷺ في حديث صحيح أنه أمره بالقضاء مع عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، كل هذا يدلّ على أنه لا قضاء عليه مع الكفارة، وهو الصحيح إن شاء الله. مسألة: وهل على زوجته كفارة مثله؟ الصحيح أنَّ عليها كفارة إذا كانت صائمة ولم تكن مكرهة، بل كانت راضية ومطاوعة له على فعله، مع أن النبي ﷺ لم يأمرها بذلك، وكما تقدم قلنا لا يجوز تأخير البيان عن وقت
следующие страницы →