← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال المصنف: (وإذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة) فإذا رُئي في الأردن هنا مثلاً، لزم جميع دول الإسلام أن تصوم معنا، وإذا رُئي في مصر لزم جميع البلاد أن تصوم معهم، هذا مقتضى كلام المؤلف ﵀. والأحاديث المتقدمة التي فيها الأمر بالصيام والفطر لرؤية الهلال تدل على ما ذكره المصنف، فإن قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، خطاب لأمة محمد ﷺ كلها، فإذا رُئِيَ في أي بلد لزمنا أن نصوم وأن نفطر. وخالف البعض، فقالوا لكل أهل بلد رؤيتها، واستدل هؤلاء بحديث كُرَيب عند مسلم وغيره: «أنه استهل عليه هلال رمضان وهو بالشام، فرأى الهلال ليلة الجمعة فقدم المدينة فأخبر بذلك ابن عباس، فقال ابن عباس: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، ثم قال هكذا أمرنا رسول الله ﷺ » (١)، أي أن كريباً كان في الشام واستهل عليه الهلال - أي رآه - ليلة الجمعة - أي الخميس ليلاً، وهو ما يسمى ليلة الجمعة، فإن الليل يسبق النهار - فلما أخبر ابن عباس، قال إنا رأيناه ليلة السبت، ففهم البعض من هذا الحديث أن ابن عباس قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ ، أي أن كل بلد يعمل برؤيته ولا يلزمه أن يعمل برؤية البلاد الأخرى. وهذا الحديث ليس فيه أن النبي ﷺ أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأمصار، وكلامه ليس صريحاً أنه من قول النبي ﷺ ، والظاهر أنه استدلال من ابن عباس، فذهب ﵁ إلى أن المراد بالرؤية رؤية أهل المحل. والظاهر أن قوله «هكذا أمرنا النبي ﷺ » إشارة إلى قوله: «فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه»، هذا الذي وردت به الأحاديث. أما الشطر الأول، فلم يرد فيه حديث عن النبي ﷺ فحمل كلام ابن عباس في معرفة المرفوع من كلامه على المعنى الأول خطأ، لأن المعنى الثاني هو الذي وردت الأحاديث في تصديق أنه عن النبي ﷺ ، فحمل الكلام على ما هو موجود ومروي أولى من حمله على شيء محتمل، وإذا ثبت عندنا أن هذا اجتهاد من ابن عباس، فلا يكون محل دلالة، والصحيح هو الأخذ بظاهر الأحاديث المتقدمة «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».

стр. 212

واحتمال أن يكون عند ابن عباس حديث في المنع من العمل برؤية غيرهم من أهل الأقطار، ضعيف، لأنه لو وجد حديث كهذا لما خفي حتى لا يعلم إلا في كلام محتمل كهذا. إذن يلزم قول المؤلف أنه (إذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة)، وجمهور أهل العلم على هذا. قال المؤلف ﵀: (وعلى الصائم النِّية قبل الفجر) أي تجب النية على من أراد الصيام قبل طلوع الفجر الصادق، فلا يصح العمل إلاّ بنية لقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .. » (١) الحديث. والصحيح التفريق في ذلك بين الفريضة والنافلة، فالفريضة يجب أن ينوي لها قبل الفجر، وأما النافلة فيجوز أن ينوي في أثناء النهار بشرط أن لا يكون أكل أو شرب قبل ذلك. ودليل وجوب تبييت النية في الفريضة، أن جميع الزمان - من أول اليوم إلى آخره - يجب فيه الصوم، والنية يجب أن تكون قبل البدء بالعمل كما في جميع العبادات، فيجب أن تكون النية سابقة للعمل، وبما أن الصيام واجب في كل جزء من أجزاء اليوم، فلا يصح أن تكون النية في أثناء النهار، إذ النية لا تنعطف على الماضي، بمعنى أنك إذا أردت أن تصوم اليوم الأول فيجب أن تبدأ الصيام من أوله، ومن نوى بعد طلوع الفجر لا يقال صام يوماً، هذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بالمعنى (٢). وأما ما يستدل به الجمهور الذين يقررون بأن الفريضة يجب أن ينوى لها قبل طلوع الفجر الصادق، وهو حديث حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من لم يُبَيِّتِ الصيام قبل الفجر فلا صيام له» (٣) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، فَرَجَّح وقفه أبو داود والترمذي والنسائي، رجَّحوا وقفه على حفصة، وضعفه الإمام أحمد والبخاري وغيرهم. والصحيح أنه من قول حفصة، صح عنها وصح أيضاً عن ابن عمر من قوله، وهو قول صحيح، لكنه ليس مرفوعاً إلى النبي ﷺ .

стр. 213

وأما دليل صحة النية في أثناء النهار في النافلة فحديث عائشة أن النبي ﷺ دخل عليها فقال: «هل عندكم شيء؟ »، قالت: قلنا: لا، قال: «فإني إذاً صائم» (١). وتجويز عقد نية صيام النافلة في أثناء النهار توسيع على العباد للإكثار من التطوع. مسألة: هل تكفي نية واحدة من أول شهر رمضان إلى آخره أم يجب لكل يوم نية؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والراجح - إن شاء الله - أنها تكفي بشرط أن لا ينقطع الصيام في أثناء الشهر لعذر ما، فإذا انقطع الصيام في أثناء الشهر وجب تجدد النية. ودليل جواز عقد نية واحدة للشهر كله أن شهر رمضان بالكامل عبادة واحدة فيكفي له نية واحدة. والدليل على أن شهر رمضان ككل عبادة واحدة قول الله ﵎: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥] والشهر اسم زمان لشيء واحد فكان الصوم من أوله إلى آخره عبادة واحدة كالصلاة والحج. وتظهر فائدة هذه المسألة في صورة رجل نام في نهار يوم من أيام رمضان، ولم يستيقظ إلا في اليوم التالي في النهار، فعلى قول من قال تجب لكل يوم نية مستقلة، فهذا صيامه لليوم الثاني غير صحيح، لأنه لم ينو قبل الفجر الصادق. وأما على قولنا - وهو الصحيح إن شاء الله - فصيامه صحيح، لأن نيته من أول الشهر تكفيه. وهذه مسألة فرعية متفرعة عن الأصل الذي ذكرناه. قال المؤلف رحمه: (يبطل بالأكل والشرب) يبطل الصيام بالأكل والشرب عمداً لقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧] الشاهد قوله: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ أي كلوا واشربوا إلى أن يتبين لكم الفجر الصادق، فإذا تبيّن الفجر الصادق فلا تأكلوا ولا تشربوا. وقال ﷺ في الحديث القدسي: «يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» (٢).

стр. 214

فالصيام يقتضي أن تدع الطعام والشراب، فإن لم تدعهما فصيامك غير صحيح. والأكل هو إدخال الشيء إلى المعدة عن طريق الفم، فيشمل ما ينفع وما يضر، وما لا ينفع ولا يضر، فكل هذا يسمى أكلاً. أما من أكل أو شرب ناسياً فصيامه صحيح لا يبطل ويجب عليه أن يُمسك بقية يومه لقوله ﷺ : «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه» (١)، فهو رزق من الله ﵎، ولا يُفسد ذلك عليه صيامه فصيامه صحيح، فالأكل أو الشرب نسياناً لا يُفسد الصيام. ولكن على من أكل أو شرب ناسياً أن يمسك عن الأكل أو الشرب حين تَذَكُّرِهِ. قال الترمذي ﵀: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق (٢). ومن أكل أو شرب عمداً بَطُلَ صومه ووقع في إثم عظيم لا ينفعه معه القضاء، إنما تنفعه التوبة الصادقة فقط، فلا تنفعه كفارة ولا يقبل منه قضاء. وبعدم القضاء قال الإمام الشافعي والأوزاعي ومِن قبلهما علي وابن مسعود وأبو هريرة. وبعدم الكفارة قال الشافعي وهي إحدى الروايتين عن أحمد وهو الصحيح إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: (والجِماعُ) أي والجماع يُبطل الصيام لقوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ فأحل الرفث إلى النساء في ليلة الصيام، وأمّا في نهاره فلا. وكذلك جاء في الحديث القدسي: «يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» (٣). قال ابن قدامة: «لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن من جامع في الفرج فأنزل أو لم يُنزل أو دون الفرج فأنزل أنه يفسد صومه إذا كان عامداً، وقد دلّت الأخبار الصحيحة على ذلك» (٤). انتهى

стр. 215

فالذي يُفسد الصيام أن يُجامع في الفرج بغض النظر عن الإنزال أو عدمه، فمجرد الجماع في الفرج يفسد الصيام، ثم إن جامع خارج الفرج وأنزل يفسد صيامه أيضاً، فيفسد في حالتين الإنزال والجماع سواء أنزل أو لم ينزل. وسيأتي حديث من جامع في نهار رمضان وأمره النبي ﷺ بالكفارة على فعله مما يدل على أن الجماع يفسد الصيام، بالكتاب والسنة والإجماع. مسألة: إذا جامع شخص في نهار رمضان وهو صائم وجبت عليه الكفارة الواردة في حديث أبي هريرة ﵁: قال إن رجلاً وقع بامرأته في رمضان فاستفتى رسول الله ﷺ عن ذلك فقال له النبي ﷺ : «هل تجد رقبة؟ » قال: لا، قال: «هل تستطيع صيام شهرين؟ » قال: لا، قال: «فأطعم ستين مسكيناً» (١) وفي رواية قال: «اجلس»، فجلس، فأُتيَ النبيُ ﷺ بعَرَقٍ فيه تمر - والعَرَق: المِكْتَلُ الضخم -، قال: «خذ هذا فتصدق به» قال: أعلى أفقر مني يا رسول الله، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجِذُهُ، ثم قال: «أطعمه عيالك» (٢). «العرق» هو المكتل، يسع خمسة عشر صاعاً فيكون لكل مسكين مد من تمر. هذا هو القَدْرُ الذي يجب عليه في إطعام الستين مسكيناً. وقوله (أعلى أفقر مني): أي، لمن أطعمه وهل يوجد أفقر مني، فإني أفقر الموجود. مسألة: وهل على هذا الذي جامع زوجته في نهار رمضان قضاء ذلك اليوم؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والصحيح أنه لا قضاء عليه، لأن النبي ﷺ لم يأمره بذلك، وإن ورد ذلك في رواية ضعيفة لا تصح، فكونها ضعيفة وكونه لم يرد عن النبي ﷺ في حديث صحيح أنه أمره بالقضاء مع عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، كل هذا يدلّ على أنه لا قضاء عليه مع الكفارة، وهو الصحيح إن شاء الله. مسألة: وهل على زوجته كفارة مثله؟ الصحيح أنَّ عليها كفارة إذا كانت صائمة ولم تكن مكرهة، بل كانت راضية ومطاوعة له على فعله، مع أن النبي ﷺ لم يأمرها بذلك، وكما تقدم قلنا لا يجوز تأخير البيان عن وقت

стр. 216

الحاجة، والصحيح أن عليها الكفارة إن كانت راضية، لأن الرجل سأل عن نفسه ولم يسأل عن المرأة ولا جاءت هي وسألت عن نفسها، والاحتمال في حقها قائم فربما تكون هي أصلاً ليست صائمة، بل مفطرة لعذر من الأعذار ويُحتمل أن تكون صائمة ولكنها معذورة بالإكراه مثلاً، ويُحتمل أيضاً أن تكون صائمة وغير معذورة وراضية مطاوعة، فالاحتمالات قائمة، فكون الاحتمالات قائمة وهي لم تأت وتسأل إذن لا يجب على المفتي أن يفتي في أمرها، إذ هناك فرق بين المفتي والقاضي، فالقاضي لا يجوز له أن يقضي في مسألة حتى يعرف ما يحوط بها، أمّا المفتي فلا. والنبي ﷺ عندما جاءته هند وقالت له إن أبا سفيان رجل شحيح فقال لها ﷺ : «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (١) هل دعا أبا سفيان وحقق معه في الأمر ونظر أدعواها صحيحة أم لا؟ لا، لأنه الآن مفتٍ وليس قاضياً، ولو كان قاضياً ما جاز له أن يحكم لها دون أن يسمع من أبي سفيان ودون أن يتحقق من دعواها. فوضع المفتي يختلف عن وضع القاضي. قال ﵀: (والقيء عمداً) القيء خروج ما في المعدة من طعام أو شراب عن طريق الفم. والأحاديث الواردة في هذا الباب، حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمداً فليقض» (٢). أخرجه أبو داود، وأحمد والبخاري في «التاريخ الكبير» وضعفاه، فالحديث ضعيف لا يصح. ومعنى قوله: «من ذرعه القيء»، أي من غلبه القيء، فخرج دون إرادته. قوله: «استقاء عمداً»، أي أخرج القيء عامداً بإرادته. فمعنى الحديث من غلبه القيء وخرج رغماً عنه فليس عليه قضاء، وصيامه صحيح، ومن أخرج القيء عامداً متعمداً، فيجب عليه القضاء.

стр. 217

وهذا ما دلّ عليه الحديث، ولكنه ضعيف كما ذكرنا. وجاء عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث لا يفطّرن: القيء والحجامة والاحتلام» (١). وعن أبي الدرداء: «أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر» (٢). وهو صحيح إن شاء الله على اختلاف في إسناده. إذن لا يصح في هذا الباب إلا حديث أبي الدرداء. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أنه لا شيء على الصائم إذا ذرعه القيء وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عمداً» (٣). فابن المنذر الآن نقل الاتفاق على أن من غلبه القيء فلا قضاء عليه. وهو ما دلّ عليه حديث أبي هريرة، فإنه وإن كان ضعيفاً، إلا أن الإجماع منعقد على معناه كما قال ابن المنذر ﵀. - وكذلك قال الخطّابي: «لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عمداً فعليه القضاء» (٤). فالحكم ثابت على ما ذكرنا، أن من أخرج القيء بإرادته (برغبته)، كأن يدخل مثلاً أصبعه في فمه إدخالاً شديداً حتى يخرج ما في بطنه فمثل هذا يجب عليه القضاء، أمّا من غلبه القيء وخرج منه من غير إرادته فهذا لا قضاء عليه. قال ﵀: (ويحرم الوصال) الوصال، هو صوم يومين فصاعداً من غير أكل أو شرب بينهما. حكمه أنه محرم، كما قال المؤلف ﵀. ودليل تحريمه حديث أبي هريرة ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله، فقال: «وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني

стр. 218

» فلما أبَوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم ﷺ يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال، فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمُنَكِّلِ لهم حين أبوا أن ينتهوا» (١). أي النبي ﷺ كان يريد أن يواصل ويواصل ويواصل، عقاباً لهم لأنهم ما أطاعوا نهيه، فأراد أن يعاقبهم على ذلك فواصل بهم يوماً ويوماً ولكن انتهى شهر رمضان بظهور الهلال، فقال: «لو تأخر الهلال لزدتكم» كالمعاقب لهم لعدم طاعة نهيه ﷺ . و«التنكبل» العقوبة وفي رواية في «الصحيح»: «أما والله لو تمادَّ لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم» (٢). وفي هذا الحديث دليل على تحريم التعمق والغلو في العبادات، ويدل على أن جواز الوصال خاص بالنبي ﷺ . فالأصل عموم الشريعة وأن ما يفعله النبي ﷺ عام، فللجميع أن يفعل وأن يتأسّى به، لذلك حين رأى الصحابة النبي ﷺ يواصل واصلوا. لكن إذا جاء دليل يدلّ على الخصوصية فلا يجوز لأحد أن يفعله ويبقى الأمر خاصاً بالنبي ﷺ كالحالة التي بين أيدينا. مسألة: وهل يجوز الوصال إلى السَّحر فقط؟ اختلف أهل العلم أيضاً في ذلك، والراجح الصحيح جواز الوصال إلى السَّحر مع أن الأولى تركه، لأن المستحب تعجيل الإفطار كما سيأتي. ودليل جواز الوصال إلى السَّحر قول النبي ﷺ : «لا تواصلوا»، وهذا نهي عن الوصال قال: «فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر» (٣) مع قوله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (٤)، إذن يدلّ ذلك على أن الأفضل والأحسن هو تعجيل الإفطار لا الوصال، مع ذلك جائز إلى السَّحر، لكن لا يجوز لك أن تبقى صائماً إلى أن يدخل

стр. 219

الفجر الصادق، بل يجب عليك أن تُفطر قبل دخول الفجر الصادق لليوم التالي، وبهذا الذي ذكرناه تجتمع جميع الأدلة الواردة في هذا الباب، والله أعلم. قال ﵀: (وعلى من أفطر عمداً كفارة ككفارة الظِّهارِ) أما كفارة الظهار، فهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يجد فإطعام ستين مسكيناً كما تقدم في الحديث المتقدم. لكن كلام المؤلف ليس على إطلاقه فقد قال: (وعلى من أفطر عمداً كفارة ككفارة الظهار) فيدخل في ذلك من أفطر بالأكل والشرب، لكن هذا الكلام غير صحيح ولا مُسلَّم، فالذي ورد في هذه الكفارة إنما هو من أفطر بالجماع، ولم يرد أن من أفطر بالأكل والشرب أن عليه كفارة كتلك الكفارة. أما الذين قالوا بذلك وتبعهم عليه الشوكاني ﵀ فاعتمدوا في قولهم هذا على القياس، فقاسوا المفطر بالأكل والشرب عمداً على المجامع في نهار رمضان. ولسنا نُسلِّم به، فقد أجاب بعض أهل العلم، بأن هذا قياس في العبادات والقياس في العبادات غير صحيح. هذا مذهب من لم يرَ القياس داخلاً في العبادات أصلاً. وبعض الذين يرون بأن القياس داخل في العبادات قالوا هنا القياس غير صحيح، لأن انتهاك حرمة شهر رمضان بالجماع ليس كانتهاك حرمة شهر رمضان بالأكل والشرب، فالجماع أعظم من الأكل والشرب. وقد بين الفرق بين الأكل والشرب الإمام الشافعي ﵀ في كتابه «الأم» وأن الجماع أعظم من الأكل والشرب، فلا يُقاس الأكل والشرب على الجماع في الكفارة (١). فالكفارة التي ذكرها المؤلف إنما تجب على من جامع في نهار رمضان عامداً، أما من أكل أو شرب عامداً فهذا لا كفارة عليه لكنه أتى ذنباً عظيماً تجب فيه التوبة الصادقة إلى الله . قال المؤلف ﵀: (ويُنْدَبُ تعجيلُ الفِطْرِ وتأخيرُ السَّحورِ)

стр. 220

(يُندب) أي يستحب تعجيل الفطر وتأخير السّحور، لقوله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر» (١) متفق عليه. وقيل لعائشة ﵂: «رجلان من أصحاب رسول الله ﷺ ، أحدهما يُعَجِّلُ الإفطار ويعجل الصلاة والآخر يُؤخر الإفطار ويؤخر الصلاة، قالت: أيهما الذي يعجل الإفطار ويعجل الصلاة، قالوا: عبد الله بن مسعود، قالت: كذلك كان يصنع رسول الله ﷺ » (٢). وعن أنس قال: «إن النبي ﷺ وزيد بن ثابت تسّحرا فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة فصلى، قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية» (٣) متفق عليه من حديث زيد بن ثابت. فهذا كله يدلّ على أنه يُستحب تأخير السّحور وتعجيل الإفطار. قال: (يجب على من أفطر لعذرٍ شرعي أن يَقْضِيَ) أصل ذلك قول الله ﵎: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ أي، من كان منكم مريضاً أو على سفر - أي معذوراً بالمرض أو السفر - فأفطر فيجب عليه أن يقضي مكان الأيام التي أفطرها أياماً أخرى. أمّا من أفطر لغير عذر فهذا لا ينفعه وإن صام الدهر كله، فلا ينفعه القضاء، وإنما عليه أن يستغفر الله ويتوب إليه (٤). قال المؤلف ﵀: (والفِطْرُ للمسافرِ ونحوهِ رخصةٌ، إلا أن يخشى التَّلَفَ أو الضَّعْفَ عن القتالِ فَعَزِيَمةٌ) يريد المؤلف ﵀ بالرخصة هنا التخيير بين الفعل والترك، أي إن المسافر مخير بين أن يفطر أو أن يصوم، ولكن إن خشي على نفسه الضرر الشديد، أو الضعف عن

стр. 221

القتال للمجاهد، فيجب عليه أن يفطر ليتقوَّى على الجهاد ويُبْقي على نفسه ويدفع الضرر عنها. مسألة: هل الأفضل للمسافر الفِطر أم الصيام؟ حصل خلاف شديد بين أهل العلم بسبب اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك. وأصح الأقوال - إن شاء الله - أنه ينظر إلى الأخف والأيسر عليه فيفعله. ومما ورد في ذلك، قوله ﷺ لمن قال له يا رسول الله أجد مني قوة على الصوم فهل عليَّ جناح؟ فقال: «هي رخصة من الله تعالى، فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» (١). وأخرج مسلم في «صحيحه» عن أبي سعيد قال: «سافرنا مع رسول الله ﷺ إلى مكة ونحن صيام فقال ﷺ : «إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم»، قال أبو سعيد: فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر فقال: «إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا» فكانت عزيمة ثم لقد رأيتنا نصوم بعد ذلك مع رسول الله ﷺ في السفر» (٢). وقول المؤلف: (ونحوه) أي - نحو المسافر -، الحُبلى والمرضع من النساء، فالفطر للحُبلى والمرضع رخصة لهما فلهما أن يفطرا ولهما أن يصوما، إلا إن كان في صيامهما ضرراً عليهما أو على الجنين أو الصغير، فيجب الفطر والقضاء بعد ذلك. ولا إطعام عليهما على الصحيح من أقوال أهل العلم، وإن كان خالف البعض إلاّ أنه لا دليل عنده على إلزامهما بالإطعام، وهما كالمريض لا يجب عليهما سوى القضاء فقط. والدليل على أن الصيام في حق الحبلى والمرضع رخصة قوله ﷺ : «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع الصوم» (٣). قال ﵀: (ومن مات وعليه صوم صام عنه وليه)

стр. 222

لقوله ﷺ : «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (١). أي، فليصم عنه وليه، فهو أمر للولي بالصيام عن وليه الميت، ولكنه أمر استحباب عند جمهور علماء الإسلام. والصوم المقصود في الحديث، صوم النذر والقضاء، ولا يختص بصوم النذر- كما قاله بعض أهل العلم - إذ ليس في الحديث تخصيص بصوم النذر، فكلمة (صيام) التي في الحديث نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم، فيبقى على عمومه، ولا دليل على تخصيصه بنوع من أنواع الصيام، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع قوله ﷺ : «فدين الله أحق أن يقضى» (٢). والعموم مقدم على القياس. والمراد بالولي القريب. قال المؤلف ﵀: (والكبير العاجز عن الأداء والقضاء يُكَفِّر عن كل يوم بإطعام مسكين) قوله (الكبير) هو الكبير في السن الذي لا يستطيع صيام رمضان ولا قضاءه فيما بعد. قال المؤلف: (يُكَفِّر عن كل يوم بإطعام مسكين) أي يُطعم عن كل يوم أفطره مسكيناً، يُطعمه مداً من طعام. ولكن ما الدليل على هذا الإطعام؟ يستدلون بقول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾، قال ابن عباس: «ليست هذه الآية منسوخة هي في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكيناً» (٣). هذا ما اعتمدوا عليه في إلزام الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة اللذين لا يستطيعان الصوم بالإطعام.

стр. 223

ولكن خالف ابن عباس في قوله هذا سلمة بن الأكوع، قال سلمة: «كان من أراد أن يُفطِر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها» (١)، أي، كان الصيام بالخيار ما بين أن تصوم أو أن تفدي فتطعم مسكيناً عن اليوم، ثم نسخ حكم التخيير بالآية التي بعدها وهي قول الله ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾. وظاهر الآية مع سلمة وليس مع ابن عباس، لأن الله سبحانه تعالى قال: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾، ولم يقل: على الذين لا يطيقونه، وفرق بين الأمرين. لكنَّ ابن عباس يستدل بقراءة له هي قراءة شاذة «وعلى الذين يطوقونه»، أي الذين يصعب عليهم الصيام، وهي قراءة شاذة، وكما تقرر في أصول الفقه أن القراءة الشاذة لا يُعتمد عليها، إنما الاعتماد يكون على القراءة المتواترة. فعلى ذلك فالإطعام حكم منسوخ فلا يكون عندهم حجة على إلزام الكبير الذي لا يقدر على الصيام أو المريض الذي لا يُرْجى برؤه، بالإطعام. لكن إن أطعم خروجاً من الخلاف فأفضل ولا نلزمه بذلك. وهذا الذي ذهبنا إليه هو مذهب الإمام مالك - إمام دار الهجرة - وقول للإمام الشافعي. قال المؤلف: (والصائم المتطوع أميرُ نَفْسِهِ، لا قضاء عليه ولا كفارة) أي أن الذي يصوم صيام نافلة متطوعاً له أن يُكمل صيامه وله أن يُفطر قبل أن يكمله، فله أن ينقضه ويتركه وله أن يُكمل الصيام، ودليل ذلك حديث عائشة ﵂ قالت: «دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: «هل عندكم شيء؟ »، فقلنا: لا، قال: «فإني إذن صائم»، ثم أتانا يوماً آخر فقلنا: يا رسول الله أهدي لنا حَيْسٌ، فقال: «أرينيه فلقد أصبحت صائماً» فأكل»، قال طلحة: «فحدثت به مجاهداً - مجاهد بن جبر -، فقال: ذاك بمنزلة الرجل يُخرج الصدقة من ماله فإن شاء أمضاها وإن شاء أمسكها» (٢). فكان النبي ﷺ قد أصبح صائماً ثم أكل وترك صيامه، فدلَّ ذلك على أن المتطوع أمير نفسه.

стр. 224

وهو ما قاله مجاهد، إذ قاس التطوع على الصدقة، فإن شاء المتصدق أخرجها وإن شاء لم يخرجها، وكذلك صوم التطوع. قال المؤلف ﵀: (باب صوم التطوع) أي صيام النافلة. قال: (يستحب صيام ست من شوال) لحديث أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ : «من صام رمضان، ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر» (١). ويكون كصيام الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان ثلاثون يوماً وهو الشهر فيكون بعشرة أشهر، والستة أيام بستين يوماً وهي شهران، والسنة أثنا عشر شهراً، فمن صام في كل سنة رمضان ثم الأيام الستة من شوال كان كمن صام كل الدهر، فهذا صيام الدهر كاملاً. والأفضل أن تصام الستة متوالية وعقب رمضان مباشرة بعد أن تفطر اليوم الأول يوم العيد ثم بعد ذلك تسرد ستة أيام من شوال، لكن إن فرقها فجائز أو أخرها حتى في أواخر شوال أيضاً جائز، لأن كل هذا يشمله قوله ﷺ : «ثم أتبعه ستاً من شوال». قال ﵀: (وتِسعِ ذي الحجة) أي ويستحب صيام تسع ذي الحجة، أي الأيام التسع الأولى من ذي الحجة. ولم يصح عن النبي ﷺ أنه كان يصوم هذه الأيام، وإنما ورد حديث عن حفصة قالت: «أربع لم يكن النبي ﷺ يدعهن: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة» (٢) أخرجه أحمد والنسائي، وأبو داود بلفظ آخر عن بعض أزواج النبي ﷺ ، واختلف فيه اختلافاً كثيراً جداً في متنه وإسناده، فلا يصح، ولا يصح حديث في ذلك.

стр. 225

والعمدة في ذلك على ما ذكرته عائشة ﵂ وهو في «صحيح مسلم»، قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائماً في العشر قط» (١)، وفي رواية: «لم يصم العشر» هذا ما ذكرته ﵂ وهذا هو المعتمد في ذلك. لكن صيام هذه الأيام داخل في العمل الصالح الذي قال فيه النبي ﷺ : «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام» - يعني أيام العشر-، قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» (٢). فيجوز صيام هذه الأيام على أنّ الصيام من العمل الصالح، ومن أراد أن يعمل عملاً آخر غير الصيام ويكتفي به عن الصيام فله ذلك، والأفضل للإنسان في مثل هذه الحالات أن يُرّكز على العمل الذي يجد من نفسه نشاطاً فيه ويتمكن من الإكثار منه في هذه الأيام. قال ﵀: (ومُحَرَّم) أي، ويستحب صيام محرم - وهو شهر الله المحرم -، لحديث أبي هريرة عند مسلم: «أن النبي ﷺ سُئل: أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ قال: «صيام شهر الله المحرم» (٣). وآكده يوم عاشوراء، فيُستحب صيام يوم عاشوراء. ويوم عرفة لقوله ﷺ : «صوم يوم عرفة يُكفر سنتين، ماضية ومستقبلة وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية» (٤). يدل هذا على استحباب صيام هذين اليومين - يوم عرفة التاسع من ذي الحجة، ويوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من محرم-. ويستحب أن يصام اليوم التاسع من المحرم مع اليوم العاشر، مخالفة لليهود، لقوله ﷺ : «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، وذلك أنه حين صام رسول الله ﷺ عاشوراء وأمر

стр. 226

بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال ﷺ : «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع»، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ﷺ (١). فيستحب صيام اليوم التاسع مع اليوم العاشر. قال ﵀: (وشعبان) أي، ويستحب صيام شعبان لحديث عائشة ﵂، قالت: «وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان» (٢). قال ﵀: (والإثنين والخميس) لما ثبت عنه ﷺ أنه كان يتحرى صوم يوم الإثنين والخميس كما في «سنن أبي داود» والترمذي وغيرهما (٣). قال ﵀: (وأيام البيض) فقد أخرج مسلم في «صحيحه» من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من كل شهر ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله» (٤). وقال ﷺ لعبد الله بن عمرو: «صم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك صيام الدهر» (٥). وأخرج الترمذي وغيره عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة» (٦).

стр. 227

فيستحب صيام هذه الأيام الثلاثة الواردة في حديث أبي ذر أكثر من غيرها، لكن من صام أي ثلاثة أيام من الشهر فقد حصل له الأجر أيضاً، لحديث ابن عمرو وغيره. قال ﵀: (وأفضل التطوع صوم يوم وإفطار يوم) لحديث عمرو بن العاص ﵁، أن رسول الله ﷺ قال له: «صم أفضل الصوم صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم» (١). وفي رواية: «وهو أعدل الصيام» (٢). وفي رواية عند البخاري: «لا صوم فوق صوم داود» (٣). فهذه أكمل الصور في صيام التطوع. قال ﵀: (ويكره صوم الدهر) لما صحَّ عنه ﷺ أنه نهى عبد الله بن عمرو عن صيام الدهر، وكذلك نهى من أراد أن يصوم ولا يُفطر، وقال ﷺ : «لا صام من صام الأبد» (٤). ومعنى صيام الدهر المنهي عنه، هو الذي كان يفعله ابن عمرو كما جاء في «الصحيحين»، «أنه كان يصوم ولا يفطر» (٥)، والذي أراد أن يفعله أحد الثلاثة الذين تقالّوا عبادة النبي ﷺ عندما سألوا عن عبادته، فقال: أحدهم: أمّا أنا فأصوم ولا أفطر ... (٦)، فهذا هو صيام الدهر الذي نهى عنه ﷺ . فصيام الدهر هو صيام السنة كلها بلا فطر فيها، وهو محرم مخالف لهدي النبي ﷺ . قال المؤلف: (وإفراد يوم الجمعة)

стр. 228

فقد جاء في حديث جابر في «الصحيح» أن النبي ﷺ نهى عن صوم يوم الجمعة (١). وفي حديث أبي هريرة في «الصحيح» أيضاً أن النبي ﷺ قال: «لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلّا يوماً قبله أو بعده» (٢). وفي حديث جويرية بنت الحارث أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: «أصمت أمس؟ » - الخميس - قالت: لا، قال: «تريدين أن تصومي غداً؟ » - السبت -، قالت: لا، قال: «فأفطري» (٣). وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلاّ أن يكون في صوم يصومه أحدكم» (٤). وخلاصة هذه الأحاديث كلها أنّه لا يجوز إفراد يوم الجمعة بصيام إلاّ إذا كان في صوم كان يصومه أحدنا، أي، إلا إذا كان معتاداً على صيام معين كمن اعتاد أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، فجاء من هذه الأيام التي اعتاد صيامها يوم جمعة، فيجوز له حينئذ أن يصوم. أو جاء يوم عرفة في يوم جمعة فيجوز له أن يصومه من غير أن يصوم معه يوماً قبله أو يوماً بعده، لأنه اعتاد هذا الصيام ولم يتعمد تخصيص يوم الجمعة بصيام. ويجوز صيامه مع يوم الخميس أو مع يوم السبت. أما تخصيص الجمعة بصيام فيحرم، وكذلك صيام الدهر، لا مجرد الكراهة، فالنهي واضح ولا صارف. أمَّا صيام يوم السبت فلم يصحَّ في النهي عن صيامه حديث، ورد فيه حديث قال فيه الإمام النسائي ﵀: وهو حديث مضطرب، وكذلك وافقه الحافظ ابن حجر على ذلك وضعفه غير واحد من علماء الإسلام والحق معهم، فالحديث لا يصح، فيجوز صيام يوم السبت مطلقاً كبقية الأيام.

стр. 229

قال ﵀: (ويَحرم صوم العيدين) لحديث أبي سعيد في «الصحيحين»: «أنّ رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين، يوم الفطر ويوم النحر» (١)، والمقصود اليوم الأول فقط ليوم الفطر ويوم النحر، فهذان العيدان فقط، وليس بعدهما عيد. وأما يوم النحر فبعده ثلاثة أيام - وهي أيام التشريق -، أما يوم الفطر فهو واحد فقط. قال ﵀: (وأيام التشريق) أي، ويَحرم أيضاً صيام أيام التشريق وهي اليوم الثاني والثالث والرابع التي هي بعد عيد الأضحى يوم النحر، وذلك لنهيه ﷺ عن هذا الصيام بقوله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب» (٢). وفي «صحيح البخاري» عن عائشة وابن عمر قالا: «لم يُرخّص في أيامِ التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي» (٣). فلا يجوز أن يُصام في هذه الأيام. قال ﵀: (واستِقْبالُ رمضانَ بيومٍ أو يَوْمَين) أي ويَحرم استقبال رمضان بيوم أو يومين، فيَحرم أن نصوم قبل أن يثبت هلال رمضان اليوم الذي يُشك فيه، لقوله ﷺ : «لا تقدّموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً، فليصمه» (٤). يعني إذا جاء اليوم الأخير من شعبان - الذي يُشك أهو من شعبان أم من رمضان - إذا جاء في يوم اعتدت أن تصوم في مثله، فلك أن تصوم. أمّا أن تتقصد أن تصومه احتياطاً لرمضان فلا يجوز، لما قاله عمَّار ﷺ : «من صام اليوم الذي يُشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (٥).

стр. 230

وأما حديث: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (١)، فهو حديث ضعيف أعلّه غير واحد من أهل العلم، وحكم عليه الإمام أحمد بالنكارة، وكان عبد الرحمن ابن مهدي لا يحدث به عمداً. فهذا يدل على أنهم كانوا يستنكرون هذا الحديث ولا يقبلونه، لأنه مخالف لأحاديث أقوى منه وأصح في جواز الصيام بعد النصف من شعبان. ويخالفه أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان إلا قليلاً كما قالت عائشة ﵂ كما تقدم معنا. قال المؤلف ﵀: (باب الاعتكاف) الاعتكاف لغة، هو لزوم الشيء. وفي الشرع، اللُّبث في المسجد على صفة مخصوصة بنية. أي، بنية التعبد. قال ﵀: (يشرع - ويَصِحُّ - في كلِّ وقتٍ في المساجد) لا خلاف بين علماء الإسلام في مشروعية الاعتكاف، وقد ذُكر في كتاب الله ﵎، فقال جل في علاه: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾. وصحَّ عنه ﷺ في أحاديث كثيرة أنه اعتكف، منها ما هو في «الصحيحين». وأجمع المسلمون على مشروعيته (٢)، ولم يصحَّ في فضيلة الاعتكاف شيء. وقد سئل الإمام أحمد ﵀ هل تعلم في فضل الاعتكاف شيئاً صحيحاً؟ فقال: « ... لا إلاً شيئاً ضعيفاً (٣)، ونفى أن يَعلم في فضله شيئاً صحيحاً. (ويصحّ) الاعتكاف (في كل وقت)، لأنه ورد ما يدل على مشروعيته، ولم يأت ما يدل على تخصيصه بوقت معين دون وقت.

стр. 231

وأمّا كونه (في المسجد) لا في غيره، فلقول الله ﵎ ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، ولفعله ﷺ حيث كان يعتكف في المساجد، ولم يُنقل عنه أنّه اعتكف في غير مسجد، والعبادات توقيفية، فلا يكون الاعتكاف إلا في مسجد. قال المؤلف ﵀: (وهو في رمضان آكد سيَّما في العشر الأواخر منه) وذلك لأن النبي ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ﵎ كما قالت عائشة ﵂ على ما جاء في «الصحيحين» (١). لذلك كان الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان آكد من غيره. ومعنى (سيَّما) أنه الأولى. وأما زمان الاعتكاف، فليس للاعتكاف وقت محدد، فهو يتحقق في المسجد مع نية الاعتكاف طال الوقت أم قصر، شروط الاعتكاف، يُشترط في المُعتكِف أن يكون: - مسلماً، لأن الكافر لا تُقبل منه العبادات حتى يُسلم، والاعتكاف من العبادات. - مُمَيِّزاً، لأن المميز هو الذي يصح منه التعبد وقصد الطاعة، فلا يصحُّ الاعتكاف من كافر ولا من صبي غير مميز. - ولا يشترط له الصيام، كما يقول بعض أهل العلم، لأن عمر نذر أن يعتكف ليلة في المسجد فأذن له النبي ﷺ (٢)، ومعلوم أن الليل ليس محلاً للصيام، فيصح الاعتكاف من غير صيام. أركان الاعتكاف: حقيقة الاعتكاف، هي المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله، فلو لم يقع المكث في المسجد، أو لم تحصل نية الطاعة لا ينعقد الاعتكاف. ويصح الاعتكاف في كل مسجد خُصَّ لإقامة صلاة الجماعة فيه، لقول الله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾، فهذا يشمل كل ما يصح إطلاق المسجد عليه.

стр. 232

وأما حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» (١)، فضعيف لا يصح. قال ﵀: (ويُستحب الاجتهاد في العمل فيها) يُستحب الاجتهاد في العمل في الليالي العشر الأواخر من رمضان، لحديث عائشة في «الصحيحين» قالت: «كان النبي ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر» (٢)، كناية عن الجدّ والاجتهاد في العبادة. وقد كان النبي ﷺ يقوم العشر الأواخر ويجتهد فيها، لوجود ليلة القدر في هذه العشر الأواخر، ومن أدرك ليلة القدر فقد أدرك خيراً كثيراً. قال: (وقيام ليالي القدر) أي ويُستحب قيام الليالي التي يتوقع أن تكون ليلة القدر فيها، وهي ليالي العشر الأواخر من رمضان، لقوله ﷺ : «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه» (٣). وقال ﷺ : «تحَرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» (٤). والصحيح أنّ ليلة القدر لا تُعرف لها ليلة معينة، فمن أرادها فليتحراها في العشر الأواخر كلها، فمن قام العشر الأواخر من رمضان، فقد أدرك ليلة القدر ولا شك إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: (ولا يخرج المُعتكِف إلّا لحاجة) أي لا يجوز للمُعتكِف أن يخرج من المسجد إلّا لحاجة كقضاء حاجته مثلاً، أو الإتيان بطعام أو شراب أو نحو ذلك من الأشياء التي لا بد له منها، أو صلاة الجمعة. قالت عائشة ﵂: «كان رسول الله ﷺ لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً» (٥). وفي رواية: «إلا لحاجة الإنسان».

стр. 233

والخروج لغير حاجة عمداً يُبطل الاعتكاف لأن الخروج يُفوِّتُ المُكْثَ، والمكث في المُعتَكَفِ ركن من أركان الاعتكاف، فالخروج لغير حاجة مبطل للاعتكاف. وكذلك يُبطله الجماع لقول الله ﵎: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾. فالجماع والخروج لغير حاجة كلاهما مبطل للاعتكاف. كتاب الحج قال المؤلف ﵀: (كتاب الحجّ) الحجُّ لغة: القصد، وحجَّ إلينا فلان، أي قَصَدَنا، ورجل محجوج، أي مقصود. وقال بعض أهل العلم: الحجّ: القصد لِمُعظَّم. فالثاني أخصّ والأول أعم، فالحج عامة قصد أي شيء. لكن على قول الطائفة الثانية، فلا يسمى حجاً إلا إذا قصدت الحجّ لِمُعظَّم. وأما في الاصطلاح: فهو قصد موضع مخصوص في وقت مخصوص للتعبد بأعمال مخصوصة بشرائط مخصوصة.

стр. 234

قصد موضع مخصوص، البيت الحرام وعرفة والمناسك. في وقت مخصوص: وهو أشهر الحج. بأعمال مخصوصة: أي أعمال الحج التي ستأتي، ومنها الوقوف بعرفة والطواف والسعي. بشرائط مخصوصة: وسيأتي بيانها فيما بعد. قال المؤلف ﵀: (يجب على كلِّ مكلَّفٍ مستطيعٍ) الحجُّ واجب من واجبات الدين العظيمة، بل هو ركن من أركان الإسلام لا خلاف في ذلك. قال الله تعالى: ﴿ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾. وكما تقدم في حديث ابن عمر «بني الإسلام على خمس ... » (١) ومنها «الحج». والإجماع منعقد على وجوب الحجِّ على المستطيع مرة واحدة في العمر، لا خلاف في هذا (٢). ومن فضائله أنّه مكفِّر للذنوب، قال ﷺ : «والحجُّ المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (٣). «المبرور»، المقبول الذي لا يخالطه إثم. وقال ﷺ : «من حجَّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمُّه» (٤). «لم يرفث» الرفث، هو الجماع ومقدمات الجماع، أي أنه لم يُجامع ولم يأت بمقدمات الجماع. «ولم يفسق»: لم يعصِ الله في حجِّه.

стр. 235

وهو واجب على كل مكلف مستطيع كما قال المؤلف لقول الله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾. فقوله ﴿لله على الناس﴾ صيغة إلزام وإيجاب، وقيَّد ذلك بالاستطاعة فقال: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾. والحج واجب في العمر مرة واحدة لقوله ﷺ : «أيها الناس قد فَرَض الله عليكم الحجَّ فحُجّوا»، وفي هذا أمر بالحجِّ، يُستدل به على وجوب الحجِّ. فقال رجل: أَكُلَّ عام يا رسول الله؟ - أي، هل يجب علينا في كل سنة؟ -. فقال ﷺ : «لو قلت نعم لوجب ولما استطعتم» (١). فدلّ ذلك على أن الحجَّ يجب مرة واحدة في العمر. شروط الحج: - الشرط الأول: الإسلام، فقد تقدم معنا في دروس أصول الفقه أن الصحيح أن الكفار مُخاطبون بفروع الشريعة، والحجّ من فروع الشريعة، إذن فهم مُخاطبون مُكلفون به. لكن الخطاب الذي أردناه عند الأصوليين، أنهم إذا لم يأتوا به عُذبوا عليه في نار جهنم، لكنَّه لا يصحُّ منهم حتى يأتوا بشرطه وهو الإسلام، فالإسلام شرط لوجوب الحجِّ، أي كي يقبل من فاعله، يُشترط أن يكون مسلماً. - الشرط الثاني: العقل، فالمجنون غير مُكلف لحديث: «رفع القلم عن ثلاث، النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (٢) فالمجنون غير مكلف لرفع القلم عنه. - الشرط الثالث: البلوغ، فغير البالغ مرفوع عنه القلم حتى يحتلم كما ذكرنا في الحديث المتقدم.

стр. 236

الشرط الرابع: الاستطاعة، ودليلها ما تقدم من قول الله ﵎: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾، والمقصود بالاستطاعة، توفر الأسباب التي تُمَّكنه من أداء فريضة الحجِّ، ويدخل في ذلك: المال. والصحة. وتأشيرة الحج فإنها تعتبر من ضمن الاستطاعة. والمَحرَم للمرأة، فإذا توفرت لها الصحة وتوفر لها المال لكنها لا تجد مَحرَماً تحج معه فهذه ليست مستطيعة. وكذلك أمن الطريق. - الشرط الخامس: أن يكون المُكلّف حرّاً، فإن كان عبداً - وهو المملوك - فلا يجب عليه الحج، لأنَّ العبد لا مال له يملكه ويتمكن من الحج به، وإنما ماله لسيده، فإذا كان لا يملك المال، فلا يمكنه الحج. قال الترمذي ﵀: «قد أجمع العلماء على أنَّ الصبيَّ إذا حجَّ قبل أن يُدرك فعليه الحجّ إذا أدرك، وكذلك المملوك إذا حجَّ في رقِّه - أي في أثناء كونه عبداً - ثم أعتق فعليه الحجّ إذا وجد إلى ذلك سبيلاً، ولا يجزئ عنه ما حج في حال رقِّه، وهو قول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق» (١). قال المصنف: (فوراً) أي يجب على كل مكلف مستطيع، الحج فوراً بمجرد تحقق الشروط المتقدمة من غير تأخير، لما ذكرناه في أصول الفقه بأن الأصل في الأمر أنَّه على الفور لا على التراخي، واستدللنا على ذلك بأمرين: الأمر الأول: قول الله ﵎: ﴿فاستبقوا الخيرات﴾. والثاني: أن المرء لا يدري ما يعرض له من بعدُ، فلربما تيسرت لشخص في سنة من السنين جميع سُبل الحج وأسبابه، فأَجَّلَه، ولا تتيسر له مرة أخرى.

стр. 237

إذن يجب عليه أن يحجّ في الوقت الذي تيسرت له الأسباب فيه، لئلا يفوته بعد ذلك. فهذا يدل على أن الحجَّ إذا توفرت أسبابه صار لازماً لصاحبه فوراً، وإذا لم يحج فهو آثم. قال ﵀: (وكذلك العمرة) أي وكذلك العمرة تجب على كل مكلف مستطيع فوراً. وفي وجوب العمرة مرة في العمر خلافٌ، والصحيح أنها سنّة وليست بواجب، إذ لا يوجد ما يدلّ على وجوبها، والأحاديث التي استدل بها من قال بالوجوب كلها ضعيفة لا يصح منها شيء. تبقى عندهم آية ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، وهل لهم وجه في الدلالة بهذه الآية؟ لا، لأن المأمور به هنا هو الإتمام، فإذا دَخَلت في العمرة وجب عليك أن تُتِمها، لكنَّه لم يأمر بالبِدء بها، ولو جاء أمر بالبدء بها لسلمنا لهم وقلنا كلامكم صحيح، لكن فرق بين البدء والإتمام، فالصحيح أنَّ العمرة سنة مستحبة وليست واجبة. أما الحج فقد أمر الله به، وأمر بإتمامه. قال: (وما زاد فهو نافلة) أي ما زاد عن مرة واحدة فهو نافلة سواء كان مرة من الحجِّ أم من العمرة. ولكن - كما ذكرنا - فإن العمرة مستحبة أصلاً، وأما الحجُّ فكما قال. والدليل هو ما تقدم معنا من قول رسول الله ﷺ : «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم» (١)، فدلّ هذا الحديث على أنَّه لا يجب على المسلم أكثر من حجة واحدة في عمره. قال المؤلف: (يجب تعيين نوع الحجّ بالنية، من تَمَتُّعٍ أو قِرانٍ أو إفرادٍ) في هذه الفقرة بيّن لنا المؤلف ﵀ أن الحجّ أنواع ثلاثة: قران، وتمتع، وإفراد، وأنه لا بدّ للحاج أن ينوي واحداً من هذه الأنواع الثلاثة، من الميقات عند الإحرام. النوع الأول، القران: وهو أن يُحرم من الميقات بالعمرة والحجّ معاً، فيَقرِن بينهما، أي

стр. 238

يجمع في نيته بين الحجّ والعمرة، فيقول عند التلبية: «لبيك بعمرة وحجّ»، فينوي في قلبه أنّه يريد أن يؤدي العمرة والحجّ. وهذا القران يقتضي بقاء المحرم على صفة الإحرام إلى أن يفرغ من أعمال العمرة والحجّ جميعاً، فيبقى مُحرماً لا يتحلل أبداً. وللقران صورة ثانية، وهي أن يُحرم بالعمرة ويُدخل عليها الحجّ قبل الطواف، أي أنه يكون قد عقد في نفسه وهو في الميقات أن يعتمر، وقال: «لبيك بعمرة»، وعند وصوله مكة وقبل أن يبدأ بطواف العمرة أدخل عليها الحجّ، فصار حينئذ قارناً، قرن بين العمرة والحجّ. وسُمّي هذا قراناً، لما فيه من القران والجمع بين الحجّ والعمرة بإحرام واحد، ويطلق عليه في الكتاب والسنة: «تمتع». النوع الثاني، التمتع: وهو أن يعتمر في أشهر الحج، ثم يحجّ من عامه الذي اعتمر فيه. وأشهر الحج، شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وقال بعضهم: ذو الحجة كاملاً. فإذا اعتمر في أشهر الحجّ ثم حجّ في نفس السنة التي اعتمر فيها سمي متمتعاً، ويسمى هذا النوع من الحج، حجّ التمتع، وذلك للانتفاع بأداء النُسكين في أشهر الحجّ في عام واحد من غير أن يرجع إلى بلده. ولأن المتمتع يتمتع بعد التحلل من إحرامه، بما يتمتع به غير المحرم من لُبس الثياب، والطيب، والجماع، وغيرها. وصفته أن يُحرم من الميقات بالعمرة وحدها فقط، ويقول عند التلبية: «لبيك بعمرة» وهذا طبعاً يقتضي البقاء على صفة الإحرام حتى يصل الحاجّ إلى مكة فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق شعره أو يقصره ويتحلل، فيخلع ثياب الإحرام، ويلبس ثيابه المعتادة، ويأتي كلّ ما كان حَرُم عليه بالإحرام، ويبقى على حاله هذه إلى أن يأتي يوم التروية، الذي هو يوم الثامن من ذي الحجة، فيُحرم في ذلك اليوم بالحجّ من مكة. يتضح لنا بذلك الفرق بين التمتع والقران، فمن ناحية الإحرام، فإن القارن يُحرم بالعمرة مع الحج، بينما المتمتع يحرم بالعمرة فقط. ومن ناحية التحلل، فالقارن لا يتحلل أبداً، بل يبقى محرماً حتى ينهي حجه، وأمّا المتمتع فيعتمر ثم يتحلل تحللاً كاملاً إلى اليوم الثامن وهو يوم التروية.

стр. 239

قال الحافظ في «الفتح»: «والذي ذهب إليه الجمهور أن التمتع أن يجمع الشخص الواحد بين الحجّ والعمرة في سفر واحد في أشهر الحج في عام واحد وأن يُقَدِّمَ العمرة وألاّ يكون مكياً، فمتى اختل شرط من هذه الشروط لم يكن متمتعاً» (١). النوع الثالث، الإفراد: وهو أن يُحرم من يريد الحجّ من الميقات بالحجّ وحده، لا عمرة معه، ويقول في التلبية: «لبيك بحجّ»، ويبقى محرماً حتى تنتهي أعمال الحج. وأما الإحرام، فركن من أركان الحجّ لا يصحّ إلّا به، ودليله قول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى .. » (٢) الحديث. والإحرام: هو نية الدخول في النسك، والنسك هو الحج أو العمرة. فإذا نويت في قلبك البدء بأعمال الحج والدخول في ذلك فقد أحرمت سواء قلت لبيك بحجة أو بعمرة أو لم تقل، فبمجرد أن عقدت ذلك في قلبك فقد حصل الإحرام، لكن يُستحب معه أن تُهل بذلك، فتقول: «لبيك بحج» أو «لبيك بعمرة» أو «لبيك بعمرة وحج». والإحرام مأخوذ من التحريم، ومعنى أحرم: أي، دخل في الحرام، والمراد أنّه يدخل في التحريم، فإذا قلت أحرم بالحجّ أي دخل في تحريم ما يُحرَّم في الحجّ، كالجماع ولبس المخيط والطيب ونحو ذلك مما يَحرم على الحاجّ أو على المعتمر. ومحل الإحرام القلب لأن النيّة محلها القلب، فإذا نوى بقلبه الدخول في الحج أو العمرة فقد أحرم. ويُهل بالنسك الذي يريد، فيقول: «لبيك بحج» أو «بعمرة» أو «بعمرة وحجّ» حسب النسك الذي يريده. والإهلال - وهو زائد على نية الدخول في النسك -: فهو رفع الصوت بالتلبية، ودليله ما أخرجه الشيخان عنه ﷺ من حديث أنس قال: سمعت النبي ﷺ «يُلَبّي بالحج والعمرة جميعاً» (٣)، وفي أحد ألفاظه قال: «كانوا يصرخون بذلك» (٤)، أي: يرفعون أصواتهم به.

стр. 240

وحكم هذا الإهلال، الاستحباب، لفعل النبي ﷺ له، وهو ذكر من أذكار الحجّ، ويصح الإحرام بدونه، لأنه ذكر من الأذكار، حكمه كحكم بقية الأذكار. ويستحب رفع الصوت به، ثم يستمر بعد ذلك برفع الصوت بالتلبية: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك» (١). وأما قول المؤلف (يجب تعيين نوع الحج بالنية، من تمتع أو قران أو إفراد)، فقد احتج المؤلف ومن ذهب مذهبه على وجوب تعيين الحاج نوع النسك الذي يريده - هذا ما قاله المصنف-، احتجوا على ذلك بقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى .. » فقالوا يجب أن ينوي المحرم بالحج أو العمرة عند دخوله فيه. والصحيح في هذه المسألة، أن الحجّ ينعقد بإحرامٍ من غير تعيين إفراد أو قران أو تمتع - بأن يقصد نية النسك فقط - وله أن يمضي في ذلك الإحرام ثم يجعله أي وجه شاء من الأوجه الثلاثة. ودليله حديث «الصحيحين»: «أن النبي ﷺ سَأل علياً: «بم أهللت؟ » قال: بإهلال كإهلال النبي ﷺ » (٢)، ولم يكن علي ﵁ يَعلم بما أهل به النبي ﷺ ، فلم يُعين نوع النسك. وكما حصل مع أبي موسى الأشعري (٣). فدلَّ ذلك على أن الإهلال بنُسك مُبهم، صحيح ويصرفه صاحبه إلى أيّ نوع من الأنواع الثلاث. قال المؤلف: (والأول أفضلها) أي أفضل هذه الأنواع الثلاث، التمتع. وفي المسألة خلاف، والصحيح من أقوال أهل العلم، أنّه التمتع، لأن النبي ﷺ أمر الصحابة حين فرغوا من الطواف والسعي أن يُحلوا ويجعلوها عمرة إلا من ساق الهدي. متفق عليه (٤).

стр. 241

فاستدل أهل العلم بهذا على أفضلية التمتع، ثم إنه أخفّ وأيسر على النفس. قال ﵀: (ويكون الإحرام من المواقيت المعروفة، ومن كان دونها، فَمُهَلُّه أَهْلُهُ، حتى أهل مكة من مكة) للحجّ مواقيت زمنية ومكانية. ونعني بالمواقيت الأوقات التي جعلها الشارع أوقاتاً لأداء الحجّ أو للإحرام، فهي الزمن الذي يُحجّ فيه، والمكان الذي يُحرم الحاجّ منه أيضاً. المواقيت الزمنية: هي الأوقات التي لا يصحّ شيء من أعمال الحجّ إلّا فيها، قال تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾، أي وقت أعمال الحجّ أشهر معلومات. والعلماء مجمعون على أن المراد بأشهر الحج: شوال، وذو القَعدة - يقال القَعدة بالفتح، والقِعدة بالكسر، والقَعدة أفصح-، واختلفوا في ذي الحجة، أَكلُّ الشهر من أشهر الحجّ أم العشر الأول فقط، والذي ثبت عن ابن عمر وغيره، أنها العشر الأول من ذي الحجة. فلا يصحُّ أن يحرم أحدٌ بالحج إلا في أشهر الحج، فالإحرام من أعمال الحج التي ضرب الله لها أشهراً معلومة. وأما المواقيت المكانية: فهي الأماكن التي يُحرم منها من يريد الحجّ أو العمرة. فالحاجّ عندما ينطلق من بلده لا يبدأ الحجّ من سكنه ولا يُحرم من سكنه، بل ينطلق إلى أن يصل مكاناً عينه الشارع فيُحرم منه، هذه الأمكنة هي التي تسمى المواقيت المكانية. ولا يجوز لمن أراد الحجّ أو العمرة أن يتجاوزها - أي يمرَّ عليها - دون أن يُحرم، وقد بينها النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة في «الصحيحين» وغيرهما، فقال ابن عباس: «وقَّت لنا رسول ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، قال: «فهنَّ لهُنَّ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمن أهله، وكذا كذلك حتى أهل مكة يهلون منها» (١). متفق عليه. فيخرج المرء مسافراً للحجّ من بلده بلباسه المعتاد، ومن غير أن يبدأ بالحجّ أو بالعمرة، إلى أن يصل إلى الأماكن المذكورة في الحديث - وهي المواقيت المكانية - فيعد نفسه ليبدأ بالحج ويُحرم من تلك الأماكن.

стр. 242

فإذا كان هذا الذي يريد الحجّ من أهل مدينة رسول الله ﷺ ، فإحرامه يكون من ذي الحليفة، وتسمى اليوم بآبار علي، وتبعد عن مكة أربعمائة وثلاثين كيلو (٤٣٠ كيلو)، وهي أبعد المواقيت عن مكة، فإذا وصل المدني الذي هو من أهل المدينة إلى ذي الحليفة يُحرم من هناك يتجرد من ملابسه ويلبس ملابس الإحرام ويُعد نفسه للإحرام، فيعقد نية الدخول في النسك ويقول: لبيك بحجة أو لبيك بعمرة أو لبيك بحجة وعمرة. وإذا كان من أهل الشام - الأردن، فلسطين، سورية، لبنان -، فإحرامه من الجُحفة، وهي قرية بجانب رابغ، مدينة مشهورة معروفة تبعد عن مكة مائة وستة وثمانين كيلو (١٨٦ كيلو). وإذا كان من أهل نجد - وهي المنطقة التي تشمل الرياض وما حولها-، فيُحرم من قرن المنازل - ويُقال لها أيضاً قرن الثعالب - ويُعرف اليوم بالسيل الكبير، ويبعد عن مكة خمسة وسبعين كيلو (٧٥ كيلو). وإذا كان من أهل اليمن فيُحرم من يلملم، ويُقال لها ألملم، ويُقول لها أهلها اليوم لملم، وهو واد معروف هناك، فيه قرية تسمى السعدية تبعد عن مكة اثنين وتسعين كيلو (٩٢ كيلو)، وكان الطريق الرئيسي يمر بها ثم صار يمر بعيداً عنها، إلا أنّه يمر بنفس الوادي يلملم أيضاً وفي النقطة التي يمر الطريق الرئيس بوادي يلملم يكون بُعد الوادي عن مكة مائة وعشرين كيلو (١٢٠ كيلو)، وهو واد كبير جداً. فالإحرام جائز من الطريق القديم الذي يمر بقرية السعدية وكذلك من الطريق الجديد، لأن كليهما يمر بالوادي، وادي يلملم. وأمّا ذات عِرْق، والذي يسمى اليوم: الضريبة - وهذا الميقات لم يُذكر في الحديث الذي تقدم -، فهو ميقات أهل العراق، وقد اختلف العلماء هل تحديد هذا الميقات من النبي ﷺ أم من عمر بن الخطاب؟ والنزاع بين أهل العلم في ذلك كبير، وعلى كل حال فهم مُجمعون على أنّه ميقات شرعي من مواقيت الحج. وأما الرافضة فيُحرِمون من العقيق لا من ذات عرق، مخالفةً لعمر ﵁. قال في الحديث: «هنَّ» أي هذه الأماكن «لهنَّ»، أي لأهل هذه البلدان، «ولمن أتى

стр. 243

عليهن من غير أهلهن»، أي من مرَّ على هذه المواقيت من غير أهل البلد الذين لهم الميقات فيُحرمون من هذه المواقيت أيضاً. فالمصري، مثلاً إذا دخل من طريق الشام وجاء من طريق الجحفة، أحرم من الجحفة، كذلك أهل تركيا مثلاً أو روسيا أو غيرها إذا دخلوا من طريق الشام، فميقاتهم الجحفة، وإذا جاؤوا من طريق المدينة فيكون ميقاتهم ذا الحليفة وهكذا. قوله في الحديث المتقدم نفسه: «ممن أراد الحج والعمرة»، يدل على أن من لم يرد الحج ولا العمرة، وأراد دخول مكة، فله أن يدخل بدون إحرام فلا يجب عليه أن يُحرم، إنما الإحرام واجب على من أراد الحجّ أو العمرة. وفي المسألة هذه خلاف، والصحيح ما ذكرناه. وقول المصنف (ومن كان دونها فمُهله أهله، حتى أهل مكة من مكة)، فهذا يدل عليه الحديث المتقدم. ومعناه أنَّ من كان يسكن مكاناً هو أقرب إلى مكة من الميقات، فهو لا يمر في سفره إلى مكة بهذه المواقيت أصلاً، لقربه من مكة، فهو يسكن بين الميقات ومكة، فهذا ميقاته في نفس مكانه من بيته، فهذا لا يلزمه أن يرجع إلى الميقات ثم بعد ذلك يُحرم من هناك، بل ميقاته من البلد التي هو فيها، حتى أهل مكة يُحرمون من مكة. لكن هذا في الحج، أما في العمرة فأهل مكة يلزمهم أن يخرجوا إلى أدنى الحل فيُحرمون من هناك كما فعلت عائشة ﵂، فإنها خرجت إلى أدنى الحل وهو التنعيم، فأحرمت من هناك (١). وأما من جاوز الميقات من غير أن يُحرم وهو يريد الحج أو العمرة، فأمامه أحد أمرين: إمّا أن يرجع إلى الميقات ويُحرم من هناك، ثم يُكمل طريقه. أو أن يُكمل طريقه ويلزمه دم، فيجب عليه أن يذبح بدل تركه لهذا الواجب.

стр. 244

وأما الإحرام قبل الميقات، فقد نقل ابن المنذر ﵀ الإجماع على أنّ من أحرم قبل الميقات - من بيته مثلا أو من أي مكان قبل الميقات -، فإنه يكون مُحرماً، وإحرامه صحيح (١). لكن اختلف في كراهته، هل يُكره هذا الفعل أم لا؟ والصحيح أنّه مكروه، لأنه مخالف لهدي النبي ﷺ ، فإن السنة والذي كان يفعله ﷺ أنه كان يُحرم من الميقات، لكن لو حصل وفعلها أحد فنقول بجواز هذا الفعل وإحرامه يكون صحيحاً. وأمّا من كان بالطائرة والسفينة ونحوِ ذلك، فهذا إذا حاذى الميقات أحرم، ولا يجوز له مجاوزة ذلك إلا وهو محرم، أي أنه صار على نفس المستوى. ودليل المحاذاة، أثر عمر بن الخطاب ﷺ في «الصحيحين»، أن أهل العراق جاؤوه، فقالوا له بأن الميقات الذي وقَّته النبي ﷺ لأهل نجد - وهو قرن المنازل- بعيد عنهم فلو أنّك تفعل لنا شيئا، فقال لهم: «انظروا حذوها من طريقكم» (٢) فحدّ لهم ذات عرق، لأنه حذو قرن المنازل، وهو ميقات نجد. فأخذ من هذا أنّ مَن طريقُه لا تأتي به إلى الميقات فيُحاذي الميقات ويُحرم من هناك، وكذلك الذي يأتي بالطائرة أو بالسفينة. قال المؤلف ﵀: - (فصل: ولا يَلْبَسُ المُحْرِمُ القميصَ، ولا العمامة، ولا البُرْنُسَ، ولا السراويل، ولا ثوباً مَسّه وَرْس، ولا زعفران، ولا الخُفَّين إلا أنْ لا يجد نعلين، فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين) انتهى المؤلف ﵀ من ذكر المواقيت لأهل كل بلد، ثم بدأ يذكر ما يَحرُم على المُحرِم فعله، لأن هذه المحرمات يجب أن تُجتنب قبل نية الدخول في النسك - أي قبل الإحرام -. وهذا الذي ذكره المؤلف جاء في حديث واحد من حديث عبد الله بن عمر في «الصحيحين» (٣).

стр. 245

فالمحرمات التي ذكرها المؤلف هي: - القميص، وهو ما يخاط على قدر الجسد، ونبه على ما في معناه من كل ما لبس على قدر البدن ودليله قول النبي ﷺ : «لا يلبس المُحرِم القميص» كما جاء في حديث ابن عمر وهو ما يسميه الفقهاء بالمخيط، ويعنون بالمخيط ما كان على قدر الجسد أو على قدر عضو من أعضاء الجسد ولا يقصِدون بالمخيط ما فيه خيط، بل هو ما ذكرناه، فقول النبي ﷺ : «لا يلبس المحرم القميص» استدل به أهل العلم على عدم جواز لبس ما يُخاط على قدر الجسد أو على قدر عضو من أعضاء الجسد لأنها في معنى القميص. وهذا الحكم خاص بالرجال دون النساء (١). - العِمامة: وهي غطاء الرأس، ليست القلنسوة هذه التي يسميها الناس طاقية، بل العِمامة تُلف على الرأس. وذكره المؤلف. - البرنس: وهو ثوب رأسه منه، معروف عند المغاربة اليوم ويلبسونه بكثرة. ونبّه بالعمامة والبرنس على كلِّ ما يُغطي الرأس، سواء كان معتاداً أو غير معتاد، فالبرنس غير معتاد عند الصحابة، وأمَّا العمامة فمعتادة. - السراويل: ثوب ذو أكمام يُلبس بدل الإزار - يعني مِثل البنطال- فله جزء يخص الرِّجْلَ اليمنى وجزء يخص الرِّجْلَ اليسرى كالبنطال تماماً، إلا أنه أوسع من البنطال. والبنطال والملابس الداخلية والذي نقول له الشورت، هذه كلها تُلحق بالسراويل فكل مخيط - يعني خيط على قدر الجسد أو على قدر العضو- فلا يجوز لُبسه للمُحرم. - الوَرْس: وهو نبت أصفر اللون، تُصبغ به الثياب وله رائحة طيبة، ولا يجوز استعمالها للمحرم. - الزعفران كذلك نبت يُصبغ به وهو طيب الرائحة كذلك، ولا يجوز استعماله للمحرم أيضاً. ويُلحَق بهما أنواع الطيب، فلا يجوز للمُحرم أن يتطيب.

стр. 246

وحكم تحريم الطيب للمحرم عام يشمل الرجال والنساء. - الخفان: الخف ما يُلبس في القدمين، ويكون طويلاً حتى يغطي الكعبين، ويُلحق بهما كل ما غطى القدمين مثل الجوارب، فكل ما غطّى القدمين إلى الكعبين وغطى الكعبين أيضاً يلحق بالخفين. - النعلان: وهو ما يُلبس في القدمين ولا يغطي الكعبين، هذا يجوز لبسه، بينما الخفان لا يجوز لبسهما إلا عند فقد النعلين؛ لما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «ولا الخفيّن»، أي ولا يلبس الخفين إلا أنْ لا يجد النعلين، فمن لم يجد نعلين فيجوز له أن يلبس الخفين، لكن «فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين»، كما جاء في الحديث. وقد حصل خلاف بين أهل العلم في مسألة قطع الخف، هل هو حكم منسوخ أم لا والظاهر من قول المؤلف إلى أنه يذهب إلى وجوب قطعهما إلى أن يكونا أسفل الكعبين، وأنه لا يرى النسخ. فعلى ذلك فلا يجوز للمُحرم أن يَلبس هذه الأشياء التي ذُكرت وما يُلحَق بها. وهذا حكم خاص بالرجال، أما المرأة فلها أن تلبس الخفين. قال المؤلف ﵀: - (ولا تَنْتَقِبُ المرأةُ، ولا تلبسُ القُفَّازَين، وما مسه الوَرْس والزعفران) قوله: (ولا تنتقب المرأة) (النقاب) غطاء للوجه فيه فَتحة للنظر. أي، لا يجوز للمرأة أن تضع غطاء الوجه، لكن إذا أَرْخت الغطاء من فوق وأسدلته سدلاً، فهذا جائز كما كانت تفعله نساء النبي ﷺ . وأما الرجل فالصحيح أنّه يجوز له أن يغطي وجهه فهو ليس كالمرأة. وقد حصل خلاف بين أهل العلم في تغطية الرجل وجهه، فقال البعض: لا يجوز تغطية الرجل وجهه، وقال البعض الآخر: هو جائز.

стр. 247

وسبب الخلاف ما ورد في حديث الرجل الذي وقصته ناقته، وقوله ﵇ فيه: «ولا تخمروا رأسه» (١)، وفي رواية عند مسلم: «ولا وجهه» ثم قال: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً»، فدلَّ ذلك على أن المُحرم لا يُغطي وجهه. لكنّ رواية مسلم هذه، اختُلف فيها، أهي محفوظة أم غير محفوظة؟ والصحيح أنها غير محفوظة، وإذا كانت غير محفوظة فلا يوجد ما يدل على أنّ الرجل المُحرم لا يُغطي وجهه، فيبقى الأمر على الحِلِّ. قوله: (ولا تلبس المرأة القفازين)، القفازان لباس يُعمل لليدين يغطيهما، وكذلك الرَجل يَحرُم عليه لبس القفازين أيضاً، لأنهما داخلان في معنى ما تقدم. (وما مسه الوَرْس والزعفران) ولا أي نوع من أنواع الطيب. وسيأتي زيادة بيان لهذه المسألة إن شاء الله. ولا يَحرُم عليها شيء من الملابس غيرُ ما ذكر هاهنا. وقوله: «ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين» هي زيادة في نفس حديث ابن عمر عند البخاري (٢). قال المؤلف ﵀: - (ولا يَتَطَيَّبُ ابتداءً، ولا يَأخُذُ مِنْ شَعَرِهِ، أو بَشَرِهِ إلا لعذرٍ، ولا يَرْفُثُ ولا يَفْسُقُ ولا يجادلُ، ولا يَنكِح ولا يُنكَح، ولا يَخْطُب) (ولا يتطيب ابتداءً)، أي لا يجوز للمُحرم أن يتعطر بعد الإحرام، جاء في هذا أحاديث، منها حديث ابن عمر المتقدم، «لا يلبس ثوباً مسه وَرْس ولا زعفران». وقد قرّرنا بناء على هذا الحديث أن المُحرم لا يجوز له أن يَلبس ثوباً مسَّه طيب أو أن يتطيب في حال إحرامه. وجاءت أحاديث أخرى حصل بسببها خلاف في المسألة. هل يجوز للمحرم أن يتطيب في جسده قبل إحرامه بحيث يبقى الطيب عليه بعد الإحرام؟

стр. 248

أمّا الأحاديث التي وردت في ذلك، فحديث اتفق على إخراجه الشيخان: «أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ عليه جبة صوف متضمخ بطيب، فقال يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي ﷺ ساعة ثم سكت، فجاءه الوحي فقال النبي ﷺ : «أين الذي سألني عن العمرة آنفاً» فالتُمس الرجل، فجيء به، فقال النبي ﷺ : «أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزِعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك» (١)، وكان هذا في الجِعرّانة في سنة ثمان بلا خلاف بين أهل العلم. وأما الحديث الثاني فهو حديث عائشة ﵂ وهو متفق عليه أيضاً -، قالت: «كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه حين يُحرم، ولِحِله قبل أن يطوف بالبيت» (٢) وكان هذا في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف. هذان حديثان وحديث ابن عمر المتقدم حديث ثالث اختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث، فالحديث الأول يدل على عدم جواز التطيب وإبقاء الطيب لا على الملابس ولا على الجسد، والحديث الثاني يدل على جواز التطيب قبل الإحرام ولو بقي بعد ذلك أثره بعد الإحرام، ولكن لا يتطيب بعد الإحرام لحديث ابن عمر المتقدم. والخلاصة، أولاً: اتفق العلماء على تحريم الطيب على من صار مُحرماً ابتداءً. ثانياً: محل الخلاف في التطيب عند إرادة الإحرام - أي قبل الإحرام - واستمرارِ أثره لا ابتداءه بناءً على الحديثين المتقدمين. قال المؤلف الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار»: «والحقُّ أن المُحَرَّمَ من الطيب على المُحرِم هو ما تطيب به ابتداءً بعد إحرامه، لا ما فعله عند إرادة الإحرام وبقي أثره لوناً أو ريحاً» (٣). وبهذا تجتمع الأدلة، وهو فصل القول في هذا الموضوع. ولكن الطيب يوضع على الجسد لا على الثياب، فإن نزل على الثياب فلا يضرّ.

стр. 249

قال: (ولا يأخذ من شعره ولا بشره إلا لعذر) من شعره، أي شعر بدنه رأساً كان أو لحية أو غير ذلك. ولا من بشره، كأظفاره مثلاً، والجلد أيضاً، فأخذ البشر ظاهر الجلد. وتحريم الأخذ من الشعر أو من البشر على المُحرِم دليله حديث كعب بن عجرة في «الصحيحين» قال: «أتى عليَّ النبي ﷺ والقَمْل يتناثر على وجهي، فقال: «أيؤذيك هوامُ رأسك؟ » قال: قلت: نعم، قال: «فاحلق، وصُم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة» (١). فكان كعب مُحرماً وكان القمل يتناثر على وجهه من كثرته في شعره، فسأله ﷺ هل يؤذيك القمل؟ فلما قال نعم، أَذِنَ له النبي ﷺ بأن يَحلِق رأسه فيُزيل شعره. لكن أمره بالفدية، مما يدلّ على أن حلق الشعر في الإحرام غير جائز، ومن فعل ذلك فعليه فدية. الفدية هي التي ذكرها النبي ﷺ في قوله: «فاحلق، وصُم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة»، وفي رواية أخرى، قال: «فأمرني بفدية من صيام أو صدقة أو نسك ما تيسر» (٢) أي، ما تيسر من هذه الثلاث، فهو مُخير بين هذه الثلاث، وفي رواية أخرى قال: «ففيّ نزلت هذه الآية: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾، فقال لي رسول الله ﷺ : «صم ثلاثة أيام» فحدد النبي ﷺ عدد أيام الصيام، فالآية أطلقت، وقيَّدها النبي ﷺ بقوله: «صم ثلاثة أيام أو تصدق بفَرَق بين ستة مساكين أو انسُك ما تيسر» (٣). وكلها روايات في الصحيح. والفَرَق: ثلاثة آصع، والصاع أربعة أمداد، فيكون الفَرَق اثنا عشر مداً، فإذا أطعمتها لستة مساكين، فيكون لكل مسكين نصف صاع، أي مُدَّان. كما صحَّ في رواية في «الصحيحين»: «لكل مسكين نصف صاع» (٤).

стр. 250

هذه هي فدية من فعل محظوراً من محظورات الإحرام، الصيام ثلاثة أيام، إطعام ستة مساكين كل مسكين نصف صاع، أو النسيكة يعني يذبح شاة. وسيأتي التفصيل إن شاء الله في موضوع الفدية. قوله: (ولا يرفث ولا يفسق ولا يجادل) أما الرفث فهو الجماع ومقدمات الجماع. وأمّا الفسق فهي المعاصي كلُّها. وأمّا الجدال فهو المخاصمة التي تُؤدي إلى الغضب من أحد الطرفين. وكل هذا مُحرَّم على المُحرِم لقول الله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾. أمّا الجدال فاتفقوا على أنه لا يُبطل الحجّ ولا الإحرام، ولكن يَأثم صاحبه على فعله. وأما الفسق فهو مُحَرَّم في الحجّ وفي غيره أيضاً، إلا أنه في الحجّ آكد. وأما الجماع قبل التحلل الأول فيُفسد الحجّ، وأما بعد التحلل الأول ففيه فدية، وسيأتي الحديث عنه إن شاء الله. قوله: (ولا يَنكِح ولا يُنكَح ولا يَخطُب). لما جاء في «صحيح مسلم» من حديث عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَنكِح المُحرِم ولا يُنكَح ولا يَخطُب» (١). فهذا يقتضي منع عقد النكاح للمُحرم، ومنع المُحرم من عقده لغيره، فلا يَعقد النكاح لنفسه، ولا يَعقد نكاحاً لغيره، وهو مُحرم. ويقتضي أيضاً منع طلب المرأة للزواج في حال الإحرام، أي لا يجوز للرجل أن يَطلُب المرأة للزواج وهو مُحرِم، وهذه حقيقة الخِطبة التي نُهي عنها في حال الإحرام، وهي طلب الرجل المرأة للزواج وهو مُحرم. أما حديث الصحيحين، من حديث ابن عباس: «أنَّ النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو مُحرِم» (٢)، ففيه إشكال إذ فيه تعارض واضح مع ما هو أرجح منه.
следующие страницы →