← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وحكم تحريم الطيب للمحرم عام يشمل الرجال والنساء. - الخفان: الخف ما يُلبس في القدمين، ويكون طويلاً حتى يغطي الكعبين، ويُلحق بهما كل ما غطى القدمين مثل الجوارب، فكل ما غطّى القدمين إلى الكعبين وغطى الكعبين أيضاً يلحق بالخفين. - النعلان: وهو ما يُلبس في القدمين ولا يغطي الكعبين، هذا يجوز لبسه، بينما الخفان لا يجوز لبسهما إلا عند فقد النعلين؛ لما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «ولا الخفيّن»، أي ولا يلبس الخفين إلا أنْ لا يجد النعلين، فمن لم يجد نعلين فيجوز له أن يلبس الخفين، لكن «فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين»، كما جاء في الحديث. وقد حصل خلاف بين أهل العلم في مسألة قطع الخف، هل هو حكم منسوخ أم لا والظاهر من قول المؤلف إلى أنه يذهب إلى وجوب قطعهما إلى أن يكونا أسفل الكعبين، وأنه لا يرى النسخ. فعلى ذلك فلا يجوز للمُحرم أن يَلبس هذه الأشياء التي ذُكرت وما يُلحَق بها. وهذا حكم خاص بالرجال، أما المرأة فلها أن تلبس الخفين. قال المؤلف ﵀: - (ولا تَنْتَقِبُ المرأةُ، ولا تلبسُ القُفَّازَين، وما مسه الوَرْس والزعفران) قوله: (ولا تنتقب المرأة) (النقاب) غطاء للوجه فيه فَتحة للنظر. أي، لا يجوز للمرأة أن تضع غطاء الوجه، لكن إذا أَرْخت الغطاء من فوق وأسدلته سدلاً، فهذا جائز كما كانت تفعله نساء النبي ﷺ . وأما الرجل فالصحيح أنّه يجوز له أن يغطي وجهه فهو ليس كالمرأة. وقد حصل خلاف بين أهل العلم في تغطية الرجل وجهه، فقال البعض: لا يجوز تغطية الرجل وجهه، وقال البعض الآخر: هو جائز.

стр. 247

وسبب الخلاف ما ورد في حديث الرجل الذي وقصته ناقته، وقوله ﵇ فيه: «ولا تخمروا رأسه» (١)، وفي رواية عند مسلم: «ولا وجهه» ثم قال: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً»، فدلَّ ذلك على أن المُحرم لا يُغطي وجهه. لكنّ رواية مسلم هذه، اختُلف فيها، أهي محفوظة أم غير محفوظة؟ والصحيح أنها غير محفوظة، وإذا كانت غير محفوظة فلا يوجد ما يدل على أنّ الرجل المُحرم لا يُغطي وجهه، فيبقى الأمر على الحِلِّ. قوله: (ولا تلبس المرأة القفازين)، القفازان لباس يُعمل لليدين يغطيهما، وكذلك الرَجل يَحرُم عليه لبس القفازين أيضاً، لأنهما داخلان في معنى ما تقدم. (وما مسه الوَرْس والزعفران) ولا أي نوع من أنواع الطيب. وسيأتي زيادة بيان لهذه المسألة إن شاء الله. ولا يَحرُم عليها شيء من الملابس غيرُ ما ذكر هاهنا. وقوله: «ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين» هي زيادة في نفس حديث ابن عمر عند البخاري (٢). قال المؤلف ﵀: - (ولا يَتَطَيَّبُ ابتداءً، ولا يَأخُذُ مِنْ شَعَرِهِ، أو بَشَرِهِ إلا لعذرٍ، ولا يَرْفُثُ ولا يَفْسُقُ ولا يجادلُ، ولا يَنكِح ولا يُنكَح، ولا يَخْطُب) (ولا يتطيب ابتداءً)، أي لا يجوز للمُحرم أن يتعطر بعد الإحرام، جاء في هذا أحاديث، منها حديث ابن عمر المتقدم، «لا يلبس ثوباً مسه وَرْس ولا زعفران». وقد قرّرنا بناء على هذا الحديث أن المُحرم لا يجوز له أن يَلبس ثوباً مسَّه طيب أو أن يتطيب في حال إحرامه. وجاءت أحاديث أخرى حصل بسببها خلاف في المسألة. هل يجوز للمحرم أن يتطيب في جسده قبل إحرامه بحيث يبقى الطيب عليه بعد الإحرام؟

стр. 248

أمّا الأحاديث التي وردت في ذلك، فحديث اتفق على إخراجه الشيخان: «أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ عليه جبة صوف متضمخ بطيب، فقال يا رسول الله: كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي ﷺ ساعة ثم سكت، فجاءه الوحي فقال النبي ﷺ : «أين الذي سألني عن العمرة آنفاً» فالتُمس الرجل، فجيء به، فقال النبي ﷺ : «أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزِعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك» (١)، وكان هذا في الجِعرّانة في سنة ثمان بلا خلاف بين أهل العلم. وأما الحديث الثاني فهو حديث عائشة ﵂ وهو متفق عليه أيضاً -، قالت: «كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه حين يُحرم، ولِحِله قبل أن يطوف بالبيت» (٢) وكان هذا في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف. هذان حديثان وحديث ابن عمر المتقدم حديث ثالث اختلف أهل العلم في طريقة الجمع بين هذه الأحاديث، فالحديث الأول يدل على عدم جواز التطيب وإبقاء الطيب لا على الملابس ولا على الجسد، والحديث الثاني يدل على جواز التطيب قبل الإحرام ولو بقي بعد ذلك أثره بعد الإحرام، ولكن لا يتطيب بعد الإحرام لحديث ابن عمر المتقدم. والخلاصة، أولاً: اتفق العلماء على تحريم الطيب على من صار مُحرماً ابتداءً. ثانياً: محل الخلاف في التطيب عند إرادة الإحرام - أي قبل الإحرام - واستمرارِ أثره لا ابتداءه بناءً على الحديثين المتقدمين. قال المؤلف الشوكاني ﵀ في «نيل الأوطار»: «والحقُّ أن المُحَرَّمَ من الطيب على المُحرِم هو ما تطيب به ابتداءً بعد إحرامه، لا ما فعله عند إرادة الإحرام وبقي أثره لوناً أو ريحاً» (٣). وبهذا تجتمع الأدلة، وهو فصل القول في هذا الموضوع. ولكن الطيب يوضع على الجسد لا على الثياب، فإن نزل على الثياب فلا يضرّ.

стр. 249

قال: (ولا يأخذ من شعره ولا بشره إلا لعذر) من شعره، أي شعر بدنه رأساً كان أو لحية أو غير ذلك. ولا من بشره، كأظفاره مثلاً، والجلد أيضاً، فأخذ البشر ظاهر الجلد. وتحريم الأخذ من الشعر أو من البشر على المُحرِم دليله حديث كعب بن عجرة في «الصحيحين» قال: «أتى عليَّ النبي ﷺ والقَمْل يتناثر على وجهي، فقال: «أيؤذيك هوامُ رأسك؟ » قال: قلت: نعم، قال: «فاحلق، وصُم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة» (١). فكان كعب مُحرماً وكان القمل يتناثر على وجهه من كثرته في شعره، فسأله ﷺ هل يؤذيك القمل؟ فلما قال نعم، أَذِنَ له النبي ﷺ بأن يَحلِق رأسه فيُزيل شعره. لكن أمره بالفدية، مما يدلّ على أن حلق الشعر في الإحرام غير جائز، ومن فعل ذلك فعليه فدية. الفدية هي التي ذكرها النبي ﷺ في قوله: «فاحلق، وصُم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة»، وفي رواية أخرى، قال: «فأمرني بفدية من صيام أو صدقة أو نسك ما تيسر» (٢) أي، ما تيسر من هذه الثلاث، فهو مُخير بين هذه الثلاث، وفي رواية أخرى قال: «ففيّ نزلت هذه الآية: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾، فقال لي رسول الله ﷺ : «صم ثلاثة أيام» فحدد النبي ﷺ عدد أيام الصيام، فالآية أطلقت، وقيَّدها النبي ﷺ بقوله: «صم ثلاثة أيام أو تصدق بفَرَق بين ستة مساكين أو انسُك ما تيسر» (٣). وكلها روايات في الصحيح. والفَرَق: ثلاثة آصع، والصاع أربعة أمداد، فيكون الفَرَق اثنا عشر مداً، فإذا أطعمتها لستة مساكين، فيكون لكل مسكين نصف صاع، أي مُدَّان. كما صحَّ في رواية في «الصحيحين»: «لكل مسكين نصف صاع» (٤).

стр. 250

هذه هي فدية من فعل محظوراً من محظورات الإحرام، الصيام ثلاثة أيام، إطعام ستة مساكين كل مسكين نصف صاع، أو النسيكة يعني يذبح شاة. وسيأتي التفصيل إن شاء الله في موضوع الفدية. قوله: (ولا يرفث ولا يفسق ولا يجادل) أما الرفث فهو الجماع ومقدمات الجماع. وأمّا الفسق فهي المعاصي كلُّها. وأمّا الجدال فهو المخاصمة التي تُؤدي إلى الغضب من أحد الطرفين. وكل هذا مُحرَّم على المُحرِم لقول الله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج﴾. أمّا الجدال فاتفقوا على أنه لا يُبطل الحجّ ولا الإحرام، ولكن يَأثم صاحبه على فعله. وأما الفسق فهو مُحَرَّم في الحجّ وفي غيره أيضاً، إلا أنه في الحجّ آكد. وأما الجماع قبل التحلل الأول فيُفسد الحجّ، وأما بعد التحلل الأول ففيه فدية، وسيأتي الحديث عنه إن شاء الله. قوله: (ولا يَنكِح ولا يُنكَح ولا يَخطُب). لما جاء في «صحيح مسلم» من حديث عثمان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يَنكِح المُحرِم ولا يُنكَح ولا يَخطُب» (١). فهذا يقتضي منع عقد النكاح للمُحرم، ومنع المُحرم من عقده لغيره، فلا يَعقد النكاح لنفسه، ولا يَعقد نكاحاً لغيره، وهو مُحرم. ويقتضي أيضاً منع طلب المرأة للزواج في حال الإحرام، أي لا يجوز للرجل أن يَطلُب المرأة للزواج وهو مُحرِم، وهذه حقيقة الخِطبة التي نُهي عنها في حال الإحرام، وهي طلب الرجل المرأة للزواج وهو مُحرم. أما حديث الصحيحين، من حديث ابن عباس: «أنَّ النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو مُحرِم» (٢)، ففيه إشكال إذ فيه تعارض واضح مع ما هو أرجح منه.

стр. 251

ففي «الصحيح» أيضاً عن ميمونة: «أنَّ النبي ﷺ تزوجها وهو حلال» (١)، وكذا أَخبر أبو رافع - وكان هو السفير بين رسول ﷺ وميمونة - أخبر: «أنَّ النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال» (٢). فعندنا الآن حديث يدل على عدم مشروعية النكاح في الإحرام، وهو قوله ﷺ : «لا يَنكِح المُحرِم ولا يُنكَح ولا يَخطُب» (٣)، وعندنا حديث يدلّ على الجواز وهو حديث ابن عباس، لكنّ حديث ابن عباس مُعارَضٌ بحديث ميمونة وهو أولى بالأخذ به، فنُقدم الأولى على حديث ابن عباس. لكن ما الذي جعلنا نحكم على الثاني بأنه أولى من حديث ابن عباس: أولا: أنّ الذي خالف ابن عباس هي صاحبة القصة - وهي ميمونة -، وهي أدرى بما حصل معها من ابن عباس. ثانيا: معارضة أبي رافع - وهو السفير بين النبي ﷺ وبين ميمونة-، فهو أدرى أيضاً من ابن عباس. والأمر الثالث، وجود النهي وهو حديث عثمان، فحمل الحالة على الوضع الذي يُوافق النهي في حديث عثمان أولى من حملها على الحالة الثانية التي ذكرها ابن عباس. فطريقة الترجيح هذه هي المعتمدة في التعامل مع هذه الأحاديث. أما الجمع بين حديث ابن عباس وحديث ميمونة وحديث أبي رافع، فصعب لا مجال له، فماذا نفعل؟ درسنا في النزهة أن التعامل مع الأحاديث المتعارضة يكون كالتالي: العمل الأول: الجمع، والجمع بين هذين الحديثين - حديث ابن عباس وحديث ميمونة - فابن عباس يقول: تزوجها وهو محرم، وميمونة وأبو رافع يقولان: تزوجها وهو حلال، فلا سبيل للجمع، والنبي ﷺ حجَّ مرة واحدة وتزوج ميمونة مرة واحدة. ننتقل إلى الحالة الثانية حالة النسخ: ليس عندنا الآن متقدم ومتأخر، إنما هي حادثة واحدة. يبقى عندنا الحالة الثالثة وهي الترجيح، فكيف نرجح؟

стр. 252

نُرجح بالطريقة التي ذكرنا، أنّ صاحبة القصة أولى بالحفظ والمعرفة من الآخر، وكذلك السفير الذي كان بين صاحبة القصة وبين النبي ﷺ أولَى أيضاً بالمعرفة من ابن عباس. ثم هذان الحديثان: حديث ميمونة وحديث أبي رافع يتوافقان مع حديث النهي، أما حديث ابن عباس فيتعارض مع حديث النهي، فيُقدم حديث ميمونة وأبي رافع على حديث ابن عباس. خلاصة الموضوع، أنّه لا يجوز للشخص أن يَنكِح - يعقد النكاح لنفسه وهو مُحرِم -، وكذلك لا يجوز له أن يعقد لغيره نكاحاً وهو مُحرِم، كأن يكون ولياً مثلاً للمرأة، وكذلك لا يجوز له أن يَخطُب وهو مُحرِم. فيبقى هذا الحديث، وهو حديث عثمان على ما دلَّ عليه من النهي، وحديث ابن عباس لا يعارضه، لأنّه ليس بصواب والله أعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا يَقتل صيداً) يريد المؤلف هنا أن قتل الصيد مما يحرم على المُحرِم بعد إحرامه. فقال: ولا يقتل صيداً. والصيد صيدان، صيد بر وصيد بحر، فأما صيد البر فيَحرُم على المُحرِم صيده مادام مُحرماً، لقول الله ﵎: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم﴾، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحُرِّم عليكم صيد البرّ ما دمتم حرماً﴾. فصيد البرّ مُحرَّم على المُحرِم بهاتين الآيتين اللتين ذكرناهما. وأمّا صيد البحر، فنقل ابن حزم ﵀ الإجماع على أن للمُحرِم أن يتصيد في البحر ما شاء من سمكه (١). إذن صيد البحر جائز للمُحرِم، والذي يَحرُم عليه هو صيد البرّ. والمراد من صيد البرّ، كلّ صيدٍ مأكول بري. فعلى ذلك فذبح الأنعام ليس منه، لأنه ليس صيداً، أن تذبح الشاة أو تذبح البدنة أو تذبح البقرة.

стр. 253

وكذلك ذَبح غير الأنعام من الحيوانات الإنسية كالدجاج مثلاً، فمثل هذا ليس بصيد، وإنما الصيد الذي يَحرُم على المُحرِم كل مأكول بري. قال: (ومن قتله فعليه جزاءٌ مِثلُ ما قَتَلَ من النَّعم، يحكم به ذوا عدل) (ومن قتله): أي من قتل الصيد وهو مُحرِم، (فعليه جزاءٌ)، أي فيجب عليه جزاءٌ. وهذا الجزاء الذي وجب على الشخص لِقتله الصيد هو (مثل ما قتل من النَّعم) والنَّعم كما سبق وذكرنا، هي الإبل البقر والغنم. فيجب على من قتل الصيد وهو محرم، ما يُشبه ما قَتل من النَّعم، فإذا قتل مثلاً نعامة، فأكثر ما يشبهها من النعم هو البدنة الذي هو الجمل، وإذا قتل بقرة وحشية من بقر الوحش وجب عليه بقر إنسي، وإذا قتل ضباً تجب عليه شاة، وهكذا ... . كل هذه الأمثلة التي مثلنا بها حكم بها الصحابة ﵃ بالأمثلة التي ذكرنا، فكل حيوان بري يؤكل يصطاده المحرم يجب عليه فيه أن يخرج ما يشبهه من الأنعام. (يحكم به ذوا عدل منكم) أي، من الذي يُقَدِّر في النعامة أنَّ ما يماثلها من النَّعم هو الإبل؟ الذي يقدر مايماثلها هم: ذوا عدل، أي عدلان من أمة محمد ﷺ . فهم الذين يميزون التشابه المطلوب شرعاً. وكل هذا الذي ذكره المؤلف ﵀ جاء في كتاب الله في قوله : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثلُ ما قَتَل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة أو كفارةٌ طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام﴾. قال ابن عبد البر: «فدخل فيه قتل الخطأ قياساً عند الجمهور- إلا من شذَّ ... » (١) فليس الحكم مختصاً بالمتعمد، المتعمد بنص الآية، والمخطئ بالقياس». أي أن المنصوص عليه في الآية أن الحكم فيمن فعل ذلك متعمداً، لكن أَلحَق الجمهور المُخطئ بالمتعمد.

стр. 254

إلّا القليل من الفقهاء الذين خالفوا في هذا الإلحاق وخصُّوا الحكم بالمتعمد، وقالوا المُخطئ لا، لأن الذي جاء في الآية هو تنصيص على المتعمد، فيَخرج المخطئ غير المتعمد بمفهوم المخالفة، أي بما أن القرآن ذكر المتعمد، فمفهوم المخالفة الذي يُؤخذ، هو أن المخطئ ليس مثله. لكن الجمهور أخذوا بالقياس وتركوا المفهوم في مثل هذا الموطن. وقوله ﵎: ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾، أي هذا المثل الذي يَذبحه، يتصدق به على فقراء الحرم، فيبلغ، أي يصل به إلى فقراء الحرم. وهذا المحرم الذي قتل الصيد مخير بين ثلاثة أمور، فلا يجب عليه أن يُخرج المثل فقط، بل هو مخير بين، ﴿هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صياما﴾، فالمثل، وهو ما سبق. الثاني وهو الإطعام، وهو أن يقدِّر المثل، فينظر كم قيمته، ثم ينظر كم تأتي به هذه القيمة من أمداد، وبعدد الأمداد سيكون عدد المساكين الذين سيطعمهم، مُداً لكل مسكين من فقراء الحرم. أو الثالثة، وهي الصيام، فيَصوم عن كل مُدٍّ يوماً، فعدد الأمداد التي خرجت عند تقدير المثل والتي هي عدد المساكين الذين سيطعمون، هي نفسها عدد الأيام الواجب عليه أن يصومها. فلنقل مثلاً أن قيمة المثل قدرت بما يساوي ألف مد، فيجب عليه أن يصوم ألف يوم، فيكون - بناء على ذلك - إخراج المثل أهون عليه، والإطعام أهون عليه من الصيام، لكن هو على كل حال مخير بين هذه الثلاث. وأمَّا إذا لم يكن للصيد مِثلٌ فيُخرِج ثمن الصيد يُحمل إلى مكة، أو يصوم. فالخيار الأول - وهو المثل - انتهى، فيبقى عنده الخيار الثاني أو الثالث فقط. ومثال ذلك أن يصطاد جراداً أو أن يصطاد عصفوراً صغيراً، فهذان لا مثل لهما فيتوجب عليه عندئذ أن يُخرج إما القيمة وهي الإطعام أو أن يصوم. قال ﵀: (ولا يأكلُ ما صادَه غيرُهُ، إلّا إذا كان الصائدُ حلالاً ولم يَصِدْهُ لأجله)

стр. 255

انتهى المؤلف من حكم صيد المحرم بنفسه، وبدأ بحُكم أكله من صيدٍ صَاده غيره، أيجوز له أن يأكل منه أم لا يجوز؟ في هذه المسألة تفصيل، المُحَرَّم على المُحرِم أكله، هو ما صاده المُحرِم، أو صِيد لأجله أو أعان على صيده. أما إن لم يصد لأجله ولم يعن المُحْرِم على صيده، فله أن يأكل منه. عندنا ثلاث حالات في تحريم أكل المحرم من الصيد: - إمّا أن يصطاده مُحرِم فهذا يَحرُم عليه أن يأكله. - أو أن يصطاده حلال - شخص غير مُحرِم - لكن صاده لأجل المُحرِم، وهذا حرام عليه. - أو أن يكون المحرم قد أعان الصائد على الصيد. فأما الحالة الأولى والحالة الثالثة، فلا إشكال في كونه لا يجوز الأكل من هذا الصيد. تبقى الحالة الثانية وهي إذا صاد الحلال الصيد لأجل المُحرِم هل يجوز له أن يأكل أم لا؟ ورد في ذلك حديثان الأول: أن النبي ﷺ قال: » صَيد البرّ حلال لكم ما لم تصيدوه أو يُصد لكم» (١) وهذا الحديث ضعيف، أعلّه غير واحد من أهل العلم بالانقطاع فلا يُعوَّل عليه. وأما الثاني، فمن حديث أبي قتادة قال: خرجت مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية، فأحرم أصحابي ولم أُحرم، فرأيت حماراً فحملت عليه، فاصطدته، فَذَكَر شأنه لرسول الله ﷺ ، وذكرت أني لم أكن أحرمت، وأني إنما اصطدته لك، فأمر النبي ﷺ أصحابه فأكلوا، ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له» (٢). فقوله: «إنما اصطدته لك» و «لم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له»، فهذان اللفظان ليسا في الصحيحين، وقد تفرد بهما مَعمَر دون بقية الرواة، فهما شاذان، لذلك -

стр. 256

والله أعلم- أعرض عنهما البخاري ومسلم، ولم يخرجا هذه الألفاظ، فالحديث أصله عندهما لكن دون هذين اللفظين. وبناءً على تضعيف الحديثين الواردين في ذلك، فلا يُوجد ما يدل على تحريم أكل الصيد للمُحرِم إذا صيد الصيد لأجله من شخص حلال غير محرم. فيبقى المنع في حال أن يكون المحرم هو الذي صاد صيداً، أو أن يكون قد أعان على الصيد. ودليل تحريم الصيد على المحرم إذا أعان على صيده، ما جاء في بعض ألفاظ حديث أبي قتادة في «الصحيحين»، قال ﷺ لأصحابه: «أمنكم أحد أمره أن يحمل عليه أو أشار إليه؟ » قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقي من لحمها» (١)، وفي رواية: فناولته العضد فأكلها -أي النبي ﷺ (٢). ففي حديث أبي قتادة إباحة أكل المحرم للصيد، فقد قال ﵇ لأصحابه: «كلوا» وهم محرمون، والرواية في «الصحيحين» تدل على أن النبي ﷺ أيضاً قد أكل من الحمار الذي اصطاده أبو قتادة، وهذا مما يؤكد شذوذ رواية مَعمَر. ثم بعد ذلك تأتي القيود، وهي سؤاله ﷺ أصحابه: «أمنكم أحد أمره أن يحمل عليه أو أشار إليه»، ومعناها، إعانة المحرم الحلالَ على الصيد التي تُحرِّم عليه أكل ما أعان على صيده، أو أن يدلّه عليه وهي المقصود بقوله «أشار إليه». فالصحيح في هذه المسألة والله أعلم أنه يجوز للمُحرِم الأكل من الصيد الذي صاده غير المُحرِم بشرط أن لا يكون أعانه عليه أو دلَّه عليه. وجاء في رواية من حديث الصعب بن جَثَّامة أنه أهدي للنبي ﷺ حمار وحش فرده ﷺ ولم يأخذه منه، وقال له بأنَّه لم يقبله منه إلا لأنه مُحرِم (٣).

стр. 257

هذا الحمار الوحشي الذي أهداه الصعب بن جَثَّامة للنبي ﷺ ، إن كان حماراً حياً فالحكم على ما ذكرنا فيما تقدم، فالحمار الحي هو الصيد لا يجوز للمُحرِم أن يأخذ الصيد، أن يملكه في حال إحرامه. أمَّا إن كان لحم حمار وحش صيد لأجل النبي ﷺ فهنا يأتي التفصيل الذي ذكره المؤلف ويكون هذا دليلاً عليه، وهو أنَّه إذا صاد الحلالُ الصَّيد لأجل المُحرِم فلا يجوز للمحرم أن يأكله في هذه الحالة، لكنَّ الروايات التي في «الصحيحين»، وهي الأصح والأقوى أنَّ الذي أهداه الصعب بن جَثَّامة للنبي ﷺ كان حماراً وحشياً حيّاً (١) والله أعلم. قال ﵀: (ولا يُعضد من شجر الحَرَم إلّا الإذخر) بدأ المؤلف هنا بمسألة جديدة، وهي مسألة القطع من شجر الحرم. وهذا الحكم ليس خاصاً بالمُحرِم، بل يندرج على المحرم وغيره، فهو متعلق بحرمة مكة والمدينة. قال (لا يُعضد): أي لا يُقطع (من شجر الحَرَم) أي الحرم المكي. ومكة بلد الله الحرام، حرَّمه ربنا ﵎، وحدودها معروفة، وعلاماتها اليوم ظاهرة تبين للداخل أن هذا هو الحرم، ليعلم أنه في منطقة التحريم. والحرم هذا حكم شرعي، فالحرم مأخوذ من التحريم، والتحريم والتحليل حكم شرعي لا يكون إلا لله ﵎، وليس لأحد أن يُحَرِّم المكان الذي تهوى نفسه، كتسمية الجامعات بالحرم الجامعي، فهذه تسميات لا أصل لها البتة ولا تجوز أصلاً، فمن الذي حرَّم تلك الأماكن؟ ؟ فلا ينبغي أن تُطلق على مثل هذه الأماكن هذه الألفاظ، فبما أنّه لم يأت ما يدل على تحريم هذه الأماكن دليل من الشارع، فلا تسمى حرماً. وكذلك القدس لا تسمى حرماً، لأنه لم يأت دليل من الكتاب والسنة على أنها منطقة محرمة كمكة والمدينة. وأما قولهم ثالث الحرمين الشريفين، فهذا يحتاج إلى دليل يقيمونه على قولهم هذا.

стр. 258

وأما تحريم مكة فمأخوذ من قول النبي ﷺ يوم فتح مكة: «إن مكة حرَّمها الله ولم يُحَرِّمها الناس فلا يَحِلّ لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أنْ يسفك فيها دماً، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله فيها، فقولوا له: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتُها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلّغ الشاهدُ الغائبَ» (١). فالمُحَرَّم الأول في مكة هو سفك الدم، فالقتل فيها مُحَرَّم. والمُحَرَّم الثاني هو قطع الشجر، لقوله «ولا يَعضد بها شجرة»، وهو ما استدلّ به المؤلف على كلامه. وقوله: «فإن أحد ترَّخص لقتال رسول الله فيها فقولوا له: إن الله أَذِن لرسوله ولم يأذن لكم»، معناه إذا جاء أحد واستدل بأن النبي ﷺ قد قاتل أو دخل مُقاتلاً إلى مكة، فيجوز لنا القتال، فقولوا له: بأن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وأما المُحَرَّم الثالث، فهو تنفير الصيد، ودليله ما جاء في رواية: «ولا يُنَفَّر صيدها، ولا يُختلى شوكها، ولا تحِلُّ ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يُفدى، وإما أن يُقتل» فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ : «إلا الإذخر» (٢) متفق عليه. وتنفير الصيد أبلغ من القتل، فليس فقط أن لا يصطاد فيها، بل يَحرُم أيضاً أن يُنفِّر صيدها، أي أن يزعجه من مكانه الذي هو فيه ويطرده منه، فهذا أبلغ من القتل. والصيد هو ما يصطاد. المُحَرَّم الرابع: «ولا يُختلى شوكها»، أي لا يُقطع حتى الشوك الذي فيها. المحرم الخامس: «ولا تَحِلّ ساقطتها إلا لمُنْشِد»، والساقطة ما يسقط من الناس من ممتلكاتهم، أي الشيء الذي يضيع، وتسمى لُقَطَةً، وهذه اللُقطة لا تَحِلّ إلا لمُنْشِد. والمنشد، هو الذي أخذها ليُبَلّغ عنها ويبحث عن صاحبها فقط، أما غير ذلك فلا تَحِلّ ألبتة.

стр. 259

فالأول: أنَّه لا يجوز سفك الدم فيها. والثاني: لا يجوز قطع الأشجار فيها. والثالث: لا يُنَفَّر صيدها. والرابع: لا يختلى شوكها. والخامس: لا تحل ساقطتها إلا لمنشد. قوله (إلا الإذخر)، الإذخر: نبات له رائحة طيبة استثناه النبي ﷺ من تحريم قطع أشجار مكة لأنهم ينتفعون به. فاتفق العلماء على تحريم قطع أشجار مكة التي لا يستنبتها الآدميون في العادة، وعلى تحريم قطع خلاها - وهو الرطب من عشبها-، واختلفوا فيما يستنبته الآدميون، أي الذي يعمل الآدميون على إنباته ويزرعونه هم بأنفسهم. وأما مسألة الجزاء، أي هل على من قطع شيئاً من أشجار مكة جزاء؟ الصحيح في هذه المسألة أنّه لا جزاء عليه، ولكنّه يأثم بفعله هذا، والمسألة محل خلاف. قال ﵀: (ويجوز له قتل الفواسق الخمس) أي، ويجوز للمحرم قتل الفواسق الخمس لقوله ﷺ : «خمسٌ فواسقُ يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديّا» (١). وفي رواية «الغراب» من غير ذكر الأبقع. والأبقع، الذي في ظهره وبطنه بياض. الحُدَيَّا - وفي رواية جاءت الحدأة -، وهي طائر من الجوارح ينقض على الجرذان والدواجن وعلى الأطعمة ويأخذها فيفسد على الناس طعامهم. والكلب العقور، قيل هو الكلب المعروف، وقيل هو كل ما يفترس، لأن كل ما يفترس من السباع يُسمى كلباً عقوراً في اللغة، والراجح في الكلب العقور أنه كل مفترس.

стр. 260

وفي رواية «العقرب» بدل «الحية». وقد اتفق جماهير العلماء على جواز قتل هذه المذكورات في الحل والحرم والإحرام. وكذلك اتفقوا على أنَّه يجوز للمُحرِم أن يقتل ما في معناهن، فالمعنى الذي أذن النبي ﷺ بقتل هذه الخمس بالذات لأجله هو كونهن مؤذيات. فعلى ذلك نقول يجوز قتل هذه الخمسة المؤذية وكل مؤذٍ للمُحرِم في الحِلِّ وفي الحَرَم قياساً على هذه الخمس التي ذُكرت بالنص. فالخمس هذه أو الست يجوز قتلها بالنص، والبقية ملحقة بها بعلة الإيذاء. قال: (وصيد حرم المدينة وشجره كحرم مكة) يريد المؤلف أن التحريم ليس فقط لمكة بل كذلك للمدينة لقوله ﷺ : «المدينة حرم ما بين عَيْرٍ إلى ثور» (١). وعَيْرٌ وثور: جبلان. وقال ﷺ : «إنَّ إبراهيم حرَّم مكة ودعا لها، وإني حرَّمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة» (٢). وفي رواية: «المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يُقطع شجرها ولا يُحْدَث فيها حدثٌ، من أحدث حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (٣). وفي رواية: «أن لا يُهراق فيها دم، ولا يُحمل فيها سلاح لقتال ولا يُخبط فيها شجرة إلّا لعلف» (٤). ومعنى يُخبط: يُضرب بالعصا ونحوها ليسقط ورقها. فهذا كله يدل على أنَّ المدينة مُحرَّمة كتحريم مكة، ومعالمها أيضاً واضحة، فأول ما تدخل المدينة ستجد علامات تَدلك على بداية الحرم ونهاية الحرم.

стр. 261

قال ﵀: (إلّا أنَّ من قَطَعَ شَجَرَهُ أو خَبَطَهُ كان سَلَبُه حلالاً لمن وجده) هذا الحكم من الأحكام التي يختلف فيها حرم المدينة عن حرم مكة، وهو خاص بحرم المدينة فحسب. ودليله حديث سعد بن أبي وقاص أنَّه وجد عبداً يقطع شجراً أو يَخبطه فسلبه، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلَّموه أن يرُدَّ على غلامهم أو عليهم ما أخذ من الغلام، فقال: «مَعَاذ الله أن أرد شيئاً نَفَّلَنِيه رسول الله» وأبى أن يَرُدَّ عليهم (١). والمراد بالسلب أن يُؤخذ منه فرسه وسلاحه ونفقته التي معه، حتى ملابسه. فهذا الحديث يدل على جواز سلب من قطع شجر المدينة. ولا يجب على من قتل صيداً أو قطع شجراً من حرم المدينة لا جزاء ولا قيمة، فلم يثبت في هذا شيء عن النبي ﷺ ، ولكنَّه يأثم ويكون لمن وجده يفعل ذلك أَخْذُ سَلَبِه. قال المؤلف: (ويَحرُم صيد وُجٍّ وشجره) وُجٍّ: اسم وادٍ بالطائف، والطائف قريبة من مكة. وقد ورد فيه حديث عند أحمد وأبي داود وغيرهما، قال ﷺ : «إن صيد وجٍّ وعِضاهه حرام محرم لله » (٢). وقوله: «وعضاهه»، أي كل شجر يُعضد وله شوك. ولكن هذا الحديث ضعيف لا يصح، في إسناده من لا يُعتمد عليه. وبناء عليه فلا يَحرُم صيده ولا شجره، وهذا الحكم ملغى غير صحيح بناءً على ضعف الحديث الذي ورد فيه: «صيد وُجٍّ محرم». ويبقى التحريم فقط لمكة والمدينة.

стр. 262

قال المؤلف ﵀: (فصلٌ: وعند قدوم الحاجّ مكة، يطوف للقدوم سبعة أشواط، يَرمُلُ في الثلاثة الأولى، ويمشي فيما بقي، ويُقَبِّل الحجر الأسود أو يستلمه بِمِحْجَنٍ ويُقَبِّل المحجن ونحوه، ويستلم الركن اليماني) بعد أن يستعد الحاج بما تقدم ويُحرِم من الميقات يتجه إلى مكة، وهو في أثناء الطريق يُلبي بالتلبية التي ذكرنا، ويذكر أذكار السفر وما يتعلق بذلك، ثم إذا وصل مكة بدأ بالطواف. والطواف لغة: هو الدوران حول الشيء. وفي الاصطلاح: هو التعبد لله بالدوران حول الكعبة سبعة أشواط. والأشواط سبعة - كل دورة كاملة حول الكعبة تسمى شوطاً -، لا يصحُّ الطواف إلا بسبعة أشواط لقوله تعالى: ﴿وليطَّوفوا بالبيت العتيق﴾. هذه الآية تفيد التكثير لأنه عَبَّر بصيغة التفعيل التي تدل على الكثرة، وقد بيّن النبي ﷺ هذه الكثرة كم عددها، فلا يصحُّ الطواف إلّا بسبعة أشواط. فللطواف شروط هي: الشرط الأول: أن يكون الطواف حول الكعبة. والشرط الثاني: أن يكون سبعة أشواط. والشرط الثالث: النيَّة، فالنيَّة شرط من شروط صحة الطواف لقول ﷺ : «إنما الأعمال بالنيَّات» (١). ومن شروطه أيضاً الطهارة من الحدث الأكبر، لأن النبي ﷺ منع الحائض من الطواف بالبيت، وقال لعائشة ﵂: «افعلي ما يفعل الحاجّ غير أن لا تطوفي بالبيت» (٢). واختلف أهل العلم في البدء بالحجر الأسود، فقال البعض هو شرط واعتبروا مداومة النبي ﷺ على ذلك بياناً للآية التي فيها أمر بالطواف.

стр. 263

والبعض الآخر قال هو واجب يَأثم بتركه وليس شرطاً لمواظبة النبي ﷺ عليه وليس هو بياناً للآية، فالآية عندهم ليست مجملة، فلا تحتاج إلى بيان، فلذلك قالوا هو واجب وليس بشرط. والظاهر أن الصواب مع من قال بالشرطية. الشرط الرابع: التيامن، وهو سير الطائف عن يمين الكعبة وجعل يساره لجانب الكعبة، وهذا أيضاً شرط عند جمهور الفقهاء. فالطائف أول ما يبدأ بالطواف، يبدأ بالحجر الأسود، يُقبِّله أو يستلمه ويُكبِّر، يقول: الله أكبر، إن استطاع تقبيله قبَّله، ما استطاع أنْ يقبِّله يُشير إليه بشيءٍ ويُقبِّل الشيء أو يشير إليه بيده ثم بعد ذلك يستدير إلى جهة اليمين ويجعل الكعبة عن يساره ثم يبدأ بالطواف، فاستدارته هذه إلى جهة اليمين وجعل الكعبة عن يساره ركن، فإذا استدار إلى جهة اليسار وجعل الكعبة عن يمينه ثم دار، فلا يصحّ طوافه. فجعله العلماء من شروط صحة الطواف. وقد نقلوا الاتفاق عن عدم صحة الطواف خارج المسجد الحرام. وهذه المسألة لم يذكرها المؤلف. هذا ما صحّ في شروط الطواف وركنيته. وأما الوضوء فليس بواجب ولا شرط على الصحيح وهو مستحب لفعل النبي ﷺ فقط، ولا يوجد ما يدلّ على شرطيته، والصواب أنَّ الوضوء مُستحب للطواف، فإذا انتقض وضوء الشخص وهو في طوافه فله أن يُكمل طوافه، وله أن يقطع طوافه ويتوضأ. وهذا الطواف الذي ذكره المُصنف يُسمى طواف القدوم وهو سنة على الصحيح للقارن والمفرد. فالقارن والمفرد يُسَنّ لهما أن يطوفا طواف القدوم الذي هو هذا الطواف، وأما المعتمر فيبدأ بطواف عمرته، والطواف للعمرة ركنٌ من أركانها. ودليل سنية طواف القدوم للقارن والمفرد، حديث عروة بن مُضَرِّس أنه أتى النبي ﷺ وهو يصلي الفجر في مزدلفة فأخبره أنه ما ترك جبلاً إلا وقف عليه، وسأل هل له من حجّ؟ فقال

стр. 264

- ﷺ : «من أدرك معنا صلاتنا هذه وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجّه، وقضى تفثه» (١). أي أتى بما عليه من مناسك. فيدلّ هذا على عدم وجوب طواف القدوم. وأمّا المتمتع فيطوف طواف العمرة - كما ذكرنا - وهو ركن من أركان العمرة لا تصح العمرة إلا به ويُغنِي عن طواف القدوم بالنسبة للمعتمر، فهو بمنزلة تحية المسجد تسقط بصلاة الفريضة. قال المصنف أيضاً: (يَرمُل في الثلاثة الأولى، ويمشي فيما بقي) الرَّمَلُ لغة: هي الهرولة، يُقال رَمَل إذا أسرع في المشي وهز منكبيه. وهَز المنكبين ليس مقصوداً، لكن من تقارب الخطى والسرعة في المشي يحصل اهتزاز لكتفيه. فالمقصود بالرَّمل هو تقارب الخطى مع الإسراع في المشي. واصطلاحاً: هو الإسراع في المشي مع تقارب الخطى وتحريك المنكبين. والرَّمل مستحب في الأشواط الثلاثة الأولى فقط. ودليله حديث ابن عمر: «أن النبي ﷺ كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يَخُبُّ ثلاثة أطواف ويمشي أربعة» (٢). والخبب بمعنى الرَّمَل. وفي حديث جابر: «فرَملَ ثلاثاً ومشى أربعاً» (٣). وفي حديث جابر أيضاً: «رَملَ النبي ﷺ من الحجر الأسود حتى انتهى إليه» (٤)، وهذا في حجة الوداع.

стр. 265

فالرَّملُ يكون في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، وفي الشوط كلّه من أوله إلى آخره من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود. والرَملُ خاص بطواف القدوم وطواف المعتمر فقط، هذا ما فعله النبي ﷺ . ومن سنن الطواف: الاضطباع، هذه السنة لم يذكرها المصنف ﵀. والاضطباع، أن يتوشّح بردائه، أي يلف نفسه به من الأعلى، ويُخرِجُه من تحت إبطه الأيمن، ويلقيه على منكبه الأيسر ويُغطيه بالرداء، ويكشف منكبه الأيمن. وهذه سنة من سنن الطواف خاصة بالرجال، كما أن الرَّملُ خاص بالرجال، وهذه السنة - وهي الاضطباع - خاصة بطواف القدوم وطواف العمرة فقط. ولكنّه يختلف عن الرَّملِ بأنه يكون في الأشواط كلّها، وأما الرَّملُ فيكون في الأشواط الثلاثة فقط. وقد ثبت الاضطباع عن النبي ﷺ ، ففي «سنن أبي داود»: أنه اضطبع وطاف مضطبعاً (١). وقال المصنف ﵀: (ويُقَبِّل الحجر الأسود أو يستلمه بِمِحجَنٍ ويُقَبِّل المِحْجَنَ ونحوه). (الحجر الأسود) معروف عند الركن الذي بجانب باب الكعبة، ويسمى الركن اليماني. فإذا بدأت بالطواف ومشيت، فإن أول ركن يلقاك بعد ركن الحجر الأسود هو الركن العراقي، ثم الذي بعده الركن الشامي، ثم الذي بعده أيضاً الركن اليماني، فالركن الأول ركن الحجر الأسود ثم الركن العراقي ثم الركن الشامي ثم الركن اليماني، والبعض يسمي ركن الحجر الأسود والذي يليه من الجهة الأخرى الركنان اليمانيان، بينما الركن العراقي والشامي، الركنان الشاميان. و(المِحْجَن) عصا منحنية الرأس. فيبدأ المُحرِم الذي يريد الطواف بالحجر الأسود، فيقف أمام الحجر بكل بدنه ويُقبِّل الحجر إن استطاع من غير مزاحمة الناس، وإن لم يستطع فيستلمه - أي يمسحه بيده - ويُقَبِّل يده،

стр. 266

أو يستلمه بعصا ويُقَبِّل العصا، فإن لم يستطع فيشير إليه إشارة ولا يقبل يده مع الإشارة، وإنما التقبيل فقط مع الاستلام، أمَّا مع الإشارة فليس فيه تقبيل. ويقول عند الإشارة: الله أكبر، صحَّ هذا كلّه عن النبي ﷺ . ولم تصحَّ البسملة عند تقبيل الحجر الأسود أو الإشارة إليه. قال: (ويستلم الركن اليماني). فالاستلام يكون للحجر الأسود وللركن اليماني فقط، أمّا الركنان الشاميان فلا يُستلمان. فكما ذكرنا، فإن الطائف بالكعبة يبدأ بالحجر الأسود ثم يَمرُّ بالركن العراقي ثم بالركن الشامي ثم عند آخر الأركان الركن اليماني، فهذا الركن يستلمه إن استطاع استلامه بدون تكبير ولا تقبيل، وإن لم يستطع فلا يشر إليه بل يتركه، ولا يفعل كما فعل بالحجر الأسود، فإنه لم يثبت عن النبي ﷺ فيه شيء، أمَّا الركنان العراقي والشامي فإنهما لا يستلمان. قال المؤلف ﵀: (ويكفي القَارِنَ طَوافٌ واحدٌ، وسعيٌ واحدٌ) يريد المؤلف أن القارن ليس عليه إلا طواف واحد وسعيٌ واحدٌ، ولا يلزمه أن يطوف طوافين ويسعى سعيين، واحد للحجّ وواحد للعمرة، بل طوافٌ واحد وسعيٌ واحد يكفي عن العملين، فأعمال العمرة تدخل في أعمال الحج، فيكون القارن كالمفرد. وقد خالف في ذلك الأحناف وقالوا يلزمه طوافين وسعيين، طواف للحجّ وطواف للعمرة، وسعي للحجّ وسعي للعمرة، والصحيح ما ذكره المؤلف. ودليله: ما روته عائشة ﵂، قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فأهللنا بعمرة، فقال رسول الله ﷺ : من كان معه هدي فَلْيُهِلَّ بالحجّ مع العمرة ثم لا يحلّ حتى يحلّ منهما جميعاً» قالت: "فطاف الذين كانوا أهلّوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ثم حلّوا ثم طافوا طوافاً آخر بعدما رجعوا من منى بحجّهم»، قالت: «وأمّا الذين كانوا جمعوا بين الحجّ والعمرة طافوا طوافاً واحداً» (١).

стр. 267

وعن جابر بن عبد الله قال: «لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً، طوافه الأول» (١). قال النووي ﵀: «وهذا محمول على من كان منهم قارناً» (٢). فالقارن يطوف طوافاً واحداً ويسعى سعياً واحداً للحجّ والعمرة، فتكون أعماله كأعمال المُفرد، وعلى هذا القول أكثر العلماء. واحتج أبو حنيفة برواية ضعيفة عن علي بن أبي طالب، واحتج بالرأي أيضاً. قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويكون حالَ الطوافِ متوضِّئاً ساتراً لعورته) يريد المؤلف أن الحاجّ في أثناء طوافه يجب أن يكون متوضِّئاً، وأن يستر عورته أيضاً. أمّا الوضوء عند الطواف، فقد اختلف أهل العلم في وجوبه، والصحيح أنه مستحب، لأن النبي ﷺ توضأ قبل البدء بالطواف، ولكن لا يوجد ما يدلّ على الوجوب، بل هو مجرد فعل للنبي ﷺ ، فيحتمل أن يكون قد فعله لوجود صلاة بعد الطواف، ليكون مستعداً للصلاة. وأمّا الحديث الذي يستدلون به على وجوب الوضوء وهو: «الطواف بالبيت صلاة إلّا أنّ الله أحل فيه الكلام» (٣)، فحديث ضعيف لا يصح. وأما استدلالهم على وجوب الوضوء بقوله ﷺ لعائشة حين حاضت: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت» (٤) متفق عليه. فنقول: نسلم بوجوب الطهارة من الحدث الأكبر، ولكنّه لا يدلّ على وجوب الطهارة من الحدث الأصغر.

стр. 268

فالصحيح أنّ الوضوء عند الطواف مستحب وليس واجباً، وهذا أرجح الأقوال، وهو بحمد الله أيسر وأهون على الناس خصوصاً في أوقات الزِّحام الشديد، فلا يجد المرء مكاناً يتوضأ فيه من كثرة الزحام. فالصحيح عندنا إن شاء الله أنّه يجوز الطواف من غير وضوء. وأمّا ستر العورة، فواجب لقوله ﷺ : «لا يطوف بالبيت عُريان» (١). قال ﵀: (والحائض تفعل ما يفعل الحاجُّ غيرَ أن لا تطوفَ بالبيت) هذا ما أمر به النبي ﷺ عائشة ﵂ لما حاضت، قال: «افعلي ما يفعل الحاجّ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٢) متفق عليه. ورواية عند مسلم «حتى تغتسلي». قال المؤلف ﵀: (ويُندَب الذِّكرُ حَال الطواف بالمأثور) يريد المؤلف، أنه يستحب الذِّكر في الطواف بما ورد في السنة. ولكن لم يرد في ذلك حديث صحيح، وكل ما ورد في هذا ضعيف لا يصحّ. ومن ذلك حديث عبد الله بن السائب: سمعت رسول الله ﷺ يقول بين الركن اليماني والحجر: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (٣). في سنده عبيد مولى السائب مجهول. قال الحافظ في «الإصابة»: «عبيد تابعي ما روى عنه إلا ابنه يحيى». ولكن صحَّ عن عائشة أنها قالت: «إنمّا جُعِل الطواف بالبيت وبالصّفا والمروة لإقامة ذكر الله» (٤)، فله أنْ يذكر الله ويدعوه بما شاء. ويجوز فيه أيضاً قراءة القرآن، إذ لم يصحّ دليل في تحريم قراءة القرآن في هذا الموضع.

стр. 269

قال ﵀: (وبعد فراغه يُصلي ركعتين في مقام إبراهيم) مقام إبراهيم: بناء صغير يوجد أمام الكعبة قريب من الباب إلّا أنه بعيد عن الكعبة قليلاً. قال: وبعد فراغه يُصلي ركعتين في مقام إبراهيم، لما ورد في حديث عند مسلم من حديث جابر أنّ النبي ﷺ لما انتهى إلى مقام إبراهيم قرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾، فصلى ركعتين فقرأ فاتحة الكتاب وقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد - أي في الركعة الثانية -، ثم عاد إلى الركن فاستلمه» (١). فهذه الصلاة سنة مستحبة بعد كل طواف خلف مقام إبراهيم، أو في أي مكان من المسجد، إن لم يتيسر لك أن تصلي خلف مقام إبراهيم. ويستحب أن تقرأ فيها بما قرأ النبي ﷺ ، وكذلك يُستحب أن تقول وأنت متوجه إليه: «واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى»، كل هذا ورد في حديث جابر في صحيح مسلم الذي ذكرناه، وكله مستحب لأن النبي ﷺ فعله. قال المؤلف ﵀: (ثم يعود إلى الركن فيستلمه) كما جاء في حديث جابر المتقدم قال في آخره: «ثم عاد إلى الركن فاستلمه». والمراد بالركن: الحجر الأسود. والذي يُشرع هنا في هذا الموطن الاستلام فقط، فإن لم يتيسر الاستلام انصرف من غير أن يشير إليه، وليس الحال كما في الطواف، بل المشروع الاستلام فقط ولم يرد غيره. قال: (فصل: ويسْعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط داعياً بالمأثور) الصفا والمروة، جبلان. ويريد المؤلف أنك إذا انتهيت من الطواف وصلاة ركعتين خلف المقام واستلمت الحجر الأسود - إن تيسر لك -، فتنطلق بعد ذلك إلى جبل الصفا وتقول إذا دنوت منه: «﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ أبدأ بما بدأ الله به» (٢).

стр. 270

هذا ما صح عن النبي ﷺ وليس فيما جاء عنه ﷺ تتميم للآية، فالآية التي تُقرأ فقط ما ورد في الحديث، وهو شطرها الأول، ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾. ثم تنطلق إلى باب الصفا وتَخرج منه، لأنه أقرب باب إلى الصفا فترقى على الجبل حتى ترى البيت فتستقبل الكعبة وتكبر ثلاثاً وتقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ثم تدعو بما فتح الله عليك، ثم تُعيد الذِّكر نفسه فتكبر وتقول: «لا إله إلا الله وحده ... إلخ»، ثم تدعو، ثم تعيد مرة أخرى فتكبر وتقول: «لا إله إلا الله وحده ... إلخ» ثم لا تدعو. فيكون الذكر ثلاث مرات بينها دعاءان، أي ذكر ودعاء وذكر ودعاء وذكر، كما جاء في الحديث عن جابر عند مسلم (١). ثم تنطلق إلى جبل المروة، فإذا وصلت بطن الوادي، أو تقريباً إذا قطعت ثلث الطريق، فسيكون هناك علامات خضراء - ضوء أخضر - في السقف يبين لك نقطة بداية ونهاية الميلين الأخضرين، فإذا وصلت إليها سعيت سعياً، وهذا السعي خاص بالرجال دون النساء. فإذا انتهيت إلى الميل الثاني تمشي كما كنت تمشي قبل ذلك. فإذا صعدت على المروة فعلت كما فعلت على الصفا تماماً، وتكون قد أتممت شوطاً كاملاً. فالذهاب من الصفا إلى المروة شوط، ثم الرجوع من المروة إلى الصفا شوط ثانٍ، وهكذا في الذهاب تَعُدُّ شوطاً وفي الإياب تَعُد شوطاً إلى أن تكمل على هذه الحال سبعة أشواط، فإذا أكملت الشوط السابع عند رجوعك من الصفا إلى المروة، في هذا الشوط الأخير لا تقف على المروة، بل تخرج مباشرة. قال المؤلف ﵀: (وإذا كان متمتعاً صار بعد السعي حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية أهلَّ بالحجِّ) تقدم معنا معنى التمتع، فالمتمتع فقط هو الذي له أن يتحلل بعد السعي، فيُقَصِّر.

стр. 271

وأما القارنُ والمفرِدُ، فلا يتحللان. حتى إذا كان يوم التروية الذي هو اليوم الثامن من ذي الحجة أَهَلَّ بالحج، فقال: «لبيك بحج» من مكة - من مكانه الذي هو فيه -. ففي «الصحيحين» قال ﷺ : «أَحِلُّوا من إحرامكم بطوافِ البيتِ وبين الصفا والمروة، وقصِّروا، ثم أقيموا حلالاً حتى إذا كان يومَ التروية، فأهِلُّوا بالحجّ» (١). إذن بعد السعي، يُقَصِّر المتمتع شعره، فيتحلل التحلل كلَّه إلى اليوم الثامن من ذي الحجة، وهو يوم التروية، فيُلبي ويقول: «لبيك بحجّ»، ثم يبدأ بحجّه فينطلق إلى منى. قال ﵀: (وتَوَجَّه إلى منى وصلِّ بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) لما جاء في حديث جابر في «صحيح مسلم» قال: «فلما كان يومُ التروية توجهوا إلى منى، فأهلّوا بالحجّ، وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس ... » (٢) الحديث. أي ينطلق يوم التروية إلى منى - وهو جبل - ويصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ويبقى إلى أن تطلع الشمس، ثم ينطلق إلى عرفة. وهذا المبيت بمنى سنة وليس فرضاً، ولا نعني بأنه سنة أن يُهمَل ويُترك كما تفعل بعض بعثات الحج، فتترك هذا النُسك تماماً نظراً لأنه سنة، فإنهم ينطلقون إلى عرفة مباشرة. فهذا الفعل خطأ مخالف لسنة النبي ﷺ ، فإن النسك وإن كان سنة، لكن لا يجوز التفريط فيه بهذا الشكل، يحرمون الناس من العمل بهذه السنة. يُصلي الحاج الصلوات المذكورة، وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر في منى، فيَقْصُر الصلوات التي تُقصَر وهي الظهر والعصر والعشاء، قصراً بلا جمع. هذا ما فعله النبي ﷺ ، وإنما جمع ﷺ في عرفة وفي مزدلفة، أمّا في منى فلم يجمع ﷺ ، فلا جمع.

стр. 272

قال المؤلف ﵀: (فصل: ثم يأتي عرفة صُبح يوم عرفة مُلبياً مُكبراً ويَجمع العصرين فيها، ويخطُب، ثم يُفيض من عرفة بعد الغروب) يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة , وعرفة جبل معروف. بعدما ينتهي الحاجّ من منى وتطلع شمس اليوم التاسع، ينطلق إلى جبل عرفة فيقف عليه، وهذا هو الركن الأعظم من أركان الحجّ، فلا يصح الحج إلا بالوقوف في عرفة، لقوله ﷺ : «الحج عرفة» (١). ويبدأ وقت الوقوف بعرفة، من زوال الشمس إلى فجر يوم النحر. ويَجمع بين صلاة الظهر والعصر التي سمّاها المؤلف «العصرين»، كما فعل النبي ﷺ وهو سنة مستحبة. ويَخطُب الإمام خُطبة واحدة كما فعل ﷺ وبعد أن تغرب الشمس يدفع - أي يخرج - إلى مزدلفة بسكينة كما ورد من فعله ﷺ . قال المؤلف ﵀: (ويأتي المُزْدَلِفَة، ويجمع فيها بين العشاءين ثم يبيت بها ثم يُصلي الفجر) المزدلفة جبل معروف. بعد أن يَخرجَ الحاجّ من عرفة - وذلك بعد غروب الشمس - يأتي مزدلفة فيصلي فيها المغرب والعشاء جمع تأخير بأذان وإقامتين، ولا يَتَنَفَّل كما صحَّ عن النبي ﷺ أنه جمع ولم يتنفل، ويبيت بها. اختلف أهل العلم في المبيت في مزدلفة، فالبعض قال: هو واجب ويجب بتركه دم. والبعض قال: هو ركن لا يصح الحجّ إلّا به. والبعض قال سنة.

стр. 273

وشرط المبيت بمزدلفة، أن يكون في ساعة من النصف الثاني من الليل، فلو رحل قبله لم يسقط عنه الدم، ولو عاد إليها قبل الفجر سقط عنه الدم. ووجوب الدم بناءً على القول بالوجوب، وهو الصحيح إن شاء الله. ودليل وجوب المبيت بمزدلفة قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾، وقال النبي ﷺ : «من شهد صلاتنا هذه - أي صلاة الفجر - ووقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجّه وقضى تفثه» (١) أخرجه أبو داود وغيره. فمن لم يفعل ذلك لم يتم حجّه، هذا ما يفهم من النص. وهذا المعنى مأخوذ بدلالة المفهوم. ولكنّ المراد بالتمام هنا عند جمهور العلماء، الإتيان بالكمال الواجب. واستدلوا بحديث أبي داود: «من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج» (٢). وهذا يعني أن من جاء إلى عرفة قبل صلاة الصبح من ليلة مزدلفة فقد تم حجّه، ويسقط عنه المبيت بمزدلفة. فيدلّ ذلك على أن المبيت بمزدلفة ليس ركناً، فيبقى عندنا الوجوب، لورود الأمر به في الآية. ثم يُصلي الفجر فيها. قال المؤلف: (ويأتي المَشْعَر، فيذكر الله عندَهُ، ويقف به إلى قبل طلوع الشمس، ثم يدفع حتى يأتي بطن مُحَسِّر) المشعر الحرام: جبل صغير معروف في مزدلفة، وعليه المسجد المبني الآن في مزدلفة. يأتيه الحاجّ بعد صلاة الصبح فيصعد على الجبل، أو يقف عنده، يحمد الله ويكبره، ويدعوه رافعاً يديه إلى أن يُسفِرَ الفجرُ جداً، ويكون مستقبلاً القبلة، فإذا أسفر الفجر وقبل أن تطلع الشمس، سار بسكينة كما فعل النبي ﷺ .

стр. 274

والوقوف عند المشعر سنة مستحب وليس بواجب. ثم ينطلق حتى يأتي بطن مُحَسِّر، وهو بطن واد عظيم فيه هلك أصحاب الفيل، وهو بين منى ومزدلفة، وليس هو من منى ولا من مزدلفة، فإذا مرَّ بهذا الوادي أسرع السير لأن النبي ﷺ فعل ذلك (١). قيل لأن الله أهلك فيه أصحاب الفيل، والمهم أن النبي ﷺ لما جاء بطن مُحَسِّر أسرع السير، فنحن نتأسى به ونُسرعُ في السيِّر. قال المؤلف: (ثم يسلكُ الطريقَ الوُسْطى إلى الجمرة التي عند الشجرة، وهي جمرةُ العقبةِ، فيرميها بسبع حصيات، يُكبِّر مع كل حصاة - مثل حصى الخذف-، ولا يرميها إلّا بعد طلوع الشمس، إلّا النساء والصبيان، فيجوز لهم قبل ذلك) أما الطريق الوسطى، فإنها التي توصل إلى جمرة العقبة. والجمرة التي عند الشجرة، فسّرها المؤلف، فقال وهي جمرة العقبة، ويُقال لها: الجمرة الكبرى، وهي آخر الجمرات مما يلي منى، أي أنك إذا بدأت من عند منى، فإنها ستأتيك الجمرة الصغرى ثم، الجمرة الوسطى ثم، الجمرة الكبرى، وهي جمرة العقبة. فتكون جمرة العقبة أقرب الجمرات إلى مكة وأبعد الجمرات إلى منى، بينما الجمرة الصغرى تكون أقرب الجمرات إلى منى وأبعد الجمرات إلى مكة. وسميت جمرة العقبة، لأنها كانت عند عَقَبة. يأتي الحاجّ هذه الجمرة ويرميها بسبع حصيات صغيرات مثل حصى الخذف. وحصى الخذف: حصى صغيرة أكبر من حبة الحمص بقليل، وسُميت بذلك، لأنها توضع ما بين الأصبعين ويُخذف بها. يلتقط الحاج هذه الحصيات من أي مكان شاء ولا يغسلها، فغسلها مُحدَث لا أصل له في السنة. ويُكَبِّر عند كل رمية، فيقول: الله أكبر، ويرمي الحصى، ولا بد أن تأتي في الحوض الذي أعدَّ في ذاك المكان.

стр. 275

وأما وقت رميها، فبعد طلوع الشمس يوم العيد، وهو الأفضل ويجزئ بعد طلوع الفجر ولا يجزئ قبله، وهذا لأهل القدرة والنشاط. وأمّا لغيرهم من الضعفاء كالنساء والصغار والمرضى، فهؤلاء لهم أن يرموا هذه الجمرة من آخر الليل. وأمّا آخر وقت رمي جمرة العقبة، فطلوع فجر اليوم الحادي عشر. ورمي جمرة العقبة يوم العيد واجب باتفاق الفقهاء، ويجب بتركه دم. وإذا بدأ برمي جمرة العقبة، توقف عن التلبية، لما روى الفضل بن العباس عن النبي ﷺ : «أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة» (١). فالحاج إذا بدأ بالرمي تحول من التلبية إلى التكبير، فيكبِّر. قال ﵀: (ويَحلِقُ رأسَهُ أو يُقَصِّرُهُ، فيَحِلُّ له كلُّ شيء إلا النّساء) وقد دعا النبي ﷺ للمُحَلِّقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة (٢)، كما جاء في الحديث المتفق عليه. وهذا يدلّ على أن الحلق أفضل من التقصير. والحلق، إزالة الشعر بالكامل، وهو حكم خاص بالرجال، أمّا النِّساء فكما قال النبي ﷺ : «ليس على النساء حلق، وإنّما على النساء التقصير» (٣). فتأخذ المرأة بشعرها وتجمعه ثم تقص منه قدر أنملة، أي تقريباً ثلاثة سم فقط من آخره. وإنّما قلنا في بداية كلامنا عن المتمتع أنّه إذا أراد أن يتحلل يُقَصِّر، ليبقى له شعر يتمكن من حلقه في هذا اليوم. فإذا فعل ذلك، حلَّ له كل شيء حَرُم عليه بسبب الإحرام إلّا النّساء جِماعاً ومباشرة، فيَحرُم عليه جماع النساء ومباشرتهنَّ.

стр. 276

أمّا بقية ما حُرِّم عليه من أجل إحرامه فيَحِل له بعد أن يحلق أو يُقَصِّر، وهذا الذي يُسمى عند الفقهاء بالتحلل الأول. وقال البعض: يتحلل بعد رمي جمرة العقبة، وإن لم يحصل منه حلق ولا تقصير، فبمجرد رمي جمرة العقبة يَتحلل التحلل الأول. ولكنّه قول ضعيف مبني على حديث ضعيف. وأما دليل ما ذكره المصنف فقول عائشة: «كنت أُطيِّب النبي ﷺ لإحرامه قبل أن يُحرِم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت» (١) متفق عليه. والشاهد منه، أنه لو كان يحل بالرمي فقط، لقالت: ولِحِلِّه قبل أن يَحلق، لكنها قالت: لِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت. فالظاهر والله أعلم والأصح دليلاً، هو أنّه لا يتحلل التحلل الأول إلا بعد الحلق أو التقصير. قال المؤلف ﵀: (ومن حلقَ أو ذبحَ أو أفاضَ إلى البيت قبل أن يرمي، فلا حرج) أعمال يوم النحر أربعة: الأول: رمي جمرة العقبة. الثاني: نحر الهَديِّ. الثالث: الحلق أو التقصير. الرابع الطواف بالبيت. فهذه الأعمال الأربعة التي تعمل يوم النحر، إذا قَدَّم أحدها أو أخره - وهي أصلاً مرتبة على الترتيب الذي ذكرنا، وهي السنة -، لكن إذا قدَّم أو أخر أحد الأعمال على الآخر جاز، لأن النبي ﷺ عندما سُئل عن التقديم والتأخير، قال: «افعل ولا حرج» (٢).

стр. 277

لكنّ السنة - كما ذكرنا - أن تُرَتب على النحو الذي ذكرناه، لكن إن حصل من شخص نسيان أو جهل فقَدَّم أو أخر، فلا حرج عليه. وقد قيد بعض أهل العلم الجواز هنا بالنسيان أو الجهل، وأطلقه البعض، فقال: يجوز التقديم والتأخير في أعمال يوم النحر. قال: (ثم يرجع إلى منى، فيبيت بها لياليَ التشريقِ، ويرمي في كلِّ يومٍ من أيام التشريق الجمرات الثلاث بسبعِ حصيات، مبتدئاً بالجمرة الدنيا، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة) قبل أن يرجع الحاج إلى منى - كما ذكر المؤلف -، فإنه ينحر بعد رمي جمرة العقبة، فالترتيب أن يرمي جمرة العقبة ثم ينحر الهدي إن كان معه بدنة، أو يذبح إن كان معه بقرة أو شاة، ثم يَحلِق رأسه أو يُقَصِّر ثم يطوف طواف الإفاضة، فإذا فعل ذلك حلَّ له كل شيء. فهكذا يكون الترتيب العملي لأعمال الحجّ. وقلنا: ينحر إن كان معه بدنة، والبدنة هي الإبل - الجمل -، ويذبح إن كان معه بقرة أو شاة، لأن البقرة تذبح والإبل تنحر. فإذا انتهى من كل هذا، فيبيت في منى - كما قال المصنف - ليالي التشريق. فالليلة الأولى من ليالي التشريق هي التي بعد نهار العيد، إذا غربت الشمس. فيبيت الحاجّ ثلاث ليالٍ يرمي في كل ليلة الجمرات الثلاث، يبدأ بالصغرى التي هي مما يلي منى، ثم الوسطى ثم الكبرى التي هي جمرة العقبة، ويرمي كل واحدة بسبع حصيات كما رمى أول مرة جمرة العقبة. ووقت رمي هذه الجمرات يبدأ من زوال الشمس إلى الغروب، ويُجزئ إلى طلوع فجر اليوم التالي. ومن فاته رميٌ، رماه في أيام التشريق. ورمي الجمرات واجب يجب بتركه دم. ويُرمى عن العاجز والصغير، يَرمي عنهم من كان قادراً على الرمي.

стр. 278

والمبيت بمنى واجب في الليالي الثلاث، أو ليلتي الحادي عشر والثاني عشر لمن أراد أن يتعجل. فلك الخيار إما أن تبيت ثلاث ليالٍ في منى أو أن تبقى ليلتين - الحادية عشرة والثانية عشرة - فقط وتتعجل وتترك الأخيرة لقوله تعالى: ﴿فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه لمن اتقى﴾، فتخرج قبل غروب شمس الليلة الثالثة، ومن بقي إلى ما بعد غروب شمس اليوم الثاني، فلا يجوز له أن يتعجل لأن اليومين قد فاتاه. ويسقط هذا المبيت بمنى عن ذوي الأعذار كرعاة الإبل والسقاة ومن شابههم كالحرس وغيرهم، فلا يلزمهم بتركه شيء لا دم ولا غيره. قال المؤلف ﵀: (ويُستحب لمن يحجُّ بالناسِ أن يَخْطُبَهُم يومَ النحر، وفي وَسَطِ أيام التشريق) أي يستحبُّ لأمير الحجاجّ أن يخطُب بهم يوم النحر ووسط أيام التشريق على ما ذكر المؤلف، لفعل رسول الله ﷺ لذلك. فأمَّا يوم النحر فحديثه في «الصحيحين» عن البراء وغيره قال: «خطب النبي ﷺ الناس يوم النحر» (١)، فهذا يدل على أن الخُطبة يوم النحر سنة. وأما خُطبة وسط التشريق، فورد فيها حديث عند أبي داود عن سرَّاء بنت نبهان قالت: «خطبنا رسول الله ﷺ يوم الرؤوس فقال: «أي يوم هذا؟ »، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «أليس أوسط أيام التشريق .. » (٢) الحديث. ولكنه ضعيف فيه ربيعة بن عبد الرحمن بن حصين، مجهول. وفي الباب أيضاً حديث أبي حَرَّة، وفيه: علي بن زيد بن جُدعان ضعيف، وقال أبو زرعة: «لا يسمى أبو حرَّة ولا عمه ولا أعرف له إلا هذا الحديث الواحد» انتهى. وحديث الرجلين من بني بكر أعله ابن القطان الفاسي في «الوهم والإيهام». فإذن يُستحب لمن يحجُّ بالناس أن يخطُبهم يوم النحر فقط.

стр. 279

قال المؤلف: (ويطوف الحاجُّ طواف الإفاضة - وهو طواف الزيارة - يوم النحر) أجمع المسلمون على أن هذا الطواف ركن من أركان الحجّ (١)، فإذا لم يفعله بَطُل حجه، قال تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾. ويُسمى طواف الإفاضة وطواف الزيارة. وأول وقته نصف الليل من ليلة النحر ولا حَدَّ لآخرهِ، وقال البعض: آخره آخر أشهر الحج، وأفضل أوقاته يوم النحر. ولكن لا تَحلُّ النساء للحاج حتى يطوف بالبيت هذا الطواف. قال المؤلف ﵀: (وإذا فَرَغَ من أعمال الحجِّ وأرادَ الرجوعَ، طافَ للوداعِ وجوباً، إلّا أنّه خُفف عن الحائض) ويُسمى هذا الطواف طواف الوداع، وهو واجب، فلا يجوز خروج الحاجّ من مكة إلا بعد هذا الطواف، دلَّ على ذلك حديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يَنْفِرَنَّ أحدٌ، حتى يكون آخر عهده بالبيت» (٢). وأما الحائض فقد رَخَّصَ لها رسول الله ﷺ في تركه، ففي حديث ابن عباس المتقدم في رواية أخرى قال: «أُمِرَ الناس أن يكون آخرُ عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفف عن الحائض» متفق عليه. قال ﵀: (والهَدْيُ، أفضَلُهُ البَدَنَة، ثم البقرة، ثم الشَّاة) الهدي، كلّ ما يُهدى إلى الحرم من حيوان وغيره. ولكن المراد بالهدي في الحجّ، ما يُهدى إلى الحرم من الإبل والبقر والغنم، أي: من الأنعام فقط. وأفضل هذا الهدي البدنة - وهي الواحدة من الإبل-، لأن النبي ﷺ أهدى البُدْنَ - جمع بدنة - كما في «الصحيحين» (٣)، والنبي ﷺ يفعل الأفضل.

стр. 280

ثم تأتي البقرة بعد ذلك، قالوا: لأن البقر أنفع من الشّياه. وأخيراً الشّاة. هذا الترتيب من حيث الأفضلية، أمّا من حيث الإجزاء، فكله مجزئ. قال المؤلف: (وتُجْزِئ البدنة والبقرة عن سبعة) أي عن سبعة أشخاص، يهدونها. لحديث جابر في صحيح مسلم: «نحرنا مع رسول الله عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة» (١). قال: (ويجوز للمُهدي أن يأكل من لحم هديه، ويركب عليه) فقد أكل النبي ﷺ من لحم هديه كما جاء في «صحيح مسلم» في حديث جابر (٢). وأما ركوبها فلحديث أبي هريرة في «الصحيحين»: «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يسوق بدنة فقال: «اركبها»، فقال: إنها بدنة - أي هدي- فقال النبي ﷺ : «اركبها»، قال: إنها بدنة، قال النبي ﷺ : «اركبها ويلك» (٣). فدلَّ ذلك على جواز ركوب الهَدْي. قال المؤلف: (ويُندب له إشْعَارُهُ وتقليدُهُ) الإشعار، هو أن يُشقَّ أحد جنبي سَنام البدنة أو البقرة حتى يسيل دمها، ليَعلَم الناس أنّها مهداة للحرم فلا يعترضها أحدٌ. وأما التقليد، فهو أن يُعَلِّق في عُنق الهدي نعلاَ أو نحوه، فيُعرف بها أنّه هدي. وهما سنة مستحبة لحديث ابن عباس: «أن النبي ﷺ أتى ذا الحليفة فأشعر الهدي جانب السنام الأيمن، ثم أماط عنه الدم، وقلَّده نعلين» (٤).

стр. 281

قال ﵀: (ومن بعث بهدي، لم يَحْرُمْ عليه شيء مما يَحرُم على المُحرِم) لحديث عائشة في «الصحيحين»، قالت: «إن النبي ﷺ كان يهدي من المدينة ثم لا يجتنب شيئاً مما يجتنبه المُحرِم» (١). فإذا أرسل شخصٌ هدياً إلى مكة ولم يكن هو مُحرِماً أصلاً، فهذا لا يَحرُم عليه ما يَحرُم على المُحرِم، والدليل فعل رسول الله ﷺ . قال المؤلف ﵀: (باب العمرة المفردة) أي: ماذا يفعل من أراد أن يعتمر فقط؟ قال: (يُحرِم لها من الميقات، ومن كان في مكة، خرج إلى الحلِّ) أي يحرم من الميقات على التفصيل الذي تقدم في الحج قال (ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يُقَصِّرُ، وهي مشروعة في جميع السنة) وكل هذا على ما تقدم في بداية كتاب الحج تفصيله وتوضيحه، فقد ذكرنا كيفية الإحرام من الميقات. أمَّا من كان من أهل مكة، فهذا لا بد في العمرة بالذات أن يخرج إلى أدنى الحلِّ كما أمر النبي ﷺ عائشة ﵂ أن تخرج إلى أدنى الحل (٢) - وكان التنعيم - فخرجت وأحرمت بالعمرة من هناك. ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يُقَصِّر، فهذه أعمال العمرة. وأما الحجّ، فيُحرِم من نفس مكة. وقال: (وهي مشروعة في جميع السنة) فتشرع العمرة في أي وقت من السنة لمن أراد أن يعتمر. فائدة هامة تتعلق بالفدية

стр. 282

متى تجب الفدية على الحاج؟ وما نوع الفدية التي تجب عليه؟ تنقسم الفدية إلى أربعة أقسام: الأول: مالا فدية فيه من مخالفات الحج، وهو عقد النكاح، لكنه محرَّم على المُحْرِم. الثاني: ما فديته مغلظة، وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وفديته بدنة الثالث: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد. الرابع: ما فديته فدية أذى، وهو بقية المحظورات. وفدية الأذى وفدية الصيد تقدمت معنا. كِتابُ النِّكاحِ قال المؤلف ﵀: (كتابُ النِّكاحِ) النّكاح في اللغة يُطلق على العقد، وعلى الجماع - وهو الوطء -، فهو من الأسماء المشتركة، والأسماء المشتركة هي: ما اتحد لفظه واختلف معناه. ومحل الكلام على هذه الأسماء وبيانها؛ علم أصول الفقه في مبحث الألفاظ. ومثالها: العين، فالعين لفظ واحد لكنّه يُطلق على أكثر من معنى، فمن معاني العين: الباصرة؛ كعين الإنسان، هذه عين باصرة. ومن معانيها: عين الماء. ومن معانيها: الجاسوس. فاللفظ واحد والمعاني مختلفة. والنِّكاح من هذه الألفاظ المشتركة؛ لفظه واحد ويُطلق على معنيين: على العَقْدِ؛ أي عقد النِّكاح، ويُطلق على الجماع. ويُعرف المراد من اللفظ بالقرائن، فإذا قلت: نَكَحَ الرجلُ زوجته؛ فيكون معنى النكاح هنا: الوطء.

стр. 283

أمّا إذا قلت: نكح فلان ابنة فلان، فالمراد: العقد، بمعنى عقد عليها، إذا لم تكن زوجة له؛ فقرينة الحال هي التي دلتنا على المعنى المراد من لفظ النّكاح. قال المؤلف ﵀: (يُشْرَعُ لمِنَ اسْتَطاعَ الباءَةَ) تطلق كلمة (يُشْرَعُ) ويراد بها: الواجب، أوالمستحب، وربما دخل فيه المباح بالشرع. حكم النكاح: أفادنا المؤلف من حكم النكاح المشروعية، أي الجواز لمن استطاع الباءة. والباءة: أصلها الموضع الذي يأوي إليه الإنسان. والمراد هنا: النّكاح، فمن عنده قوة بدنية وقدرة مالية على الزواج، يُشرع له النّكاح؛ لقوله ﷺ : «يامَعْشَرَ الشبابِ من استطاع منكم الباءَةَ فليتزوج؛ فإنه أَغَضُّ للبَصَرِ وأحصنُ للفرجِ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنّه له وِجَاءٌ (١)» (٢). أي يقطع عليه الشهوة أو يخفف من حدتها. مسألة: المشروعية التي استفدناها قد يراد بها الواجب أو المستحب أو المباح؛ فهل النكاح واجب أم مستحب أم مباح؟ بناء على قواعد أصول الفقه؛ فإن ظاهر الحديث يدلّ على الوجوب لمن استطاع الباءة، وقد عرفنا أنّ الحديث أو الآية - أي الدليل - إذا كان ظاهره الوجوب؛ فلا يجوز صرفه عن الوجوب إلّا بقرينة. وعندنا هنا قرينة دلّت على أن الأمر ليس للوجوب بل للاستحباب؛ وهي التخيير في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ

стр. 284

مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فقد خيره ﵎ بين النكاح والتَّسرِّي - أي الاستمتاع بالأمة -، فلو كان النّكاح واجباً لما خيره بين واجب وغير واجب، فالتخيير ينافي الوجوب؛ فكونه صار جائزاً له أن يتركه وأن يكتفي بالتسري دل على أنّه ليس بواجب؛ لأنه لو فعل غير الواجب وهو التَّسَرِّي صار تاركاً للواجب، والواجب لا يجوز تركه، هذا مقرر في أصول الفقه؛ وهو أنّه لا يصحّ التخيير بين واجب وغيره؛ لأنّه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب وأنّ تاركه لا يكون آثماً. هذا المذهب - وهو أن النكاح على من استطاع الباءة ليس واجباً بل مستحباً - هو مذهب جمهور العلماء. أما إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية؛ فواجب كما قال المؤلف. قال ﵀: (وَيَجِبُ عَلى مَنْ خَشِيَ الوُقُوُعَ في المَعْصِيَةِ) يفهم من كلامه هذا أنّه لا يريد بقوله الأول (يُشرع لمن استطاع الباءة)؛ الوجوب. فيبقى عندنا إمّا الاستحباب أوالإباحة؛ وقد قدّمنا أنه مستحب؛ لأن النبي ﷺ رغّب فيه، وقد جاء هذا الترغيب في أحاديث كثيرة؛ منها: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج» (١). ومنها قوله ﷺ : «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم» (٢) في هذا ترغيب في الإكثار من الولد، والاكثار من الولد لا يكون إلّا بالنّكاح. أوجب المؤلف هنا النكاح عند الاستطاعة على النّكاح والخوف من الوقوع في المعصية؛ وكلامه ﵀ حق؛ لأنّ النّكاح في هذه الحالة يحفظ عليه دينه بإعانته على ترك الحرام. تأتينا هنا القاعدة الأصولية: ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، فترك الحرام واجب، ولا يتم هذا الواجب إلّا بالنّكاح؛ فالنّكاح واجب. وتفصيل هذه القاعدة في أصول الفقه في مبحث الواجب من الأحكام التكليفية. قال ابن قدامة: وأجمع المسلمون على أن النكاح مشروع، واختلف أصحابنا في وجوبه؛

стр. 285

فالمشهور في المذهب أنه ليس بواجب، إلا أن يخاف أحد على نفسه الوقوع في محظور بتركه، فيلزمه إعفاف نفسه، وهذا قول عامة الفقهاء. وقال: فصل: والناس في النكاح على ثلاثة أضرب: منهم من يخاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح. الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال له به أولى من التخلي لنوافل العبادة. القسم الثالث: من لا شهوة له، إما لأنه لم يُخلق له شهوة كالعِنِّين، أو كانت له شهوة فذهبت بكبر أو مرض ونحوه. ففيه وجهان؛ أحدهما: يستحب له النكاح؛ لعموم ما ذكرنا. والثاني: التخلي له أفضل؛ لأنه لا يُحصل مصالح النكاح، ويمنع زوجته من التحصين بغيره، ويضر بها، ويحبسها على نفسه، ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يتمكن من القيام بها، ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه. انتهى باختصار. قال المؤلف ﵀ (والتَّبَتُّلُ غَيْرُ جَائِزٍ) التَّبَتُّلُ: القطع، ومنه مريم البتول؛ لانقطاعها عن نساء زمانها فضلاً وديناً. وفي الشرع: الانقطاع عن النساء، وترك النّكاح انقطاعاً إلى عبادة الله. وهو محرم في الإسلام، مخالف لهدي النبي ﷺ ، قال سعد بن أبي وقاص ﵁: «ردّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا» (١). أي: منعه منه ولم يقره عليه، ولو أذن النبي ﷺ لعثمان بن مظعون بالتبتل لقطعوا الخُصى - جمع خُصية - وأزالوها أو رَضّوا الخُصى بحيث تنقطع الشهوة أو تضعف، فيقطعون بذلك أنفسهم عن النساء ويتفرّغون لعبادة الله؛ لكن هذا ليس من هدي النبي ﷺ ولم يرده.
следующие страницы →