← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قال ﵀: (ومن بعث بهدي، لم يَحْرُمْ عليه شيء مما يَحرُم على المُحرِم) لحديث عائشة في «الصحيحين»، قالت: «إن النبي ﷺ كان يهدي من المدينة ثم لا يجتنب شيئاً مما يجتنبه المُحرِم» (١). فإذا أرسل شخصٌ هدياً إلى مكة ولم يكن هو مُحرِماً أصلاً، فهذا لا يَحرُم عليه ما يَحرُم على المُحرِم، والدليل فعل رسول الله ﷺ . قال المؤلف ﵀: (باب العمرة المفردة) أي: ماذا يفعل من أراد أن يعتمر فقط؟ قال: (يُحرِم لها من الميقات، ومن كان في مكة، خرج إلى الحلِّ) أي يحرم من الميقات على التفصيل الذي تقدم في الحج قال (ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يُقَصِّرُ، وهي مشروعة في جميع السنة) وكل هذا على ما تقدم في بداية كتاب الحج تفصيله وتوضيحه، فقد ذكرنا كيفية الإحرام من الميقات. أمَّا من كان من أهل مكة، فهذا لا بد في العمرة بالذات أن يخرج إلى أدنى الحلِّ كما أمر النبي ﷺ عائشة ﵂ أن تخرج إلى أدنى الحل (٢) - وكان التنعيم - فخرجت وأحرمت بالعمرة من هناك. ثم يطوف ويسعى ويحلق أو يُقَصِّر، فهذه أعمال العمرة. وأما الحجّ، فيُحرِم من نفس مكة. وقال: (وهي مشروعة في جميع السنة) فتشرع العمرة في أي وقت من السنة لمن أراد أن يعتمر. فائدة هامة تتعلق بالفدية

стр. 282

متى تجب الفدية على الحاج؟ وما نوع الفدية التي تجب عليه؟ تنقسم الفدية إلى أربعة أقسام: الأول: مالا فدية فيه من مخالفات الحج، وهو عقد النكاح، لكنه محرَّم على المُحْرِم. الثاني: ما فديته مغلظة، وهو الجماع في الحج قبل التحلل الأول، وفديته بدنة الثالث: ما فديته الجزاء أو بدله، وهو قتل الصيد. الرابع: ما فديته فدية أذى، وهو بقية المحظورات. وفدية الأذى وفدية الصيد تقدمت معنا. كِتابُ النِّكاحِ قال المؤلف ﵀: (كتابُ النِّكاحِ) النّكاح في اللغة يُطلق على العقد، وعلى الجماع - وهو الوطء -، فهو من الأسماء المشتركة، والأسماء المشتركة هي: ما اتحد لفظه واختلف معناه. ومحل الكلام على هذه الأسماء وبيانها؛ علم أصول الفقه في مبحث الألفاظ. ومثالها: العين، فالعين لفظ واحد لكنّه يُطلق على أكثر من معنى، فمن معاني العين: الباصرة؛ كعين الإنسان، هذه عين باصرة. ومن معانيها: عين الماء. ومن معانيها: الجاسوس. فاللفظ واحد والمعاني مختلفة. والنِّكاح من هذه الألفاظ المشتركة؛ لفظه واحد ويُطلق على معنيين: على العَقْدِ؛ أي عقد النِّكاح، ويُطلق على الجماع. ويُعرف المراد من اللفظ بالقرائن، فإذا قلت: نَكَحَ الرجلُ زوجته؛ فيكون معنى النكاح هنا: الوطء.

стр. 283

أمّا إذا قلت: نكح فلان ابنة فلان، فالمراد: العقد، بمعنى عقد عليها، إذا لم تكن زوجة له؛ فقرينة الحال هي التي دلتنا على المعنى المراد من لفظ النّكاح. قال المؤلف ﵀: (يُشْرَعُ لمِنَ اسْتَطاعَ الباءَةَ) تطلق كلمة (يُشْرَعُ) ويراد بها: الواجب، أوالمستحب، وربما دخل فيه المباح بالشرع. حكم النكاح: أفادنا المؤلف من حكم النكاح المشروعية، أي الجواز لمن استطاع الباءة. والباءة: أصلها الموضع الذي يأوي إليه الإنسان. والمراد هنا: النّكاح، فمن عنده قوة بدنية وقدرة مالية على الزواج، يُشرع له النّكاح؛ لقوله ﷺ : «يامَعْشَرَ الشبابِ من استطاع منكم الباءَةَ فليتزوج؛ فإنه أَغَضُّ للبَصَرِ وأحصنُ للفرجِ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنّه له وِجَاءٌ (١)» (٢). أي يقطع عليه الشهوة أو يخفف من حدتها. مسألة: المشروعية التي استفدناها قد يراد بها الواجب أو المستحب أو المباح؛ فهل النكاح واجب أم مستحب أم مباح؟ بناء على قواعد أصول الفقه؛ فإن ظاهر الحديث يدلّ على الوجوب لمن استطاع الباءة، وقد عرفنا أنّ الحديث أو الآية - أي الدليل - إذا كان ظاهره الوجوب؛ فلا يجوز صرفه عن الوجوب إلّا بقرينة. وعندنا هنا قرينة دلّت على أن الأمر ليس للوجوب بل للاستحباب؛ وهي التخيير في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ

стр. 284

مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فقد خيره ﵎ بين النكاح والتَّسرِّي - أي الاستمتاع بالأمة -، فلو كان النّكاح واجباً لما خيره بين واجب وغير واجب، فالتخيير ينافي الوجوب؛ فكونه صار جائزاً له أن يتركه وأن يكتفي بالتسري دل على أنّه ليس بواجب؛ لأنه لو فعل غير الواجب وهو التَّسَرِّي صار تاركاً للواجب، والواجب لا يجوز تركه، هذا مقرر في أصول الفقه؛ وهو أنّه لا يصحّ التخيير بين واجب وغيره؛ لأنّه يؤدي إلى إبطال حقيقة الواجب وأنّ تاركه لا يكون آثماً. هذا المذهب - وهو أن النكاح على من استطاع الباءة ليس واجباً بل مستحباً - هو مذهب جمهور العلماء. أما إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية؛ فواجب كما قال المؤلف. قال ﵀: (وَيَجِبُ عَلى مَنْ خَشِيَ الوُقُوُعَ في المَعْصِيَةِ) يفهم من كلامه هذا أنّه لا يريد بقوله الأول (يُشرع لمن استطاع الباءة)؛ الوجوب. فيبقى عندنا إمّا الاستحباب أوالإباحة؛ وقد قدّمنا أنه مستحب؛ لأن النبي ﷺ رغّب فيه، وقد جاء هذا الترغيب في أحاديث كثيرة؛ منها: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج» (١). ومنها قوله ﷺ : «تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم» (٢) في هذا ترغيب في الإكثار من الولد، والاكثار من الولد لا يكون إلّا بالنّكاح. أوجب المؤلف هنا النكاح عند الاستطاعة على النّكاح والخوف من الوقوع في المعصية؛ وكلامه ﵀ حق؛ لأنّ النّكاح في هذه الحالة يحفظ عليه دينه بإعانته على ترك الحرام. تأتينا هنا القاعدة الأصولية: ما لا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، فترك الحرام واجب، ولا يتم هذا الواجب إلّا بالنّكاح؛ فالنّكاح واجب. وتفصيل هذه القاعدة في أصول الفقه في مبحث الواجب من الأحكام التكليفية. قال ابن قدامة: وأجمع المسلمون على أن النكاح مشروع، واختلف أصحابنا في وجوبه؛

стр. 285

فالمشهور في المذهب أنه ليس بواجب، إلا أن يخاف أحد على نفسه الوقوع في محظور بتركه، فيلزمه إعفاف نفسه، وهذا قول عامة الفقهاء. وقال: فصل: والناس في النكاح على ثلاثة أضرب: منهم من يخاف على نفسه الوقوع في محظور إن ترك النكاح، فهذا يجب عليه النكاح في قول عامة الفقهاء؛ لأنه يلزمه إعفاف نفسه، وصونها عن الحرام، وطريقه النكاح. الثاني: من يستحب له، وهو من له شهوة يأمن معها الوقوع في محظور، فهذا الاشتغال له به أولى من التخلي لنوافل العبادة. القسم الثالث: من لا شهوة له، إما لأنه لم يُخلق له شهوة كالعِنِّين، أو كانت له شهوة فذهبت بكبر أو مرض ونحوه. ففيه وجهان؛ أحدهما: يستحب له النكاح؛ لعموم ما ذكرنا. والثاني: التخلي له أفضل؛ لأنه لا يُحصل مصالح النكاح، ويمنع زوجته من التحصين بغيره، ويضر بها، ويحبسها على نفسه، ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعله لا يتمكن من القيام بها، ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه. انتهى باختصار. قال المؤلف ﵀ (والتَّبَتُّلُ غَيْرُ جَائِزٍ) التَّبَتُّلُ: القطع، ومنه مريم البتول؛ لانقطاعها عن نساء زمانها فضلاً وديناً. وفي الشرع: الانقطاع عن النساء، وترك النّكاح انقطاعاً إلى عبادة الله. وهو محرم في الإسلام، مخالف لهدي النبي ﷺ ، قال سعد بن أبي وقاص ﵁: «ردّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل، ولو أذن له لاختصينا» (١). أي: منعه منه ولم يقره عليه، ولو أذن النبي ﷺ لعثمان بن مظعون بالتبتل لقطعوا الخُصى - جمع خُصية - وأزالوها أو رَضّوا الخُصى بحيث تنقطع الشهوة أو تضعف، فيقطعون بذلك أنفسهم عن النساء ويتفرّغون لعبادة الله؛ لكن هذا ليس من هدي النبي ﷺ ولم يرده.

стр. 286

وقد صحّ عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: «جاء ثلاثة رَهطٍ إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله ﷺ إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) ومعنى تقالّوها: أي رأوها قليلة. فهذا يدلّ على أنّ ترك الزواج للمبالغة في التعبُّدِ محرم شرعاً. قال المؤلف ﵀: (إلّا لِعَجْزٍ عَنِ القِيامِ بِما لابُدَّ مِنْهُ) فالتبتل غير جائز إلّا لعجز عن القيام بما لابد منه في النكاح؛ فله أن ينقطع عن النكاح. كأن يكون الرجل غير قادر على جماع النساء، أو غير قادر على تحمل مسؤولية البيت وما يحتاج إليه من نفقة ورعاية وغير ذلك؛ لما ثبت للمرأة والأولاد من حقوق في الإسلام واجبة لهم على الزوج، فمن لم يكن قادراً على إعطائهم حقوقهم والقيام بواجبهم فلا يتزوج. هذا الصنف من الناس اليوم كثير وكثير جداً؛ فإنهم يتزوجون وهم ليسوا أهلاً للزواج، بل ويُطالب الرجل زوجته بحقوقه، ولا يريد أن يعطيها ولا يعطي أولاده حقوقهم، مثل هذا عدم زواجه خير له من أن يُراكم على نفسه الآثام والذنوب والحقوق الكثيرة. قال المؤلف ﵀: (وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ المَرْأَةُ وَدُوْدَاً وَلُوُدَاً بِكْرَاً ذَاتَ جَمَالٍ وحَسَبٍ وَدِيِنٍ ومالٍ) هذه الصفات التي ذكرها المؤلف هي التي تُرغِّبُ في المرأة: (الودود): المُتحبِّبة إلى زوجها بالكلام الطيب الجميل وبالخدمة والعشرة الحسنة. (الولود): كثيرة الولادة. (البكر): غير المدخول بها. (ذات الجمال): الجميلة.

стр. 287

(ذات الحسب): صاحبة الشَّرف، بالآباء والأقارب. (ذات الدين): مسلمة طائعة لله. والمال معروف لا يجهله أحد. فإذا ظَفِر الرجلُ بامرأة جمعت هذه الأوصاف كلَّها فخيرعلى خير؛ لأنه سيحصل من ورائها على خيري الدنيا والآخرة، وإلّا فليأخذ ذات الدين ويقدمها على غيرها؛ لأنها هي التي ستعينه على أمر الدنيا والآخرة؛ لقوله: ﷺ «تُنكَحُ المرأةُ لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فَاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَت يداكَ» (١) (اظفر) أي فز بصاحبة الدين؛ لأنّها هي التي تعينك على دينك ودنيك، وهي التي تتقي الله فيك وتعطيك حقوقك. (تَرِبَتْ يداكَ): أي التصقت يداك بالتراب من الفقر، هذه دعوة بالخسران كانت تستعمل عند العرب، ثم خرجت عن معناها بعد ذلك فصارت تُستعمل للحث على الفعل والترغيب به، والتعجب والتنبيه؛ وما شابه. وأمّا الودود والولود؛ فورد فيهما قوله ﷺ : «تزوجوا الوَدُودَ الولودَ فإني مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة» (٢). في هذا ترغيب في المرأة المتحببة لزوجها، كثيرة الولد. وربما يقول قائل: كيف تُعرف البكر بأنّها تنجب كثيراً أم لا؟ قال أهل العلم: تقاس بقريباتها من النساء، يعني ينظر إلى أمّها، وأخواتها، وخالاتها، وعماتها، ففي الغالب تكون المرأة كقريباتها. قال ﵀: (وتُخْطَبُ الكَبِيرَةُ إلى نَفْسِها، والمُعْتَبَرُ حُصُولُ الرِّضا مِنْها لِمَن كان كُفْأً) الكُفْء هو: النظير والمساوي، أي يكون مثلها مساوياً لها في الدين. الكبيرة هي التي بلغت؛ إذ يكون لها عقل تدرك به ما يناسبها وما لا يناسبها.

стр. 288

وأمّا الصغيرة فلا معنى لإذنها؛ فلا تدرك ما يناسبها ومالا يناسبها، وما فيه مصلحة وما ليس فيه مصلحة لها، فلا اعتبار لرضاها ولا لسخطها، بل المعتبر حصول الرضا من الكبيرة، بأن ترضى بالشخص الذي يكون كُفءً لها. والكفاءة المعتبرة في الشرع - على الصحيح من أقوال أهل العلم-: المساواة في الدين فقط لا غير، وهو مذهب مالك وجماعة من الصحابة، ودليله قول النبي ﷺ : «فاظفر بذات الدين تربت يداك» حَثّه على ذات الدّين فقط. وثبت عن الصحابة أنّهم كانوا يُزوِّجون الموالي، فلم يعتبروا المساواة في النَّسب. قال ابن عبد البر: جملة مذهب مالك وأصحابه أن الكفاءة عندهم في الدين، وقال ابن القاسم عن مالك: إذا أبى والد الثيِّب أن يزوجها رجلاً دونه في النسب والشرف إلا أنه كفء في الدين؛ فإن السلطان يزوجها، ولا ينظر إلى قول الأب والوَلِي مَن كان، إذا رضيت به وكان كُفءً في دينه، ولم أسمع منه في قِلة المال شيئاً. قال مالك: تزويج المولى العربية حلال في كتاب الله ، قوله: ﴿إنا خلقناكم من ذكر وأنثى .. ﴾ الآية وقوله: ﴿فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها﴾. انتهى قال المؤلف (والصَّغِيِرَةُ إلى وَلِيِّها) أي وتُخطب الصغيرة إلى وليها؛ لأنّه لا يُعتبر رضاها، لصغرها وعدم إدراكها ما يناسبها. قال: (وَرِضَا البِكْرِ صُمَاتُها) تُستأذن البكر؛ فيُقال لها مثلاً: خطبك فلان ابن فلان، فإذا سكتت أو ضحكت دلّ ذلك على رضاها. فعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لا تُنكحُ الأَيِّمُ حتى تُستَأمَرَ، ولا تُنكحُ البِكرُ حتى تُستأذنَ» قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنُهَا؟ قال: «أن تَسكُتَ» (١).

стр. 289

وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : «البِكرُ تُستَأذن» قلت: إن البكر تستحيي؟ قال: «إِذنُها صُمَاتُهَا» (١) متفق عليه. أي قالت له عائشة: تستحي المرأة البكر أن تقول أنا موافقة أو أريده، فقال النبي ﷺ في رواية أخرى: «فذلك إذنُها إذا هي سكتت» (٢). وفي رواية عند مسلم: «الثَّيبُ أحق بنفسها مِن وَلِيها، والبِكرُ يَستأذنُها أبوها في نفسها، وإذنُها صُماتُها» (٣). أمّا الثيب؛ فليس المراد من قوله ﷺ : «الثيب أحق بنفسها من وليها» أن تعقد العقد بنفسها فتزوج نفسها من غير موافقة وليها؛ لما صحّ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا نكاح إلّا بولي» (٤) هذا يشمل البكر والثيب فلا يصح نكاحهما إلا بولي، وإنما يدلُّ قوله «أحق» - وهي أفعل تفضيل - أنّها أعظم حقّاً من وليها، لا على أنّها متفرِّدة بالحق، فلا يزوجها وليها إلا برضاها، فهي أحق منه في الرضا لا في العقد. فإذا اختلفت مع وليها في كُفءٍ، فهي أولى من وليها؛ فيقدم قولها على قوله؛ فترفع أمرها إلى القاضي ويزوجها القاضي، فهي أحق في مثل هذا. فتبين مما تقدم أنّ البنت إذا كانت كبيرة بحيث تكون بالغة فلابد من رضاها سواء كانت بكراً أم ثيّباً وسواء كان الولي الأب أم غيره من عصبتها على الصحيح. والله أعلم. قال المؤلف: (وتَحْرُمُ الخِطْبَةُ في العِدَّةِ) (الخِطبة) بكسر الخاء: طلب المرأة للزواج. أمّا بالضم (الخُطبة)؛ فهي الكلام الذي يُلقى على المنابر وما شابه. و(العِدَّةُ): تربص المرأة مُدة محددةً شرعاً بسبب فُرقة نكاح أو وفاة.

стр. 290

فإن المرأة إذا طُلِّقَت دخلت في العِدّة - وهي مدة زمنية حددها الشارع- فتبقى فيها إلى أن تنتهي، ثم بعد ذلك يَحِلّ لها الزواج، وأما قبل انتهاء العدة؛ فلا يحل لها الزواج؛ فتسمى هذه المدة الزمنية عدّة، وكذلك المرأة التي يُتوفَى عنها زوجها، تتربص بنفسها مدة زمنية إلى أن تنتهي، أي تراقب نفسها وتنتظر انتهاء المدة، ثم بعد ذلك يجوز لها أن تتزوج. فالمراد بالعدّة في كلام المؤلف: عدة الطلاق أو الموت. والذي يَحرُم فيها هو التصريح بالخِطبة لجميع المعتدات. وأمّا التعريض فهو أن يذكر لها إشارة أنّه يرغب بيها ولا يُصرّح لها؛ كقوله: «أريدك للزواج» هذا تصريح؛ بل يشير إشارةً فقط؛ كأن يقول لها مثلاً: «أريد الزواج»، أو «وَدِدت أن يُيسر الله لي امرأة صالحة»، فتكون هذه إشارة يشير بها أنّه يريد أن يتزوجها، فهذا يسمى تعريضاً. والتعريض جائزٌ لبعض المعتدات لا كلهن؛ كالمُتوفَى عنها زوجها مادامت في العدة. أمّا المعتدة عدة طلاق رجعي؛ فلا يُعرِّض ولا يُصرِّح لها؛ لأنّها لا تزال زوجةً لرجل، ولزوجها فيها حقٌ. الطلاق الرجعي يكون في الطلقة الأولى أو الثانية، لزوجها أن يرجعها ما دامت المرأة لم تُنه العدة، يرجعها من غير عقد جديد ولا مهر جديد. وأما المُطلقة طلاقاً بائناً - يعني لا رجعة فيه ويكون في الطلقة الثالثة- فمُختلف في جواز التعريض لها، قال الحافظ ابن حجر: «والحاصل أن التصريح بالخِطبة حرام لجميع المعتدات، والتعريض مباح للأولى، حرام في الأخيرة، مختلف فيه في البائن» (١). انتهى الأولى هي المُتوفَى عنها زوجها، والأخيرة: هي المعتدة من طلاق رجعي، والبائن: أي المطلقة طلاقاً بائناً لا رجعة فيه. ودليل ما ذكره المؤلف من تحريم الخِطبة في العدّة مفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة، ٢٣٥]، فمفهوم هذه الآية: أن ما صرحتم به فعليكم جناح.

стр. 291

وتحريم التصريح والتعريض للمطلقة طلاقاً رجعياً؛ لأنّها زوجة لزوجها، ولم تنته الزوجية بعد، فحق زوجها لايزال قائماً فيها. وأمّا تحريم التصريح لغيرها خشية أن تكذب المرأة في العدّة استعجالاً للزواج ممن طلبها صراحة، لذلك مُنِع الرجل من طلبها صراحة مادامت في عدّتها. قال المؤلف ﵀: (أو على الخِطْبَةِ) أي وتحرُم الخِطبة على الخِطبة، ومراده أن خِطبة المرأة مُحرَّمة إذا خطبها مسلم؛ لقوله ﷺ : «ولا يَخطُب على خِطبة أخيه حتى ينكح أو يترك» (١)، وفي رواية: «إلّا أن يأذن له» (٢) متفق عليه. وتحريم ذلك ليس بمجرد أن يطلب المسلم المرأة يحرم عليك طلبها، بل بأن يصرح له بالقبول، ولم يأذن لأحد بخطبتها ولا ترك هو ذلك. وهذا النهي فيما لو كان الخاطب رجلاً مسلماً؛ لأن النبي ﷺ قال: «ولا يخِطب على خِطبة أخيه» (٣) فليس داخلاً في النهي الكافر؛ اليهودي والنصراني إذا طلبا امرأة يهودية أو نصرانية وأراد المسلم أن يتزوجها، فلا يقال له لا تخطب على خطبة اليهودي أو النصراني؛ لأنّه ليس أخاً له. والنهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه المسلم لئلا تحدث العداوة والبغضاء في قلوب المسلمين بعضهم على بعض، وهذا المعنى غير وارد في اليهودي والنصراني فيختص بالمسلم وليس في ذلك حق لغير المسلم حتى يُحترم. وأمّا قولنا بأنّه ليس بمجرد أن يطلب الرجل المرأة يَحرُم على الآخر أن يطلبها؛ فقلنا هذا جمعاً بين حديثين: الأول: «ولا يخطِب على خِطبة أخيه حتى ينكح أو يترك». والثاني: ما جاء في «صحيح مسلم»: أن فاطمة بنت قيس بعدما طلّقها زوجها قال لها النبي ﷺ : «إذا حللت فآذنيني»، فجاءته وأخبرته أنّ معاوية وأبا جهم خطباها، ومع علمه بذلك، بعد أن أعلمته أنّ معاوية وأبا جهم خطباها، قال لها ﷺ : «أما معاوية فصعلوكٌ لا

стр. 292

مال له، وأمّا أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه -يعني: يكثر من ضرب للنساء- انكحي أسامة بن زيد» (١) فحصلت الخِطبة من النبي ﷺ لأسامة بن زيد. فجمعنا بين الحديثين بأن قلنا: إن النهي عن الخِطبة على خطبة المسلم إنما يكون في حال أن المرأة خُطِبَت للأول وركنت إليه وقبلت به، أما إذا خُطِبت - مجرد طلب - بدون أن تركن إلى الرجل الذي طلبها وتقبل به، فيجوز للآخر أن يخطبها. قال النووي ﵀: هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم الخطبة على خطبة أخيه، وأجمعوا على تحريمها إذا كان قد صُرِّح للخاطب بالإجابة ولم يأذن ولم يترك. فلو خطب على خطبته وتزوج والحالة هذه عصى وصح النكاح ولم يفسخ، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وقال داود: يفسخ النكاح، وعن مالك روايتان كالمذهبين، وقال جماعة من أصحاب مالك: يفسخ قبل الدخول لا بعده. أما إذا عُرِّض له بالإجابة ولم يُصرح ففي تحريم الخطبة على خطبته قولان للشافعي، أصحهما لا يحرم، وقال بعض المالكية: لا يحرم حتى يرضوا بالزوج ويسمى المهر. واستدلوا لما ذكرناه من أن التحريم إنما هو إذا حصلت الإجابة بحديث فاطمة بنت قيس، فإنها قالت: خطبني أبو جهم ومعاوية. فلم ينكر النبي ﷺ خطبة بعضهم على بعض، بل خطبها لأسامة، وقد يُعترض على هذا الدليل فيقال: لعل الثاني لم يعلم بخطبة الأول، وأما النبي ﷺ فأشار بأسامة لا أنه خطب له. واتفقوا على أنه إذا ترك الخطبة رغبة عنها وأذن فيها جازت الخطبة على خطبته وقد صرح بذلك في هذه الأحاديث. انتهى كلامه. قال المؤلف ﵀: (ويُسْتَحَبُّ النَّظَرُ إلى المَخْطُوبَةِ) بيّن ﵀ بقوله: «يستحب» أن النّظر إلى المخطوبة مُستحب؛ لحث النبي ﷺ على ذلك، كما جاء في خبر الرجل الذي أخبر النبيَّ ﷺ أنّه تزوج امرأة من الأنصار، أي طلبها

стр. 293

للزواج، فقال له ﷺ : «أنظرت إليها؟ » قال: لا، قال: «فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً» (١). وأخرج أبو داود عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا خطب أحدكم المرأة فإذا استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل»، قال جابر بن عبد الله ﵁: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى إذا رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها؛ تزوجتها (٢). دلَّ هذا على أنّ رؤية المرأة ممن أراد أن يخطبها جائزة؛ سواء كانت تعلم أنّه سيراها أو لا تعلم ذلك لا فرق. واختلف العلماء فيما يجوز له رؤيته منها على مذاهب؛ فالبعض قال: الجائز من ذلك الوجه والكفان فقط، والبعض قال: يرى ما يظهر غالباً كالرقبة والساقين والشعر ونحو هذه الأشياء، والبعض قال: النّظر إليها كلّها عورة وغير عورة، ينظر إلى كل شيء، واستبعد بعض أهل العلم هذا المذهب الأخير، والراجح عندي الثاني، والأول أحوط للدين. والله أعلم. قال ابن قدامة في المغني: لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها. وقال: ولا ينظر إليها نظر تلذذ وشهوة، ولا لريبة، قال أحمد في رواية صالح: ينظر إلى الوجه ولا يكون عن طريق لذة، وله أن يردد النظر إليها، ويتأمل محاسنها؛ لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك. وقال: فصل: ولا خلاف بين أهل العلم في إباحة النظر إلى وجهها، وذلك لأنه ليس بعورة، وهو مجمع المحاسن، وموضع النظر. ولا يباح له النظر إلى ما لا يظهر عادة، وحُكي عن الأوزاعي أنه ينظر إلى مواضع اللحم. وعن داود أنه ينظر إلى جميعها؛ لظاهر قوله ﵇: «انظر إليها». وقال: فأما ما يظهر غالباً سوى الوجه، كالكفين والقدمين ونحو ذلك، مما تظهره المرأة في منزلها؛ ففيه روايتان؛ إحداهما: لا يباح النظر إليه؛ لأنه عورة فلم يبح النظر إليه، كالذي لا

стр. 294

يظهر، فإن عبد الله روى أن النبي ﷺ قال: «المرأة عورة» حديث حسن، ولأن الحاجة تندفع بالنظر إلى الوجه، فبقي ما عداه على التحريم. والثانية: له النظر إلى ذلك، قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس أن ينظر إليها، وإلى ما يدعوه إلى نكاحها، من يد أو جسم ونحو ذلك. قال أبو بكر: لا بأس أن ينظر إليها عند الخطبة حاسرة، وقال الشافعي: ينظر إلى الوجه والكفين. ووجه جواز النظر إلى ما يظهر غالباً، أن النبي ﷺ لمّا أذن في النظر إليها من غير علمها، عُلم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادة؛ إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور؛ ولأنه يظهر غالباً، فأبيح النظر إليه كالوجه. ولأنها امرأة أبيح له النظر إليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إلى ذلك، كذوات المحارم. انتهى باختصار. قال المؤلف ﵀: (ولا نِكاحَ إلّا بِوَليٍّ وشاهِدَيْن) أي لا يصحّ النّكاح إلّا بوليٍّ وشاهدين، قال ﷺ : «لا نكاح إلّا بوليٍّ» (١) فدل هذا الحديث على أنّ النّكاح لا يصح إلّا بوليٍّ؛ لأنّ الأصل في النفي الحقيقة، فإذا قلت: لا خالق إلّا الله، فلا وجود لخالق إلّا الله ، فالنفي هنا على أصله عائدٌ إلى نفي حقيقة الشيء أي وجوده، يعني لا يوجد أحدٌ يخلق إلّا الله . لكن إذا تعذر هذا الأصل انتقلنا إلى نفي الصّحة؛ لأنّها أقرب شيء إلى الحقيقة، فلو قلنا مثلاً هنا: لا نكاح إلّا بوليٍّ، هل نفيت الحقيقة هنا؟ لا؛ لأن من الممكن أن تُزوج المرأة نفسها. لكن هذا من الناحية الشرعية باطل غير صحيح، فعاد النفي إلى الحقيقة الشرعية، وهي نفي الصّحة؛ فنقول: لا نكاح صحيح إلّا بوليٍّ.

стр. 295

فإذا تعذر الحمل على الصّحة ننتقل إلى ثالث وهو الكمال، ولكن لا ننتقل إلى الكمال ونترك الصّحة إلّا إذا وُجدت قرينة تبين ذلك. مثال على ذلك: قول النبي ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١) هذا فيه نفي للإيمان عن الزاني، أهو نفي للصّحة؟ لا؛ الصحة موجودة، أي صحة الإيمان، لأننا لو قلنا إنّه نفي للصّحة تعارض هذا الحديث مع حديث أبي ذر؛ أن رسول الله ﷺ قال: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة» قال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله، قال: «وإن زنى وإن سرق»، حتى قال: «وإن زنى وإن سرق وإن رغم أنف أبي ذر» (٢)، فدلّ ذلك على أنّ الزاني يدخل الجنة في نهاية أمره. إذن نفي الإيمان عنه نفي لكمال الإيمان الواجب. يقول ابن تيمية ﵀: «إنّ النفي لا يأتي على نفي الكمال المستحب البتة»، لا ينفي الله ﵎ العمل ويكون المعنى المراد من ذلك نفي الكمال المستحب البتة، إذا نفى العمل فإمّا أن ينفي صحته أو أن ينفي كماله الواجب. إذن فالنفي المراد بقوله: «لا نكاح إلّا بوليٍّ» هونفي الصحة، أي لا نكاح صحيح إلّا بوليٍّ، فيدلّ ذلك على أنّ الوليَّ شرطٌ من شروط صحة عقد النّكاح. وهناك أدلة أخرى استدل بها العلماء على شرطية الوليِّ في النّكاح منها: قول الله ﵎ ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ... ﴾ [البقرة الآية ٢٣٢]. قال الإمام الشافعي ﵀: «هي أصرح آية في اعتبار الوليِّ وإلّا لما كان لعضله معنى» (٣)، والعضل هو: منع وليِّ المرأةِ المرأةَ التزويج.

стр. 296

فلماذا ينهاه الله عن عضل المرأة - أي منعها من التزويج - إذا كان الزواج يصحّ من غيرأمره، فلا ينهاه عن ذلك إلّا ويكون له أمر وأنّ الزواج لا يصحّ إلّا بموافقته. وكذلك قول رسول الله ﷺ : «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل باطل باطل، فإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها، فإن تشاجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له» (١). هذه الأدلة كلّها تدلّ على شرطية الوليِّ في النّكاح، وأنّ النكاح من غير ولي لا يصحّ، هذا مذهب جمهور العلماء. من هو الولي المراد في قول المؤلف: «لا نكاح إلّا بولي». الوليّ: هو من يتولى تزويج المرأة، والأحقّ في ذلك أبوها ثم وصيُّه بالنّكاح، أي من أوصاه أبوها أن يُنكحها، ثم جدها لأب - والد الأب -، ثم ابنها، ثم أخوها، ثم عمها، ثم أقرب العصبة نسباً ثم الحاكم. شروط الولي: - ويشترط في الوليِّ أن يكون ذكراً، فلا يصحُّ أن تكون الأنثى ولياً؛ لأنّها لا يصحّ أن تزوج نفسها، فغيرها من باب أولى. - وأن يكون بالغاً - عاقلاً - مسلماً؛ فلا ولاية لكافرٍ، وقد نقل ابن المنذر ﵀ الاتفاق على أنّ الكافر لا يكون ولياً لابنته المسلمة (٢). - أن يكون أميناً على من يتولّاها، وسيأتي من كلام المؤلف قوله (ولا يُشترط أن يكون عدلاً في دينه)؛ فيكفي أن يكون أميناً على من يتولى أمرها؛ فالعدالة ليست شرطاً على الصحيح من أقوال أهل العلم.

стр. 297

قوله (وشاهدين) انتقلنا إلى مسألة الشهادة. هل وجود شاهدين في النّكاح شرط لصحة النكاح أم لا؟ بناءً على قول المؤلف: نعم، لأنّه قال: (لا نكاح إلّا بوليٍّ وشاهدين)، وهذه الزيادة - وشاهدين - جاءت في نفس حديث: «لا نكاح إلّا بولي»، وجاء في بعض الروايات: «لا نكاح إلّا بوليٍّ وشاهدي عدل» (١) ولكن زيادة: «وشاهدي عدل» لا تصح، والصحيح أنّها ضعيفة، الصحيح فقط: «لا نكاح إلا بولي». وقد اختلف العلماء في حكم الإشهاد في النّكاح؛ فجعل بعضهم ذلك شرطاً كما هو ظاهر كلام المؤلف ﵀، والبعض جعل الشرط: الإعلان وليس الإشهاد، فبمجرد أن يُعلَن النّكاح يكون صحيحاً. والصحيح ما قاله ابن المنذر ﵀، قال: وليس يثبت عن النبي ﷺ في إثبات الشاهدين في النّكاح خبر، إلّا حديث مرسل عن الحسن عن النبي ﷺ في إثبات الشاهدين لا تقوم به الحجّة، ولم يرفعه أكثرهم. يعني أكثر المحدثين أو الرواة الذين رووا الحديث لم يرفعوه إلى النبي ﷺ . قال: وإيجاب الشهود في عقد النكاح إيجاب فرض، والفرائض لا يجوز إيجابها إلّا بحجّة، ولا حجّة مع من أوجب الشاهدين عند عقد النّكاح. قال: والدليل على صحة النكاح من غير شهود حديث أنس قال: «كنت رديف أبي طلحة يوم خيبر قال: ووَقَعَت في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول الله ﷺ من دحية بسبعة أرؤس، فجعل رسول الله ﷺ وليمتها التمر والأقط والسمن، وقال الناس: ما ندري أتزوجها أم جعلها أم ولد، فقالوا: إن حجبها فهي امرأته، وإن لم يحجبها فهي أم ولد، فلمّا أراد أن يركب حجبها حتى قعدت على عجز البعير، قال: فعرفوا أنّه تزوجها» (٢)، قال ابن المنذر: ففي هذا الحديث إذ استدل من حضر رسولَ الله ﷺ على تزويج صفية بالحجاب دليلٌ

стр. 298

على إجازة النكاح بغير شهود. أي أنّهم لم يعلموا أنّه تزوجها إلّا بالحجاب، ولو كان وجود الشهود في النّكاح شرطاً لأشهد النبي ﷺ على زواجه هذا، وعلموا ذلك من الشهود. قال: وفي إنكاحِ أبي بكر النبيَ ﷺ عائشةَ دليلٌ على ذلك، إذ لا نعلم في شيء من الأخبار أنّ شاهداً حضر عقد ذلك النكاح (١). هذا دليل آخر على صحة النكاح من غير شهود، وهو الذي نميل إليه بعدم وجود دليل يُثبت وجوب أو شرطية شاهدين، لاشك أنّ وجود الشهود أفضل وأحسن، وإعلان النكاح أيضاً أفضل وأحسن، لكن أن نجعل ذلك شرطاً ونلزم به العباد هذا يحتاج إلى دليل قوي على ذلك. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (إلا أن يَكونَ عاضِلاً) (العَضْلُ): منع ولي المرأةِ المرأةَ التزويج من كُفء. فإذا كان الوليُّ عاضلاً - أي يمنع المرأة التزويج من كفء- لا يكون له الحقّ في تزويجها وترفع أمرها للقاضي فَيُزوجها. والعضل مُحرّم لقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوف ... ﴾ [البقرة الآية ٢٣٢]، فإذا عضل الوليُّ انتقلت الولاية إلى من بعده؛ لأنّه ظالم لم يصن الأمانة التي حُمِّلَها، فإذا لم يكن هناك أحدٌ أهلٌ لهذه الولاية تُحَوَّلُ إلى القاضي فيزوجها. قال: (أو غيرَ مُسْلِمٍ) أي: لا نكاح إلّا بوليٍّ؛ إلّا أن يكون الوليُّ عاضلاً أو يكون الوليُّ غير مسلم، فلا يستحق الولاية في هذه الحالة، لأنّه كما ذكرنا «لا ولاية للكافر على المسلم». قال ابن المنذررحمه الله: «أجمع عامة أهل العلم على أنّ الكافر لا يكون وليّاً لابنته المسلمة» (٢)؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].

стр. 299

قال: (وَيَجُوزُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أن يُوَكِّلَ لِعَقْدِ النِّكاحِ ولو واحِداً) التوكيل هو: التفويض. واصطلاحاً: استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة، كالنكاح مثلاً؛ كأن تقول لزيدٍ من الناس: وكّلتك أن تزوجني، أي أنبتك عني كي تزوجني. والتوكيل لعقد النكاح جائز. فللمرأة أيضاً أن تقول لشخص ما: وكّلتك أن تزوّجني؛ فيزوّجها. فيجوز لكل واحد من الزوجين - يعني الذكر والأنثى - أن يُوّكل لعقد النكاح من يقوم مقامه في العقد. ولو وكّل الزوج ووكلت المرأة شخصاً واحداً، فكان الموّكل من الطرفين شخصاً واحداً؛ جاز، فيكون هو نفسه موّكلاً عن الرجل وعن المرأة. دليله حديث عقبة بن عامر عند أبي داود أنّ النبي ﷺ قال لرجل: «أترضى أن أزوّجك فلانة؟ » قال: نعم، وقال للمرأة: «أترضين أن أزوّجك فلاناً؟ » قالت: نعم، فزوّج أحدَهُما صاحِبَهُ (١)، أي زوج النبي ﷺ المرأة للرجل. قال المؤلف ﵀: (فصل: ونِكاحُ المُتْعَةِ مَنْسُوخٌ) نكاح المتعة هو: النكاح إلى أجل، أي إلى وقت محدد، مثل أن يقول: زوجتك ابنتي شهراً، أو سنة، أو إلى انقضاء الموسم، أو قدوم الحاج، وشبهه، سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة، فهذا نكاح باطل. كان في بداية الإسلام جائزاً ثم نُسِخ، ثم جوِّز ثم نسخ إلى يوم القيامة.

стр. 300

روى سبرة الجهني أنّه كان مع رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ : «يا أيها الناس إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإنّ الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخلّ سبيلها، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً» (١) الشاهد قوله ﷺ : «وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة» فهو مُحرّم تحريماً مؤبداً إلى قيام الساعة فلا رجعة في تحريمه، وقد استقر الإجماع على تحريمه إلّا الرّافضة من الشيعة. قال: (وَالتَّحْلِيلُ حَرَامٌ) والتحليل: أن يتزوج الرجلُ المرأةَ لا رغبةً فيها، بل ليُحلِّلها لزوجها الذي طلّقها ثلاثاً وصارت مُحرّمة عليه بتطليقه لها ثلاث مرات، فإن من طلق ثلاث مرات حَرُمَتْ عليه حتى ينكحها زوجاً آخر، فيذوق عسيلتها وتذوق عسيلته؛ أي حتى ينكحها نكاح رغبة ويجامعها ثم يطلقها من غير اتفاق على طلاقها عند عقده عليها، أو رغبة مسبقة بطلاقها، فإن طلقها الثاني بعد زواج رغبة؛ جاز للأول الذي طلّقها ثلاثاً أن يتزوجها. من أساليب التحايل على هذا الحكم: أن يأتي رجل يتزوج المرأة التي طلقت ثلاثاً ثم يُطلقها من أجل أن تحلّ لزوجها الأول، قد أُغلق هذا الباب تماماً؛ لقول النبي ﷺ : «لا، حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلتك» (٢)، يعني حتى يتزوجها زواج رغبةٍ ويجامعها أيضاً. وقد جاء في حديث علي ﵁؛ قال: «لعن رسول ﷺ المحَلِّل والمحلَّل له» (٣). المحلِّل: يعني الذي تزوج المرأة ليحلّها لزوجها الأول، والمحلَّل له: الذي هو الزوج الأول، إذا كان الزواج للتحليل، فيكون النكاح باطلاً. قال المؤلف: (وَكَذَلِكَ الشِّغارُ) أي ويَحرُم - أيضاً - نكاح الشّغار، لما جاء في حديث ابن عمر؛ قال: نهى رسول الله ﷺ عن

стр. 301

الشّغار، والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق (١) تفسير الشغار في الحديث من تفسير نافع كما بينته رواية عبيد الله عن نافع، قال: «قلت لنافع: ما الشغار؟ .. » (٢). وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: والشّغار: أن يقول الرجلُ للرجلِ: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، أو زوجني أختك وأزوجك أختي (٣). صورته: زيد عنده بنت أو أخت، وعمرو عنده بنت أو أخت، يأتي زيد لعمرو ويقول له: زوجني بنتك من أجل أن أزوجك ابنتي -هذا شرط: لا أزوجك ابنتي حتى تزوجني ابنتك- ولا يسميان بينهما مهراً، فيكون مهر البنات البُضع أي فرج الأخرى، بُضع الأولى هو مهر الثانية وبُضع الثانية هو مهر الأولى. والمنتفع بهذا المهرهم الأولياء، والمهر حقّ للبنت التي ستتزوج، وهذان - عمرو وزيد في مثالنا - جعلا المهر من حقّهما وانتفعا به، فلذلك كان هذا النكاح باطلاً عند جمهور العلماء، ففيه ظلم للنساء. وشرط صحة هذا النكاح أن يُسمي كلّ واحدٍ منهما مهراً للبنت التي يريد أن يتزوجها، لا للحيلة، وأن يكون النكاح حاصلاً برغبة البنات، لا غصب فيه، ولا تجبر عليه. قال المؤلف ﵀: (وَيَجِبُ على الزَّوْجِ الوَفَاءُ بِشَرْطِ المَرْأَةِ إلّا أَنْ يُحِلَّ حَرَامَاً أوْ يُحَرِّمَ حَلالاً) قال ﷺ : «أحقّ الشروط أن تُوفوا به ما استحللتم به الفروج» (٤). فأيّ شرط تشترطه المرأة على زوجها، وأيّ شرط يشترطه الزوج على زوجته عند العقد؛ وجب على كلٍّ منهما أن يتقيد بالشرط الذي اشترطه الآخر.

стр. 302

لكن يعتبر شرط النكاح؛ عند العقد أو قبل العقد، أمّا بعد العقد فلا عبرة به. فيجب على الزوج الوفاء بالشرط الذي تشترطه الزوجة والعكس، إلّا إذا كان الشرط يُحرِّم حلالاً أو يُحِلّ حراماً، كأن تشترط المرأة أن يطلق الرجل زوجته، فهذا الشرط شرطٌ باطلٌ، لا يجوز للرجل أن يمضيه لها؛ لقول النبي ﷺ : «لا تشترط المرأةُ طلاق أختها لِتَستفرِغ صَحفَتها، ولتنكح فإنّما لها ما قُدِّر لها» (١). نهى النبي ﷺ عن هذا الشرط فصار شرطاً مُحرّماً فلا يجوز أن يُوفى به. وكأن تشترط المرأة أن لا يجامعها زوجها، هذا الشرط أيضاً باطل؛ لأنّه مناقض لمقتضى العقد؛ فإن مطلوب عقد النكاح أصلاً هو الجماع، فإذا اشترطت المرأة هذا كان شرطها باطلاً. ولها أن تشترط أن لا يتزوج عليها، هذا من حقّها؛ لأنّ زواج الثانية أمرٌ مباح؛ فإذا اشترطت فلها شرطها ويجب عليه أن يتقيد بذلك إذا وافق. ولها كذلك أن تشترط أن لا يُخرجها من بلدها وأن لا تسافر، فإن قال لها: لك شرطك، وجب عليه أن يتقيد بذلك، فإن لم يَفِ بالشرط كان آثماً، ويكون لها الحق في فسخ النكاح، إذا شاءت فسخت وإذا شاءت أن تتنازل تنازلت، لكنّه يكون آثماً لعدم وفائه بشرطه؛ لأن الوفاء بالشرط واجبٌ إذا لم يكن شرطاً مُحرّماً. بابُ المُحرَّماتِ في النِّكاحِ

стр. 303

قال المؤلف ﵀ (بَابُ المُحَرَّمَاتِ في النِّكاحِ) أي: هذا الباب معقود لبيان النساء اللاتي يحْرُمُ على الرَّجُل الزواج بهن. قال: (وَيَحْرَمُ على الرَّجُلِ أَنْ يَنْكِحَ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً؛ وَالعَكْسُ) لقول الله ﵎: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور ٣: ]، فدل قوله: ﴿ ... وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أن نكاح الزانية ونكاح المشركة حرام، فلا يجوز للرجل أن يتزوج امرأة زانية ولا امرأة مشركة، وكذلك المرأة لا يجوز لها أن تتزوج من رجل مشرك أو زان، إلا أن يتوب الزاني ويؤمن المشرك. قال ﵀ (وَمَنْ صَرَّحَ القُرْآنُ بِتَحْرِيمِهِ) أي: ويحرم أيضاً الزواج ممن صرح القرآن بتحريمه من النساء. قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]. فهؤلاء المذكورات في الآية يحرم الزواج منهن تحريماً مؤبداً. وتحريم الزواج من المرأة منه ما هو تحريم مؤبد، ومنه ما هو تحريم مؤقت. فالتحريم المؤبد لا يجوز للرجل أن يتزوج المرأة مطلقاً في أي حال وفي أي وقت. أما التحريم المؤقت فيجوز له أن يتزوجها في حال دون حال كما سيأتي. والمحرمات من النساء تحريماً مؤبداً ثلاثة أقسام:

стр. 304

- الأول: المحرمات بالنسب - أي بالقرابة - ليس النسب الذي يعرفه الناس اليوم؛ إذ الناس اليوم يطلقون النسب على المصاهرة، هذا خطأ لغةً، المقصود بالنسب هنا القرابة كما في اللغة. - والثاني: المحرمات بالمصاهرة، أي بسبب الزواج. - والثالث: المحرمات بالرَّضاع، أي بسبب الرضاع. نبدأ بالقسم الأول، وهن المحرمات بالنسب أي بالقرابة. النسب لغة: القرابة. ضبط العلماء ذلك بضابط وضعوه فبينوا به النساء اللاتي يَحْرُمْنَ للقرابة؛ فقالوا: يَحْرُمُ على الرَّجُلِ أُصولُهُ وفُصُولُهُ، وفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ بَعْدَهُ. وبلفظ آخر أسهل: يَحْرُمُ على الرَّجُلِ أُصُولُهُ وفُرُوعُهُ، وفُرُوعُ أَوَّلِ أُصُولِهِ، وأَوَّلُ فَرْعٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ بَعْدَهُ. شرح الضابط المذكور: (يحرم على الرجل أصوله) الأصول: الأمهات، والمقصود بالأم هنا كل أنثى لها عليك ولادة، يعني: كل أنثى ولدتك إما مباشرة أو بواسطة، فالتي ولدتك مباشرة: أمك، والتي ولدتك بواسطة: جدتك من أي جهة كانت، فتحرم عليك أمك، وتحرم عليك أم أبيك، وتحرم عليك أيضاً أم أمك ... وأنت صاعد على هذا النحو، هذا معنى قولهم: يحرم على الرجل أصوله. وكذلك المرأة؛ يحرم عليها أصولها، كل ذكر له عليها ولادة فهو محرم عليها، أبوها وجدّها .. وكل من له عليها ولادة، سواء مباشرة وهو أبوها، أوبواسطة وهم أجدادها من أي الجهات كانوا، هذا معنى تحريم الأصول.

стр. 305

(وفصوله) الذين هم الذرية: الأولاد وأولاد الأولاد وإن نزلوا. الولد في الكتاب والسنة: كل مولود سواء كان ذكراً أم أنثى. فالمقصود بالفصول هم الأولاد. فيحرم على الرجل فصوله، يعني: البنات كلهن؛ سواء كنا بناته القريبات اللاتي أنجبهن هو، أو بنات بناته، أو بنات أبنائه، وأنت نازل على هذا النحو. فكل من له عليها ولادة - هذا هو الضابط في البنت-؛ فهي محرمة عليه، يعني كل من كنت أنت سبباً في إيجادها، فإذا ولدتها مباشرة تكون بنتك، وإذا ولدتها بواسطة، تكون حفيدتك سواء كانت قريبة أم بعيدة، المهم أن لك سبباً في ولادتها، فأنت ممن ولدها سواء مباشرة أو بواسطة، هذا معنى الفصول. (وفصول أول أصوله) أول أصول الشخص: أبوه وأمه، وفصولهم: أولادهم، ذريتهم وإن نزلوا، ففصول أول أصولك: أخوتك وأخواتك وذريتهم؛ هؤلاء كلهم محرمون؛ كُلّ مَن لأبيك أو لأمك عليه ولادة فهو من فصولهما، فهو محرم عليك. (وأول فصل من كل أصل بعده) الأصل الأول هو الأب والأم، ثم كل أصل بعده هم الجد والجدة وإن علوا. فقوله: وأول فصل من كل أصل بعده، أي يحرم أول فصل فقط من كل أصل بعد الأصل الأول. الأصل الأول: الأب والأم. والجد والجدة وإن علوا هم الأصل الذي بعد الأصل الأول. فالجد والجدة آباء وأمهات الآباء والأمهات هم الأصل الثاني.

стр. 306

وأول فصل لكل أصل بعد الأصل الأول: الأصل الثاني: الجد والجدة، فصولهم أي أبناءهم الذين ولدوهم مباشرة فقط: الأعمام والعمات، والأخوال والخالات. والجد والجدة الأعلى منهم الذين هم الأصل الثالث، فصولهم: أعمام الأب والأم وعماتهما، وأخوال الأب والأم وخالاتهما ... وهكذا. فكل أصل بعد الأصل الأول هم جدك وجدتك وأنت صاعد، أبناءهم المباشرون الذين أنجبوهم بلا واسطة هم المحرمون عليك فقط. أما الفصل الثاني وما بعده للأصل الذي بعد الأصل الأول وهم أبناء العمات وأبناء الخالات فليس بداخل معنا فليسوا محرمين عليك. إذا لم تفهم القاعدة وصعبت عليك، فلك أن تحفظ الآية مع فهمها فهماً صحيحاً: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ الأم هي: كل أنثى لها عليك ولادة وإن علت ﴿وبناتكم﴾ هي كل أنثى لك عليها ولادة وإن نزلت، ﴿وأخواتكم﴾ أي الأخت التي هي بنت الأب أو بنت الأم أو الأخت الشقيقة: بنت الأب والأم، ﴿وعماتكم وخالاتكم﴾ أي عماتك وخالاتك وعمات الآباء وعمات الأمهات وخالات الآباء وخالات الأمهات وعمات وخالات الأجداد والجدات ﴿وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ بنات الأخ كل أنثى لأخيك عليها ولادة مباشرة أو بواسطة، وبنات الأخت كل أنثى لأختك عليها ولادة مباشرة أو بواسطة. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (وَالرَّضاعُ كَالنَّسَبِ) في التحريم؛ لقوله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (١) والرضاع الذي يحصل به التحريم: خمس رضعات مشبعات، لما جاء في حديث عائشة ﵂: «خمس رضعات معلومات يُحرِّمن» (٢).

стр. 307

وأن يكون الرضاع في العامين الأولين من عمر الرضيع، وهو سن المَجَاعة، أما إذا كان في العام الثالث أو الرابع فلا يؤثر؛ لقول الله ﵎: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة ٢٣٣: ]. ولقول رسول الله ﷺ : «إنما الرَّضاعة من المجاعة» (١)، وسن المجاعة العامان الأولان. ثانياً: المحرَّمات من الرضاع: الأم، والأخت، والبنت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت؛ لأنهن محرمات من النسب، فكل ما ذكرناه في النسب ينطبق على الرضاع، هذا معنى قول المؤلف: الرضاع كالنسب. لكن كيف يكون التحريم بالرضاع؟ فلنفرض أن زيداً رضع من خديجة، وهما غريبان تماماً عن بعضهما، زيد من عائلة مستقلة وخديجة من عائلة مستقلة، فأرضعت خديجة زيداً رضاعاً محرِّماً بشروطه المعروفة، عائلة زيد لاعلاقة لها بهذا الرضاع بتاتاً، القضية تتعلق بزيد فقط، والتأثير يحصل في زيد وفي عائلة خديجة، دخل زيد الراضع في عائلة خديجة المرضعة؛ فإنها لمّا أرضعته صارت أمًّا له؛ فيحرم عليه ما يحرم على ابنها -على ابن خديجة الذي ولدته هي - فيصير زيد هذا ابناً لخديجة، وزوج خديجة صاحبُ اللبن يصير أباه، وأولاد خديجة يصيرون إخوة لزيد، وأخوات خديجة خالاته، وأخوات زوج خديجة عماته، وهكذا، فتكون خديجة كأنها أنجبت زيداً، وصار محرّماً على هذه العائلة كأنه واحد من أولاد خديجة؛ هذا لقول النبي ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (٢). واختلف أهل العلم، هل يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة؟ الصحيح الذي عليه الجمهور أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة. ثالثاً: المحرَّمات بالمصاهرة أولاً: زوجات الأصول، أي: زوجات الأب وزوجات الجد وأنت صاعد، لقول الله تبارك

стр. 308

وتعالى: ﴿وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، هذه الآية تدل على أن زوجة الأب محرَّمة، سواء كان أباً مباشراً أو أباً بواسطة - أي أحد الأجداد - فزوجات الأصول محرمات. ثانياً: زوجات الفروع؛ لقوله ﵎: ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] فالابن سواء كان الابن المباشرأو الابن الذي هو أدنى من المباشر؛ زوجاتهم محرمات على الآباء. ثالثاً: أصول الزوجة من النساء، كلُّهنَّ محرمات على الزوج، أصول الزوجة: أمها، وأم أمها، وأم أبيها مهما علت؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. والتحريم الذي تقدّم كله يَثبت بالعقد وإن لم يدخل بها. رابعاً: فروع الزوجة من النساء؛ أي بناتها وبنات بناتها، وبنات أبنائها. يحرمن على الرجل، لكن بشرط الدخول بالأم، ولا يحرمن بمجرد العقد. فإن بنات المرأة وبنات بناتها وبنات أولادها الذكور يبقين غير محرمات على زوج أمهن ما دام لم يدخل بها ولو كان عاقداً عليها؛ حتى يدخل بأمهن؛ فلابد من شرط الدخول؛ لقول الله ﵎: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فلم يذكر قيد الدخول إلا في هذا الموضِع، دل ذلك على أنه حكم خاص بفروع الزوجة من النساء. ثم قال المؤلف: (والجّمْعُ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِها، أَو خَالَتِها) أي ويحرم على الرجل الجمع في الزواج بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، وكذلك بين المرأة وأختها، لقول الله ﵎: ﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَف﴾ [النساء: ٢٣] ولما جاء في الصحيحين: أن النبي ﷺ قال: «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها» (١) وقد وضع العلماء ضابطاً يضبط مسألة من لا يحل جمعهن من النساء؛ فقالوا: كل امرأتين يحرم التناكح بينهما بنسب أو رضاع إن قُدِّر أن أحدهما رجل.

стр. 309

فإنه يحرم الجمع بينهما مثلاً: جعفر يريد أن يتزوج من شقيقتين، تطبيقاً للقاعدة نريد أن نعرف هل يجوز له الجمع بين الشقيقتين أم لا؟ نقدر إحدى الشقيقتين ذكراً، ونرى هل يجوز لهذا الذكر أن يتزوج البنت الثانية أم لا يجوز؟ فلنقل بأن الأختين فاطمة وخديجة، ونقدر فاطمة ذكراً، وهما أختان؛ فهل يجوز لفاطمة التي قدرناها ذكراً أن تتزوج خديجة؟ الجواب: لا؛ لأنه أخوها، فالنتيجة: لا يجوز لجعفر أن يجمع بين فاطمة وخديجة. مثال آخر: فلنقل: إن فاطمة خالة خديجة، وأراد جعفر أن يجمع بينهما، نقدر أن فاطمة هذه ذكرٌ، وخديجة ابنة أختها؛ فهل يجوز لفاطمة أن تتزوج خديجة في حال قدرناها ذكراً؟ الجواب: لا يجوز لأنها ابنة أخته، فلا يجوز لجعفر أن يجمع بينهما. لكن لو فرضنا أن فاطمة بنت خالة خديجة؟ هل يجوز لجعفر أن يجمع بينهما؟ نعم يجوز؛ لأننا لو قدرنا فاطمة ذكراً، وأراد الزواج من ابنة خالته، ابنة الخالة جائز أن يتزوجها؛ فيجوز لجعفر أن يجمع بينهما. هذا هو ضابط هذه المسألة. قالوا: العلة في ذلك أن طبيعة النساء تكون منهن غيرة شديدة تؤدي إلى العداوة والبغضاء بينهن فيؤدي ذلك إلى قطيعة الرحم، فلو تزوج شخص بأختين مثلاً؛ سيؤدي ذلك إلى وجود شحناء وبغضاء بين الأختين ثم قطيعة الرحم بينهن، لذلك حافظ الشارع على هذه العلاقة فحرَّم الجمع بين الأختين. قال ﵀: (وَمَا زَادَ عَلَى العَدَدِ المُباحِ لِلحُرِّ وَالعَبْدِ) ويحرم على الرجل إذا كان حراً أن يتزوج أكثر من أربع نسوة، ويحرم على العبد أن يتزوج أكثر من زوجتين فقط. أما تحريم ذلك على الحر فلقول الله ﵎ ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] ففي هذه

стр. 310

الآية أباح الشارع أن يتزوج الرجال اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة، وانعقد الاتفاق على عدم جواز الزيادة على أربع نسوة. وأما زيادة النبي ﷺ على الأربع فهي خِصِّيصة له؛ خصه الله ﵎ بها. أما أمته ﷺ فلا يجوز لأحد أن يزيد على أربع نسوة، فالزيادة على الأربع محرمة بالاتفاق (١). وأما العبد- الذي هو المملوك - فذكرنا أنه لا يحل له أن يجمع أكثر من امرأتين. قال الحَكم: «أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين» (٢) فهذا الإجماع هو الحجة في هذه المسألة إن صح، فبعضهم ينقل الخلاف. واحتجوا أيضا بالقياس على طلاقه وحدوده. قال المؤلف ﵀: (وَإِذَا تَزَوَّجَ العَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ؛ فَنِكَاحُهُ باطِلٌ) إذا تزوج العبد من غير أن يأذن له سيده بالزواج؛ فنكاحه يكون باطلاً. نقلوا الاتفاق على أن العبد لا يجوز له النكاح إلا بإذن سيده، وورد حديث ضعيف يدل على بطلان نكاحه (٣). قال المؤلف ﵀: (وإِذا أُعْتِقَتِ الأَمَةُ مَلَكَتْ أَمْرَ نَفْسِها، وخُيِّرَتْ في زَوْجِها) الأمة: هي المملوكة.

стр. 311

يريد المؤلف أن الأمة إن كانت قد تزوجت بعبد مملوك ثم أعتقت صارت من حيث الرق والحرية أعلى منه فهو ليس كفءً لها، فتُخيَّر بين أن تبقى على نكاحها وبين أن تنفصل عنه. أما إذا كان حرَّاً فليس لها خيارٌ في ذلك؛ لأنه يعتبر كفءً ومساوياً لها. دليل ما ذكره المصنف ﵀ -حديث بريرة في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: اشتريت بريرة، فاشترط أهلها ولاءها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «أعتقيها، فإن الولاء لمن أعطى الورق»، فأعتقتها، فدعاها النبي ﷺ ، فخيرها من زوجها، فقالت: لو أعطاني كذا وكذا ما ثبت عنده، فاختارت نفسها» (١) قال المؤلف ﵀ (بابُ العُيُوبِ وَأَنْكِحَةِ الكُفَّارِ) عقد المؤلف هذا الباب ليبين حكم العيب الذي يكون في الرجل أو في المرأة ويؤدي إلى نفرة الرجل عن المرأة أو نفرة المرأة عن الرجل، وكذلك عَقَده لبيان حكم أنكحة الكفار. قال ﵀: (وَيَجُوزُ فَسْخُ النِّكاحِ بِالعَيْبِ) العيب: كل ما يَفُوت به غرض الزوج أو الزوجة من النكاح. هذا مذهب جمهور علماء الإسلام وهو قول الصحابة؛ يجوِّزون فسخ النكاح بالعيب. ينقسم العيب إلى قسمين: فوات صفة كمال، وفوات صفة نقص. فحُسْنُ الخُلُقِ مثلاً صفة كمال؛ إذا وُجدت في الرجل يعتبر كاملاً، وإذا نقصت يعتبر ناقص الكمال. لكن الجَبَّ - مثلاً - وهو قطع الذكر؛ صفة نقص مؤثرة في النكاح.

стр. 312

فالعيب الذي يفوِّت صفة كمال لا خيار فيه إلا بالشرط، أي إلا إذا اشترط في عقد النكاح أن لا يكون. والعيب الذي يفوت صفة نقص؛ ففيه الخيار للزوج والزوجة؛ فيُفسخ النكاح بسبب هذه الصفة إن أرادا. وضابط العيب الذي يُفسخ النكاح به؛ هو كل عيبٍ ينفِّر الزوج الآخر منه، ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة. هذا الضابط هو الذي ذكره ابن القيم ﵀ فيما يوجب الخيار ويجوز به فسخ النكاح. مثال ذلك: رجل تزوج امرأة وكان مجبوب الذكر- يعني مقطوع الذكر- فلا قدرة له على الجماع، هذا عيب مؤثر ينفر الزوجة من زوجها، ولا يحصل به مقصود النكاح، فمثل هذا يكون للمرأة فيه الخيار- بعد أن تعلم بالعيب - بين الاستمرار في عقد النكاح وفسخ العقد. فسخ النكاح؛ هو فك عقدة النكاح. مثال آخر: وجود مرض منفر في المرأة، فللرجل أن يفسخ النكاح بعد أن يعلم بالعيب. وكذا لو كان العيب في الرجل، فللمرأة الفسخ، ولها المهر كاملاً إن دخل بها، ونصف المهر إن لم يدخل بها. وإذا كان العيب في المرأة فلها المهر كاملاً إن دخل بها، ونصف المهر إن لم يدخل بها؛ إذا لم تكن هي من غشه؛ فإن كانت هي التي غشّته فلا تعطى المهر؛ لأنها هي التي أوقعت الغش عليه فلا حق لها في هذه الحالة. فإن كان الغش من غيرها؛ فيرجع الزوج على من غشه بالمهر، فتعطى المرأة مهرها، ويستحقه الزوج ويطلبه ممن غشه.

стр. 313

يعني فلنقل بأن الولي هو الذي غش الزوج ففي هذه الحالة يفسخ النكاح، ويعطي المرأة مهرها، ويرجع بالمهر الذي أعطاه للمرأة على الولي الذي غشه، بمعنى أنه يأخذ المهر من الولي الذي غشّه. والفسخ يكون عن طريق القضاء عند الحاكم. استدلوا على الفسخ بالعيب في النكاح بحديث ابن عمر أو زيد بن كعب (١) ولا يصح. ولكنه ثابت عن عمر ﵁ من قوله (٢). قال المؤلف ﵀: (ويُقَرُّ مِنْ أَنْكِحَةِ الكُفَّارِ- إِذا أَسْلَمُوا- ما يُوافِقُ الشَّرْعَ) إذا أسلم زوجان كافران معاً؛ فإن زواجهما جائز إذا لم يكن مخالفاً للشرع. أما إن كان مخالفاً للشرع- كأن يكون الرجل متزوجاً من أخته - فمثل هذا لا يُقر في شرع الله ﵎؛ فيفرّق بينهما، أما إذا كان زواجه زواجاً شرعياً في الإسلام؛ كمن تزوج بأي امرأة غريبة عنه، ثم أسلما مع بعضهما؛ فنكاحهما يُقرُّ ولا يطلب منهما أن يجددا النكاح. دليل هذا أن النبي ﷺ لم يكن يطلب ممن أسلم من الكفار تجديد عقد الزواج. لكن إذا كان الزواج غير شرعي في الإسلام، أو كان دوامه غير شرعي؛ فلا بد من التفريق بينهما كما لوتزوج أخته أو إحدى محارمه. أو كمن جمع بين أختين فيؤمر أن يترك واحدة منهما، أو جمع بين أكثر من أربع نسوة؛ فيؤمر أن يترك الزيادة على الأربع.

стр. 314

قال المؤلف في شرحه: لحديث الضحاك بن فيروز، عن أبيه، عند أحمد وأهل السنن والشافعي والدارقطني والبيهقي - وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان - قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق إحداهما (١). وأخرج أحمد، وابن ماجه، والترمذي، والشافعي، وابن حبان، والحاكم - وصححاه -، عن ابن عمر، قال: أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعاً (٢). انتهى كلامه ﵀. والصحيح أن الحديثين ضعيفان، ضعفهما الإمام البخاري ﵀ وغيره، وقال ابن عبد البر: الأحاديث التي في تحريم نكاح ما زاد على الأربع معلولة كلها. وقال الإمام أحمد في حديث غيلان: ليس بصحيح، والعمل عليه. ولا خلاف في وجوب ترك الأكثر من أربع، قاله ابن قدامة في المغني. والله أعلم قال المؤلف: (وإِذا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ، وَتَجِبُ العِدَّةُ) يقول المؤلف: إذا أسلم أحد الزوجين انفسخ النكاح. عندنا ثلاث حالات: الأولى: أن يكون الزوجان مشركَيْن؛ فإذا أسلم أحدهما ينفسخ النكاح بمجرد إسلام أحد الزوجين. الثانية: أن يكون الزوجان كتابيين: من اليهود والنصارى؛ فإذا أسلمت المرأة انفسخ النكاح؛ لأن المرأة المسلمة لا يجوز أن تبقى تحت مشرك سواء كان كتابياً أم غير كتابي. أما إذا أسلم الرجل وكانت المرأة كتابية؛ فلا ينفسخ النكاح؛ لأن في شرعنا يجوز أن يدوم مثل هذا النكاح. الثالثة: أن يكون أحد الزوجين مشركاً والآخر كتابياً؛ فإذا كان الرجل مشركاً وأسلم فيبقى النكاح لأن المرأة كتابية.

стр. 315

أما إذا كانت المرأة هي المشركة والرجل كتابي ثم أسلم الرجل؛ ينفسخ النكاح؛ لأن نكاح المشركة لا يجوز. ونعني بالكتابية والكتابي؛ أن يكون من أهل الكتاب: اليهود والنصارى. وقوله: (وتجب العدة). العِدَّة هنا عدة الفسخ، ليست عدة الطلاق على الصحيح من أقوال أهل العلم؛ أن الفسخ عدته ليست عدة طلاق. فلا يُطلب منها أن تعتد عدة طلاق: ثلاث حيضات؛ بل يُطلب منها فقط أن تحيض حيضة واحدةً وتطهر استبراءً للرحم - أي حتى نتحقق من عدم وجود حمل -؛ لأنه ليس طلاقاً وإنما هو فسخ، جاء عن ابن عباس في صحيح البخاري قال: «كان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تُخطب حتى تحيض وتطهر؛ فإذا طهُرَت حَلَّ لها النكاح، وإن جاء زوجها قبل أن تَنكح رُدَّت إليه» (١) أي جاء مسلماً. يعني إذا كانت المرأة قد أسلمت وكان زوجها مشركاً فلا يخطبها أحد حتى تحيض حيضة وتطهر، ثم بعد ذلك لها أن تتزوج، فإن تزوجت انتهى الأمر حتى وإن جاء زوجها وأسلم فلا ترجع إليه، أما إذا لم تتزوج فيجوز لزوجها أن يرجعها متى جاء مسلماً، ولا تتقيد بعدة ولا غيرها كما سيأتي إن شاء الله. قال المؤلف: (فَإِنْ أَسْلَمَ وَلَمْ تَتَزَوَّجِ المَرْأَةُ؛ كَانَا عَلَى نِكَاحِهِما الأَوَّلِ، وَلَوْ طالَتِ المُدَّةُ إِذا اخْتَارَا ذَلِكَ) إذا أسلمت المرأة وبقي الرجل مشركاً فتستبرئ بحيضة، تحيض حيضة ثم تطهر ثم بعد ذلك إذا شاءت تزوجت وإذا شاءت أن تنتظر زوجها حتى يسلم انتظرت، فإن انتظرته ولم تتزوج ثم أسلم وجاء فتُرَد المرأة إليه من غيرعقد جديد ولو طالت المدة، دليل ذلك أن النبي ﷺ رَدَّ ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح الأول (٢) ولم يُحدث شيئاً، وكان ذلك بعد سنتين من إسلامها؛ فقد أسلمت قبل زوجها بسنتين.

стр. 316

هذا الحديث واضح الدلالة على ما ذكرنا خلافاً لجمهور العلماء الذين قيدوا الأمر بالعدة. بابُ المَهرِ والعِشرَةِ قال ﵀: (باب المَهْرِ وَالْعِشْرَةِ) المهر: هو الصَّداق وهو ما وجب على الزوج إعطاؤه لزوجته بسبب عقد النكاح. والعِشرة: الصُحبة والمخالطة بين الزوجين. قال: (المَهْرُ واجِبٌ، وَتُكْرَهُ المُغَالاةُ فِيهِ، وَيَصِحُّ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ أَوْ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ) المهر واجب على الزوج بمجرد تمام العقد، ولا يجوز إسقاطه، وأدلته كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، أي فريضة. وقال النبي ﷺ لمن أراد أن يتزوج بامرأة: «التمس ولو خاتماً من حديد» (١). الآية والحديث يدلان على وجوب المهر، وانعقد إجماع علماء الأمة على مشروعيته (٢). وقوله (وتُكره المغالاة فيه) أي في المهر؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : «هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئاً» قال: قد نظرت إليها، قال: «على كم تزوجتها؟ » قال: على أربع أواق، فقال له النبي ﷺ :

стр. 317

«على أربع أواق؟ ! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك؛ ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه»، قال: فبعث بعثاً إلى بني عبس بعث ذلك الرجل فيهم» (١). الأوقية: أربعون درهماً. وقوله: «كأنكم تنحتون الفضة من عرض الجبل» أي كأن الفضة متيسرة لكم وتنحتونها نحتاً من طرف الجبل. يدل هذا الحديث على جواز أن يكون المهر كثيراً - من حيث الجواز -؛ مع كراهة المغالاة. ولم نقل بالتحريم بل بالكراهة؛ لقول الله ﵎ ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ [النساء: ٢٠] الشاهد قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً﴾ والقنطار؛ كمية كبيرة من الذهب، فدلَّ هذا على أن المهر لا قدر لأكثره ولا لأقله، وسواء كان بمال أو بمنفعة- سيأتي الدليل عليه- فجائز. قال (ويصح ولو خاتماً من حديد أو تعليم قرآن) دليل ذلك حديث سهل بن سعد ﵁ في الصحيحين: أن امرأة جاءت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله ﷺ ، فصعَّد النظر إليها وصوَّبَه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست، فقام رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: «هل عندك من شيء؟ » فقال: لا والله يا رسول الله، قال: «اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا؟ » فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئاً، قال: «انظر ولو خاتماً من حديد» فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري - قال سهل: ما له رداء - فلها نصفه، فقال رسول الله ﷺ : «ما تصنع بإزارك؟ ! إن لَبِسْتَهُ لم يكن عليها منه شيء، وإن لَبِسَتْهُ لم يكن عليك شيء» فجلس الرجل حتى طال مجلسه ثم قام فرآه رسول الله ﷺ مولِّياً، فأمر به فدعي، فلما جاء قال: «ماذا معك من القرآن؟ » قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا- عدَّها - قال: «أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ » قال: نعم، قال: «اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن» (٢).

стр. 318

دلّ هذا الحديث على أن المهر واجب لا يسقط عن الزوج، وأنه يصحّ أن يكون مالاً ويصح أن يكون منفعة؛ لأن تعليم المرأة القرآن منفعة وليس مالاً. قال: (وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يُسَمِّ لَها صَدَاقَاً؛ فَلَها مَهْرُ نِسَائِها إِذا دَخَلَ بِها) إذا تزوج رجل امرأة ولم يذكر في العقد المهر الذي سيعطيها إياه؛ فلها مهر نسائها؛ أي لها مهر مثل ما تأخذ بقية النساء اللاتي في مثل مستواها؛ كأختها مثلاً وعمتها؛ فتأخذ هي كذلك في حال دخل بها؛ لحديث معقل بن سنان الأشجعي ﵁: «أن النبي ﷺ سُئِلَ عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً حتى مات؛ فقضى لها على صداق نسائها» (١) أي مَهْرُ مِثْلِها من النساء، وعليها العدة ولها الميراث. الشاهد أنه قضى لها على صداق نسائها أي لها مهر مثل مهر نسائها يعني النساء اللاتي هن في مستواها في الجمال والمال والبكارة من عصباتها؛ كأخواتها وعماتها وبنات عماتها؛ هذا إن دخل بها. وأما إن لم يسم لها صداقاً وطلقها قبل الدخول؛ فعليه المتعة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فمتعوهن؛ أي أعطوهن ما يستمتعن به من مال أو منفعة، وتقدَّر هذه المتعة على حسب حال الرجل من عسرٍ ويسر وما يناسب المرأة عرفاً. قال المؤلف ﵀: (وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيِمُ شَيْءٍ مِنَ المَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ) يجوز أن يكون المهر معجَّلاً ومؤجَّلاً. المعجل هو: المدفوع عند العقد، والمؤجل: يدفع بعد العقد.

стр. 319

ويجوز أن يكون بعضه معجلاً وبعضه مؤجلاً، لا بأس بذلك كله؛ لأنه عقْد معاوضة؛ يعني دفع شيء عوضاً عن شيء؛ كالثمن في البيع والشراء، فقد سمّاه الله ﵎ أجراً في كتابه. ولكن يستحب تقديم شيء من المهر قبل الدخول كما قال المؤلف ﵀؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ المتقدم في حادثة الرجل الذي أراد أن يتزوج فقال له ﷺ : «التمس ولو خاتماً من حديد» (١) متفق عليه. قال المؤلف: (وَعَلَيْهِ إِحْسانُ الْعِشْرَةِ) أي: على الرجل أن يحسن عشرة المرأة، والعشرة بمعنى الصحبة. فعليه أن يحسن عشرتها؛ أي أن يكرمها، ويتلطف معها، ويداعبها، ويرفق بها، ويعلمها، ويؤدبها، ويرحمها، ويكف الأذى عنها، ويعينها على طاعة الله، ويجنبها ما حرَّم الله، ويتحبب إليها، ويتزين لها، ويصبرعليها في الجماع إلى أن تقضي شهوتها، ويوسع النفقة عليها، ما استطاع؛ فهذا كله من إحسان العشرة. وإحسان العشرة واجب بقدر الاستطاعة؛ لقول الله ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، بالمعروف شرعاً وبالمعروف عرفاً. قال ﷺ : «استوصوا بالنساء خيراً؛ فإنهن خُلقنَ من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمَه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها على اعوجاجها، فاستوصوا بالنساء خيراً» (٢)؛ هذه وصية النبي ﷺ فلا بد أن يكون الرجل رفيقاً بالمرأة حنوناً عليها لطيفاً معها، فلا يستغل وضع القوة الذي وضعه الله فيه، ويتجبّر بها ويتسلط عليها؛ فهذا ليس من خلق المسلم ولا هو من العشرة الحسنة التي أوصى بها النبي ﷺ وأمر بها ربنا ﵎. وكما أن على الرجل إحسان العشرة؛ كذلك على المرأة أن تحسن عشرة زوجها؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

стр. 320

ويجب عليها أيضاً ما قاله المؤلف ﵀: (وَعَلَيْهَا الطَّاعَةُ) لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء: ٣٤]؛ الشاهد قوله: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾، وقال أيضاً: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً﴾؛ فالواجب على المرأة أن تكون مطيعةً لزوجها، وأن لا تكون ناشزاً، فإذا كانت ناشزاً، لم تكن مطيعة؛ فقد جعلت لزوجها عليها سبيلاً، وإذا كانت مطيعة لم تجعل له عليها سبيلاً. قال المؤلف ﵀: (وَمَنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ فَصَاعِداً عَدَلَ بَيْنَهُنَّ في الْقِسْمَةِ وما تَدْعُو الحَاجَةُ إليه، وإذا سَافَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ) عَدْلُ الرجل بين زوجاته واجب؛ لقول الله ﵎: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، ولقول النبي ﷺ : «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشِقُّهُ مائل» (١). فيقسِم لكل واحدة ليلة في المَبِيِت، وكذلك في كل ما يقدرعليه مما تحتاجه النساء؛ كالنفقة مثلاً. وليس المقصود أنه إذا أنفق على علاج واحدة من مرض مثلاً أن يعطي الثانية بدله من المال، هذا خطأ، ولكن المقصود أن لا يفضل واحدة على الأخرى في النفقة فيعطي إحداهما ما تحتاجه ويمنع الأخرى حاجاتها. وأما الجِماع والحب فهذا أمر لا يملكه المرء، ولكن لا يجوز له في نفس الوقت أن ينكَبَّ على مجامعة واحدة ويترك الأخرى كالمُعَلَّقَةِ، نعم لا يلزمه أن يجامع الثانية إن جامع الأولى وأن يجامع الثالثة إن جامع الأولى والثانية؛ لكن في الوقت نفسه لا يجوز له أن يهجر واحدة منهنَّ ويجعلها كالمُعَلَّقة.
следующие страницы →