← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

هذا الحديث واضح الدلالة على ما ذكرنا خلافاً لجمهور العلماء الذين قيدوا الأمر بالعدة. بابُ المَهرِ والعِشرَةِ قال ﵀: (باب المَهْرِ وَالْعِشْرَةِ) المهر: هو الصَّداق وهو ما وجب على الزوج إعطاؤه لزوجته بسبب عقد النكاح. والعِشرة: الصُحبة والمخالطة بين الزوجين. قال: (المَهْرُ واجِبٌ، وَتُكْرَهُ المُغَالاةُ فِيهِ، وَيَصِحُّ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ أَوْ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ) المهر واجب على الزوج بمجرد تمام العقد، ولا يجوز إسقاطه، وأدلته كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، أي فريضة. وقال النبي ﷺ لمن أراد أن يتزوج بامرأة: «التمس ولو خاتماً من حديد» (١). الآية والحديث يدلان على وجوب المهر، وانعقد إجماع علماء الأمة على مشروعيته (٢). وقوله (وتُكره المغالاة فيه) أي في المهر؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : «هل نظرت إليها؟ فإن في عيون الأنصار شيئاً» قال: قد نظرت إليها، قال: «على كم تزوجتها؟ » قال: على أربع أواق، فقال له النبي ﷺ :

стр. 317

«على أربع أواق؟ ! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك؛ ولكن عسى أن نبعثك في بعث تصيب منه»، قال: فبعث بعثاً إلى بني عبس بعث ذلك الرجل فيهم» (١). الأوقية: أربعون درهماً. وقوله: «كأنكم تنحتون الفضة من عرض الجبل» أي كأن الفضة متيسرة لكم وتنحتونها نحتاً من طرف الجبل. يدل هذا الحديث على جواز أن يكون المهر كثيراً - من حيث الجواز -؛ مع كراهة المغالاة. ولم نقل بالتحريم بل بالكراهة؛ لقول الله ﵎ ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ [النساء: ٢٠] الشاهد قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً﴾ والقنطار؛ كمية كبيرة من الذهب، فدلَّ هذا على أن المهر لا قدر لأكثره ولا لأقله، وسواء كان بمال أو بمنفعة- سيأتي الدليل عليه- فجائز. قال (ويصح ولو خاتماً من حديد أو تعليم قرآن) دليل ذلك حديث سهل بن سعد ﵁ في الصحيحين: أن امرأة جاءت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله ﷺ ، فصعَّد النظر إليها وصوَّبَه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست، فقام رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال: «هل عندك من شيء؟ » فقال: لا والله يا رسول الله، قال: «اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا؟ » فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ما وجدت شيئاً، قال: «انظر ولو خاتماً من حديد» فذهب ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري - قال سهل: ما له رداء - فلها نصفه، فقال رسول الله ﷺ : «ما تصنع بإزارك؟ ! إن لَبِسْتَهُ لم يكن عليها منه شيء، وإن لَبِسَتْهُ لم يكن عليك شيء» فجلس الرجل حتى طال مجلسه ثم قام فرآه رسول الله ﷺ مولِّياً، فأمر به فدعي، فلما جاء قال: «ماذا معك من القرآن؟ » قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا- عدَّها - قال: «أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ » قال: نعم، قال: «اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن» (٢).

стр. 318

دلّ هذا الحديث على أن المهر واجب لا يسقط عن الزوج، وأنه يصحّ أن يكون مالاً ويصح أن يكون منفعة؛ لأن تعليم المرأة القرآن منفعة وليس مالاً. قال: (وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يُسَمِّ لَها صَدَاقَاً؛ فَلَها مَهْرُ نِسَائِها إِذا دَخَلَ بِها) إذا تزوج رجل امرأة ولم يذكر في العقد المهر الذي سيعطيها إياه؛ فلها مهر نسائها؛ أي لها مهر مثل ما تأخذ بقية النساء اللاتي في مثل مستواها؛ كأختها مثلاً وعمتها؛ فتأخذ هي كذلك في حال دخل بها؛ لحديث معقل بن سنان الأشجعي ﵁: «أن النبي ﷺ سُئِلَ عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً حتى مات؛ فقضى لها على صداق نسائها» (١) أي مَهْرُ مِثْلِها من النساء، وعليها العدة ولها الميراث. الشاهد أنه قضى لها على صداق نسائها أي لها مهر مثل مهر نسائها يعني النساء اللاتي هن في مستواها في الجمال والمال والبكارة من عصباتها؛ كأخواتها وعماتها وبنات عماتها؛ هذا إن دخل بها. وأما إن لم يسم لها صداقاً وطلقها قبل الدخول؛ فعليه المتعة؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فمتعوهن؛ أي أعطوهن ما يستمتعن به من مال أو منفعة، وتقدَّر هذه المتعة على حسب حال الرجل من عسرٍ ويسر وما يناسب المرأة عرفاً. قال المؤلف ﵀: (وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيِمُ شَيْءٍ مِنَ المَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ) يجوز أن يكون المهر معجَّلاً ومؤجَّلاً. المعجل هو: المدفوع عند العقد، والمؤجل: يدفع بعد العقد.

стр. 319

ويجوز أن يكون بعضه معجلاً وبعضه مؤجلاً، لا بأس بذلك كله؛ لأنه عقْد معاوضة؛ يعني دفع شيء عوضاً عن شيء؛ كالثمن في البيع والشراء، فقد سمّاه الله ﵎ أجراً في كتابه. ولكن يستحب تقديم شيء من المهر قبل الدخول كما قال المؤلف ﵀؛ لحديث سهل بن سعد ﵁ المتقدم في حادثة الرجل الذي أراد أن يتزوج فقال له ﷺ : «التمس ولو خاتماً من حديد» (١) متفق عليه. قال المؤلف: (وَعَلَيْهِ إِحْسانُ الْعِشْرَةِ) أي: على الرجل أن يحسن عشرة المرأة، والعشرة بمعنى الصحبة. فعليه أن يحسن عشرتها؛ أي أن يكرمها، ويتلطف معها، ويداعبها، ويرفق بها، ويعلمها، ويؤدبها، ويرحمها، ويكف الأذى عنها، ويعينها على طاعة الله، ويجنبها ما حرَّم الله، ويتحبب إليها، ويتزين لها، ويصبرعليها في الجماع إلى أن تقضي شهوتها، ويوسع النفقة عليها، ما استطاع؛ فهذا كله من إحسان العشرة. وإحسان العشرة واجب بقدر الاستطاعة؛ لقول الله ﵎: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، بالمعروف شرعاً وبالمعروف عرفاً. قال ﷺ : «استوصوا بالنساء خيراً؛ فإنهن خُلقنَ من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبتَ تقيمَه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها على اعوجاجها، فاستوصوا بالنساء خيراً» (٢)؛ هذه وصية النبي ﷺ فلا بد أن يكون الرجل رفيقاً بالمرأة حنوناً عليها لطيفاً معها، فلا يستغل وضع القوة الذي وضعه الله فيه، ويتجبّر بها ويتسلط عليها؛ فهذا ليس من خلق المسلم ولا هو من العشرة الحسنة التي أوصى بها النبي ﷺ وأمر بها ربنا ﵎. وكما أن على الرجل إحسان العشرة؛ كذلك على المرأة أن تحسن عشرة زوجها؛ قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

стр. 320

ويجب عليها أيضاً ما قاله المؤلف ﵀: (وَعَلَيْهَا الطَّاعَةُ) لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً﴾ [النساء: ٣٤]؛ الشاهد قوله: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾، وقال أيضاً: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلاً﴾؛ فالواجب على المرأة أن تكون مطيعةً لزوجها، وأن لا تكون ناشزاً، فإذا كانت ناشزاً، لم تكن مطيعة؛ فقد جعلت لزوجها عليها سبيلاً، وإذا كانت مطيعة لم تجعل له عليها سبيلاً. قال المؤلف ﵀: (وَمَنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ فَصَاعِداً عَدَلَ بَيْنَهُنَّ في الْقِسْمَةِ وما تَدْعُو الحَاجَةُ إليه، وإذا سَافَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ) عَدْلُ الرجل بين زوجاته واجب؛ لقول الله ﵎: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]، ولقول النبي ﷺ : «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشِقُّهُ مائل» (١). فيقسِم لكل واحدة ليلة في المَبِيِت، وكذلك في كل ما يقدرعليه مما تحتاجه النساء؛ كالنفقة مثلاً. وليس المقصود أنه إذا أنفق على علاج واحدة من مرض مثلاً أن يعطي الثانية بدله من المال، هذا خطأ، ولكن المقصود أن لا يفضل واحدة على الأخرى في النفقة فيعطي إحداهما ما تحتاجه ويمنع الأخرى حاجاتها. وأما الجِماع والحب فهذا أمر لا يملكه المرء، ولكن لا يجوز له في نفس الوقت أن ينكَبَّ على مجامعة واحدة ويترك الأخرى كالمُعَلَّقَةِ، نعم لا يلزمه أن يجامع الثانية إن جامع الأولى وأن يجامع الثالثة إن جامع الأولى والثانية؛ لكن في الوقت نفسه لا يجوز له أن يهجر واحدة منهنَّ ويجعلها كالمُعَلَّقة.

стр. 321

وكذلك كان رسول الله ﷺ إذا سافر أقرَع بين نسائه؛ فمن خرجت القرعة لها سافرت معه (١)، هذه هي السُّنَّة في العدلِ بين النساء. والله أعلم قال المؤلف: (وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ نَوْبَتَها، أَوْ تُصالِحَ الزَّوْجَ على إِسْقاطِها) النوبة: يوم المرأة الذي يقسمه لها زوجها؛ وهو حقها ولها أن تتنازل عنه مقابل أن تبقى معه ولا يطلقها. لها أن تصالح زوجها على إسقاط حقّها في المبيت؛ لحديث عائشة ﵂: أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة (٢). وذلك لأن هذه النوبة حقّها؛ فإن شاءت أن تتنازل عنها تنازلت، وكذا عن النفقة والسكنى. قال تعالى: ﴿ ... فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]، قالت عائشة ﵂: هي المرأة تكون عند الرجل فلا يستكثر منها، فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، فتقول له: أمسكني ولا تطلقني، ثم تزَوَّج غيري وأنت في حلٍّ من النفقة عليَّ والقَسْمِ لي (٣). قال ﵀: (وَيُقيمُ عِنْدَ الجَدِيِدَةِ البِكْرِ سَبْعَاً، والثَّيِّبِ ثَلاثاً) البكر: التي لم يُدْخَل بها. والثيِّب: التي دُخِل بها. ودليل ما ذكره المؤلف حديث أنس في الصحيحين؛ قال: من السنة إذا تزوج البِكْرَ على الثيِّب أقام عندها سبعاً، ثم قَسَمَ، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً ثم قسم (٤).

стр. 322

أي إذا كان متزوجاً وأراد أن يتزوج الثانية، فإذا كانت الثانية بكراً؛ أقام عندها سبعاً ثم بدأ بالقسمة بينهما؛ فيبيت عند الأولى ليلة وعند الثانية ليلة. وإذا كانت الثانية ثيباً أقام عندها ثلاثاً ثم قسم. قال ﵀: (ولا يَجُوزُ الْعَزْلُ) العَزْلُ: هو أن يخرج ذَكَرَهُ من فرج المرأة قبل الإنزال. اختلف أهل العلم في حُكْمه؛ لورود أدلة متعارضة في حكمه؛ منها: حديث جابر ﵁ قال: كنّا نعزل والقرآن ينزل ... (١). ومنها: حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين؛ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبياً من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، وقلنا نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله؟ ! فسألناه عن ذلك، فقال: «ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة» (٢). هذه الأحاديث تدل على جواز العزل. وأما ما أخرجه مسلم من حديث جذامة بنت وهب الأسدية؛ أنهم سألوا رسول الله ﷺ عن العزل؛ فقال: «ذلك الوأد الخفي» (٣)؛ فيدل على عدم الجواز. والوأد هو دفن الطفل الصغير في التراب، كان أهل الجاهلية يفعلونه إما خشية الفقر أو خشية العار إن كانت بنتاً، وهو الوأد الظاهر، وأما العزل فهو الوأد الخفي. فشبَّه الأول بالثاني، مع أن الأول قتل والثاني لاقتل فيه. وبناء على اختلاف هذه الأحاديث اختلف العلماء في حكم العزل.

стр. 323

والراجح: جواز العزل لما دلّت عليه الأحاديث التي في الصحيحين، وأما حديث جذامة فمحمول على الكراهة، وحمله البعض على أنه تنفير من فعل أهل الجاهلية الذين كانوا يَئِدونَ أبناءهم، مع أن بين الوأدين فرق كبير. ولأهل العلم طرق كثيرة لتأويل هذا الحديث، ولا يبعد أن يكون المعنى الذي ذكره النبي ﷺ هنا إنما أراد به من فعل هذا خشية الإملاق - أي الفقر - الذي كان أهل الجاهلية يئدون أبناءهم-أي يدفنونهم أحياء - لأجله. قال ﵀: (ولا يَجُوزُ إِتْيانُ المَرْأَةِ في دُبُرِها) ورد في ذلك عدة أحاديث، ذهب الحافظ ابن حجر والشوكاني وغيرهما إلى تقوية بعضها ببعض. قال النووي ﵀: واتفق العلماء الذين يعتد بهم على تحريم وطء المرأة في دبرها حائضاً كانت أو طاهراً؛ لأحاديث كثيرة مشهورة .... (١). قال المؤلف: (والوَلَدُ للفِراشِ، ولا عِبْرَةَ لِشَبَهِهِ بِغَيْرِ صاحِبِهِ). أي إذا تنازع اثنان في ولد لمن هو؟ فيكون الولد لصاحب الفراش؛ لقوله ﵇: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (٢). وصاحب الفراش هو من كانت المرأة موطوءة له حين الولادة. والعاهر: هو الزاني؛ فله الخيبة والحرمان ولا حق له في الولد. وبناء على ذلك؛ فلا يعمل بالشبه الذي يكون بين الولد والرجل، بل المعتبر الفراش، كما قضى به النبي ﷺ .

стр. 324

قال المؤلف: (وإِذا اشْتَرَكَ ثَلاثَةٌ في وَطْءِ أَمَةٍ في طُهْرٍ مَلَكَها كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ فيه، فَجاءَتْ بِوَلَدٍ، وادَّعَوْهُ جَميعاً؛ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، وَمَنِ اسْتَحَقَّهُ بالقُرْعَةِ؛ فَعَلَيْهِ للآخَرَيْنِ ثُلُثا الدِّيَةِ) لِما جاء عن زيد بن أرقم ﵁؛ قال: أُتي علي وهو باليمن بثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد، فسأل اثنين، وقال: أتقرّان لهذا بالولد؟ قالا: لا، ثم سأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا، فجعل كلما سأل اثنين، قالا: لا، فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي أصابته القُرْعة، وجعل عليه ثلثي الدية، فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه» (١). كتابُ الطَّلاقِ قال المؤلف ﵀: (كتاب الطَّلاقِ)

стр. 325

الطَّلاقُ لغة: الحَلُّ ورفْعُ القيد مطلقاً، يُقال: طَلُقَتِ المرأةُ وأُطلقت أي سُرِّحت، ويقال: أَطْلَقَ الفرسَ؛ إذا خلَّاها. وأما اصطلاحاً؛ فرفع قيد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه. فكأن عقد النكاح الذي بين الزوجين قيدٌ يربطهما، وهذا الطلاق يفك القيد. قال المؤلف ﵀: (وهوُ جَائِز مِنْ مُكَلَّفٍ مُخْتارٍ) أما مشروعية الطلاق - أي جوازه - فأمْرٌ معلوم ضرورة، وهو من قطعيات الشريعة، وقد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال تعالى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾] البقرة/ ٢٢٩﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق /١]، وفي «الصحيحين» (١): أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فقال ﷺ لعمر: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء». وأما الإجماع؛ فأجمعت الأمة على جواز الطلاق وعلى مشروعيته (٢). وأما أنه جائز من مكلف - وهو البالغ العاقل- لا من غيره، فلقوله ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (٣)؛ فلا يقع طلاق الصبي والمجنون والنائم. أخرج بقوله (مختار)؛ المُكره؛ فالمكره على الطلاق بغير وجه حق لا يقع طلاقه؛ لقوله ﷺ : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه» (٤) والمُكرَه لا اختيار له ولا إرادة، والإرادة أساس التكليف بالأحكام الشرعية.

стр. 326

قال المؤلف: (ولو هازِلاً) والمراد: أن الطلاق جائز من مكلف مختارٍ ولو كان هازلاً؛ أي ولو كان هذا المكلف المختار مازحاً غير جادٍّ؛ فإن طلاقه يقع عند المؤلف وعند جمهور العلماء، استدلوا بقول النبي ﷺ : «ثلاثٌ جِدُّهن جِدّ وهَزْلُهُنَّ جِدّ: النكاح والطلاق والرجعة» (١) وهو حديث ضعيف. فإذا كان هذا الحديث ضعيفاً فيبقى معنا عموم قول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (٢)؛ والهازل اللاعب لم يكن قاصداً الطلاق فلا يقع طلاقه على الصحيح، والله أعلم. نقل بعضهم الإجماع، فإذا صح الإجماع في المسألة قلنا به، لكنه لا يصح. قال المؤلف: (لِمَنْ كانتْ في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّهَا فيهِ، ولا طَلَّقَها في الحَيْضَةِ التي قَبْلَهُ، أو في حَمْلٍ قَدِ اسْتَبانَ) هذا الطلاق يسمى طلاق السنة، فالطلاق الذي شرعه الله ﵎، إنما يكون على حال المرأة المذكور هنا؛ قال: (لمن كانت في طهر لم يمسها فيه) أي طلاق المرأة جائز إذا كانت طاهراً - ليست حائضاً- طهراً لم يمسها فيه، أي في طهرٍ لم يجامعها فيه. (ولا طلقها في الحيضة التي قبله)؛ فإذا طلقها في حيضةٍ مثلاً، يُلزَمُ بأن يرجعها، كما حصل مع ابن عمر، ولا يطلقها في الطهر الذي بعدها مباشرة؛ بل ينتظر حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر؛ بعد ذلك إذا شاء طلَّق وإذا شاء أمسك. فالطلاق لا يكون في طُهرٍ سُبِق بحيضٍ وقع فيه طلاق، هذا معنى قوله (ولا طلقها في الحيضة التي قبله)، فإذا طلقها في حيضةٍ فلا يطلِّق في الطهر الذي بعد هذه الحيضة.

стр. 327

قوله: (أو في حملٍ قد استبان)؛ أي في حملٍ قد اتضح وعُرِف بأن المرأة حامل، فيجوز له أن يطلق، فيكون طلاق الحامل طلاق سنة. فطلاق السنة أن يطلقها في طهرٍ لم يجامعها فيه، أو يطلقها وهي حامل. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق /١]، قال ابن عمر وابن عباس وغيرهما: الطهر من غير جماع، هذا معنى الطلاق في العدة، أي في طهر لم يجامعها فيه. وفي الصحيحين عن ابن عمر: أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله ﷺ ، فتغيظ فيه رسول الله ﷺ ثم قال: «ليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله » (١) هذا أمر من النبي ﷺ بإرجاعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، فهذه هي العدة التي أمر الله تعالى بها. وهذا الحديث يبين لنا الطلاق السني. فانظر هنا ماذا قال: يُرجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، هذا طهر سُبق بحيضة قد وقع فيها طلاق، قال: ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فلا يطلق في الطهر الذي بعد الحيضة مباشرة؛ بل يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فإذا طَهُرت بعد ذلك وقبل أن يجامعها، له أن يطلق إن أراد أن يطلق. قال: فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهراً قبل أن يمسها، هذا هو الضابط، فتلك العدة كما أمر الله . بيَّن النبي ﷺ العدة المقصودة في الآية. هذا الحديث هو دليل المؤلف على قوله: (ولا طلقها في الحيضة التي قبله) لأنه إذا طلقها في الحيضة لزمه أن يمسكها حتى تطهر من حيضتها التي طلقها فيها، ثم يبقيها عنده في طهرها ذاك، ثم تحيض، وبعد الانتهاء من الحيضة الثانية له أن يطلقها، هذا الذي دل عليه حديث ابن عمر. وأفاد أيضاً حديث ابن عمر عدم جواز طلاق المرأة وهي حائض.

стр. 328

وأما أنه لا يطلقها في طهرٍ جامعها فيه؛ ففي رواية في «الصحيحين» في نفس الحديث، قال: «فإن طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها أو يمسكها» هذا لفظ مسلم (١)، ولفظ البخاري (٢): «فإن أراد أن يطلقها فليطلقها حين تطهر من قبل أن يجامعها». وأما قوله: (أو في حملٍ قد استبان) أي يجوز له أن يطلقها وهي حبلى. دليله حديث ابن عمر السابق في رواية عند مسلم قال: «ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً» (٣) هذا يدل على أن طلاق المرأة وهي حامل طلاق سُنة. هكذا يكون طلاق السُّنة الموافق للشرع. والله أعلم قال المؤلف ﵀: (ويَحْرُمُ إيقاعُهُ على غَيْرِ هذهِ الصِّفَةِ، وفي وُقُوعِهِ ووقوعِ ما فَوْقَ الواحِدَةِ من دونِ تَخَلُّلِ رَجْعَةٍ خِلافٌ، والراجِحُ عَدَمُ الوقوعِ) أي على غير الصفة المذكورة؛ وهي في طهر لم يجامعها فيه، أو وهي حامل، ولا يكون في طهر قد سُبق بحيض، أما إن كان في طهر قد سُبق بحيضة طلقها فيها أو كان وهي حائض أو وهي نفساء فهذا كله يسمى طلاقاً بدعياً لأنه مخالف للشرع؛ لأمر الله بالطلاق لمن أراد أن يطلق للعدة؛ أي في العدة كما تقدم في الآية، وإذا لم يقع على الصورة التي ذكرها المصنف ﵀ فلا يكون طلاقاً للعدة. وهل يقع الطلاق البدعي مع الإثم أم يأثم فاعله ولا يقع؟ هنا نزاع كبير بين العلماء فأما الإثم في الطلاق البدعي فلا شك أن صاحبه يأثم إذا طلق وهو يعلم أن هذا الطلاق محرَّم، ولا إشكال في هذا. ولكن الإشكال عندنا في الوقوع، هل يقع هذا الطلاق الذي يسمى طلاقاً بدعياً أم لا يقع؟ خلاصة الأمر عند المؤلف هو ما ذكره ﵀ بقوله: (والراجح عدم الوقوع).

стр. 329

يستدل المصنف وغيره ممن يقول بعدم الوقوع، بأن مثل هذا الطلاق مخالف لشرع الله ﵎، فلا يندرج تحت العمومات التي وردت في الطلاق، وكذلك بقوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (١) أي عمله هذا مردود غير معتد به وهو غير معتبر في الشرع. وأما الجمهور الذين قالوا بأن الطلاق البدعي يقع فاستدلوا بقول النبي ﷺ لعمر: "مره فليرجعها". فأمَر ابن عمر بإرجاعها بعدما طلقها طلاقا بدعيا، وأمْره بالإرجاع يدل على وقوع الطلاق، وهو ظاهر اللفظ، وبذلك فهمه ابن عمر فكان يفتي بوقوع الطلاق، وهو صاحب القصة. ولعل هذا القول أرجح. والله أعلم. قوله (وما فوق الواحدة إذا لم يتخلله-أي الطلاق- رجعة خلاف). أي إذا قال الرجل لزوجته: أنتِ طالقٌ طالقٌ طالق، مباشرة، أو قال لها: أنتِ طالقٌ ثلاثاً في نفس اللحظة من دون أن يرجعها، أي دون أن يطلقها ثم يرجعها ثم يطلقها ثم يرجعها ثم يطلقها. هذه المسألة أيضاً من المسائل التي اختلف فيها العلماء اختلافاً كثيراً؛ أتقع ثلاث طلقات أم تقع طلقة واحدة؟ أم لا تقع شيئاً أصلاً؟ والصحيح أنها تقع واحدة فقط، فهذا الذي كان في عهد النبي ﷺ كما جاء في «صحيح مسلم» عن ابن عباس: «أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاثة تُجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ وثلاثاً من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم» (٢) فهذا يدل على أنها كانت على عهد النبي ﷺ وأيضاً في عهد أبي بكر وفي بداية عهد عمر ﵃، الثلاث واحدة، فهذا هو المعتبر وهو الصحيح إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: (فصل: ويَقَعُ بالكِنايَةِ مَعَ النِّيةِ)

стр. 330

يقع الطلاق باللفظ الصريح، وهي كلمة طالق وما يتصرف منها؛ كأن يقول الرجل لزوجته: أنتِ طالق، أو طلّقتكِ، أو أنتِ مطلقة، فهذه تعتبر ألفاظاً صريحة في الطلاق، لا نحتاج فيها للرجوع إلى النيات. لكن عندنا ألفاظ أخرى غير صريحة، وهي التي عبَّر عنها المصنف بـ (الكناية)، فهذه الألفاظ غير الصريحة لا يقع الطلاق بها إلا مع النية، كقوله مثلاً: اذهبي إلى بيت أهلك؛ فلو قال رجل لامرأته: اذهبي إلى بيت أهلك، هل تعتبر طالقاً؟ هذا اللفظ ليس من ألفاظ الطلاق الصريحة، لكن ربما يُستعمل ويراد به الطلاق، فيُكنى به عن الطلاق، فما الفارق بينه وبين أن يقول لها مثلاً: اذهبي إلى أهلكِ زيارة؟ الفارق هو النية. فالطلاق الذي يقع بألفاظ الكناية هذا لا بد فيه من اعتبار النية؛ فإن هذه الألفاظ تحتمل الطلاق وغيره. فلو قال رجل لزوجته: اذهبي إلى أهلك، أو اخرجي من بيتي، أو لا أحتاجك ونحو ذلك؛ وأراد بذلك الطلاق، وقع الطلاق، أما إذا قال لها: اذهبي إلى أهلك ولا يريد بذلك الطلاق، فلا يقع الطلاق، كما حصل مع كعب بن مالك، فقد جاء في «الصحيحين» (١) في قصة كعب الطويلة، لما أمره النبي ﷺ أن يعتزل امرأته، قال لها: الحقي بأهلك، ولم يرد طلاقها؛ بل أراد أن تبقى عند أهلها حتى يفرج الله عنه، فلم يقع ذلك اللفظ طلاقا. لكن جاء عن النبي ﷺ أيضاً أنه قال لابنة الجَوْن: الحقي بأهلك (٢)، فطلقها، فكلمة (الحقي بأهلك) واحدة. وجاء أيضاً عن إسماعيل ﵇ أنه لما أمره أبوه أن يغيِّر زوجته، قال لها: الحقي بأهلك (٣)، وأراد بذلك الطلاق، فوقع طلاقاً. إذاً يدل هذا على أن طلاق الكناية يقع، لكن بشرط النية، فالألفاظ عندنا نوعان: ألفاظ صريحة، وهذه لا تحتاج إلى أن نرجع فيها إلى النيات.

стр. 331

وألفاظ غير صريحة، وهي التي يقال لها: كنايات، وهذه لا بد فيها من النية. قال ﵀: (وبِالتَّخْيِيرِ إِذا اخْتارَتِ الفُرْقَةَ) إذا قال الرجل لزوجته: اختاري البقاء معي أو الطلاق، فاختارت الطلاق، وقع الطلاق في هذه الحالة. هذا ما يريده المصنف ﵀ بقوله (وبالتخيير إذا اختارت الفرقة) أي بتخيير المرأة، إذا خيَّرها زوجها وقال لها: الأمر إليكِ، إن شئتِ أن تبقي معي، وإن شئتِ أنتِ طالق، أو طلِّقي نفسك، أو أنتِ حرة، أو اختاري هكذا أو هكذا، فاختارت الطلاق؛ وقع الطلاق بهذا التخيير، لقول الله تعالى لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب / ٢٨ - ٢٩] وبعد نزول هذه الآية، خيَّر النبي ﷺ نساءه، وقالت عائشة: «خيَّرنا رسول الله ﷺ فاخترنا الله ورسوله، فلم يَعُدَّ ذلك علينا شيئاً» (١)، أي فلم يجعل النبي ﷺ هذا التخيير وهذا الاختيار الذي اخترنه طلاقاً. فيدل هذاعلى أن التخيير له أثر، لأنه لو لم يكن لتخييرهن أثر لم يكن له معنى، فما المعنى من التخيير إذا اخترنَ الطلاق ولا يقع الطلاق؟ إذا فللتخيير أثر. قال المؤلف: (وإذا جَعَلَهُ إلى غَيْرِهِ وَقَعَ مِنْهُ) أي إذا وكَّل في الطلاق شخصاً وطلقَّ الشخص زوجة الأول الموكِّل، وقع الطلاق في هذه الحالة. مثاله: زيد وكَّل عمراً بأن يطلق زوجته، فطلق عمرو زوجة زيد، فهنا وقع الطلاق؛ فالتوكيل جائز في الطلاق؛ لأنه حق من حقوق الرجل، يملكه هو، فله أن ينيب فيه كبقية الحقوق، يجعل له نائباً يقوم عنه بهذا العمل.

стр. 332

ومن طريف ما يُذكر في هذا، أن رجلاً كان متزوجاً أربع نسوة، وحصل بينه وبينهنَّ مشادَّة، وله جيران يسمعونه إذ البيوت متلاصقة، فأغضبنه، فقال للأولى: أنتِ طالق، فتكلمت الثانية فطلقها، فتكلمت الثالثة فطلقها، فتكلمت الرابعة فطلقها، فقامت امرأة الجيران وقالت له: حسبي الله عليك، أتطلق أربعة في يوم واحد؟ قال: وأنتِ طالق إن أذن زوجك، قال زوجها: قد أذِنت، قد أذنت، فطلقت المرأة، فطلق الخمسة في لحظة واحدة. قال المؤلف: (ولا يَقَعُ بالتَّحْرِيِمِ) أي بقوله لها مثلاً: أنتِ علي حرام، فحرَّمها على نفسه. قال المؤلف: لا يقع الطلاق بذلك، أي: بمجرد التحريم أن يقول لها: أنتِ علي حرام؛ لا يقع الطلاق. والصحيح أن في هذه المسألة تفصيلاً؛ فإذا نوى الطلاق بلفظ التحريم، فهو طلاق واقع، كبقية الكنايات، كالكناية التي قدمنا: الحقي بأهلك، وغيرها من ألفاظ الكنايات فكذلك هذه، إذا قال: أنتِ علي حرام وقصد الطلاق، وقع الطلاق لأنه يصبح من طلاق الكنايات. وإذا لم ينوِ الطلاق، فعليه كفارة يمين، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم ٢ - ١]، فهذا التفصيل هو الراجح والصحيح في هذه المسألة. قال المؤلف: (والرَّجُلُ أَحَقُّ بِامْرَأَتِهِ في عِدَّةِ طلاقِها، يُراجِعُها متى شاءَ إذا كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، ولا تَحِلُّ لهُ بَعْدَ الثالِثَةِ حتى تَنْكِحَ زَوْجَاً غَيْرَهُ) عدة الطلاق: هي المدة الزمنية المحدودة المحصورة التي تمسك فيها المرأة عن الزواج بعدما يطلقها زوجها، والرجل أحق بامرأته في عدة طلاقها. وستأتي المدة التي تجب عليها أن تبقى معتدة فيها. وإذا كانت المرأة لا زالت في فترة العدة فلزوجها أن يردها، وترجع زوجة له من غير عقد جديد، ولا يجوز لأحد أن يتزوجها في هذه المدة؛ فلا يزال لزوجها الأحقية فيها؛ لأنها ما زالت زوجة له لا تنفصل عنه إلا بعد الانتهاء من العدة، فالرجل أحق بامرأته في عدة طلاقها وذلك في الطلاق الرجعي أي بعد الطلقة الأولى والطلقة الثانية؛ له أن يردها، لكن بعد الطلقة الثالثة ليس له أن يردها إلا بعد أن تنكح زوجاً آخر برغبة، ويدخل بها، ثم إذا طلقها فلزوجها الأول أن يتزوجها بعد ذلك، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ

стр. 333

ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة /٢٢٨]، فهذه عدة المطلقة؛ ثلاثة قروء، والقرء قيل: الحيض، وقيل: الطهر، وسيأتي الحديث عن هذا إن شاء الله. قالت عائشة: « ... كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أطلقك فتبيني مني، ولا آويك أبدا، قالت: وكيف ذاك؟ قال: أطلقك، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها، فسكتت عائشة، حتى جاء النبي ﷺ فأخبرته، فسكت النبي ﷺ ، حتى نزل القرآن: " ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩] "، قالت عائشة: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا من كان طلق، ومن لم يكن طلق» (١)، أي تبقى امرأته إذا راجعها في عدتها. وقوله: (والله لا أطلقكِ فتبيني مني) أي فتنفصلي عني، تنهي العدة وتنفصلي، لا أطلقكِ بهذا الشكل. وقوله (ولا آويكِ أبداً)، أي: لا تبقين زوجتي دائماً، ولا أطلقكِ حتى تنفصلي عني، أي يتركها معلقة. وأما كونها لا تحل له بعد الثالثة حتى تنكح زوجاً آخر، فلقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة/ ٢٣٠] أي فإن طلقها الزوج الأول فلا تحل أن ترجع له حتى تنكح زوجاً آخر، فإن طلقها الثاني فلها أن ترجع لزوجها الأول. وفي الصحيحين قال ﷺ لامرأة رفاعة القرظي: «لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» (٢) أي: حتى يجامعها زوجها الثاني ولا يكفي مجرد العقد. إذن بعد أن يطلق الرجل زوجته المرة الثالثة، ينفصل عنها ولا يجوز له أن يرجعها حتى تتزوج زوجاً ثانياً نكاح رغبة وليس نكاح تحليل؛ أي يتزوجها ويطلقها من أجل أن يردها للأول.

стр. 334

لا، بل نكاح رغبة، يكون راغباً بها ويريدها ويقع بينهما جماع وهو معنى قوله ﷺ حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته، يعني يقع بينهما جماع، ثم بعد ذلك إن طلقها فللأول أن يردها. باب الخلع قال المؤلف ﵀: (باب الخلع) الخلع لغة: النزع، يقال: خلع الرجل ثوبه؛ أي نزعه؛ ومنه أخذ المعنى الشرعي؛ لأن كل واحد من الزوجين لباس للآخر ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة /١٨٧]. وأما في الشرع: فهو فراق الرجل امرأته بعوض يأخذه منها. أي تدفع المرأة للزوج بدلاً للفراق كالمهر الذي أخذته منه عند الزواج مثلا؛ فيفارقها. قال المؤلف ﵀: (وإذا خَالَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ كان أَمْرُهَا إليها، لا تَرْجِعُ إليهِ بِمُجَرَّدِ الرَّجْعَةِ) إذا كرهت المرأةُ الرجل إما لخَلْقه أو لخُلُقه أو لدينه أو لكبر سنه أو لأي سبب من الأسباب وخشيت أن لا تؤدي حق الله في زوجها والإحسان إليه؛ جاز لها أن تطالبه بالفراق، مقابل أن تدفع له شيئاً، إما المهر الذي قدمه لها أو غيره، على حسب ما يتفقان عليه، ويسمى هذا خُلْعاً. أما الرجل فإنه إذا كره المرأة؛ فالطلاق بيده يطلقها إذا شاء.

стр. 335

فجُعل الخُلْعُ للمرأة كي تتمكن من الانفصال عن زوجها من غير أن تقع فيما حرَّم الله ﵎، فإن الحياة الزوجية لا تقوم إلا على المحبة والرحمة وحسن العشرة بين الزوجين. ودليل مشروعية الخلع قول الله ﵎ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة / ٢٢٩]، وعن ابن عباس قال: «إن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أَعِيبُ عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «أتردِّين عليه حديقته؟ » قالت: نعم، قال رسول الله ﷺ : «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» (١). وفي رواية عند البخاري في «صحيحه»: «فأمره ففارقها» (٢). فهذا يدل على مشروعية الخلع، فإذا خالع الرجل المرأة تنفصل عنه، وليس له أن يراجعها؛ فالخلع فسخ وليس طلاقاً كما سيأتي إن شاء الله. قال المؤلف ﵀ (وَيَجُوزُ بالقَليلِ والكَثيرِ ما لَمْ يُجاوِزْ ما صارَ إليها مِنْهُ) أي يجوز للرجل أن يأخذ عوضاً عن فراقها القليل والكثيرمن المال للخلع، المهم أن تدفع له شيئاً من أجل أن يفارقها؛ لقوله تعالى ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾؛ لأن (ما) اسم موصول يفيد العموم فيشمل القليل والكثير. وأما قوله (ما لم يجاوز ما صار إليها منه) فمعناه مالم يجاوز المهر الذي دفعه إليها، فلو أن الزوج أعطاها مهرا للزواج بها ألف دينار، فما يأخذه منها للخلع لا يتجاوز ألف دينار، على قول المؤلف. فالمؤلف ﵀ يشترط في الخلع أن لا يزيد عما دفع الرجل للمرأة من مهر. والمسألة محل خلاف بين العلماء؛ فاستدل المؤلف بزيادة في حديث امرأة ثابت بن قيس أن النبي ﷺ قال لها: «أما الزيادة فلا ولكن حديقته» قالت: نعم» (٣)، أي قال لها النبي ﷺ أما الزيادة على الحديقة فلا، ولكن رُدي عليه الحديقة فقط.

стр. 336

ولو صح هذا الحديث لكان ما ذهب إليه المؤلف ﵀ قوياً، لكن هذه الرواية ضعيفة فلا تصلح حجة في هذا الباب. يبقى معنا عموم قول الله ﵎ ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة / ٢٢٩]؛ لما تقدم من أن (ما) اسم موصول يفيد العموم فيشمل القليل والكثير مما افتدت به. فالصواب أن الآية تبقى على عمومها فيجوز بالقليل والكثير. قال المؤلف ﵀: (وَلا بُدَّ مِنَ التَّراضي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ على الخُلْعِ، أو إِلْزامِ الحاكِمِ مع الشِّقاقِ بينهما) يجب أن يتم الخلع بالتراضي بين الزوجين؛ لقول الله ﵎ ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء ١٢٨ /]. فإن لم يحصل التراضي بينهما؛ فيُرفع الأمر إلى الحاكم؛ وهو الذي يقضي به إن رأى ذلك؛ لأن النبي ﷺ لما جاءته امرأة ثابت بن قيس هو الذي حكم بالخلع وألزم ثابتاً به. قال المؤلف ﵀: (وهو فسخٌ وعِدَّته حيضة) الخلع فسخ للنكاح وليس طلاقاً، وبين الفسخ والطلاق فرق. فالفسخ؛ رفع عقد النكاح ونقضه؛ ولا يأخذ حكم الطلاق، فلا يُحسب من الطلقات الثلاث. إذا طلق مرتين وفسخ وأراد ردها، إذا قلنا هو طلاق؛ فلا يجوز له ردّها، أما إذا قلنا ليس طلاقاً فيجوز، وعلى قولنا إن الفسخ ليس بطلاق؛ إذا حصل فسخٌ مع طلقتين فيجوز له ردها هذا الفرق الأول بين الفسخ والطلاق وهو أن الفسخ لا يحسب من الطلقات الثلاث. الفرق الثاني: لا تعتد المرأة بثلاث حيضات في الفسخ، بل تعتد بحيضة واحدة لتستبرئ الرحم فقط. الفرق الثالث: ليس للزوج حق الرجعة فيه، بينما في الطلاق له في أثناء العدة الحق أن يرجعها.

стр. 337

هذه ثلاث فروق ما بين الفسخ والطلاق. والدليل على أن الخلع فسخ وليس طلاقاً أن النبي ﷺ أمر امرأة ثابت أن تعتد بحيضة (١)، والحديث في «سنن أبي داود» وغيرها. قال الخطابي ﵀ معلقاً على قصة زوجة ثابت: "في هذا الحديث دليل على أن الخلع فسخ وليس بطلاق، ولو كان طلاقاً لاقتضي فيه شرائط الطلاق من وقوعه في طهر لم تمس فيه المطلقة، ومن كونه صادراً من قبل الزوج وحده من غير مرضاة المرأة، فلما لم يتعرف النبي ﷺ الحال في ذلك فأذن له في مخالعتها في مجلسه ذلك؛ دل على أن الخلع فسخ وليس بطلاق، ألا ترى أنه لما طلق ابن عمر زوجته وهي حائض أنكر عليه ذلك وأمر بمراجعتها وإمساكها حتى تطهر فيطلقها طاهراً قبل أن يمسها. وإلى هذا ذهب ابن عباس واحتج بقول الله تعالى ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٩، قال: ثم ذكر الخلع فقال ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ سورة البقرة الآية ٢٢٩، ثم ذكر الطلاق فقال ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ سورة البقرة الآية ٢٣٠، فلو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق أربعاً، وإلى هذا ذهب طاووس وعكرمة وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور. انتهى من «معالم السنن» (٣/ ٢٥٤ فما بعدها). باب الإيلاء الإيلاء هو اليمين في اللغة، وهو مصدر: آلى، يؤلي، إيلاءً، أي: حلف. وأما في الشرع؛ فقال المؤلف ﵀: (هو أن يحلِف الزوجُ على جميع نسائه - أو

стр. 338

بعضِهِنَّ-: لا أقربُهُنّ) معنى الإيلاء في الشرع أن يحلف الزوج على زوجته قائلا مثلا: والله لن أجامع زوجتي فلانة، أو لن أجامع جميع زوجاتي. قال المؤلف ﵀: (فإن وَقَّتَ بدونَ أربعةِ أشهر؛ اعتزل حتى ينقضيَ ما وقَّت به، وإن لم يوقِّت شيئاً أو وقَّت بأكثر منها؛ خُيِّر بعد مُضيِّها بين أن يفِيءَ أو يُطلِّق) معنى التوقيت أن يذكر مدة زمنية محددة كشهر أو شهرين، فإن وقَّت عند حلفه، فقال مثلا: لا أجامع زوجتي لمدة شهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر؛ فلا يجوز له أن يجامع زوجته حتى تنقضي المدة التي ذكرها، كما ثبت عن النبي ﷺ في الصحيح أنه آلى من نسائه شهراً، ولما انتهى الشهر رجع النبي ﷺ إلى جماع نسائه (١)، هذا إذا وقَّت مدة أقل من أربعة أشهر، أو أربعة أشهر. وإذا حلف أن لا يجامع زوجته دون ذكر وقت أصلا، أو بذكر أكثر من أربعة أشهر؛ يخيَّر إذا انتهت الأشهر الأربعة بين أن يطلقها أو يرجع ويكفر عن يمينه. وهذا دليله قول الله ﵎ ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٦ و ٢٢٧] إذا حلف أن لا يجامع زوجته أكثر من أربعة أشهر؛ فإما أن يرجع عن يمينه فتلزمه كفارة يمين، أو يطلق ولا شيء عليه باب الظهار الظهار لغة: مشتق من الظهر، وخصوا الظهر لأن كل مركوب يسمى ظهراً، لحصول الركوب على ظهره في الأغلب، فشبَّهوا الزوجة بذلك. وعرفه المؤلف شرعاً بقوله: (وهو قول الزوج لامرأته: أنتِ عليّ كظهرِ أمي، أو ظاهرتُكِ، أو نحو ذلك) هذه صورته، أن يقول الرجل لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، يعني كما أن ظهر أمه محرم

стр. 339

عليه، فلا يحل له جماعها، كذلك أنتِ تكونين محرمة علي كما أن أمي محرمة عليّ. ومثله أن يقول: أنت علي كظهر أختي أو خالتي أو عمتي، إحدى محارمه. وليس منه أن يقول: أنت محرمة علي. فقط. والظهار محرم في الشرع لقول الله تعالى ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ المجادلة ٢ فسماه الله منكراً وزوراً، أي كذبا، ومعناه أن الزوجة ليست كالأم في التحريم. قال المؤلف ﵀: (فيجبُ عليه قبلَ أن يَمَسّها أن يكفِّر: بعتقِ رقبةٍ، فإن لم يجد فليُطعِم ستينَ مسكيناً. فإن لم يجد فصيامُ شهرين مُتتابعين) إذا حصل الظهار من الزوج، قال لزوجته: أنتِ علي كظهر أمي، ماذا يجب عليه؟ يجب عليه ما ذكره المؤلف ﵀ وهو المذكور في قول الله ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ المجادلة [٣ و ٤]. فمن ظاهر من امرأته وأراد أن يجامعها؛ وجب عليه قبل أن يجامعها أن يعتق رقبة، يعني يحرر مملوكا، وهذا اليوم في الغالب غير متوفر، ففي حال عدم توفره أو القدرة عليه ينتقل إلى التي بعدها: قال الله ﵎: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ فعليه صيام شهرين متتابعين أي لا يفرق بينها، قبل أن يمس امرأته، أي قبل أن يجامعها. فإن لم يستطع الصيام انتقل إلى الإطعام، يطعم ستين مسكيناً؛ لقوله تعالى ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ وقدر الإطعام في هذا الباب لم يصح فيه شيء، فيطعم عن كل مسكين ما يشبعه؛ لأن هذا الباب لم يصح فيه شيء نلزم الناس به، وبعض أهل العلم قاسه على فدية ارتكاب المحظور في الحج، يطعم كل مسكين نصف صاع يعني مدين، إن فعل ذلك فهو أحوط وإلا لا نلزمه لأن الله لم يقيِّد هنا بشيء، إنما يطعم ستين مسكيناً من أوسط طعام أهل البلد، ما يُشبع المسكين هذا الواجب فقط. قال المؤلف ﵀: (ويجوزُ للإمام أن يُعينَه من صدقاتِ المسلمينَ؛ إذا كان فقيراً لا يقدرُ على الصوم، وله أن يَصرفَ منها لنفسهِ وعِياله)

стр. 340

يجوز للإمام أن يُعينَ المظاهر من صدقات المسلمين إذا كان فقيراً لا يقدر على الصوم ولا على الإطعام، فإذا وجب عليه الإطعام ولا يقدر عليه وكان فقيراً فللإمام أن يعينه على ذلك كما فعل النبي ﷺ مع من جامع في نهار رمضان، أعانه النبي ﷺ وأعطاه من أموال الصدقات (١). وقوله: وله أن يصرف منها لنفسه وعياله، له أن يصرف مما أعطاه الإمام لنفسه وعياله. المؤلف يستدل بحديث سلمة بن صخر في قصة الظهار (٢)، هذا الحديث ضعيف أعلَّه البخاري ﵀ بالانقطاع بين سليمان بن يسار وسلمة بن صخر فلا يعوَّل عليه. وكذا حديث خولة وابن عباس لا يصحان. وإذا لم يقدر على الصيام وكان فقيرا ولم يجد من يعينه تبقى الكفارة في ذمته حتى يقدر عليها، وله أن يجامع زوجته. قال المؤلف ﵀: (وإذا كان الظهارُ مؤقّتاً؛ فلا يرفعه إلا انقضاءُ الوقت) أي إذا قال الرجل لامرأته: «أنتِ علي كظهر أمي شهراً، أو أسبوعا» فقيد بوقت محدد، يقول المؤلف: لا يقرب زوجته حتى ينقضي الشهر، وظاهر كلامه أنه لا كفارة عليه، والذين قالوا بهذا، قالوا: فُرضت الكفارة لأنه يريد أن يعود فيما قال، وهذا إذا وقَّت الظهار بوقت معيَّن وتقيد بما قال؛ لم يعد فيما قال؛ فلا تلزمه كفارة، وهذا القول هو قول ابن عباس وعطاء وقتادة وسفيان وأحمد وإسحاق وهو أحد قولي الإمام الشافعي ﵀ وهو الصواب؛ لأنه ظاهر كتاب الله ﵎. قال المؤلف ﵀: (وإذا وطئَ قبلَ انقضاء الوقت، أو قبل التكفيرِ؛ كفَّ حتى يكفِّر في المطلقِ، أو ينقضيَ وقتُ المُؤقَّت) إذا جامع المظاهر قبل انتهاء الوقت الذي حدده، إذا كان ظهاره مؤقتاً

стр. 341

رجل قال لزوجته: أنتِ علي كظهر أمي لمدة شهر، وجامع زوجته قبل انتهاء الشهر؛ وجب عليه أن لا يعود إلى الجماع مرة أخرى، وأن يكف عنه إلى أن تنتهي المدة، هذا ما قاله المؤلف، وظاهر كلامه أنه لا كفارة عليه. والصحيح تلزمه الكفارة؛ لأنه عاد فيما قال. والقول بأنه لا تلزمه كفارة مخالف لظاهر الآية. وقوله: حتى يكفِّر في المطلق، المطلق يعني غير مقيد بوقت، الآية وردت في منع المُظاهر من جماع امرأته إلى أن يكفِّر بعتق رقبة، أو بصيام، فقال بعد ذكر العتق والصيام: ﴿مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾. فإذا كانت الكفارة عتق أو صيام فيلزمه إذا جامع قبل أن يكفر؛ أن يكف عن الجماع حتى يكفر، ولا شيء آخر عليه سوى التوبة للمخالفة، ولا يوجد دليل يلزمه بكفارة ثانية. المؤلف استدل بحديث ابن عباس: «لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله» (١) رفعه، وهو ضعيف، أعله أبو حاتم الرازي (٢) والنسائي (٣) وصححا المرسل، والصواب فيه الإرسال. أما في الإطعام فلم يذكر بعده ما ذكره بعد العتق والصيام، فلا يشترط تقديم الكفارة على الجماع فيها. الخلاصة: أنه إذا جامع قبل انتهاء المدة -إذا كان قد حدد مدة معيَّنة- تلزمه الكفارة، وإذا لم تكن المدة محددة؛ تلزمه أيضاً الكفارة، وإذا كانت الكفارة عتق رقبة أو صيام؛ فلا يجوز له أن يجامع حتى يكفّر، وإذا حصل وجامع قبل التكفير فيكف عن الجماع حتى يكفر، وأما إذا كانت الكفارة الإطعام فيجوز أن يجامع ويطعم بعد ذلك على الصحيح. والله أعلم.

стр. 342

بابُ اللِّعَانِ اللعان لغة: مصدر لاعَنَ، مشتق من اللعن، وهو الطرد والإبعاد. وأما شرعاً: فهو شهادات مؤكَّدات بأيمانٍ من الجانبين، من جانب الزوج والزوجة، مقرونة بلعن من الزوج وغضبٍ من الزوجة، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله. قال المؤلف ﵀: (إذا رمى الرجلُ امرأته بالزنا، ولم تُقِرَّ بذلك، ولا رجع عن رميه؛ لاعنها، فيَشهدُ الرجلُ أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تشهد المرأةُ أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين) ذكر المؤلف ﵀ هنا سبب اللعان وكيفيته. أما سببه فأن يرمي الرجل زوجته بالزنا، فإن أقرَّت رُجمت؛ لأنها متزوجة، والزانية المتزوجة الثيب تُرجم، وإن أنكرت لزِم الزوج أن يأتي بأربعة شهود، فإن لم يفعل؛ فإما أن يتراجع، وعندئذ يُجلد حد القاذف، أو لا يتراجع ولا يأتي بالشهود فيلزمه أن يلاعنها. وأما كيفية الملاعنة: فأن يقول الزوج أولاً عند الحاكم: أَشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، ويشير إليها إن كانت موجودة، فإن لم تكن موجودة يسمِّها باسمها بما تُعرف به، يفعل ذلك أربع مرات، وفي المرة الخامسة يقول: لعنة الله عليّ إن كنتُ من الكاذبين. ثم تقول المرأة بعده أربع مرات: أَشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: غضَب اللهِ علي إن كان من الصادقين، ثم يفرَّق بينهما. وكذلك يفعلون إذا نفى الرجل حمل امرأته، إذا كانت زوجته حامل ونفى الحمل؛ قال: هذا الحمل ليس لي كذلك يلاعن الرجل زوجته.

стр. 343

ودليل اللعان قول الله ﵎ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ *وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٦ - ٩]. ووردت فيه عدة أحاديث في الصحيحين، منها حديث ابن عمر، قال سعيد بن جبير: قلت: أبا عبد الرحمن المتلاعنان أيفرق بينهما؟ قال: سبحان الله! نعم، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان، قال: يا رسول الله، أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، قال: فسكت النبي ﷺ فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله هؤلاء الآيات في سورة النور: ﴿والذين يرمون أزواجهم ... ﴾ [النور: ٦ - ٩] فتلاهن عليه، ووعظه وذكره، وأخبره: أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا، والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها. ثم دعاها فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. قالت: لا، والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أنّ غضَب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما (١). قال المؤلف ﵀: (وإذا كانت حَامِلاً أو كانت قد وضَعتْ أَدخَل نفيَ الوَلدِ في أَيْمانِه) إذا كانت زوجة الرجل الذي لاعنها حاملا؛ ينكر الولد الذي في بطنها، أو كانت قد وضعت الولد ويتهمها بالزنا وأن هذا الولد ليس ولده، قال المؤلف: يدخل الزوج نفي الولد في أيمانه، أي أنه يقول أيضاً الولد ليس ابني. لكن هذا الذي ذكره المؤلف ليس عليه دليل صحيح، فالأدلة في الصحيحين تدل على خلاف ما ذكره ﵀، فحديث ابن عمر المتقدم ليس فيه الانتفاء من الولد، مع أن المرأة كانت حاملاً كما في بعض الروايات، ففي رواية: «وكانت حاملاً، فكان ابنها يُدعى إلى أمه، ثم جرت السُّنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها» (٢) وفي رواية ابن عمر نفسه قال:

стр. 344

«ففرق رسول الله ﷺ بينهما وألحق الولد بأمه» (١)، عندما سئل ابن عمر عن ذلك، قال: نعم، فهذا يرد على ما ذكره المصنف ﵀. والرجل يجب أن ينتفي من الولد كما في رواية ابن عمر كي لا يُنسب إليه إذا كان يتهم المرأة بالزنا وأن الولد الذي في بطنها ليس له، فلا بد أن يعلن انتفاءه من الولد، وأما الإدخال في الأيمان فهذا الذي لا نعرف عليه دليلاً. قال المؤلف ﵀: (ويفرِّق الحاكمُ بينهما، وتَحرُمُ عليه أبداً) تفريق الحاكم بينهما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ فرّق بين المتلاعنين، وقد تقدم في حديث ابن عمر، وأما أنها تحرم عليه أبداً؛ ففي رواية أبي داود في حديث سهل قال: «حضرت هذا عند رسول الله ﷺ ، فمضت السُّنة بعدُ في المتلاعنَيْن أن يفرَّق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا» (٢) ... وفي الصحيحين: أنه طلقها ثلاثا قبل أن يأمره النبي ﷺ ، قال الزهري راوي الحديث: «فكانت تلك سنة المتلاعنين» (٣). فلا ترجع إليه أبداً ولا يمكنه أن يتزوج بها مرة أخرى. قال المؤلف ﵀: (ويُلحقُ الولدُ بأمَّهِ فقط، ومَن رَمَاهَا به فهو قاذِف) يُلحق الولد بأمه فقط ولا يُنسب إلى أبيه، ففي البخاري من حديث سهل المتقدم قال: «وكان ابنها يُدعى إليها» (٤)، وفي حديث ابن عمر: «وألحق الولد بأمه» (٥). ومن رماها به فهو قاذف، من رماها بالزنا أو قال: إن الولد ولد زنا فهو قاذف، والقاذف هو الذي يرمي آخر بالزنا، والقاذف عليه حد القذف إذا لم يأت ببينة: جلد ثمانين جلدة، لأن المرأة تدخل في ضمن المحصنات، فهي داخلة في عموم قول الله ﵎ (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة النور: ٤] الشاهد أنه قال: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ) وهذه المرأة محصنة لأنه لم يثبت عليها الزنا فلذلك لا يجوز رميها به.

стр. 345

بابُ العِدَّةِ والإحدِادِ العدة، تقدم تعريفها: وهي تربُّص المرأة مدة محددة شرعاً بسبب فرقة نكاح أو وفاة. والإحداد، ويقال له الحِداد، مشتق من الحَدّ وهو المنع؛ لأن المرأة تمنع نفسها الزينة والطيب عند الإحداد. وهو في الشرع: ترك الطيب والزينة. قال المؤلف ﵀: (هي للطَّلاقِ من الحَاملِ بالوَضْعِ، ومن الحَائضِ بثلاثِ حِيَضٍ، ومن غَيرِهِما بثلاثةِ أَشهُرٍ، وللوفَاةِ: بأربعةِ أشهُرٍ وعَشْراً، وإن كانت حامِلاً فبالوضْعِ). عدة المطلقة الحامل تنتهي بوضع الحمل؛ لقول الله ﵎ (وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [سورة الطلاق: ٤]. وأما عدة المطلقة التي تحيض، فثلاث حيض؛ لقول الله ﵎ ... (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ) [سورة البقرة: ٢٢٨]، القرء يطلق على الحيض وعلى

стр. 346

الطهر؛ لذلك اختلف أهل العلم هل العدة في حقها الحيض أم الطهر؟ لكن الظاهر أن الصحيح في ذلك هو الحيض. وغير الحامل والحائض عدتها ثلاثة أشهر، الصغيرة التي لم تحض بعد أو الكبيرة التي يئست من المحيض، هذه عدتها ثلاثة أشهر؛ لقول الله ﵎ (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) [سورة الطلاق: ٤]، أيضا عدتهن ثلاثة أشهر، فالمرأة التي لا تحيض وليست حاملاً عدتها ثلاثة أشهر قمرية وليست أشهراً ميلادية، نحن ذكرنا من قبل أن أي توقيت بالأشهر في الشرع فمباشرة تفهم أن المراد بالأشهر الأشهر القمرية لا الميلادية، هذا المعتبر في شرع الله. وأما المتوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام؛ لقوله ﵎ (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) [سورة البقرة: ٢٣٤]، إلا إن كانت حاملاً فعدتها تنتهي بوضع الحمل، لدخولها في عموم الآية المتقدمة: (وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) [سورة الطلاق: ٤]، هذه لفظة عامة تدخل فيها المطلقة المتوفى عنها زوجها، ولحديث سُبَيْعة الأسلمية: مات زوجها وهي حامل ووضعت حملها بعد موته بقليل فتجهزت للخطاب، فقال لها أبو السنابل: والله ما أنتِ بناكحٍ حتى تمر عليكِ أربعة أشهر وعشر، فسألت النبي ﷺ ، قالت: أفتاني -أي النبي ﷺ بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزوج إن بدا لي. متفق عليه (١). فهذا يدل على أن عدة الحامل تنتهي بوضع الحمل سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها. قال المؤلف ﵀: (ولا عِدَّةَ على غيرِ مَدخُولَةٍ) أي المرأة إذا لم يُدخل بها- أي لم يجامعها زوجها - فهذه لا عدة عليها؛ لقول الله ﵎ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا) [سورة الأحزاب: ٤٩]. قال ﵀: (والأَمةُ كالحُرَّةِ) أي الأمة المملوكة تعتد كما تعتد الحرة لا فرق بينهما، ولا يصح حديث في تخصيص عدة الأَمة بحكمٍ مخالف لحكم عدة الحرة، والأحاديث التي يستدل بها مَن يفرِّق بينهما في العدة،

стр. 347

فيجعل عدة الأمة حيضتين وعدة الحرة ثلاث؛ لا يصح منها شيء، فيبقى عندنا الأصل: العمومات التي وردت تنطبق على الحرة وعلى الأمة. قال: (وعلى المُعتدّةِ للوفاةِ: تركُ التَّزيُّنِ) لقوله ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تُحِدّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوجٍ أربعة أشهر وعشراً» متفق عليه (١). وله شواهد في الصحيحين وغيرهما، منها حديث أم عطية: عن النبي ﷺ قالت: «كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا، إلا ثوب عصب، وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظفار، وكنا ننهى عن اتباع الجنائز» (٢). ولا يصح حديث يخالف هذه الأحاديث، وإذا خالف حديث خارج الصحيحين ما في الصحيحين يطرح ما خارج الصحيحين، إذا لم يمكن الجمع أو يثبت النسخ من غير تكلف. انتهى المؤلف من العدة، وبدأ بالإحداد، الإحداد يكون في حق المرأة التي توفي عنها زوجها: أربعة أشهر وعشرا، أما غير الزوجة؛ فلا يجوز للمرأة أن تحد على أحد إلا ثلاثة أيام، وليس أكثر، لظاهر الحديث المتقدم. والإحداد: هو ترك التزين والتطيب كما تقدم، وهذا الحكم الذي ذُكر أن المرأة تحد على زوجها أربعة أشهر وعشر في غير الحامل، وأما الحامل فبوضع الحمل ينتهي الإحداد، والإحداد يكون للموت فقط لا لغيره، والطلاق لم يرد ما يدل على الإحداد فيه، ولم تكن نساء السلف يفعلنه، ثم معنى الإحداد التظهُّر بما يدل على الحزن لمفارقة الزوج بالموت، وهذا المعنى غير موجود في الطلاق فلذلك يختلف حكم الطلاق عن حكم الوفاة. قال: (والمُكْثُ في البَيتِ الذي كَانَت فيهِ عندَ موتِ زوجِهَا، أو بُلوغِ خَبرِهِ) يقول المؤلف: على المعتدة بالوفاة أي بسبب موت زوجها أن تمكث في البيت الذي كانت فيه عند موت زوجها أو بلوغ خبره، يستدلون على ذلك بحديث الفُرَيْعة بنت مالك، عندما مات زوجها أرادت أن تخرج من بيتها وذكرت عذراً لها في ذلك، فقال لها النبي ﷺ :

стр. 348

«امكثي في بيتك الذي أتاكِ فيه نعيُ زوجكِ حتى يبلغ الكتاب أجله «حتى تنتهي فترة العدة، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهرٍ وعشرا (١). وهذا الحديث هو عُمدتهم في أن المرأة إذا توفي عنها زوجها لا يجوز لها أن تبيت خارج بيتها الذي مات زوجها وهي تسكنه، وهذا الحديث من رواية زينب بنت كعب بن عُجرة، الصحيح أنها تابعية ولا يصح حديث في كونها صحابية، وهذا الذي رجحه المحققون من أهل العلم أنها تابعية، ذكرها ابن حبان في الثقات وروى عنها اثنان ولم يرد فيها تعديلٌ معتبر فهي مجهولة الحال، والحديث عليها يدور، فإذا كان الحديث هذا ضعيفاً فلا يلزم المرأة أن تبيت في بيتها بل يجوز لها أن تبيت في غيره وتعتد حيث شاءت. ولزوم المبيت عندهم يبدأ بأول العدة عند الوفاة، فلو أنها لم تعلم بموته إلا بعد انتهاء مدة العدة، فلا عدة عليها لأن وقتها انتهى، مدة العدة تبدأ بالموت، لا بالعلم به. فلو أن الرجل مات في أول الشهر، وبلغ المرأة وفاته بعد شهرين، تعتد شهرين وعشرة أيام، العدة تبدأ بوفاة الميت لا ببلوغ الخبر. قال المؤلف ﵀: (وامرأةُ المفقودِ تَربَّصُ أربعَ سنين ثم تعتدّ عدةَ الوفاة وهي امرأتُهُ ما لم تتزوّج) المفقود هو من انقطع خبره ولا يُعلم أحيٌّ هو أم ميت. ودليل ما ذكره المصنف؛ قول عمر ﵁ في امرأة المفقود: «تتربص أربع سنين، ثم تعتد بعد ذلك «، هذا فيه قصة: رجل من المسلمين خرج إلى المسجد فأخذه الجن ولم يرجع إلا بعد مضي أربع سنين، فأفتى عمر ابن الخطاب ﵁ لزوجته بهذا، أنها تربَّص - أي تنتظر - أربع سنين ثم تعتد بعد ذلك ثم لها أن تتزوج، فجاء هذا الرجل بعد هذه المدة، سأله عمر أين كنت؟ تغيب عن زوجتك هذه المدة ثم ترجع؟ قال له: لي عذر! قال: فما عذرك؟ فقال: كنت سائراً إلى المسجد فأسرتني الجن، أخذوه أسيراً، قال: ثم بعد ذلك حصل غزو من جن مسلمين لجن كافرين، فأخذه الجن المسلمون أسيراً عندهم فتبين لهم أنه مسلم فقالوا له: لا يحل لنا أسرك فإن شئت أن تبقى عندنا بقيت وإن شئت أن ترجع إلى أهلك ارجع، فرجع إلى أهله.

стр. 349

وهذه القصة صحيحة وهي في «سنن البيهقي» ﵀ (١)، فأفتى عمر هذه الفتوى وأخذ بها من أخذ من علماء الإسلام، وبعد الأربع سنين تعتد عدة وفاة كأنه قد توفي، فإن لم تتزوج فمتى رجع فهو زوجها ترجع إليه، وإن تزوجت فإن دخل بها الثاني فلها المهر بما دخل بها ثم تعتد وترجع إلى الأول إذا أراد الأول، أما إذا لم يرد فتبقى عند الثاني ويعطى الأول المهر الذي دفعه. وقال بعض أهل العلم: المدة يقدرها الحاكم على حسب الحال، لا يتقيد بأربع سنين، ولكن يقدر الحاكم على حسب حال الذين يترافعون إليه. باب استِبْرَاءِ الإِمَاءِ الاستبراء هنا: طلب البراءة من الحمل، أي التحقق من عدم وجود حملٍ في رحم المرأة، هذا يسمى استبراءً.

стр. 350

والإماء جمع أمة، وهي المرأة ذات العبودية، أي المرأة المملوكة التي تباع وتشترى. قال رحمه الله تعالى: (يجبُ استِبراءُ الأمةِ المَسبيَّةِ والمُشتراةِ ونحوِهما: بحيضةٍ إن كانت حائضاً، والحاملِ بوضعِ الحملِ، ومُنقطعةِ الحيضِ حتى يتبيّن عدمُ حملِها) تملك النساء يحصل بعدة طرق منها: السبي أو الشراء أو الميراث أو غير ذلك. ومعنى السبي أن تؤسر المرأة في الحرب، فهذه تعتبر سبيَّة. وإذا ملكتَ المرأة وصارت أمة لك جاز لك جماعها بدون أن تتزوجها. فإذا أُخذت المرأة سَبِيَّةً أو اشتُرِيت شراءً أو أُهديت إليك من أحدهم، بغض النظر عن طريقة وصولها إليك، لكن إن صارت أَمة لك يحل لك وطؤها ولكن قبل ذلك يجب استبراؤها، ولا يجوز جماعها حتى يستبرءها، والاستبراء يختلف على حسب حال الأَمة، فإذا كانت حائضاً يستبرؤها بحيضة، فإذا حاضت حيضة ثم طهرت، فله أن يجامعها؛ لأننا نكون قد علمنا أنه لا حمل في رحمها، وهذا لكي لا يحصل اختلاط في الأنساب. وإذا كانت حاملاً فتُستبرأ بوضع الحمل. وإذا انقطع حيضها لعلة، فلا يقربها حتى يتبين له أنها ليست حاملا، متى ظهر له أنها ليست حاملا له أن يجامعها. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، «أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس، فلقوا عدوا، فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: ٢٤]، أي: فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن» (١). وأخرج أبو داود وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة «(٢) قاله في سبايا أوطاس. وقال ابن المنذر ﵀: «وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على منع أن يطأ الرجل جارية يملكها من السبي وهي حامل حتى تضع حملها، ولا حائل حتى تحيض

стр. 351

حيضة «(١). الحائل التي وطئت فلم تحمل. قال المؤلف ﵀: (ولا تُستَبرَأُ بِكرٌ ولا صغيرةٌ مطلقاً) البكر: التي لم يُدخل بها. والصغيرة: المقصود بها التي لم تحض بعد لصغرها، فلا تحمل، فهذه قال المؤلف: لا تُستبرأ مطلقاً. لأنها لا تحمل، فإذا كانت الأمة لا تحمل لكبر سنها أو صغره أو لعقمها؛ فله أن يجامعها من غير استبراء لأن الغاية من الاستبراء التأكد من عدم الحمل. وذهب بعض أهل العلم إلى الاستبراء على جميع الأحوال. بابُ النَّفقةِ النفقة: ما يفرض على الرجل من مال وطعام وكساء وسُكنى لمن ينفق عليهم. الكساء: اللباس، والسكنى: السكن. قال المؤلف ﵀: (تجبُ على الزَّوجِ للزوجةِ) وجوب نفقة الزوجة على زوجها ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقال الله ﵎ في كتابه الكريم ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وأما السُّنة ففي صحيح مسلم قال: قال جابر: خطب رسول الله الناس فقال: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف «(٢)، هذا الشاهد «ولهنَّ «أي للنساء عليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف.

стр. 352

وفي حديث هند في الصحيحين قالت للنبي ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيكِ ويكفي بنيك «(١)، دل ذلك على لزوم النفقة للزوجة وللأولاد. وأما الإجماع؛ فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهنّ. ذكره ابن المنذر (٢) وغيره. الناشز هي الممتنعة عن زوجها والمترفعة عليه التي لا تطيعه. قال المؤلف ﵀: (والمطلقة رجعياً) يعني تجب النفقة على الزوج للزوجة وللمطلقة طلاقاً رجعياً، المطلقة طلاقا رجعيا هي التي يطلقها زوجها ويحق له إرجاعها بدون عقد، وهي التي طلقها زوجها طلقة أو طلقتين، بعد الطلقة الأولى والثانية تكون في العدة، في هذه المدة لها النفقة والسكنى حتى تنتهي العدة. وذلك لأنها لا تزال زوجة له ما لم تنته العدة فقد سماه الله بعلا لها فقال ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ويدل على أنها زوجة أنه يحصل بينها وبين زوجها التوارث، إذا مات زوجها وهي في العدة ترث منه؛ فيدل ذلك على أنها ما زالت زوجة. وقال ابن حزم: واتفقوا أن للمعتدة من طلاق رجعي السكنى والنفقة (٣). قال المؤلف ﵀: (لا بائناً، ولا في عدة وفاة، فلا نفقة ولا سكنى إلا أن تكونا حاملتين) وأما البائن فهي التي انفصلت عنه لا يحق له إرجاعها إلا بعقد جديد، وهذا الذي يسمى

стр. 353

بالبينونة الصغرى؛ لأن البينونة بينونتان: بينونة صغرى وبينونة كبرى، البينونة الصغرى المرأة إذا انفصلت عن زوجها ولا يحق له أن يرجعها إلا بعقد جديد، هذه يقال فيها بانت منه بينونة صغرى. أما البينونة الكبرى فهي التي لا يملك رجعتها حتى تنكح زوجاً آخر، هذه تكون قد بانت منه بينونة كبرى، أي المطلقة ثلاثاً. فالمطلقة طلاقاً بائناً بينونة صغرى أو كبرى-كالتي طلقها زوجها الطلقة الثالثة مثلاً أو انتهت عدتها بعد الطلقة الأولى أو الثانية- لا نفقة لها ولا سكنى إلا أن تكون حاملاً فتجب النفقة والسكنى لها إلى أن تضع الحمل؛ لقول الله ﵎ ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهذا محل إجماع ذكره ابن قدامة (١). وهذا يشمل أيضاً المتوفى عنها زوجها - في قول المؤلف - فلا نفقة لها ولا سكنى أيضاً إلا أن تكون حاملاً فهي داخلة في عموم الآية إذا كانت حاملاً. والصحيح أن المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها ولا سكنى مطلقا سواء كانت حاملا أم لا. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: أما إذا لم تكن حاملاً فالأمر ظاهر؛ لأنها بانت، وأما إن كانت حاملاً فلا نفقة لها أيضاً. فإن قيل: أي فرق بينها وبين البائن في حال الحياة؟ الجواب: أن البائن في حال الحياة ـ إذا كانت حاملاً ـ أوجبنا الإنفاق على زوجها في ماله، وأمَّا المتوفى عنها زوجها فالمال انتقل للورثة فكيف نجعل النفقة في التركة؟ ! فنقول: لا نفقة لها وإن كانت حاملاً. فإن قيل: ماذا نصنع فيما إذا حملت، وقد قلنا فيما سبق: إن النفقة للحمل، لا لها من أجله؟ يقولون: إن النفقة تجب في حصة هذا الجنين من التركة، فإن لم يكن تركة، كأن يموت أبوه ولا مال له، فإن النفقة تجب على من تلزمه نفقته من الأقارب، كأن يكون له إخوة أغنياء أو أعمام (٢). انتهى كلامه.

стр. 354

ودليل المطلقة طلاقاً بائناً حديث فاطمة بنت قيس في صحيح مسلم: أنها طُلِّقت ثلاثاً فلم يجعل لها رسول الله ﷺ نفقة ولا سُكنى (١). يتلخص مما تقدَّم في نفقة الزوجة: - أن تكون زوجة، وهذه تجب لها النفقة والسكنى. - أن تكون مطلقة طلاقاً رجعياً وهذه تجب لها النفقة والسكنى. - أن تكون مطلقة طلاقاً بائناً وليست حاملاً؛ لا تجب لها النفقة ولا السكنى. - أن تكون مطلقة طلاقاً بائناً وحاملاً؛ تجب لها النفقة والسكنى. - أن تكون معتدة عدة وفاة سواء كانت حاملا أم لا؛ لا تجب لها النفقة ولا السكنى على الصحيح. فالمعتدات ثلاثة أقسام: قسم لها السكنى والنفقة بكل حال وهي الرجعية. وقسم ليس لها نفقة ولا سكنى إلاّ إن كانت حاملاً، وهي البائن في الحياة. وقسم ليس لها نفقة ولا سكنى مطلقاً وهي المتوفى عنها زوجها، وهي البائن بالموت. قال المؤلف ﵀: (وتجب على الوالد الموسِر لولده المُعسِر وبالعكس) تجب النفقة على الوالد الغني، الموسر يعني الذي عنده ما يكفيه وزيادة فهو غني، تجب لولده الفقير يدل على وجوب النفقة على الأولاد حديث هند المتقدم في الصحيحين، قال لها النبي ﷺ : «خذي ما يكفيكِ وولدك بالمعروف «، يدل هذا على وجوب نفقة الأولاد على الأب. وكذلك تجب النفقة على الولد الغني للوالد الفقير، هذا ثابت بالإجماع. قال ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم (٢).

стр. 355

ويدل على وجوب النفقة على الوالدين أيضا قول الله ﵎ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾، ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند الحاجة، ثم هو من برهما أيضاً. ولوجوب الإنفاق على الأقارب عموما ثلاثة شروط، فإذا تحققت وجب الإنفاق وإلا فلا: - الشرط الأول: أن يكونوا فقراء لا مال لهم ولا كسب يستغنون به عن الإنفاق على أنفسهم. - الشرط الثاني: أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم، فاضلاً عن نفقة نفسه يعني عنده ما ينفق على نفسه وعنده زيادة على ذلك، فإذا كان عنده زائد فوجب عليه أن ينفق على أقاربه. - الشرط الثالث: أن يكون المنفق وارثاً؛ لقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. يعني من الورثة الذين يرثون قريبه الذي سينفق عليه إذا مات، فإذا لم يكن بينهما توارث فلا يجب عليه أن ينفق عليه. هذه الشروط الثلاثة إذا تحققت وجب على الرجل أن ينفق على أقاربه وإلا فلا. قال المؤلف ﵀: (وعلى السَّيّدِ لمن يَملِكُهُ) يعني تجب النفقة على السيد لعبده الذي يملكه أو لأَمته؛ لحديث أبي هريرة عند مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلَّف من العمل ما لا يطيق «(١)، العبد أو الأمة لا يملكان ووقتهما ملكٌ لسيدهم، وبما أنه قد حبسهم عن النفقة على أنفسهم وجبت عليه. قال المؤلف ﵀: (ولا تجبُ على القريبِ لقريبهِ إلا من بابِ صلِةِ الرَّحِم) كذا قال المؤلف، والصحيح أن نفقة القريب إذا كان وارثاً واجبة، فالضابط في القريب التي تجب نفقته هو الميراث بالشروط المتقدمة؛ لقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وإذا لم يكن وارثاً فلا تجب عليه نفقة بل الإحسان والصلة لأقاربه. قال المؤلف ﵀: (ومَن وجَبَت نفقتُهُ وجبت كِسوتُهُ وسُكناهُ) من وجبت نفقته وجبت كسوته يعنى اللباس، وسكناه أي يجب أن يلبسه، ويسكنه في بيت أيضا على التفصيل الذي قدمناه؛ للأدلة المتقدمة.
следующие страницы →