← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 133386

فضل رب البرية في شرح الدرر البهية

علي الرملي

Полный текст (681 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

حيضة «(١). الحائل التي وطئت فلم تحمل. قال المؤلف ﵀: (ولا تُستَبرَأُ بِكرٌ ولا صغيرةٌ مطلقاً) البكر: التي لم يُدخل بها. والصغيرة: المقصود بها التي لم تحض بعد لصغرها، فلا تحمل، فهذه قال المؤلف: لا تُستبرأ مطلقاً. لأنها لا تحمل، فإذا كانت الأمة لا تحمل لكبر سنها أو صغره أو لعقمها؛ فله أن يجامعها من غير استبراء لأن الغاية من الاستبراء التأكد من عدم الحمل. وذهب بعض أهل العلم إلى الاستبراء على جميع الأحوال. بابُ النَّفقةِ النفقة: ما يفرض على الرجل من مال وطعام وكساء وسُكنى لمن ينفق عليهم. الكساء: اللباس، والسكنى: السكن. قال المؤلف ﵀: (تجبُ على الزَّوجِ للزوجةِ) وجوب نفقة الزوجة على زوجها ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقال الله ﵎ في كتابه الكريم ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وأما السُّنة ففي صحيح مسلم قال: قال جابر: خطب رسول الله الناس فقال: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف «(٢)، هذا الشاهد «ولهنَّ «أي للنساء عليكم رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف.

стр. 352

وفي حديث هند في الصحيحين قالت للنبي ﷺ : إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه فهل علي في ذلك جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : «خذي من ماله بالمعروف ما يكفيكِ ويكفي بنيك «(١)، دل ذلك على لزوم النفقة للزوجة وللأولاد. وأما الإجماع؛ فاتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين إلا الناشز منهنّ. ذكره ابن المنذر (٢) وغيره. الناشز هي الممتنعة عن زوجها والمترفعة عليه التي لا تطيعه. قال المؤلف ﵀: (والمطلقة رجعياً) يعني تجب النفقة على الزوج للزوجة وللمطلقة طلاقاً رجعياً، المطلقة طلاقا رجعيا هي التي يطلقها زوجها ويحق له إرجاعها بدون عقد، وهي التي طلقها زوجها طلقة أو طلقتين، بعد الطلقة الأولى والثانية تكون في العدة، في هذه المدة لها النفقة والسكنى حتى تنتهي العدة. وذلك لأنها لا تزال زوجة له ما لم تنته العدة فقد سماه الله بعلا لها فقال ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ويدل على أنها زوجة أنه يحصل بينها وبين زوجها التوارث، إذا مات زوجها وهي في العدة ترث منه؛ فيدل ذلك على أنها ما زالت زوجة. وقال ابن حزم: واتفقوا أن للمعتدة من طلاق رجعي السكنى والنفقة (٣). قال المؤلف ﵀: (لا بائناً، ولا في عدة وفاة، فلا نفقة ولا سكنى إلا أن تكونا حاملتين) وأما البائن فهي التي انفصلت عنه لا يحق له إرجاعها إلا بعقد جديد، وهذا الذي يسمى

стр. 353

بالبينونة الصغرى؛ لأن البينونة بينونتان: بينونة صغرى وبينونة كبرى، البينونة الصغرى المرأة إذا انفصلت عن زوجها ولا يحق له أن يرجعها إلا بعقد جديد، هذه يقال فيها بانت منه بينونة صغرى. أما البينونة الكبرى فهي التي لا يملك رجعتها حتى تنكح زوجاً آخر، هذه تكون قد بانت منه بينونة كبرى، أي المطلقة ثلاثاً. فالمطلقة طلاقاً بائناً بينونة صغرى أو كبرى-كالتي طلقها زوجها الطلقة الثالثة مثلاً أو انتهت عدتها بعد الطلقة الأولى أو الثانية- لا نفقة لها ولا سكنى إلا أن تكون حاملاً فتجب النفقة والسكنى لها إلى أن تضع الحمل؛ لقول الله ﵎ ﴿وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهذا محل إجماع ذكره ابن قدامة (١). وهذا يشمل أيضاً المتوفى عنها زوجها - في قول المؤلف - فلا نفقة لها ولا سكنى أيضاً إلا أن تكون حاملاً فهي داخلة في عموم الآية إذا كانت حاملاً. والصحيح أن المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها ولا سكنى مطلقا سواء كانت حاملا أم لا. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: أما إذا لم تكن حاملاً فالأمر ظاهر؛ لأنها بانت، وأما إن كانت حاملاً فلا نفقة لها أيضاً. فإن قيل: أي فرق بينها وبين البائن في حال الحياة؟ الجواب: أن البائن في حال الحياة ـ إذا كانت حاملاً ـ أوجبنا الإنفاق على زوجها في ماله، وأمَّا المتوفى عنها زوجها فالمال انتقل للورثة فكيف نجعل النفقة في التركة؟ ! فنقول: لا نفقة لها وإن كانت حاملاً. فإن قيل: ماذا نصنع فيما إذا حملت، وقد قلنا فيما سبق: إن النفقة للحمل، لا لها من أجله؟ يقولون: إن النفقة تجب في حصة هذا الجنين من التركة، فإن لم يكن تركة، كأن يموت أبوه ولا مال له، فإن النفقة تجب على من تلزمه نفقته من الأقارب، كأن يكون له إخوة أغنياء أو أعمام (٢). انتهى كلامه.

стр. 354

ودليل المطلقة طلاقاً بائناً حديث فاطمة بنت قيس في صحيح مسلم: أنها طُلِّقت ثلاثاً فلم يجعل لها رسول الله ﷺ نفقة ولا سُكنى (١). يتلخص مما تقدَّم في نفقة الزوجة: - أن تكون زوجة، وهذه تجب لها النفقة والسكنى. - أن تكون مطلقة طلاقاً رجعياً وهذه تجب لها النفقة والسكنى. - أن تكون مطلقة طلاقاً بائناً وليست حاملاً؛ لا تجب لها النفقة ولا السكنى. - أن تكون مطلقة طلاقاً بائناً وحاملاً؛ تجب لها النفقة والسكنى. - أن تكون معتدة عدة وفاة سواء كانت حاملا أم لا؛ لا تجب لها النفقة ولا السكنى على الصحيح. فالمعتدات ثلاثة أقسام: قسم لها السكنى والنفقة بكل حال وهي الرجعية. وقسم ليس لها نفقة ولا سكنى إلاّ إن كانت حاملاً، وهي البائن في الحياة. وقسم ليس لها نفقة ولا سكنى مطلقاً وهي المتوفى عنها زوجها، وهي البائن بالموت. قال المؤلف ﵀: (وتجب على الوالد الموسِر لولده المُعسِر وبالعكس) تجب النفقة على الوالد الغني، الموسر يعني الذي عنده ما يكفيه وزيادة فهو غني، تجب لولده الفقير يدل على وجوب النفقة على الأولاد حديث هند المتقدم في الصحيحين، قال لها النبي ﷺ : «خذي ما يكفيكِ وولدك بالمعروف «، يدل هذا على وجوب نفقة الأولاد على الأب. وكذلك تجب النفقة على الولد الغني للوالد الفقير، هذا ثابت بالإجماع. قال ابن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد، وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم (٢).

стр. 355

ويدل على وجوب النفقة على الوالدين أيضا قول الله ﵎ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾، ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند الحاجة، ثم هو من برهما أيضاً. ولوجوب الإنفاق على الأقارب عموما ثلاثة شروط، فإذا تحققت وجب الإنفاق وإلا فلا: - الشرط الأول: أن يكونوا فقراء لا مال لهم ولا كسب يستغنون به عن الإنفاق على أنفسهم. - الشرط الثاني: أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم، فاضلاً عن نفقة نفسه يعني عنده ما ينفق على نفسه وعنده زيادة على ذلك، فإذا كان عنده زائد فوجب عليه أن ينفق على أقاربه. - الشرط الثالث: أن يكون المنفق وارثاً؛ لقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾. يعني من الورثة الذين يرثون قريبه الذي سينفق عليه إذا مات، فإذا لم يكن بينهما توارث فلا يجب عليه أن ينفق عليه. هذه الشروط الثلاثة إذا تحققت وجب على الرجل أن ينفق على أقاربه وإلا فلا. قال المؤلف ﵀: (وعلى السَّيّدِ لمن يَملِكُهُ) يعني تجب النفقة على السيد لعبده الذي يملكه أو لأَمته؛ لحديث أبي هريرة عند مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلَّف من العمل ما لا يطيق «(١)، العبد أو الأمة لا يملكان ووقتهما ملكٌ لسيدهم، وبما أنه قد حبسهم عن النفقة على أنفسهم وجبت عليه. قال المؤلف ﵀: (ولا تجبُ على القريبِ لقريبهِ إلا من بابِ صلِةِ الرَّحِم) كذا قال المؤلف، والصحيح أن نفقة القريب إذا كان وارثاً واجبة، فالضابط في القريب التي تجب نفقته هو الميراث بالشروط المتقدمة؛ لقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وإذا لم يكن وارثاً فلا تجب عليه نفقة بل الإحسان والصلة لأقاربه. قال المؤلف ﵀: (ومَن وجَبَت نفقتُهُ وجبت كِسوتُهُ وسُكناهُ) من وجبت نفقته وجبت كسوته يعنى اللباس، وسكناه أي يجب أن يلبسه، ويسكنه في بيت أيضا على التفصيل الذي قدمناه؛ للأدلة المتقدمة.

стр. 356

وتقدير النفقة تختلف من شخص لآخر، تقدر على حسب العرف لحديث هند، وما يتناسب مع حال الطرفين. والله أعلم بابُ الرَّضَاعِ قال المؤلف ﵀: (إنما يثبتُ حكمُهُ بخمسِ رَضعاتٍ؛ مع تيقُّنِ وجودِ اللَّبن) الرضاع في الشرع يثبت به التحريم كما يثبت التحريم بالنسب، ويصير الناس إخوة به، ولكن له شروط بينها المؤلف في المتن. أول شرط أن يرضع الطفل من صدر المرأة رضعة كاملة مشبعة، ويُعَدّ خمس رضعات على هذه الصفة حتى يحصل التحريم. فالذي يُثبِت حكم الرضاع؛ خمس رضعات مشبعات؛ لما أخرجه مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: » كان فيما أُنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرِّمن، ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن «(١).

стр. 357

والرضعة هي أن يأخذ الصبي الثدي فيمتص منه ثم يستمر على ذلك حتى يتركه باختياره بغير عارض. بغير عارض يعرض له؛ أي بغير سبب طارئ يشغله عن إتمام الرضعة، يتركه باختياره؛ لأنه شبع منه، خمس رضعات على هذه الصفة يحصل بها التحريم. وقوله: مع تيقن وجود اللبن؛ المراد باللبن ما نسميه نحن اليوم الحليب. سبب ثبوت حكم الرضاع هو اللبن فإذا لم يوجد لم يحصل حكم؛ فلابد من التأكد من وجود الحليب في صدر المرأة المرضعة. اليوم أحدثوا أمراً جديداً، وهو درّ اللبن عن طريق الإبر، إبرة يعطونها للمرأة فتدرُّ اللبن، تهيج هرمون اللبن وتدر لبناً، فهل هذا اللبن يحرِّم كما يحرِّم اللبن الطبيعي؟ إذا كان هذا اللبن مغذيّاً فيُحرِّم؛ لكن التحريم يكون من جهة الأم فقط، لا من جهة الأب، فيحرم الأب لأنه زوج أُمّ وليس أباً؛ لأنه هنا ليس صاحب اللبن، في هذه الصورة ليس صاحب اللبن، فالتحريم يكون من جهة الأم فقط، فالأم هي التي أرضعت الولد، واللبن لبنها فيكون التحريم، أما الأب فيكون زوج أمٍّ للطفل بالرضاع ولا يحرم أقاربه. قال المؤلف ﵀: (وكَونِ الرَّضِيعِ قبلَ الفِطَامِ) هذا الشرط الثاني، يعني يشترط في الرضاع المحرم أن يرضع الرضيع من المرأة قبل الفطام، قبل أن يفطم، وذلك في العامين الأولين. وردت عدة أحاديث تدل على ما ذكر المصنف، أصح شيء في ذلك وهو صحيح عن عائشة قال لها النبي ﷺ : «انظرن مَن إخوانكنّ فإنما الرضاعة من المجاعة «(١) معنى الحديث: أن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة هي ما كان في الصغر والرضيع طفل وقوته اللبن ويسد اللبن جوعه، وأما ما كان منه بعد ذلك الحال الذي لا يسد جوعه اللبن ولا يشبعه إلا الخبز واللحم وما يشبههما فلا يحصل به التحريم. فالرضاع الذي يحصل به التحريم هو ما كان في أول عامين من أعوام الطفل؛ لقول الله ﵎ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَة﴾ فتمام الرضاع بالحولين الأولين. قال المؤلف ﵀: (ويَحرمُ به ما يَحرُمُ بالنَّسبِ)

стр. 358

إذا توفرت الشروط المتقدمة يحصل التحريم بالرضاع كما يحصل بالنسب تماما؛ لقوله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب «متفق عليه (١)، وهذا كنا قد بينّاه وفصلنا القول فيه عند مبحث التحريم في كتاب النكاح. قال المؤلف ﵀: (ويُقبَلُ قولُ المُرضِعةِ) أي يثبت به التحريم قول المرضعة أنها أرضعت شخصا؛ لما أخرجه البخاري عن عقبة بن الحارث أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله ﷺ بالمدينة فسأله، فقال رسول الله ﷺ : «كيف وقد قيل» ففارقها عقبة، ونكحت زوجا غيره (٢)، وفي رواية عند البخاري: «وكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما؟ «فنهاه عنها (٣)، وفي رواية قال «دعها عنك (٤) «وفي رواية «ففارقها عقبة «(٥) هذا كله يدل على أن قول المرضعة وحدها أنها أرضعت فلاناً وفلانة كافياً في التحريم. قال المؤلف ﵀: (ويجوزُ إرضاعُ الكبيرِ ولو كان ذا لحِيةٍ؛ لِتجويزِ النَّظر) هذه المسألة محل خلاف بين العلماء، مسألة إرضاع الكبير. جمهور العلماء على منعها، وأن إرضاع الكبير غير صحيح، ولا تترتب عليه حرمة. الذي يقول بإرضاع الكبير وأن الرضاع في الكبر مؤثِّر؛ يستدل بحديث امرأة أبي حذيفة، روته عائشة ﵂، أن سالما، مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم، فأتت - تعني ابنة سهيل - النبي ﷺ فقالت: إن سالما قد بلغ ما يبلغ الرجال. وعقل ما عقلوا. وإنه يدخل علينا. وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا. فقال لها النبي ﷺ «أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة» فرجعت فقالت: إني قد أرضعته. فذهب الذي في نفس أبي حذيفة

стр. 359

أخرجه مسلم في صحيحه (١)، وهذا الحديث اختلفوا في توجيهه، فقال جمهور علماء الإسلام أن هذه الحادثة خاصة بسالم مولى أبي حذيفة، لكن هذا القول خلاف الأصل الذي عندنا، الأصل عدم الخصوصية، والأصل عموم التشريع. لكن هذا الأصل معارَض بالحديث الذي ذكرناه أولاً؛ وهو قول النبي ﷺ «انظرن مَن إخوانكنّ فإنما الرضاعة من المجاعة «، فهذا الحديث وما في معناه يدل على أن الرضاع إنما يكون في العامين الأولين فيعارض حديث سالم، وهذا الذي دفع جمهور أهل العلم إلى القول بأن حديث سالم مولى أبي حذيفة خاص به، وهو الحق إن شاء الله. بابُ الحَضَانَةِ الحضانة لغة: تربية الصغير ورعايته، مشتق من الحِضن وهو الجنب، لأن المربي والكافل يضم الطفل إلى جنبه. والحاضن والحاضنة: الموكلان بحفظ ورعاية الصغير. وفي الشرع: تربية وحفظ من لا يستقل بأمور نفسه؛ كالطفل والمجنون.

стр. 360

والمقصود رعاية شؤونه وتدبير طعامه وملبسه ونومه وتنظيفه وغسله وغسل ثيابه وما شابه من الأمور التي يحتاجها الصغير والمجنون ومن هو مثلهما. قال المؤلف ﵀: (الأَولى بالطفلِ أُمّهُ ما لم تَنكِح) إذا انفصل الأب عن الأم، طُلِّقا وتنازعا في الولد، الأولى بالطفل أمه ما لم تنكح، ما لم تتزوج، وهذا أصله ما ورد عن النبي ﷺ عند أحمد وأبي داود أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاءً، وحجري له حواءً، وثديي له سقاءً، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال: «أنتِ أحق به ما لم تنكحي «(١) أي الولد لكِ ما لم تتزوجي، فإذا تزوجتي كان الولد لأبيه. قال ابن المنذر ﵀: » وأجمعوا أن الزوجين إذا افترقا ولهما ولد طفل أن الأم أحق به ما لم تَنكح، وأجمعوا على أن لا حق للأم في الولد إذا تزوجت» (٢). انتهى قال المؤلف ﵀: (ثمَّ الخَالةُ ثمَّ الأبُ) استدل المؤلف على تقديم الخالة على الأب بحديث البراء بن عازب في الصحيح قال: خرج النبي ﷺ ، فتبعته ابنة حمزة، تنادي يا عم يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها، وقال لفاطمة ﵂: دونك ابنة عمك حملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، قال علي: أنا أخذتها، وهي بنت عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: بنت أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: «الخالة بمنزلة الأم» (٣). لهذا قدم المؤلف الخالة على الأب؛ لأن النبي ﷺ جعل الخالة بمنزلة الأم، فلما قدم الأم على الأب في الحديث المتقدم، وجعل الخالة بمنزلة الأم في هذا الحديث؛ خلص من ذلك أن الخالة تقدم على الأب. وهذا الاستدلال فيه نظر، لأن النبي ﷺ في الحديث السابق أسقط حق الأم إذا نكحت، وصار الحق للأب، فلم يذكر الخالة مع وجود الأب، ولو كانت أحق منه لقدمها؛ فلا تقدَّم الخالة على الأب. قال المؤلف ﵀: (ثم يُعيِّن الحاكمُ مِنَ القرابةِ مَن رأى فيه صَلاحاً) الحاكم يعيِّن من قرابة الطفل من يرى فيه صلاحاً ويرى فيه مصلحة للطفل بأن يرعاه هذا بعد الأم والأب والخالة.

стр. 361

والخلاف بين أهل العلم فيه كبير ولا يوجد دليل يفصل، والنظر إلى مصلحة الطفل أعدل الأقوال فهي المقصودة من الحضانة. قال المؤلف ﵀: (وبعدَ بُلوغِ سِنِّ الاستقلالِ؛ يُخيَّرُ الصبيُّ بين أبيهِ وأمهِ؛ فإن لم يوجَد كَفِلَهُ من كانَ له في كفالتِهِ مصلحةٌ) بعد سن الاستقلال يعني عندما يستطيع الصبي أن يستقل بنفسه في تنظيف نفسه وغسل ثيابه وإعداد طعامه وما شابه، إذا تمكن من الاستقلال بنفسه يخيَّر بين أبيه وأمه. يستدلون على ذلك بحديث ورد عند أبي داود قال: قال أبو هريرة: اللهم إني لا أقول هذا إلا أني سمعت امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ، وأنا قاعد عنده، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة، وقد نفعني، فقال رسول الله ﷺ استهما عليه، فقال زوجها: من يحاقني في ولدي؟ فقال النبي ﷺ : «هذا أبوك، وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت»، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به (١) ولكنه حديث ضعيف لا تصح، ولا يصح في هذا الباب شيء، والذي يظهر لي -والله أعلم- أن هذا التخيير عندما تكون مصلحة الولد متوفرة ومرجوة ومتحققة عند الأب وعند الأم، لكن إذا كانت مصلحته متحققة عند أحدهما وغير متحققة عند الآخر فلا ينبغي أن يخَيَّر وهو في هذا السن؛ لأن تخييره لا معنى له، هو صغير ولا يعقل فلا يعرف مصلحته أين تكون، خصوصا إذا كان أحد أبويه كافرا أو فاجرا.

стр. 362

كتابُ البيوعِ البيوع جمْعُ بَيْع، والبيع في اللغة: مقابلة شيء بشيء. أي إعطاء شيء مقابل أن تأخذ شيئاً. تعطيني قلماً مقابل أن تأخذ كتاباً، يسمى هذا بيعاً في اللغة. ويقال: باع الشيء إذا أخرجه من مِلكه، وهذا السائد في العرف. ويطلق أيضاً على إدخال الشيء إلى المِلك، بمعنى الشراء، فتقول: بعت الشيء أي اشتريته، وكذلك الشراء يطلق على البيع، فتقول: اشتريت الشيء بمعنى بعته. قال تعالى ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾، أي: باعوه بثمن زهيد. وقال: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾، أي ولبئس ما باعوا به أنفسهم. أما البيع اصطلاحاً؛ فهو نقل ملكٍ إلى الغير بثمنٍ. نقل ملكٍ: شيء تنقل ملكيته إلى غيرك مقابل أن تأخذ شيئاً مكانه. بثمن: سواء كان الثمن نقداً أم عيناً. أو قُلْ في تعريفه اصطلاحاً: مبادلة مالٍ بمالٍ تمليكاً. أي تعطي أخاك شيئاً وتأخذ منه شيئاً؛ كي يصير الذي أعطيته لأخيك ملكاً له، والذي أعطاكه ملكاً لك. هذا هو البيع في الاصطلاح. المراد بالمال في التعريف الثاني: كل ما يتملكه الناس من دراهم أو دنانير أو ذهب أو فضة أو حنطة أو شعير أو خبز أو حيوان أو ثياب أو سلاح أو غير ذلك. وأما حكم البيع: فجائز في الكتاب والسنة والإجماع؛ أما الكتاب فقال الله ﵎ في كتابه الكريم ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الشاهد: وأحل الله البيع.

стр. 363

وأما السُّنة فالأحاديث في ذلك كثيرة، منها قول النبي ﷺ : «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً» (١) متفق عليه، الشاهد قوله «إذا تبايع الرجلان». وعن ابن عباس ﵄، قال: «كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، أسواقا في الجاهلية، فلما كان الإسلام، فكأنهم تأثموا فيه، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج «قرأها ابن عباس (٢). وأما الإجماع: فمعلوم من الدين بالضرورة حِلّ البيع وشرعيته (٣). حكمته: من المعلوم أن لكل إنسان ضروريات يحتاج إليها وهي ليست عنده، ليست في مِلكه في مِلك غيره، وهذا الغير لا يعطيها إلا بمقابل، فلا بد من البيع كي يحقق الناس ضرورياتهم، فلا تستقيم الحياة إلا بالبيع والشراء، لذلك كان البيع مشروعاً. ولكن من البيوع ما مفسدته عظيمة أو أعظم من مصلحته فجاء الشرع بتحريمها، معلوم من القواعد الأساسية في شرع الله ﵎ أن شريعة الإسلام جاءت لتحقيق المصالح وتتميمها ودفع المفاسد وتقليلها، فما فيه خير للناس أجازه الله ﵎، وما يعود عليهم بالضرر والفساد حرَّمه عليهم، فشريعة الله ﵎ هذه شريعة كاملة لا يعتريها النقص بوجه من الوجوه ألبتة، لأن الذي وضعها حكيم خبير عليم، هو الذي خلق البشر وهو الذي يعلم ما يصلحهم وما يفسدهم، ووضع شريعته هذه كي تحقق مصالح البشر وتدرأ عنهم المفاسد، فمن نعم الله ﵎ على العباد أن تتحقق هذه الشريعة بينهم وأن يقيموا شرع الله بينهم، وعندما لا يكونون أهلاً لهذه النعمة ينزعها الله ﵎ منهم فيُحرمون الخير. حكمُ تعلُّمِ فقهِ البيوعِ فقه البيوع واجب على كل من أراد البيع والشراء. كل إنسان يحتاج إلى التعامل بالبيع والشراء، فيجب على كل مسلم أن يتعلم أحكام البيع والشراء التي يحتاجها في حياته اليومية، وخصوصاً التجار، فالذي لا يتعلم أحكام هذا الباب ويبيع ويشتري؛ يقع في كثير من المخالفات الشرعية وفي العقود الفاسدة، وما لا يتم

стр. 364

الواجب إلا به فهو واجب، واجتناب المحرَّم في البيوع واجب ولا يتم ذلك إلا بتعلم أحكام البيع والشراء. أخرج الترمذي (٤٨٧) بسند جيد عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لا يَبِع في سوقنا إلا مَن قد تفقَّه في الدين». ويذكر الفقهاء هنا في هذا الباب أثراً عن علي بن أبي طالب ﵁ أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه، قال فيه: «مَن اتَّجر قبل أن يتفقه ارتطم في الربا». هذا وإن كان معناه صحيحا إلا أن الأثر في نفسه ذكره الخطيب في «الفقيه والمتفقِّه» (١/ ١٧٢) بسند هالك (١). قال المؤلف ﵀: (المُعتَبَرُ فيهِ مُجرَّدُ التّرَاضِي) المعتبر في البيع؛ مجرد التراضي، إذا حصل التراضي صح البيع. هذا الشرط الأول من شروط صحة البيع. أن يقع برضا الطرفين؛ البائع والمشتري، قال الله ﵎ في كتابه الكريم ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾. وقال ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبةٍ من نفسه «(٢) فلا بد أن يوجد التراضي من البائع والمشتري حتى يصح البيع، فإذا أُكره شخص على بيع شيء، فالبيع يكون باطلاً، البيع بالإكراه باطل، إلا في صور قليلة؛ كحكم القاضي العادل عندما يحكم في قضية معيَّنة. حصول البيع بين البائع والشاري بالرضا، وقوع التراضي بينهما كافٍ لصحة البيع، لكن هذا الرضا أمرٌ قلبي لا يُعلم، فلا بد من دليل عليه، لذلك قال المؤلف ﵀: (ولو بإشارةٍ من قادرٍ على النُّطقِ) أي ولو كان الدليل على التراضي الإشارة، مع كَوْن المشير قادراً على النطق، أي ومع قدرته على النطق إن أشار إشارة فقط كفت، فالإشارة كافية في التعبير عن الرضا، فالمعتبر فقط التراضي، إن دل على التراضي إشارة أو فعل آخر أو قول كفى في ذلك ولا نشترط قولاً معيَّناً، لا نشترط صيغة معينة كما يفعل بعض الفقهاء.

стр. 365

بعض الفقهاء يقول: لا بد أن تقول: بِعْني، ويقول لك الآخر: بعتك، وتقول أنت: رضيت، حتى يتم البيع، عندهم مجرد التعاطي لا يكفي. لكن الصحيح ما قرَّره بعض أهل العلم من أن التعاطي فقط يكفي في صحة البيع، كيف يكون التعاطي؟ تدخل على محل، تأخذ شيئاً منه وتدفع المال لصاحب المحل، هذا يسمى تعاطياً، أو أن يعطيك صاحب المحل شيئاً وأنت تدفع له ثمنه، لا تكلمه ولا يكلمك، إنما فيه تعاطي، أعطيته وأعطاك، هذا يدل على التراضي بشكل آخر، لأن العرف السائد دل على أن مثل هذا يعتبر بيعاً عند الناس، وكل ما عدَّه الناس بيعاً فهو بيع، لأن الشارع لم يضع حداً للبيع والشراء لا يكون البيع بيعاً إلا به، ولا يوجد في اللغة أيضاً حد معيَّن لذلك رجعنا إلى العرف. والقاعدة عندنا في هذا الباب وفي العقود بالكامل: أن العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل. وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حرَّر هذه المسألة وردّ على الذين يشترطون ألفاظاً معيَّنة في كتابه مجموع الفتاوى في المجلد التاسع والعشرين الصفحة الخامسة. قال المؤلف ﵀: (ولا يجُوزُ بَيعُ الخَمرِ، والمَيتةِ، والخِنزيرِ، والأَصنَامِ، والكَلبِ، والسِّنَّورِ، والدَّمِ، وعَسْبِ الفَحْلِ، وكُلِّ حَرَامٍ) بدأ المؤلف بذكر البيوع التي حرمها الله ﵎، مرَّت معنا الآية التي قال الله ﵎ فيها ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾، كلمة «البيع «لفظ عام، فالمفرد المحلّى بالألف واللام - إذا كانت الألف واللام للاستغراق- يفيد العموم، كما هو مقرر في أصول الفقه، فهذا لفظ عام، فالأصل في كل بيعٍ أنه حلال إلا ما دل الدليل على تحريمه، فهذا لفظ عام يخصَّص بما ورد من أدلة خاصة في أشياء معيَّنة. هذه الأشياء التي جاء تخصيصها في أدلة خاصة ذكرها المؤلف ﵀ هنا. فقال: ولا يجوز: بيع الخمر. هذه المسألة الأولى الخمر في لغة العرب: ما خامَرَ العقل، أي غطّاه. يعني تسبب في ضياعه فصار صاحبه لا يعقل. وشرعاً: كل مُسكِرٍ.

стр. 366

قال ﷺ : » كل مُسْكِرٍ خمر، وكل خمرٍ حرام «(١) أيَّ شيءٍ يُسكر فهو في شرع الله خمر، والخمر حرام، الشاهد هنا تعريف الخمر في الشرع: كل مسكرٍ خمر. دليل تحريم البيع تحريم الخمر معروف، وأدلته مشهورة، منها الحديث الذي ذكرناه سابقا، لكن نريد الآن تحريم بيع الخمر. أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ » إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام «(٢). وعن عائشة ﵂: لما نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها، خرج النبي ﷺ ، فقال: «حرمت التجارة في الخمر» (٣). وفي حديث أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب، ولا يبع» (٤). وقال ابن عباس: إن رجلا أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر، فقال له رسول الله ﷺ : «هل علمت أن الله قد حرمها؟ » قال: لا، فسار إنسانا، فقال له رسول الله ﷺ : «بم ساررته؟ »، فقال: أمرته ببيعها، فقال: «إن الذي حرم شربها حرم بيعها» (٥). علة تحريم بيع الخمر ما هي علة تحريم بيع الخمر؟ لا علة تحريم الخمر. إذا عرفنا علة تحريم بيع الخمر؛ استطعنا إلحاق غيرها بها، وإعطاءها نفس الحكم. اختلف العلماء في علة تحريم بيع الخمر؛ البعض قال: النجاسة، ونحن قررنا فيما مضى أن الصحيح أن الخمر لا يوجد دليل على نجاستها. وقال البعض الآخر: علة تحريم بيع الخمر: ليس فيه منفعة مباحة مقصودة، لذلك حُرِّم.

стр. 367

فيه منفعة ولكنها محرَّمة غير مباحة. منفعة؛ أي تنتفع به لأي شيء، ولكن يجب أن تكون هذه المنفعة مباحة ليست محرَّمة شرعاً. مقصودة؛ أي يَقصد العقلاء شراء الخمر لأجلها. هذه المنفعة المباحة المقصودة غير موجودة في الخمر، الخمر يُقصد للإسكار وهذه منفعة محرَّمة. فشراؤك لها بعد ذلك يعتبر سفاهة فلن تنتفع بها؛ لأن منفعتها المعتبرة عند العقلاء محرمة. وبيع بائعها لها هو من أكل أموال الناس بالباطل. هذه علة تحريم بيع الخمر؛ فيُلحَق بها كل شيء ليست له منفعة مباحة مقصودة؛ كالذباب، ليس لبيعه منفعة مباحة مقصودة؛ فيقاس على بيع الخمر لاتحادهما في العلة؛ فبيعه محرَّم، كثير من الحشرات لا منفعة لها مقصودة، فتكون محرَّمة. قال المؤلف: والميتة. الميتة: كل ما فارقته الروح من غير ذكاةٍ شرعية. نهى النبي ﷺ عن بيعها، دليل تحريم بيعها حديث جابر المتقدم، قال فيه: » إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام «. قال ابن المنذر: وأجمعوا على تحريم بيع الميتة (١). علة تحريم بيع الميتة علة تحريم بيع الميتة؛ النجاسة، حُرم بيع الميتة لأنها نجسة. فإذا كانت الميتة نجسة وحُرِّم بيعها من أجل النجاسة ألحقنا بها كل نجس العين، فكل ما كانت عينه نجسة فيَحرم بيعه قياسا على الميتة. فكل نجس لا يمكن تطهيره لا يجوز بيعه قياساً على الميتة، النجس الذي يمكن تطهيره هذا ليس نجس العين، النجاسة تكون طارئة عليه والنجاسة ممكن أن تزال عنه فيباع، كالثوب

стр. 368

الذي أصابته نجاسة يجوز بيعه؛ لأن النجاسة ممكن أن تُزال عنه، والمقصود هو الثوب الذي يمكن تطهيره. فيتلخص عندنا مما سبق أن من شروط المبيع: أن تكون له منفعة مقصودة. وأن يكون طاهراً. هل كل ميتة يحرم بيعها؟ لا؛ يستثنى من ذلك الحوت والجراد الحوت والجراد يجوز بيعه حتى وهو ميت؛ لحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «أُحِلِّت لكم مَيْتَتَان ودمان: فأما الميتتان؛ فالحوت والجراد، وأما الدمان؛ فالكبد والطحال» (١). فالحوت والجراد حلال مَيْتته، وبما أنها حلال فليست بنجسة، فيخصص حديث جابر بحديث ابن عمر، فيقال: حرم بيع الميتة إلا الحوت والجراد. هكذا يكون تخصيص العام. قال المؤلف: والخنزير. الخنزير حيوان معروف، دليل تحريم بيعه، حديث جابر المتقدم، قال فيه: «إن الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام». قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن بيع الخنزير وشراءه حرام (٢). فإجماع علماء الإسلام على ذلك. علة تحريم بيع الخنزير النجاسة كالميتة، فأي شيء نجس العين يُلحَق بالخنزير والميتة في تحريم بيعه. قال المؤلف: والأصنام.

стр. 369

جمع صَنْم، والصنم ما له صورة، كحجرأو تمر على صورة إنسان أو حيوان، أو جبس أو طين أو ثلج على صورة إنسان أو حيوان أو طير. والفرق بين الصنم والوثن؛ أن الوثن لا صورة له، أما الصنم فله صورة، الوثن ما ليس له صورة مما يُعبد. ودليل النهي عن بيعه، حديث جابر المتقدم، ذكر فيه الأصنام. ونُهي عن بيعه؛ لأنه ذريعة إلى اقتنائه واتخاذه، هذه العلة. البيع والشراء يؤدي إلى اقتنائه عندك في البيت وهذا محرَّم. قال المؤلف: والكلب. الكلب أيضاً لا يجوز بيعه؛ لقول أبي مسعود الأنصاري ﵁»: أن رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحُلوان الكاهن» (١). فالكلب لا يجوز بيعه. الكلب نهي عن ثمنه كما في هذا الحديث المتفق عليه، فهل يشمل هذا كل الكلاب؟ ظاهر اللفظ نعم؛ نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب، هذا لفظ عام فكل كلبٍ منهي عن ثمنه. لكن بعض أهل العلم استثنى من ذلك كلب الصيد، وقال: يجوز بيعه، وبعضهم استثنى ما يجوز الانتفاع به سواء كان كلب صيد أو كلب حراسة. ما وجه الاستثناء؟ أما كلب الصيد فاستدلوا بحديث جابر قال «نهى رسول الله ﷺ عن ثمن السِّنَّور والكلب إلا كلب صيد «(٢). وجد استثناء، لكن هذا الحديث أخرجه النسائي وقال: هو منكر ليس بصحيح. يبقى معنا القول الثاني وهو استثناء الكلب الذي له منفعة مباحة، هذا من أين جاءوا به؟ من قول النبي ﷺ «من اقتنى كلباً إلا كلب صيدٍ أو ماشية نقص من أجره كل يومٍ قيراطان «(٣) هذا الحديث في الصحيحين، فحرَّم النبي ﷺ اقتناء الكلاب إلا كلبين: كلبَ صيدٍ أو كلبَ ماشية، وجعلوا العلة في تحريم البيع هي الاقتناء.

стр. 370

قالوا: لذلك حُرِّم بيعه، لأن اتخاذه محرَّم، فإذا كانت هذه العلة وقد أُذِن في اتخاذ كلب الماشية يعني الرعي وكلب الصيد فيُستثنى هذا من النهي عن بيعه. هذه حجتهم في ذلك وهو قولٌ قوي قاله الإمام مالك في رواية عنه ﵀، وهذا الذي يظهر لي. وذكر في الحديث المتقدم: مَهْر البغي، البغايا جمع، مفردها بغي وهي الزانية، مهرها هي الأجرة التي تأخذها على زناها. حلوان الكاهن: الكاهن الذي يدَّعي معرفة الغيب، وحلوانه هي الأجرة التي يأخذها على ادعائه الغيب. قال المؤلف: والسِّنَّور. ومما نهي عن بيعه: السنور الذي هو الهِرّ، وله عدة أسماء عند العرب، منها هذا السنور، الهر، القط، البَس، عندنا الناس في بعض بلاد الشام يقولون: البِس، خطأ هو البَس بفتح الباء لا بكسرها، وهذا عند العامة من قديم، قال الفيروز آبادي في «القاموس المحيط»: من أسماء القط: البَس، قال: والعامة عندنا يقولون: البِس. دليل تحريم بيعه جاء من حديث جابر عند مسلم قال: «زجر النبي ﷺ عن ثمن الكلب والسِّنَّور» (١)، لكن هذا الحديث وإن كان عند مسلم إلا أنه منتقد. فيه نزاع شديد وقوي حقيقة بين المصحِّحين والمضعِّفين، وأنا أميل إلى أن زيادة (السنور) في حديث جابر غير محفوظة. وأخرجه الترمذي (٢)، وقال: هذا حديث في إسناده اضطراب، ولا يصح في ثمن السنور. وقد روي هذا الحديث عن الأعمش عن بعض أصحابه، عن جابر. واضطربوا على الأعمش في رواية هذا الحديث. وقد كره قوم من أهل العلم ثمن الهر، ورخص فيه بعضهم، وهو قول أحمد، وإسحاق.

стр. 371

وروى ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ من غير هذا الوجه. انتهى لذلك اختلف العلماء في جواز بيع السنور. جماعة من الصحابة والتابعين، وأيضاً من الأئمة الأربعة بل هو قول الجمهور، قالوا بجواز بيع الهِرّ، وجماعة قالوا بالتحريم. والصحيح الجواز بناء على ضعف الرواية. والله أعلم قال المؤلف: والدم. لحديث أبي جُحَيفة في الصحيح قال: «إن رسول الله ﷺ حرَّم ثمن الدم» (١). قال الحافظ: وهو حرام إجماعاً، أعني بيع الدم وأخذ ثمنه (٢). وعلة تحريم بيعه النجاسة عند من يقول بنجاسة الدم المسفوح، ومعنى المسفوح السائل الذي يسيل كالذي يخرج عند الذبح، قال ابن عبد البر: وهذا إجماع من المسلمين أن الدم المسفوح رجس نجس، إلا أن المسفوح وإن كان أصله الجاري في اللغة؛ فإن المعني فيه في الشريعة الكثير؛ إذ القليل لا يكون جاريا مسفوحا، فإذا سقطت من الدم الجاري نقطة في ثوب أو بدن لم يكن حكمها حكم المسفوح الكثير وكان حكمها حكم القليل، ولم يلتفت إلى أصلها في اللغة (٣). انتهى. قلت: وفي ثبوت الإجماع على نجاسة الدم المسفوح خلاف. قال المؤلف: وعسْبِ الفحل. أي ماء الفحل، الفحل: الذكر من كل حيوان، والمقصود بالعَسْب هو ماؤه، ماء الفحل الذي يكون منه ابنه. وطريقة بيعه المتبعة أن يأخذ مَن عنده أنثى من الخيل مثلا ذكرا من شخص كي يلقح الذكر الأنثى وينزل ماءه فيها، ويدفع لصاحب الذكر ثمن الماء. والدليل على تحريم بيع ماء الفحل قول ابن عمر: «نهى النبي ﷺ عن ثمن عسب الفحل «

стр. 372

أخرجه البخاري (١)، وأخرجه مسلم من حديث جابر (٢). وعلة تحريمه عدم القدرة على التسليم والجهالة، فأنت لا تملك إخراج المني من الفحل وإذا خرج لا تدري كم كميته، ثم إذا حصل وخرج المني وتجاوزنا عن الكمية فإننا لا نعلم هل ستحمل الفرس أو الناقة منه أو لا، فالأمر كله داخل في ضمن الغرر الذي سيأتي الحديث عنه إن شاء الله، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر، وهو مجهول العاقبة، عاقبته مجهولة، ستأخذ الجمل إلى الأنثى التي عندك ولكنك لا تدري عاقبة هذا الأمر، ستدفع مالاً لماء هذا الجمل أو الحصان أو الثور ولكن النتيجة مجهولة إما أن تستفيد أو لا تستفيد ويضيع مالك. قال ابن قدامة مبينا علة النهي: ولنا ما روى ابن عمر، «أن النبي ﷺ نهى عن بيع عسب الفحل» رواه البخاري، وعن جابر قال «نهى رسول الله ﷺ عن بيع ضراب الجمل» رواه مسلم، ولأنه مما لا يقدر على تسليمه، فأشبه إجارة الآبق. ولأن ذلك متعلق باختيار الفحل وشهوته. ولأن المقصود هو الماء، وهو مما لا يجوز إفراده بالعقد، وهو مجهول. انتهى (٣) قال المؤلف: وكلِّ حرامٍ. أي ويَحرُم بيع كل حرام، كل ما حرمه الله يحرم بيعه يستدلون على ذلك بما في الصحيحين من حديث جابر المتقدم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة» إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام «فقيل: يا رسول الله: أرأيت شحوم الميتة فإنه يُطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويَستَصبِح بها الناس-أي يجعلونها وقوداً للمصابيح بدل الغاز اليوم- فقال» لا، هو حرام «- أي البيع- ثم قال: » قاتل الله اليهود إن الله لما حرَّم عليهم شحومها جملوه-أي أذابوه- ثم باعوه فأكلوا ثمنه «لما حرم عليهم الشحوم أكلوا ثمنها، أذابوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها. وفي رواية من حديث ابن عباس» إن الله إذا حرَّم أكل شيء حرَّم ثمنه «(٤) وهذه قاعدة عامة: كل ما حرَّم الله أكله حرَّم بيعه. لكن البيع يكون محرماً لأجل هذه المنفعة، فإذا كان له منفعة أخرى غير الأكل يجوز بيعه من أجل المنفعة المباحة كالحمار الأهلي، يجوز بيعه بالإجماع.

стр. 373

حرم الله أكله ولكن جاز بيعه لأنه يُنتفع به في غير الأكل كركوبه والتحميل عليه، فمن اشتراه لأجل الركوب حَلَّ له أن يشتريه وحل للبائع أن يبيعه، ومن اشتراه من أجل الذبح والأكل حرُم عليه أن يشتريه وحرُم على البائع أن يبيعه. بهذا تجتمع الأدلة وبعد هذا سنبدأ إن شاء الله بمسألة بيع الغرر، وهذه المسألة أصل عظيم من أصول كتاب البيوع يدخل تحتها الكثير من المسائل والجزئيات. فمن خلال ما تقدم مما نهي عنه أو من علله نستطيع أن نستخرج شروطا للمبيع أي الشيء الذي تريد بيعه، فنقول لا يجوز بيع الشيء إلا إذا توفرت فيه شروط، وهي: ١ - أن يكون طاهراً. فلا يجوز بيع النجس وهذا الشرط أخذ من النهي عن بيع الخنزير والميتة فقد ذكرنا أن علة النهي عن بيعهما النجاسة. ٢ - أن يكون له منفعة مباحة مقصودة. فما لا نفعة له مباحة ليست محرمة ومقصودة عند العقلاء لا يجوز بيعه، وهذا الشرط أخذ من النهي عن بيع الخمر. ٣ - أن يكون غير منهي عن بيعه. هذا مأخوذ من القاعدة الأخيرة التي ذكرناها من كلام ابن عباس. ٤ - أن يكون مقدورا على تسليمه. فلا يصح بيع العبد الذي هرب من سيده، فإذا باعه سيده لم يقدر على تسليمه للمشتري، وكذلك لا يصح بيع الطير في الهواء لعدم قدرته على تسليمه للمشتري. وهذا الشرط أخذ من النهي عن بيع عسب الفحل المتقدم والنهي عن بيع الغرر القادم. ٥ - أن يكون الثمن والسلعة معلومين للمتبايعين ليسا مجهولين. وهذا الشرط مأخوذ من النهي عن بيع الغرر القادم ومن النهي عن بيع عسب الفحل أيضا، وسيأتي تفصيله في بيع الغرر.

стр. 374

قال: (وفَضْلِ الماءِ، وما فيه غَرَرٌ؛ كالسمكِ في الماءِ، وحَبَلِ الحَبَلةِ، والمُنَابَذَةِ، والمُلامَسَةِ، وما في الضَّرْعِ، والعَبدِ الآبِقِ، والمَغَانِم حتى تُقسَمَ، والثَّمَرِ حتى يَصْلُحَ، والصُّوفِ في الظَّهرِ، والسَّمنِ في اللَّبَنِ، والمُحَاقَلَةِ، والمُزَابَنَةِ، والمُعَاوَمَةِ، والمُخَاضَرَةِ) قوله: وفضل الماء. أي ولا يجوز بيع فضل الماء. المقصود بفضل الماء: ما زاد من الماء عن حاجة الشخص وعن حاجة عياله وماشيته وزرعه من الماء الجاري كماء الأنهار أو الماء النابع كماء العيون والآبار وماشابه ذلك مما يخرج دون عمل من الناس. لا يجوز له أن يمنعه من الناس حتى يأخذ عليه عوضاً. كأن يمنع الناس مثلاً من مياه العيون والأنهار وما شابه كمياه البرك، لأن هذا الماء حق للناس جميعاً فليس لأحد أن يمنعه عن الناس، من سبق إليه فله أن يأخذ منه كفايته وكفاية أهله وماشيته وزرعه لكن لا يمنعه من الناس. جاء في الحديث «أن النبي ﷺ نهى عن بيع فضل الماء» (١). وقال ﷺ : «المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار» (٢). الكلأ: العشب الذي ينبته الله وليس فيه للناس عمل. والنار: الحطب الذي تُشعَل به النار ولم يغرسه الناس. فإذا أحرز الماء وحازه شخص أصبح ملكاً له، شخص أخذ جالونات أو زجاجات ماء وعبأ ماءً ونقله، هذا الماء الآن يسمى ماءً محروزاً، صار ملكاً لهذا الرجل، فإذا صار ملكاً له جاز له أن يبيعه نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك، وكذا إذا حفر بئراً في ملكه أو صنع آلة استخرج بها الماء، هنا له أن يبيع الماء، نستدل على ذلك بحديث بئر رومة، اشتراها عثمان بن عفان وجعلها وقفاً (٣). دلَّ هذا على جواز بيع مثل هذا الماء. هذا ما يتعلق بهذه المسألة، فبناءً على ما تقدم، المياه التي تباع الآن في زجاجات أو مياه في جالونات هذه كلها يجوز بيعها وليست داخلة في النهي. بعض العلماء قال: إذا كان العشب أو الماء أو الحطب، في أرض مملوكة لشخص؛ فله أن يمنع الناس منه وله أن يبيعه، وإذا كان في أرض غير مملوكة لأحد - ويسمونها أرض موات أو مباحة - فلا يجوز له البيع. والبعض قال: يجب عليه بذل ما فضل عن كفايته لشرب أو طهور أو سقي زرع، وسواء

стр. 375

كان في أرض مباحة أو مملوكة. والله أعلم قال ﵀: وما فيه غرر. أي ولا يجوز بيع ما فيه غرر، هذا أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، بيع الغرر، ويدخل فيه مسائل كثيرة. الغرر في لغة العرب هو: الخطر والخداع. والتغرير: التعريض للهلاك، وأصل الغرر ما له ظاهر محبوب وباطن مكروه. والغرر في الاصطلاح هو: ما كان له ظاهر يَغُرُّ المشتري وباطن مجهول. أي: يخدعه، ويوقعه في الخطر، ولا يدري ماذا ستكون نتيجته. بعبارة أسهل: الغرر هو: بيعٌ مجهول العاقبة. فأي عقد مجهول العاقبة لا يدرى إلى ما يصير؛ فهو من بيع الغرر. والنبي ﷺ «نهى عن بيع الغرر» (١)؛ لأنه يؤدي إلى المنازعة والمخاصمة بين المسلمين. وأمثلته ذكرها المصنف. فقال: كالسمك في الماء. بيع السمك في الماء من بيع الغرر. إذا كان السمك في ماءٍ كثير، فيكون السمك مجهول الصفة، ومجهول العدد، وربما لا يقدر مشتريه عليه، لا يقدر على صيده وإخراجه، فهذا العقد مجهول العاقبة. لكن إذا كان الماء قليلاً وصافياً ومحصوراً، فلا يدخل في الغرر؛ لأن بإمكانك أن ترى السمك في الماء في هذه الحالة وأن تعلم عدده أو تقدِّره وأن تعلم صفته، واستخراجه من المكان المحصور سهل مقدور عليه. فإذا كان الماء قليلاً ولكنه ماء كدر عكر، لا يُرى السمك من خلاله، يكون هذا من بيع الغرر؛ لأن المشتري لا يعلم صفة السمك ولا عدده. هذا هو التفصيل في هذه المسألة لأن القضية متعلقة بالجهالة، لذلك فصَّلنا هذا التفصيل. ورد حديث فيه النهي عن بيع السمك في الماء (٢)، خاص بهذه المسألة؛ لكنه ضعيف، ونعتمد فيما قررنا على حديث أبي هريرة المتقدم العام في النهي عن بيع الغرر. قال: وحَبَل الحَبَلة. أي حمل الحامل وهو أن تلد الناقة مثلاً أو البقرة أو الشاة ثم تحمل التي وُلدت أي بنتها فيكون المُباع هو الحمل الأخير أي حمل البنت.

стр. 376

هذا أيضاً من بيع الغرر؛ لأنه بيع لشيء معدوم غير موجود أصلاً، ومجهول أيضاً في عدده، لا يمكن أن نعلم الناقة هذه كم ستنجب وإن علمنا العدد فهو مجهول في صفته هل سينزل كاملاً، ينزل ناقصاً، ينزل حياً، ينزل ميتاً، هل سينزل ذكراً، ينزل أنثى، كل هذا مجهول، وغير مملوك للبائع، هو ليس في ملك البائع، فمن شرط البيع أن يكون مملوكاً لبائعه، فهو من بيع الغرر. ورد في النهي عن بيع حبل الحبلة حديث خاص مع أنه داخل في النهي عن بيع الغرر؛ إلا أنه ورد فيه أيضاً حديث خاص به؛ لأنه كان من بيع الجاهلية. عن ابن عمر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع حَبَل الحَبَلة» (١). وبعض العلماء ذهب إلى معنى آخر لبيع حبل الحبلة، وهو: أن يبيع لحم الجزور - الجمل - بثمن مؤجل إلى أن يلد ولد الناقة. يعني صار الحمل مدة زمنية لسداد الثمن فقط، وهي مدة مجهولة، فلا يدرى أيحصل حمل أم لا، وإذا حصل متى يحصل. فعلة النهي هنا أن أجل دفع الثمن مجهول. وعلة التفسير الذي قدمناه ورجحناه أنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه، وهذا من بيع الغرر. قال المؤلف: والمُنَابَذَة والمُلَامَسَة. ومن البيوع المنهي عنها بيع المُنَابَذَة والمُلَامَسَة. وهي من بيع الغرر. من بيوع الغرر أيضاً المنهي عنها؛ المنابذة والملامسة. جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: » نهانا رسول الله ﷺ عن بيعتين ولِبستين، نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع، قال: والملامسة: لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار، ولا يُقلِّبه إلا بذلك. والمنابذة: أن يَنبِذَ الرجل إلى الرجل بثوبه، وينبذ الآخر بثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراضٍ «(٢). صورة بيع الملامسة: تأتي بثوب تريد أن تبيعه لشخص، فيلمس المشتري الثوب بيده لمساً فقط، ويتم البيع على ذلك، هذا بيع كان يسمى عندهم بيع الملامسة، مجرد اللمس، فلا يفتح الثوب ولا يُقلِّبه ولا يرى ما فيه، هذا أيضاً من بيع الغرر لأنه يجهل حال الثوب وصفته. وبيع المنابذة: أن يكون عند زيد ثوب وعند عمرو ثوب ويريد أحدهما أن يبيع ثوبه للآخر، فيرمي زيد ثوبه لعمرو ويرمي عمرو ثوبه لزيد، فبمجرد أن يرمي كل منهما ثوبه للآخر يقع البيع، من غير أن ينظر في الثوب ولا يرضاه، هذا أيضاً من بيع الغرر.

стр. 377

قال الإمام مالك ﵀: والملامسة: أن يلمس الرجل الثوب ولا ينشره، ولا يتبين ما فيه. أو يبتاعه ليلا ولا يَعلم ما فيه. والمنابذة: أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه، وينبذ الآخر إليه ثوبه على غير تأمُّل منهما، ويقول كل واحد منهما: هذا بهذا. فهذا الذي نهي عنه من الملامسة، والمنابذة (١). ومنه: قال المؤلف: ما في الضَّرْع. الضَّرع: ثدي الناقة أو البقرة أو ما شابه من هذه الحيوانات، نُهي عن بيع ما في الضَّرع، وذلك لأن ما في الضَّرع - وهو في الضَّرع قبل أن يحلب- مجهول الصفة والقدر، ما الذي في الضَّرع؟ حليب، لكن كم قدر هذا الحليب الذي سينزل من الضرع؟ غير معلوم. ما هي صفة الحليب الذي سينزل؟ غير معلوم. فهو من بيع الغرر. جاء في حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ «نهى رسول الله ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعما في ضروعها إلا بكيل، وعن شراء العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ضربة الغائص» (٢). وهو ضعيف. ولكن يغني عنه حديث أبي هريرة المتقدم في النهي عن بيع الغرر. قال البيهقي ﵀ بعدما أخرج حديث أبي سعيد: وهذه المناهي وإن كانت في هذا الحديث بإسناد غير قوي؛ فهي داخلة في بيع الغرر الذي نهي عنه في الحديث الثابت عن رسول الله ﷺ . (٣) انتهى. قال المؤلف: والعبد الآبق. ومن البيوع المنهي عنها بيع العبد الآبق. وهو من بيع الغرر أيضا. العبد: المملوك، والآبق: الفار من سيده، أي الهارب. نهي عن بيع العبد الآبق؛ لعدم القدرة على تسليمه، ولجهالة صفته أيضاً، فإذا كان هذا العبد معلوماً للمشتري يعرف أوصافه، يعرفه مسبقاً فإنه لا يدري ما حصل عليه من تغير، وتبقى العلة الأولى وهي عدم القدرة على تسليمه للمشتري، فهو هارب من سيده كيف سيسلمه؟ هذا من بيع الغرر. قا ل الإمام مالك ﵀: ومن الغرر والمخاطرة، أن يعمد الرجل قد ضلت دابته، أو أبق غلامه، وثمن الشيء من ذلك خمسون دينارا، فيقول رجل: أنا آخذه منك بعشرين

стр. 378

دينارا، فإن وجده المبتاع، ذهب من البائع ثلاثون دينارا، وإن لم يجده ذهب البائع من المبتاع بعشرين دينارا. قال مالك: وفي ذلك عيب آخر: إن تلك الضالة إن وجدت لم يدر أزادت أم نقصت، أم ما حدث بها من العيوب؛ فهذا أعظم المخاطرة (١). قال: والمغانم حتى تقسم. المغانم التي هي غنائم الحرب، غنائم الحرب لا يجوز بيعها حتى تقسم بين الغانمين من المجاهدين، عندما تُجْمع، تجمع عند ولي الأمر أو نائب ولي الأمر ثم بعد ذلك هو يقسمها على الغانمين، قبل ما تقسَّم لا يدري الشخص ما الذي سيخرج له من هذه الغنيمة فهو لا يعلم غنيمته ما هي، فإذا باعها باع شيئاً مجهولاً فنهي عن بيعها حتى تقسم، ثم هي قبل أن تقسم ليست ملكاً مستقراً، نعم له نصيب في الغنيمة لكن لم تدخل هذه الغنائم في ملكه ولا يدري قدر نصيبه وصفته، فهو من بيعه الغرر كذلك. وورد فيه نهي خاص غير حديث أبي سعيد المتقدم، منها حديث ابن عباس عند النسائي (٢). قال المؤلف: والثمر حتى يصلح. ثمار الأشجار، هل تفرِّقون بين الزرع وثمار الشجر؟ الزرع حبوب تُزرع ثم تحصد، أما الشجر فله سوق يقوم عليها ثم يثمر، ما تخرجه الأشجار يسمى ثماراً، ثمار الأشجار، أما ذاك الذي يُزرع عن طريق الحبوب يسمى زرعاً.

стр. 379

ثمار الأشجار لا يجوز بيعها وهي على الشجر حتى يبدو صلاحُها، أي حتى تنضج، يعني بلهجتنا نحن اليوم حتى تستوي، تصبح جاهزة للأكل، حتى تحمر أو تصفر؛ خوفا من إصابتها بالعاهة، العاهة: الداء الذي يصيب الثمار ويفسدها، وقبل ذلك يكون في بيعها غرر، ربما يشتريها شخص فتصيبها آفة فتفسدها، فتؤدي إلى المنازعة والمخاصمة، وأما بعد أن يبدو صلاحها أي تنضج ففي الغالب تأمن من العاهة، فيقل الغرر. جاء في حديث جابر في الصحيحين قال: «نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة، والمحاقلة، والمخابرة، وعن بيع الثمرة حتى تُشْقِح»، قال: قلت لسعيد: ما تشقح؟ قال: «تَحمَارّ وتَصفَارّ، ويُؤكل منها» (١). وفي حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى يَبدُو صَلاحُها، نهى البائع والمبتاع» (٢). قال المؤلف: والصوف في الظَّهْر. ولا يجوز بيع الصوف على ظهر الخروف أي قبل أن يُجز أي قبل أن يقص كما يقال عند بعض الناس. ولا يباع الصوف حتى يُجَزّ. هذا محل خلاف هل يجوز بيع الصوف على ظهر الخروف أم لا؟ فبعضهم قال: لا يجوز؛ لأنه يؤذي الخروف خاصة إذا كان الجَزّ في الشتاء. والبعض قال: العلة في ذلك الغرر؛ لأنه لم يُحدد القطع للصوف، يقطع من الأصل أي كله، أم يبقي أصوله أو أكثر قليلاً؟ فقالوا: هذا سيحصل فيه غرر، والظاهر أنه جائز إذا اتفقوا على الموضع الذي يُجزّ منه واشترطوا الجزّ في الحال أو بعد العقد بيسير، ولم يؤذ الحيوان؛ لأن النهي عنه لا يصح، ولأنه مشاهد معلوم والغرر فيه إما يسير أو غير حاصل، والغرر اليسير مستثنى من التحريم كما سيأتي إن شاء الله. قال ابن عباس»: نهى رسول الله ﷺ أن تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها، أو يباع صوفٌ على ظهر، أو سمنٌ في لبن أو لبن في ضرع «(٣). قال المؤلف: والسمن في اللبن.

стр. 380

لا تدري اللبن كم سيُخرج من السمن، وما صفة السمن الذي سيخرج، فهو مجهول القدر مجهول الصفة، فهو من بيع الغرر لذلك يحرم، وقد نهي عنه في حديث ابن عباس المتقدم؛ ولكنه ضعيف يغني عنه النهي عن بيع الغرر. ومن الغرر المنهي عنه أيضاً: المُحَاقَلة والمُزَابَنة والمُعَاوَمَة والمُخَاضَرة. المحاقلة مأخوذة من الحقل، وهي: أن يبيع الزرع بكيلٍ من الطعام معلوم. تأتي إلى حقل زيد مثلاً مزروع بالقمح، كمية غير معلوم قدرها؛ فتأتي أنت تريد شراء الزرع الذي في الحقل سواء كان قمحاً أو غيره بكيل معلوم من الطعام أي الثمن قدر معلوم من الطعام، من أي طعام، بقدر تتفقان عليه. هذه الصورة المنهي عنها والعلة الجهالة في قدر الزرع الذي في الحقل، والربا إذا كان الطعام من الربويات. والمزابنة: بيع ثمر النخل بأوساقٍ من التمر، ، الوسق وعاء كبير يسع كمية كبيرة، يسع تقريباً ستين صاعاً من التمر، والصاع أربعة أمداد يعني حفنات. وثمر النخل منه الرطب والتمر، وهو من الأصناف الربوية كما سيأتي إن شاء الله. المزابنة مثل المحاقلة العلة واحدة إلا أن المزابنة في ثمر النخل خاصة، والمحاقلة في الزرع. والمعاومة: بيع الثمار سنين، يكون عندك مزرعة مثلاً فيها أشجار، يأتي شخص ويقول لك: بعني ثمر هذا الشجر لمدة ثلاث سنوات أو أربع سنوات، في كل سنة يكون ثمر هذا الشجر لك أنت كونك اشتريته، هذا بيع السنين أو المعاومة هما اسمان، وهذا فيه غرر واضح بيِّن فهو يشتري شيئاً معدوماً غير موجود أصلاً، فهو مجهول وغير مقدور على تسليمه. والمخاضرة: بيع الثمرة الخضراء قبل بدو صلاحها، وهو المعنى الذي تقدم في النهي عن بيع الثمر حتى يصلح، نفس المعنى المخاضرة، وهذا كله ورد النهي عنه في أحاديث في الصحيحين: المحاقلة والمزابنة والمعاومة والمخاضرة (١). ضابط بيع الغرر بيع الغرر يدخل فيه: ١ - بيع المعدوم: شيء غير موجود أصلاً؛ مثل حبَل الحبَلة وبيع المعاومة. ٢ - بيع المجهول المطلق: كبعتك عبداً، غير معين، فلو قلت بعتك عبدي أكون عينته.

стр. 381

٣ - بيع المعجوز عن تسليمه؛ كالعبد الآبق. ٤ - بيع المجهول قَدرُه؛ كبعتك عبيدي، كم عددهم؟ أو بعتك اللبن الذي في الضرع، كم كميته؟ مجهول. ٥ - بيع المجهول جنسه: بعتك ما في بيتي، هذا جنسه مجهول، ما هو الذي في البيت؟ هل هو من جنس البشر؟ من جنس الحيوانات؟ من جنس الكمبيوترات؟ من جنس الفرش؟ شيء غير معلوم جنسه. ٦ - بيع المجهول نوعه؛ كبعتك الحيوان الذي عندي، فهذا معين وجنسه معلوم من ذوات الأربع، لكن ما نوعه؟ أهو جمل أم حصان أم شاة؟ غير معلوم. أو بعتك الثوب الذي في كمي، جنس الثوب معلوم ولكن نوعه مجهول. ٧ - بيع المجهول وصفه؛ كبعتك العبد الذي أملكه، وأنت لا تعرف هذا العبد لا تعرف أوصافه، طويل أم قصير أم قوي أم ضعيف أم صحيح أم مريض، هذا كله لا تعرف عنه شيئاً، أوصافه مجهولة (١). فائدة: الآن عندما تسأل أحد العلماء عن التأمين يقول لك: التأمين حرام، التأمين التجاري محرَّم. يقول لك: هذا عقد فيه غرر. نمثل بالتأمين على السيارة، الآن يقول لك عندما تريد أن ترخص السيارة لا بد أن تؤمن، تدفع مبلغاً من المال لشركة التأمين لمدة سنة، مائة دينار تدفعها لشركة التأمين مثلاً، عقدنا هذا العقد ودفعنا المائة دينار، هل العاقبة معلومة أم مجهولة؟ مجهولة: ربما يسلِّمك الله ﵎ ولا تعمل أي حادث سير خلال السنة المائة دينار التي دفعتها ضاعت من غير أي مقابل خسارة، وأكلتها شركة التامين بالباطل من غير وجه حق. وربما قدَّر الله وعمل الشخص هذا المؤمِّن حادثاً، كم ستدفع شركة التأمين؟ الله أعلم مجهول، طيب عمل حادث سير ثانياً، وثالثاً ورابعاً وربما أكثر في خلال السنة، ستخسر شركة التامين كثيراً، وهو قدر مجهول. فالعاقبة مجهولة بشكل كبير جداً واضح الغرر، الغرر بيِّن فهو عقد محرَّم. هذا هو سبب تحريم شركات التأمين التجارية. هذا من الأسباب؛ وإلا فيوجد أسباب أخرى كالربا في بعض المعاملات. ويستثنى من تحريم الغرر ما ذكره النووي ﵀:

стр. 382

قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١): قال النووي: النهي عن بيع الغرر أصل من أصول البيع فيدخل تحته مسائل كثيرة جداً. ويستثنى من بيع الغرر أمران: أحدهما: ما يدخل في المبيع تبعاً فلو أفرد لم يصح بيعه. والثاني: ما يتسامح بمثله إما لحقارته أو للمشقة في تمييزه وتعيينه. فمن الأول: بيع أساس الدار، والدابة التي في ضرعها اللبن، والحامل. ومن الثاني: الجبة المحشوة، والشرب من السقاء. قال: وما اختلف العلماء فيه مبني على اختلافهم في كونه حقيراً أو يشق تمييزه أو تعيينه فيكون الغرر فيه كالمعدوم فيصح البيع وبالعكس. انتهى قال النووي ﵀ في شرح مسلم: وقد يحتمل بعض الغرر بيعاً إذا دعت إليه حاجة؛ كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل والتي في ضرعها لبن؛ فإنه يصح للبيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار؛ ولأن الحاجة تدعو إليه فإنه لا يمكن رؤيته، وكذا القول في حمل الشاة ولبنها. وكذلك أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير، منها: أنهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز. وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة والثوب ونحو ذلك شهراً، مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يوماً وقد يكون تسعة وعشرين. وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء وفي قدر مكثهم. وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض، مع جهالة قدر المشروب، واختلاف عادة الشاربين وعكس هذا. وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون، والطير في الهواء. قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر، والصحة مع وجوده على ما ذكرناه: وهو أنه إن دعت حاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، وكان الغرر حقيراً جاز البيع وإلا فلا. وما وقع في بعض مسائل الباب من اختلاف العلماء في صحة البيع فيها وفساده كبيع العين الغائبة؛ مبني على هذه القاعدة. فبعضهم يرى أن الغرر حقير فيجعله كالمعدوم فيصح البيع، وبعضهم يراه ليس بحقير فيبطل البيع. والله أعلم (٢).

стр. 383

قال المؤلف ﵀: (والعُربُونِ، والعصيرِ إلى من يتَّخذُهُ خَمْراً، والكَالِئ بالكَالِئ، وما اشتَراهُ قَبْلَ قبْضِهِ، والطَّعَامِ حتى يَجرِي فيه الصَّاعَانِ) ولا يجوز بيع العربون. يقال: عُربُون، وعُربَان، وعَرَبُون العربون: أن يُعطى البائع درهماً أو دراهم- مالاً - على أنه من الثمن. نفس صورة العربون المعروفة عند الناس اليوم؛ يُعطي المشتري البائع جزءاً من ثمن البضاعة، قبل أن يشتريها، على أنه إذا ترك الشراء كان ما دفعه حقّاً للبائع يأخذه. يهمنا بيان صورة المسألة وحكم المسألة ودليلها وعلتها إن وجدت، هذا ما أحرص على بيانه بأسهل عبارة، وإلا الخلافات والتفريعات كثيرة، ولكن كَوْن هذا الكتاب للمبتدئين نكتفي بهذه الأمور: تصوُّر المسألة مع ذكر الدليل، معرفة المعنى الذي جاءت له المسألة، وحكم. وبعد أن تُعرف هذه الأمور، بقية المسائل تصبح سهلة، والخلافات بين العلماء والأقوال مجرد أن تقرأ في كتاب كبير تستطيع أن تفهم على العلماء بسهولة بما أنك فهمت صورة المسألة وعرفت دليلها وعرفت حكمها وعلتها إن وجدت. حكم بيع العربون اختلف فيه أهل العلم ما بين مجوِّز ومانع، فبعضهم جوَّز بيع العربون والبعض منع. وسبب الخلاف؛ اختلاف الأدلة فقد جاء عند مالك في «الموطأ» قال: بلغني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع العُربَان «(١)، وأخرجه أبو داود وغيره أيضاً، وبيَّن الإمام البيهقي ﵀ ضعف هذا الحديث، والعُربَان والعربون بمعنى واحد لا فرق. هذا حديث فيه النهي عن بيع العربون.

стр. 384

وأخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» عن زيد بن أسلم «أن النبي ﷺ أحلَّ العُربان في البيع» (١)، يعني أحل بيع العربون، وهو مرسل، من رواية زيد بن أسلم عن النبي ﷺ ، وزيد بن أسلم تابعي، وليس صحابياً، فالحديث مرسل؛ فهو ضعيف أيضاً. فحديث التحريم ضعيف، وحديث الإباحة أيضاً ضعيف، ولا يصح حديث عن النبي ﷺ في هذا الباب. فالذين حرَّموا احتجوا بحديث عبد الله بن عمرو المتقدم، وقالوا بأنه من أكل أموال الناس بالباطل، فالبائع الذي أخذ المال من المشتري عندما ترك الشراء؛ أخذه من غير وجه حق. والذين أحلوا استدلوا بحديث زيد بن أسلم الذي هو أيضاً ضعيف، وضعَّفوا الحديث الأول وردّوا القول الذي يقول بأنه من أكل أموال الناس بالباطل، قالوا بل هو مالٌ أُخذ للضرر الذي يلحق البائع من تأخير البضاعة عنده، ما أُخِّرت البضاعة هذه ولا حُجزت إلا لأن المشتري قد أرادها، لذلك أُخرت، وإلا ربما بيعت في الفترة التي حجزها المشتري، ولا تباع بسببه؛ فحصل تعطيل وحصل ضرر على البائع نتيجة الحجز الذي حجزه المشتري، فلما تركه صار المال الذي حُجز من حق البائع مقابل تأخير بيع البضاعة، فليس هو من أكل أموال الناس بالباطل في شيء. وهذا القول الثاني هو القول الصحيح، أن بيع العربون جائز؛ لأن الأصل حل البيع ما لم يأتِ دليل صحيح على تحريمه، وهذه المسألة ليس فيها دليل صحيح عن النبي ﷺ ، والتعليل الذي عللوا به أيضاً لا يسلَّم فلم يبقَ إلا القول بالجواز، وهذا القول منقول عن عمر بن الخطاب ﵁ وابن عمر، وهو مذهب الإمام أحمد ﵀. وأما بيع العصير إلى من يتخذه خمراً. فالمراد بالعصير عصير العنب، فإن الشخص إذا أبقاه وخزَّنه تحول إلى خمر مسكر، ومن علم أن مشتريه أراد أن يتخذه خمراً حرُم عليه بيعه له؛ لقول الله ﵎ ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وبيع العصير إلى من يتخذه خمراً فيه إعانة له على فعل ذلك، فيدخل في النهي. وأخرج أبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه «(٢). فلعن في هذا الحديث شارب الخمر ومن أعانه على ذلك. والبيع باطل لقول النبي ﷺ » من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد «(٣) وهذا البيع ليس عليه أمر النبي ﷺ .

стр. 385

وهكذا الحكم عام في كل ما يُقصد به الحرام؛ كبيع السلاح في وقت الفتنة التي تقع بين المسلمين، ويقتل بعضهم بعضاً؛ لأنك تعلم أو غلب على ظنك أن المشتري اشترى السلاح كي يقتل به مسلماً آخر، وهذا الفعل كبيرة من الكبائر، وأنت ببيعك السلاح له تكون أعنته عليها، وفاعل ذلك داخل في قول الله ﵎ ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. أو بيع السلاح لقُطّاع الطرق كذلك، لأن قطاع الطرق يقتلون به الناس سواء كانوا من المسلمين أو من غير المسلمين من المستأمنين أوالمعاهدينأو الذميين، فمثل هؤلاء لا يجوز بيع السلاح لهم لأنهم من المفسدين في الأرض. وبيع الأَمة للغناء كذلك يدخل في هذا؛ لأن الغناء محرَّم، فبيع الأمة لأجل الغناء من التعاون على الإثم والعدوان. أو إجارة داره لبيع الخمرأو لفتح بنك ربوي أو محل قمار كمحلات لعب البلياردو، شخص جاءك وأنت عندك دكاكين، وأراد أن يستأجر منك دكاناً ليبيع الخمر، يفتحها خمّارة أو يفتحها كما يسمونه اليوم (نادي ليلي)، (كازينو)، (بار)، أو ما شابه من الأشياء أو محل لبيع الدخان، فمثل هذا داخل كله في قول الله ﵎ ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. شخص أراد أن يفتح محلاً للأنترنت هذا موجود كثير ونُسأل عنه كثيراً. الأنترنت يستعمل فيما يحل وفيما يحرم، ومثل هذا ينظر فيه إلى الغالب، الغالب على استعمال مقاهي الأنترنت في الأفلام الإباحية أفلام الزنا والموسيقى والغناء وما شابه من الفساد، فإذا كان هذا هو غالب الاستعمال فيقال يحرم فتحه لأنه من التعاون على الإثم والعدوان. والله أعلم والإثم الذي ورد في الآية هو: ترك ما أمر الله بفعله. والعدوان: مجاوزة ما حدَّ الله في دينكم وما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم، فهما يشملان جميع المحرمات. وأما بيع الكالئ بالكالئ. أصله مأخوذ من كلأَ الدَّين أي أخَّره. والمراد به عند الفقهاء: بيع الدَّين بالدين. وهو بيع مؤجل بمؤجل، بيع الشيء الغائب عن مجلس العقد. يعني بيع الشيء الغائب عن مجلس العقد دون قبضه مؤجلاً بالشيء الغائب عن مجلس العقد مؤجلاً، فكل ما أُجِّل فيه الثمن والمبيع وأُخّر قبضه يكون من بيع الكالئ بالكالئ؛ كأن يشتري مثلاً شخص ما شاة بمائة دينار، زيد وعمرو، زيد عنده شاة تساوي مائة دينار، وعمرو جاء إليه وأراد أن يشتري منه الشاة بمائة دينار، والشاة ليست حاضرة في المجلس مجلس العقد بل أجل تسليمها ولا عمرو معه المائة دينار في المجلس كذلك أجل تسليمها.

стр. 386

وتعاقدا في ذاك المجلس على البيع على أن هذا له الشاة وهذا له المائة دينارمؤجلاً، لا المائة دينار موجودة ولا الشاة موجودة فكلاهما غائب مؤجل فصار دين بدين، الثمن والمبيع. هذا البيع باطل بالإجماع، فإذا حضر الثمن أو المبيع مجلس العقد وقبض في المجلس صح البيع؛ إذا دُفعت المائة دينار في المجلس ثم سلَّمه بعد ذلك الشاة، صح البيع إذا كانت الشاة معلومة للمشتري غير مجهولة، أو سلَّمه الشاة، وأخر تسليم المال صح البيع، لكن أن تكون الشاة مؤجلة وتكون المائة دينار أيضاً مؤجلة هذا لا يجوز. ورد فيه حديث عن النبي ﷺ «أنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ «(١) أخرجه الحاكم وغيره، ولكن الإمام أحمد ﵀ ضعَّف هذا الحديث، ونقل الاتفاق على تحريم ذلك (٢). وأما ما اشتراه قبل قبضه. فيحرم بيع الشيء قبل قبضه؛ لأن النبي ﷺ «نهى أن تُباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم «(٣) رواه زيد بن ثابت عن النبي ﷺ ، أي؛ حتى تقبض بنقلها من مكانها. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال»: أما الذي نهى عنه رسول الله ﷺ ؛ فهو الطعام المباع حتى يُقبض، قال ابن عباس: ولا أحسِب كل شيء إلا مثله» (٤). كل شيء مثل الطعام فليس النهي خاصاً بالطعام كما ذهب إليه بعض أهل العلم. ابن عباس يقول: وأحسب كل شيء مثله، ويؤكد ما ذهب إليه ابن عباس حديث حكيم بن حزام قال قلت: يا رسول الله، إني أشتري بيوعاً، فما يحل لي منها، وما يحرم عليّ؟ فقال: «إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه» (٥) هذا لفظ عام في الطعام وفي غيره. قال البيهقي: هذا إسناد حسنٌ متصل. وقال الترمذي ﵀: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم: كرهوا أن يبيع الرجل ما ليس عنده. قلت: والحديث المتقدم: حديث زيد بن ثابت؛ يقوي هذا المعنى. فإذا ذهبت إلى البنك وأردت أن تشتري منه سيارة، فيقول لك: اذهب إلى معرض السيارات وعين السيارة التي تريدها وأحضر لنا فاتورة بثمن، فتذهب إلى المعرض وتأتي لهم بثمن السيارة أن ثمنها عشرة آلاف دينار وتعينها لهم، فيبيعك البنك هذه السيارة بعشرين ألفاً،

стр. 387

والسيارة مكانها في المعرض، حتى وإن كان البنك قد وقَّع عقداً مع المعرض على أن يشتري هذه السيارة، لا يكفي؛ لأنه لم يقبض السيارة، والنبي ﷺ نهى عن بيع الشيء حتى يُقبض، وإن تم العقد بينه وبين صاحب المعرض، وإن تم الشراء بينه وبينه إلا أن القبض لم يتحقق، فالسيارة لا زالت في المعرض لم يخرجها، ولا يتحقق القبض في هذه الحالة حتى يخرجها البنك من المعرض، فإن باعها بعد ذلك من غير أن يُلزم المشتري بأي نوع من الإلزام قبل ذلك فيجوز وإلا فلا. ومهم أن نعلم أن الشراء شيء والقبض شيء آخر، عقد الشراء إذا جئت للشخص وقلت له: أريد أن أشتري منك سيارتك، وقال لك: بعتك وهو استلم المال، تم العقد بينهما، فإذا تفرقا لزم البيع لا يجوز لأحدهما أن يرجع فيما عقده مع الآخر، لكن مسألة القبض مسألة زائدة. كيف يتم التقابض الآن؟ الأشياء المباعة: إما أن تنقل؛ كالسيارة مثلاً، أو الطعام، فإذا أخرجها المشتري من المكان الخاص بالبائع يكون قد قبَضَها، قبْضُها يكون بنقلها من المكان الذي يختص بالبائع. وإما أنها لا تنقل؛ كالعقارات والأراضي، فهذه تقبض بالتَّخْلِيَة، ومعنى التخلية أن تسلمني مفتاح البيت وتخلي بيني وبينه أتصرف به كما أشاء، بحيث أتمكن من الانتفاع به فيما يُقصد منه. فالبيت يقصد للسكنى فتمكنني من سكناه، والأرض تقصد للبناء أو للزراعة فتمكنني من بنائها أو زرعها. وكل شيء بعد ذلك قبضه على حسب العرف ما عُدّ في العرف قبضاً فهو قبض. وحكمة النهي عن بيع السلع قبل قبضها، إغلاق الطريق على المتحايلين على الربا، كما يحدث الآن في كثير من البنوك الإسلامية، فهو سد للذريعة. وكذلك قبل القبض تكون السلعة في ضمان البائع إلى أن يقبضها المشتري، فإذا هلكت أوعدمت يكون ضمانها على البائع، فإذا باعها المشتري يكون باع ما لم يضمن، يكون باع ما لم يتحمل تبعاته. وأما الطعام الذي يجري فيه الصاعان، فقد ورد فيه حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه» نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع وصاع المشتري «(١). قالوا معنى ذلك: إذا باع الطعام بالكيل؛ فلا يجوز لمن اشتراه أن يبيعه بالكيل الأول بل لابد أن يكال ثانية عند بيعه.

стр. 388

هذا ما بيع بالكيل، وأما ما بيع مجازفة أي من غير كيل ولا وزن؛ فيجوز بيعه من غير كيل ولا وزن. قال المؤلف ﵀: (ولا يجوزُ الاستِثنَاءُ في البيعِ إلا إذا كان مَعلُوماً، ومنه استثناءُ ظَهرِ المَبِيع) صورة المسألة أن تقول لرجل مثلاً: بعتك عبيدي إلا عبداً، أو بعتك سياراتي إلا سيارة، الآن العبد هذا المستثنى مجهول، السيارة التي استُثنيت مجهولة، ففيه غرر، حتى يكون المستثنى معلوماً، عندها يجوز، فإذا قلتَ: بعتك عبيدي إلا زيداً، وزيد هذا أحد عبيدك وهو معلوم، فمثل هذا الاستثناء جائز إذ لا غرر فيه. قال المؤلف: ومنه استثناء ظهر المَبيع، أي من الاستثناء المعلوم الجائز؛ استثناء ظَهر المبيع؛ كأن يكون عندك جمل أو سيارة، تبيع هذا الجمل لشخص، تقول له: ولكن أشترط أن أركب ظهر الجمل من هذا المكان إلى البيت الفلاني أو إلى المدينة الفلانية، هذا استثناء من البيع، استثناء منفعة، ولكنه استثناء معلوم. دليل هذا حديث جابر عند مسلم في صحيحه «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثُّنَيّا» (١)، بيع الثُّنَيّا يعني الاستثناء في البيع، كالمثال المتقدم: بعتك عبيدي إلا عبداً، استثناء شيء مجهول. وعند أبي داود زيادة: » إلا أن يُعلم «(٢). يعني إلا أن يكون المستثنى معلوماً. والدليل على أن استثناء ظهر المبيع - أي الركوب على ظهر الدابة للسفر أو النقل أو غير ذلك- جائز؛ حديث جابر في الصحيحين «أنه باع النبي ﷺ جملاً، وقال: فاستثنيت حُملانَه إلى أهلي» (٣). جابر يقول: بعت الجمل للنبي ﷺ واستثنيت حُمْلانَه إلى أهلي، يعني قلت للنبي ﷺ : أشترط أن يحملني هذا الجمل إلى أهلي وكانوا في الطريق إلى المدينة. وفيه: قال له النبي ﷺ »: لك ظهره إلى المدينة «. يعني لك أن تركبه وأن يوصلك إلى المدينة، ففي هذا الحديث اشترط جابر ﵁ شيئاً معلوماً إلى وقتٍ معلوم، فيجوز مثل هذا الاستثناء، أما إذا كان الاستثناء غير معلوم فلا يجوز ويدخل في النهي. قال المؤلف ﵀: (ولا يجوزُ التفريقُ بين المَحَارمِ، ولا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، والتَّناجُشُ، والبَيعُ على البَيعِ، وتَلَقِّي الرُّكبَانِ، والاحتِكارُ، والتَّسْعِيرُ) هذه مجموعة من البيوع المحرمة لعلل مختلفة.

стр. 389

قال: ولا يجوز التفريق بين المحارم. أي عند بيع العبيد والإماء المملوكين، كأن يفرِّق الشخص بين الأختين أو بين الأخوين أو بين الأم وابنها أو بين الأب وابنه، هؤلاء كلهم من المحارم فلا يجوز التفريق بينهم على ما ذهب إليه المؤلف ﵀. استدل المؤلف ومن قال بقوله بقول النبي ﷺ : «مَنْ فرَّق بين والدة وولدها فرَّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة «(١) أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما من حديث أبي أيوب الأنصاري وهو حديث ضعيف. وكذا حديث علي» أمرني النبي ﷺ أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما وفرَّقت بينهما، فذكرت ذلك له فقال: أدركهما فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعاً «(٢) يعني مع بعضهما لا تفرِّق بينهما. أخرجه أحمد وابن خزيمة والحاكم وغيرهما وهو ضعيف أيضاً. وفي حديث أبي موسى قال: » لعن رسول الله ﷺ من فرَّق بين الوالدة وولدها وبين الأخ وبين أخيه «(٣) أخرجه ابن ماجه وهو ضعيف. ورويت أحاديث أخرى مرفوعة. والخلاصة أنه لا يصح عندي شيء في هذا الباب عن النبي ﷺ . ولكن نقل أهل العلم اتفاق الفقهاء على منع البيع الذي يؤدي إلى التفريق بين الأم وولدها الصغير، التفريق بين الأم وولدها الصغير وليس بين المحارم كلهم، لم يتفقوا على هذا، إنما الاتفاق حصل فقط على منع التفريق بين الأم وابنها الصغير في البيع رحمة به لحاجته إليها. قال ابن المنذر ﵀ في كتابه «الأوسط» وهو من أنفس كتب الفقه الذي يسمى اليوم بالفقه المقارَن، فقه مبني على طريقة أهل الحديث، فقه سلفي بمعنى الكلمة. قال: وأجمع كل مَنْ نحفظ عنه من أهل العلم على التفرقة بين الولد وبين أمه، والولد طفلٌ

стр. 390

لم يبلغ سبع سنين ولم يستغنِ عن أمه؛ غير جائز (١). هذه الصورة المتفق عليها، أن الولد إذا كان أقل من سبع سنين ولم يستغنِ عن أمه في الطعام والشراب والملبس فيحتاج إليها في كل هذا، هنا لا يجوز التفريق بينه وبين أمه عند البيع، هذا محل اتفاق، فإذا وقع البيع فالبيع باطل. واختلفوا في السن التي يجوز التفريق بعدها، وما اتفقوا عليه هو أن الولد إذا كان لا يزال لا يستغني عن أمه في الطعام والشراب والملبس فلا يجوز التفريق بينهم، وذكر ابن المنذر أن ذلك إلى السنة السابعة، واختلفوا بعد ذلك، فمن قائل إلى البلوغ ومن قائل حتى بعد البلوغ، أقوال. ما أجمعوا عليه نقول به أنه لا يجوز التفريق بين الأم وولدها إلى السن السابعة؛ لأن الولد لا يستغني عن أمه في هذه السن، وبعد ذلك مَنْ أتى بقولٍ فعليه بدليله، فلا يؤخذ بقولٍ بلا دليل، هذا الدليل معنا في الإجماع على أن سن السابعة لا يجوز التفريق بينه وبين أمه إليها، لكن من سن السابعة نقول يجوز متى صار قادراً على خدمة نفسه؛ لعدم الدليل المانع من ذلك. أما مسألة المحارم فهذا كما ذكرنا الأحاديث الواردة فيها ضعيفة لا تصح فلا يُعتمد عليها. قال المؤلف ﵀: ولا أن يبيعَ حاضرٌ لِبادٍ. الحاضر هو المدني، المقيم في المدينة، والبادي نسبة إلى البادية، والمراد القادم من البادية ليبيع سلعته، فالحاضر في المدينة لا يبيع لشخص جاء من خارج المدينة لبيع سلعته. صورة المسألة: أن يحمل البدوي متاعه إلى بلد يريد أن يبيعه بسعر يومه، فيأتيه الحاضر فيقول له: ضع متاعك عندي واتركه أبيعه لك شيئاً فشيئاً بثمنٍ أغلى من السعر الذي ستبيع به؛ لأن الذي يأتي من الخارج يريد أن يبيع ويرجع إلى أهله، فيضطر أن يبيع بأقل من سعر السوق، فإذا أخذ الحاضر البضاعة من هذا الشخص وباعها له سيبيعها بسعر السوق وربما أغلى، ويصير سمساراً له، هذا الذي نهي عنه. قال ابن عباس ﵁: لا يكون له سمساراً (٢). وهذا يشمل كل من جاء من خارج البلد فالعلة تشملهم جميعاً. جاء في حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال»: لا يبِع حاضر لباد «(٣). وفي حديث ابن عمر قال: » نهى النبي ﷺ أن يبيع حاضر لباد «(٤).
следующие страницы →